← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

ويسن الترتيب في يوم العيد بين هذه الأمور الأربعة: الرمي للعقبة، ثم الذبح (ذبح الهدي)، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، ويدخل وقت هذه الأمور بنصف ليلةالنحر، ويبقى وقت الرمي إلى آخر يوم النحر. ويختص الذبح بوقت الأضحية. ولا آخر لوقت الحلق والطواف والسعي. ويرمي الحاج أيضاً الجمرات الثلاث كل جمرة سبع حصيات في أيام التشريق الثلاثة، وهي حادي عشر الحجة وتالياه (١)، بعد زوال الشمس من كل يوم إلى الغروب، مبتدئاً بالأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، التي هي ليست من منى، بل منى تنتهي إليها. والسنة أن يرمي بقدر حصى الخذف: وهو دون الأنملة طولاً وعرضاً في قدر الباقلاء، فلو رمى بأكبر منه أو بأصغر، كره، وأجزأه. المذهب الرابع - مذهب الحنابلة (٢): أركان الحج أربعة: ١ - إحرام وينعقد بمجرد النية ٢ - ووقوف بعرفة ٣ - وطواف زيارة، فلو تركه وخرج من مكة، رجع معتمراً ٤ - وسعي بين الصفاة والمروة. و أركان العمرة ثلاثة: ١ - إحرام، ٢ - وطواف، ٣ - وسعي. فمن ترك ركناً لم يصح الحج أو العمرة أو لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه.

стр. 2102

و واجبات الحج سبعة: إحرام من الميقات، ووقوف بعرفة نهاراً للغروب، ومبيت بمزدلفة لبعد نصف الليل إن وافاها قبله، ومبيت بمنى، ورمي الجمرات مرتباً يبدأ بالأولى، ثم الثانية (الوسطى) ثم الثالثة (جمرة العقبة)، وحلق أو تقصير، وطواف وداع (وهو طواف الصَّدر) (١). و واجبات العمرة: شيئان: حلق أو تقصير، وإحرام من الحل أو الميقات. فمن ترك واجباً ولو سهواً أو جهلاً، فعليه دم، فإن عجز عنه صام عشرة أيام كالمتمتع. و السنن: كمبيت بمنى ليلة عرفة، وطواف قدوم، ورمل، واضطباع، وتلبية، واستلام الركنين (الأسود واليماني)، وتقبيل الحجر، ومشي وسعي في مواضعهما، وخطب وأذكار، ودعاء، ورقي بصفا ومروة، واغتسال، وتطيب في بدن، وصلاة ركعتين قبل الإحرام، وعقب طواف، واستقبال قبلة عند رمي. ولا شيء في ترك ذلك كله، ويجب بالنذر. و سنن الإحرام (٢): الغسل، أو التيمم عند العجز أو العذر كما ذكر في غاية المنتهى، وأخذ الشعر

стр. 2103

والظفر وقطع الرائحة الكريهة، وتطيب بنحو مسك وعود وماء ورد، وخضاب للمرأة بحناء. ولبس إزار ورداء أبيضين نظيفين، ونعلين، بعد تجرد الذكَر عن المخيط، والإحرام بعد صلاة فرض أو ركعتين نفلاً. والتلبية عقب الإحرام على الأصح، والإكثار منها (١) في الارتفاع والهبوط ودبر الصلوات المكتوبات، وعند إقبال الليل وإدبار النهار، ولقاء الرفقة، ورفع الصوت بها (٢)، ولكن لا يجهد نفسه في رفعه زيادة عن الطاقة خشية ضرر يصيبه. ويسن الدعاء بعد التلبية، فيسأل الله الجنة، ويعوذ به من النار (٣)، ويدعو بما أحب، ويسن عقبها الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنه موضع يشرع فيه ذكر الله تعالى، فشرعت فيه الصلاة عليه ﷺ كالصلاة، ولا يرفع صوته بالدعاء والصلاة على النبي عقب التلبية، لعدم وروده. وكره لأنثى الجهر بها بأكثر مما تسمع رفيقتها، ولطائف بالبيت. وصفة التلبية بالإجماع: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ولا تستحب الزيادة عليها، اتباعاً لفعل النبي ﷺ . ولا تشرع التلبية بغير العربية لقادر على العربية، لأنه ذكر مشروع، فإن عجز عن العربية، لبى بلغته كالتكبير في الصلاة.

стр. 2104

و سنن الطواف (١): استلام الحجر بيده اليمنى، وتقبيله ونحوه، واضطباع، ورمل في الأشواط الثلاثة الأولى (وهو سرعة المشي ومقاربة الخطا)، ومشي في مواضعه ودعاء وذكر ودنو من البيت، وصلاة ركعتين بعده. والرمل أولى من الدنو للبيت، ولا يسن رمل ولا اضطباع في غير طواف الإفاضة. فإن شق تقبيل الحجر استلمه بيده اليمنى وقبلها، فإن شق الاستلام أشار إليه بيده أو بشيء ولا يقبله. ويسن استقبال الحجر بوجهه، ويقول: «بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ » يقول ذلك كلما استلمه، وزاد جماعة «الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». ويقرب طائف جانبه الأيسر للبيت. ويستلم الركن اليماني (٢) ولا يقبله، وذلك في كل شوط، ولا يستلم الشامي والغربي. ويقول بين الركنين اليماني والأسود: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار﴾ [البقرة:٢٠١/ ٢]. ويقول في بقية طوافه: (اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، ربنا اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم)، ويذكر ويدعو بما أحب، وسن قراءة فيه.

стр. 2105

و سنن السعي (١): كما ذكر عند الشافعية، يخرج للسعي من باب الصفا (وهو طرف جبل أبي قبيس) ويرقى الذكَرالصفا ليرى البيت، فيستقبله، ويكبر ثلاثاً، ويقول ثلاثاً: (الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. إلخ) المذكور سابقاً ويدعو بما أحب، ثم ينزل من الصفا، ويمشي ثم يرمل بين الميلين الأخضرين. ثم يرقى المروة، ويقول عليها ما قال على الصفا. ولا ترقى المرأة ولا ترمل. وخلاصة سننه: طهارة حدث وخبث وستر عورة، وذكر ودعاء، وإسراع ومشي بمواضعه، ورقي، وموالاة بينه وبين طواف. فإن طاف بيوم، وسعى في آخر، فلا بأس. و سنن الوقوف بعرفة (٢): كالمذكور عند الشافعية أيضاً، وأهمها خطبة الإمام بنمرة (قبيل عرفة) خطبة قصيرة (٣) مفتتحة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف بعرفة ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة ونحوه، والجمع تقديماً بين الظهر والعصر. ويسن الوقوف راكباً بخلاف سائر المناسك، مستقبل القبلة عند الصخرات الكبار المفترشة أسفل جبل الرحمة، ولا يشرع صعوده. ويكثر من الدعاء مع رفع الأيدي، والاستغفار، والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف، والافتقار، والإلحاح في الدعاء، وتكرار الدعاء ثلاثاً. ويكثر من قول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. إلخ» المذكور عند الشافعية.

