← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

يرجع إن كان قريباً من مكة، والقريب: هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، وإن كان بعيداً بعث بدم، والبعيد: من بلغ مسافة القصر. شرائطه: لطواف الوداع شرائط وجوب، وصحة أو جواز. فمن أهم شرائط الوجوب اثنان: ١ - أن يكون من أهل الآفاق: فليس عند الحنفية على أهل مكة ومن في حكمهم وهو من كان منزله داخل المواقيت طواف وداع إذا حجوا؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعاً للبيت. وقال الحنابلة: من كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريباً منه فلا يخرج حتى يودع، لعموم الحديث السابق: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (١) وقال الشافعية: يجب الوداع لكل من أراد الخروج من مكة لسفر ولو مكياً سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً، لحديث ابن عباس المتقدم: «لا ينفرن أحد .. ». ولحديث أنس: «أنه ﷺ لما فرغ من أعمال الحج طاف للوداع» وهذا العموم للمكي مندوب عند المالكية كما عرفنا. ٢ - الطهارة من الحيض والنفاس: فلا يجب على الحائض والنفساء، ولا يجب عليهما الدم بتركه، للحديث السابق: «رخص للحيَّض» ترك هذا الطواف، لا إلى بدل، فدل على أنه ليس واجباً عليهن، إذ لو كان واجباً لما جاز تركه إلا إلى بدل، وهو الدم، فإذا حاضت المرأة قبل أن تودع، خرجت ولا وداع عليها ولا فدية بالاتفاق، لحديث عائشة المتقدم: أن صفية حاضت، فأمرها النبي ﷺ أن تنصرف بلا وداع.

стр. 2137

ولم يشترط لوجوب هذا الطواف الطهارة عن الحدث والجنابة، وإنما يجب على المحدث والجنب؛ لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة. و شرطا صحة طواف الوداع: ١ - النية؛ لأنه عبادة، فلا بد له من النية. لكن تعيين النية ليس بشرط عند الحنفية، فلو طاف بعد طواف الزيارة، دون أن يعين شيئاً، أو نوى تطوعاً، كان طواف صدر؛ لأن الوقت تعين له، فينصرف مطلق النية إليه كصوم رمضان. ٢ - أن يكون بعد طواف الزيارة: فلو طاف بعد النفر من عرفات لا ينوي شيئاً، أو نوى تطوعاً أو نوى طواف الصدر، وقع عن الزيارة لا عن الصدر؛ لأن الوقت له، وطواف الصدر مرتب عليه. ويتأدى طواف الوداع عند المالكية بطواف الإفاضة وطواف العمرة، وحصل له ثوابه إن نواه بهما كتحية المسجد تؤدى بالفرض. قدره وكيفيته وسننه: كسائر الأطوفة التي سأذكرها. وقته: بعد فراغ المرء من جميع أمور الحج، وحين إرادته السفر من مكة، ليكون آخر عهده بالبيت. وهذا عند الحنفية بيان الوقت المستحب أو الأفضل، فلو أطال الإقامة بمكة ولم يستوطنها صح طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف، ويجوز طواف الوداع عند الحنفية في أيام النحر وبعدها، ويكون أداء لا قضاء. وقال الجمهور (غير الحنفية): يكون طواف الوداع عند خروج الحاج ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة وإقامة، فعليه إعادته،

стр. 2138

للحديث المتقدم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت»، ولأنه إذا أقام بعده، خرج عن أن يكون وداعاً في العادة، فلم يجزه، كما لو طافه قبل حل النفر. فأما إن قضى حاجة في طريقه، أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه، لم يعد؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت. مكانه: حول البيت، لا يجوز إلا به، لقوله ﷺ : «من حج هذا البيت، فليكن آخر عهده به الطواف» والطواف بالبيت: هو الطواف حوله، فإن نفر ولم يطف، يجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات عند الحنفية، ومن دون مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه ترك طوافاً واجباً، وأمكنه أن يأتي به من غير حاجة إلى تجديد الإحرام. وإن جاوز الميقات عند الحنفية أو مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة، لا يجب عليه الرجوع، والأولى ألا يرجع، ويريق دماً مكان الطواف؛ لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه، لما فيه من دفع مشقة السفر، وضرر التزام الإحرام بعمرة، لأنه إذا رجع أحرم بعمرة، فطاف طواف العمرة، وسعى، ثم يطوف الوداع، ولا شيء عليه عند الحنفية، والحنابلة في الأصح، لتأخيره عن مكانه. ولا يسقط عنه الدم على الصحيح عند الشافعية والقاضي أبي يعلى الحنبلي. إن عاد بعد مسافة القصر؛ لأنه قد استقرعليه الدم بالسفر الطويل، أي بلوغه مسافة القصر. صلاة ركعتين، والوقوف في الملتزم والحطيم والدعاء وشرب ماء زمزم وتقبيل الحجر بعد طواف الوداع: إذا فرغ المودع من طوافه سبعاً ومن جميع أموره، صلى ركعتين كما فعل النبي ﷺ ، ويستحب أن يقف المودع في الملتزم (وهو ما بين الركن - الحجر الأسود -

стр. 2139

والباب قدر أربعة أذرع) فيلتزمه ملصقاً به صدره ووجهه ويبسط يديه عليه، ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو الحجر، ويدعو الله ، كما فعل النبي ﷺ (١). ويأتي الحطيم أيضاً: وهو تحت الميزاب، ثم يشرب من زمزم، ويستلم الحجر ويقبله. قال منصور: سألت مجاهداً إذا أردتُ الوداع كيف أصنع؟ قال: تطوف بالبيت سبعاً، وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم، فتشرب من مائها، ثم تأتي الملتزم ما بين الحجَر والباب، فتستلمه، ثم تد عو، ثم تسأل حاجتك، ثم تستلم الحجر، وتنصرف. وقال الفقهاء (٢): يقول في دعائه عند الملتزم: «اللهم هذا بيتُك وأنا عبدك وابن عبدك، حملْتني على ما سخَّرت لي من خلْقِك، وسيرتني في بلادك، حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنْتَني على أداء نُسُكي، فإن كنت رضيتَ عني، فازدد عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستَبدِل بك ولا ببَيْتك، ولا راغبٍ عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصْحِبني العافيةَ في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبداً ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير». أما المرأة إذا كانت حائضاً، فلا تدخل المسجد، ووقفت على بابه، فدعت بذلك.

стр. 2140

كيفية الرجوع: المذهب الصحيح عند الشافعية وباقي المذاهب: أن المودع يخرج ويولي ظهره إلى الكعبة، ولا يمشي قهقرى، كما يفعله كثير من الناس، قالوا: بل المشي قهقرى مكروه، فإنه ليس فيه سنة مروية ولا أثر محكي، وما لا أصل له لا يعرج عليه. قال مجاهد: إذا كدت تخرج من باب المسجد، فالتفت، ثم انظر إلى الكعبة، ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد. وكان النبي ﷺ إذا انصرف من حج أو عمرة أو غزو يقول: «آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». أخذ شيء من الحرم: لا يجوز أخذ شيء من تراب الحرم وأحجاره معه إلى بلاده ولا إلى غيره من الحل، ولا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة، لا للتبرك ولا لغيره، ومن أخذ شيئاً من ذلك لزمه رده إليها؛ ولا يجوز قطع شيء من سترة الكعبة ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئاً لزمه رده. ويحرم إتلاف صيد الحرم على الحلال والمحرم وتملكه وأكله. ويجوز إخراج ماء زمزم من جميع مياه الحرم ونقله إلى جميع البلدان؛ لأن الماء يستخلف، بخلاف التراب والحجر. ثانياً - شروط الطواف أو واجباته: يشترط لصحة الطواف خمسة شروط عند الحنفية، وسبعة شروط عند المالكية، وثمانية شروط عند الشافعية، وأربعة عشر شرطاً عند الحنابلة: أما شروط الطواف عند الحنفية، فهي ما يلي (١):

