← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

لايرجى زواله أو هرم بحيث لا يستطيع الثبوت على الراحلة إلا بمشقة شديدة. وهذا العاجز الحي يسمى معضوباً. وتجب الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته، ولم يحج، إذا كان له تركة، وإلا فلا يجب على الوارث. ويجوز للوارث والأجنبي الحج عنه سواء أوصى به أم لا. وأما المعضوب فلا يصح عنه الحج بغير إذنه، وتلزمه الاستنابة إن وجد مالاً يستأجر به من يحج عنه فاضلاً عن حاجته يوم الاستئجار خاصة، سواء وجد أجرة راكب أو ماش، بشرط أن يرضى بأجر المثل. وإن لم يجد مالاً ووجد من يتبرع عنه بالحج من أولاده الذكور أو الإناث، لزمه استنابته. وتجوز الاستنابة في حج التطوع للميت والمعضوب على الأصح. ولو استناب المعضوب من يحج عنه، ثم زال العضب وشفي، لم يجزه على الأصح، بل عليه أن يحج (١). وعلى هذا: من وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات ينظر: إن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه، ولم يجب القضاء. وإن مات بعد التمكن من الأداء، لم يسقط الفرض، ويجب قضاؤه من تركته، ويجب قضاؤه عنه من الميقات؛ لأن الحج يجب من الميقات، ويجب من رأس المال؛ لأنه دين واجب، فكان من رأس المال كدين الآدمي. وإن اجتمع الحج ودين الآدمي، والتركة لا تتسع لهما، الأصح أنه يقدم الحج (٢).

стр. 2032

وأجاز الحنابلة كالشافعية الحج عن الغير في حالتين أيضاً: ١ - المعضوب: وهو من عجز عن السعي إلى الحج والعمرة لكبر أو زمانة، أو مرض لا يرجى برؤه، أو ثقل لا يقدر معه الركوب على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، أو أيست المرأة من محرم. يلزم كل من هؤلاء الحج إن وجد من ينوب عنه حراً، ومالاً يستنيبه به، فيحج عنه ويعتمر على الفور من بلده، أو من الموضع الذي أيسر منه إن كان غير بلده. ويجوز أن يكون النائب رجلاً عن امرأة وبالعكس: امرأة عن رجل، بلا خلاف بين العلماء، لكن يكره عند الحنفية إحجاج المرأة لاشتمال حجها عادة على نوع من النقصان، فإنها لا ترمل في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة، ولاتحلق. وإن لم يجد مالاً يستنيب به، فلا حج عليه بغير خلاف؛ لأن الصحيح (غير المريض) لو لم يجد ما يحج به، لم يجب، فالمريض أولى. وإن وجد مالاً ولم يجد من ينوب عنه، فعلى الروايتين السابقتين في إمكان المسير: هل هو من شرائط الوجوب وهو المذهب، فلا يجب عليه شيء بعد الموت. أم من شرائط لزوم السعي للحج، فيجب الحج عنه بعد موته. ومن يرجى زوال مرضه وفك حبسه، ليس له أن يستنيب، فإن فعل لم يجزئه؛ لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه إن فعل كالفقير. وإن عوفي المعضوب قبل إحرام النائب لم يجزئه حج النائب عنه اتفاقاً للقدرة على المبدل قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد الماء.

стр. 2033

ومتى أحج المعضوب عن نفسه، ثم عوفي، لم يجب عليه حج آخر؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج عن العهدة، كما لو لم يبرأ. وقال الشافعية والحنفية: يلزمه حج آخر؛ لأن هذا بدل إياس، فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوساً منه، فلزمه الأصل، كالآيسة إذا اعتدت بالشهور، ثم حاضت، لا تجزئها تلك العدة. ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضاً كان أو تطوعاً؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه كالزكاة. ٢ - الميت الذي وجب عليه الحج: من وجب عليه الحج، لاستكمال الشرائط السابقة المطلوبة، ثم توفي قبله، فرّط في الحج بأن أخره لغير عذر، أو لم يفرط كالتأخير لمرض يرجى برؤه أو لحبس أو أسر أو نحوه، أخرج عنه من جميع ما له حجة وعمرة، ولو لم يوص به. ويكون الإحجاج عنه من حيث وجب عليه، لا من حيث مكان موته؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء، بل يجب ألا يكون النائب من خارج بلده التي تبعد فوق مسافة القصر، ويجوز من نائب من بلد آخر دون مسافة القصر؛ لأن ما دونها في حكم الحاضر. وإن مات من وجب عليه الحج في الطريق أو مات نائبه في الطريق، حج عنه من حيث مات هو أو نائبه، فيما بقي مسافة وقولاً وفعلاً. ويسقط الحج عن الميت بحج أجنبي عنه، ولو بلا إذن وليه؛ لأنه ﷺ شبَّهه بالدين، أي إن الحج عن الميت يجوز عنه بغير إذنه واجباً كان أو تطوعاً، بخلاف الحي؛ لأنه ﷺ أمر بالحج عن الميت، مع العلم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة. وإن وصى المسلم بحج نفل ولم يعين محل الاستنابة، جاز أن يحج عنه من الميقات أي ميقات بلد الموصي، ما لم تمنع منه قرينة بأن يوصي أن يحج بقدر يكفي

стр. 2034

للنفقة من بلده، فيتعين منها، فإن ضاق ماله عن الحج من بلده بأن لم يخلف مالاً يفي به، أو كان عليه دين، أخذ للحج بحصته، وحج به من حيث يبلغ، لشبهه بالدين. والخلاصة: إن المالكية والحنفية يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى وتنفذ الوصية من ثلث المال، وأجاز الجمهور غير المالكية عن الحي العاجز لمرض ونحوه. وحج النائب يكون عند الحنفية والحنابلة من بلد المنوب عنه، وعند الشافعية من الميقات. وتنفذ الوصية عند الشافعية والحنابلة من رأس المال، لا من الثلث فقط. وحج النائب عن الميت يكون على الفور عند الجمهور، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] والأمر على الفور، وعند الشافعي: على التراخي، وللنائب تأخيره؛ لأن النبي ﷺ أمّر أبا بكر على الحج وتخلف بالمدينة، لا محارباً ولا مشغولاً بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج، فدل على أن وجوبه على التراخي. أدلة المشروعية: استدل الفقهاء على مشروعية النيابة في الحج بحديث ابن عباس وغيره: «أن امرأة من خَثْعَم، قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره؟ قال: فحُجِّي عنه» (١) فدل على جواز الحج عن الوالد غير القادر على الحج، علماً بأن ذلك كان في حجة الوداع.

стр. 2035

وعن ابن عباس أيضاً: «أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك دين أكنت قاضيتَه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (١). ورواه الدارقطني بلفظ: «أتى النبي ﷺ رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو أن أباك ترك ديناً عليه، أقضيتَه عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجُجْ عن أبيك». دل على إجزاء الحج عن الميت من الولد، وشبَّهه بالدين، ودلت روايات أخرى على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، إذ فيها «إن أختي نذرت أن تحج» ولم يستفصله أوارث هو أم لا؟ ودلت السنة أيضاً على اشتراط كون النائب قد حج عن نفسه، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبّيك عن شُبْرمة، قال: من شُبْرمة؟ قال: أخ لي، أوقريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حجَّ عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» (٢). رابعاً - الاستئجار على الحج: لم يجز متقدمو الحنفية (٣) الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه من القربات الدينية لاختصاص فاعلها بها، فلو قال رجل لآخر: «استأجرتك على أن تحج عني بكذا» لم يجز حجه، والمذهب وقوع الحج عن

