← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

توسعة، من جهة الغرب، قال الشافعي: أحب أن تترك الكعبة على حالها، فلا تهدم؛ لأن هدمها يذهب حرمتها ويصير كالتلاعب بها. وقد كساها النبي ﷺ ثياباً يمانية، ثم كساها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم. وكان الوليد بن عبد الملك أول من ذهَّب البيت في الإسلام. وأجاز الغزالي تزيين الكعبة بالذهب والحرير ما لم ينسب إلى الإسراف. ويجوز تطييب الكعبة ويحرم أخذ شيء منه للتبرك وغيره، ومن أخذه لزمه رده إليها، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به، ثم أخذه كما قال النووي. والبيت الحرام: أول بيت من بيوت الله وجد على ظهر الأرض ليعبد الناس فيه ربهم، أولية شرف وزمان، لقوله سبحانه: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران:٩٦/ ٣] فأول دلائله وعلائمه الظاهرة: مقام إبراهيم، وثانيها أنه يجب تعظيمه بنسبته إلى الله، حتى إنه كان اللاجئ إليه عند العرب يصير آمناً ما دام فيه، وقد أقر الله تعالى هذه المزية في قوله: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة:١٢٥/ ٢] ﴿أو لم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ [القصص:٥٧/ ٢٨] ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم﴾ [العنكبوت:٦٧/ ٢٩] لذا يكره عند مالك والشافعي حمل السلاح في مكة لغير ضرورة وحاجة، فإن كانت حاجة جاز، ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي ﷺ قال: «لا يحل أن يحمل السلاح بمكة». وتضاعف في الحرم السيئات والحسنات، قال تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم، نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج:٢٥/ ٢٢] وثواب الصلاة فيه يعدل مئة ألف صلاة، قال ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا

стр. 2312

المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمئة صلاة» (١) وفي لفظ عند أحمد من حديث ابن عمر: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة» وروى الطبراني عن أبي الدرداء: «الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمس مئة صلاة» وهذا يدل على أفضلية هذه المساجد الثلاثة: المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، والمسجد الحرام أفضل المساجد على الإطلاق، ويقصد بالذات للعبادة فيه، ويجب أداء الصلاة فيه إذا نذرت، لقوله ﷺ : «لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٢). ويطلق المسجد الحرام غالباً ويراد به هذا المسجد، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكة، كما في قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] وقد ازدادت أهميته بجعله من أهم أماكن شعائر الحج في أيام معلومات (٣). ثالثاً - المجاورة بمكة وفضيلتها: قال جماعة منهم النووي والزركشي (٤): إن حرم مكة كالمسجد الحرام في

стр. 2313

مضاعفة ثواب الصلاة بل وسائر أنواع الطاعات، قال الحسن البصري: صوم يوم بمكة بمئة ألف، وصدقة درهم بمئة ألف، وكل حسنة بمئة ألف. قال ﷺ : «رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة» (١) وقال أيضاً: «من حج من مكة ماشياً، حتى يرجع إليها كتب له بكل خطوة سبع مئة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم بمئة ألف حسنة» (٢). وقال جماعة من العلماء، منهم ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وأحمد بن حنبل: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وقال بعض المتأخرين: القائل بالمضاعفة: أراد مضاعفة مقدارها أي غلظها لا كميتها في العدد، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئات تتفاوت، فالسيئة في حرم الله أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف البلاد. ويعاقب فيها على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها، قال تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج:٢٥/ ٢٢] وهذا مستثنى من قاعدة الهم بالسيئة وعدم فعلها، تعظيماً لحرمة الحرم. أما المجاورة بمكة: فذهب مالك وأبو حنيفة إلى كراهتها، خوفاً من التقصير في حرمتها، والتبرم واعتياد المكان والأنس به، وذلك يجر إلى قلة المهابة والتعظيم، ولتهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العود، وخوفاً من ركوب الخطايا والذنوب بها، فإن ذلك محظور، والراجح عند الحنفية رأي الصاحبين وهو عدم كراهة المجاورة بمكة أو المدينة، واختار بعضهم أن المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكة.

стр. 2314

واستحب الشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة المجاورة لمن لم يخف الوقوع في محظور بمكة أو المدينة (١)؛ لأن النبي ﷺ قال عن مكة: «إنك لأحب البقاع إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (٢) قال أحمد: والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه؛ لأنها مهاجر المسلمين، وقال النبي ﷺ : «لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» (٣). رابعاً - هل مكة أفضل أو المدينة (٤)؟. قال القاضي عياض وغيره: انعقد الإجماع على أن أفضل بقع الأرض على الإطلاق المكان الذي ضم جسده ﷺ ، وعلى أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض بعده. واختلفوا في أيهما أفضل مكة أم المدينة؟ فقال مالك تبعاً لعمر وغيره من الصحابة المدنيين بتفضيل المدينة؛ لأنها موطن الهجرة، ومستقر الصحابة، ومثوى الرسول ﷺ ، ولما ورد في فضلها من الأحاديث الصحيحة (٥)، منها: «إنها طيبة - يعني المدينة - وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة» (٦).

стр. 2315

وذهب أكثر العلماء، منهم الأئمة الثلاثة إلى تفضيل مكة، للحديث السابق عن مكة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (١). وحديث: «يامكة، والله، إنك لخير أرض الله، وأحب البلاد إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (٢). وحديث الترمذي أيضاً عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لمكة: «ما أطيبك وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». وذكر العز بن عبد السلام أوجه تفضيل مكة على المدينة، منها: ١ - وجوب قصدها للحج والعمرة، وهما واجبان لا يقع مثلهما بالمدينة. ٢ - أن الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض. ٣ - أن الله جعلها حرماً آمناً في الجاهلية والإسلام. ٤ - لا يدخلها أحد إلا بحج أو عمرة وجوباً أو ندباً. خامساً - آداب دخول مكة: يستحب لمن دخل مكة ما يأتي (٣): ١ - ينبغي لمن أحرم بحج أو عمرة من الميقات أوغيره أن يتوجه إلى مكة، ومنها يكون خروجه إلى عرفات.