стр. 2141

١ - نية الطواف: يشترط توافر أصل النية بالطواف دون حاجة لتعيين النية حال وجود الطواف في وقته، فلو لم ينو أصلاً، بأن طاف هارباً، أو طالباً لغريم، لم يجز. والفرق بين الطواف وبين الوقوف بعرفة في اشتراط النية للأول دون الثاني: هو أن الوقوف ركن يقع في حال قيام الإحرام نفسه، فتكفيه النية السابقة وهي نية الحج، كالركوع والسجود في الصلاة. أما الطواف فلا يؤتى به في حال قيام الإحرام نفسه، لأنه يقع به التحلل من الحج، ولا إحرام حال وجود التحلل. ٢ - أن يطوف القادر ماشياً، لا راكباً إلا من عذر: فلو طاف راكباً من غير عذر فعليه الإعادة ما دام بمكة، وإن عاد إلى أهله يلزمه دم، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] والراكب ليس بطائف حقيقة، فأوجب ذلك نقصاً فيه، فوجب جبره بالدم. ٣ - مكانه: أن يقع حول البيت في المسجد، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه، بشرط أن يكون في المسجد، فلو طاف من وراء زمزم قريباً من حائط المسجد، أجزأه، لوجود الطواف بالبيت. ولو طاف حول المسجد وبينه وبين البيت حيطان المسجد، لم يجز؛ لأن حيطان المسجد حاجزة، فلم يطف بالبيت، لعدم الطواف حوله. ويطوف من خارج الحطيم؛ لأن الحطيم من البيت على لسان رسول الله ﷺ . ٤ - زمانه: زمان طواف الإفاضة يبدأ حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر، فلا يجوز قبله، وليس لآخره زمان معين موقت به فرضاً، بل جميع الليالي والأيام وقته فرضاً، فلو أخره عن يوم النحر لا شيء عليه، لإطلاق حديث: «افعل ولا حرج»، لكن عليه لتأخيره عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة. وإن رجع إلى أهله رجع إلى مكة بإحرامه الأول، ولا يحتاج إلى إحرام جديد، وعليه دم لتأخيره.

стр. 2142

وأما إنه لا يجوز قبل فجر النحر فلأن ليلة النحر وقت ركن آخر وهو الوقوف بعرفة، فلا يكون وقتاً للطواف؛ لأن الوقت الواحد لا يكون وقتاً لركنين. ٥ - مقداره المفروض منه هو أكثر الأشواط: وهو ثلاثة أشواط وأكثر الشوط الرابع، فأما الإكمال إلى سبعة أشواط فواجب، وليس بفرض. أما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط عند الحنفية لجواز الطواف، وليست بفرض، بل واجبة، حتى يجوز الطواف بدونها، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] أمر بالطواف مطلقاً عن شرط الطهارة، ولايجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فيحمل حديث: «الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام» (١) على التشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب:٦/ ٣٣] أي كأمهاتهم، ومعناه الطواف كالصلاة، إما في الثواب، أو في أصل الفرضية. فإذا طاف من غير طهارة فما دام بمكة تجب عليه الإعادة، لجبر الشيء بجنسه، وإن أعاد في أيام النحر فلا شيء عليه، وإن أخره عنها فعليه دم عند أبي حنيفة. وإن لم يعد ورجع إلى أهله فعليه الدم، غير أنه إن كان محدثاً فعليه شاة لكون النقصان يسيراً، وإن كان جنباً فعليه بدنة، لكون النقصان فاحشاً. وأما الموالاة في الطواف فليست بشرط عند الحنفية، فلو صلى الطائف صلاة جنازة أو مكتوبة أو ذهب لتجديد الوضوء، ثم عاد، بنى على طوافه، ولا يلزمه الاستئناف، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] مطلقاً عن شرط الموالاة.

стр. 2143

وليس الابتداء من الحجر الأسود بشرط أيضاً عند الحنفية، بل هو سنة في ظاهر الرواية، فلو افتتح من مكان آخر من غير عذر، أجزأه مع الكراهة، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] مطلقاً عن شرط الابتداء بالحجر الأسود. ولا بأس أن يطوف وعليه خفاه أو نعلاه إذا كانا طاهرتين، لما روي عن النبي ﷺ أنه طاف مع نعليه، كما ذكر الكاساني. و شروط الطواف عند المالكية سبعة هي ما يلي (١): ١ - الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة كالصلاة، إلا أنه يباح فيه الكلام. ٢ - الموالاة بلا فصل كثير بين الأشواط، فإن فصل كثيراً لحاجة أو لغيرها ابتدأه من أوله. ويجب أن يقطع طوافه لإقامة صلاة فريضة مع إمام راتب: وهو إمام مقام إبراهيم، وهو المعروف بمقام الشافعي. ولا يقطعه مع إمام غير راتب. وإذا أقيمت الصلاة أثناء شوط، ندب له كمال الشوط الذي هو فيه، بأن ينتهي للحجَر ليبني على طوافه المتقدم من أول الشوط، فإن لم يكمله ابتدأ من موضع خروجه، ويبني على ما فعله من طوافه بعد سلامه، وقبل تنفله. والحاصل: أن صلاة الفريضة لا تبطل الطواف، وتبطله النافلة والجنازة، ولايبطله الفصل لعذر كرعاف، فإنه يبني على ما سبق بعد غسل الدم بشرط ألا يتعدى موضعاً قريباً لأبعد منه، وألا يبعد المكان في نفسه، وألا يطأ نجاسة.

стр. 2144

٣ - الترتيب: وهو أن يجعل البيت عن يساره ويبتدئ بالحجر الأسود. ٤ - أن يكون بجميع بدنه خارجاً عن البيت، فلا يمشي على الشاذروان ولا على الحِجْر. ٥ - أن يطوف بداخل المسجد: فلا يجزئ خارجه. ٦ - كون الطواف سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر، فلا يجزئ أقل من سبعة، فلو اقتصر على ستة مثلاً لم تجزه. فإن شك في عدد الأشواط هل طاف ثلاثة أو أربعة، بنى على الأقل. ٧ - صلاة ركعتين بعد الطواف. أما المشي لقادر عليه: فهو واجب عند المالكية كالمشي في السعي، فإن لم يمش بأن ركب أو حمل، فعليه دم إن لم يُعدْه وقد خرج من مكة، فإن أعاده ماشياً بعد رجوعه له من بلده، فلا دم عليه. ولا دم على العاجز عن المشي ولا إعادة عليه. وكذلك الابتداء من الحجر الأسود واجب عند المالكية، فإن ابتدأ من غيره لزمه دم. وأما وقت طواف الإفاضة عند المالكية فهو من طلوع فجر يوم النحر، كما قال الحنفية، فلا يصح قبله، كما لا يصح رمي جمرة العقبة قبل فجر النحر. و واجبات الطواف عند الشافعية بما يشمل الشروط والأركان ثمان وهي ما يأتي (١):