стр. 2036

المحجوج عنه. وإنما يقول: أمرتك أن تحج عني، بلا ذكر إجارة، وتكون له نفقة مثله بطريق الكفاية؛ لأنه فرغ من نفسه لعمل ينتفع به المستأجر. وإنما جاز الحج عنه؛ لأنه لما بطلت الإجارة، بقي الأمر بالحج. والزائد عن نفقة المثل في الطريق وغيره يرد على الآمر إلا إذا تبرع به الورثة، أو أوصى الميت بأن الفضل للحاج. ودليلهم على عدم جواز الإجارة على الحج وبقية الطاعات: أن أبي بن كعب كان يعلِّم رجلاً القرآن، فأهدى له قوساً، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له: «إن سرك أن تتقلد قوساً من نار، فتقلدها» (١)، وقال النبي ﷺ لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (٢) ولأنها عبادة يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصوم. وأجاز جمهور الفقهاء (٣) ومتأخرو الحنفية: الإجارة على الحج وبقية الطاعات، لقول النبي ﷺ : «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله» (٤)، وأخذ أصحاب النبي ﷺ الجُعْل على الرُّقية بكتاب الله، وأخبروا بذلك النبي، فصوبهم فيه (٥)، ولأنه يجوز أخذ النفقة على الحج، كما أقر متقدمو الحنفية أنفسهم، فجاز الاستئجار عليه، كبناء المساجد والقناطر. وفائدة الخلاف بين الرأيين: أنه متى لم يجز أخذ الأجرة على الحج، فلا يكون إلا نائباً محضاً، وما يدفع إليه من المال، يكون نفقة لطريقه، فلو مات أو

стр. 2037

أحصر أو مرض أو ضل الطريق، لم يلزمه الضمان لما أنفق؛ لأنه إنفاق بإذن صاحب المال. وما يلزم من الدماء للنائب بفعل محظور، فعليه في ماله؛ لأنه لم يؤذن له في الجناية، فكان موجبها عليه، كمالو لم يكن نائباً. وإن أفسد الحجة فالقضاء عليه، ويرد ما أخذ؛ لأن الحجة لم تجزئ عن المستنيب لتفريطه وجنايته، وكذلك إن فاته الحج بتفريطه. أما إن فاته بغير تفريط احتسب له بالنفقة؛ لأنه لم يفت بفعله، فلم يكن مخالفاً، كما لو مات. وإن مات في بعض الطريق فإنه يحج عنه من حيث انتهى، وما فضل معه من المال، رده، إلا أن يؤذن له في أخذه، وينفق على نفسه بقدر الحاجة ولاتقتير. وإذا سلك النائب طريقاً يمكنه سلوك أقرب منه، ففاضل النفقة في ماله، وإن أقام بمكة مدة القصر، بعد إمكان السفر راجعاً، أنفق من مال نفسه. وإن جاز الاستئجار على الحج عن حي أو ميت، اعتبر فيه شروط الإجارة من معرفة الأجرة، وعقد الإجارة، وما يأخذه أجرة له يملكه، ويباح له التصرف فيه، والتوسع به في النفقة وغيرها، وما فضل فهو له. وإن أحصر أو ضل الطريق، أو ضاعت النفقة منه، فهو في ضمانه والحج عليه. وإن مات انفسخت الإجارة؛ لأن المعقود عليه تلف، فانفسخ العقد، كما لو ماتت البهيمة المستأجرة، ويكون الحج أيضاً من موضع بلغ إليه النائب، وما لزمه من الدماء فعليه؛ لأن الحج عليه. الإجارة على الحج عند المالكية: هؤلاء وإن أجازوا الإجارة على الحج عن الميت الذي أوصى به، لكنهم قالوا بكراهة إجارة الإنسان نفسه في عمل لله تعالى، حجاً أو غيره، كقراءة وإمامة وتعليم علم، إلا تعليم كتاب الله تعالى، وتصح إن أجر نفسه. والإجارة على الحج عندهم نوعان: الأول - إجارة بأجرة معلومة تكون ملكاً للأجير، كسائر الإجارات، فما عجز عن كفايته، وفاه من ماله، وما فضل كان له.

стр. 2038

الثاني - البلاغ: وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه، فإن احتاج إلى زيادة، أخذها من المستأجر، وإن فضل شيء رده إليه. وإذا أوصى الميت أن يحج عنه من ماله، وكان صَرُورة (لم يحج)، نفذت الوصية من ثلث ماله، وإن لم يوص سقط عنه. وينوي الأجير الحج لمن حج عنه، ويجوز أن يكون الأجير على الحج لم يحج حجة الفريضة عندهم وعند الحنفية، خلافاً للشافعية والحنابلة، كما سأبيِّن في الشروط. خامساً - شروط الحج عن الغير: اشترط الحنفية (١) عشرين شرطاً للحج عن الغير أذكرها مع آراء الفقهاء الآخرين: ١ - نية النائب عن الأصيل عند الإحرام؛ لأن النائب يحج عن الأصيل لاعن نفسه، فلا بد من نيته، والأفضل أن يقول بلسانه: أحرمت عن فلان، ولبيت عن فلان، فيقول مثلاً: نويت الحج عن فلان وأحرمت به لله تعالى، ولبيك عن فلان، كما إذا حج عن نفسه، ولو نسي اسمه فنوى عن الأصيل صح، وتكفي نية القلب. وهذا الشرط متفق عليه ٢ - أن يكون الأصيل عاجزاً عن أداء الحج بنفسه، وله مال. فإن كان قادراً على الأداء، بأن كان صحيح البدن، وله مال، لا يجوز حج غيره عنه. وهذا

стр. 2039

باتفاق الجمهور غير المالكية، أما المالكية فلم يجيزوا الحج عن الحي مطلقاً، وعليه: لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً. وأجاز الكل الحج عن الميت، لكن إذا أوصى عند الحنفية والمالكية، أو وإن لم يوص عند الآخرين، ويجب الحج عنه إن كان قادراً ومات مفرطاً عند الشافعية والحنابلة. ٣ - أن يستمر العجز كالحبس والمرض إلى الموت: وهذا باتفاق الحنفية والشافعية؛ فلو زال العجز قبل الموت، لم يجزئه حج النائب؛ لأن جواز الحج عن الغير ثبت بخلاف القياس لضرورة العجز الذي لا يرجى برؤه، فيتقيد الجواز به. وقال الحنابلة: يجزئه؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج عن العهدة، كما لو لم يزل عذره. ٤ - وجوب الحج: فلو أحج الفقير أو غيره ممن لم يجب عليه الحج عن الفرض، لم يجز حج غيره، وإن وجب بعد ذلك. ٥ - وجود العذر قبل الإحجاج: فلو أحج صحيح غيره، ثم عجز، لا يجزيه. وهذان الشرطان مفهومان بداهة. ٦ - أن تكون النفقة من مال الأصيل، كلها أو أكثرها عند الحنفية، إلا الوارث إذا تبرع بالحج عن مورثه، تبرأ ذمة الميت، إذا لم يكن قد أوصى بالإحجاج عنه. فإن تطوع النائب بالحج من مال نفسه، لم يقع عند الحنفية عن الميت، وكذا إذا أوصى الميت المورث أن يحج عنه بماله، ومات، فتطوع عنه وارثه بمال نفسه، لايجزئ الميت؛ لأن الفرض تعلق بماله، فإذا لم يحج بماله، لم يسقط عنه الفرض.

стр. 2040

وأجاز الشافعية والحنابلة التطوع بالحج من الوارث أو الأجنبي عن الغير مطلقاً، سواء أوصى الميت أم لم يوص أو لم يأذن الوارث للأجنبي، كمن يتبرع بقضاء دين غيره. ٧ - أن يحرم من الميقات على النحو الذي طالب به الأصيل: فلو اعتمر، وقد أمره بالحج، ثم حج من مكة، لا يجوز، ويضمن، أي لو أمره بالإفراد بالحج، فتمتع بالعمرة، لم يقع حجه عنه، ويضمن باتفاق الحنفية، ولو أمره بالإفراد فقرن بالحج والعمرة فهو مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة، ويجوز ذلك عند الصاحبين عن الأصيل استحساناً. وإن أوصى الميت بالحج، وحدد المال أو المكان، فالأمر على ما حدده وعينه، وإن لم يحدد شيئاً فيحج عنه من بلده قياساً لا استحساناً، والعمل على القياس. وقال الشافعية: يجب على النائب الحج من ميقات الأصيل؛ لأن الحج يجب من الميقات. ولو أمره بالإفراد فقرن عن الآمر، فيقع ذلك عن الآمر كما قال الصاحبان. أما إذا أمره بالإفراد فتمتع عن الآمر، لم يقع حجه عنه، ولايجوز ذلك عن حجة الإسلام، كما قال الحنفية. وسوى المالكية بين القران والتمتع إذا فعلا، وكان الإفراد يجزئ، إن كان الشرط من الوصي لا الأصيل وقال الحنابلة: يجب على النائب الحج من بلد الأصيل؛ لأن الحج واجب على العاجز أو الميت من بلده، فوجب أن ينوب عنه منه؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء، كقضاء الصلاة والصيام. وكذلك الحكم في حج النذر والقضاء. وصحح الحنابلة الحج عن الأصيل في كل الحالات إفراداً وقراناً وتمتعاً، ويرجع على الأجير بفرق أجرة المسافة، أو توفير الميقات. فإن كان للأصيل وطنان، استنيب من أقربهما. وإن خرج الشخص للحج، فمات في الطريق، حج عنه من

