← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وتوسع الحنفية في شأن المطهرات، وقاربهم فيها أحياناً المالكية. والواقع العملي وحاجة الناس وأعرافهم كل ذلك يؤيد العمل بمذهب الحنفية. وبناء عليه لاتطهر الأرض وحبل الغسيل المتنجس عند الجمهور بجفاف الشمس والريح، وتطهر بذلك عند الحنفية. وتطهير الموكيت أو المقاعد المفروشة يكون بصب الماء على مكان النجاسة. ويطهر النعل المتنجس والخف بالدلك بالأرض عند القائلين به كالحنفية والمالكية، لما رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهوره». وتطهر المرآة والسكين والسيف والزجاج وكل شيء أملس صقيل بالمسح الذي يزول به أثر النجاسة، عملاً بفعل الصحابة في مسح سيوفهم من الدماء. ويطهر الغسيل في الغسَّالة الآلية بغمره الماء، فإن هذه الغسَّالات يتكرر فيها صب الماء، ويعصر بها الثوب بسرعة الدوران. ولا يحكم بنجاسة ثوب أو مكان إلا برؤية عين النجاسة، فلو سقط ماء أو غيره على إنسان أو أصيب ثوبه بشيء رطب ليلاً، يحكم بطهارته ولا يسأل عن نجاسته، ولا يحكم بالنجاسة إلا بغلبة الظن. المبحث الرابع - أنواع المياه: المياه أنواع ثلاثة: طهور، وطاهر غير مطهر، ومتنجس: النوع الأول - الماء الطهور أو المطلق: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، ما دام باقياً على أصل الخِلْقة، فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي (اللون

стр. 247

والطعم والرائحة) أو تغير بشيء لم يسلب طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي، ولم يكن مستعملاً، مثل ماء المطر والأودية (١) والعيون والينابيع والآبار والأنهار والبحار، وماء الثلج والبرد، ونحوها من كل ماء عذب أو مِلْح، ويشمل الماء الذي ينعقد على صورة حيوان، أو ينعقد ملحاً، أو يرشح ويتبخر بخار ماء؛ لأنه ماء حقيقة. إلا أن الحنفية قالوا: الماء الذي ينعقد فيه الملح طهور قبل الانعقاد، أما بعد الانعقاد والذوبان، فإنه يكون طاهراً غير طهور فلا يرفع الحدث، ويزيل الخبث. هذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعاً، يزال به النجس، ويستخدم للوضوء والغسل، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ [الفرقان:٤٨/ ٢٥]، ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال:١١/ ٨]، ولقوله ﷺ عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (٢) وقوله ﵇: «إن الماء طهور، لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (٣). وبحث الماء الطهور يستتبع معرفة الأمرين التاليين: أـ التغير غير المؤثر في الطهورية: اتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً: أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، فلا يضر تغير أوصاف الماء كلها أو بعضها بطول المكث (البقاء

стр. 248

في المكان مدة طويلة) لتعذر الاحتراز عنه، ولا بتراب طهور، وطُحلُب (خضرة تعلو على وجه الماء)، وما في مقره وممره، ولا بمخالط مجاور (وهو ما يمكن فصله) كعود ودُهن ولو مطيبين ومنه البَخور ولا بجيفة ملقاة على الشاطئ تغير الماء بريحها، ولابدابغ إنائه كقطران وقَرَظ، ولا ببعض المعادن كملح ماء وكبريت، ولا بما يعسر الاحتراز عنه كالتبن وورق الشجر. وللفقهاء تفصيلات وإيراد قيود هي: قال الحنفية (١): تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد طاهر، ما لم يكن التغير عن طبخ، فغير أحد أوصافه أو أوصافه كلها، كماء السيل الذي يختلط بالتراب والأوراق والأشجار، وبقيت رقته غالبة، فإن صار الطين غالباً لا تجوز الطهارة به. وكالماء الذي اختلط به اللبَن أو الزعفران أوالصابون أو الأشنان ما دام باقياً على رقته وسيلانه، لأن اسم الماء باق فيه، ولا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء المخالطة له، فلو خرج الماء عن طبعه أو حدث له اسم جديد، كأن صار ماء الصابون ثخيناً، أو صار ماء الزعفران صِبْغاً، لا تجوز به الطهارة. وقال المالكية (٢): لا يضر ما تغير بطول مُكْثه، أو بما يجري عليه، أو بما متولد منه كالطحلب والدود والسمك الحي، أو بما لا ينفك عنه غالباً، أو بالمجاورة، ولا يؤثر تغيره بالتراب المطروح، على المشهور، وبما طرح فيه من الملح ونحوه من أجزاء الأرض كالنحاس والكبريت والحديد، ولو قصداً، ولا بدابغ طاهر كقَطِران، أو بما يعسر الاحتراز منه كتبن أو ورق شجر يتساقط في الآبار والبِرك من الريح، فإذا دبغت الجلود المعدة لحمل الماء كالقِرب والدلاء التي يستقى بها، يجوز الانتفاع بمائها، وإن تغير بأثر الدابغ الطاهر كالقَرَظ والقطران والشب،

стр. 249

ولا يضر التغير بالمجاور؛ لأن الماء يتكيف بكيفية المجاور، ومن المجاور: جيفة مطروحة خارج الماء، فتغير ريح الماء منها. ولا يضر التغير الخفيف بآلة سقي من حَبْل أو وعاء، أو بأثر بخور دهن به الإناء من غير دبغ به، أو رمي في الماء، فرسب في قراره، فتغير الماء به، لأن العرب كانت تستعمل القطران كثيراً عند الاستقاء وغيره، فصار كالتغير بالمقَرّ. كما لا يضر التغير بالشك في جنس المغير، هل هو من جنس ما يضر كالعسل والدم، أو من جنس ما لا يضر كالكبريت وطول المكث، ويجوز التطهر به. وكذا لايضر المشكوك في تغيره بالريق، كما إذا جعل الماء في الفم، وحصل شك فيه، هل تغير بالريق أو لا، فإنه يجوز التطهير به. ويضر التغير لأحد أوصاف الماء بالشيء المفارق غالباً: وهو ما شأنه مفارقة الماء غالباً وكان طاهراً، كلبن وسمن وعسل وحشيش، فإذا امتزج به، أو لاصقه، كالرياحين المطروحة على سطح الماء، والدهن الملاصق له، وتغير أحد أوصاف الماء لوناً أو طعماً أو ريحاً، لم يجز التطهر به، ويصبح الماء طاهراً بنفسه، غير مطهر لغيره. والخلاصة: إن خالط الماء شيء طاهر، ولم يغير لونه أو طعمه أو ريحه، فهو ماء مطلق طهور، وإن غير أحد هذه الأوصاف الثلاثة فهو طاهر عند المالكية والشافعية والحنابلة، غير مطهر، وعند الحنفية: طاهر مطهر، ما لم يطبخ أو يغلب على أجزائه. والمالكية يلحقون بالتراب: كل أجزاء الأرض كالكبريت والحديد والنحاس فإنها لا تسلب طهورية الماء، إذا غيرت أحد أوصافه، ولو طرحت فيه قصداً.

стр. 250

وقال الشافعية (١): لا يضر تغير يسير بطاهر لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولو كان مشكوكاً في أن تغيره كثير أو يسير، لتعذر صون الماء عنه. ولا يضر متغير بمُكْث وإن فحش التغير، وطين وطُحْلُب (شيء أخضر يعلو الماء من طول المكث)؛ وما في مقره وممره، ككبريت وزرنيخ ونُورة (كلس)، لتعذر صون الماء عن ذلك؛ ولا يضر تغير بملح ماء، لا بملح جبلي، فيضر التغير به ما لم يكن بمقر الماء أو ممره؛ ولا تمنع الطهارة بملح انعقد من الماء، لأنه كان ماء في الأصل، فهو كالثلج إذا ذاب فيه. ولا يضر تغير بورق شجر تناثر وتفتت واختلط بالماء، لتعذر صون الماء عنه؛ ولا يضر متغير بمجاور طاهر كعود ودهن، ولو مطيبين، وكافور صلب، أو بتراب ولو مستعملاً طرح فيه في الأظهر، لأن تغيره بغير التراب تروّح، وبالتراب كدورة لا تمنع اسم الماء عليه. ومذهب الحنابلة (٢) كالشافعية في عدم تأثر الماء بالمغير بطول مكث (وهو الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره) (٣) أو بالمقر والممر، أو بالمجاور، أو بريح ميتة إلى جانبه؛ لأن ذلك يشق الاحتراز عنه أو بملح مائي: وهو الماء الذي يرسل على الأرض السباخ، فيصير ملحاً؛ لأن المتغير به منعقد من الماء، فأشبه ذوب الثلج. والخلاصة: إن الماء المتغير الذي لا يضر التوضؤ به أربعة أنواع: ١ - ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما.

