المحتويات
البَابُ السَّادس: الأيمان والنُّذور والكفَّارات
الفَصْلُ الأوَّل: الأيمان
المبحث الأول - تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع
أنواع اليمين
١ - اليمين الغموس
٢ - اليمين اللغو
٣ - اليمين المنعقدة أو المؤكدة
أنواع اليمين المنعقدة
النوع الأول - اليمين على ما هو متصور الوجود عادة
النوع الثاني - اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلاً
النوع الثالث - اليمين على ما هو مستحيل عادة
المبحث الثاني - صيغة اليمين
١ - اليمين باسم من أسماء الله تعالى
٢ - اليمين بصفة من صفات الله تعالى
٣ - اليمين بالله تعالى بطريق الكناية
٤ - اليمين بغير الله تعالى صورة ومعنى (الحلف بمخلوق)
٥ - الحلف بغير الله تعالى صورة ولكنها يمين بالله معنى
المبحث الثالث - شروط صحة اليمين
١ - شروط الحالف
стр. 2347
٢ - شروط المحلوف عليه
٣ - شرط ركن اليمين
المبحث الرابع - أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً
المطلب الأول - الحلف على الدخول
المطلب الثاني - الحلف على الخروج
المطلب الثالث - الحلف على الكلام
المطلب الرابع - الحلف على الأكل والشرب والذوق ونحوها
المطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة
المطلب السادس - الحلف على الركوب
المطلب السابع - الحلف على الجلوس
المطلب الثامن - الحلف على السكنى
المطلب التاسع - الحلف على الضرب والقتل
المطلب العاشر - الحلف على مايضاف إلى غير الحالف
بحثان ملحقان بهذا المطلب
البحث الأول - الحلف على فعل صادر من غير الحالف
البحث الثاني - فعل الغير بأمر الحالف
المطلب الحادي عشر - الحلف على تصرفات شرعية
الفصل الثاني - النذور
تعريف النذر وركنه
شروط النذر
شروط المنذور به
حكم النذر
стр. 2348
١ - أصل حكم النذر
٢ - وقت ثبوت حكم النذر
٣ - كيفية ثبوت حكم النذر
الفصل الثالث - الكفارات
أنواع الكفارات
كفارة اليمين ومشروعيتها وسبب وجوبها
نوع الواجب في كفارة اليمين
خصال الكفارة
١ - الإطعام
٢ - الكسوة - صفتها وقدرها
٣ - عتق الرقبة
٤ - الصوم - مقداره وشرطه
الباب السابع - الحظر والإباحة
المبحث الأول - الأطعمة
المطلب الأول - أنواع الأطعمة وحكم كل نوع منها
المطلب الثاني - ما لا نص فيه - الاحتكام للذوق العربي
المطلب الثالث - حالة الضرورة
أولاً - تعريف الضرورة وحكمها
ثانياً - شروط الضرورة أو ضوابطها
ثالثاً - هل تشمل الضرورة حالة السفر والحضر جميعاً؟
رابعاً - جنس الشيء المستباح للضرورة
خامساً - كيفية ترتيب الأفضلية بين مطعومات الضرورة
стр. 2349
سادساً - مقدار الجائز تناوله للضرورة
سابعاً - حكم أخذ طعام قهراً للضرورة
ثامناً - حالات خاصة للضرورة أو الحاجة
المطلب الرابع - إجابة الولائم وموائد المنكر وآداب الطعام
أولاً - إجابة الولائم وموائد المنكر
ثانياً - آداب الطعام والشراب
المبحث الثاني - الأشربة
أولاً - حكم الأشربة
ثانياً - الانتباذ في الظروف والأواني
ثالثاً - تخلل الخمر وتخليلها
المبحث الثالث - اللبس والاستعمال والحلي
المبحث الرابع - الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والرسم والوشم وأحكام الشعر والنتف والتفليج والسلام
أولاً - الوطء وأحكامه
ثانياً - النظر
الأول - نظر الرجل للمرأة
الثاني - نظر المرأة للرجل
الثالث - نظر الرجل إلى الرجل
الرابع - نظر المرأة إلى المرأة
ثالثاً - اللمس
رابعاً - اللهو
خامساً - التصوير
стр. 2350
سادساً - وسم الحيوان
سابعاً - أحكام الشعر
ثامناً - الوشم والنمص والتفليج
تاسعاً - الترجل والتخنث
عاشراً - السلام
المبحث الخامس - مسائل في البيع والتعامل
أولاً - بيع السماد الطبيعي
ثانياً - استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي
ثالثاً - بيع العنب للخمار
رابعاً - الإجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي
خامساً - بيع بناء بيوت مكة وأرضها وإجارتها
سادساً - دخول الكافر المساجد
سابعاً - الاحتكار
ثامناً - التسعير
الباب الثامن - الأضحية والعقيقة
الفصل الأول - الأضحية
المبحث الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها
المطلب الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها
المطلب الثاني - حكم الأضحية
حالة تغير حكم الأضحية أو نوعا الأضحية
المبحث الثاني - شروط الأضحية
المطلب الأول - شروط إيجاب الأضحية أو سنيتها
стр. 2351
المطلب الثاني - شروط صحة الأضحية
المطلب الثالث - شروط المكلف بالأضحية
المبحث الثالث - وقت التضحية
المبحث الرابع - الحيوان المضحى به
المطلب الأول - نوع الحيوان المضحى به
المطلب الثاني - سن الحيوان المضحى به
المطلب الثالث - قدر الحيوان المضحى أو ما يجزئ عنه
المطلب الرابع - أوصاف الحيوان المضحى
المبحث الخامس - مندوبات الأضحية ومكروهاتها وما يسن لمريد التضحية
المبحث السادس - أحكام لحوم الضحايا
الفصل الثاني - العقيقة وأحكام المولود
المبحث الأول - العقيقة
١ - حكم العقيقة ومعناها وحكمتها
٢ - جنسها وسنها وصفتها
٣ - عددها
٤ - وقتها
٥ - حكم لحمها وجلدها
المبحث الثاني - أحكام المولود
الباب التاسع - الذبائح والصيد
الفصل الأول - الذبائح
مقدمة في تعريف الذبح وحكمه شرعاً
المبحث الأول - الذابح
стр. 2352