стр. 2145

١ - ستر العورة كسترها في الصلاة: لما في الصحيحين: «لا يطوف بالبيت عريان». فإن عجز عنها، طاف عارياً، وأجزأه كما لو صلى كذلك. ٢ و ٣ - طهارة الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان؛ لأن الطواف في البيت صلاة، كما نطق به الخبر المتقدم، فلو أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو مطافه بغير معفو عنه، أو عري مع القدرة على الستر في أثناء الطواف، تطهر وستر عورته، وبنى على طوافه، حتى وإن تعمد ذلك وطال الفصل، إذ لا تشترط الموالاة فيه عندهم كالوضوء، ويسن الاستئناف. لكن غلبة النجاسة في المطاف أصبحت مما عمت به البلوى، فيعفى عما يشق الاحتراز عنه أيام الموسم وغيره، بشرط ألا يتعمد المشي عليها، وألا يكون فيها رطوبة. والأوجه أن للمتيمم والعاجز عن الماء طواف الركن ليستفيدا به التحلل، ثم إن عادا إلى مكة، لزمتهما إعادته. ٤ - أن يجعل الطائف البيت عن يساره، مارّاً تلقاء وجهه إلى جهة الباب، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم، مع خبر: «خذوا عني مناسككم» فإن خالف ذلك لم يصح طوافه لمعارضته الشرع. ولو طاف مستلقياً على ظهره، أو على وجهه، مع مراعاة كون البيت عن يساره، صح. ٥ - الابتداء من الحجر الأسود: اتباعاً للسنة كما رواه مسلم، ومحاذاته له بجميع بدنه، أي جميع شقه الأيسر بحيث لا يتقدم من الشق الأيسر على جزء من الحجر، فلو لم يحاذه أو لم يحاذ بعضه بجميع شقه، كأن جاوزه ببعض شقه إلى جهة الباب، لم يصح طوافه.

стр. 2146

فإذا انتهى إليه، ابتدأ منه. ويشترط أن يكون الطواف خارج البيت وحجر إسماعيل والشاذَرْوَان (١)، فلو مشى على الشاذَرْوَان أو مسّ الجدار الكائن في موازاته، أوأدخل جزءاً منه في هواء الشاذروان أو دخل من إحدى فتحتي الحِجْر (٢) وخرج من الفتحة الأخرى، أو خلف منه قدر الذي من البيت وهو ستة أذرع، واقتحم الجدار، وخرج من الجانب الآخر، لم يصح طوافه. أما كون الطواف في غير الحجر، فلقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج:٢٩/ ٢٢] وإنما يكون طائفاً به إذا كان خارجاً عنه، وإلا فهو طائف فيه. وأما الحِجْر: فلأنه ﷺ إنما طاف خارجه، وقال: «خذوا عني مناسككم» ولخبر مسلم عن عائشة ﵂: «سألت رسول الله عن الحِجْر، أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض لفعلت» وظاهر الخبر أن الحِجرجميعه من البيت، لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع تتصل بالبيت، ومع ذلك يجب الطواف خارجه؛ لأن الحج باب اتباع.

стр. 2147

وبعبارة أخرى: هو الجزء الأسفل اللاصق لجدار البيت والذي هو محاذٍ لجدارها كالرصيف، وهو ما فضل منها عند بنائها. ويلاحظ أن من قبَّل الحجر الأسود، فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت، فيلزمه أن يقر قدميه في محلهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائماً. ٦ - أن يطوف بالبيت سبعاً ولو في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها للاتباع، فلو ترك من السبع شيئاً، وإن قل، لم يجزه، فلو شك في العدد أخذ بالأقل، كعدد ركعات الصلاة. ٧ - أن يكون الطواف داخل المسجد: للاتباع أيضاً، فلا يصح حوله بالإجماع. ويصح داخل المسجد وإن وسِّع، وحال حائل بين الطائف والبيت كالسواري، ويصح على سطح المسجد، وإن كان سقف المسجد أعلى من البيت، كالصلاة على جبل أبي قبيس، مع ارتفاعه عن البيت، وهذا هو المعتمد. ٨ - نية الطواف إن استقل: بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات، كالطواف المنذور والمتطوع به. أما الذي شمله نسك وهو طواف الركن للحج أو العمرة وطواف القدوم، فلا يحتاج إلى نية، لشمول نية النسك له. ولا بد لطواف الوداع من نية؛ لأنه يقع بعد التحلل، ولأنه ليس من المناسك عند الشيخين (الرافعي والنووي). ولا بد في النية من التعيين. أما وقت طواف الإفاضة ومثله رمي العقبة والذبح والحلق فيدخل بنصف ليلة النحر؛ لأنه ﷺ «أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم أفاضت» (١). وأما المشي في الطواف فليس عند الشافعية شرطاً بل هو سنة، كما رواه مسلم، ويسن أن يكون حافياً في طوافه عند عدم العذر. وأما صلاة ركعتي الطواف فسنة عندهم. وللطواف واجبات دينية: منها أن

стр. 2148

يصون نفسه عن كل مخالفة في وقت الطواف، ومنها - أن يصون قلبه عن احتقار من يراه، ومنها - أن يلتزم الأدب، ومنها - أن يحفظ يده وبصره عن كل معصية. و شروط الطواف عند الحنابلة: أربعة عشر (١): إسلام وعقل، ونية معينة، ودخول وقت، وستر عورة لقادر، وطهارة حدث لا لطفل، وطهارة خبث، وتكميل السبْع يقيناً، فإن شك أخذ باليقين، ويقبل في بيان عدد الأشواط قول عدلين، وجعل البيت عن يساره، غير متقهقر، ومشي لقادر، وموالاته، وكونه داخل المسجد لا يخرج عنه، وأن يبتدئه من الحجر الأسود فيحاذيه، وألا يدخل في شيء من البيت كالحِجْر والشاذروان. أما وقت طواف الإفاضة: فيدخل من نصف ليلة النحر، كما قال الشافعية. وأما ركعتا الطواف فسنة كما قرر الشافعية. خلاصة آراء الفقهاء في شروط الطواف: يمكن تلخيص ماسبق من بيان الآراء الفقهية في شروط الطواف على النحو التالي: ١ - الطهارة عن الحدث والنجس ليست بشرط عند الحنفية، وإنما هي واجب، وشرط عند باقي المذاهب. ٢ - نية الطواف: أصل النية لا تعيينها شرط عند الحنفية، وليست بشرط عند المالكية، والنية مع التعيين شرط عند الشافعية إن استقل الطواف عن نسك يشمله، والنية المعينة شرط عند الحنابلة.

стр. 2149

٣ - المشي للقادر شرط عند الحنفية والحنابلة، واجب عند المالكية، وليس بشرط عند الشافعية، وإنما هو سنة. ٤ - كون الطواف في المسجد شرط بالاتفاق. ٥ - الابتداء بالحجر الأسود: ليس بشرط وإنما هو واجب عند الحنفية، وعند المالكية، وشرط عند الشافعية والحنابلة. وترك الواجب يوجب الدم فيما لو ابتدأ من غير الحجر. ٦ - الترتيب أو جعل البيت عن يسار الطائف: واجب لدى الحنفية يلزم دم بتركه، وشرط عند باقي المذاهب؛ لأن الطائف كالمؤتم بالكعبة، والواحد يقف عن يمين الإمام، ويساره له. ٧ - الموالاة: ليست شرطاً عند الحنفية والشافعية، وشرط عند المالكية والحنابلة. ٨ - كون الطواف سبعة أشواط: شرط عند الجمهور (غير الحنفية) واجب لاشرط عن الحنفية، وإنما الفرض أكثر الأشواط. ٩ - زمان طواف الإفاضة: بعد فجر يوم النحر في مذهبي الحنفية والمالكية، ويجوز بعد منتصف ليلة النحر في مذهبي الشافعية والحنابلة. ١٠ - صلاة ركعتي الطواف: واجب عند المالكية، وواجب في وقت مباح فيه الصلاة لا كراهة فيه، عند الحنفية. وسنة عند الشافعية والحنابلة. حج المرأة الحائض: إذا حاضت المرأة أو نفست عند الإحرام اغتسلت للإحرام وأحرمت وصنعت كما يصنعه الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وإذا حاضت المرأة أو