стр. 251

٢ - ما لا يمكن التحرز عنه كالطحلب والخزّ (الشوك الأخضر) وسائر ما ينبت في الماء، وكذا ورق الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء، كالكبريت والزفت وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف الماء فيها. ٣ - مايوافق الماء في صفتيه: الطهارة والطهورية، كالتراب إذا غيَّر الماء، لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء، فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء، لم تجز الطهارة به، لأنه طين وليس بماء، ولافرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد، وكذلك الملح البحري أو المائي، والمعدني، لأن هذا الأخير خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء، فهو كالزعفران وغيره. ٤ - ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن بأنواعه، ومثله القطران والزفت والشمع، والطاهرات الصلبة، كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يتلف في الماء، ولم يمع فيه، أنه تغيير مجاورة، فأشبه ما لو تروح الماء بريح شيء في جانبه، ولا خلاف في هذا. ولا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بما خالطه طاهر لم يغيره، فإذا سقط شيء من الباقلا والحمص والورد والزعفران وغيره في ماء، وكان يسيراً، فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة كثيرة، جاز الوضوء به، لأنه « ﷺ اغتسل وزوجته من جفنة فيها أثر العجين». ب - الماء الطهور المكروه الاستعمال تنزيهاً عند الحنفية: هناك ماء طاهر مطهر مكروه استعماله تنزيهاً حال وجود غيره على الأصح

стр. 252

عند الحنفية (١): وهو الماء القليل الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية، لا الوحشية إذ سؤرها (٢) نجس، ومثل الدجاجة المخلاة (المتروكة تأكل القاذورات) وسباع الطير، والحية والفأرة؛ لأنها لا تتحامى عن النجاسة. وهذا عمل بمقتضى الاستحسان، تيسيراً على الناس بسبب مخالطة الناس للهرة، وتطوافها بهم، وللضرورة في سباع الطير لعدم إمكان التحرز عنها، وقد قرر النبي ﷺ طهارة سؤر الهرة، فقال: «إنها ليست بنجَس، إنها من الطوافين عليكم، والطوافات» (٣)، وعن عائشة عن النبي ﷺ «أنه كان يُصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضلها» (٤). وتزول الكراهة إذا لم يوجد غير هذا الماء. وقال الشافعية بطهارة فم الهرة وطهارة سؤرها. النوع الثاني - الماء الطاهر غير الطهور: وحكمه عند الحنفية أنه يزيل الخبث، أي النجاسة عن الثوب والبدن، ولايزيل الحدث، فلا يصح الوضوء والغسل به، وهو ثلاثة أنواع: أحدها - الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلاثة وسلب طهوريته: وسالب الطهورية عند الحنفية هو غلبة غير الماء عليه إما في مخالطة الجامدات وإما في المائعات (٥). والغلبة في الجامدات تكون بإخراج الماء عن رقته وسيلانه، أو

стр. 253

التي تزيل طبع الماء (وهو الرقة والسيلان والإرواء والإنبات) بالطبخ بنحو حِمّص وعدس، ولم يقصد به التنظيف كالصابون والأشنان؛ لأن النبي ﷺ اغتسل بماء فيه أثر العجين، وكان يغتسل وهو جنب ويغسل رأسه بالخِطْمي (ورق يدق ويغسل به الرأس)، وأمر النبي بغسل الذي وقَصَتْه (كسرته) ناقته، وهو مُحْرِم بماء وسِدْر (شجر النبق)، وأمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر (١). والغلبة في المائع الذي لا وصف له كالماء المستعمل، وماء الورد المنقطع الرائحة: تكون إما بزيادة الوزن كأن اختلط رطلان من الماء المستعمل برطل من الماء المطلق أو بظهور وصفين من مائع له أوصاف ثلاثة، كالخل له لون وطعم وريح، فأي وصفين ظهرا منعا صحة الوضوء، ولا يضر ظهور وصف واحد لقلته، أو بظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط، كاللبن له اللون والطعم، ولا رائحة له. الماء المشكوك في طهوريته عند الحنفية: وهو ما شرب منه حمار أو بغل. وهو عند الحنفية طاهر في نفسه، مشكوك في إمكان إزالة الحدث به، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، بسبب تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة ﵃ في نجاسته وطهارته (٢). وقال المالكية (٣): إن سالب الطهورية الذي يترتب عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث: هو كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالباً، ويغير أحد أوصافه

стр. 254

(لونه أو طعمه أو ريحه)، ولم يكن من أجزاء الأرض، ولا دابغاً لإنائه، ولا ما يعسر الاحتراز عنه. مثال ذلك الطاهر المفارق للماء غالباً الصابون وماء الورد والزعفران واللبن والعسل والزبيب المنبوذ في الماء، والليمون وروث الماشية ودخان شيء محروق، والحشيش، أو ورق الشجر أو التبن الواقع في بئر يسهل تغطيتها، والقطران الراسب في الماء لغير دباغ للوعاء والطحلب المطبوخ في الماء، والسمك الميت. فهذه الأمثلة إن غيرت أحد أوصاف الماء، جعلته طاهراً غير طهور. ومثلها المتغير الفاحش بآلة السقي، أو بإنائه، إذا كانا من غير أجزاء الأرض كإناء من جلد أو خشب، وحبل من كَتَّان أو ليف. فإن كان التغير يسيراً، أو استعمال القطران للدباغ، فلا يسلب الطهورية، ولا يضر. وقال الشافعية (١): الذي يسلب طهورية الماء، فيجعله غير صالح لرفع الحدث ولا لإزالة النجس به: هو كل مخالط طاهر يستغني الماء عنه، إذا غير أحد أوصافه (لونه أو طعمه أو ريحه) تغيراً كثيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولم يكن المغير تراباً ولا ملحاً مائياً ولو طرحا قصداً. وذلك مثل الزعفران وماء الشجر والمني والملح الجبلي والتمر والدقيق والطحلب المطروح في الماء، والمنقوع في الماء من كتان أو عرق سوس، والقطران لغير دباغ، والماء المخلوط بنحو سدر أو صابون، فلا يصح الوضوء به كماء اللحم وماء الباقلا. وسواء أكان التغير حسياً أم تقريرياً، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات، كماء الورد المنقطع الرائحة، فلم يتغير، فلو قدرنا أن ماء الورد الواقع حل محله مخالف وسط، كلون العصير، وطعم الرمان، وريح اللاَّذَن (٢)، ثم غيَّره، لم يصر طهوراً.