المبحث الثاني - الذبح أو التذكية
المطلب الأول - عدد المقطوع
المطلب الثاني - موضع القطع
المطلب الثالث - الذبح من القفا
المطلب الرابع - قطع النخاع
المطلب الخامس - فورية الذبح
المطلب السادس - شروط الذبح أو التذكية الشرعية
المطلب السابع - سنن التذكية
المطلب الثامن - مكروهات التذكية
المطلب التاسع - أنواع التذكية
المطلب العاشر - ما يحرم أكله من المذبوح
المطلب الحادي عشر - أثر ذكاة الأم في الجنين
المطلب الثاني عشر - أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض
أولاً - أثر الزكاة في المشرف على الموت أو المريض
ثانياً - أثر الزكاة في الحيوان المريض
المطلب الثالث عشر - أثر الذكاة في غير المأكول
المبحث الثالث - آلة الذبح السكين الكالّة
المبحث الرابع - الحيوان الذبيح
النوع الأول - الحيوان المائي
النوع الثاني - الحيوان البري
النوع الثالث - الحيوان البرمائي
стр. 2353
ملحق - حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث
الفصل الثاني - الصيد
المبحث الأول - تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته
المبحث الثاني - شروط إباحة الصيد
المطلب الأول - شروط الصائد
المطلب الثاني - شروط آلة الصيد
شروط السلاح المصيد به
شروط الحيوان الصائد
هل يجب غسل معضّ الكلب؟
المطلب الثالث - شروط المصيد
المبحث الثالث - ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية
المبحث الرابع - متى يملك الصائد المصيد؟
حالة الاشتراك في الصيد
القسْمُ الثَّاني: النّظَريّات الفقهيّة
تقديم
الفصل الأول - نظرية الحق
المبحث الأول - تعريف الحق وأركانه
المطلب الأول - تعريف الحق
المطلب الثاني - أركان الحق
المبحث الثاني - أنواع الحق
التقسيم الأول - باعتبار صاحب الحق
١ - حق الله تعالى (الحق العام)
стр. 2354
٢ - حق الإنسان (العبد)
تقسيم حق الشخص (العبد)
الأول - حقوق تقبل الإسقاط وحقوق لاتقبل الإسقاط
الثاني - حقوق تورث وحقوق لا تورث
التقسيم الثاني - باعتبار محل الحق
١ - الحقوق المالية وغير المالية
٢ - الحق الشخصي والحق العيني
٣ - الحقوق المجردة وغير المجردة
التقسيم الثالث - باعتبار المؤيد القضائي وعدمه
المبحث الثالث - مصادر الحق أو أسبابه
المبحث الرابع - أحكام الحق
١ - استيفاء الحق
التسامح في الاستيفاء والأداء
٢ - حماية الحق
٣ - حق التأليف والنشر والتوزيع
٤ - استعمال الحق بوجه مشروع
نقل الحق
انقضاء الحق
الفصل الثاني - الأموال
المبحث الأول - تعريف المال وإرثه
الأشياء غير المادية - الحقوق والمنافع
المبحث الثاني - أقسام المال
стр. 2355
المطلب الأول - المال المتقوم وغير المتقوم
المطلب الثاني - العقار والمنقول
المطلب الثالث - المال المثلي والقيمي
الذمة المالية وخصائصها
المطلب الرابع - المال الاستهلاكي والاستعمالي
الفصل الثالث - الملكية وخصائصها
المطلب الأول - تعريف الملكية والملك
المطلب الثاني - قابلية المال للتملك وعدمها
١ - مالا يقبل التمليك ولا التملك بحال
٢ - مالا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي
٣ - مايجوز تملكه وتمليكه مطلقاً بدون قيد
المطلب الثالث - أنواع الملك
المطلب الرابع - أنواع الملك الناقص
١ - ملك العين فقط
٢ - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع
٣ - ملك المنفعة العيني أو حق الارتفاق
المطلب الخامس - أسباب الملك التام
١ - الاستيلاء على المباح
أولاً - إحياء الموات
ثانياً - الاصطياد
ثالثاً - الاستيلاء على الكلأ والآجام
رابعاً - الاستيلاء على المعادن والكنوز
стр. 2356
٢ - العقود الناقلة للملكية
٣ - الخلفية
٤ - التولد من المملوك
الفصل الرابع - نظرية العقد
المبحث الأول - تعريف العقد والفرق بينه وبين التصرف والالتزام والإرادة المنفردة
العقد والالتزام
العقد والإرادة المنفردة
الالتزام بإرادة واحدة
المبحث الثاني - تكوين العقد
المطلب الأول - ركن العقد
تعريف الإيجاب والقبول
المطلب الثاني - عناصر العقد
العنصر الأول - صيغة العقد
الفرع الأول - أساليب صيغة الإيجاب والقبول
الفرع الثاني - شروط الإيجاب والقبول
مجلس العقد
هل تشترط الفورية في القبول
صيغة العقد
كيفية إبرام التعاقد بالهاتف واللاسلكي ونحوهما
زمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين
التعاقد حالة المشي أو الركوب
стр. 2357
العنصر الثاني - العاقد
أولاً - الأهلية
١ - أهلية الوجوب
٢ - أهلية الأداء
أدوار الأهلية
عوارض الأهلية
ثانياً - الولاية
تعريف الولاية
صلتها بالعقد والفرق بينها وبين الأهلية
أنواع الولاية
الأولياء ودرجاتهم
مبدأ الولاية
شروط الولي
تصرفات الولي ومدى صلاحياته
الوكالة
أنواع الوكالة
حكم تصرفات الوكيل
الفرق بين الوكالة والرسالة
حكم العقد وحقوقه في الوكالة
التصرفات التي يمارسها الوكيل نوعان
انتهاء الوكالة
الفضالة
стр. 2358
العنصر الثالث - محل العقد
١ - أن يكون موجوداً وقت التعاقد
٢ - أن يكون المعقود عليه مشروعاً
٣ - أن يكون مقدور التسليم وقت التعاقد
٤ - أن يكون معيناً معروفاً للعاقدين
العنصر الرابع - موضوع العقد
السبب في النظرية الحديثة عند القانونيين
موقف الفقهاء من نظرية السبب بالمعنى الحديث
١ - بيع العينة
٢ - بيع العنب لعاصر الخمر