стр. 2041

حيث مات؛ لأنه أسقط بعض ما وجب عليه، فلم يجب ثانياً. وكذلك إن مات نائبه، استنيب من حيث مات كذلك. ولو أحرم شخص بالحج، ثم مات، صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك؛ سواء أكان إحرامه لنفسه أم لغيره؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد فعل بعضها، قضى عنه باقيها كالزكاة. فإن لم يخلف الميت تركة تفي بالحج من بلده، حج عنه من حيث تبلغ. وإن أوصى ميت بحج تطوع، فلم يف ثلثه بالحج من بلده، حج به من حيث بلغ، أو يعان به في الحج. ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد، إلا أن يرضى الورثة بزيادة، أو يكون قد أوصى بشيء، فيجوز ما أوصى به ما لم يزد على الثلث. ٨ - الأمر بالحج: شرط الحنفية أن يأمر الأصيل بالحج عنه، فلا يجوز الحج عن الغير بغير إذنه، إلا الوارث، فإنه يجوز أن يحج عن المورث بغير إذنه، وتبرأ ذمة الميت إذا لم يكن أوصى بالحج عنه، ودليلهم حديث الخثعمية السابق. وفي نطاق المشيئة الإلهية: لو حج عنه أجنبي تسقط عنه حجة الإسلام إن شاء الله تعالى؛ لأنه إيصال للثواب، وهو لا يختص بأحد من قريب أو بعيد، قال أبو حنيفة: يجزيه إن شاء الله، وبعد الوصية يجزيه من غير المشيئة ٩ - وشرط الحنفية أيضاً عدم اشتراط الإجرة، فلا يجوز كما تقدم عندهم الاستئجار على الحج، فلو استأجر رجلاً، بأن قال: استأجرتك على أن تحج عني بكذا، لم يجز حجه عنه والمعتمد أنه يقع عنه، وإنما يقول: أمرتك أن تحج عني، بلا ذكر إجارة. وأجاز الجمهور كما بينا الاستئجار على الحج.

стр. 2042

وأبان الحنابلة أنه يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين؛ لأن النبي ﷺ أمر أبا رزين فقال: «حج عن أبيك واعتمر» و «سألت امرأة رسول الله ﷺ عن أبيها مات ولم يحج، فقال: حج عن أبيك» وعن جابر: «من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرماً، بعث يوم القيامة مع الأبرار». (١) ويستحب البداءة بالحج عن الأم إن كان تطوعاً أو واجباً عليهما؛ لأن الأم مقدمة في البر، قال أبو هريرة: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أُمُّك، قال: ثم من؟ قال: أُمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» (٢). وإن كان الحج واجباً على الأب دون الأم، بدأ به؛ لأنه واجب، فكان أولى من التطوع. وقال الحنفية: من أهل بحجة عن أبويه، يجزيه أن يجعله عن أحدهما؛ لأن من حج عن غيره بغير إذنه، يجعل ثواب حجه له بعد أداء الحج، فلغت نيته قبل أدائه، وصح جعل ثوابه لأحدهما بعد الأداء، بخلاف المأمور بالحج، كما تقدم. ١٠ - أهلية النائب لصحة الحج: بأن يكون مكلفاً (بالغاً عاقلاً) بالاتفاق وأجاز الحنفية كون النائب مميزاً (مراهقاً) فلا يصح عندهم إحجاج صبي غير مميز. حج الصَّرُورة: الصرورة: من لم يحج عن نفسه، أجاز الحنفية مع الكراهة التحريمية حج الصرورة ولم يشترطوا أن يكون النائب قد حج عن نفسه، عملاً بإطلاق حديث الخثعمية: «حجي عن أبيك» من غير استفسار عن سبقها الحج عن نفسها، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم المقال أو الخطاب. أما سبب الكراهة فهو أنه تارك فرض الحج.

стр. 2043

وكذلك قال المالكية: يكره الحج عن غيره أي في حالة الوصية بالحج قبل أن يحج عن نفسه، بناء على أن الحج واجب على التراخي، وإلا منع على القول بأنه على الفور وهو المعتمد عندهم. وقال الشافعية والحنابلة: لا يصح الحج عن الغير ما لم يكن النائب قد حج عن نفسه حجة الإسلام، للحديث السابق الذي أمر به النبي ﷺ رجلاً يلبي عن شبرمة، فقال له: «حج عن نفسك، ثم عن شبرمة» ويحمل ترك الاستفصال في حديث الخثعمية على علمه ﵇ بأنها حجت عن نفسها أولاً، وإن لم يرو لنا طريق علمه بذلك، جمعاً بين الأدلة كلها، كما قال الكمال بن الهمام. ويؤيده حديث آخر: «لا صرورة في الإسلام» (١). كذلك لا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة، وعليه فرضهما، ولا يحج ولا يعتمر عن النذر، وعليه فرض حجة الإسلام؛ لأن النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام، فلا يجوز تقديمهما عليها، كحج غيره على حجه. فإن أحرم عن غيره، وعليه فرضه، انعقد إحرامه لنفسه عما عليه، للرواية السابقة عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ قال لمن يحج عن شبرمة: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة». وعليه لو اجتمع على إنسان حجة الإسلام وقضاء ونذر، قدمت حجة الإسلام، ثم القضاء ثم النذر، ولو أحرم بغيرها وقع عنها، لا عما نوى. ١١ - أن يحج النائب راكباً؛ لأن المفروض عليه هو الحج راكباً، فينصرف

стр. 2044

مطلق الأمر بالحج إليه، فإذا حج ماشياً فقد خالف، فيضمن النفقة، فمن أمر غيره بالحج عنه، فحج ماشياً، ضمن النفقة. والمعتبر عند الحنفية: ركوب أكثر الطريق، إلا إن ضاقت النفقة، فحج ماشياً، جاز. وكون وجوب الحج راكباً هو رأي الجمهور غير المالكية. أما المالكية فيوجبون الحج ماشياً بلا مشقة شديدة، كما عرفنا. ١٢ - أن يحج النائب عن الأصيل من وطنه إن اتسع ثلث التركة، في حالة الوصية بالحج، وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ. هذا رأي الحنفية. ورأى الشافعية والحنابلة أنه يحج عنه من جميع مال الميت؛ لأنه دين واجب، فكان من رأس المال، كدين الآدمي. ١٣ - أن يحج النائب بنفسه إن عينه الأصيل، بأن قال: يحج عني فلان، لا غيره، فلا يجوز حج غيره، ولا يقع الحج عن الميت، ويضمن الحاج الأول والثاني نفقة الحج. أما إن فوض الأصيل النائب، فقال له: اصنع ماشئت، فله حينئذ أن يدفع المال إلى غيره، ويقع الحج عن الآمر. ١٤ - ألا يفسد النائب حجه: فلو أفسده، لم يقع عن الآمر، وإن قضاه عند الحنفية، كما سأبين؛ لأنه أمره بحجة صحيحة: وهي الخالية عن الجماع، ولم يفعل ذلك، فصار مخالفاً، فيضمن ما أنفق، ويقع الحج له لا عن الأصيل؛ لأن من أفسد حجة يلزمه قضاؤه. ١٥ - عدم المخالفة: فلو أمره بالإفراد، فقرن أو تمتع، ولو عن الميت، لم يقع عنه، ويضمن النفقة. ولو أمره بالعمرة فاعتمر، ثم حج عن نفسه، أو بالحج، فحج، ثم اعتمر عن نفسه، جاز، إلا أن نفقة إقامته للحج أو العمرة عن نفسه في ماله، فإذا فرغ عادت في مال الميت، وإن عكس لم يجز.