стр. 2106

و سنن الوقوف بمزدلفة (١): الدفع إليها بعد غروب اليوم التاسع بسكينة واستغفار، علماً بأنه يجب المبيت بها لنصف الليل، وجمع العشاءين بها جمع تأخير، وصلاة الصبح بها بغلس، ثم إتيان المشعر الحرام (٢)، فيرقى عليه أو يقف عنده مع حمد الله وتكبيره، والدعاء إليه إلى الإسفار جداً، كما ذكر عند الشافعية: (اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا .. إلخ). والإسراع في وادي محسِّر، ماشياً أو راكباً. ويأخذ الحاج من المزدلفة سبعين حصاة أكبر من الحمص ودون البندق، كحصى الخَذْف، ويكره أخذ الحصى من منى وسائر الحرم. ولا يسن غسل غير نجس، وتجزئ حصاة نجسة مع الكراهة. و سنن الرمي في منى (٣): البدء برمي جمرة العقبة بسبع حصيات وهو تحية منى، بعد نصف ليلة النحر كالطواف. ويندب الرمي بعد الشروق، وأن يكبر مع كل حصاة قائلاً: (اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً) وأن يستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ويرمي على جانبه الأيمن، ويرفع يده حتى يرى بياض

стр. 2107

إبطه، ولا يقف عندها، بل يرميها ماشياً، وله رميها من فوقها، ويقطع التلبية عند أول الرمي. ويسن الحلق بعد ذبح الهدي، والحلق أفضل من التقصير، والسنة ترتيب أربعة أمور يوم النحر: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، كما وصف جابر في حج النبي ﷺ (١)، فإن أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلاً بالسنة، فلا شيء عليه في قول أكثر العلماء، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه يوجب الدم إن قدم الحلق على الرمي، أو على النحر. ويسن أخذ ظفر وشارب وشعر إبط وأنف وعانة، وتطيب عند تحلل من الحج. وتسن الخطبة يوم عرفة. ويندب أن يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير ويعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي. ويسن رمي الجمرات في أيام التشريق قبل أداء صلاة الظهر، مع وجوب البدء بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف وأبعدهن عن مكة، فيجعلها عن يساره مستقبلاً القبلة، ويرمي، ثم يتقدم قليلاً، لئلا يصيبه حصى. ثم يقف يدعو دعاء طويلاً رافعاً يديه. ثم يرجم الجمرة الوسطى، فيجعلها عن يمينه مستقبلاً القبلة، ثم يقف عندهم فيدعو. ثم يرجم جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه مستقبلاً القبلة، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها. وترتيب رجمها شرط.

стр. 2108

ويندب أن يخطب الإمام ثاني أيام التشريق، خطبة يعلمهم حكم التعجيل والتأخير، وتوديعهم، ويحثهم. ويجوز لغير الإمام التعجيل في اليوم الثاني، وهو النفر الأول، فإن غربت الشمس وهو في منى لزمه مبيت ورمي من غد. ويسقط رمي اليوم الثالث عن متعجل، ويدفن حصاه في المرمى. ويسن إذا نفر من منى النزول بالأبطح (وهو المحصَّب: وهو مابين الجبلين إلى المقبرة) فيصلي به الظهرين والعشاءين، ويهجع يسيراً، ثم يدخل مكة.

стр. 2109

جدول بأهم أحكام أعمال الحج في المذاهب المبحث الخامس - أركان الحج والعمرة: أركان الحج: عرفنا أن للحج عند الحنفية ركنين فقط هما: الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة. وأركان الحج عند المالكية والحنابلة أربعة: الإحرام والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي. وأركانه عند الشافعية خمسة: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف والسعي، والحلق أو التقصير. أركان العمرة: ركن العمرة عند الحنفية: الطواف بالبيت. وللعمرة عند المالكية والحنابلة أركان ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي. وأركانها عند الشافعية أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير. ويلاحظ أن الحلق أو التقصير عند الجمهور غير الشافعية واجب لا ركن. وأبحث هذه الأمور تفصيلاً: المطلب الأول - الإحرام: حقيقته: الدخول في الحرمة، والمراد هنا نية الدخول في النسك من حج أو عمرة، أو الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها. وإذا تم الإحرام لا يخرج عنه إلا بعمل النسك الذي أحرم به، فإن أفسده وجب قضاؤه، وإن فاته الوقوف بعرفة أتمه عمرة، وإن أحصر أي منع عن إكماله، ذبح هدياً وقضاه. والكلام فيه يشمل ما يصير به الشخص محرماً، صفة الإحرام، والإحرام كإحرام فلان، مكان الإحرام وزمانه، ومايفعله مريد الإحرام، ومايحرم به من

стр. 2110

حج أو عمرة أو بهما، وإضافة الإحرام إلى الإحرام، وإدخال العمرة على الحج وعلى العكس، وفسخ الإحرام. أولاً - مايصير به الشخص محرماً: لا خلاف في أنه إذا نوى حجاً أو عمرة، وقرن النية بقول أو فعل من خصائص الإحرام، يصير محرماً، بأن لبى ناوياً به الحج، أو العمرة، أو بهما معاً. ولا خلاف بين الشافعية والحنابلة وفي الأرجح عند المالكية أن الإحرام ينعقد بمجرد النية، لكن يلزمه عند المالكية دم في ترك التلبية، والتجرد من المخيط ونحوه، حين النية. أما قرن النية بقول أو فعل، فقال الحنفية: لا يصيرشارعاً في الإحرام بمجرد النية، ما لم يأتِ بالتلبية، أي أن الإحرام لايثبت بمجرد النية ما لم يقترن بها قول أوفعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله، والنية ليست بركن عندهم، بل هي شرط، وإذا لبى ناوياً فقد أحرم عندهم. وعبارة المالكية: الإحرام: ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج، كالتلبية والتوجه إلى الطريق، لكن الأرجح أنه ينعقد بمجرد النية، ويلزمه دم في ترك التلبية والتجرد من المخيط حين النية. وعبارة الشافعية والحنابلة: الإحرام: بأن ينوي الدخول في النسك، فلا ينعقد بدون النية، فإن اقتصر على النية، ولم يلب، أجزأه، وإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه ولا يشترط قرن النية بالتلبية؛ لأنها من الأذكار، فلم تجب في الحج كسائر الأذكار. والحاصل أن الإحرام ينعقد بالنية عند الجمهور، ولا ينعقد بمجردها عند

стр. 2111

الحنفية وإنما لا بد من قرنه بقول أوفعل من خصائص الإحرام، كالتلبية أو التجرد من المخيط ونحوه (١). ولا يصح الإحرام إلا بالنية، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢) ولأنه عبادة محضة، فلم تصح من غير نية، كالصوم والصلاة. ومحل النية: القلب، والإحرام: النية بالقلب، والأفضل عند أكثر العلماء أن ينطق بما نواه؛ لما روى أنس ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحجة وعمرة» (٣) ولأنه إذا نطق به كان أبعد عن السهو. فيقول: نويت الحج أو العمرة وأحرمت به أو بها لله تعالى، أو يقول: اللهم إني أريد الحج أو العمرة، فيسره لي وتقبله مني. وإن أراد القران قال: اللهم إني أريد العمرة والحج، ثم يجب أن يلبي عند الحنفية عقيب صلاته، لأنه ﷺ «لبى في د ُبُر صلاته» ويستحب التلبية عند الجمهور بعد الإحرام أي مع النية. وإن حج أو اعتمر عن غيره قال: «نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به أو بها لله تعالى». وإن كان مفرداً الإحرام بالحج نوى بتلبيته الحج؛ لأنه عبادة، والأعمال بالنيات.