стр. 2316

٢ - إذا بلغ الحرم المكي دعا، فقال: «اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك». هذا ويستحضر من الخشوع والخضوع في قلبه وجسده ما أمكنه. ٣ - إذا بلغ مكة اغتسل بذي طوى (١) بنية غسل دخول مكة، فإن جاء من طريق آخر اغتسل في غيرها. وهذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض والنفساء والصبي. ٤ - السنة أن يدخل مكة من ثنية كَداء (٢)، وإذا خرج راجعاً إلى بلده خرج من ثنية كُدا (٣). ٥ - الأصح عند الشافعية أن يدخل مكة ماشياً لا راكباً. ٦ - يدخلها الإنسان ليلاً أونهاراً، فقد دخلها رسول الله ﷺ نهاراً في الحج، وليلاً في عمرة له، والأفضل في الأصح عند الشافعية دخولها نهاراً. ٧ - ينبغي أن يتحفظ في دخوله من إيذاء الناس في الزحمة، ويتلطف بمن يزاحمه، ويلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها والتي يتجه إليها. ٨ - ينبغي لمن يأتي من غير الحرم ألا يدخل مكة إلا محرماً بحج أو عمرة. والأصح عند الشافعية أن دخولها محرماً مستحب، وواجب عند غيرهم. ٩ - يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يرفع يديه، فقد جاء أنه يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة، ويقول:

стр. 2317

أي من جهة الجنوب. (اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً) ويضيف إليه: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام). ويدعو بما أحب من مهمات الآخرة والدنيا، وأهمها سؤال المغفرة. وينبغي أن يستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنه من الخشوع والتذلل والخضوع، فهذه عادة الصالحين والعارفين. ويقول قبالة البيت: (اللهم إن هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار). ١٠ - يستحب ألا يعرج أول دخوله على استئجار منزل وتغيير ثياب وغير ذلك إلا الطواف الذي هو طواف القدوم وهو سنة عند الجمهور واجب عند المالكية. ويترك بعض الرفقة عند متاعهم ورواحلهم حتى يطوفوا، ثم يرجعوا إلى رواحلهم ومتاعهم واستئجار المنزل. ويستحب للمرأة الجميلة أو الشريفة ألا تبرز للرجال، وتؤخر الطواف ودخول المسجد إلى الليل. ويستحب الدخول إلى البيت الحرام من باب بني شيبة، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، ويقول: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك).

стр. 2318

وإذا خرج قدم رجله اليسرى، وقال هذا، إلا أنه يقول: (وافتح لي أبواب فضلك) وهذا الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد. ١١ - إذا دخل المسجد ينبغي ألا يشتغل بصلاة تحية المسجد، ولا غيرها، بل يقصد الحجر الأسود، ويبدأ بطواف القدوم، وهو تحية المسجد الحرام، والطواف مستحب لكل داخل محرماً كان أوغير محرم، إلا لأداء الصلاة المكتوبة أو قضائها، أو فوات الجماعة فيها، أو فوات الوتر أو سنة الفجر وغيرها من السنن الراتبة، فيقدم كل ذلك على الطواف ثم يطوف. ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد. ١٢ - يستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما فعل النبي ﷺ . ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه، ولا يدخل حِجْر إسماعيل؛ لأنه من البيت، ولا يدخل الكعبة بسلاح. وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها، ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً، ولا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل فيه من الحل، ولا يخرج من حجارة مكة وترابها إلى الحل.- ١٣ - يستحب لمن دخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يختم القرآن فيها قبل رجوعه. ١٤ - يندب عند المالكية طواف الوداع، ويجب عند الأئمة الآخرين.

стр. 2319

سادساً - الأحكام التي يخالف فيها الحرم غيره من البلاد (خصائصه ومحظوراته): للحرم المكي أحكام خاصة، أهمها ما يأتي (١): ١ - ينبغي ألا يدخله أحد إلا بإحرام، وهو مستحب عند الشافعية، واجب عند غيرهم. ٢ - يحرم صيد الحرم بالإجماع على الحلال والمحرم إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً، وهو مضمون بإتلافه خلافاً لداود الظاهري، لحديث: «لا ينفَّر صيده». ٣ - يحرم قطع شجر الحرم ونباته الرطب الذي ينبت بنفسه ولا يستنبته الناس كالشيح والشوك والعوسج، إلا ما فيه ضرورة كالإذْخر (نبات طيب الرائحة)، ويلحق به كما أبان المالكية ستة: السَّنَا (المعروف بالسنامكي) للحاجة إليه في التداوي، والهَشّ (قطع ورق الشجر بالمِحْجَن) (٢)، والعَصَا، والسواك، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح الحوائط والبساتين. لقوله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شوكه، ولا يُنَفَّر صيده، ولا يَلْتقط لقطته إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلى خلاه (٣)، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخِر، فإنه

стр. 2320

لقَيْنهم وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر» (١) ويجب عند الجمهور ضمان الشجر خلافاً للمالكية. والمستنبت الذي استنبته الآدميون من الشجر كغيره على المذهب عند الشافعية وهو الأظهر في الحرمة والضمان، لعموم الحديث السابق. ويحل الإذخر، والشوك كالعوسج (نوع من الشوك) وغيره من كل مؤذ كالصيد المؤذي، فلا ضمان في قطعه. والأصح عند الشافعية حل أخذ نبات الحرم من حشيش ونحوه بالقطع لعلف البهائم وللدواء كالحنظل، وللتغذي كالرِّجْلة والبقلة للحاجة إليه (٢). ولا يحرم عند غير الشافعية قطع ما أنبته الآدمي من الشجر كالجوز واللوز والنخل ونحوه كشجر الأراك، والرمان والخس والبطيخ والحنطة، ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش لأنه قد مات، وليس له أخذ ورق الشجر، ويباح أخذ الكمأة من الحرم لأنها ليست من جنس النبات، بل هي من ودائع الأرض، وكذا الفقع؛ لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة. ولا شيء بقتل غراب وحدأة وفأرة وحية وكلب عقور وبعوض ونمل وبرغوث وقراد وسلحفاة وما ليس بصيد، على الخلاف والتفصيل السابق. وأما صيد وَج (واد بالطائف) وشجره: فحرام لا يضمن عند الشافعية، لحديث: «ألا إن صيد وج وعضاهه - يعني شجره - حرام محرم» (٣) وهو مباح حلال عند الحنابلة؛ لأن الأصل الإباحة، والحديث ضعفه أحمد، لكن لايضمن قطعاً عند الشافعية.