стр. 2150

نفست فلا غسل عليها بعد الإحرام، وإنما يلزمها أن تشد الحفاظ الذي تضعه كل أنثى على محل الدم، لمنع تسربه للخارج. ثم تفعل سائر مناسك الحج إلا الطواف بالبيت؛ لأن رسول الله ﷺ أمر عائشة ﵂ أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت (١). وقال في حديث صحيح لأسماء بنت عميس: «اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت». وعلى هذا فلا تلزم بطواف القدوم ولا بقضائه؛ لأنه سنة عند الجمهور (غير المالكية) وإذا كانت متمتعة ثم حاضت قبل الطواف للعمرة، لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، وهي ممنوعة من دخول المسجد، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها، وتصير قارنة عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة وتهل بالحج، عملاً بحديث عائشة عند مسلم: «انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة» ثم قال ﵇ لها بعد أن اعتمرت من التنعيم: «وهذه عمرة مكان عمرتك» فدل كل هذا على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج. وحجة الجمهور: حديث جابر أنه ﷺ أمر عائشة أن تهل بالحج، فأصبحت قارنة، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبالصفا والمروة. ثم قال لها: «قد حللت من حجتك وعمرتك» والاعتمار من التنعيم لم يأمرها به النبي ﷺ ، وإنما فعلت ذلك زيارة زارت بها البيت، وإدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشية الفوات أولى. ولا يصح الخروج من الحج أو العمرة بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منها بالتحلل بعد فراغها. ومعنى «دعي

стр. 2151

العمرة» أي ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس، فإنها تدخل في أفعال الحج. وإذا حاضت المرأة بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، انصرفت من مكة، ولاشيء عليها لطواف الصدَر، فليس على المرأة الحائض وداع ولا فدية إذا حاضت قبل أن تودع، باتفاق فقهاء الأمصار، بدليل حديث صفية المتقدم حين قالوا: «يارسول الله، إنها حائض! فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذاً» ولم يأمرها بفدية ولا غيرها. وفي حديث ابن عباس السابق: «إلا أنه - أي طواف الوداع - خفف عن المرأة الحائض» والنفساء مثل الحائض في الحكم؛ لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يوجب ويسقط. وإذا اضطرت المرأة اضطراراً شديداً لمغادرة مكة قبل انتهاء مدة الحيض أو النفاس، ولم تكن قد طافت طواف الإفاضة، فتغتسل وتشد الحفاظ الموضوع في أسفل البطن شداً محكماً، ثم تطوف بالبيت سبعاً طواف الإفاضة، ثم تسعى بين الصفا والمروة سبعاً، وعليها ذبح بدنة (وهي ما أتم خمس سنين من الإبل أو أتم سنتين من البقر) وذلك تقليداً للحنفية الذين يقولون بصحة الطواف حينئذ، مع الحرمة، ووجوب إهداء البدنة (١). ثالثاً - سنن الطواف: أبنت سنن الحج في كل مذهب على حدة، وألخص هنا منها سنن الطواف (٢):

стр. 2152

١ - استلام الحجر الأسود (أي لمسه بيده اليمنى أو بكفيه) أول طوافه وفي بدء كل شوط وتقبيله بلا صوت، ووضع جبهته عليه عند الشافعية بلا إيذاء، إذا لم تكن زحمة، فإن لم يتمكن من الاستلام باليد استلم بعود ونحوه مع استقباله بجميع بدنه، فإن عجز أشار بيده، ثم وضع العود أو يده على فيه بعد اللمس بأحدهما بلا صوت، فإذا أظهر الصوت جاز على الأرجح عند المالكية، وكره مالك السجود وتمريغ الوجه على الحجر، ويسن عند الشافعية أن يكون التقبيل ووضع الجبهة ثلاثاً. ويكبر ويهلل ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي ﷺ . ودليل التقبيل فعل الرسول ﷺ ، كما رواه الشيخان، ودليل وضع جبهته عليه اتباع السنة كما رواه البيهقي. ودليل الاستلام باليد دون إيذاء: «أن النبي ﷺ قال: ياعمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر، فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة، وإلا فهلل وكبر (١)». ولأن ترك الإيذاء واجب، وتقبيل ما استلمه به من يد أو نحو عصا، لخبر الصحيحين: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولما روى مسلم بن نافع قال: «رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ويقول: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله». وتكرار الاستلام والتقبيل في كل طوفة من الطوفات السبع، لحديث «أنه ﷺ كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة» (٢). ولو استقبل الحجر مطلقاً، ونوى الطواف عند من اشترط النية وهم الحنفية والحنابلة، كفى في تحقيق المقصود الذي هو الابتداء من الحجر.

стр. 2153

ولا يستلم بيده الركنين الشاميين (وهما اللذان عندهما الحِجْر) ولا يقبلهما، ويستلم الركن اليماني (وهو الذي يسبق ركن الحجر) في آخر كل شوط، ولايقبله، لأنه لم ينقل، لما في الصحيحين عن ابن عمر: «أنه ﷺ كان لا يستلم إلا الحَجَر والركن اليماني». ويستحب للمرأة عند الحنابلة إذا قدمت مكة نهاراً تأخير الطواف إلى الليل ليكون أستر لها، ولا يستحب لها مزاحمة الرجال لاستلام الحجر، لكن تشير بيدها إليه كالذي لا يمكنه الوصول إليه. ٢ - الدعاء: وليس بمحدود ويدعو بما يشاء. وأفضله الدعاء المأثور، فيقول في أول كل طوفة: (بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك (١)، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ . وليقل قبالة باب الكعبة: (اللهم إن البيت بيتك، والحرمَ حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار (٢)). وليقل بين الركنين اليمانيين: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار). ومأثور الدعاء أفضل من قراءة القرآن، للاتباع، والقراءة أفضل من غير مأثور الدعاء؛ لأن الموضع موضع ذكر، والقرآن أفضل الذكر، وفي الحديث القدسي يقول الرب : «من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ماأعطي السائلين، وفضلُ كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه» (٣)، لكن تكره القراءة عند المالكية.

стр. 2154

ويسن الإسرار بالذكر والقراءة؛ لأنه أجمع للخشوع. ويراعي ذلك أيضاً في كل طوفة اغتناماً للثواب، والدعاء في الأولى ثم في الأوتار آكد، كتقبيل الحجر واستلامه، لحديث: «إن الله وتر يحب الوتر». ويكره إنشاد الشعر، والتحدث في الطواف للحديث السابق: «الطواف بالبيت صلاة فأقلوا في الكلام» وفي رواية «فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» ولأن ذلك يشغله عن الدعاء. ٣ - الرَّمَل (١) للرجال أو الصبيان دون النساء في الأشواط الثلاثة الأُوَل، وهو عند الحنفية والشافعية سنة في كل طواف يعقبه سعي بأن يكون بعد طواف قدوم أو ركن يعقبه سعي، وهذا هو المشهور، ولا يرمل إذا كان طاف طواف القدوم أو اللقاء، وسعى عقيبه. فإن كان لم يطف طواف القدوم أو كان قد طاف لكنه لم يسع عقبيه، فإنه يرمل من طواف الزيارة، وطواف العمرة. وقال المالكية: يسن الرمل لمحرم بحج أو عمرة في طواف القدوم وطواف العمرة؛ لأن ما رمل فيه النبي ﷺ كان للقدوم وسعى عقبه. ومحل استنان الرمل إن أحرم بحج أو عمرة أو بهما من الميقات بأن كان آفاقياً أو كان من أهله، وإلا فيندب. أي يندب لمحرم بحج أو عمرة من دون المواقيت كالتنعيم والجعرانة، وفي طواف الإفاضة لمن لم يطف طواف القدوم لعذر أو نسيان، وأحرم من الميقات. ولا يندب الرمل في طواف تطوع ووداع.