стр. 2112

والتلبية كما بينت في المبحث السابق أن يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك، لا شريك لك» وهي المنقولةعن رسول الله ﷺ . ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات، لأنه هو المنقول باتفاق الرواة، فلا ينقص عنه، فإن زاد عليها جاز بلا كراهة. ثانياً - صفة الإحرام تعييناً وإطلاقاً وإحالة واشتراطاً (١): الأفضل أن يعين المحرم ما أحرم به من حج أو عمرة أو هما معاً، فالتعيين أفضل من الإطلاق؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بالإحرام بنسك معين، فقال فيما روته عائشة: «من شاء منكم أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل» (٢). ورأى الحنفية: أنه لو أحرم بالحج، ولم يعين حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام، يقع عنها استحساناً؛ لأن الظاهر من حاله أنه لا يريد بإحرام الحج حجة التطوع، ويبقي نفسه في عهدة الفرض، فيحمل على حجة الإسلام بدلالة حاله، فكان الإطلاق فيه تعييناً كما في صوم رمضان. ولو نوى التطوع يقع عن التطوع؛ لأن دلالة حاله لا تفيد مع التعيين الصريح. وكذلك قال الشافعية: ليس التعيين شرطاً في انعقاد النسك، فلو أحرم بنسك نفل وعليه نسك فرض، انصرف إلى الفرض.

стр. 2113

وينعقد الإحرام معيناً: بأن ينوي حجاً أو عمرة أو كليهما بالإجماع، ولحديث عائشة المتقدم، وينعقد أيضاً مطلقاً بألا يزيد على الإحرام نفسه، بأن ينوي الدخول في النسك الصالح للأنواع الثلاثة، أو يقتصر على قوله: «أحرمت»، بدليل ما روى الشافعي: «أنه ﷺ خرج هو وأصحابه مهلِّين ينتظرون القضاء (أي نزول الوحي) فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة، ومن معه هدي أن يجعله حجاً». وفي حالة الإطلاق هذه قال الحنفية: يمضي في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطاً، فإن طاف شوطاً، كان إحرامه عن العمرة؛ لأن الطواف ركن في العمرة، وطواف القدوم سنة، فإيقاعه عن الركن أولى، وتتعين العمرة بفعله كما تتعين بقصده. وقال المالكية: إن أبهم نية الإحرام بأن لم يعين شيئاً بأن نوى النسك لله تعالى من غير ملاحظة حج أو عمرة أو هما، ندب صرفه أي تعيينه لحج فيكون مفرداً، والقياس صرفه لقران؛ لأنه أحوط لاشتماله على النسكين كالناسي لما عينه. وقال الشافعية والحنابلة: إن أحرم مطلقاً في أشهر الحج، صرفه بالنية إلى ما شاء من الأنساك، ثم اشتغل بالأعمال، فلو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عند الشافعية عن القدوم، وإن أطلق الإحرام في غير أشهر الحج، فالأصح عند الشافعية انعقاده عمرة، فلا يصرفه إلى الحج في أشهره. والأولى عند الحنابلة: صرف الإحرام إلى العمرة؛ لأنه إن كان في غير أشهر الحج، فالإحرام بالحج مكروه أو ممتنع، والأول أرجح عندهم، وإن كان في أشهر الحج، فالعمرة أولى؛ لأن التمتع عندهم أفضل، وقد أمر النبي ﷺ أبا موسى حين أحرم بما أهل به رسول الله ﷺ أن يجعله عمرة.

стр. 2114

تعليق الإحرام أو الإحرام بما أحرم به فلان (١) أو إبهام الإحرام: يصح إبهام الإحرام: وهو أن يحرم به بما أحرم به فلان، لما روى أبو موسى قال: «قدمت على رسول الله ﷺ ، فقال: كيف أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ ، قال: أحسنت، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم قال: حل» (٢). فإن لم يكن فلان محرماً، انعقد إحرامه مطلقاً، وإن كان محرماً بنسك معين انعقد إحرامه كإحرامه، وإن تعذر معرفة إحرامه بموته كان حكمه كالناسي. حكم نسيان ما عينه: إذا أحرم بنسك، ثم نسي ما عينه، أهو حج أو عمرة أو هما، قبل الطواف، فله عند الحنابلة صرفه إلى أي نسك شاء. ويكون قراناً عند المالكية والحنفية والشافعية في الجديد؛ لأنه تلبس بالإحرام يقيناً، فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه، فيعمل أعمال النسكين ليتحقق الخروج عما شرع فيه، فتبرأ ذمته من الحج بعد إتيانه بأعماله، ولا تبرأ ذمته من العمرة لاحتمال أنه أحرم بالحج، ويمتنع إدخالها عليه ولا دم عليه، فيبرأ من الحج فقط، وعليه عند المالكية تجديد نية الحج. ومنشأ الخلاف بين الرأيين: هو فسخ الحج إلى العمرة، فإنه جائز عند الحنابلة، وغير جائز عند الجمهور. الاشتراط في الإحرام (٣): أجاز الشافعية والحنابلة الاشتراط في الإحرام، وهو التحلل لمانع مرضي ونحوه، ولا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط، بدليل حديث ابن عباس: «أن ضُبَاعة بنت الزبير قالت: يا رسول الله، إني امرأة

стр. 2115

ثقيلة (١)، وإني أريد الحج، فكيف تأمرني؟ فقال: أَهِلِّي واشتراطي أن مَحِلِّي (٢) حيث حبستني، قال: فأدْركَت» (٣). وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح الاشتراط، عملاً برأي ابن عمر، وقالا عن الأحاديث: إنها قصة عين، وإنها مخصوصة بضباعة. ومنشأ الخلاف: هل خطابه ﷺ لواحد يكون غيره فيه مثله أو لا؟ من أحرم بحجتين أو عمرتين: إن أحرم، انعقد بإحداهما، ولغت الأخرى عند الحنابلة؛ لأنهما عبادتان لا يلزمه المضي فيهما، فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين، فلو أفسد حجته أو عمرته، لم يلزمه إلا قضاؤها. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ينعقد بهما، وعليه قضاء إحداهما، لأنه أحرم بها ولم يتمها، وإن أفسد ما نواه يلزمه قضاؤهما معاً بناء على صحة إحرامه بهما. ثالثاً - مكان الإحرام وزمانه: مكان الإحرام: هو المسمى بالميقات. وزمان الإحرام هو وقت الحج والعمرة وقد بحثت الأمرين في المبحث الثالث. وتبيَّن فيه أن وقت العمرة بالاتفاق: جميع أجزاء السنة ما عدا يوم العيد (عيد النحر) وأيام التشريق عند الحنفية والمالكية.

стр. 2116

ووقت الحج في أشهر ثلاثة معينة: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عند الجمهور، وذو الحجة كله عند المالكية. والناس في حق المواقيت أصناف ثلاثة (١): الصنف الأول - أهل الآفاق: وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقَّت لهم رسول الله ﷺ وهي خمسة ثابتة في السنة، وهي ذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام، وقرن المنازل لأهل نجد، ويلملم لأهل اليمن، وذات عرق لأهل العراق. و الصنف الثاني - أهل الحل: وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم كأهل بستان بني عامر وغيرهم، وميقاتهم دويرة أهلهم، أو حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم. و الصنف الثالث - أهل مكة الحرم: وميقاتهم للحج الحرم، وللعمرة الحل، فيحرم المكي من دويرة أهله للحج، أو حيث شاء من الحرم، ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أوغيره. رابعاً - ما يفعله مريد الإحرام: إذا أراد الشخص الإحرام يفعل السنن المذكورة سابقاً في بحث أعمال الحج وأهمها ما يأتي (٢). أما ما يجتنبه المحرم من اللباس والحذاء وغيرهما فيعرف في بحث محظورات الإحرام.