стр. 2321

٤ - يمنع إخراج تراب الحرم وأحجاره، والمعتمد عند أكثر الشافعية كراهة ذلك، والأصح عند النووي التحريم. وقال الحنفية: لا بأس بإخراج الأحجار وترابه. ٥ - يمنع عند الجمهور كل كافر من دخول الحرم، مقيماً كان أو ماراً. وأجازه أبو حنيفة ما لم يستوطنه. ٦ - لا تحل لقطة مكة وحرمها لمتملك، وإنما تحل لمنشد يحفظها ويعرفها بخلاف سائر البلاد، للحديث المتقدم: «ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها». ٧ - تغلظ الدية على القاتل الذي قتل في حرم مكة، لقول تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ [البقرة:١٩١/ ٢] لأن للحرم تأثيراً في إثبات الأمن. وتغلظ وإن كان القتل خطأ، سواء أكان القاتل والمقتول معاً في الحرم، أم أحدهما فيه دون الآخر. وقدر التغليظ عند أحمد: هو الزيادة في العدد أي بمقدار الدية وثلث الدية. وعند الشافعي: التغليظ جاء في أسنان الإبل، لا الزيادة في العدد. ولا تغلظ الدية بالقتل في حرم المدينة، في الأصح عند الشافعية. ويجوز عند الجمهور خلافاً لجماعة قتال البغاة في حرم مكة على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. وتقام الحدود والقصاص في الحرم عند المالكية والشافعية، لقوله تعالى: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ [البقرة:١٩١/ ٢] ولأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خَطَل لما وجد متعلقاً بأستار الكعبة، وأمر النبي بقتل الفواسق الخمس في الحل والحرم؛ لأنها مؤذيات طبعاً.

стр. 2322

وروي عن أحمد وأبي حنيفة والظاهرية أن من وجب عليه الحد أو القصاص آمن ما دام في الحرم، لقوله تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] ولقوله ﷺ : «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً» (١). ٨ - تحريم دفن المشرك فيه ونبشه منه. ٩ - تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا في الحرم. ١٠ - لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهل الحرم. ١١ - لا يكره عند الشافعية صلاة النفل التي لا سبب لها في وقت من الأوقات في الحرم، سواء في مكة وسائر الحرم. ١٢ - إذا نذر قصده، لزمه عند الشافعية الذهاب إليه بحج أوعمرة، بخلاف غيره من المساجد، فإنه لا يجب الذهاب إليه إذا نذره، إلا مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الأقصى، فإنهما يتعينان أيضاً، للحديث السابق: «لا تشد الرحال .. ». ١٣ - إذا نذر النحر وحده بمكة، لزمه عند الشافعية النحر بها، وتفرقة اللحم على مساكين الحرم، ولو نذر ذلك في بلد آخر، لم ينعقد نذره في أصح الوجهين. ١٤ - يحرم عند الشافعية استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء. ١٥ - مضاعفة الأجر في الصلوات وسائر الطاعات بالمسجد الحرام. ١٦ - يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام، والأفضل

стр. 2323

لغيرهم الصلاة في المصلى، إذا كان المسجد عند الشافعية (١) ضيّقاً، فإن كان واسعاً فالمسجد أفضل من المصلى. ١٧ - لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه. سابعاً - زيارة أهم المعالم التاريخية بمكة: قال ابن جزي (٢): من المواضع التي ينبغي قصدها تبركاً: قبر إسماعيل ﵇ وأمه هاجر وهما في الحِجْر، وقبر آدم ﵇ في جبل أبي قبيس، والغار المذكور في القرآن وهو جبل أبي ثور، والغار الذي في جبل حراء حيث ابتدأ فيه نزول الوحي على رسول الله ﷺ ، وزيارة قبور من بمكة والمدينة من الصحابة والتابعين والأئمة. و جبل حراء أو جبل النور: يقع في شمال مكة على بعد خمسة كيلو مترات منها، وعلى يسار الذاهب إلى عرفات، وارتفاعه نحو ٢٠٠ م، وفيه ابتدأ نزول الوحي على النبي ﷺ بأول سورة العلق. و جبل ثور: أحد الجبال الكثيرة المحيطة بمكة، وارتفاعه نحو ٥٠٠ م، يقع جنوبي مكة، وعلى مسافة ستة أميال منها، وهو ملجأ النبي ﵇ وصاحبه أبي بكر أثناء الهجرة لمدة ثلاثة أيام. ومن الأماكن الأثرية: دار الأرقم، قرب الصفا، وقد أسلم الأرقم المخزومي بعد ستة من الصحابة، وكانت داره مقر الدعوة السرية إلى الإسلام في مبدأ الأمر، وفيها أسلم عمر.

стр. 2324

ومنها مقبرة المُعَلاَّة أو الحجون: شمال شرقي مكة، وهي مقبرة المكيين منذ العصر الجاهلي إلى اليوم، وتضم قبور بني هاشم من أجداد الرسول ﷺ وأعمامه، وقبور بعض الصحابة والتابعين، ففيها قبور جدي الرسول: عبد مناف وعبد المطلب، وعمه أبي طالب، وقبر السيدة آمنة أم النبي ﷺ ، والسيدة خديجة الكبرى زوجته، وقبر عبد الله بن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر. وأما منى: فقرية تقع على مسافة سبعة كيلو مترات من مكة، فيها الجمرات الثلاث: الصغرى والوسطى والكبرى، ومسجد الكبش نسبة إلى كبش فداء إسماعيل ﵇، ومسجد البيعة حيث بايع أهل المدينة الرسول ﵇، ومسجد الخيف الكبير. وأما عرفات: فجبل مرتفع بقدر (٢٢٥ م) عن سطح البحر، ويقع على مسافة ٢٥ كم في الجنوب الشرقي من مكة. وفي شماله يقع جبل الرحمة الذي وقف عنده الرسول ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة يوم حجة الوداع، ونزل في هذا الموقف آية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة:٣/ ٥]. المبحث الثاني - حرم المدينة: حدود الحرم، فضيلة المسجد النبوي، خصائص الحرم أو محظوراته وأوجه اختلاف حرم المدينة عن حرم مكة، زيارة المسجد وقبر النبي ﷺ ، زيارة المعالم الأثرية في المدينة. أولاً - حدود الحرم المدني: حرم المدينة جنوباً وشمالاً: بريد في بريد، ما بين عائر إلى ثور، لخبر