٣ - بيع السلاح في الفتنة
٤ - زواج المحلِّل
المطلب الثالث - الإرادة العقدية
الفرع الأول - صورية العقود
الفرع الثاني - سلطان الإرادة العقدية
الأولى - حرية التعاقد ورضائيته
الثانية - حرية الاشتراط وترتيب آثار العقود والقوة الملزمة للعقد
أولاً - مذهب الحنفية في الشروط
ثانياً - مذهب الحنابلة في الشروط
الفرع الثالث - عيوب الإرادة أو عيوب الرضا
١ - الإكراه
٢ - الغلط
стр. 2359
٣ - التدليس أو التغرير
٤ - الغبن مع التغرير
المبحث الثالث - شروط العقد
أولاً - شرائط الانعقاد
ثانياً - شرائط الصحة
ثالثاً - شرائط النفاذ
رابعاً - شرائط اللزوم
المبحث الرابع - آثار العقد
المبحث الخامس - تصنيف العقود
التقسيم الأول - بحسب وصف العقد شرعاً
منشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور
العقد الباطل
العقد الفاسد
العقد المكروه تحريماً
١ - بيع النجش
٢ - تلقي الركبان أو الجلب
٣ - بيع الحاضر للبادي
٤ - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة
أنواع العقد الصحيح
أنواع العقد النافذ
التقسيم الثاني - بالنظر إلى التسمية وعدمها
التقسيم الثالث - بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه
стр. 2360
التقسيم الرابع - بالنظر إلى العينية وعدمها
التقسيم الخامس - باعتبار اتصال الأثر بالعقد وعدم اتصاله
١ - العقد المنجز
٢ - العقد المضاف للمستقبل
٣ - العقد المعلق على شرط
المبحث السادس - الخيارات
خيار المجلس عند الشافعية والحنابلة
خيار التعيين
خيار الشرط
مدة الخيار
أثر خيار الشرط
خيار العيب
خيار الرؤية
خيار النقد
المبحث السابع - انتهاء العقد
انتهاء العقد بالفسخ
انتهاء العقد بالموت
انتهاء العقد بعدم إجازة الموقوف
الفصل الخامس - المؤيدات الشرعية
أولاً - المؤيدات المدنية
أهم الفروق بين البطلان والفساد
ثانياً - المؤيدات التأديبية (أو العقوبات)
стр. 2361
العقوبات غير المقدرة أو التعزيرات
الشريعة أساس الحكم على الجريمة والعقاب
الفصل السادس - نظرية الفسخ
تعريف الفسخ لغة واصطلاحاً
الفرق بين الفسخ والانفساخ
الفرق بين الطلاق والفسخ
الإبطال
الفساد
الفرق بين الفسخ والإفساد
الحكم الإجمالي للفسخ ودليله
شروط فسخ العقد
أسباب الفسخ
عدم لزوم العقد بطبيعته
استحالة تنفيذ أحد الالتزامين المتقابلين
الفسخ للفساد عند الحنفية
أنواع الفسخ
الفسخ باعتباره جزاءً لعدم تنفيذ العاقد الآخر التزامه
الفسخ بسبب الخيار (الفسخ والقوة الملزمة للعقد)
الفسخ للأعذار الطارئة
الفسخ لاستحالة التنفيذ (الفسخ وتحمل تبعة الهلاك)
الفسخ للإفلاس والإعسار والمماطلة
الفسخ بسبب البطلان أو الفساد أو الردة في الزواج
стр. 2362
الفسخ الرضائي والفسخ الجبري بطريق القضاء
فرقة الفسخ: منها مايتوقف على القضاء، ومنها مالا يتوقف عليه
الفسخ لعدم إجازة العقد الموقوف
الفسخ بسبب الاستحقاق
الاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان:
مايقبل الفسخ ومالا يقبل
العقود اللازمة للطرفين
العقود الجائزة غير اللازمة للطرفين
العقد اللازم لطرف دون آخر
حالات فسخ العقود وحالات عدم الفسخ
فسخ عقد البيع:
فسخ عقد الإيجار
حالات عدم الفسخ
فروق بين الفسخ وغيره
بعض أسباب الفسخ
متى يجوز عدم تنفيذ العقد أو ماهي شروط الدفع بعدم التنفيذ
آثار الفسخ (أحكامه)
١ - انتهاء العقد بالفسخ
٢ - أثر الفسخ في الماضي (الأثر المستند والمقتصر) والمستقبل
ملحق - ما اقتبسه القانون المدني المعاصرمن الفقه الإسلامي
مدى الاعتماد على الشريعة في القانونين المصري والسوري
بعض المبادئ والنظريات العامة المقتبسة من الفقه الإسلامي
стр. 2363
الجزء الرابع من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته
الباب السادس
الأيمان والنذور والكفّارات
الأيمان والنذور تشتمل لغة وفقهاً على معنى العقد والتصميم؛ لأن الأيمان: هي التي يعقدها الحالف بإرادته المنفردة قاصداً بها التصميم والعزم على فعل شيء أو تركه، وأما النذور: فهي التي يلتزم بها الناذر بقصد التوصل إلى تحقيق هدف معين. والكفارة: هي جزاء الحنث بالعقد الملتزم به.
ومن الواضح أن في اليمين والنذور والكفارة معنى العبادة والتعظيم والطاعة لوجود الالتزام بها نحو الله عزوجل.
وأبدأ ببحث الأيمان نظراً لأهميتها وخطورتها وشيوعها بين الناس وأصالتها بالنسبة لغيرها، وذلك في فصول ثلاثة:
стр. 2364
الفَصْلُ الأوَّل: الأيمان
الكلام عن الأيمان يتناول المباحث الأربعة الآتية:
المبحث الأول - تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع.
المبحث الثاني - صيغة اليمين.
المبحث الثالث - شروط اليمين.
المبحث الرابع - أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً، وفيه أحد عشر مطلباً:
المطلب الأول - الحلف على الدخول.
المطلب الثاني - الحلف على الخروج.
المطلب الثالث - الحلف على الكلام.
المطلب الرابع - الحلف على الأكل والشرب.
المطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة.
المطلب السادس - الحلف على الركوب.
المطلب السابع - الحلف على الجلوس.
стр. 2365
المطلب الثامن - الحلف على السكنى.
المطلب التاسع - الحلف على الضرب والقتل.
المطلب العاشر - الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف.