стр. 2155

وكذلك قال الحنابلة مثل المالكية: لا يسن الرمل في غير طواف القدوم أو طواف العمرة. ويمشي في الأشواط الباقية من طوافه على هينته، لما رواه الشيخان عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثاً، ومشى أربعاً» وروى مسلم عنه قال: «رمل النبي ﷺ من الحَجَر ومشى أربعاً». فإن طاف راكباً أو محمولاً، حرك الدابة، ورمل به الحامل، ويكره ترك الرمل بلا عذر، ولو تركه في شيء من الثلاثة، لم يقضه في الأر بعة الباقية؛ لأن هيئتها السكون، فلا يغير، كما لو ترك الجهر في الركعتين الأوليين، فلا يقضى بعدهما لتفويت سنة الإسرار. وليقل في أثناء الرمل: «اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً». ٤ - الاضطباع عند الجمهور غير مالك: وهو جعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ورد طرفيه على كتفه اليسرى، وإبقاء كتفه اليمنى مكشوفة. لما روى يعلى ابن أمية: «أن النبي ﷺ طاف مضطبعاً» (١)، وروى ابن عباس: «أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعْرانة، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» (٢). وهو سنة عند الحنفية والشافعية والحنابلة كالرمل في جميع كل طواف يرمل فيه، ولا يسن في طواف لا رمل فيه، وكذا يضطبع عند الشافعية على الصحيح في

стр. 2156

السعي قياساً على الطواف بجامع قصد مسافة مأمور بتكريرها، سواء اضطبع في الطواف قبله أم لا. ولا يستحب في الأصح في ركعتي الطواف، لكراهة الاضطباع في الصلاة، فيزيله عند إرادتها، ويعيده عند إرادة السعي. ولا يضطبع عند الحنفية والحنابلة في غير الطواف، فإن فرغ من الطواف سوى رداءه؛ لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة، ولا في السعي، لأن النبي ﷺ لم يضطبع فيه، والسنة في الاقتداء به. ولا ترمُل المرأة ولا تضطبع، أي لا يطلب منها ذلك؛ لأن بالرمل تتبين أعطافها، وبالاضطباع ينكشف ما هو عورة منها. وليس على أهل مكة رمل، عملاً بقول ابن عباس وابن عمر. ٥ - الدنو أو القرب من البيت للذكور: لشرفه ولأنه المقصود، ولأنه أيسر في الاستلام والتقبيل. والأولى كما قال بعضهم أن يجعل بينه وبين البيت ثلاث خطوات ليأمن مرور بعض جسده على الشاذَرْوان. وإن تأذى غيره بنحو زحمة، فالبعد أولى. أما المرأة والخنثى فيكونان في حاشية المطاف، فإن طافا خاليين فكالرجل في استحباب القرب. وهذا مستحب عند الشافعية والحنابلة، لكن الرمل عند الشافعية مع البعد أولى من الدنو، فإن كان لا يتمكن من الرمل أيضاً أو يخاف صدم النساء أو الاختلاط بهن، فالدنو أولى. ومن سنن الطواف المؤكدة أيضاً عند الشافعية والحنابلة: المشي لقادر عليه، وصلاة ركعتي الطواف بعده خلف مقام إبراهيم، ثم في الحِجْر تحت الميزاب، ثم في المسجد الحرام، ثم في الحرم حيث شاء من الأمكنة في أي زمان.

стр. 2157

وهذان واجبان عند المالكية والحنفية. وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف عند الحنابلة؛ لأنهما ركعتان شرعتا للنسك، فأجزأت عنهما المكتوبة كركعتي الإحرام، ولا تجزئ عنهما المكتوبة عند الحنفية والمالكية كركعتي الفجر. ومن سننه أيضاً الموالاة بين الأشواط عند الحنفية والشافعية، وهي شرط عند المالكية والحنابلة. وتسن النية عند الشافعية في طواف النسك، وتجب في طواف لم يشمله نسك وفي طواف وداع. المطلب الثالث - السعي: السعي واجب عند الحنفية، ركن عند باقي الأئمة، لقوله ﷺ : «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» و «كتب عليكم السعي فاسعوا» (١) وأما قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوف بهما﴾ [البقرة:١٥٨/ ٢] فهو لرفع الإثم على من تطوف بهما، رداً على ما كان في الجاهلية من التحرج من السعي بينهما، لأنه كان عليهما صنمان. وأبحث هنا واجباته، وسننه وحكم تأخره عن وقته الأصلي (٢). أولاً - واجبات السعي أو شروطه: للسعي بين الصفا والمروة شروط أو واجبات هي:

стр. 2158

١ - أن يتقدمه طواف صحيح بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة، اتباعاً للسنة، وقد قال ﷺ : «خذوا عني مناسككم» ولأن السعي تبع للطواف. ومن سعى بعد طواف قدوم لم يُعده، والأفضل للقارن عند الحنفية تقديم السعي. وأجاز الحنفية أن يكون السعي بعد وجود أكثر الطواف قبل تمامه؛ لأن للأكثر حكم الكل. ويصح كونه بعد طواف مطلقاً ولو مسنوناً عند الجمهور، وأن يكون بعد طواف ركن أو قدوم عند الشافعية. ٢ - الترتيب: بأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لأنه ﷺ بدأ بالصفا، وقال: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (١) وهو قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة:١٥٨/ ٢] فإذا بدأ بالمروة إلى الصفا لا يعتد بذلك الشوط. ٣ - أن يكون سبعة أشواط: بأن يقف على الصفا أربع مرات، وعلى المروة أربعاً ويختم بها، ويحسب الذهاب إلى المروة مرة، والعود منها إلى الصفا مرة أخرى. فإن شك في العدد بنى على الأقل. ودليل هذا المقدار: إجماع الأمة، وفعل رسول الله ﷺ (٢). ٤ - استيعاب ما بين الصفا والمروة: يجب أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، اقتداء بفعل النبي ﷺ . ٥ - الموالاة بين الأشواط: شرط عند المالكية والحنابلة، سنة عند غيرهم، كالطواف.

стр. 2159

وأضاف الحنابلة شروطاً أخرى فتصبح شروط السعي عندهم تسعة وهي: إسلام، وعقل، ونية معينة، ومشي لقادر. وأما الطهارة عن الجنابة والحيض: فليست بشرط للسعي كالوقوف بعرفة، فيجوز سعي الجنب والحائض بعد أن كان طوافه بالبيت في حال طهارة عن الجنابة والحيض؛ لأن هذا نسك غير متعلق بالبيت. ثانياً - سنن السعي: يسن للسعي بين الصفا والمروة ما يأتي: ١ - استلام الحجر الأسود وتقبيله بعد الانتهاء من الطواف وصلاة ركعتي الطواف، ثم الخروج من باب الصفا (وهو الباب المقابل لما بين الركنين اليمانيين) للسعي بين الصفا والمروة، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم. ٢ - اتصاله بالطواف: أي الموالاة بين الطواف والسعي، وكذا الموالاة في مرات السعي. ويكره للساعي أن يقف أثناء سعيه لحديث أو غيره، فإن طاف بيوم وسعى في آخر، جاز، ولا تسن عقبه صلاة. ٣ - الطهارة له من الحدث والخبث وستر العورة. ٤ - المشي للقادر لا الركوب. ٥ - الصعود للذكر دون غيره على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة من الباب، وذلك بقدر قامة عند الشافعية. ويسن الصعود للمرأة إن خلا الموضع من الرجال، وإلا وقفت أسفلهما.