стр. 2325

الصحيحين: «المدينة حرم من عَيْر إلى ثَوْر» وعائر أوعير: اسم جبل مشهور بقرب المدينة، وثور: جبل صغير وراء أُحد من جهة الشمال، وجبل أحد من الحرم (١). وشرقاً وغرباً بريد في بريد أيضاً ما بين لابتيها، لقوله ﷺ : «حرَّم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة» (٢) فمساحتها بريد في بريد من جهاتها الأربع، وسورها الآن هو طرفها في زمنه ﷺ . وجعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلاً. والأولى ألا تسمى «يثرب» لأنه اسم جاهلي قديم، اسمها طيبة وطابة والدار والمدينة ويثرب. ثانياً - فضيلة المسجد النبوي: بنى الرسول ﷺ مع الصحابة هذا المسجد بمساحة ٧٠ × ٦٠ ذراعاً، ثم وسعه عمر، وعثمان، وعبد الملك بن مروان وابنه الوليد (٣)، وتم توسيعه الأخير على يد الملك عبد العزيز آل سعود، وضم إليه مساحة كبرى من جهة الغرب مصلى أثناء الحج. ويتم الآن إحداث أكبر توسعة له بحيث تشمل تقريباً المدينة القديمة. والصلاة في هذا المسجد تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة، لحديث أبي هريرة المتقدم في الصحيحين: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» قال النووي: وهذا التفضيل يعم الفرض والنفل كمكة. وقال العلماء: وهذا فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ألف صلاة

стр. 2326

فيما سواه، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزئه عنهما، وهذا لاخلاف فيه. ورأى النووي أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده ﷺ الذي كان في زمانه، دون ما زيد فيه بعده، لقوله: «في مسجدي هذا» وذهب غيره إلى أنه لو وُسِّع ثبت له هذه الفضيلة، كما في مسجد مكة إذا وسع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، قال ابن عمر: «زاد عمر بن الخطاب في المسجد، قال: ولو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة (١)، كان مسجد رسول الله ﷺ » (٢). وفي حديث يبين فضل الصلاة في هذا المسجد: «من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار، ونجاة يوم القيامة» (٣) ولو نذر الذهاب إلى المسجد النبوي أو إلى المسجد الأقصى، فالأصح عند الشافعية أنه يستحب له الذهاب ولا يجب، ويتحقق النذر باعتكاف ساعة في الأصح، والأفضل صلاة ركعتين فيه. ثالثاً - خصائص الحرم المدني: حرم المدينة: ما بين لابيتها، واللابة: الحرة: وهي أرض فيها حجارة سود، كما قدمنا. ويمتاز هذا الحرم بأحكام منها ما يأتي (٤).

стр. 2327

١ - تحريم صيد المدينة وشجرها على الحلال والمحرم كمكة عند الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة، للحديث السابق: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها» (١) وإذا فعل استغفر الله ولاشيء عليه، ولا يضمن القيمة عند الجمهور في الجديد الأصح عند الشافعية للحديث الآتي: «يا أبا عمير» ولأنه ليس محلاً للنسك، لكن مكة يضمن صيدها وشجرها. ولعل أبا حنيفة يستدل بحديث «يا أبا عمير مافعل النغير» (٢) لكن قال الجمهور: يحتمل أن يكون قبل تحريم المدينة، أو أن هذا الطائر من خارج حرم المدينة. ٢ - يحرم في رأي النووي نقل تراب حرم المدينةأو أحجاره عن حرم المدينة. ٣ - يستحب عند الشافعية والحنابلة المجاورة بالمدينة، لما يحصل في ذلك من نيل الدرجات ومزيد الكرامات، لقوله ﷺ : «من صبر على لأواء المدينة وشدتها، كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» (٣). والراجح عند الحنفية كما تقدم: أنه لا تكره المجاورة بالمدينة، وكذا بمكة لمن يثق بنفسه. ٤ - يستحب عند الشافعية الصيام بالمدينة والصدقة على سكانها وبرهم، فهم جيران رسول الله ﷺ ، خاصة أهل المدينة، وقد روى الطبراني بإسناد ضعيف أنه ﷺ قال: «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواه من البلدان».

стр. 2328

٥ - يختص أهل المدينة بمزيد الشفاعة والإكرام، زائداً على غيرهم من الأمم، لحديث الصحيحين المتقدم عن أبي هريرة: «من صبر على لأواء المدينة .. » وفي حديث آخر: «أول من أشفع له من أمتي: أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف» (١). ٦ - إذا عاين حيطان المدينة صلى على النبي ﷺ ، وقال: (اللهم هذا حرم نبيك فاجعله وقاية لي من النار، وأماناً من العذاب وسوء الحساب). رابعاً - الفرق بين حرم المدينة وحرم مكة: يختلف حرم المدينة عن حرم مكة في شيئين (٢): أحدهما - أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف، لما روى جابر: «أن النبي ﷺ لما حرم المدينة، قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لانستطيع أرضاً غير أرضنا، فرخص لنا، فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد، ولا يخبط منها شيء» (٣) فاستثنى ذلك وجعله مباحاً كاستثناءذلك وجعله مباحاً كاستثناء الإذخر بمكة. ولما روى علي: «المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره». وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله ﷺ ،

стр. 2329

ولكن يهش هشاً رفيقاً» (١)، ولأن المدينة ذات شجر وزرع، فلو منعنا من احتشاشها مع الحاجة أفضى إلى الضرر، بخلاف مكة. ولا جزاء في مذهب المالكية خلافاً لغيرهم بقتل صيد المدينة وقطع شجرها، فإن فعل استغفر الله تعالى فقط. الثاني - أن من صاد صيداً خارج المدينة، ثم أدخله إليها، لم يلزمه إرساله؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير» وهو طائر صغير، فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة إذ لم ينكر ذلك. وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة، بدليل أنه لا يدخلها الداخل إلا محرماً. خامساً - زيارة المسجد النبوي وقبر النبي ﷺ : يستحب زيارة المسجد النبوي، لأنه كما تقدم في الحديث الصحيح أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وزيارة قبر النبي ﷺ وصاحبيه؛ لأن موضع قبره ﵊ أفضل بقاع الأرض. وآداب الزيارة وأحكامها ما يأتي (٢): ١ - تسن زيارة قبر رسول الله ﷺ ، لقوله ﵇: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (٣) وقوله: «من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي، كان