стр. 255

وقال الحنابلة (١): يسلب طهورية الماء أنواع منها: المستخرج بالعلاج، كماء ورد وزهر وبطيخ، إذا غلبت أجزاؤه على الماء؛ والطاهر الذي يغير اسم الماء حتى صار صبغاً أو خلاً؛ والطاهر الذي يغير أحد أوصاف الماء تغيراً كثيراً، بأن طبخ فيه كماء الباقلا والحمص، أو لم يطبخ كالزعفران والملح المعدني، أو طرحه فيه آدم عاقل قصداً كطحلب أو ورق شجر ونحوه، ففي كل ذلك لا يعد ماء مطلقاً، فلا يتوضأ به. الماء المشتبه فيه: إذا اشتبه الطاهر من الماء أو الثياب بالنجس، تحرى الشخص واجتهد، كالاجتهاد في القبلة، وصلى بثوب منها، وتوضأ بأحد الماءين بما غلب على ظنه طهارته بعلامة واستعمله؛ لأن التطهر شرط من شروط الصلاة، وحل التناول والاستعمال والتوصل إلى ذلك ممكن بالاجتهاد، فوجب عند الاشتباه إن تعين طريقاً. وإذا أخبره بتنجسه ثقة أو كان فقيهاً اعتمده. ثانيها - الماء المستعمل القليل: والقليل: هو ما نقص عن القُلَّتين بأكثر من رطلين. والقلتان: خمس مئة رطل بغدادي تقريباً (٥٠٠) وبالمصري (٤٤٦ و ٣/ ٧) رطلاً (٢) وبالشامي (٨١) رطلاً، والرطل الشامي: (٢ و ١/ ٢) كغ فيكون قدرهما (١١٢،١٩٥ كغ) وتساوي (١٠) تنكات (صفايح) وقيل: (١٥) تنكة أو (٢٧٠) لتراً، وقدرهما بالمساحة في مكان مربع: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً بالذراع المتوسط. وفي المكان المدور كالبئر: ذراعان عمقاً، وذراع عرضاً. وقال الحنابلة: ذراعان ونصف عمقاً، وذراع طولاً.

стр. 256

والمستعمل عند الحنفية (١): هو الماء الذي استعمل لرفع حدث (وضوء أو غسل) أو لقربة (ثواب) كالوضوء - في مجلس آخر - على الوضوء بنية التقرب أو لصلاة الجنازة ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن. ويصير الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد، والمستعمل: هو الذي اتصل بالأعضاء، لا كل الماء. وحكمه عندهم أنه طاهر بنفسه غير مطهر لغيره من الحدث ويطهر الخبث أي أنه لا يزيل الحدث من وضوء وغسل، ويزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن على الراجح المعتمد. والمستعمل عند المالكية (٢): هو الماء الذي استعمل في رفع حدث (وضوء أو غسل) أو في إزالة خَبَث (عين النجاسة)، سواء أكان الغسل واجباً كغسل الميت، أم غير واجب كالوضوء على الوضوء وغسل الجمعة والعيدين، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، إذا لم يغيره الاستعمال. والمستعمل في رفع الحدث: هو ما تقاطر من الأعضاء (٣)، أو اتصل بها، أو انفصل عنها وكان المنفصل يسيراً، أو غسلت فيه، فإن اغترف منه وغسلت الأعضاء خارجه فليس بمستعمل. والماء المستعمل: طاهر مطهر، ولا يكره على الأرجح استعماله مرة أخرى في إزالة النجاسة، أو في غسل إناء ونحوه، لكن يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالات مندوبة مع وجود غيره، إذا كان يسيراً. وعلة الكراهة: أن النفوس تعافه. والماء المستعمل عند الشافعية (٤): هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة

стр. 257

عن حدث كالغسلة الأولى فيه، والأصح أن نفل الطهارة كالغسلة الثانية والثالثة طهور في المذهب الجديد. والمراد بفرضية الطهارة ولو صورة كوضوء الصبي، إذ لابد لصحة صلاته من وضوء. ومن المستعمل: ماء قليل اغترف منه بدون نية الاغتراف عند إرادة غسل اليدين بأن يقصد نقل الماء من إنائه لغسلهما خارجه، فإن نوى الاغتراف بهما فهو طهور. ومن المستعمل: ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف، وماء غسل كافرة لتحل لحليلها المسلم، وماء غسل ميت، وماء غسل مجنونة لتحل لحليلها المسلم، ولا يصبح مستعملاً إلا إذا انفصل عن العضو. والمستعمل الطاهر في إزالة النجاسة (وهو الغسالة) يشترط فيه شروط ثلاثة: ١ - أن يكون الماء وارداً على محل النجاسة إن كان قليلاً في الأصح لا كثيراً، لئلا يتنجس الماء، لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه. ٢ - أن ينفصل طاهراً بحيث لم يتغير أحد أوصافه، وقد طهر المحل. ٣ - ألا يزيد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ الظاهر. فإذا تغير الماء أو زاد وزنه، أو لم يطهر المحل بأن بقي لون النجس وريحه معاً، أو طعمه وحده، ولم يعسر زواله، صار نجساً؛ لدلالة ذلك على بقاء عين النجاسة. وحكم المستعمل: أنه طاهر غير طهور في المذهب الجديد، فلا يتوضأ أو يغتسل به، ولا تزال النجاسة به؛ لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عن ذلك،

стр. 258

ولا عما يتقاطر عليهم منه، وفي الصحيحين «أنه ﷺ عاد جابراً في مرض موته، فتوضأ وصب عليه من وضوئه» وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للاستعمال ثانياً، بل انتقلوا إلى التيمم، ولم يجمعوه للشرب، لأنه مستقذر. ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء. فإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، فطهور في الأصح. والمستعمل عند الحنابلة (١): هو المستعمل في رفع حدث أكبر (جنابة) أو أصغر (وضوء)، أو إزالة نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة وهي الغسلة السابعة (٢) كما هو المذهب، ولم يتغير أحد أوصاف الماء (لونه أو طعمه أو ريحه). ومن المستعمل: ما غسل به الميت؛ لأنه غسل تعبدي، لا عن حدث، ويصبح الماء مستعملاً: لو نوى الجنب أو المتوضئ رفع الحدث في ماء قليل، فإن لم ينو رفع الحدث أو نوى الاغتراف أو نوى إزالة الغبار أو التبرد أو العبث ظل الماء طهوراً. ومنه: الماء اليسير الذي غمس أو غسل به يد القائم من نوم الليل، وكان الشخص مسلماً عاقلاً بالغاً، وكان الغمس قبل غسل اليد ثلاثاً. ومنه الماء الذي يغمس فيه المسلم البالغ العاقل (غير الصبي والمجنون والكافر) يده كلها إلى الكوع، أي الزند. فلو غمس غير يده كالوجه والرجل لم يكن مستعملاً. ولا يصير الماء مستعملاً إلا بعد انفصاله عن محل الاستعمال. ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يتوضؤُون من الأقداح، ويغتسلون من الجفان، واغتسل النبي وعائشة من إناء واحد، تختلف

стр. 259

أيديهما فيه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: أبق لي، ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء. فإن كثر الواقع وتفاحش لم تجز الطهارة به على الرواية الراجحة، وهو مذهب الشافعية أيضاً كما بينت، والمستعمل في طهارة مستحبة كتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، وغسل الجمعة والعيدين وغيرهما فيه روايتان: إحداهما: أنه كالمستعمل في رفع الحدث؛ لأنه طهارة مشروعة. والثانية وهي الراجحة: أنه طهور فلا يمنع الطهارة؛ لأنه لم يزل مانعاً من الصلاة، فأشبه ما لو تبرد به، ولا خلاف بين العلماء أن ما استعمل في التبرد والتنظيف طاهر طهور غير مكروه. ولا يصير الماء اليسير مستعملاً إذا اغترف منه المتوضئ عند غسل يديه؛ لأن المغترف لم يقصد بغمس يده إلا الاغتراف دون غسلها، ولأن النبي ﵇ فيما رواه سعيد عن عثمان اغترف من إناء: «ثم غرف بيده اليمنى، فصب على ذراعه اليمنى، فغسلها إلى المرفقين ثلاثاً». وحكم المستعمل: أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، كالشافعية. وإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، ففيه وجهان: وجه: أنه على الأصل كما كان، ووجه: أنه طهور لقول النبي ﷺ : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (١) وإن اجتمع الماء المستعمل مع غير مستعمل فبلغ قلتين، صار الكل طهوراً. ثالثها - ماء النبات من زهر أو ثمر، كماء الورد، أو الزهر، وماء البطيخ ونحوه من الفاكهة، طاهر غير مطهر.