стр. 2045

١٦ - أن يحرم بحجة واحدة: فلو أهل بحجة عن الآمر، ثم بأخرى عن نفسه، لم يجز، إلا إن رفض الثانية. ١٧ - أن يفرد الحج عن واحد لو أمره رجلان بالحج، فلو أهل عنهما، ضمن. ١٨، ١٩ - إسلام النائب والأصيل وتوفر العقل لديهما، فلا يصح الحج من المسلم للكافر، ولا من المجنون لغيره، ولا عكسه، لكن لو وجب الحج عن المجنون قبل طروء جنونه، صح الإحجاج عنه. ٢٠ - عدم الفوات أي عدم تفويت الوقوف بعرفة، كما سيأتي. الحج النفل عن الغير: هذه الشرائط كلها عند الحنفية في الحج الفرض، أما الحج النفل عن الغير، فلا يشترط فيه شيء منها إلا الإسلام والعقل والتمييز، وكذا الاستئجار عليه، لاتساع باب النفل، فإنه يتسامح في النفل ولا يتسامح في الفرض (١). سادساً - مخالفة النائب: الأصل في النائب بالحج عن الغير أن يلتزم ما وكله به الأصيل أو أمره به، فإذا خالف الأمر، ما الحكم؟ قال الحنفية (٢): يصير المأمور بالحج مخالفاً في الحالات التالية: أـ إذا أمره بحجة مفردة أو بعمرة مفردة، فقرن بينهما: فهو مخالف ضامن

стр. 2046

عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يأت بالمأمور به؛ لأنه أمر بسفر على نحو معين، لا غير، ولم يأت به، فخالف أمر الآمر، فضمن. وقال الصاحبان: يجزئ ذلك عن الآمر استحساناً، ولا يُضمن فيه دم القران على الحاج؛ لأنه فعل المأمور به، وزاد خيراً، فكان مأذوناً في الزيادة دلالة، فلم يكن مخالفاً، فهي مخالفة إلى خير. ب - لو أمره بالحج عنه، فاعتمر: ضمن؛ لأنه خالف. ولو اعتمر، ثم حج من مكة، يضمن النفقة باتفاق الحنفية، لأمره له بالحج بسفر، وقد أتى بالحج من غير سفر. جـ - لوأمره أن يعتمر، فأحرم بالعمرة واعتمر، ثم أحرم بالحج عن نفسه، لم يكن مخالفاً؛ لأنه فعل ما أمر به: وهو أداء العمرة بالسفر، وحجه عن نفسه بعدئذ كاشتغاله بعمل آخر من التجارة وغيرها، لكن النفقة في حجه تكون من ماله، لأنه عمل لنفسه. د - إذا أمره أن يحج عنه، فحج عنه ماشياً، يضمن؛ لأنه خالف؛ لأن الأمر بالحج ينصرف إلى الحج المتعارف في الشرع وهوالحج راكباً؛ لأن الله تعالى أمر بذلك، فعند الإطلاق ينصرف إليه. فإذا حج ماشياً، فقد خالف. هـ - لو أمره اثنان بالحج عنهما، فأحرم عنهما معاً، فهو مخالف، ويقع الحج عنه، ويضمن النفقة لهما إن أنفق من مالهما؛ لأن كل واحد منهما أمره بحج تام ولم يفعل، فصار مخالفاً لأمرهما، فلم يقع حجه عنهما، فيضمن لهما. ووقع الحج عن الحاج؛ لأن الأصل أن يقع كل فعل عن فاعله، وإنما يقع لغيره بجعله، فإذا خالف لم يصر لغيره، فبقي فعله له. وإن أحرم بحجة عن أحدهما بعينه، وقع عنه، ويضمن للآخر النفقة، وإن أحرم بحجة عن أحدهما بغير تعيين، فله أن يجعله عن أحدهما أيهما شاء، ما لم

стр. 2047

يتصل بها الأداء. وكذلك لو أحرم الابن بالحج عن أحد أبويه، صح وإن لم يكن معيناً، ثم يعين أحدهما؛ لأن الإحرام ليس من الأداء، بل هو شرط جواز أداء أفعال الحج. وإن أمره أحدهما بحجة، وأمره الآخر بعمرة: فإن أذنا له بالجمع وهو القران، فجمع، جاز. وإن لم يأذنا له بالجمع، فجمع، جاز عند الكرخي، ولم يجز عند القدوري وهو الأرجح؛ لأنه خالف؛ لأنه أمره بسفر ينصرف كله إلى الحج، وقد صرفه إلى الحج والعمرة، فصار مخالفاً. جزاء المخالفة: إذا فعل المأمور بالحج ما يوجب الدم (ذبح شاة مثلاً) أو غيره، فهو عليه. ولو قرن عن الآمر بأمره، فدم القران عليه. والحاصل: أن جميع الدماء المتعلقة بالإحرام في مال الحاج، إلا دم الإحصار خاصة، فإنه في مال المحجوج عنه؛ لأنه هو الذي أدخل الحاج في هذه العهدة، فكان من جنس النفقة والمؤنة، وذلك من مال المحجوج عنه. فإن جامع الحاج القائم بالحج عن غيره قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه، ويمضي فيه، والنفقة في ماله، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك، وعليه القضاء من مال نفسه. وـ من حج عن غيره، فمرض في الطريق، لم يجز له أن يدفع النفقة إلى من يحج عن الميت إلا أن يكون أذن له في ذلك؛ لأنه مأمور بالحج، لا بالإحجاج. ز - لو أحج رجلاً يؤدي الحج، ويقيم بمكة، جاز؛ لأن فرض الحج، صار مؤدىً بالفراغ عن أفعاله. والأفضل أن يحج، ثم يعود إليه، لأنه كلما كانت النفقة أكثر، كان الثواب للآمر أكثر وأوفر.

стр. 2048

وإذا فرغ المأمور بالحج من الحج، ونوى الإقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً، أنفق من مال نفسه؛ لأن نية الإقامة قد صحت، فصار تاركاً للسفر، فلم يعد مأذوناً بالإنفاق من مال الآمر، ولو أنفق ضمن؛ لأنه أنفق مال غيره بغير إذنه. فإن أقام أياماً بمكة من غير نية الإقامة: فإن أقام إقامة معتادة كثلاثة أيام، فالنفقة في مال المحجوج عنه، وإن زاد على المعتاد، فالنفقة من ماله. والإقامة للتجارة والإجارة لا يمنعان جواز الحج، ويجوز حج التاجر والأجير والمكاري، لقوله : ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة:١٩٨/ ٢]. وقال الحنابلة (١): أـ إذا أمره بحج، فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات، ثم حج: فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج، جاز ولا شيء عليه، وهو مذهب الشافعي أيضاً؛ لأنه إذا أحرم من الميقات، فقد أتى بالحج صحيحاً من ميقاته. وإن أحرم بالحج من مكة، فعليه دم لترك ميقاته، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام الحج فيما بين الميقات ومكة؛ لأن إخلاله كان بما يجبره الدم، فلم تسقط نفقته، كما لو تجاوز الميقات غير محرم، فأحرم دونه. ب - وإن أمره بالإفراد، فقرن، لم يضمن شيئاً عند الحنابلة والشافعية، وهو رأي الصاحبين، خلافاً لرأي أبي حنيفة المتقدم؛ لأنه مخالف. ودليلهم أنه أتى بما أمر به وزيادة، فصح ولم يضمن، كما لو أمره بشراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي إحداهما ديناراً.

стр. 2049

ثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج، ففعلها، فلا شيء عليه، وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها. جـ - وإن أمره بالتمتع، فقرن، وقع عن الآمر عند الحنابلة والشافعية؛ لأنه أمر بهما، وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة، فأحرم به من الميقات، ولا يرد شيئاً من النفقة. وإن أفرد، وقع عن الأصيل أيضاً، ويرد نصف النفقة؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات، وقد أمره به، وإحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئاً. د - إن أمره بالقران، فأفرد أو تمتع، صح،، ووقع النسكان عن الآمر، ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات. هـ - إن استنابه رجلان: أحدهما للحج والآخر للعمرة، وأذنا له في القران، ففعل، جاز؛ لأنه نسك مشروع. وإن قرن من غير إذنهما، صح ووقع عنهما، خلافاً للحنفية، ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفها؛ لأنه جعل السفر عنهما بغير إذنهما، وقد أتى بما أمر به، وإنما خالف في صفته، لا في أصله، فأشبه من أمر بالتمتع فقرن. وإن أذن أحدهما دون الآخر، رد على غير الآمر نصف نفقته وحده. ودم القران على النائب إذا لم يؤذن له فيه، لعدم الإذن في سببه. ويكون الدم على من وكلاه، إن أذنا، لوجود الإذن في سببه. فإن أذن أحدهما دون الآخر، فعلى الآذن نصف الدم، ونصفه على النائب. وـ إن أمر بالحج، فحج، ثم اعتمر لنفسه، أو أمره بعمرة، فاعتمر، ثم حج عن نفسه، صح، ولم يرد شيئاً من النفقة؛ لأنه أتى بما أمر به على وجهه.