المطلب الحادي عشر - الحلف على أمور شرعية.
المبحث الأول - تعريف اليمين ومشروعيّتها وأنواعها وحكم كل نوع:
تعريف اليمين: اليمين في اللغة لها معان ثلاثة:
أولها - القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ [الحاقة:٤٥/ ٦٩] أي بالقوة، ثانيها - اليد اليمنى وقد سمي العضو باليمين لوفور قوته.
ثالثها - القسم أو الحلف، وأطلقت اليمين على الحلف؛ لأن الناس كانوا إذا تحالفوا يأخذ كل واحد منهم بيمين صاحبه.
وفي اصطلاح الفقهاء كما قال الحنفية: عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أوالترك. وسمي هذا العقد باليمين؛ لأن العزيمة تتقوى بها (١).
مشروعية اليمين: اليمين مشروعة؛ لأن الله تعالى أقسم وأمر نبيه ﷺ بالقسم، مثل قوله سبحانه: ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل:١/ ٩٢] ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس:١/ ٩١] ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم:١/ ٥٣] ﴿والتين والزيتون﴾ [التين:١/ ٩٥] أي وربِّ هذه الأشياء على اعتبار أن المحلوف به محذوف. والنبي أمر بالحلف في ثلاثة مواضع: فقال سبحانه: ﴿ويستنبئونك
стр. 2366
أحق هو؟ قل: إي وربي، إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾ [يونس:١٠/ ٥٣]، وقال تعالى: ﴿قل: بلى وربي لتأتينكم﴾ [سبأ:٣/ ٣٤]، وقال : ﴿قل: بلى وربي لتبعثن﴾ [التغابن:٧/ ٦٤].
وقد ثبت في السنة تشريع اليمين (١)، فقال ﷺ : «إني - والله - إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» (٢) أي أديت كفارتها.
لكن لايملك الحالف الرجوع عن اليمين والنذر والطلاق، وإنما تلزمه بمجرد النطق بها.
واليمين وإن كانت في الأصل مباحة عند الفقهاء إلا أنه يكره الإفراط في الحلف بالله تعالى لقوله سبحانه: ﴿ولا تطع كل حلاف مَهين﴾ [القلم:١٠/ ٦٨] وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله. ولذا كان الإمام الشافعي ﵁ يقول: «ما حلفت بالله تعالى صادقاً ولا كاذباً» (٣)، وقد تقرر أن اليمين مكروهة للنهي عنها بقوله تعالى:
﴿ولا تجعلوا الله عُرْضة لأيمانكم﴾ [البقرة:٢٢٤/ ٢] أي لا تكثروا الحلف بالله، لأنه ربما يعجز الحالف عن الوفاء به، إلا أن تكون اليمين في طاعة من فعل واجب أو مندوب وترك حرام أو مكروه، فتكون طاعة. وعلى هذا ليس من الأدب مع الله تعالى اتخاذ اليمين طريقاً للإقناع والتأثير وإنفاق السلعة والترغيب في المعاملات، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلف مَنْفَقة للسلعة، مَمْحقة للبركة».
стр. 2367
وذكر المالكية أن اليمين بغير الله مكروهة، وقيل: حرام، أما اليمين بنحو (اللات والعزى) فإن اعتقد تعظيمها فهو كفر، وإلا فهو حرام. وذكر الحنابلة أن الأيمان خمسة أنواع:
أحدها - واجب: وهي التي ينجي بها إنساناً معصوماً من الهلاك.
والثاني - مندوب: وهو الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر.
والثالث - المباح: مثل الحلف على فعل مباح أو تركه، والحلف على الإخبار بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه فيه صادق.
والرابع - المكروه: وهو الحلف على فعل مكروه أو ترك مندوب.
والخامس - المحرم: وهو الحلف الكاذب، فإن الله تعالى ذمه بقوله: ﴿ويحلفون على الكذب وهم يعلمون﴾ [المجادلة:١٤/ ٥٨] ولأن الكذب حرام.
أنواع اليمين: اليمين بالله تعالى ثلاثة أنواع: يمين منعقدة، ويمين الغموس، ويمين اللغو، قال محمد في كتاب (الأصل): «الأيمان ثلاثة: يمين مكفَّرة، ويمين لا تكفَّر، ويمين نرجو ألا يؤاخذ الله بها صاحبها. وفسر الثالثة بيمين اللغو» (١).
١ - اليمين الغَموس: عرفها الحنفية والمالكية بأنها: اليمين الكاذبة قصداً في الماضي أو في الحال، أو هي الحلف على أمر ماض أو في الحال متعمداً الكذب فيه نفياً أو إثباتاً، مثل قول الحالف: (والله لقد دخلت هذه الدار) وهو يعلم أنه ما دخلها، أو قوله عن رجل: (والله إنه خالد) مع علمه أنه عامر ونحو ذلك.
стр. 2368
وحكمها عند الجمهور ومنهم الحنفية والمالكية والحنابلة على الراجح عندهم (١): أنه يأثم فيها صاحبها، ويجب عليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه بالمال. استدلوا بقول الرسول ﷺ : «من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة وأدخله النار» (٢) وفي الصحيحين: «لقي الله وهو عليه غضبان». قال ابن مسعود: «كنا نعد من اليمين التي لا كفارة لها: اليمين الغموس» وعن سعيد بن المسيب قال: «هي من الكبائر، وهي أعظم من أن تُكفَّر»، يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس واليمين الغموس» (٣). والمعقول يؤيدهم وهو أن الذي أتى به الحالف أعظم من أن تكون فيه الكفارة، فلا ترفع الكفارة إثمها، ولا تشرع فيها، وقد سميت بالغموس؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار.
وقال الشافعية وجماعة: تجب الكفارة في اليمين الغموس، أي تسقط الكفارة الإثم فيها كما تسقطه في غير الغموس؛ لأنه وجدت من الحالف اليمين
стр. 2369
بالله تعالى والمخالفة مع القصد، فتلزمه الكفارة كما تلزمه في اليمين المنعقدة على أمر في المستقبل، والله تعالى يقول: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] وهذا النص عام يعم الحلف في الماضي والمستقبل، فتكون الآية موجبة الكفارة في اليمين الغموس، لكونها من الأيمان المنعقدة، وتعلق الإثم في هذه اليمين لا يمنع الكفارة، كما أن الظهار
منكر من القول وزور، وتتعلق به الكفارة (١).