стр. 2330

حقاً على الله تعالى أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» (١) وروى البخاري: «من صلى علي عند قبري، وكل الله به ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة». فزيارة قبره ﷺ من أفضل القربات وأنجح المساعي لقوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ [النساء:٦٤/ ٤]، وتتأكد الزيارة للحاج والمعتمر أكثر من غيره، لأمرين: أحدهما - أن الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم الزيارة. والثاني - لحديث ابن عمر: «من حج، ولم يزرني، فقد جفاني» (٢) وحديث «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» (٣). ٢ - يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته ﷺ التقرب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجده ﷺ والصلاة فيه. ٣ - يستحب في أثناء السفر لهذه الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم على النبي ﷺ في طريقه، خصوصاً إذا رأى أشجار المدينة وحرمها. ٤ - يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه.

стр. 2331

٥ - يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة. ٦ - ليقل عند باب مسجده ﷺ ما قدمناه عند المسجد الحرام وكل المساجد، ويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج. ثم يقصد الروضة الكريمة (١): وهي ما بين المنبر والقبر، فيصلي تحية المسجد، بجنب المنبر، وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه، فذلك موقف رسول الله ﷺ . ٧ - إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد، شكر الله تعالى على هذه النعمة، ويسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته، ثم يأتي القبر الكريم، فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر، ويبعد من رأس القبر نحو أربعة أذرع، ويقف ناظراً إلى أسفل، خاشعاً، فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضراً قلبه جلالة موقفه ﷺ ، ثم يسلم ولا يرفع صوته، فيقول: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك ياخيرة الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا بشير، السلام عليك يا طُهر، السلام عليك يا طاهر، السلام عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا نبي الأمة، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك وأزواجك وذريتك وأصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين. جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك كلما ذكرك ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل، أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحد من الخلق أجمعين.

стр. 2332

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه. وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده. اللهم وآته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد). ومن أراد الاختصار، قال: (السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم). ثم يتأخر نحو يمينه إلى الشرق قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر ﵁، فيقول: (السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله، وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة نبيه ﷺ خيرا ً). ثم يتأخر نحو اليمين قدر ذراع، فيسلم على عمر ﵁، فيقول: (السلام عليك يا عمر، أعز الله بك الإسلام، جزاك الله عن أمة محمد ﷺ خيراً). ثم يرجع قدر نصف ذراع فيقول: (السلام عليكما يا ضجيعي رسول الله ورفيقيه ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام في الدين، القائمين بعده بمصالح المسلمين، جزاكما الله أحسن الجزاء). ثم يعود إلى رأس قبر النبي ﷺ ، في زاوية الحجرة المسورة، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى ويمجده، ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه، ولوالديه، ولمن شاء من أقاربه، وأشياخه وإخوانه وسائر المسلمين، ويبتدئ بقوله: (اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ [النساء:٦٤/ ٤] وقد جئناك سامعين قولك،

стр. 2333

طائعين أمرك، مستشفعين بنبيك، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين). ثم يأتي الروضة، فيكثر فيها من الدعاء، والصلاة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» ويقف عند المنبر ويدعو. ثم يأتي اسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه بها حتى تاب الله عليه، وهي بين القبر والمنبر، فيصلي ركعتين ويتوب إلى الله ويدعو بما شاء. ثم يأتي الأسطوانة الحنانة التي فيها بقية الجذع الذي حن إلى النبي ﷺ حين تركه، وخطب على المنبر، حتى نزل، فاحتضنه، فسكن. ٨ - لا يجوز أن يطاف بقبر النبي ﷺ ، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه كما يبعد منه لو حضر في حياته ﷺ . ٩ - ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها بمسجد رسول الله ﷺ ، وينبغي له أن ينوي الاعتكاف فيه، كما ينويه في المسجد الحرام. وإذا أراد وداع المدينة صلى ركعتين وقال: (اللهم لا تجعله آخر العهد بحرم رسولك، وسهل لي العود إلى الحرمين سهلة، وارزقني العفو والعافية في الآخرة والدنيا، وردنا إليه سالمين غانمين). ١٠ - كره مالك ﵀ لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج الوقوف بالقبر، قال: وإنما ذلك للغرباء، أو لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر ﵄. والفرق أن أهل المدينة مقيمون بها، وقد قال ﵇: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد».

стр. 2334

سادساً - زيارة أهم المعالم الأثرية في المدينة: يسن أن يأتي المشاهد بالمدينة، وهي نحو ثلاثين موضعاً يعرفها أهل المدينة، وأهمها ما يأتي (١). ١ - زيارة مساجد المدينة الأخرى: يستحب زيارة المساجد الأخرى، مثل مسجد قباء وهو في الجنوب الغربي من المدينة، وهو أول مسجد أسس في المدينة، وذلك يوم السبت ناوياً التقرب بزيارته والصلاة فيه، لحديث: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (٢)، وفي الصحيحين عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله ﷺ يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً، فيصلي فيه ركعتين» وفي رواية صحيحة: «كان يأتيه كل سبت» ويدعو بما شاء من كشف الكرب والحزن كما كشف عن رسول الله ﷺ حزنه وكربه في هذا المقام. ومثل مسجد المصلى أو مسجد الغمامة: في المكان الذي كان رسول الله ﷺ يصلي فيه صلاة العيدين. و مسجد الفتح: الواقع شمال البلدة الغربي على قطعة من جبل سَلْع، ويقع حيث كان الخندق. و مسجد القبلتين: وهو مسجد صغير أقيم على حافة وادي العقيق شمال غربي المدينة، وسمي بذلك لأن فيه قبلتين: الأولى منهما نحو الشمال لبيت المقدس، والثانية إلى الجنوب نحو مكة. ٢ - زيارة البقيع: على بضع مئات من الأمتار من المسجد النبوي من جهة الشرق. فيه رفات أكثر من عشرة آلاف من كبار الصحابة ﵃، منهم آل البيت وشهداء أحد، وبعض شهداء بدر. وتكون الزيارة خصوصاً يوم الجمعة أو يوم الخميس، بعد السلام على رسول الله ﷺ ، ويقول الزائر:

стр. 2335

(السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، اللهم اغفر لنا ولهم). ويزور القبور الظاهرة كقبر إبراهيم بن رسول الله ﷺ وعثمان والعباس والحسن بن علي وعلي بن الحسين، وجعفر بن محمد وغيرهم، ويختم بقبر صفية عمة رسول الله ﷺ . وفي فضل زيارة هذه القبور أحاديث صحيحة كثيرة. ٣ - زيارة الأماكن الأثرية: يستحب أن يزور بئر أريس التي روي أن النبي ﷺ تفل فيها، فيشرب من مائها ويتوضأ منه، وهي عند مسجد قباء. ويأتي دار أبي أيوب الأنصاري شرقي المسجد النبوي من ناحيته الجنوبية. و دار عثمان بن عفان التي استشهد فيها، بجوار دار أبي أيوب، وفيها اليوم قبر أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقبر والد صلاح الدين الذي دفن مع أخيه. ودار عبد الله بن عمر بن الخطاب، ودار أبي بكر، ودار خالد بن الوليد، حول المسجد النبوي. وتزار قرية بدر في الجنوب الغربي من المدينة، على مسافة ١٥٦ كم، ففيها انتصر المسلمون على المشركين في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، وعلى مسيرة ميل جنوب القرية توجد قبور شهداء بدر. ويزار جبل أحد: على بعد أربعة كيلو مترات شمال المدينة، وطوله من الشرق إلى الغرب ٦ كم، وارتفاعه (١٢٠٠ م). وفيه قال رسول الله ﷺ : «أحد جبل يحبنا ونحبه» (١). وفي سفحه قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ عم الرسول ﷺ الذي استشهد في غزوة أحد. وعلى مقربة منه مقابر الصحابة ﵃ الذين استشهدوا في هذه المعركة.

стр. 2336

الفصل الثالث: آداب السفر للحج وغيره، وآداب الحاج العائد وفيه مبحثان: المبحث الأول - آداب السفر للحج وغيره: ذكر النووي آداباً عظيمة مفيدة للسفر وهي ما يأتي (١): ١ - المشاورة: يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه، وعلى المستشار أن يبذل له النصيحة، فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة. ٢ - الاستخارة: ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير الله تعالى، فيصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول بعدها: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن - ذهابي إلى الحج في هذا العام - خير في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به). ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة بعد الفاتحة في الركعة الأولى (الكافرون) وفي الثانية (الإخلاص). ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره. ٣ - التوبة ورد المظالم والديون: إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي

стр. 2337

ورد المظالم إلى أهلها، وقضى ما أمكنه من ديونه، ورد الودائع، وطلب المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه، وكتب وصيته وأشهد عليها، ووكل من يقضي عنه ديونه ما لم يتمكن من وفائها، وترك لأهله ما يحتاجونه من نفقة. ٤ - إرضاء الوالدين والزوج: يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره، وتسترضي المرأة زوجها وأقاربها، ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته. وليس للوالد منع الولد من حج الفريضة، وله المنع من حج التطوع، فإن أحرم فللوالد تحليله من هذا الحج على الأصح عند الشافعية. وللزوج أيضاً منع الزوجة من حج التطوع، وحج الفريضة على الأظهر عند الشافعية؛ لأن حقه على الفور. وإن كانت مطلقة حبسها للعدة وليس له التحليل إلا أن تكون رجعية، فيراجعها، ثم يحللها أي يأمرها بذبح شاة تنوي بها التحلل، وتقصر من رأسها ثلاث شعرات فأكثر. ٥ - كون النفقة حلالاً: ليحرص على أن تكون نفقته حلالاً خالصة من الشبهة، فإن حج بما فيه شبهة أو بمال مغصوب صح حجه عند الجمهور، لكنه ليس حجاً مبروراً. وقال أحمد: لا يجزيه الحج بمال حرام. ٦ - الاستكثار من الزاد الطيب والنفقة: يستحب الاستكثار منهما ليواسي منه المحتاجين، ولقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة:٢٦٧/ ٢] والمراد بالطيب هنا: الجيد، وبالخبيث: الرديء. ٧ - ترك المماحكة في الشراء: يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى. ٨ - عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة: يستحب ذلك إيثاراً للسلامة من المنازعات.

стр. 2338

٩ - تحصيل مر كوب قوي مريح: يستحب ذلك، والركوب في الحج أفضل من المشي في المذهب الصحيح للشافعية، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ حج راكباً، وكانت راحلته زاملته. والزاملة: البعير الذي يُحمل عليه الطعام والمتاع. ١٠ - تعلم كيفية الحج: لا بد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته، وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها. ويستحب أن يستصحب معه كتاباً واضحاً في مناسك الحج، وأن يديم مطالعته، ويكررها في جميع طريقه لتصير محققة عنده. ١١ - اصطحاب الرفيق: ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً، راغباً في الخير، كارهاً للشر، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه. ويحرص على رضا رفيقه في جميع طريقه، ويتحمل كل واحد صاحبه، ويرى لصاحبه عليه فضلاً وحرمة، ولا يرى ذلك لنفسه، ويصبر على ما وقع منه أحياناً من جفاء ونحوه. وقد كره الرسول ﷺ الوحدة في السفر، وقال: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» (١) وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر أمَّروا على أنفسهم أفضلهم وأجودهم رأياً، لحديث «إذا كانوا ثلاثة فليؤمِّروا أحدهم» (٢). ١٢ - التفرغ للعبادة والإخلاص: يستحب أن يتفرغ للعبادة، خالياً عن التجارة؛ لأنها تشغل القلب، فإن اتجر مع ذلك صح حجه، لقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة:١٩٨/ ٢]، ويريد بعمله وجه الله تعالى، لقوله سبحانه ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة:٥/ ٩٨]. وقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات».