стр. 2160

٦ - الدعاء بما شاء والأذكار، وتكرارها ثلاثاً بعد كل مرة عند الشافعية، مستقبلاً البيت، داعياً بصوت مرتفع، رافعاً يديه إلى نحو السماء (١)، والدعاء بالمأثور أفضل، فيكبر ويهلل ويصلي على النبي ﷺ ويقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا (٢)، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده (٣) الخير، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» اتباعاً للسنة كما رواه مسلم. «اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول». ثم يدعو بما شاء من أمري الدين والدنيا، ويستحب فيه قراءة القرآن. ٧ - الإسراع (أو العَدْو) للذكور في وسط المسعى ما بين الميلين الأخضرين الملاصقين لجدار المسجد، فوق الرمَل، ودون الجري (٤)، في ذهابه إلى الصفا، وعودته من المروة، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم. وأما الأنثى والخنثى فتمشي في الكل. ويقول الذكر في عدوه، وكذا المرأة والخنثى في محله: (رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم) وإن كان راكباً، حرك المركوب من غير أن يؤذي أحداً.

стр. 2161

٨ - الأفضل - كما ذكر النووي - أن يتحرى زمن الخلوة لسعيه وطوافه، وإذا كثرت الزحمة، فينبغي أن يتحفظ من إيذاء الناس، وترك هيئة السعي أهون من إيذاء المسلم ومن تعريض نفسه إلى الأذى. وإذا عجز عن السعي الشديد في موضعه بين الميلين للزحمة، تشبه في حركته بالساعي، كما هو الشأن في الرمل. ثالثاً - حكم تأخير السعي عن وقته الأصلي: إذا أخر السعي عن وقته الأصلي وهي أيام النحر، بعد طواف الزيارة (١): أـ فإن كان لم يرجع إلى أهله، فإنه يسعى، ولا شيء عليه؛ لأنه أتى بما وجب عليه، ولا يلزمه بالتأخير شيء؛ لأنه فعله في وقته الأصلي: وهو ما بعد طواف الزيارة. ولا يضره عند الحنفية إن كان قد جامع لوقوع التحلل بطوف الزيارة، إذ السعي ليس بركن عندهم حتى يمنع التحلل. ب - وإن كان رجع إلى أهله، فعليه عند الحنفية دم، لتركه السعي بغير عذر، والسعي عندهم واجب لا ركن، وإن أراد أن يعود إلى مكة، يعود بإحرام جديد؛ لأن إحرامه الأول قد ارتفع بطواف الزيارة لوقوع التحلل به، فيحتاج إلى تجديد الإحرام، وإذا عاد وسعى، سقط عنه الدم؛ لأنه تدارك الترك. والسعي - كما بينت - ركن عند الجمهور لا يتم الحج إلا به، ولا يجبر تركه بدم.

стр. 2162

المطلب الرابع - الوقوف بعرفة: حكمه، مكانه، زمانه، مقداره، سننه، حكمه إذا فات عن وقته (١). أولاً - حكم الوقوف بعرفة: أجمع العلماء على أنه الركن الأصلي من أركان الحج، لقوله ﷺ : «الحج عرفة» (٢) أي الحج: الوقوف بعرفة، وأجمعت الأمة على كون الوقوف ركناً في الحج، لا يتم إلا به. فمن فاته فعليه حج من عام قابل، والهدي في قول أكثرهم. ثانياً - مكان الوقوف: عرفة كلها موقف، لقول النبي ﷺ : «قد وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف» (٣) فمن وقف بعرفة في أي مكان، والأفضل عند جبل الرحمة، فقد تم حجه مطلقاً من غير تعيين موضع دون موضع. إلا أنه ينبغي ألا يقف في بطن عرنة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وأخبر أنه وادي الشيطان، قال النبي: «كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة» (٤) فليس وادي عُرَنة من الموقف، ولا يجزئ الوقوف قبل عرفة كنمرة مثلاً، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء عل أن من وقف به لا يجزئه.

стр. 2163

و حد عرفة: من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر. وهي الآن معروفة بحدود معينة، وليس منها عرنة ولا نَمِرة ومسجد إبراهيم ﵇، فإن آخره منها وصدره عن عرنة. والمستحب أن يقف عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة، ويستقبل القبلة، لما جاء في حديث جابر المتقدم: «أن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل منها جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة». ثالثاً - زمان الوقوف: يقف الحاج بالاتفاق من حين زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، لأن النبي ﷺ وقف بعرفة بعد الزوال وقال: خذوا عني مناسككم. وقال الحنابلة: يبدأ وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، لقوله ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه» (١). فن وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال لا يعتد بوقوفه بالإجماع، وفاته الحج إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو جزءاً من ليلة النحر قبل طلوع الفجر. ومن وقف بعرفات ولو مروراً أو نائماً أو مغمى عليه، ولم يعلم أنها عرفة، في هذا الوقت، أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف. قال عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي: «أتيت رسول الله ﷺ بعرفة، فجاء نفر من أهل نجد، فقالوا: يارسول

стр. 2164

الله، كيف الحج؟ قال: الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع، فقد تم حجه» (١). واشترط المالكية في المار شرطين وهما أن يعلم أنه عرفة، وأن ينوي الحضور الركن، وأجازوا كون الواقف نائماً أو مغمى عليه كالحنفية. واشترط الشافعية والحنابلة كون الواقف عاقلاً أهلاً للعبادة، سواء فيه الصبي والنائم وغيرهما؛ لأن النائم في حكم المستيقظ. وأما المغمى عليه والسكران فلا يصح وقوفهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادة، وكل منهما زائل العقل بغير نوم، فمن كان من أهل العبادة وحصل في جزء يسير من أجزاء عرفات في لحظة لطيفة من وقت الوقوف المذكور (وهو ما بين زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر عند الجمهور، ومن طلوع فجر يوم عرفة عند الحنابلة) صح وقوفه، سواء حضر عمداً أو وقف مع الغفلة، أو مع البيع والشراء، أو التحدث واللهو، أو في حال النوم، أو اجتاز بعرفات ماراً في وقت الوقوف، وهو جاهل لا يعلم أنها عرفات، ولم يلبث أصلاً، بل اجتاز مسرعاً في طرف من أرضها المحدودة، أو اجتازها في طلب غريم هارب أو بهيمة شاردة أو كان نائماً على بعيره، فانتهى به البعير إلى عرفات، فمر بها البعير، أو غير ذلك مما هو في معناه، يصح وقوفه في جميع ذلك، ولكن يفوته كمال الفضيلة. ويجب عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس، في حديث جابر السابق. وفي حديث علي وأسامة: «أن النبي ﷺ دفع حين غابت الشمس» فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح تام عند أكثر أهل العلم، وعليه دم.