٢ - اليمين اللغو: اختلف العلماء في تحديد المراد منها، فقال الجمهور (٢): هي أن يخبر عن الماضي أوعن الحال على الظن أن المخبر به كما أخبر، وهو بخلافه، في النفي والإثبات. وبعبارة أخرى: هي أن يحلف على شيء يظنه كما حلف، فلم يكن كذلك. مثل قول الحالف: (والله ماكلمت زيداً) وفي ظنه أنه لم يكلمه، و: (والله لقد كلمت زيدا ً) وفي ظنه أنه كلمه، وهو بخلاف الواقع. أو يقول: (والله إن هذا الطائر لغراب) وفي ظنه أنه كذلك، ثم تبين في الواقع أن الطائر حمام مثلاً.
وقال الشافعي (٣): لغو اليمين: ما لم تنعقد عليه النية. أو بعبارة أخرى: يمين اللغو: هي التي يسبق اللسان إلى لفظها بلا قصد لمعناها، أو يريد اليمين على شيء، فسبق لسانه إلى غيره، بدليل قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] وروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃ أنهم قالوا: «هو قول الرجل: لا والله، وبلى
стр. 2370
والله» (١) ولأن ما سبق إليه اللسان من غير قصد لا يؤاخذ به، كما لو سبق لسانه إلى كلمة الكفر.
واتفق الفقهاء على أن يمين اللغو لا كفارة فيها، لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]، ولأنها يمين غير منعقدة، فلم تجب فيها كفارة، ولأنها لا يقصد بها المخالفة، فأشبه ذلك ما لو حنث ناسياً (٢).
والشافعية يرون أن يمين اللغو تكون على أمر في الماضي أو الحال أو المستقبل؛ لأن الأدلة التي ذكروها لم تفرق بين الماضي والمستقبل، فكان الحلف لغواً على كل حال.
والحنفية يقولون: لا لغو في المستقبل، بل اليمين على أمر في المستقبل تعتبر يميناً منعقدة، وتجب فيها الكفارة إذا حنث الحالف، سواء قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما تختص يمين اللغو في الماضي أو الحال فقط (٣) بدليل قوله تعالى:
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]، واللغو في اللغة: اسم للشيء الذي لا حقيقة له، بل على ظن من الحالف أن الأمر كما حلف عليه، والحقيقة بخلاف ذلك، وهكذا اليمين على أمر في الماضي أو الحال، فهو مما لا حقيقة له إذ ليس فيه قصد اليمين: وهو المنع عن شيء أو الحث على شيء، فكان لغواً. أما اليمين في المستقبل فهي يمين منعقدة، كما سيأتي بيانه في اليمين المعقودة.
стр. 2371
٣ - اليمين المنعقدة أو المعقودة أو المؤكدة: هي ما يحلف على أمر المستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وحكم هذه اليمين وجوب الكفارة عند الحنث (١) لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، فكفارته … ﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]، الآية. والمراد به اليمين في المستقبل، بدليل قوله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ [المائدة:٨٩/ ٥]، ولا يتصور الحفظ عن الحنث والمخالفة إلا في المستقبل، ولأنه تعالى قال: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل:٩١/ ١٦]، والنقض إنما يتصور في المستقبل (٢).
ووجوب الكفارة في هذه اليمين أمر مقرر بالاتفاق بعد الحنث، سواء أكانت اليمين على فعل واجب، أم ترك واجب، أم فعل معصية، أم ترك مندوب أم ترك المباح أم فعله (٣).
فإن كانت اليمين على فعل واجب مثل قوله: (والله لأصلين صلاة الظهر اليوم) أو: (لأصومن رمضان) فإنه يجب عليه الوفاء بيمينه، ولا يجوز له الامتناع عنه لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٤) فإن امتنع عن البر يأثم ويحنث (٥) ويلزمه الكفارة (٦).
стр. 2372
وإن كانت اليمين على ترك الواجب أو على فعل المعصية كأن قال: (والله لا أصلي صلاة الفرض) أو: (لا أصوم رمضان) أو قال: (والله لأشربن الخمر) أو: (لأقتلن فلانا ً) أو: (لا أكلم والدي) ونحو ذلك، فإنه يجب عليه للحال الكفارة بالتوبة والاستغفار، ثم يجب عليه الحنث والكفارة بالمال؛ لأن عقد هذه اليمين معصية (١) وقد قال ﷺ : «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (٢).
وإن كانت اليمين على ترك المندوب مثل: (والله لا أصلي نافلة، ولا أصوم تطوعاً، ولا أعود مريضاً ولا أشيع جنازة) ونحو ذلك، أو على فعل المكروه مثل: (والله لألتفت في الصلاة) فالأفضل له ألا يفعل المكروه ويفعل المندوب أي يحنث، ويكفر عن يمينه، للحديث السابق: (من حلف على يمين .. ) ولقوله تعالى: ﴿ولا يأتل (٣) أولو الفضل منكم والسعة﴾ .. [النور:٢٢/ ٢٤] الآية، نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وقد حلف ألا يبرّ مِسْطحاً بسبب اشتراكه في حديث الإفك على عائشة (٤).
وإن كانت اليمين على مباح تركاً أو فعلاً، كدخول دار، وأكل طعام، ولبس ثوب ونحوه، فالأفضل له البر أي ترك الحنث، لما فيه من تعظيم الله تعالى، وقد
стр. 2373
قال سبحانه: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل:٩١/ ١٦] وله أن يُحنث نفسه، ويكفر عن يمينه (١).
حكم الناسي والمكره: الكفارة تجب في اليمين المنعقدة عند الحنفية والمالكية، سواء أكان الحانث عامداً أم ساهياً أم مخطئاً أم نائماً أم مغمى عليه أم مجنوناً أم مكرهاً (٢) لأن الآية القرآنية وهي: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] لم تفرق بين عامد وناس وغيره، ولقوله ﵊: «ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق واليمين» (٣)، فمن حلف بعتق أو طلاق ألا يفعل شيئاً، ففعله ناسياً حنث؛ لأن هذا يتعلق به حق آدمي، فتعلق الحكم به مع النسيان كالإتلاف.