стр. 2117

١ - يغتسل تنظفاً، أو يتوضأ، والغسل أفضل؛ لأنه أتم نظافة، ولأنه ﵊ اغتسل لإحرامه (١)، وهو للنظافة لا للطهارة، ولذا تفعله المرأة الحائض والنفساء، لما روى ابن عباس مرفوعاً إلى النبي ﷺ : «أن النفساء والحائض تغتسل وتُحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت» (٢) وأمر النبي ﷺ أسماء بنت عميس، وهي نفساء أن تغتسل (٣). فدل على أن الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام، كما يشرع للرجال؛ لأنه نسك، وهو في حق الحائض والنفساء آكد، لورود الخبر فيهما. وهذا متفق عليه. فإن لم يجد ماء تيمم عند الشافعية؛ لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فإذا تعذر أحدهما يبقى الآخر، ولأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب، فعن المندوب أولى. ولو وجد ماء لا يكفيه للغسل ويكفيه للوضوء، توضأ به وتيمم عن الغسل. ولا يسن له التيمم في رأي ابن قدامة؛ لأنه غسل مسنون، فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة، والفرق بين الواجب والمسنون؛ أن الواجب يراد لإباحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصِّل هذا، بل يزيد شعثاً وتغييراً، والراجح عند الحنابلة جواز التيمم كما في غاية المنتهى. ويستحب التنظيف أيضاً بأزالة الشَّعَث (الوسخ من غبار وغيره) وقطع

стр. 2118

الرائحة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وقلم الأظفار، وحلق العانة وترجيل الشعر؛ لأن الإحرام أمر يسن له الاغتسال والطيب، فيسن له هذا كالجمعة. ٢ - يتجرد الذكر من المخيط، ويلبس ثوبين نظيفين: إزاراً ورداءاً جديدين ثم مغسولين، ونعلين، لقوله ﷺ : «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فلْيلبَس خُفَّين، ولْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين» (١)، ولا يلزم قطعهما في المشهور عن أحمد، لحديث ابن عباس: «ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين» (٢). والمرأة: إحرامها في كشف وجهها باتفاق الفقهاء، فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها، فإنها عند الحنابلة تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها؛ لفعل عائشة ومحرمات أخريات مع رسول الله ﷺ (٣). ٣ - يتطيب في بدنه قبل الإحرام عند الجمهور، لا في الثوب عند الحنفية والحنابلة، لأنه مباين له، وكذا في ثوبه في الأصح عند الشافعية، لحديث عائشة: «كنت أطيِّب النبي ﷺ عند إحرامه بأطيبِ ما أجد» (٤) أي في وقت إحرامه. ولابأس باستدامة أثر الطيب بعد الإحرام، لحديث الصحيحين عن عائشة: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ » والوبيص: هو البريق، والمفرق: وسط الرأس.

стр. 2119

ولا يتطيب عند المالكية، ويكره الطيب قبل الغسل أو بعده بما تبقى رائحته، لما روي أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ، يعني ساعة، ثم قال «: اغسل الطيب الذي بك - ثلاث مرات - وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» (١)، ولأنه يمنع من ابتداء الطيب، فمنع استدامته كاللبس. والظاهر جواز التطيب قبل الإحرام؛ لأن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر، فيكون ناسخاً للحديث الأول، وفعل النبي ﷺ حجة على ابن عمر الذي كان ينهى عن الطيب عند الإحرام. ويسن عند الشافعية والحنابلة أن تخضب المرأة للإحرام يديها إلى الكوع (الرسغ) بالحناء، لما روى ابن عمر أن ذلك من السنة. ٤ - يصلي صلاة ركعتي الإحرام بعد الغسل وقبل الإحرام بالاتفاق، أو يكون الإحرام عند المالكية والحنابلة عقب صلاة مفروضة، أما الأول فلما روى الشيخان أنه « ﷺ صلى بذي الحليفة ركعتين، ثم أحرم» (٢). ويحرمان في وقت الكراهة في غير حرم مكة، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون:١/ ١٠٩] وفي الثانية: (الإخلاص). وأما الإحرام عقب صلاة مكتوبة وهو الأولى عند الحنابلة، فلما روى أبو داود والأثرم عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: «أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته .. ».

стр. 2120

ويجوز عند الحنابلة على السواء الإحرام عقيب الصلاة، أو إذا استوت به راحلته، أو بدأ بالسير، فإذا استوى على راحلته لبى. والأفضل عند المالكية والشافعية أن يحرم إذا سارت به راحلته، لما رواه الشيخان، أو إذا توجه لطريقه ماشياً، لما روى مسلم عن جابر: «أمرنا رسول الله ﷺ لما أهللنا - أي أردنا أن نهل - أن نحرم إذا توجهنا». ٥ - يلبي، والتلبية عقيب الصلاة عند الحنفية، لأن النبي ﷺ «لبى في دُبُر صلاته» (١) وهو الأفضل، ويلبي بعد ما استوت به راحلته، ثم ينوي، فإن كان مفرداً الإحرام بالحج، نوى بتلبيته الحج؛ لأنه عبادة، والأعمال بالنيات. ويلبي عند الشافعية مع النية، لخبر مسلم: «إذا توجهتم إلى منى، فأهلوا بالحج» والإهلال: رفع الصوت بالتلبية، والعبرة بالنية لا بالتلبية، فلو لبى بغير مانوى، فالعبرة بما نوى. ويلبي عند المالكية والحنابلة إذا استوى على راحلته، وأخذ في المشي، لما روى البخاري عن أنس وابن عمر: «أن النبي ﷺ لما ركب راحلته، واستوت به أهلَّ» وقال ابن عباس: «أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته، واستوت به قائمة، أهل» يعني لبى، ومعنى الإهلال: رفع الصوت بالتلبية. ويجدد التلبية عند كل هبوط وصعود، وحدوث حادث ولقاء رفقة، وخلف الصلوات، وعند سماع من يلبي. ويستحب إكثار التلبية، ورفع الصوت بها أثناء إحرامه دون إسراف إلا

стр. 2121

للنساء، لقوله ﷺ : «أفضل الحج: العج والثج» (١) فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدم. وصيغة التلبية كما سبق: (لبيك اللهم (٢) لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) والمستحب ألا يزيد عليها، فإن زاد فيها، جاز. فإذا لبى ناوياً فقد أحرم عند الحنفية. متى يقطع التلبية؟ يقطع التلبية عند المالكية إذا أخذ في الطواف، ويعاودها بعد الفراغ من السعي، إلى أن يقطعها إذا زالت الشمس من يوم عرفة، عملاً بما روي عن علي وأم سلمة: أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة. ويقطع التلبية عند الجمهور (غير المالكية) عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة يوم العيد بأول حصاة يرميها؛ لأنه ﷺ لم يزل ملبياً حتى رماها (٣)، ولأنه يتحلل بالرمي. هذا عند الحنفية إن رمى قبل الحلق، فإن حلق قبل الرمي، قطع التلبية؛ لأنها لا تثبت مع التحلل. أما المعتمر فيقطع التلبية عند الشروع بالطواف. خامساً - ما يحرم به من حج أو عمرة أو بهما: اتفق الفقهاء على أن أوجه أداء الحج والعمرة، أو ما يحرم به في الأصل،