стр. 2165

وقال الشافعية: يسن الجمع بين الليل والنهار فقط، اتباعاً للسنة، فلا دم على من دفع من عرفة قبل الغروب، وإن لم يعد إليها بعده، لما في الخبر الصحيح: «أن من أتى عرفة قبل الفجر ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه» (١) ولو لزمه دم لكان حجه ناقصاً، نعم، يسن له دم، وهو دم ترتيب وتقدير، خروجاً من خلاف من أوجبه. وقال المالكية: الركن الحضور بعرفة ليلة النحر، على أي حالة كانت، ولو بالمرور بها، إن علم أنه عرفة، ونوى الحضور، وهذان شرطان في المار فقط كما تقدم، أو كان مغمى عليه. فمن وقف بعرفة بعد الزوال، ثم دفع منها قبل غروب الشمس، فعليه حج قابل، إلا أن يرجع قبل الفجر. لكن إن دفع من عرفة قبل الإمام وبعد غروب الشمس أجزأه. وبهذا يكون شرط صحة الوقوف عندهم: هو أن يقف ليلاً، ودليلهم أنه ﷺ وقف بعرفة حين غربت الشمس، وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «من أدرك عرفات بليل، فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل». ونوقش الدليل الأول بأن فعله ﵇ على جهة الأفضل؛ لأنه كان مخيراً بين ذلك. وأن الحديث الثاني هو بيان آخر وقت الوقوف. والحاصل أن الجمهور يقولون: يجزئ الوقوف ليلاً أو نهاراً بعد الزوال، وقال المالكية: الواجب الوقوف ليلاً، فمن تركه فينجبر بالدم، كما أن الحنفية والحنابلة يوجبون الدم على من ترك الوقوف ليلاً، والشافعية قالوا: يسن له الدم فقط.

стр. 2166

رابعاً - مقدار الوقوف: اتفق العلماء على أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة، ولو في لحظة لطيفة، وأوجب المالكية الطمأنينة بعد الغروب في الوقوف أي الاستقرار بقدر الجلسة بين السجدتين قائماً أو جالساً أو راكباً. فالقدر المفروض من الوقوف: هو وجوده بعرفة ساعة من هذا الوقت، سواء أكان عالماً بها أم جاهلاً، نائماً أم يقظان مفيقاً، أم مغمى عليه أم سكران أم مجنوناً في رأي الحنفية والمالكية، وسواء وقف بها أو مرَّ، وهو يمشي أو على الدابة، أو محمولاً؛ لأنه أتى بالقدر المفروض: وهو وجوده كائناً بها، للحديث السابق: «من وقف بعرفة، فقد تم حجه». والمشي والسير لا يخلو عن وقفة، سواء نوى الوقوف أم لم ينو. ولا خلاف في أنه لا يشترط للوقوف طهارة ولا ستارة ولا استقبال القبلة ولانية، فيصح كون الواقف محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من وقف الوقوف بعرفة غير طاهر مدرك للحج، ولا شيء عليه. بدليل قول النبي ﷺ لعائشة: «افعلي ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت» ووقفت عائشة بعرفة حائضاً بأمر النبي، لكن يستحب كما سأبين أن يكون طاهراً. خامساً - حكم الحاج إذا فاته الوقوف: إذا فات الوقوف بعرفة، فات الحج في تلك السنة، ولا يمكن استداركه فيها، لأن ركن الشيء ذاته، وبقاء الشيء مع فوات ذاته محال. وذكر النووي في الإيضاح (ص ٥٤): إذا غلط الحجاج، فوقفوا في غير يوم عرفة نظر:

стр. 2167

إن غلطوا بالتأخير، فوقفوا في العاشر من ذي الحجة، أجزأهم وتم حجهم، ولا شيء عليهم، سواء بان الغلط بعد الوقوف أو في حال الوقوف. ولو غلطوا فوقفوا في الحادي عشر، أو غلطوا في التقديم، فوقفوا في الثامن من ذي الحجة، أوغلطوا في المكان، فوقفوا في غير أرض عرفات، فلا يصح حجهم بحال. ولو وقع الغلط بالوقوف في العاشر لطائفة يسيرة، لا للحجيج العام، لم يجزهم على الأصح. ولو شهد واحد أو عدد برؤية هلال ذي الحجة، فردت شهادتهم، لزم الشهود الوقوف في التاسع عندهم، وإن كان الناس يقفون بعده. سادساً - سنن الوقوف بعرفة وآدابه: يسن الاتجاه أو الرواح إلى منى في يوم التروية - الثامن من ذي الحجة - والمكث أو المبيت بها إلى فجر عرفة، ثم الرواح إلى عرفات بعد طلوع الشمس، فيقيم الحجاج بنمرة قرب عرفات اتباعاً للسنة كما روى مسلم، ولا يدخلون عرفات، وقال الحنابلة: إن شاؤوا أقاموا بعرفة حتى تزول الشمس، ثم يخطب الإمام قبل صلاة الظهر خطبتين كالجمعة، يعلم الناس فيها مناسكهم من موضع الوقوف ووقته والدفع من عرفات، ومبيتهم بمزدلفة وأخذ الحصى لرمي الجمار، لحديث جابر المتقدم أن النبي ﷺ فعل ذلك. ثم يؤذن المؤذن، ويصلي الإمام بالناس الظهر والعصر جمع تقديم مع قصرهما اتباعاً للسنة كما روى مسلم، بأذان وإقامتين وقراءة سرية، دون أن يفصل بينهما بشيء، ولا يصلى عند الحنفية بعد أداء العصر في وقت الظهر.

стр. 2168

وهذا الجمع نسك من أعمال الحج عند الحنفية، فيشمل المقيم والمسافر، لكن لو كان مقيماً كإمام مكة صلى بهم صلاة المقيمين، ولا يجوز له القصر، ولا للحجاج الاقتداء به. ورأى المالكية أيضاً أنه يسن الجمع بين الظهرين جمع تقديم حتى لأهل عرفة. ويسن قصرهما إلا لأهل عرفة بأذان ثان وإقامة للعصر من غير تنفل بينهما، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله. وأجاز الحنابلة أيضاً الجمع لكل من بعرفة من مكي وغيره، أما قصر الصلاة فلا يجوز لأهل مكة. والحاصل أن الجمهور يرون جواز هذا الجمع لكل حاج، أما القصر فلا يجوز لأهل عرفة وأهل مكة، وأجاز المالكية القصر لأهل مكة. ورأى الشافعية: أن هذا الجمع والقصر وفي المزدلفة أيضاً للسفر لا للنسك، فهما جائزان للمسافر فقط، ويختصان بسفر القصر، فيأمر الإمام المكيين ومن لم يبلغ سفره مسافة القصر (٨٩ كم) بالإتمام وعدم الجمع، كأن يقول لهم بعد السلام: ياأهل مكة ومن سفره قصير أتموا، فإنا قوم سَفْر. وإذا دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بها أربعة أيام لزمهم الإتمام، فإذا خرجوا يوم التروية إلى منى، ونووا الذهاب إلى أوطانهم عنذ فراغ مناسكهم، كان لهم القصر من حين خرجوا؛ لأنهم أنشؤوا سفراً تقصر فيه الصلاة. ثم بعد الفراغ من الصلاة يذهبون إلى الموقف، ويعجلون السير إليه، و سنن الوقوف وآدابه: هي ما يأتي (١): ١ - الاغتسال بنمرة.