стр. 260

النوع الثالث - الماء النجس: وهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها مثل قليل الأرواث، وكان الماء راكداً (غير جارٍ) قليلاً. والقليل بالمساحة عند الحنفية (١): ما دون عشر في عشر بذراع العامة. فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه. وأما إذا كان عشراً في عشر بحوض مربع، أو ستة وثلاثين في مدور، وكان عمقه بحال لا تنكشف أرضه بالغَرف منه، على الصحيح، فلا ينجس إلا بظهور وصف النجاسة فيه. وأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه، والأثر: طعم النجاسة أو لونها أو ريحها. وبذلك يكون الماء المتنجس نوعين: الأول - ما كان طهوراً قليلاً، ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه. الثاني - ما كان طهوراً وقعت فيه نجاسة غيَّرت أحد أوصافه الثلاثة. واتفق العلماء على نجاسة النوع الثاني الذي تغيرت فيه أحد أوصاف الماء (طعمه أو لونه أو ريحه) كما أن الشافعية والحنابلة وافقوا الحنفية في نجاسة النوع الأول إلا ما يعفى عنه عند الشافعية كميتة ما لا دم له سائل مثل الذباب والنحل إذا وقع بنفسه أو ألقته الرياح. وقال المالكية في أرجح الروايات بطهورية النوع الأول وهو الماء القليل الذي

стр. 261

وقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه، لكنه مكروه، مراعاة للخلاف (١). والمتنجس عند أكثر الفقهاء لا ينتفع به ولا يستعمل في طهار ة ولا في غيرها إلا في نحو سقي بهيمة أو زرع، أو في حالة الضرورة كعطش. قلة الماء وكثرته: اختلف الفقهاء في حد القلة والكثرة: فالكثرة عند أبي حنيفة: هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه، لم تسْرِ الحركة إلى الطرف الثاني منه (٢). والقلة: ما كان دون عشر في عشر من أذرعة العامة؛ كما تقدم. ولا حد لكثرة في مذهب المالكية فلم يحدوا لها حداً مقدراً، والماء اليسير المكروه: هو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل، فما دونها. فإذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة، ولم تغيره، فإنه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة خبث، أو متوقف على طهارة كالطهارة المسنونة والمستحبة، ولا كراهة في استعماله في العادات. والحد الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير: هو القلتان (٣)، من قُلال هجَر: وهو خمس قِرَب، في كل قربة مئة رطل عراقي، فتكون القلتان خمس مئة رطل بالعراقي.

стр. 262

فإذا بلغ الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، جامدة أو مائعة، ولم تغير طعمه أو لونه، أو ريحه، فهو طاهر مطهر، لقوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل الخبَث» قال الحاكم: على شرط الشيخين (أي البخاري ومسلم)، وفي رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح: «فإنه لا ينْجُس» وهو المراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي يدفع النجس ولا يقبله. فإن وقعت النجاسة في مائع كثير غير مائع، ولو بمقدار قلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، لأن الماء يشق حفظه عن النجس، بخلاف غيره وإن كثر. وإن تغير أحد أوصاف الماء الكثير (القلتين)، ولو تغيراً يسيراً، فنجس بالإجماع المخصص لحديث القلتين ولحديث الترمذي وابن حبان: «الماء لا ينجسه شيء» (١)، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحة، أنه نجس، ما دام كذلك. وقد روى أبو إمامة الباهلي أن النبي ﷺ قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» رواه ابن ماجه، لكنه حديث ضعيف (٢). وأرجح رأي الشافعية والحنابلة في الأخذ بحديث القلتين الثابت الصحيح، وإن أعله الحنفية بالاضطراب وتعارض الروايات، إذ في رواية: «إذا بلغ ثلاث قلال» وفي رواية «قلة» كما أعلوه بجهالة قدر القلة، وقد أجاب الشافعية عن هذا كله (٣).

стр. 263

المبحث الخامس - حكم الأسآر والآبار: وفيه مطلبان: المطلب الأول - حكم الأسآر: الأسآر: جمع سؤر، والسؤر: البقية والفضلة، واصطلاحاً: هو بقية الماء في الإناء أو في الحوض بعد شرب الشارب منه. ثم استعير لبقية الطعام. واتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام، واختلفوا فيما عداها اختلافاً كثيراً. فحكم السؤر بسبب مخالطة لعاب الشارب له عند الحنفية (١): يختلف بحسب طهارة أو نجاسة لحم الشارب، فسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه من الحيوان طاهر، وسور الكلب نجس، وقد يكون السؤر مكروهاً، أو مشكوكاً فيه، فتكون الأسآر عند الحنفية أربعة أنواع: طاهر، ومكروه، ومشكوك فيه، ونجس كما يتبين مما يأتي: ١ - سؤر طاهر مطهر بلا كراهة: وهو الذي شرب منه الآدمي، أو حيوان مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم، والفرس في الأصح، ونحوها، ما لم تكن جلالة (تأكل الجلة) ولا في حال اجترارها إن كانت من الحيوانات المجترة؛ لأن الماء المختلط به اللعاب أثناء الشرب قد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهراً. ولا فرق بين أن يكون الآدمي صغيراً أو كبيراً، مسلماً أو كافراً، جنبا ً أو

стр. 264

حائضاً، إلا أن يشرب الكافر خمراً فينجس فمه، إذا شرب عقب الخمر فوراً من إناء، أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه، ثم شرب لا ينجس (١). ودليل طهارة سؤر الآدمي مطلقاً: ما رواه أبو هريرة قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك، فقال ﷺ : «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس» (٢). وروى مسلم عن عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيَّ». وروى البخاري أنه ﵊ شرب اللبن، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، ثم أعطى الأعرابي، فقال: الأيمن فالأيمن. ٢ - سؤر طاهر مكروه تنزيهاً استعماله مع وجود غيره: وهو سؤر الهرة، والدجاجة المخلاة (٣)، والإبل والبقر الجلالة (أي التي تأكل النجاسة إذا جهل حالها)، وسباع الطير كالصقر والنسر والشاهين والحدأة والغراب، وسواكن البيوت كالحية والفأرة، ما لم تر النجاسة في فمها، لأنها تلازم التطواف في المنازل، أو للضرورة، وعدم إمكان الاحتراز منها، ولأن النبي ﷺ كان يصغي (يميل) للهرة الإناء، فتشرب منه، ثم يتوضأ به (٤). ٣ - سؤر مشكوك في طهوريته لا في طهارته: وهو سؤر البغل والحمار

стр. 265

الأهلي، فيتوضأ به أو يغتسل، ثم يتيمم بعدئذ أو يقدم أيهما شاء، احتياطاً بالنسبة لصلاة واحدة. وسبب الشك: هو تعارض الأدلة في إباحة لحمه وحرمته، أو اختلاف الصحابة ﵃ في نجاسته وطهارته، أو للتردد في توافر الضرورة والبلوى المسقطتين للنجاسة، وذلك بسبب ربط هذا الحيوان في الدور وشربه من الأواني المستعملة، ومخالطة الناس له بالركوب عليه، فالمذهب عند الحنفية: طهارة لعاب البغل والحمار قطعاً، والشك في الطهورية. أما تعارض الأدلة في الإباحة والحرمة: فقد ورد في شأن حرمة لحمه حديثان: ١ - حديث أبجر بن غالب، قال: «يا رسول الله، أصابتنا سَنَة (جدب وقحط)، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سِمان حُمُر، وإنك حرمت الحُمُر الأهلية؟ فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك (١)». ٢ - وحديث أنس أن رسول الله ﷺ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر، فأمر منادياً ينادي في الناس: «إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية» وفي رواية: «فإنها رجس، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم» (٢). وأما اختلاف الصحابة في الطهارة والنجاسة: فعن ابن عمر نجاسته، وعن ابن عباس طهارته.