стр. 2050

وإن أمره بالإحرام من ميقات، فأحرم من غيره، جاز؛ لأنهما سواء في الإجزاء. وإن أمره بالإحرام من بلده، فأحرم من الميقات، جاز؛ لأنه الأفضل. وإن أمره بالإحرام من الميقات، فأحرم من بلده، جاز؛ لأنه زيادة لا تضر. وإن أمره بالحج في سنة، أو بالاعتمار في شهر، ففعله في غيره، جاز؛ لأنه مأذون فيه في الجملة. ز - إن استنابه اثنان في نسك، فأحرم به عنهما، وقع عن نفسه دونهما، كما قال الحنفية؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما، وليس أحدهما بأولى من صاحبه. وإن أحرم عن نفسه وغيره، وقع عن نفسه؛ لأنه إذا وقع عن نفسه أيضاً، ولم ينوها، فمع نيته أولى. وإن أحرم عن أحدهما غير معين، احتمل أن يقع عن نفسه أيضاً؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر، فأشبه ما لو أحرم عنهما. واحتمل أن يصح؛ لأن الإحرام يصح بالمجهول، فصح عن المجهول، وإلا صرفه إلى من شاء منهما. فإن لم يفعل حتى طاف شوطاً، وقع عن نفسه، ولم يكن له صرفه إلى أحدهما؛ لأن الطواف لا يقع عن غير معين. المطلب الثاني - موانع الحج: يفهم من المطلب السابق في شروط الحج أن هناك موانع للحج هي ما يأتي (١):

стр. 2051

١ - الأبوة: للأبوين وإن علا أحدهما منع الولد غير المكي من الإحرام بتطوع حج أو عمرة، وليس لهما المنع من الفرض؛ لأن خدمة الأبوين جهاد كما في الصحيحين. ويسن استئذانهما في الفرض أيضاً. ٢ - الزوجية: للزوج عند الشافعية منع الزوجة من الحج الفرض والمسنون؛ لأنه حقه على الفور، والنسك عندهم على التراخي، ويسن لها أن تحرم بغير إذنه. وقال الجمهور: ليس للزوج منع الزوجة من الفرض؛ لأنه واجب على الفور، ولو أحرمت بالفرض لم يكن له تحليلها إلا أن يضر ذلك به. ٣ - الرق: للسيد منع عبده من الحج الفرض والمسنون، ويتحلل إذا منعه كالمحصر، وليس له منعه من الإتمام إذا أحرم بإذنه، ودليل جواز المنع أن منافع العبد مستغرقة للسيد. ٤ - الحبس ظلماً أو بدين وهو معسر، فله التحلل. ٥ - استحقاق الدين: للمستحق الدائن منع الموسر من السفر، وليس له التحليل، وليس للمدين أن يتحلل، بل يؤدي الدين. فإن كان الدين مؤجلاً لم يمنعه الدائن من السفر. ٦ - الحجر: فلا يحج السفيه إلا بإذن وليه أو وصيه. وقد ذكر المالكية دون غيرهم هذه الحالة. ٧ - الإحصار بسبب عدو بعد الإحرام: بأن يمنع المحرم عن المضي في نسكه من جميع الطرق إلا بقتال أو بذل مال، فللمحصر التحلل إجماعاً بعد أن ينتظر مدة يرجى فيها كشف المانع. فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره، ولا هدي عليه عند المالكية، وإن كان معه هدي نحره.

стр. 2052

وقال الجمهور: يتحلل بذبح ما يجزئ في الأضحية: شاة أو سُبْع بقرة أو سُبْع بدنة، ويحلق أو يقصر عند الشافعية، ولا قضاء عليه عندهم، ولا عمرة، فإن كان صرورة (لم يحج) فعليه حجة الإسلام. وعليه الحلق إن كان في الحرم، ولا حلق عليه إن كان الإحصار في الحل عند الحنفية، وعليه القضاء عندهم وعند المالكية والحنابلة، كما سيأتي بيانه، ولا حلق عليه في الراجح عند الحنابلة. ويتحلل بالنية أيضاً عند الشافعية والحنابلة. وللمحصر خمس حالات كما ذكر المالكية: يصح الإحلال في ثلاث: وهي أن يكون العذر طارئاً بعد الإحرام، أو متقدماً ولم يعلم به، أوعلم وكان يرى أنه لايصده. ويمتنع الإحلال في حالة رابعة، وهي إن صد عن طريق وهو قادر على الوصول من غيره. ويصح في حالة خامسة: وهي إن شرط التحلل لفراغ زاد، أو مرض أو شك هل يصدونه أو لا، أو غير ذلك. ٨ - المرض: من أصابه المرض بعد الإحرام، لزمه عند المالكية والحنابلة والشافعية أن يقيم على إحرامه حتى يبرأ، وإن طال ذلك. وأجاز الحنفية التحلل بالمرض كالمحصر بالعدو.

стр. 2053

المبحث الثالث - مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية: وفيه مطلبان: المطلب الأول - وقت الحج والعمرة: ١ - وقت الحج: للحج وقت معين، أشار إليه القرآن الكريم في آية: ﴿يسألونك عن الأهلة قل: هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة:١٨٩/ ٢] وقوله تعالى: ﴿الحج أشهرٌ معلومات﴾ [البقرة:١٧٩/ ٢] أي معظمه في أشهر معلومات. وأشهر الحج عند المالكية (١): هي الأشهر الثلاثة كلها: وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة (٢)، فهي كلها محل للحج، لعموم قوله سبحانه: ﴿الحج أشهرٌ معلومات﴾ [البقرة:١٩٧/ ٢] فوجب أن يطلق على جميع أيام ذي الحجة؛ لأن أقل الجمع ثلاثة. ويبتدئ وقت الإحرام من أول شوال في أول ليلة عيد الفطر، ويمتد لفجر يوم النحر (الأضحى)، فمن أحرم قبل فجر الأضحى بلحظة، وهوبعرفة، فقد أدرك الحج، وبقي عليه طواف الإفاضة والسعي بعدها؛ لأن الركن عندهم الوقوف بعرفة ليلاً، وقد حصل. ويكره الإحرام قبل بدء شوال، لكنه ينعقد ويصح عندهم، كما يكر هـ الإحرام قبل مكانه المخصص له الآتي بيانه. والسبب في صحة الإحرام قبل ميقاته الزماني والمكاني: أنه وقت كمال، لا وقت وجوب.