стр. 2122

ثلاثة أنواع: الإفراد، والتمتع، والقران، أي أداء الحج وحده، والعمرة وحدها، والعمرة مع الحج، والأشخاص المحرمون ثلاثة: مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، وجامع بينهما، الأول: هو المفرد، والثاني: المتمتع، والثالث: القارن. و المفرد بالحج: هو الذي يحرم بالحج لا غير، فيؤدي الحج أولاً، ثم يحرم بالعمرة. والمتمتع: هو الذي يحرم بالعمرة أولاً في أشهر الحج ويتمها، ثم يحرم بالحج في سنته وأشهره. والقارن: هو الآفاقي (غير المكي) الذي يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج قبل وجود ركن العمرة وهو الطواف، فيأتي بالعمرة أولاً، ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير، سواء جمع بين الإحرامين بكلام موصول أو مفصول، فلو أحرم بالعمرة، ثم أحرم بالحج بعد ذلك قبل الطواف للعمرة (أو أكثره عند الحنفية) كان قارناً، لوجود معنى القران: وهو الجمع بين الإحرامين، ولو كان إحرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره لا يكون قارناً، بل يكون متمتعاً، لوجود معنى التمتع: وهو أن يكون إحرامه بالحج بعد وجود ركن العمرة كله عند الحنفية وهو الطواف، والسعي بعده عند الجمهور، والحلق أو التقصير أيضاً عند الشافعية على المعتمد (١). و اختلف فقهاء المذاهب في الأفضل من هذه الأوجه على أقوال ثلاثة: ١ - فقال الحنفية (٢): القران (وهو الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر

стр. 2123

واحد) أفضل من التمتع والإفراد؛ لأن فيه استدامة الإحرام بهما من الميقات إلى أن يفرغ منهما، ولا كذلك التمتع، فكان القران أولى منه، ولقوله ﷺ : «أهلُّوا يا آل محمد بعمرة في حجة» (١). وقال أنس: «سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجة» (٢). ٢ - وقال المالكية والشافعية (٣): الإفراد بالحج أفضل من القران والتمتع، إن اعتمر عامه؛ لأنه لا يجب معه هدي، ولأن النبي ﷺ حج مفرداً على الأصح، قالت عائشة: «خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهَلَّ بعمرة، ومنا من أّهل بحج وعمرة، وأهل رسول الله ﷺ بالحج» (٤)، وروي الإفراد عن النبي ﷺ عن جابر بن عبد الله من طرق شتى متواترة صحاح، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وجابر. ثم القران عند المالكية يلي الإفراد في الفضل، وللقران صورتان: أولاهما - بأن ينوي القران أو العمرة والحج بنية واحدة، ويجب تقديم العمرة في النية والملاحظة إن رتب بينهما، ويندب تقديمها في اللفظ إن تلفظ. والثانية - أن ينوي العمرة، ثم يبدو له فيردف الحج عليها، ولا يصح إرداف عمرة على حج، لقوته، فلا يقبل غيره. والتمتع عند الشافعية بعد الإفراد، ثم القران؛ لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين غير أنه لا ينشئ لهما ميقاتين. وأما القارن فإنه يأتي بعمل واحد من ميقات واحد. فالشافعية ينظرون لكثرة الأعمال.

стр. 2124

٣ - وقال الحنابلة (١): التمتع أفضل، فالإفراد، فالقران، أي عكس الترتيب عند الشافعية بين الأول والثاني. والتمتع: أن يحرم بعمرة في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج في عامه من أين شاء بعد فراغه منها. ودليلهم أن النبي ﷺ كان متمتعاً، لما قال ابن عمر: «تمتع رسول الله ﷺ في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحليفة» (٢). وقال النبي ﷺ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» (٣). هذه هي أقوال الفقهاء في بيان الأفضلية بين هذه الأنواع، والسبب في اختلافهم: اختلافهم فيما فعل رسول الله ﷺ من ذلك، ولكل رأي ما يؤيده من الروايات الصحيحة، وأرجح الرأي الثاني؛ لأن رواة أحاديثه أكثر، ولأن جابراً منهم أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك، وبالإجماع على أنه لا كراهة في الإفراد، وبأن التمتع والقران يجب فيهما بالدم جبراً للنقص، بخلاف الإفراد. قال النووي في المجموع (٤): والصواب الذي نعتقده أنه ﷺ أحرم بحج، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارناً، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي ﷺ تلك السنة للحاجة، وأمر به في قوله: «لبيك عمرة في حجة» (٥).

стр. 2125

سادساً - إضافة الإحرام إلى الإحرام وإدخال الحج على العمرة وبالعكس وفسخ الحج إلى العمرة: إضافة الإحرام إلى الإحرام: قال الحنفية (١): إضافة الإحرام إلى الإحرام من المكي ونحوه جناية، وكذلك إضافة إحرام العمرة إلى إحرام الحج من الآفاقي جناية أيضاً توجب الدم. أما إضافة الحج إلى العمرة فجائز لا جناية فيه. وتفصيل الكلام كما يأتي: ١ - ضم الحج إلى العمرة: إذا أحرم المكي بعمرة، فأدخل عليها إحرام حجة، فهناك ثلاثة احتمالات: أـ إما أن يدخله قبل أن يطوف، فترتفض عمرته اتفاقاً بين أئمة الحنفية، ولو فعل هذا آفاقي (غير مكي) كان قارناً. ب - أو يدخله بعد أن يطوف أكثر الأشواط، فترتفض حجته اتفاقاً، ولو فعل هذا آفاقي كان متمتعاً إن كان الطواف في أشهر الحج. جـ - أو يدخله بعد أن يطوف الأقل من الأشواط كثلاثة مثلاً، فهي محل خلاف بين الإمام وصاحبيه، قال أبو حنيفة: يرفض الحج، لما يلزم رفض العمرة من إبطال العمل، وقد تأكد إحرام العمرة بأداء شيء من أعمالها، وإحرام الحج لم يتأكد، ورفض غير المتأكد أيسر. وقال الصاحبان: ترفض العمرة، لأنها أدنى حالاً، إذ ليس من جنسها فرض، بخلاف الحج، ولأن العمرة أقل أعمالاً، وأيسر قضاء لعدم توقيتها وقلة أعمالها.

стр. 2126

ولو فعل هذا آفاقي كان قارناً. وكل من رفض نسكاً فعليه دم، لما روى أبو حنيفة عن عبد الملك بن عمير عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ أمر لرفضها العمرة بدم». وفي رفض العمرة قضاؤها فقط، وفي رفض الحج قضاء الحج والعمرة جميعاً، أما قضاء الحج فلأنه صح شروعه فيه ثم رفضه، وأما العمرة فهي في معنى فائت الحج، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، وقد تعذر التحلل بأفعالها ههنا؛ لأنه في العمرة، والجمع بين العمرتين منهي عنه، فيجب عليه قضاء الحج والعمرة جميعاً. وإذا لم يرفض المكي ومن بمعناه العمرة أو الحج، ومضى عليهما وأداهما، أجزأه؛ لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما، غير أنه منهي عنهما، أي عن إحرام الحج وإحرام العمرة جميعاً؛ لأن الجمع بين إحرامي الحج أو إحرامي العمرة بدعة، والنهي لا يمنع تحقق الفعل، وعليه دم لجمعه بينهما، لارتكابه المنهي عنه ووجود النقصان في عمله. ٢ - ضم الحج لحجة أخرى: من أحرم بالحج، ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى: أـ فإن حلق في الحجة الأولى، لزمته الأخرى ولا شيء عليه؛ لأنه حل من الأول وأحرم للثاني بعده. ب - وإن لم يحلق في الأولى، لزمته الأخرى ويقضيها، وعليه دم لصحة شروعه فيه سواء عند أبي حنيفة حلق بعد الإحرام الثاني أو لم يحلق؛ لأنه إن حلق يكون جانياً على الإحرام الثاني، وإن لم يحلق يكون مؤخراً للحلق في الحج الأول عن أيام النحر، وهو يوجب الدم عنده.