وقال الشافعية والحنابلة (٤): لا كفارة ولا حنث على غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق» (٥) ولا كفارة أيضاً على المغمى عليه
стр. 2374
والسكران غير المتعدي بسكره، والساهي، إذ إنهم في معنى المذكورين في الحديث، فلا تنعقد اليمين منهم، كذلك لاتنعقد من المكرَه لقوله ﷺ : «ليس على مقهور يمنين» (١) ولقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه» (٢).
شروط انعقاد اليمين:
يشترط لانعقاد اليمين الشروط العامة التالية:
١ - أن يكون الحالف بالغاً عاقلاً: فلا تنعقد يمين الصبي والمجنون، لرفع المؤاخذة عنهما، روى أبو داود عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل».
٢ - ألا تكون اليمين لغواً: وهي مايجري على ألسنة الناس بغير قصد اليمين كما تقدم، مثل قولهم: (بلى والله، ولا والله).
стр. 2375
٣ - أن يكون الحلف بذات الله تعالى مثل: أقسم بالله، أو بأحد أسمائه تعالى، مثل: أقسم بالرحمن أو برب العالمين، أو بصفة من صفاته تعالى مثل: أقسم بعزة الله، أو بعلمه أو بإرادته أو بقدرته.
وسأبحث بعض الشروط المختلف فيها والمتفق عليها فيما سيأتي.
أنواع اليمين المنعقدة: يشترط لانعقاد اليمين كما سيأتي أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة عند الحلف، ويشترط أيضاً لبقاء اليمين أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة بعد اليمين. وبناء على هذا الشرط عند الحنفية انقسمت اليمين المنعقدة إلى أنواع:
النوع الأول - أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود عادة.
النوع الثاني ــ أن تكون اليمين على ماهو غير متصور الوجود أصلاً.
النوع الثالث ــ أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود في نفسه، لكن لايوجد على مجرى العادة.
النوع الأول ــ أن تكون اليمين على ماهو متصور الوجود عادة:
إذا كان المحلوف عليه أمراً يتصور حدوثه بحسب العادة والإمكان، فإما أن يكون الحلف في حالة الإثبات أي الإيجاب، أو في حالة النفي أي السلب.
أولاً - إن كان الحلف في حالة الإثبات: فإما أن يكون الإثبات مطلقاً عن الوقت أو مؤقتاً (١).
стр. 2376
آـ فإن كان الحلف في الإثبات مطلقاً عن التأقيت: مثل: (والله لآكلن هذا الرغيف) أو: (لأدخلن الدار) أو: (لآتين دمشق) فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين، فاليمين باقية لا يحنث؛ لأن الحنث يتحقق عند عدم البر باليمين، وتصور البر ممكن في هذه الحالة: وهو فعل المحلوف عليه مرة في مدة العمر، فإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه، حنث لحصول العجز عن تحقيق مقتضى البر، غير أنه إذا هلك المحلوف عليه يحنث وقت هلاكه، وإذا هلك الحالف يحنث في آخر جزء من أجزاء الحياة.
ب - وإن كان الحلف في الإثبات مؤقتاً: مثل: (والله لآكلن هذا الرغيف اليوم) أو: (لأدخلن هذه الدار اليوم) فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين، والوقت باقياً لا يحنث؛ لأن البر في الوقت مرجو فتبقى اليمين. وإن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين، ولكن مضى الوقت، فإنه يحنث باتفاق الحنفية؛ لأن اليمين كانت مؤقتة بوقت، فإذا لم يفعل المحلوف عليه حتى انتهى الوقت، فإنه يحنث.
أما إذا هلك أحدهما في الوقت المحدد: فإن هلك الحالف في الوقت ثم مضى الوقت فلا يحنث باتفاق الحنفية والحنابلة؛ لأن الحنث في اليمين المؤقتة بوقت يقع في آخر أجزاء الوقت، وهو في تلك اللحظة ميت، والميت لا يوصف بالحنث.
وإن هلك المحلوف عليه وهو الرغيف مثلاً قبل مضي الوقت، فتبطل اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر.
وقال أبو يوسف والشافعية والحنابلة: لا تبطل اليمين، ويحنث، وتجب الكفارة. واختلفت الرواية عنه في وقت الحنث، روي عنه أنه يحنث عند غروب
стр. 2377
شمس اليوم المحدد فيه وقت اليمين، وروي عنه أنه يحنث للحال، قيل: وهو الصحيح من مذهبه.
ثانياً - إذا كان الحلف في حالة النفي: فإما أن يكون النفي مطلقاً عن التأقيت أو مؤقتاً.
آـ فإن كان الحلف في النفي مطلقاً عن الوقت: مثل: (والله لا آكل هذا الرغيف) أو: (لا أدخل هذه الدار) فإن فعل مرة حنث؛ لأنه لم يتحقق منه البر، وإذا هلك الحالف أو المحلوف عليه قبل الفعل: لا يحنث، لأنه تحقق منه شرط برّه في اليمين: وهو الامتناع عن الفعل.
ب - وإن كان الحلف في النفي مؤقتاً: مثل: (والله لا آكل هذا الرغيف اليوم) فإن مضى اليوم قبل الأكل، والحالف والمحلوف عليه قائمان، فقد بر في يمينه، لأنه وجد منه شرط البر، وهو ترك الأكل في اليوم كله. وإن هلك الحالف أو المحلوف عليه في اليوم برَّ في يمينه أيضاً؛ لأن شرط البر عدم الأكل، وقد تحقق. وإن فعل المحلوف عليه في الوقت المحدد حنث، لوجود شرط الحنث، وهو الفعل في الوقت.
النوع الثاني - أن تكون اليمين على ما هو مستحيل غير متصور الوجود أصلا ً:
هذا هو المستحيل عقلاً مثل قول الشخص: (والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز ماء، أو قوله: «والله لأقضين دين فلان غداً» فقضاه اليوم، أو أبرأه صاحب الدين اليوم، ثم جاء الغد، وحكمه أنه لا تنعقد اليمين عند
стр. 2378
أبي حنيفة ومحمد وزفر ومالك وأبي الخطاب من الحنابلة (١)؛ لأن اليمين إنما تعقد على متصورالوجود أو متوهم التصور، وليس ههنا واحد منهما، وإذا لم يكن البر باليمين متصوراً فلا يتصور الحنث، فلا فائدة في انعقاد اليمين.