стр. 2054

ويجزئ تأخر طواف الإفاضة إلى آخر شهر ذي الحجة. فالمدة من بدء شوال لما قبيل فجر يوم الأضحى: وقت لجواز ابتداء الإحرام بالحج. ومن طلوع فجر الأضحى لآخر ذي الحجة: وقت لجواز التحلل من الحج. والأفضل لأهل مكة الإحرام من أول ذي الحجة على المعتمد. وأشهر الحج عند الحنفية والحنابلة (١): شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لما روي عن العبادلة الأربعة (ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير) ولقول النبي ﷺ : «يوم الحج الأكبر: يوم النحر» (٢)، فكيف يجوز أن يكون يوم الحج الأكبر ليس من أشهره؟ ولأن يوم النحر فيه ركن الحج، وهو طواف الزيارة، وفيه كثير من أفعال الحج، كرمي جمرة العقبة والنحر والحلق والطواف والسعي والرجوع إلى منى، ولأن الحج يفوت بمضي عشر ذي الحجة، ومع بقاء الوقت لا يتحقق الفوات. وهذا يدل على أن المراد من قوله تعالى: ﴿الحج أشهرٌ معلومات﴾ [البقرة:١٩٧/ ٢] شهران وبعض الثالث، لا كله. وما بعد عشر ذي الحجة ليس من أشهره؛ لأنه ليس بوقت لإحرامه ولا لأركانه، فهو كالمحرَّم. ولا يمتنع التعبير بلفظ الجمع عن شيئين وبعض الثالث، كالقروء الثلاثة يحتسب منها الطهر الذي طلقها فيه، وقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ أي في أكثرهن. فإن قدم الإحرام بالحج على هذه الأشهر، جاز إحرامه، وانعقد حجاً، ولا ينقلب عمرة، لعموم قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢]

стр. 2055

لكن لا يجوز له شيء من أفعال الحج إلا في أشهره، فمتى أحرم انعقد إحرامه؛ لأنه مأمور بالإتمام، ولأن الإحرام عند الحنفية شرط، فأشبه الطهارة في جواز التقديم على الوقت، ولأن الإحرام تحريم أشياء وإيجاب أشياء، وذلك يصح في كل زمان، فصار كتقديم الإحرام على الميقات المكاني، فهم شبهوا ميقات الزمان بميقات المكان، وعلى كل: يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، لما أخرجه البخاري عن ابن عباس: «من السنة ألا يُحرَم بالحج إلا في أشهر الحج». وأما الشافعية (١) فقالوا كالحنفية والحنابلة: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة: وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر، لكنهم رأوا أنه إن أحرم شخص بالحج في غير أشهره، انعقد إحرامه بالعمرة؛ لأنها عبادة مؤقتة، فإذا عقدها في غير وقتها، انعقد غيرها من جنسها، كصلاة الظهر إذا أحرم بهاقبل الزوال، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل، فهم شبهوا ميقات الزمان بوقت الصلاة، فلا يقع الحج قبل الوقت. ودليلهم الآية: ﴿الحج أشهرٌ معلومات﴾ [البقرة:١٩٧/ ٢] تقديره وقت الحج أشهر، أو أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته، لم يجز تقديم إحرامه عليه كأوقات الصلوات. ولا يصح في السنة الواحدة أكثر من حجة؛ لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى. ٢ - وقت العمرة: اتفق العلماء (٢) على أن العمرة تجوز في أي وقت من أوقات السنة، في أشهر الحج وغيرها، أي إن ميقات العمرة الزماني جميع العام، فهو وقت لإحرام العمرة، لعدم المخصص لها بوقت دون آخر، ولأن النبي ﷺ

стр. 2056

اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال (١)، وقال ﵊: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (٢) وقال فيما رواه مسلم: «دخلت العمرة في الحج - مرتين، لا بل لأبد أبد» ومعناه في أصح الأقوال أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود به إبطال ماكانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج. تفصيل القول في تكرار العمرة: لا يكره عند الجمهور تكرار العمرة في السنة، فلا بأس أن يعتمر في السنة مراراً، لحديث عائشة السابق من اعتماره ﵇ عمرتين في ذي القعدة وشوال، أي في آخر شوال وأول ذي القعدة. وحديث أنس في الصحيحين: «اعتمر ﷺ أربع عمر، كلهن في ذي القعدة التي مع حجته» وحديث أبي هريرة في الصحيحين أيضا: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» وبناء عليه قال الشافعية: يسن الإكثار من العمرة، ولو في اليوم الواحد، إذ هي أفضل من الطواف على المعتمد، لكن حديث عائشة هو أقوى الأدلة، وأما الأحاديث الأخرى فليست دلالاتها ظاهرة من سنة واحدة. وقال المالكية: تكره العمرة في السنة أكثر من مرة؛ لأنها عبادة تشتمل على الطواف والسعي، فلا تفعل في السنة إلا مرة، كالحج. ونوقش ذلك بأن الحج مؤقت لا يتصور تكراره في السنة، والعمرة غير مؤقتة، فتصور تكرارها كالصلاة. متى تكره العمرة؟ يكره فعل العمرة كراهة تحريم عند الحنفية في يوم عرفة (الوقفة) ويوم النحر (العيد) وأيام التشريق الثلاثة عقب العيد؛ لأنها أيام الحج، فكانت متعينة له.

стр. 2057

وقال المالكية: يستثنى المحرم بحج من كون وقت العمرة جميع العام، فلا يصح إحرامه بعمرة إلا إذا فرغ من جميع أفعال الحج من طواف وسعي ورمي لجميع الجمرات، إن لم يتعجل، وبقدر رميها من اليوم الرابع بعد الزوال إن تعجل، أي إنه لا يصح إحرامه بالعمرة إلا بعد الفراغ بالفعل من رمي اليوم الرابع إن لم يتعجل، أو بقدره إذا تعجل بأن قدم طوافه وسعيه. وكره الإحرام بعد رميه اليوم الرابع إلى الغروب منه، فإن أحرم بها بعد الرمي في اليوم الرابع وقبل الغروب صح إحرامه ووجب عليه تأخير طوافه وسعيه بعد الغروب، وإلا لم يعتد بفعله على المذهب، وأعادهما بعده، وإلا فهو باق على إحرامه أبداً. وقال الشافعية: يمتنع على الحاج الإحرام بالعمرة، ما دام عليه شيء من أعمال الحج، كالرمي؛ لأن بقاء حكم الإحرام كبقاء الإحرام نفسه، ولا تكره في وقت، ولا يكره تكرارها كما تقدم بيانه. ورأى الحنابلة: أنه لا كراهة للعمرة بالإحرام بها يوم النحر ويوم عرفة وأيام التشريق، كالطواف المجرد؛ إذ الأصل عدم الكراهة، ولا دليل عليها. المطلب الثاني - ميقات الحج والعمرة المكاني: الميقات لغة: الحد، وشرعاً: موضع وزمان معين لعبادة مخصوصة. ولا يجوز للإنسان أن يجاوز الميقات إلا محرماً بحج أو عمرة، وإلا وجب عليه دم أو العودة إليه. فإن قدم الإحرام على الميقات جاز بالاتفاق. وهو أفضل عند الحنفية إن أمن اقتراف المحظورات. ودليل الجواز والأفضلية قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله، كما قال علي وابن مسعود، ولأن إتمام الحج مفسر به، والمشقة فيه أكثر والتعظيم أوفر.

стр. 2058

ويختلف نوع الميقات بين من كان بمكة وبين الآفاقي: القادم لمكة من غير أهلها (١). أولاً - ميقات من كان مقيماً بمكة: من كان بمكة مكياً أو آفاقياً فميقاته في الحج: الحَرم - مكة نفسها؛ لأن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يحرموا بالحج من جوف مكة، فقال: «حتى أهل مكة يهلّون منها» (٢) ومثله من منزله في الحرم خارج مكة، وندب إحرامه في المسجد الحرام. وميقاته في العمرة: من أدنى الحِلّ ولو بأقل من خطوة من أي جانب شاء، ليتحقق وقوع السفر؛ لأن أداء الحج في عرفة، وهي في الحل، فيكون الإحرام من الحرم، وأداء العمرة في الحرم. فيكون الإحرام من الحِلّ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، إذ هو شرط في كل إحرام. فإن أحرم بها في الحرم، انعقد وعليه دم إلا إن خرج بعد إحرامه إليه. وأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة: الجِعْرانة عند الشافعية؛ لأن النبي ﷺ اعتمر منها، كما روى الشيخان، ثم التنعيم لأمره ﷺ عائشة بالاعتمار منه، ثم الحديبية (٣). وأفضلها عند الحنفية والحنابلة: التنعيم؛ لأن النبي ﷺ «أمر

стр. 2059

عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمر عائشة من التنعيم» (١) لأنها أقرب الحل إلى مكة، ثم الجعرانة، ثم الحديبية. وللشخص عند المالكية: أن يحرم من الجعرانة أو التنعيم. ثانياً - أهل الحل: وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة كأهل بستان بني عامر وغيرهم، فهم داخل المواقيت وخارج الحرم. قال المالكية: من كان منزله أقرب إلى مكة من الميقات، فميقاته من منزله في الحج أو العمرة. وقال الشافعية والحنابلة: من سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات، أحرم من محاذاته في بر أو بحر، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه، فإن استويا في القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة، وإن لم يحاذ ميقاتاً أحرم على مرحلتين من مكة. ومن مسكنه بين مكة والميقات، فيمقاته مسكنه. ومن جاوز ميقاتاً وهو غير مريد للنسك، ثم أراده، فميقاته موضعه. وقال الحنفية: ميقات أهل الحل للحج أو العمرة دويرة أهلهم، أو من حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم، لقوله : ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] وقد فسرها علي وابن مسعود بأن تحرم بهما من دويرة أهلك. فلا يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين. والحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشيء واحد، فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل.