стр. 266

والحق أن رواية حديث أنس أصح، وأن لحم الحمير محرم بلا إشكال وأنه إذا تعارض المحرم والمبيح، يقدم المحرم، سواء بالنسبة للحديثين أم للاجتهادين عن الصحابة، والأصح أن دليل الشك هو التردد في الضرورة، فإن الحمار يربط في الدور والأفنية، إلا أنها دون ضرورة الهرة والفأرة، لدخولهما المضايق، دون الحمار، فوقع الشك في الطهورية، فهو نجس من وجه لنجاسة لعابه، طاهر من وجه لوجود نوع من الضرورة، وسرى الشك إلى سؤره، فهذا سبب الشك، لا أن السبب هو الإشكال في حرمة لحمه، ولا اختلاف الصحابة في سؤره. ٤ - سؤر نجس نجاسة مغلظة، لا يجوز استعماله بحال إلا للضرورة كأكل الميتة: وهو ما شرب منه كلب أو خنزير أو سباع البهائم كالأسد والفهد والذئب والقرد والنمر والضبع. أما الكلب، فلقوله ﵇: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» (١) فلما تنجس الإناء، فالماء أولى، وهذا يفيد النجاسة. وأما الخنزير، فلأنه نجس العين، لقوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام:١٤٥/ ٦]، وأما سباع البهائم، فلأن لحمها نجس، ولعابها المخالط للماء يتولد من لحمها، فيتنجس الماء. وقال المالكية (٢): ١ - سؤر ابن آدم: إن كان مسلماً لا يشرب الخمر، فسؤره طاهر مطهر

стр. 267

بإجماع. وإن كان كافراً أو شارب خمر: فإن كان في فمه نجاسة فهو كالماء الذي خالطته النجاسة. وإن لم يكن في فمه نجاسة، فهو طاهر مطهر، وهو رأي الجمهور. لكن يكره عند المالكية سؤر شارب خمر مسلم أو كافر شك في فمه، كما يكره ما أدخل يده فيه، لأنه كماء حلته نجاسة ولم تغيره. ٢ - سؤر ما يستعمل النجاسة: كالهرة والفأرة، فإن رئي في أفواهها نجاسة، كان كالماء الذي خالطته النجاسة، فإن تحقق طهارة أفواهها، فطاهر، وإن لم يعلم فيغتفر ما يعسر التحرز عنه، لكنه مكروه، وفي تنجيس ما يتحرز منه قولان (١)، أرجحهما: القول بالطهارة. ٣ - سؤر الدواب والسباع طاهر، لكنه يكره سؤر حيوان لا يتوقى نجساً كطير. ٤ - سؤر الكلب والخنزير طاهر، وغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات من ولوغه في الماء إنما هو عبادة. وفي غسل الإناء الذي شرب منه الخنزير سبعاً: قولان. وقال الشافعية والحنابلة (٢): ١ - سؤر الآدمي طاهر، سواء أكان مسلماً أم كافراً، وهذا متفق عليه بين العلماء، كما بينا، لقوله ﷺ : «المؤمن لا ينجس».

стр. 268

٢ - سؤر الحيوان المأكول اللحم طاهر، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والتوضؤ به. ٣ - سؤر الهر والفأر وابن عُرْس ونحوها من حشرات الأرض كالحيات وسام أبرص: طاهر، يجوز شربه والتوضؤ به، ولا يكره عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، إلا أبا حنيفة، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر، كما أوضحنا فإن فعل أجزأ. ٤ - سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والسباع المأكول لحمه وغير المأكول، طاهر، وهي الرواية الراجحة عند الحنابلة، لحديث جابر: «أن النبي ﷺ سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها» (١)، ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فكان طاهراً كالشاة، ولأن النبي ﷺ وصحبه كانوا يركبون البغل والحمار، فلو كان نجساً لبين النبي ﷺ ذلك، ولأنهما لا يمكن التحرز عنهما لمقتنيهما، فأشبها الهر. وقول النبي عن الحمر يوم خيبر: «إنها رجس» أراد أنها محرمة الأكل. ٥ - سؤر الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما: نجس لقولهصلّى الله عليه وسلم في الكلب: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات أولهن بالتراب» (٢)، والخنزير كالكلب، لأنه أسوأ حالاً منه. وأما المتولد فحكمه حكم أصله؛ لأنه يتبع أخسهما في النجاسة. وهذا المذهب هو الراجح، أما قول المالكية بالغسل تعبداً فلا يفهم، لأن

стр. 269

الأصل وجوب الغسل من النجاسة، بدليل سائر أنواع الغسل، ولو كان الأمر بالغسل تعبداً لما أمر النبي ﷺ بإراقة الماء، ولما اختص الغسل بموضع الولوغ، لعموم اللفظ في الإناء كله. المطلب الثاني - حكم الآبار: الكلام في الآبار المتنجسة يشبه الكلام في الماء الذي خالطته نجاسة، ولا فرق بين الأمرين عند الجمهور، وفرق الحنفية بينهما في بعض الأحوال. فقال المالكية (١): إذا وقعت دابة نجسة في بئر، وغيرت الماء، وجب نزح جميعه. فإن لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء. وقال الشافعية والحنابلة (٢): الماء الراكد والجاري سواء في التفرقة بين القليل والكثير، فما دون القلتين وهو القليل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة المؤثرة، وإن لم يتغير. وأما الكثير وهو القلتان فأكثر، فلا ينجس بملاقاة نجس جامد أو مائع إن لم يتغير الماء، وإن غيره فنجس. وبناء عليه قال الشافعية: إذا أريد تطهير الماء النجس نظر: فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين، طهر، بأن يزول التغير بنفسه، أو بأن يضاف إليه ماء آخر، أو بأن يؤخذ بعضه، لأن النجاسة بالتغير وقد زال. وقال الحنابلة: المصانع أو البرك التي يجتمع فيها ماء كثير، لا تتنجس بشيء من النجاسات ما لم تتغير، أي يتغير لونها أو طعمها أو ريحها، فإن تغيرت بنجاسة كبول آدمي أو عذرته المائعة، نزحت، ولم يقدرا مقداراً معيناً للماء

стр. 270

المنزوح، ثبت عن علي ﵁ بإسناد صحيح «أنه سئل عن صبي بال في بئر، فأمرهم أن ينزفوها» ومثل ذلك عن الحسن البصري. وسئل أحمد عن بئر بال فيها إنسان، قال: تنزح حتى تغلبهم. قلت: ما حده؟ قال: لا يقدرون على نزحها. أي فهم في نزح جميع ماء البئر كالمالكية. واتفق الحنفية (١) مع الجمهور على أن الماء الكثير (وهو عشر في عشر) (٢) لاينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه، وأما الماء القليل فيتنجس ولو لم تتغير أوصافه. وقدروا استحساناً مقادير معينة في نزح ماء البئر القليل، على النحو التالي: أولاً - حالة بقاء الواقع في البئر حياً: إذا سقط آدمي أو حيوان في بئر، وبقي حياً: لا ينجس البئر بوقوع آدمي فيه أو حيوان مأكول اللحم إذا خرج حياً، ولم يكن على بدنه نجاسة. فإن كان عليه نجاسة تنجس الماء لوجود النجاسة. وينجس البئر إذا وقع فيه خنزير، أو وصل إليه لعاب الكلب، أما لعاب سائر أنواع الحيوان غير المأكول اللحم كلعاب بغل وحمار وسباع طير ووحش إذا وصل إلى الماء، فيأخذ فيه الماء في الصحيح حكم الحيوان طهارة، وكراهة ونجاسة، فينزح بالنجس والمشكوك فيه وجوباً، ويستحب في المكروه عدد من الدلاء، كما سيأتي. والنجس: هو سباع الوحش أو البهائم كالأسد والذئب، والمكروه: هو سباع الطير كالنسر والصقر، والمشكوك فيه: هو البغل والحمار.