وقال أبو يوسف والشافعي والقاضي من الحنابلة (٢): تنعقد اليمين موجبة للكفارة في الحال؛ لأن الحالف حلف على فعل نفسه في المستقبل، كما لو حلف ليطلقن امرأته، فماتت قبل طلاقها، ولا يشترط عند هؤلاء أن تكون اليمين على أمر متصور الوجود.
وإن كان الحالف يعلم أنه لا ماء في الكوز، تنعقد اليمين عند أئمة الحنفية الثلاثة، وعند زفر: لا تنعقد.
ويجري هذا الخلاف السابق فيما إذا قال الحالف: (والله لأقتلن فلاناً) وهو لا يعلم بموته، فلا تنعقد اليمين عند أبي حنيفة ومحمد وزفر ومن وافقهم. وقال أبو يوسف ومن معه: تنعقد اليمين (٣).
فإن كان الحالف عالماً بموت الشخص فإنه تنعقد اليمين عند الجمهور، وهو كالنوع الثالث وهو المستحيل عادة؛ لأنه لا يتصور أن يحييه الله، فيقتله، فيكون البر باليمين متصوراً، إلاأنه خلاف المعتاد. وقال زفر: لا تنعقد يمينه.
стр. 2379
النوع الثالث - أن تكون اليمين على ما هو مستحيل عادة:
إذا كان الأمر المحلوف عليه متصور الوجود في نفسه، ولكنه مستحيل بحسب العادة كالصعود في السماء، والطيران في الهواء، أو تحويل الحجر ذهباً، أو شرب ماء دجلة كله، أو قطع المسافة البعيدة في برهةوجيزة، فإنه تنعقد اليمين عند أبي حنيفة وصاحبيه وبقية أئمة المذاهب (١)؛ لأن البر متصور الوجود في نفسه بأن يقدر الله تعالى الحالف على ذلك، كما أقدر الملائكة والجن والأنبياء على صعود السماء، وكذلك انقلاب الحجر ذهباً ممكن بتحويل الله تعالى، وهكذا كل ما ذكر إلا أن الحالف عاجز عن الأمر عادة، فبالنظر لتصور وجود المحلوف عليه حقيقة انعقدت اليمين، وبالنظر للعجز عن تحقيق المحلوف عليه عادة حنث في الحال، ووجبت الكفارة، كما لو حلف ليطلقن امرأته، فماتت.
وقال زفر رحمه الله تعالى: لاينعقد يمين هذا الحالف: لأنه مستحيل عادة فيلحق بالمستحيل حقيقة، وبما أن اليمين لا ينعقد في المستحيل حقيقة فلا ينعقد كذلك في المستحيل عادة (٢).
فإذا كانت هذه اليمين مؤقتة مثل: (والله لأصعدن السماء اليوم) فإنه عند أبي حنيفة ومحمد: يحنث في آخر اليوم؛ لأن البر يجب في المؤقتة في آخر اليوم عندهما، ويكون الوقت ظرفاً موسعاً.
وقال أبو يوسف: يحنث في الحال، لتحقق عجزه عن البر في الحال. وهذا هو الصحيح من مذهبه (٣).
стр. 2380
يمين الفور: هناك نوع آخر من اليمين المنعقدة أي اليمين في المستقبل: وهو ما تكون اليمين مؤقتة دلالة أو معنى ومؤبدة لفظاً، وهي المسماة يمين الفور: وهي كل يمين خرجت جواباً لكلام، أو بناء على أمر، فتتقيد بذلك بدلالة الحال، مثل أن يقول شخص لآخر: (تعال تغد معي) فقال: (والله لا أتغدى) فلم يتغد معه، ثم رجع إلى منزله، فتغدى، وحكمها: أنه لا يحنث في يمينه استحساناً، والقياس أن يحنث وهو قول زفر.
وجه القياس: أن الحالف منع نفسه عن الغداء في عموم الحالات، فتقييد اليمين في بعض الحالات دون بعض تخصيص للعموم.
ووجه الاستحسان: أن كلام الحالف خرج جواباً للسؤال، فينصرف إلى ما وقع السؤال عنه، والسؤال وقع عن الغداء المدعو إليه، فينصرف الجواب إليه، كأنه أعاد السؤال وقال: (والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه): يعني أن قصد الحالف متجه إلى الامتناع عن الغداء المدعو إليه بحسب عرف الناس، والأيمان مبنية على العرف عند الحنفية كما سيأتي بيانه.
وهناك مثال آخر ليمين الفور وهو: إذا أرادت امرأة إنسان أن تخرج من الدار فقال لها زوجها: (إن خرجت فأنت طالق) فقعدت تاركة الخروج ساعة، ثم خرجت بعدئذ لا يحنث استحساناً؛ لأن دلالة الحال تدل على التقيد بذلك الخروج، كأنه قال: (إن خرجت هذه الخرجة فأنت طالق) فإن ذكر ما يدل على خلاف المقصود، كأن بين أن المراد الخروج مطلقاً في هذا اليوم، فيبطل اعتبار الفور، ويبطل أيضاً اعتبار الفور ويحنث بمطلق التغدي إن قال: (إن تغديت اليوم (١)).
стр. 2381
قضاء الحق قبل وقته: إذا حلف شخص أن يقضي حق غيره في وقت، فقضاه قبله، لم يحنث بيمينه عند الحنفية والحنابلة؛ لأن مقتضى هذه اليمين تعجيل القضاء قبل خروج الوقت، فإذا قضاه قبله، فقد قضى قبل خروج الوقت، وزاد خيراً، ولأن مبنى الأيمان على النية، ونية هذا بيمينه أداء الحق قبل خروج الوقت.
وقال الشافعي - نقلاً عن ابن قدامة -: يحنث إذا قضاه قبله؛ لأنه ترك فعل ما حلف عليه مختاراً، فحنث كما لو قضاه بعده (١).
فعل بعض المحلوف عليه: إن حلف ليفعلن شيئاً، لم يبر عند الحنابلة إلا بفعل جميعه، وإن حلف ألا يفعله وأطلق، ففعل بعضه، ففيه روايتان عند الحنابلة، أرجحهما أنه يحنث بفعل البعض (٢).
المبحث الثاني - صيغة اليمين:
تنقسم اليمين بحسب اللفظ المقسم به إلى خمسة أنواع:
١ - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال اسم من أسماء الله الحسنى.