стр. 2060

والخلاصة: إن ميقات الحج والعمرة لمن كان داخل المواقيت هو بالاتفاق: الحل وذلك من أماكنهم، ويجوز لهم عند الحنفية دخول مكة لحاجة من غير إحرام. ثالثاً - الآفاقي أو أهل الآفاق: وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقَّت لهم ولمن مر عليها من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة رسول ُ الله ﷺ وهي خمسة، كما في حديث الصحيحين عن ابن عباس: «أنه ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، وقال: فهنّ لهنّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهَلُّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يُهلُّون منها» (١) فإنه شمل أربعة مواقيت. وأما ذات عرق: ففي صحيح مسلم عن جابر مرفوعاً قال: «مَهَلّ أهل المدينة من ذي الحليفة والطريقِ الآخر من الجحفة، ومَهلُّ أهل العراق من ذات عِرْق» (٢). هذه هي المواقيت الخمسة لغير المقيم بمكة، منقسمة بحسب جهات الحرم، ولا يجوز أن يتجاوزها الإنسان مريداً مكة بالحج أو بالعمرة، إلا محرماً بأحد هذين النسكين وهي ما يأتي: ١ - ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة (آبار علي): مكان على ستة أميال من المدينة، وعشر مراحل من مكة، فهو أبعد المواقيت (٤٦٠ كم). ٢ - ميقات أهل الشام ومصر والمغرب كله: الجُحفة (رابغ): موضع على

стр. 2061

ثلاث مراحل من مكة (١٨٧ كم). وبما أن أهل الشام الآن يمرون بميقات أهل المدينة وبهذا الميقات، فيخيرون بالإحرام منهما؛ لأن الواجب على من مرّ بميقاتين ألا يتجاوز آخرهما إلا محرماً، ومن الأول أفضل. ٣ - ميقات أهل العراق وغيرهم من أهل المشرق: ذات عِرْق: قرية على مرحلتين من مكة مشرفة على وادي العقيق، في الشمال الشرقي من مكة (١٩٤ كم). ٤ - ميقات أهل اليمن وتهامة والهند: يَلَمْلَم: جبل جنوبي مكة على مرحلتين منها. ٥ - ميقات أهل نجد والكويت والإمارات والطائف: قَرْن المنازل: جبل على مرحلتين من مكة، ويقال له أيضاً قرن الثعالب. وهو قريب من المكان المسمى الآن بالسيل (٩٤ كم). ومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه الدم إلا إذا عاد إليه، ولا يسقط عنه الدم عند المالكية، وإن رجع إليه بعد إحرامه، على تفصيل سيأتي. وإذا تجاوز الميقات بنية الإقامة في مكان غير الحرم، جاز له ذلك إذا نوى الإقامة مدة خمسة عشر يوماً عند الحنفية، فهي أقل مدة الإقامة في مذهبهم؛ لأن حكم الوطن لا يثبت إلا بنية الإقامة لتلك المدة. من حاذى الميقات ومن لم يحاذه: من سلك طريقاً في بر أو بحر أو جو بين ميقاتين، فإنه يجتهد حتى يكون إحرامه بحذو الميقات الذي هو إلى طريقه أقرب، ويحرم من محاذاة أقرب الميقاتين إليه، وإن كان الآخر أبعد إلى مكة. فإن استويا في القرب إليه، أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة. وإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه، احتاط فأحرم من بعد، بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا

стр. 2062

محرماً؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه. وإن لم يحاذ ميقاتاً مما سبق، أحرم على مرحلتين (٨٩ كم) من مكة، إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر. حكم الداخل إلى مكة بعد أن حج واعتمر: قال الشافعية (١): من حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته، ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كزيارة أوتجارة أو رسالة، أو كان مكياً مسافراً، فأراد دخولها عائداً من سفره، فهل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة؟ فيه تفصيل: أـ إن دخلها لقتال بغاة أو قطاع طريق أو غيرهما من القتال الواجب أوالمباح، أو دخلها خائفاً من ظالم أو غريم يمسه، وهو معسر لا يمكنه الظهور لأداء النسك إلا بمشقة ومخاطرة، لم يلزمه الإحرام بلا خلاف؛ لأن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام (٢)؛ لأنه كان لا يأمن أن يقاتل. ب - يستحب لكل داخل إلى مكة لا يتكرر دخوله الإحرام، ويكره الدخول بغير إحرام، فمن دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والزيارة وعيادة المريض، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الإحرام، ولا يجب مطلقاً. وقال مالك وأحمد: يلزمه، وقال أبو حنيفة: إن كانت داره في الميقات أو أقرب إلى مكة، جاز دخوله بلا إحرام، وإلا فلا. جـ - من كان يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش والصياد والسقّاء والبريد والسائقين ونحوهم، يجوز دخوله بغير نسك، لما روى ابن عباس: «لا يدخل أحد

стр. 2063

مكة إلامحرماً، ورخص للحطابين» (١) ولأن في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة. وأما أهل الحرم: فلا إحرام عليهم بالدخول إلى مكة بلا خلاف، كما لا تشرع تحية المسجد لمن انتقل من موضع منه إلى موضع آخر منه. ومن أراد دخول الحرم ولم يرد دخول مكة، فحكمه حكم دخول مكة، على التفصيل والخلاف السابق. وإذا وجب الإحرام لدخول الحرم، فدخل بغير إحرام، عصى، ولا يلزمه القضاء عند الشافعية على المذهب، خوفاً من التسلسل، قال بعض الشافعية: كل عبادة واجبة إذا تركها لزمه القضاء أو الكفارة إلا الإحرام لدخول مكة، وإمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان، فمن ترك مع أنه يجب عليه إمساكه، لم يلزمه قضاء الإمساك ولا الكفارة. وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء؛ إذ يجب قضاء كل الواجبات. د - من لا يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أعتق العبد أو بلغ الصبي أو أسلم الكافر، وأرادوا الإحرام: فإنهم عند الحنابلة والمالكية يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم؛ لأنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام معه، فأشبهوا المكي ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها. ويجب على جميعهم الدم عند الشافعية؛ لأن كل واحد منهم ترك الواجب عليه. وقال الحنفية: لا دم على الكافر الذي يسلم، والصبي الذي يبلغ، وأما العبد فعليه دم.

стр. 2064

هل الإحرام من الميقات أفضل أو من دار أهله؟ قال الحنفية (١): الإحرام من بلده أفضل إن كان في أشهر الحج، وأمن على نفسه، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] قال علي وابن مسعود: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، ولقوله ﷺ : «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحج أوعمرة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة» (٢)، ولأنه أكثر عملاً، وأحرم عمر من إيليا (القدس)، وقال للضبِّي بن معبد الذي أحرم من داره: «هديت لسنة نبيك ﷺ » (٣). وقال جمهور الفقهاء (٤): الإحرام من الميقات أفضل، لأنه الموافق للأحاديث الصحيحة، ولفعل النبي ﷺ وأصحابه، فإنهم أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الفضل، وأحرم النبي بحجة الوداع من الميقات بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية، كما رواه البخاري في المغازي، ولأن في مصابرة الإحرام بالتقدم عن الميقات عسراً وتغريراً بالعبادة، وإن كان جائزاً. ويدل له قوله ﷺ : «يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه» (٥)، وروى الحسن «أن عمران بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر، فغضب: وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أحرم من مصره» وقال: «إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم

стр. 2065

على عثمان، لامه فيما صنع، وكرهه له» (١) قال البخاري: «كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان». وهذا هو الأرجح لدي دفعاً للمشقة عن النفس، وبعداً عن التعرض لفعل محظورات الإحرام. وأما حديث الإحرام من بيت المقدس فيه ضعف، وأما قول عمر للضبي: «هديت لسنة نبيك» فإنه يعني في القران بين الحج والعمرة، لا في الإحرام من قبل الميقات، فإن سنة النبي ﷺ الإحرام من الميقات. وأما قول عمر وعلي: «إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك» فمعناه أن تنشئ لها سفراً من بلد ك، تقصد له، ليس أن تحرم بها من دويرة أهلك. وهذا ما فسره به سفيان وأحمد، ولا يصح أن يفسر بالإحرام نفسه، فإن النبي ﷺ وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم. جزاء من تجاوز الميقات بدون إحرام: لو جاوز الشخص ميقاتاً من المواقيت الخمسة، يريد الحج أو العمرة، بغير إحرام، ثم عاد قبل أن يحرم، وأحرم من الميقات، وجاوزه محرماً، لا يجب عليه دم بالإجماع؛ لأنه لما عاد إلى الميقات قبل أن يحرم، وأحرم، التحقت تلك المجاوزة بالعدم، وصار هذا ابتداء إحرام منه. أما لو أحرم بعدما جاوز الميقات قبل أن يعمل شيئاً من أفعال الحج، ثم عاد إلى الميقات، ففيه آراء للفقهاء (٢)، علماً بأن هذه الآراء تنطبق عند الحنفية على المكي الذي ترك ميقاته، فأحرم للحج من الحل، والعمرة من الحرم: ١ - قال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات، ولبى، سقط عنه الدم، وإن لم يلب

стр. 2066

لا يسقط، لقول ابن عباس للذي أحرم بعد الميقات: «ارجع إلى الميقات، فلبّ، وإلا فلا حج لك» أوجب التلبية من الميقات، فلزم اعتبارها. ٢ - قال الصاحبان والشافعية والحنابلة: من جاوز الميقات، فأحرم، لزمه دم إن لم يعد، وإن أحرم ثم عاد قبل تلبسه بنسك كالطواف سقط عنه الدم، لبى أو لم يلب، علم تحريم ذلك أو جهله؛ لأن حق الميقات في مجاوزته إياه محرماً، لا في إنشاء الإحرام منه، وسقوط الدم عنه لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من ترك نسكاً، فعليه دم» (١). وإن تجاوز الميقات بغير إحرام لزمه العود ليحرم منه، إلا إذا ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفاً. وينطبق هذا على المكي بالحرم إن لم يخرج إلى الميقات، وأتى بأفعال العمرة، عليه دم، وأجزأته، فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط الدم، كما لو جاوز الميقات ثم عاد إليه محرماً. ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه، لم يسقط عنه الدم عند الحنابلة والشافعية. وقال الحنفية: يسقط؛ لأن القضاء واجب. ٣ - وقال المالكية: من تجاوز الميقات وأحرم، لم يلزمه الرجوع إليه، وعليه الدم، لتعديه الميقات حلالاً، ولا يسقط عنه رجوعه له بعد الإحرام، لتعديه. فإن لم يكن أحرم وجب الرجوع للميقات إلا لعذر كخوف فوات لحجة لو رجع، أو فوات رفقة، أو خاف على نفس أو مال أو عدم قدرة على الرجوع، فلا يجب عليه الرجوع حينئذ، ويجب عليه الدم لتعديه الميقات حلالاً.

стр. 2067

المبحث الرابع - أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي وعمرته: أولاً - أعمال الحج: عشرة وهي ما يأت (١): ١ - الإحرام: نية الحج أو العمرة أو هما، بأن يقول: نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها لله تعالى. وإن حج أو اعتمر عن غيره، قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان، وأحرمت به أو بها لله تعالى. ثم يلبي عقيب صلاة ركعتي الإحرام. ٢ - دخول مكة من أعلاها وهي كَدَاء، ثم دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ثم طواف القدوم بالابتداء بالركن الأسود. ٣ - الطواف: وهو ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. ٤ - السعي بين الصفا والمروة. ٥ - الوقوف بعرفة وبمنى: يخرج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية (٢)، فيصلي فيها الظهر والعصر، ويبيت بها، ثم يروح إلى عرفة بعد طلوع الشمس، فيجمع في اليوم التاسع بين الظهر والعصر مع الإمام في مسجد نمرة أو في غيره، ثم يقف بعرفة حيث يقف الناس. ٦ - المبيت بمزدلفة: وهي ما بين منى وعرفة، ويجمع الحجاج بالمزدلفة بين

стр. 2068

المغرب والعشاء مقصورة بعد مغيب الشفق في ليلة العيد. ويصلون الفجر في المشعر الحرام: وهو آخر أرض المزدلفة، ويقفون للتضرع والدعاء، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى. ٧ - رمي الجمار: يرمي الحاج يوم النحر بمنى جمرة العقبة (وهي الجمرة الكبرى) بعد طلوع الشمس قدر رمح، بسبع حصيات. ويرمي سائر الجمرات الثلاث في أيام منى: وهي ثاني العيد وثالثه ورابعه، كل جمرة سبع حصيات، مبتدئاً بالجمرة الأولى (الصغرى) وهي التي تلي مسجد الخيف من جهة عرفات، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، بين الزوال والغروب. ٨ - الحلق أو التقصير، والأول أفضل للرجال. وتقص المرأة ولا تحلق، وتقطع من جميع شعرها نحو الأنملة، ويدعو عند الحلق، وذلك يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة والذبح إن كان معه هدي. ثم يأتي مكة، فيطوف طواف الإفاضة وهو المفروض. ٩ - الذبح: يذبح بعد رمي الجمرة الكبرى، ويجوز الحلق قبل الذبح، والذبح قبل الجمرة. ويجوز ذبح الهدي قبل طلوع الشمس. ١٠ - طواف الوداع: مستحب عند المالكية، واجب عند الجمهور. ولا يؤمر به أهل مكة ولا من أقام بها من غير أهلها. وإذا حاضت المرأة بعد الإفاضة خرجت قبل الوداع عند المالكية. ثانياً - أعمال العمرة: أربعة وهي: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.

стр. 2069

ثالثاً - عمرة النبي ﷺ : روى الشيخان وأحمد عن أنس: «أن النبي ﷺ اعتمر أربع عُمَر (١) في ذي القَعْدة إلا التي اعتمر مع حَجَتَّه: عُمرَته من الحُدَيْبِية، ومن العام المُقْبل، ومن الجِعْرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرته مع حَجته» فهي أربع عمر: عمرة الحديبية لزيارة البيت الحرام في السنة السادسة من الهجرة، وعمرة القضاء من السنة السابعة، وعمرة الجعرانة في السنة الثامنة في وادي حنين بين مكة والطائف، على بعد ثلاث ليال من مكة، والعمرة التي مع حجة الوداع في السنة التاسعة. رابعاً - حجة النبي ﷺ حجة الوداع: روى مسلم وغيره (٢) صفة حجة النبي ﷺ ، وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وأحكام الفقه التي بلغت نيفاً وخمسين نوعاً، كما ذكر الإمام النووي ﵀ عن أبي بكر بن المنذر ﵀. ونص الحديث: قال جعفر بن محمد عن أبيه: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زِرِّي الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثَدْيي، وأنا يؤمئذ غلام شاب، فقال: مرحباً بك ياابن أخي، سل عما شئت، فسألته: وهو أعمى، وحَضَر وقت الصلاة، فقام في نَسَاجة (٣) ملتحفاً بها كلما وضعها على مَنْكبه، رجع طرفاها إليه من صغَرها، ورداؤه إلى جَنْبه على المِشْجَب (٤)،

стр. 2070

فصلى بنا (١) فقلت: أخبرني عن حَجَّة رسول الله ﷺ (٢)، فقال بيده، فعقد تِسْعاً فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاجٌّ، فقدِم المدينةَ بشر كثير، يلتمس أن يأتمَّ برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله (٣). فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماءُ بنت عُمَيس محمد بن أبي بكر، فأرسلتْ إلى رسول الله ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي (٤). فصلى رسول الله ﷺ في المسجد (٥)، ثم ركب القَصْواء (٦)، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرتُ إلى مدّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثلَ ذلك، وعن يساره مثلَ ذلك، ومن خلفه مثلَ ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به. فأهَلَّ بالتوحيد (٧): لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد
следующие страницы →