стр. 2127

وقال الصاحبان: إن لم يحلق أو يقصر بعد ما أحرم بالحج الثاني، فلا شيء عليه؛ لأن تأخير الحلق عندهما عن أيام النحر لا يوجب شيئاً عندهما، وإن حلق بعد الإحرام بالثاني يجب عليه الدم، لجنايته عليه. ٣ - ضم العمرة إلى العمرة: من فرغ من عمرته إلا التقصير، فأحرم بأخرى، فعليه دم باتفاق الحنفية، لإحرامه قبل الوقت؛ لأن وقته بعد الحلق للإحرام الأول، ولم يوجد، ولأنه جمع بين إحرامي العمرة، وهكذا مكروه، فيلزمه دم، وهو دم جبر وكفارة. ٤ - ضم العمرة إلى الحج: من أهل بالحج، ثم أحرم بالعمرة، لزمه الاثنان، لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقي، فيصير قارناً، لكنه أخطا السنة فيصير مسيئاً؛ لأن السنة إدخال الحج على العمرة، لا إدخال العمرة على الحج، قال الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج … ﴾ [البقرة:٢/ ١٩٦] الآية، جعل الحج آخر الغايتين، لكن لما لم يؤد الحج صح. ومن أحرم بحج، ثم بعمرة، ثم وقف بعرفات قبل أن يدخل مكة، فقد رفض عمرته بالوقوف، وإن لم يقف بعرفة لا يصير رافضاً؛ لأنه يصير قارناً بالجمع بين الحج والعمرة، وهو مشروع في حق الآفاقي، لكنه مسيء بتقديم إحرام الحج على إحرام العمرة، لكونه أخطأ السنة؛ لأن السنة في القران: أن يحرم بهما معاً، أو يقدم إحرام العمرة على إحرام الحج. وإن طاف للحج طواف القدوم، ثم أحرم بعمرة، ومضى عليهما بأن يقدم أفعال العمرة على أفعال الحج، وجب عليه دم، لجمعه بينهما؛ لأنه قارن، ولكنه أساء أكثر من الأول حيث أخر إحرام العمرة عن طواف الحج. ويستحب أن يرفض عمرته؛ لأن إحرام الحج قد تأكد بشيء من أعماله، وإذا رفض عمرته يقضيها لصحة الشروع فيها، وعليه دم لرفضها.

стр. 2128

وإن أهلَّ الحاج بعمرة يوم النحر أو في أيام التشريق، لزمته العمرة، ولزمه رفضها: لأنه قد أدى ركن الحج، فيصير بانياً أفعال العمرة على أفعال الحج من كل وجه، فكان خطأ محضاً لكراهة العمرة في هذه الأيام تعظيماً لأمر الحج، فترفض العمرة، وإذا رفضها وجب عليه دم للتحلل منها قبل أوانه. ويجب عليه قضاؤها لصحة الشروع فيها. فإن مضى على العمرة التي أحرم لها يوم النحر وأدى أفعالها أجزأه، وعليه دم لجمعه بين أعمالها وأعمال الحج الباقية إن كان الإحرام بها بعد الحلق، أو لجمعه بينهما في الإحرام إن كان الإحرام بها قبل الحلق. ومن فاته الحج، فأحرم بعمرة أو بحجة، فإنه يرفض التي أحرم بها؛ لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة، فيصير جامعاً بين العمرتين في الأفعال، وهو بدعة، فيرفضها، كما لو أحرم بحجتين، وعليه قضاؤها لصحة الشروع فيها، وعليه دم لرفضها بالتحلل قبل أوانه. رأي الجمهور في إدخال الحج على العمرة وبالعكس: أجاز جمهور الفقهاء (١) إدخال الحج على العمرة بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة، وبشرط كونه عند الحنفية قبل أداء أربعة أشواط من طواف العمرة، ويكون قارناً بلا خلاف. فإن أدخله على العمرة بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارناً؛ لأنه شارع في التحلل من العمرة، فلم يجز إدخال الحج عليها. ودليلهم: فعل ابن عمر الذي أحرم بعمرة، ثم جمع معها حجة، ثم قال: هكذا صنع النبي ﷺ (٢).

стр. 2129

ولا يجوز إدخال العمرة على الحج، كما أبنت في مذهب الحنفية، لكنه عندهم يصير قارناً، وعند الجمهور: لا يصح الإدخال ولا يصير قارناً؛ لما رواه الأثرم أن علياً منع من أراد ذلك، ولأن إدخال العمرة على الحج لا يفيد إلا ما أفاده الإحرام الأول كتكرر الاستئجار على عمل في المدة. فسخ الحج إلى العمرة: أي تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة. اتفق العلماء على أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه عام حجه بفسخ الحج إلى العمرة وقال: «أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا وأقيموا حلالاً .. إلى أن قال: لولا أني سُقْت الهدي، لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يَحِلّ مني حَرام حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه» (١) والرواية المشهورة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فإنه ﵇ أمر من لم يسق الهدي من أصحابه أن يفسخ إهلاله بالحج إلى العمرة. ثم اختلف العلماء في هذا الفسخ، هل هو خاص للصحابة في تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة (٢)؟. فقال الحنابلة والظاهرية: ليس خاصاً، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأفعالها. وقال الجمهور، منهم (المالكية والحنفية والشافعية): هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، بدليل حديث أبي ذر عند مسلم: «كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ » يعني فسخ الحج إلى العمرة.

стр. 2130

وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة. وقال عمر: متعتان على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء (زواج المتعة)، ومتعة الحج. وقال عثمان أيضاً: متعة الحج كانت لنا، وليست لكم. وقال أبو ذر: ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج، ثم يفسخه في عمرة. ويؤكد ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢]. المطلب الثاني - الطواف أنواعه وحكم كل نوع، وشروطه (ومنها مكانه، وزمانه، ومقداره) وسننه. أولاً - أنواع الطواف وحكم كل نوع (١): الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة (أو الزيارة، أو طواف الركن)، وطواف الوداع (أو طواف الصَّدَر) وهو طواف آخر العهد بالبيت، سمي بذلك لأنه يودّع البيت ويصدُرُ به. وما زاد على هذه

стр. 2131

الأطوفة فهو نفل. أما السعي فواحد، ولا يكون السعي إلا بعد طواف، فإن سعى مع طواف القدوم لم يسْع بعده، وإن لم يسْع معه، سعى مع طواف الزيارة. هذا .. وقد أجمعوا على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة. كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف العمرة، فليس عليه طواف قدوم. وأجمعوا على أن المتمتع عليه طوافان: طواف للعمرة لحله منها، وطواف للحج، يوم النحر. أما المفرد للحج فليس عليه إلا طواف واحد يوم النحر، ويجب عليه عند المالكية القدوم أيضاً إن اتسع الوقت له، ويسن ذلك عند الجمهور. وأما القارن فيجزئه عند الجمهور طواف واحد وسعي واحد، عملاً بمذهب ابن عمر وجابر، وقال الحنفية: على القارن طوافان وسعيان عملاً بمذهب علي وابن مسعود. وأجمعوا على أن الواجب من هذه الأطوفة الثلاثة الذي يفوت الحج بفواته: هو طواف الإفاضة، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٩٢/ ٢٢] وأنه لا يجزئ عنه دم. وأجمعوا ما عدا طائفة من المالكية على أنه لا يجزئ طواف القدوم عن طواف الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة، لكونه قبل يوم النحر. ورأى جمهور العلماء أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف طواف الإفاضة؛ لأنه طواف بالبيت معمول في وقت الوجوب الذي هو طواف الإفاضة، بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة. والحاصل أن العمرة ليس فيها طواف قدوم، وإنما فيها طواف واحد، يقال له