стр. 2339

والأفضل في الحج عن الغير أن يكون متبرعاً، ولو حج بأجرة فقد ترك الأفضل، ويحصل لغيره العبادة، ويحصل له حضور تلك المشاهد الشريفة. ١٣ - كون السفر يوم الخميس والتبكير: يستحب أن يكون سفره يوم الخميس، «إذ قلما خرج رسول الله ﷺ في سفر إلا يوم الخميس» (١)، فإن فاته فيوم الاثنين، إذ فيه هاجر الرسول من مكة. ويستحب أن يبكر لحديث صخر الغامدي: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» (٢). ١٤ - صلاة سنة السفر: يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي ركعتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (الكافرون) وفي الثانية: (الإخلاص) (٣)، ويستحب أن يقرأ بعد سلامه آية الكرسي، ولإيلاف قريش (٤)، وسورة الإخلاص والمعوذتين، ثم يدعو بحضور قلب وإخلاص بما تيسر من أمور الدنيا والآخرة، ويسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره، فإذا نهض من جلوسه، قال مارواه أنس: «اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لم أهتم به، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي». ١٥ - الوداع: يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه ويستسمحهم، ويقول كل واحد منهم لصاحبه: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيث كنت). ١٦ - الدعاء عند الخروج من البيت: السنة إذا أراد الخروج من بيته أن يقول ما

стр. 2340

صح عن رسول الله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من أن أَضل أو أضل، أو أَزل أو أزل، أو أَظلم أو أظلم، أو أَجهل أو يجهل علي» وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال: هديت وكفيت ووقيت». ويستحب له أن يتصدق بشيء عند خروجه، وكذا بين يدي كل حاجة يريدها. ١٧ - الدعاء عند الركوب: يستحب إذا أراد الركوب أن يقول: (بسم الله) وإذا استوى على دابته قال: (الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين (١)، وإنا إلى ربنا لمنقلبون). ثم يقول: (الحمد لله) ثلاث مرات (الله أكبر) ثلاث مرات. ثم يقول: (سبحانك، اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) للحديث الصحيح في ذلك. ويستحب أن يضم إليه: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما تحب وترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا واطْوِعنا بُعْده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال. اللهم إنا نعوذ بك من وَعْثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد» للحديث الصحيح في ذلك. ١٨ - السفر بالليل والرفق بالدابة: يستحب إكثار السفر في الليل، لحديث أنس: «عليكم الدُّلْجة، فإن الأرض تطوى بالليل» (٢)، وأن يريح دابته بالنزول عنها غدوة وعشية، ويتجنب النوم على ظهرها، للحديث الصحيح في النهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، لكن يجوز للحاجة؛ لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ خطب على راحلته.

стр. 2341

ويحرم عليه أن يحمل على الدابة فوق طاقتها، وأن يجيعها من غير ضرورة. ولا بأس بالارتداف على الدابة إذا أطاقته، فقد صحت الأحاديث في ذلك. ١٩ - التقشف والرفق في السفر: أن يتجنب الشبع المفرط والزينة والترفه والتبسط في ألوان الأطعمة، فإن الحاج أشعث أغبر، روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال: «قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: من الحاج؟ قال: الشَعِث التفِل». وينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس، ويتجنب المخاصمة والمخاشنة ومزاحمة الناس في الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك. ويصون لسانه من الشتم والغيبة ولعن الدواب وجميع الألفاظ القبيحة، للحديث المتقدم: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». ٢٠ - عدم اصطحاب الكلب أو الجرس: يكره أن يستصحب كلباً أو جرساً، لقوله ﷺ : «إن العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة» (١) وقوله: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس» (٢) «الجرس مزمار الشيطان» (٣). ٢١ - التكبير والتسبيح: السنة التكبير عند العلو، والتسبيح عند الهبوط في وادٍ ونحوه، بدون رفع الصوت. ٢٢ - الدعاء عند رؤية بلد: يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها».

стр. 2342

٢٣ - الدعاء عند نزول منزل: السنة إذا نزل منزلاً أن يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم: «من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك». ويستحب أن يسبح في حال حطه الرحل، لقول أنس: «كنا إذا نزلنا سبحنا حتى نحط الرحال». ويكره النزول في قارعة الطريق، لحديث أبي هريرة: «لا تعرِّسوا على الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل» (١). ٢٤ - الدعاء عند دخول الليل: السنة إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا سافر، فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وْسْود، والحية والعقرب، ومن ساكن البلد (٢)، ومن والد وما ولد». ٢٥ - الدعاء عند الخوف: إذا خاف قوماً أو إنساناً أوغيره، قال ما رواه أبو موسى الأشعري: «أن النبي ﷺ كان إذا خاف قوماً، قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» (٣). ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلاالله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض، ورب العرش الكريم» (٤).

стр. 2343

وكان ﷺ إذا كربه أمر قال: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» (١). ٢٦ - أذكار المسافر في الأزمات: إذا استصعبت دابته، قرأ في أذنيها ﴿أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون﴾ [آل عمران:٨٣/ ٣] وإذا انفلتت دابته نادى مرتين أو ثلاثاً: «يا عباد الله احبسوا». وإذا ركب سفينة قال: ﴿بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم﴾ [هود:٤١/ ١١]. ﴿وما قدروا الله حق قدره .. ﴾ [الأنعام:٩١/ ٦] الآية. ٢٧ - الدعاء في السفر: يستحب الإكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه ولوالديه وأحبائه وولاة المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الآخرة والدنيا، لقوله ﷺ : «ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (٢). ٢٨ - التزام الطهارة والصلاة: يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على الطهارة، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها المشروعة، وله عند الشافعية أن يقصر ويجمع، وله ترك الجمع والقصر، وله عند الشافعية فعل أحدهما وترك الآخر، لكن الأفضل أن يقصر وألا يجمع خروجاً من الخلاف؛ لأن أبا حنيفة ﵀ يوجب القصر ويمنع الجمع، إلا في عرفات والمزدلفة. وإذا جمع أذَّن في وقت الأولى، وأقام لكل صلاة، كما تقدم في صلاة المسافر. ويستحب صلاة الجماعة في السفر، ولكن لا تتأكد كتأكدها في الحضر. وتسن السنن الراتبة مع الفرائض في السفر، كما تسن في الحضر.