стр. 271

وقال الحنابلة (١): إذا وقعت الفأرة أو الهر ونحوهما في مائع أو ماء يسير، ثم خرجت حية، فهو طاهر. ثانياً - حالة موت الإنسان أو الحيوان في البئر: أـ إذا مات الإنسان في البئر ينجس الماء عند الحنفية، لأن ابن عباس وابن الزبير أفتيا بمحضر من الصحابة بنزح ماء زمزم بموت زنجي فيه (٢). وهذا مخالف لرأي غير الحنفية (٣) الذين يقولون بطهارة ماء البئر بموت الآدمي، ولو كان كافراً، لقوله ﷺ : «المؤمن لاينجس» (٤). ب - إذا كان الحيوان برياً غير مائي كشاة وكلب ودجاجة وهرة وفأرة ومات في البئر، فإنه ينجس. جـ - ولا ينجس البئر بموت حيوان لا دم له سائل كذباب وصرصور وخنفساء وزُنبور وبق وعقرب، أو بموت حيوان مائي كسمك وضفدع وتمساح وسرطان وكلب ماء وخنزيره، لقوله ﷺ : «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء» رواه البخاري، وزاد أبو داود: «وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء» (٥) ولقوله ﵇: «يا سلمان، كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه، فهو حلال أكله، وشربه، ووضوؤه».

стр. 272

ثالثاً - حالة وقوع النجاسة في الماء: أـ تنجس البئر الصغيرة بوقوع نجاسة فيها، وإن قلت، كقطرة دم وقطرة خمر، وبول وغائط، وينزح ماء جميع البئر، بعد إخراج عين النجاسة، وتطهر البئر والدلو والرشاء (الحل) والبكرة، ويد المستقي. ب - ولا تنجس البئر بالبعر (للإبل والغنم) والروث (للفرس والبغل والحمار) والخنثِي (للبقر) إلا أن يستكثره الناظر أو ألا يخلو دلو عن بعرة ونحوها. وأما القليل فهو ما يستقله الناظر. وذلك بدليل ما روى ابن مسعود ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة، فأخذ الحجر، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس» (١). ولا تنجس البئر بخُرْء حمام وعصفور ونحوها مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والإوز والبط، استحساناً؛ لأن ابن مسعود ﵁ مسح خرء الحمامة عنه بإصبعه. والأصح أنه لا ينجس البئر بخرء الطيور غير المأكولة اللحم، مثل سباع الطير، لتعذر صونها، أي البئر عنه أي عن الخرء. وقال الشافعية: روث جميع البهائم والطيور نجس، لأنه ركس، والركس: النجس. وقال المالكية والحنابلة (٢): روث وبول الحيوان المأكول طاهر، وروث وبول محرم الأكل نجس.

стр. 273

مقدار الماء الواجب نزحه: ١ - يجب نزح ماء البئر كله أو مئتا دلو لو لم يمكن نزح البئر، إذا مات آدمي فيه، أو حيوان كبير مثل البغل والحمار والكلب أو الشاة ونحوها، أو إن انتفخ الحيوان في البئر أو تفسخ، سواء أكان صغيراً أم كبيراً، أو كانت الفأرة هاربة من الهرة أو مجروحة، وإن خرجت حية، أو كانت الهرة هاربة من الكلب أو مجروحة، لأن الفأرة والهرة تبول في هذه الحالة، والبول والدم نجاسة مائعة. ٢ - وينزح ما بين أربعين دلواً إلى ستين دلواً إذا كان الحيوان ذا حجم متوسط، مثل الحمامة والدجاجة والسنور (الهر). والأظهر ما ذكر في الجامع الصغير: وهو أربعون أو خمسون دلواً، وفي الاثنين من هذه الحيوانات ينزح الماء كله. والأربعون واجب والخمسون مستحب. ٣ - وينزح من البئر عشرون دلواً أو ثلاثون بحسب كُبْر الدلو وصُغْرها (١)، إذا مات فيها حيوان صغير كالعصفور والفأر وسام أبرص ونحوها. ونزح العشرين واجب، والثلاثين مستحب أي أنه إذا كان الواقع كبيراً والبئر كبيرة فالعشرة مستحبة، وإن كانا صغيرين فالاستحباب دون ذلك، وإن كان أحدهما صغيراً والآخر كبيراً، فخمس مستحبة، وخمس دونها في الاستحباب. هذا وقد روي عن أنس أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها: ينزح منها عشرون دلواً. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر: ينزح منها أربعون دلواً (٢). حجم الدلو: المعتبر في حجم الدلو: دلو تلك البئر، فإن لم يكن فالمعتبر

стр. 274

دلو: يسع صاعاً، أي حوالي (٢ و ١/ ٢) كغ أو (٧٥،٢) ليتراً، وغير هذا الدلو المذكور، بأن كان أصغر أو أكبر يحتسب به، فلو نزح القدر الواجب بدلو واحد كبير، أجزأ، في ظاهر المذهب الحنفي، لحصول المقصود. ويكفي ملء أكثر الدلو، كما يكفي نزح الموجود في البئر ولو كان دون القدر الواجب. ويمكن تطهيرها بتغويرها أي بفتح مصرف أو حفر منفذ يخرج منه بعض الماء. وإذا وجد في الماء حيوان ميت، فيحكم بموته من يوم وليلة إذا لم يكن منتفخاً، ومن ثلاثة أيام بلياليها إذا كان منتفخاً، فيلزم إعادة صلوات تلك المدة إن توضؤوا منها عن حدث، وغسلوا الثياب وكل شيء أصابه ماؤها. المبحث السادس - أنواع الأعيان الطاهرة: جميع ما في الكون إما جماد، أو حيوان، أو فضلات. والأصل في الأشياء الطهارة، ما لم تثبت نجاستها بدليل شرعي. والفقهاء متقاربون في الحكم بطهارة الأعيان، فاتفقوا على أن الجماد (وهو كل جسم لم تحله الحياة ولم ينفصل عن حي) (١) كله طاهر إلا المسكر، فجميع أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد منها طاهرة، ومن الجامد: المعادن كالذهب والفضة والحديد ونحوها، وجميع أنواع النبات ولو كان ساماً أو مخدرا ً كالحشيش والأفيون والبنج، ومن المائع: المياه والزيوت وعسل القصب وماء الأزهار والطيب والخل. واتفقوا أن كل جاف طاهر، وأن نافجة (وعاء) المسك طاهر كالمسك، وأن الزبَاد والعنبر (٢) طاهر، وأن شعر الحيوان المأكول طاهر، وأن الخمر المتخللة بنفسها طاهرة.

стр. 275

كما اتفقوا على طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية، وعلى طهارة ميتة السمك والجراد، وعلى طهارة ميتة الآدمي ولو كافراً إلا الحنفية، فقالوا بنجاستها؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الأسراء:٧٠/ ١٧]، وتكريمهم يقتضي طهارتهم ولو أمواتاً، ولقوله ﷺ : «إن المسلم - أي يحكم الغالب - لا ينجس». أما قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة:٢٨/ ٩]، فيراد به نجاسة الاعتقاد، أو أن اجتنابهم كالنجس، لا نجاسة الأبدان. واختلفوا في أشياء، فقال الحنفية (١): كل شيء من أجزاء الحيوان غير الخنزير لا يسري فيه الدم من الحي والميت المأكول وغير المأكول حتى الكلب: طاهر، كالشعر، والريش المجزوز، والإنفحة الصلبة (٢)، والمنقار والظلف، والعصب على المشهور، والقرن والحافر، والعظم ما لم يكن به دسم (وَدَك)؛ لأنه نجس من الميتة، فإذا زال عن العظم زال عنه النجس، والعظم في ذاته طاهر، لما أخرج الدارقطني: «إنما حرم رسول الله ﷺ من الميتة لحمها، فأما الجلد والشعر والصوف، فلا بأس به». ويدخل فيه شعر الإنسان غير المنتوف، وعظمه وسنه مطلقاً على المذهب، أما الشعر المنتوف فنجس، لأن كل ما أبين من الحي فهو كميتته. وأما دمع الحي وعرقه ولعابه ومخاطه فكالسؤر طهارة ونجاسة، والمذهب طهارة لعاب بغل وحمار، وكراهة لعاب سباع الطير وسواكن البيوت كالفأرة