стр. 2132

طواف الفرض وطواف الركن، وإذا طاف للعمرة أجزأه عن طواف القدوم وطواف الفرض. والقارن والمفرد بالحج يطوف ثلاثة أطوفة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. وهناك طواف رابع متطوع به غير ما ذكر، ولا يكفي القارن عند الحنفية طواف واحد، بل عليه طوافان للعمرة وللحج وطواف القدوم للمفرد والقارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة ودخلاها قبل الوقوف بعرفة. أما طواف القدوم: فهو سنة عند جمهور الفقهاء لحاج دخل مكة قبل الوقوف بعرفة، سواء أكان مفرداً أم قارناً، وليس على أهل مكة طواف القدوم، لانعدام القدوم في حقهم، وأما غير أهل مكة فسنة لهم بدليل الثابت في خبر الصحيحين، ولا يسن للحاج بعد الوقوف بعرفة، ولا للمعتمر؛ لأنه دخل وقت طوافهما المفروض. وعليه فيسقط طواف القد وم عن ثلاثة: المكي ومن في حكمه وهو من كان منزله دون المواقيت، والمعتمر والمتمتع ولو آفاقياً، ومن قصد عرفة رأساً للوقوف. وقال المالكية: يجب على من أحرم من الحِلّ ولو كان مكياً، وتجب الفدية على من قصد عرفة وترك طواف القدوم وكان الوقت متسعاً، وقال الحنابلة: يطوف المتمتع للقدوم قبل طواف الإفاضة، ثم يطوف طواف الإفاضة. ويسن أيضاً عند الشافعية طواف القدوم للحلال (غير المحرم) الداخل إلى مكة؛ لأنه يسمى طواف القادم والورود والوارد والتحية. والحكمة منه: أن الطواف تحية البيت، لا المسجد، فيبدأ به لا بصلاة تحية المسجد؛ لأن القصد من إتيان المسجد البيت، وتحيته الطواف.

стр. 2133

ولا يبدأ بالطواف إذا خاف فوات الصلاة المفروضة، أو السنة المؤكدة، أو وجد جماعة قائمة، أو تذكر فائتة مكتوبة، فإنه يقدم ذلك على الطواف. ولو أقيمت الصلاة وهوفي أثناء الطواف قطعه وصلى، وكذا لو حضرت جنازة قطعه إن كان نفلاً. ويستحب للمحرم أول دخوله مكة ألا يعرج على استئجار منزل أو غيره قبل أن يطوف طواف القدوم. لكن لو قدمت امرأة نهاراً هي ذات جمال أو شرف، وهي التي لا تبرز للرجال، سنَّ لها أن تؤخره إلى الليل. ولو دخل المسجد الحرام وقد منع الناس من الطواف، صلى تحية المسجد. ولا يفوت طواف القدوم بالجلوس في المسجد، كما تفوت به تحية المسجد، لكنه يفوت بالوقوف بعرفة، لا بالخروج من مكة. ويطوف القارن عند الحنفية طواف القدوم بعد إنهاء أعمال العمرة، أي بعد طواف العمرة والسعي بين الصفا والمروة. وقال المالكية: يجب طواف القدوم لمن دخل المسجد الحرام، وينوي وجوبه ليقع واجباً، فإن نوى بطوافه نفلاً، أعاده بنية الوجوب، وأعاد السعي الذي سعاه بعد النفل ليقع بعد واجب، وذلك ما لم يخف فوتاً لحجه إن اشتغل بالإعادة، فإن خاف الفوات ترك الإعادة لطوافه وسعيه، وأعاد السعي بعد الإفاضة، وعليه دم لفوات طواف القدوم إن كان الوقت متسعاً، فإن خشي فوات الوقوف لو اشتغل بطواف القدوم سقط عنه ولا فدية عليه. والحاصل: أن طواف القدوم واجب عند المالكية بشروط ثلاثة: إن أحرم

стр. 2134

المفرد أو القارن من الحل ولو كان مقيماً بمكة؛ ولم يزاحمه الوقت بحيث يخشى فوات الحج إن اشتغل بالقدوم، فإن خشيه خرج لعرفة وتركه؛ ولم يُردف الحج على العمرة في حرم. فإن اختل شرط من الثلاثة لم يجب عليه طواف القدوم ولادم عليه. ووجوب الدم على من ترك طواف القدوم بشرطين: أولهما - أن يقدم السعي بعد ذلك الطواف على الإفاضة. وثانيهما - ألا يعيد سعيه بعد الإفاضة حتى رجع لبلده. فإن أعاده بعد الإفاضة، فلا دم عليه. وأما طواف الإفاضة أوالزيارة (١): فهو ركن باتفاق الفقهاء، لا يتم الحج إلا به، لقوله : ﴿وليطًّوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج، لا خلاف في ذلك بين العلماء. وقالت عائشة: «حججنا مع النبي ﷺ ، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض، قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا» (٢) فدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، ولأن الحج أحد النسكين، فكان الطواف ركناً كالعمرة. فمن ترك طواف الزيارة، رجع من بلده متى أمكنه محرماً، لا يجزئه غير ذلك، لقصة صفية المتقدمة، فإنه ﷺ قال بعد أن حاضت: «أحابستنا هي؟ قيل: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذاً». فهذا يدل على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، فإن نوى التحلل ورفض إحرامه، لم يحل بذلك؛ لأن الإحرام لا يخرج منه بنية الخروج. وعلى هذا فإذا فات طواف الإفاضة عن أيام النحر لا يسقط، بل يجب أن يأتي به؛ لأن سائر الأوقات وقته.

стр. 2135

وأما طواف الوداع (١) لمن أراد الخروج من مكة: فهو مندوب عند المالكية؛ لكل من خرج من مكة ولو كان مكياً؛ لأنه لا يجب على الحائض والنفساء، ولو كان واجباً لوجب عليهما كطواف الزيارة. وواجب عند باقي المذاهب يجبر تركه بدم، لما قال ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض» (٢) وفي لفظ لمسلم «كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد، حتى يكون آخر عهده بالبيت»، وأخرج الترمذي عن عمر: «من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت، إلا الحيَّض، ورخص لهن رسول الله ﷺ » (٣)، وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوِّز سقوطه لغيره، كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها. جزاء ترك الوداع: إذا ثبت وجوبه، فإنه ليس بركن بغير خلاف، ويجبر تركه بدم كسائر الواجبات، فلو خرج الحاج من مكة أو منى بلا وداع عامداً أو ناسياً أو جاهلاً بوجوبه، وعاد بعد خروجه قبل مسافة القصر من مكة، وطاف للوداع، سقط وجوبه عند الشافعية والحنابلة؛ لأن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر، وهو معدود من حاضري المسجد الحرام، وروي أن عمر «رد رجلاً من مَرّ الظهران إلى مكة ليكون آخر عهده بالبيت» (٤) وعليه أن