стр. 2344

المبحث الثاني - آداب رجوع الحاج من سفره: للحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي (١): ١ - السنة أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، كبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (٢). ٢ - السنة إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله، كيلا يقدم عليهم بغتة. ٣ - يحسن أن يقول إذا أشرف على بلده: (اللهم إني أسألك خيرها، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) واستحب بعضهم أن يقول: «اللهم اجعل لنا بها قراراً ورزقاً حسناً، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا» رواه ابن السني في الأذكار. ٤ - إذا قدم، فلا يطرق أهله في الليل، بل يدخل البلدة غدوة، وإلا ففي آخر النهار، روى مسلم عن أنس «أنه ﷺ كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشية». ٥ - إذا وصل منزله، فالسنة أن يبتدئ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، وإذا دخل منزله صلى أيضاً ركعتين، ودعا وشكر الله تعالى. ٦ - يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول: (قبل الله حجك، وغفر ذنبك،

стр. 2345

وأخلف نفقتك) لقوله ﷺ : «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» (١). هذا وإن قيام العوام بذبح الشاة بين رجلي الحاج يؤدي إلى تحريم أكلها، إذ إن الذبح بنية تعظيم فلان يحرم أكلها ولو ذكر اسم الله عليها، أما مظاهر الاستقبال الزائدة فهو رياء ينافي الإخلاص في العبادة. ٧ - يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي ﷺ فيما رواه ابن عباس: «كان النبي ﷺ إذا رجع من سفره، فدخل على أهله، قال: توباً توباً، لربنا أوباً، لا يغادر حوباً» توباً: أي نسألك توبة كاملة، ولا يغادر حوباً أي لا يترك إثماً. ٨ - ينبغي أن يكون رجوعه خيراً مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره مستمراً في ازدياد. انتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع (الأيمان والنذور والكفارات، النظريات الفقهية وقرارات المجامع)

стр. 2346

المحتويات البَابُ السَّادس: الأيمان والنُّذور والكفَّارات الفَصْلُ الأوَّل: الأيمان المبحث الأول - تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع أنواع اليمين ١ - اليمين الغموس ٢ - اليمين اللغو ٣ - اليمين المنعقدة أو المؤكدة أنواع اليمين المنعقدة النوع الأول - اليمين على ما هو متصور الوجود عادة النوع الثاني - اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلاً النوع الثالث - اليمين على ما هو مستحيل عادة المبحث الثاني - صيغة اليمين ١ - اليمين باسم من أسماء الله تعالى ٢ - اليمين بصفة من صفات الله تعالى ٣ - اليمين بالله تعالى بطريق الكناية ٤ - اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق) ٥ - الحلف بغير الله تعالى صورة ولكنها يمين بالله معنى المبحث الثالث - شروط صحة اليمين ١ - شروط الحالف

стр. 2347

٢ - شروط المحلوف عليه ٣ - شرط ركن اليمين المبحث الرابع - أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً المطلب الأول - الحلف على الدخول المطلب الثاني - الحلف على الخروج المطلب الثالث - الحلف على الكلام المطلب الرابع - الحلف على الأكل والشرب والذوق ونحوها المطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة المطلب السادس - الحلف على الركوب المطلب السابع - الحلف على الجلوس المطلب الثامن - الحلف على السكنى المطلب التاسع - الحلف على الضرب والقتل المطلب العاشر - الحلف على مايضاف إلى غير الحالف بحثان ملحقان بهذا المطلب البحث الأول - الحلف على فعل صادر من غير الحالف البحث الثاني - فعل الغير بأمر الحالف المطلب الحادي عشر - الحلف على تصرفات شرعية الفصل الثاني - النذور تعريف النذر وركنه شروط النذر شروط المنذور به حكم النذر

стр. 2348

١ - أصل حكم النذر ٢ - وقت ثبوت حكم النذر ٣ - كيفية ثبوت حكم النذر الفصل الثالث - الكفارات أنواع الكفارات كفارة اليمين ومشروعيتها وسبب وجوبها نوع الواجب في كفارة اليمين خصال الكفارة ١ - الإطعام ٢ - الكسوة - صفتها وقدرها ٣ - عتق الرقبة ٤ - الصوم - مقداره وشرطه الباب السابع - الحظر والإباحة المبحث الأول - الأطعمة المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها المطلب الثاني - ما لا نص فيه - الاحتكام للذوق العربي المطلب الثالث - حالة الضرورة أولاً - تعريف الضرورة وحكمها ثانياً - شروط الضرورة أو ضوابطها ثالثاً - هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعاً؟ رابعاً - جنس الشيء المستباح للضرورة خامساً - كيفية ترتيب الأفضلية بين مطعومات الضرورة

стр. 2349

سادساً - مقدار الجائز تناوله للضرورة سابعاً - حكم أخذ طعام قهراً للضرورة ثامناً - حالات خاصة للضرورة أو الحاجة المطلب الرابع - إجابة الولائم وموائد المنكر وآداب الطعام أولاً - إجابة الولائم وموائد المنكر ثانياً - آداب الطعام والشراب المبحث الثاني - الأشربة أولاً - حكم الأشربة ثانياً - الانتباذ في الظروف والأواني ثالثاً - تخلل الخمر وتخليلها المبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي المبحث الرابع - الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والرسم والوشم وأحكام الشعر والنتف والتفليج والسلام أولاً - الوطء وأحكامه ثانياً - النظر الأول - نظر الرجل للمرأة الثاني - نظر المرأة للرجل الثالث - نظر الرجل إلى الرجل الرابع - نظر المرأة إلى المرأة ثالثاً - اللمس رابعاً - اللهو خامساً - التصوير

стр. 2350

سادساً - وسم الحيوان سابعاً - أحكام الشعر ثامناً - الوشم والنمص والتفليج تاسعاً - الترجل والتخنث عاشراً - السلام المبحث الخامس - مسائل في البيع والتعامل أولاً - بيع السماد الطبيعي ثانياً - استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي ثالثاً - بيع العنب للخمار رابعاً - الإجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي خامساً - بيع بناء بيوت مكة وأرضها وإجارتها سادساً - دخول الكافر المساجد سابعاً - الاحتكار ثامناً - التسعير الباب الثامن - الأضحية والعقيقة الفصل الأول - الأضحية المبحث الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها المطلب الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها المطلب الثاني - حكم الأضحية حالة تغير حكم الأضحية أو نوعا الأضحية المبحث الثاني - شروط الأضحية المطلب الأول - شروط إيجاب الأضحية أو سنيتها
следующие страницы →