٢ - يمين بالله تعالى صراحة باستعمال صفة من صفات الله.
٣ - يمين بالله تعالى بطريق الكناية.
٤ - يمين بالله تعالى من حيث المعنى.
٥ - يمين بغير الله تعالى صورة ومعنى.
стр. 2382
١ - اليمين باسم من أسماء الله تعالى:
إن الحلف المباح: هو الحلف بالله تعالى، وإن الحالف بغير الله عاص، وقد اتفق العلماء على إباحة الأيمان بأسماء الله سبحانه، سواء أكان الاسم خاصاً لا يطلق إلا على الله تعالى نحو: الله، والرحمن، أم مشتركاً في الإطلاق على الله تعالى وعلى غيره كالعليم والحكيم والكريم والحليم ونحو ذلك؛ لأن هذه الأسماء وإن أطلقت على المخلوقات إلا أنها تنصرف إلى الخالق بدلالة القسم، إذ القسم بغير الله تعالى لا يجوز، فكان المراد بالاسم اسم الله تعالى.
حروف القسم: هي الباء، والواو، والتاء، كأن يقول الحالف: بالله، أو والله، أوتالله، وهو بحسب استعمال العرب، وقد ورد الشرع بتأييد اللغة مثل قوله تعالى: ﴿والله ربِّنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣/ ٦] ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء:٥٧/ ٢١] ﴿وأقسموا بالله﴾ [فاطر:٤٢/ ٣٥] وقال ﷺ : «والله لأغزون قريشاً - ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: إن شاء الله» (١)، وقال ﵇ فيما يرويه عمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت» قال عمر: «فما حلفت بها بعد ذلك ذاكراً ولا آثراً» (٢).
стр. 2383
والباء والواو يستعملان في جمع ما يقسم به من أسماء الله تعالى وصفاته. أما التاء فإنه لا يستعمل إلا في اسم الله تعالى، تقول: تالله، ولا تقول: تالرحمن، تعزة الله تعالى.
ولو لم يذكر الحالف شيئاً من هذه الأدوات بأن قال: (اللهِ لا أفعل كذا) يكون يميناً عند الجمهور. وقال الشافعية: لو قال: (الله) ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين إلا بنية (١).
٢ - اليمين بصفة من صفات الله تعالى:
صفات الله تعالى ثلاثة أقسام:
أحدها - ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في الصفة نفسها، فالحلف بها يكون يميناً، مثل: «وعزة الله، وعظمته، وجلاله، وكبريائه» يكون حالفاً؛ لأن الحلف بهذه الصفات أمر متعارف بين الناس.
الثاني - أن يحلف بصفة تستعمل صفة لله ولغيره على السواء، فالحلف بها يكون يميناً أيضاً، مثل (وقدرة الله تعالى، وقوته وإرادته، ومشيئته ورضاه، ومحبته، وكلامه) (٢) فإنه يكون حالفاً؛ لأن هذه الصفات، وإن استعملت في غير صفة الله، لكن تعين المراد منها بقرينة القسم، إذ لا يجوز القسم بغير اسم الله تعالى وصفاته.
стр. 2384
ومما يلحق بهذا القسم: أن يقول الحالف: (وأمانة الله) في ظاهر الرواية عند الحنفية، وهو مذهب المالكية والحنابلة أيضاً. وذكر الطحاوي: أنه لايكون يميناً وإن نوى، دليله: أن أمانة الله فرائضه التي تعبد بها عباده من الصلاة والصوم وغيرهما. قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال .. ﴾ [الأحزاب:٧٢/ ٣٣] الآية، فكان حلفاً بغير اسم الله ، فلا يكون يميناً.
ودليل ظاهر الرواية: أن الأمانة المضافة إلى الله تعالى عند القسم يراد بها صفته، بدليل أن «الأمين» من أسماء الله تعالى، وهو مشتق من الأمانة، فكان المراد بها - لا سيما في حالة القسم - صفة الله.
وقال المالكية: اليمين المنعقدة الموجبة للكفارة: الحلف بالله وبأسمائه كالعزيز والرحيم، وبصفاته كعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ووحدانيته، وقدمه وبقائه وعزته وجلاله وعهده وميثاقه وذمته وكفالته وأمانته، وكذلك باسمه وحقه. ويلحق بذلك القرآن والمصحف على المشهور.
وقال الشافعية في الراجح عندهم: لا ينعقد اليمين بأمانة الله إلا أن ينوي الحلف بصفة الله تعالى؛ لأن الأمانة تطلق على الفرائض والودائع والحقوق، كما في الآية السابقة.
ومن هذا القسم: (وعهد الله) (١) فهو يمين، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية والحنابلة، وفي وجه عند الشافعية؛ لأن العادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها كالحلف بالله وصفات، وفي الوجه الثاني عند الشافعية وهو الراجح: لا تعتبر يميناً ما لم ينو الحالف بها اليمين؛ لأنها تحتمل أن المراد بالعهد: هو استحقاق الله ما
стр. 2385
تعبدنا به، فهو يمين، وتحتمل أن المراد بها ما أخذ علينا من العهد في العبادات، فليس بيمين، لأنه يمين بشيء محدث (١).
ومن هذا القسم أيضاً: (ووجه الله) فهو يمين؛ لأنه الوجه المضاف إلى الله تعالى يراد به الذات، قال تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص:٨٨/ ٢٨] أي ذاته.
ولو قال الحالف: (وأيم الله) كان يميناً وكذلك إذا قال: (لعمر الله) (٢).
وقال الشافعية لو قال: (وأيم الله) أو (لعمر الله) ونوى به اليمين، كان يميناً (٣).
وقال المالكية والحنابلة كالحنفية: إذا قال الحالف: (وأيم الله) أو (أيمن الله) أي بركته، فهو يمين تجب كفارته؛ لأن الحلف بذلك متعارف، وكذا إذا حلف بقوله (لعمر الله) (٤).
الثالث - أن يحلف بصفة تستعمل لله تعالى، ولغيره، لكن استعمالها في غير الصفة هو الغالب، فالحلف بها لا يكون يميناً، مثل قول الحالف: (وعلم الله) (ورحمة الله)، (وكلام الله) أو غضبه أو سخطه أو رضاه (٥)، لا يكون هذا يميناً؛