стр. 2136

يرجع إن كان قريباً من مكة، والقريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، وإن كان بعيداً بعث بدم، والبعيد: من بلغ مسافة القصر. شرائطه: لطواف الوداع شرائط وجوب، وصحة أو جواز. فمن أهم شرائط الوجوب اثنان: ١ - أن يكون من أهل الآفاق: فليس عند الحنفية على أهل مكة ومن في حكمهم وهو من كان منزله داخل المواقيت طواف وداع إذا حجوا؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعاً للبيت. وقال الحنابلة: من كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريباً منه فلا يخرج حتى يودع، لعموم الحديث السابق: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (١) وقال الشافعية: يجب الوداع لكل من أراد الخروج من مكة لسفر ولو مكياً سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً، لحديث ابن عباس المتقدم: «لا ينفرن أحد .. ». ولحديث أنس: «أنه ﷺ لما فرغ من أعمال الحج طاف للوداع» وهذا العموم للمكي مندوب عند المالكية كما عرفنا. ٢ - الطهارة من الحيض والنفاس: فلا يجب على الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما الدم بتركه، للحديث السابق: «رخص للحيَّض» ترك هذا الطواف، لا إلى بدل، فدل على أنه ليس واجباً عليهن، إذ لو كان واجباً لما جاز تركه إلا إلى بدل، وهو الدم، فإذا حاضت المرأة قبل أن تودع، خرجت ولا وداع عليها ولا فدية بالاتفاق، لحديث عائشة المتقدم: أن صفية حاضت، فأمرها النبي ﷺ أن تنصرف بلا وداع.

стр. 2137

ولم يشترط لوجوب هذا الطواف الطهارة عن الحدث والجنابة، وإنما يجب على المحدث والجنب؛ لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة. و شرطا صحة طواف الوداع: ١ - النية؛ لأنه عبادة، فلا بد له من النية. لكن تعيين النية ليس بشرط عند الحنفية، فلو طاف بعد طواف الزيارة، دون أن يعين شيئاً، أو نوى تطوعاً، كان طواف صدر؛ لأن الوقت تعين له، فينصرف مطلق النية إليه كصوم رمضان. ٢ - أن يكون بعد طواف الزيارة: فلو طاف بعد النفر من عرفات لا ينوي شيئاً، أو نوى تطوعاً أو نوى طواف الصدر، وقع عن الزيارة لا عن الصدر؛ لأن الوقت له، وطواف الصدر مرتب عليه. ويتأدى طواف الوداع عند المالكية بطواف الإفاضة وطواف العمرة، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض. قدره وكيفيته وسننه: كسائر الأطوفة التي سأذكرها. وقته: بعد فراغ المرء من جميع أمور الحج، وحين إرادته السفر من مكة، ليكون آخر عهده بالبيت. وهذا عند الحنفية بيان الوقت المستحب أو الأفضل، فلو أطال الإقامة بمكة ولم يستوطنها صح طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف، ويجوز طواف الوداع عند الحنفية في أيام النحر وبعدها، ويكون أداء لا قضاء. وقال الجمهور (غير الحنفية): يكون طواف الوداع عند خروج الحاج ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة وإقامة، فعليه إعادته،

стр. 2138

للحديث المتقدم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت»، ولأنه إذا أقام بعده، خرج عن أن يكون وداعاً في العادة، فلم يجزه، كما لو طافه قبل حل النفر. فأما إن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه، لم يعد؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت. مكانه: حول البيت، لا يجوز إلا به، لقوله ﷺ : «من حج هذا البيت، فليكن آخر عهده به الطواف» والطواف بالبيت: هو الطواف حوله، فإن نفر ولم يطف، يجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات عند الحنفية، ومن دون مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه ترك طوافاً واجباً، وأمكنه أن يأتي به من غير حاجة إلى تجديد الإحرام. وإن جاوز الميقات عند الحنفية أو مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة، لا يجب عليه الرجوع، والأولى ألا يرجع، ويريق دماً مكان الطواف؛ لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه، لما فيه من دفع مشقة السفر، وضرر التزام الإحرام بعمرة، لأنه إذا رجع أحرم بعمرة، فطاف طواف العمرة، وسعى، ثم يطوف الوداع، ولا شيء عليه عند الحنفية، والحنابلة في الأصح، لتأخيره عن مكانه. ولا يسقط عنه الدم على الصحيح عند الشافعية والقاضي أبي يعلى الحنبلي. إن عاد بعد مسافة القصر؛ لأنه قد استقرعليه الدم بالسفر الطويل، أي بلوغه مسافة القصر. صلاة ركعتين، والوقوف في الملتزم والحطيم والدعاء وشرب ماء زمزم وتقبيل الحجر بعد طواف الوداع: إذا فرغ المودع من طوافه سبعاً ومن جميع أموره، صلى ركعتين كما فعل النبي ﷺ ، ويستحب أن يقف المودع في الملتزم (وهو ما بين الركن - الحجر الأسود -

стр. 2139

والباب قدر أربعة أذرع) فيلتزمه ملصقاً به صدره ووجهه ويبسط يديه عليه، ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو الحجر، ويدعو الله ، كما فعل النبي ﷺ (١). ويأتي الحطيم أيضاً: وهو تحت الميزاب، ثم يشرب من زمزم، ويستلم الحجر ويقبله. قال منصور: سألت مجاهداً إذا أردتُ الوداع كيف أصنع؟ قال: تطوف بالبيت سبعاً، وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم، فتشرب من مائها، ثم تأتي الملتزم ما بين الحجَر والباب، فتستلمه، ثم تد عو، ثم تسأل حاجتك، ثم تستلم الحجر، وتنصرف. وقال الفقهاء (٢): يقول في دعائه عند الملتزم: «اللهم هذا بيتُك وأنا عبدك وابن عبدك، حملْتني على ما سخَّرت لي من خلْقِك، وسيرتني في بلادك، حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنْتَني على أداء نُسُكي، فإن كنت رضيتَ عني، فازدد عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستَبدِل بك ولا ببَيْتك، ولا راغبٍ عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصْحِبني العافيةَ في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبداً ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير». أما المرأة إذا كانت حائضاً، فلا تدخل المسجد، ووقفت على بابه، فدعت بذلك.

стр. 2140

كيفية الرجوع: المذهب الصحيح عند الشافعية وباقي المذاهب: أن المودع يخرج ويولي ظهره إلى الكعبة، ولا يمشي قهقرى، كما يفعله كثير من الناس، قالوا: بل المشي قهقرى مكروه، فإنه ليس فيه سنة مروية ولا أثر محكي، وما لا أصل له لا يعرج عليه. قال مجاهد: إذا كدت تخرج من باب المسجد، فالتفت، ثم انظر إلى الكعبة، ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد. وكان النبي ﷺ إذا انصرف من حج أو عمرة أو غزو يقول: «آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». أخذ شيء من الحرم: لا يجوز أخذ شيء من تراب الحرم وأحجاره معه إلى بلاده ولا إلى غيره من الحل، ولا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة، لا للتبرك ولا لغيره، ومن أخذ شيئاً من ذلك لزمه رده إليها؛ ولا يجوز قطع شيء من سترة الكعبة ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئاً لزمه رده. ويحرم إتلاف صيد الحرم على الحلال والمحرم وتملكه وأكله. ويجوز إخراج ماء زمزم من جميع مياه الحرم ونقله إلى جميع البلدان؛ لأن الماء يستخلف، بخلاف التراب والحجر. ثانياً - شروط الطواف أو واجباته: يشترط لصحة الطواف خمسة شروط عند الحنفية، وسبعة شروط عند المالكية، وثمانية شروط عند الشافعية، وأربعة عشر شرطاً عند الحنابلة: أما شروط الطواف عند الحنفية، فهي ما يلي (١):
следующие страницы →