стр. 276

والعقرب والهرة ونحوها، ونجاسة لعاب وسؤر الخنزير والكلب وسائر سباع الوحش. ولعاب الآدمي كسؤره طاهر، إلا في حال شرب الخمر لنجاسة فمه، ويطهر فمه بالغسل أو شرب الماء من ساعته، أو بابتلاع بزاقه ثلاث مرات. ورطوبة الفرج طاهرة عند الإمام خلافاً لصاحبيه: وهي رطوبة الولد عند الولادة، ورطوبة الخلة (الخل) إذا خرجت من أمها، وكذا البيضة، فلا يتنجس بها الثوب ولا الماء، لكن يكره التوضؤ به. وميتة الحيوان البري الذي ليس له دم سائل كالذباب والسوس والنمل والعقرب والزنبور والبرغوث: طاهرة. وخرء الطيور المأكولة اللحم التي تذرق في الهواء كالحمام والعصفور والعَقْعق (القاق) ونحوها: طاهر، لأن الناس اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام والمساجد الجامعة، مع علمهم أنها تذرق فيها، ولو كان نجساً لما فعلوا ذلك، مع الأمر بتطهير المسجد في قوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين﴾ [البقرة:١٢٥/ ٢]، وروي عن ابن عمر: «أن حمامة ذرقت عليه، فمسحه وصلى» وعن ابن مسعود مثل ذلك في العصفور. وكذلك خرء ما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة ونحوها، طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، للضرورة المتحققة، لأنها تذرق في الهواء، فيتعذر صيانة الثياب والأواني عنها. ودم السمك طاهر عند أبي حنيفة ومحمد، لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع دمه، ولو كان نجساً لما أبيح، ولأنه ليس بدم حقيقة، بل هو ماء تلون بلون الدم؛ لأن الدموي لا يعيش في الماء.

стр. 277

والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله مع اللحم. ولو لف ثوب جاف طاهر في ثوب نجس رطب لاينعصر الرطب لو عصر، لا ينجس، كما لا ينجس ثوب رطب نشر على أرض نجسة يابسة، فتندت الأرض منه ولم يظهر أثرها فيه. ولا ينجس الثوب بريح هبت على نجاسة، فأصابت الريح الثوب، إلا أن يظهر أثر النجاسة فيه. وقال المالكية (١): كل حي ولو كلباً وخنزيراً طاهر ولو أكل نجساً، وكذا عَرَقه ودمعه، ومُخَاطه، ولعابه الخارج من غير المعدة (٢)، وبيضه، إلا البيض المَذِر وما خرجه بعد موته، والبيض المذر: وهو ما تغير بعفونة أو زرقة، أو صار دماً: نجس، بخلاف الممروق: وهو ما اختلط بياضه بصفاره من غير نتونة. وما خرج من الحيوان من بيض أو مخاط أو دمع أو لعاب بعد موته بلا ذكاة شرعية، يكون نجساً، إذا كانت ميتة الحيوان نجسة. ومن الطاهر: بَلْغم: وهو ما يخرج من الصدر منعقداً كالمخاط، وكذا ما يسقط من الدماغ من آدمي أو غيره. ومنه: الصفراء: وهي ماء أصفرملتحم، يخرج من المعدة يشبه الصبغ الزعفراني، لأن المعدة عندهم طاهرة، ما لم يستحل إلى فساد كالقيء المتغير. ومن الطاهر: ميتة الآدمي، ولو كان كافراً على الصحيح، وميتة ما لا دم له من جميع هوام الأرض، كعقرب وجندب وخنفس، وجراد، وبرغوث، بخلاف ميتة القمل، والوزغ (غراب الزرع) والسحالي من كل ماله لحم ودم، تكون نجسة، ولكن لا يؤكل الجراد إلا بما يموت به من ذكاة ونحوها. أما دود الفاكهة والمِش

стр. 278

(الجبن المعتق في اللبن والملح)، فيؤكل قطعاً ولو بدون ذكاة. ويعفى عن القملتين والثلاث للمشقة. ومنه: ميتة الحيوان البحري من السمك وغيره، ولو طالت حياته بالبر كتمساح وضفدع وسلحفاة بحرية، ولو على صورة الخنزير والآدمي. ومنه: جميع ما ذُكِّي بذبح أو نحر أو عقر من غير مُحَّرم الأكل. أما محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير، فإن الذكاة لا تطهره على مشهور المذهب (١) كما قرر الدردير والصاوي، وكذا الكلب والخنزير لا تطهره الذكاة، فتكون ميتة ما ذكر نجسة، ولو ذكي. ومن الطاهر: الشعر والوبر والصوف ولو من خنزير، وكذا زغب الريش: وهو ما اكتنف القصبة من الجانبين. ومنه: الجماد إلا المسكر، كما بينت في الأعيان المتفق على طهارتها، أما المسكر فنجس سواء أكان خمراً أم من نقيع الزبيب أو التمر ونحوه. وأما المخدر كالحشيشة والأفيون والسيكران، فطاهر لأنه من الجماد، ويحرم تعاطيه لتغييبه العقل، ولايحرم التداوي به في ظاهر الجسد. ومنه: لبن الآدمي ولو كافراً، ولبن غير محرم الأكل، ولو مكروهاً كالهر والسبع، أما لبن محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير فهو نجس. ومنه: فضلة الحيوان المباح الأكل، من روث وبعر وبول وزبل دجاج وحمام وجميع الطيور، ما لم يستعمل النجاسة؛ فإن استعملها أكلاً أو شرباً، ففضلته نجسة.

стр. 279

والفأرة من المباح أكله، ففضلتها طاهرة، إن لم تصل للنجاسة، ولو شكاً؛ لأن شأنها استعمال النجاسة كالدجاج. بخلاف الحمام، فلا يحكم بنجاسة فضلته، إلا إذا تحقق أو ظن استعمالها للنجاسة. ومن الطاهر: مرارة المذكَّى غير محرم الأكل من مباح أو مكروه. والمراد بها: الماء الأصفر الكائن في الجلدة المعلومة للحيوان. ومنه: القَلَس: وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها. والقيء طاهر ما لم يتغير عن حالة الطعام بحموضة أو غيرها، فإن تغير فنجس. ومنه: المسك وفأرته: وهي الجلدة المتكون فيها. وكذا الخمر إذا خلل بفعل فاعل أو حُجِّر أي صار كالحجر في اليبس أو تخلل بنفسه أو تحجَّر بنفسه، ويطهر معه وعاؤه وما وقع فيه. ومنه: زرع سقي بنجس، لكن يغسل ظاهره المتنجس. ومن الطاهر: رماد النجس، كالزبل والروث النجسين، والوقود المتنجس فإنه يطهر بالنار. وكذا دخان النجس طاهر على المعتمد. ومنه: الدم غير المسفوح، أي الجاري من المذكى: وهو الباقي بالعروق، أو في قلب الحيوان، أو ما يرشح من اللحم؛ لأنه كجزء المذكى، وكل مذكى وجزئه طاهر. لكن ما بقي على محل الذبح هو من باقي المسفوح،: نجس، وكذا ما يوجد في بطن المذبوح من الدم بعد السلخ: نجس، لأنه جرى من محل الذبح إلى البطن، فهو من المسفوح. وقال الشافعية (١): الحيوان كله طاهر إلا الكلب والخنزير وفرع كل منهما، والجماد كله طاهر إلا المسكر.