стр. 2169

٢ - ألا يدخل أحد عرفات إلا بعد الزوال والصلاتين. ٣ - أن يخطب الإمام خطبتين ويجمع الصلاتين، كما تقدم. ٤ - تعجيل الوقوف عقب الصلاتين. ٥ - الأفضل كون الوقوف عند الصخرات الكبار في أسفل جبل الرحمة. ٦ - ينبغي أن يبقى في الموقف حتى تغرب الشمس، فيجمع في وقوفه بين الليل والنهار، بل هو واجب عند الجمهور غير الشافعية. ٧ - الأفضل أن يقف راكباً، وهو أفضل من الماشي، اقتداء برسول الله ﷺ ، ولأنه أعون على الدعاء، وهو المهم في هذا الموضع. ٨ - استقبال القبلة مع التطهير وستر العورة ونية الوقوف بعرفة (١)، فلو وقف محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو عليه نجاسة، أو مكشوف العورة، صح وقوفه، وفاتته الفضيلة. ٩ - الأفضل للواقف ألا يستظل، بل يبرز للشمس، إلا لعذر، بأن يتضرر أو أن ينقص دعاؤه واجتهاده. ١٠ - أن يكون مفطراً؛ لأن الفطر أعون على الدعاء، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ وقف مفطراً. ١١ - أن يكون حاضر القلب، فارغاً من الشواغل عن الدعاء.

стр. 2170

١٢ - الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلام القبيح، بل ينبغي أن يحترز عن الكلام المباح ما أمكنه، فإنه تضييع للوقت المهم فيما لا يعني. ١٣ - الاستكثار من عمل الخير في يوم عرفة وسائر أيام ذي الحجة، لقوله ﷺ : «ما العمل في أيام أفضل منه في هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بماله ونفسه، فلم يرجع بشيء» (١). ١٤ - الإكثار من الدعاء والتهليل وقراءة القرآن والاستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف والافتقار، والإلحاح في الدعاء، وتكرار الدعاء ثلاثاً، والتسبيح والتحميد والتكبير، ويكثر البكاء مع ذلك، فهنالك تسكب العبرات، وتقال العثرات. وأفضل ذلك ما رواه الترمذي وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». وفي كتاب الترمذي عن علي ﵁ قال: أكثر ما دعا به النبي ﷺ يوم عرفة في الموقف: «اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك ربي تراثي».

стр. 2171

اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح. ومن الأدعية المختارة: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحاً لا أنكثها أبداً، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبداً، اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، ونور قلبي وقبري، وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله، استودعتك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي، وجميع ما أنعمت به علي وعلى جميع أحبائي والمسلمين أجمعين). ويستحب أن يكثر من التلبية رافعاً بها صوته، ومن الصلاة على رسول الله ﷺ . وينبغي أن يأتي بهذه الأنواع كلها، فتارة يدعو، وتارة يهلل، وتارة يكبر، وتارة يلبي، وتارة يصلي على النبي ﷺ ، وتارة يستغفر ويدعو منفرداً، ومع جماعة. وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وشيوخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه وسائر من أحسن إليه وسائر المسلمين. ويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع

стр. 2172

الاعتقاد بالقلب، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات. وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين وخواصه المقربين، وهو أعظم مجامع الدنيا، وثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله تعالى فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء».

стр. 2173

المبحث السادس - واجبات الحج: واجبات الحج والعمرة التي يجزئ الدم بتركها مختلف فيها بين الفقهاء كما عرفنا: فواجبات الحج عند الحنفية اثنان وعشرون وأوصلها في كتاب اللباب إلى خمسة وثلاثين، منها:: السعي، والوقوف بالمزدلفة ولو بمقدار لحظة في النصف الثاني من الليل، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع. وذلك عند الحنفية للآفاقي غير الحائض، أي من هو خارج المواقيت. وواجبات العمرة عندهم اثنان: السعي، والحلق أو التقصير. وواجبات الحج عند المالكية خمسة: طواف القدوم على الأصح، والوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير على المشهور والمبيت بمنى، وواجب العمرة هو الحلق أو التقصير. وواجبات الحج عند الشافعية خمسة: الإحرام من الميقات الزماني والمكاني، ورمي الجمار، والمبيت في المزدلفة أي الوقوف فيها، والمبيت بمنى على الراجح، وطواف الوداع. وأعمال العمرة كلها أركان عندهم، إلا الإحرام من الحل فإنه واجب، كما أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة على المشهور. وواجبات الحج عند الحنابلة ستة: إحرام من الميقات، ووقوف بعرفة نهاراً للغروب، ومبيت بمزدلفة لبعد نصف الليل، ومبيت بمنى، ورمي الجمرات مرتباً، وحلق أو تقصير، وطواف وداع. وواجبات العمرة اثنان: حلق أوتقصير، وإحرام من الحل. وقد بينت أحكام الإحرام من الميقات، والسعي، وأنواع الطواف، وبقي علينا بحث الواجبات الأخرى فيما يلي:

стр. 2174

المطلب الأول - الوقوف بالمزدلفة: صفته الشرعية، ركنه، مكانه، زمانه، حكم فواته عن وقته، سننه (١). أولاً - صفة الوقوف بالمزدلفة: الوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق المذاهب لا ركن، فمن تركه لزمه دم، والمبيت بها واجب عند الحنابلة، سنة عند الحنفية، والمالكية، وعند الشافعية قولان: واجب أو سنة، والراجح عند النووي والسبكي الوجوب، ومحل القولين: حيث لا عذر، أما المعذور فلا دم عليه جزماً، ومن المعذورين: من جاء عرفة ليلاً فاشتغل بالوقوف عنه، ومن أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن وفاته الوقوف بمزدلفة، قال الأذرعي: وينبغي حمله على من لم يمكنه الدفع إلى المزدلفة، أي بلا مشقة، فإن أمكنه وجب جمعاً بين الواجبين. ومن المعذورين: ما لو خافت المرأة طروء الحيض أو النفاس فبادرت إلى مكة بالطواف. وفي كفاية الاختيار: المبيت بالمزدلفة سنة، وقدر الواجب عند الحنفية: ساعة ولو لطيفة ولو ماراً، كما في عرفة، وقدر السنة: امتداد الوقوف إلى الإسفار جداً. وعند الحنابلة: البقاء بها لما بعد منتصف الليل، فإن دفع بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وعند الشافعية: الحصول بها لحظة فيما بعد منتصف الليل. وعند المالكية: بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء من أكل أو

стр. 2175

شرب فيها. ورأي الجمهور غير الحنابلة أيسر المذاهب الذي يسع الناس الآن لكثرة الحجيج وصعوبة المبيت. وأما إتيان المشعر الحرام: وهو جبل قُزَح في المزدلفة فهو مستحب عند الحنفية، سنة على المعتمد عند المالكية، وسنة عند الشافعية والحنابلة. ودليل وجوب المبيت بالمزدلفة: قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة:١٩٨/ ٢] وقول النبي ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه - أي صلاة الفجر - ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه» رواه الخمسة وصححه الترمذي. وللمزدلفة أسماء: مزدلفة وجَمْع والمشعر الحرام، وحد المزدلفة: من مأزمي عرفة إلى قرن محسِّر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أي موضع منها وقف أجزأه، لقول النبي ﷺ : «المزدلفة موقف» (١). ثانياً - ركن الوقوف بالمزدلفة: قال الحنفية: ركنه: كينونته بمزد لفة، سواء أكان بفعل نفسه أم فعل غيره، بأن يكون محمولاً بأمره، أو بغير أمره وهو نائم أومغمى عليه، أو مجنون أو سكران، نواه أو لم ينو، علم بها أو لم يعلم، ولو ماراً كالوقوف بعرفة. وقال المالكية: يجب النزول بالمزدلفة بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء من أكل أو شرب فيها، فإذا لم ينزل فدم، والوقوف بالمشعر الحرام سنة على المعتمد.
следующие страницы →