стр. 280

والعلقة (دم غليظ) والمضغة (لحمة صغيرة) ورطوبة الفرج (وهي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق) من كل حيوان طاهر، ولو غير مأكول، من آدمي أو غيره: طاهرة. ومن الطاهر: لبن المأكول، ولو ذكراً صغيراً ميتاً، وإنفحته (١) إن أُخذت منه بعد ذبحه، ولم يطعم غير لبن ولو نجساً. ومترشح كل حيوان طاهر كعرق ولعاب ومخاط وبلغم، إلا المتيقن خروجه من المعدة. وماء قروح ونَفَط (بثور) لم يتغير، والبيض المأخوذ من حيوان طاهر ولو من ميتة إن كان متصلباً، ولو من غير مأكول، ولو استحالت البيضة دماً، وبزر القز: وهو البيض الذي يخرج منه دود القز. ومنه ميتة الحيوان البحري وإن لم يسمَّ سمكاً إلا التمساح والضفدع والحية فإنها نجسة. أما ميتة الجراد فهي طاهرة، وأما ميتة غيره من الحيوان البري الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث فهي نجسة. ومنه: المسك وفأرته المنفصلة في حياته، أو بعد ذكاته. ومنه: الزَّبَاد (نوع من الطيب يؤخذ من حيوان كالسنور) لا ما فيه من شعر السنور البري، والعنبر (هو نبت أو روث بحري وهو الطيب المعروف) وإن ابتلعه حوت، ما لم يستحل. ومن الطاهر إجماعاً كما بينت: شعر أو صوف أو ريش أو وبر الحيوان المأكول، ولو أخذ نتفاً بعد التذكية، أو في حال الحياة. أما لو أخذ بعد الموت فنجس، كما أن الشعر المجزوز من حيوان غير مأكول: نجس كميتته. ويعفى عن قليل من دخان النجاسة، وعن اليسير عرفاً من شعر نجس من غير كلب أو خنزير، كما يعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الاحتراز عنه. ويعفى عن روث سمك في ماء ما لم يغيره لتعذر الاحتراز عنه. ويعفى

стр. 281

عن قليل بخار النجاسة المتصاعد بواسطة نار نجس. أما البخار الخارج من نجاسة الكنيف، والريح الخارج من الدبر، فطاهر. والثمر والشجر والزرع النابت من نجاسة، أو سقيت بماء نجس: طاهر، لكن يطهر ظاهر الزرع النابت على نجاسة بالغسل. وقال الحنابلة (١): الطاهر: دم عِرْق مأكول بعدما يخرج بالذبح، وما في خلال اللحم؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ودم السمك وبوله؛ لأنه لو كان نجساً لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، ولأنه يستحيل ماء، ولأنه كالكبد. ودم الشهيد، ولو كثر إذا لم ينفصل عنه. ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما لا نفس له سائلة. والكبد والطحال من مأكول. لحديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان». ودود القز وبزره. والمسك وفأرته (سرة الغزال). والعنبر (٢)، لما ذكر البخاري عن ابن عباس: «العنبر شيء دسره البحر» أي دفعه ورمى به، وهو الطيب المعروف. وما يسيل من فم وقت النوم، والبخار الخارج من الجوف، لأنه لا تظهر له صفة بالمحل، ولا يمكن التحرز منه.

стр. 282

والبلغم ولو أزرق، وسواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة، لأن النبي ﷺ فيما يرويه مسلم أشار بمسحه في الثوب أثناء الصلاة. وبول ما يؤكل لحمه، أما العلقة التي يخلق منها الآدمي أو يخلق منها حيوان طاهر، فإنها نجسة؛ لأنها دم خارج من الفرج. وكذلك البيضة المذرة (أي الفاسدة) أو البيضة التي صارت دماً: نجسة، لأنها أي الأخيرة في حكم العلقة. ومن الطاهر: الدم والعرق واللعاب والمخاط من حيوان يؤكل، أو من غيره إذا كان مثل الهر أو الفأر أو أقل منه، وألا يكون متولداً من النجاسة. ومنه: ميتة الحيوان البحري، وإن لم يسم سمكاً، إلا التمساح والضفدع والحية، فإنها نجسة، كما قال الشافعية. كما أن ميتة الحيوان البري ما عدا الجراد الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث نجسة، كما قال الشافعية. ومن الطاهر: الشعر ونحوه من كل حيوان مأكول اللحم حياً كان أو ميتاً، أو من غير مأكول اللحم إذا كان قدر الهر فأقل، ولم يتولد من نجاسة، لكن أصول الشعر والريش نجسة مطلقاً.

стр. 283

الفَصْلُ الثَّاني: النَّجاسة وفيه مباحث أربعة: المبحث الأول - أنواع النجاسة إجمالاً وحكم إزالتها: النجاسة: ضد الطهارة، والنَّجَس ضد الطاهر، والأنجاس جمع نَجِس: وهو اسم لعين مستقذرة شرعاً. ويطلق على النجس الحكمي والحقيقي. ويختص الخبث بالحقيقي، ويختص الحدث بالحكمي. والنجس بفتح الجيم: اسم، وبكسرها صفة. وتنقسم النجاسة إلى قسمين: حقيقية، وحكمية. فالنجاسة الحقيقية: هي لغة: العين المستقذرة كالدم والبول والغائط، وشرعاً: هي مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص. والنجاسة الحكمية: هي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص. ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء، والحدث الأكبر (الجنابة) الذي يزول بالغسل. والنجاسة الحقيقية أنواع: إما مغلظة أو مخففة، وإما جامدة أو مائعة، وإما مرئية أو غير مرئية.

стр. 284

وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها: عن الثوب والبدن والمكان للمصلي: فواجب عند جمهور الفقهاء غير المالكية، لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر:٤/ ٧٤]. وهناك قولان مشهوران في مذهب مالك (١): الوجوب والسنية، وذلك حالة التذكر والقدرة والتمكن، والمعتمد المشهور هو السنية، إلا أن فروع المذهب بنيت على قول الوجوب، فإن صلى المرء بالنجاسة عامداً قادراً على إزالتها، أعاد صلاته أبداً، وجوباً، لبطلانها. وعلى القول المشهور بأن إزالة النجاسة سنة إن ذكر وقدر، تندب الإعادة، وعلى كلا القولين: تندب الإعادة للناسي، وغير العالم بوجود النجاسة، والعاجز عن إزالتها. ويشمل هذا المبحث المطلبين الآتيين: المطلب الأول - النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها: أولاً - النجاسات المتفق عليها في المذاهب: أجمع الفقهاء على نجاسة الأنواع التالية (٢): ١ - لحم الخنزير: وإن كان بذبحه شرعاً؛ لأنه بالنص القرآني نجس العين، فيكون لحمه وجميع أجزائه من شعر وعظم وجلد ولو مدبوغ نجساً. والمعتمد عند المالكية: أن الخنزير الحي وعرقه ودمعه ومخاطه ولعابه طاهر.

стр. 285

٢ - الدم: دم الآدمي غير الشهيد ودم الحيوان غير المائي، الذي انفصل منه حياً أو ميتاً، إذا كان مسفوحاً (جارياً) كثيراً. فيخرج دم الشهيد ما دام عليه، ودم السمك ودم الكبد والطحال والقلب، وما يبقى في عروق الحيوان بعد الذح ما لم يسل، ودم القمل والبرغوث والبق وإن كثر عند الحنفية. والدم المسفوح نجس ولو كان عند المالكية والشافعية من سمك وذباب وقراد. ويترتب على هذا الخلاف: أكل الفسيخ (السمك المملح) الذي يوضع بعضه على بعض، ويسيل دمه من بعضه إلى بعض، لا يؤكل منه عند الشافعية والراجح عند المالكية إلا الصف الأعلى أوالمشكوك في كونه من الأعلى أو من غيره. وأما عند الحنفية وابن العربي من المالكية: فيؤكل كله؛ لأن الخارج من السمك ليس بدم، بل رطوبة، وحينئذ فهو طاهر (١). ٣ - بول الآدمي وقيئه (٢) وغائطه: إلا بول الصبي الرضيع، فيكتفي برشه عند الشافعية والحنابلة مع أنه نجس. وكذلك بول الحيوان غير المأكول اللحم وغائطه وقيئه، إلا خرء الطيور وبول الفأر والخفاش عند الحنفية، لأن الفأر لا يمكن التحرز عنه، والخفاش يبول في الهواد، فيعفى عنهما في الثياب والطعام فقط دون ماء الأواني، وما اجتره الحيوانات نجس. ٤ - الخمر: نجسة عند أكثر الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ [المائدة ٩٠/ ٥] وقال بعض المحدثين بطهارتها. والخمر تشمل كل مسكر مائع عند الجمهور والمعتمد عند الحنفية.
следующие страницы →