← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عن قليل بخار النجاسة المتصاعد بواسطة نار نجس. أما البخار الخارج من نجاسة الكنيف، والريح الخارج من الدبر، فطاهر. والثمر والشجر والزرع النابت من نجاسة، أو سقيت بماء نجس: طاهر، لكن يطهر ظاهر الزرع النابت على نجاسة بالغسل. وقال الحنابلة (١): الطاهر: دم عِرْق مأكول بعدما يخرج بالذبح، وما في خلال اللحم؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ودم السمك وبوله؛ لأنه لو كان نجساً لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، ولأنه يستحيل ماء، ولأنه كالكبد. ودم الشهيد، ولو كثر إذا لم ينفصل عنه. ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما لا نفس له سائلة. والكبد والطحال من مأكول. لحديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان». ودود القز وبزره. والمسك وفأرته (سرة الغزال). والعنبر (٢)، لما ذكر البخاري عن ابن عباس: «العنبر شيء دسره البحر» أي دفعه ورمى به، وهو الطيب المعروف. وما يسيل من فم وقت النوم، والبخار الخارج من الجوف، لأنه لا تظهر له صفة بالمحل، ولا يمكن التحرز منه.

стр. 282

والبلغم ولو أزرق، وسواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة، لأن النبي ﷺ فيما يرويه مسلم أشار بمسحه في الثوب أثناء الصلاة. وبول ما يؤكل لحمه، أما العلقة التي يخلق منها الآدمي أو يخلق منها حيوان طاهر، فإنها نجسة؛ لأنها دم خارج من الفرج. وكذلك البيضة المذرة (أي الفاسدة) أو البيضة التي صارت دماً: نجسة، لأنها أي الأخيرة في حكم العلقة. ومن الطاهر: الدم والعرق واللعاب والمخاط من حيوان يؤكل، أو من غيره إذا كان مثل الهر أو الفأر أو أقل منه، وألا يكون متولداً من النجاسة. ومنه: ميتة الحيوان البحري، وإن لم يسم سمكاً، إلا التمساح والضفدع والحية، فإنها نجسة، كما قال الشافعية. كما أن ميتة الحيوان البري ما عدا الجراد الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث نجسة، كما قال الشافعية. ومن الطاهر: الشعر ونحوه من كل حيوان مأكول اللحم حياً كان أو ميتاً، أو من غير مأكول اللحم إذا كان قدر الهر فأقل، ولم يتولد من نجاسة، لكن أصول الشعر والريش نجسة مطلقاً.

стр. 283

الفَصْلُ الثَّاني: النَّجاسة وفيه مباحث أربعة: المبحث الأول - أنواع النجاسة إجمالاً وحكم إزالتها: النجاسة: ضد الطهارة، والنَّجَس ضد الطاهر، والأنجاس جمع نَجِس: وهو اسم لعين مستقذرة شرعاً. ويطلق على النجس الحكمي والحقيقي. ويختص الخبث بالحقيقي، ويختص الحدث بالحكمي. والنجس بفتح الجيم: اسم، وبكسرها صفة. وتنقسم النجاسة إلى قسمين: حقيقية، وحكمية. فالنجاسة الحقيقية: هي لغة: العين المستقذرة كالدم والبول والغائط، وشرعاً: هي مستقذر يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص. والنجاسة الحكمية: هي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص. ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء، والحدث الأكبر (الجنابة) الذي يزول بالغسل. والنجاسة الحقيقية أنواع: إما مغلظة أو مخففة، وإما جامدة أو مائعة، وإما مرئية أو غير مرئية.

стр. 284

وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها: عن الثوب والبدن والمكان للمصلي: فواجب عند جمهور الفقهاء غير المالكية، لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر:٤/ ٧٤]. وهناك قولان مشهوران في مذهب مالك (١): الوجوب والسنية، وذلك حالة التذكر والقدرة والتمكن، والمعتمد المشهور هو السنية، إلا أن فروع المذهب بنيت على قول الوجوب، فإن صلى المرء بالنجاسة عامداً قادراً على إزالتها، أعاد صلاته أبداً، وجوباً، لبطلانها. وعلى القول المشهور بأن إزالة النجاسة سنة إن ذكر وقدر، تندب الإعادة، وعلى كلا القولين: تندب الإعادة للناسي، وغير العالم بوجود النجاسة، والعاجز عن إزالتها. ويشمل هذا المبحث المطلبين الآتيين: المطلب الأول - النجاسات المتفق عليها والمختلف فيها: أولاً - النجاسات المتفق عليها في المذاهب: أجمع الفقهاء على نجاسة الأنواع التالية (٢): ١ - لحم الخنزير: وإن كان بذبحه شرعاً؛ لأنه بالنص القرآني نجس العين، فيكون لحمه وجميع أجزائه من شعر وعظم وجلد ولو مدبوغ نجساً. والمعتمد عند المالكية: أن الخنزير الحي وعرقه ودمعه ومخاطه ولعابه طاهر.

стр. 285

٢ - الدم: دم الآدمي غير الشهيد ودم الحيوان غير المائي، الذي انفصل منه حياً أو ميتاً، إذا كان مسفوحاً (جارياً) كثيراً. فيخرج دم الشهيد ما دام عليه، ودم السمك ودم الكبد والطحال والقلب، وما يبقى في عروق الحيوان بعد الذح ما لم يسل، ودم القمل والبرغوث والبق وإن كثر عند الحنفية. والدم المسفوح نجس ولو كان عند المالكية والشافعية من سمك وذباب وقراد. ويترتب على هذا الخلاف: أكل الفسيخ (السمك المملح) الذي يوضع بعضه على بعض، ويسيل دمه من بعضه إلى بعض، لا يؤكل منه عند الشافعية والراجح عند المالكية إلا الصف الأعلى أوالمشكوك في كونه من الأعلى أو من غيره. وأما عند الحنفية وابن العربي من المالكية: فيؤكل كله؛ لأن الخارج من السمك ليس بدم، بل رطوبة، وحينئذ فهو طاهر (١). ٣ - بول الآدمي وقيئه (٢) وغائطه: إلا بول الصبي الرضيع، فيكتفي برشه عند الشافعية والحنابلة مع أنه نجس. وكذلك بول الحيوان غير المأكول اللحم وغائطه وقيئه، إلا خرء الطيور وبول الفأر والخفاش عند الحنفية، لأن الفأر لا يمكن التحرز عنه، والخفاش يبول في الهواد، فيعفى عنهما في الثياب والطعام فقط دون ماء الأواني، وما اجتره الحيوانات نجس. ٤ - الخمر: نجسة عند أكثر الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ [المائدة ٩٠/ ٥] وقال بعض المحدثين بطهارتها. والخمر تشمل كل مسكر مائع عند الجمهور والمعتمد عند الحنفية.

стр. 286

٥ - القيح: وهو دم فاسد، لا يخالطه دم، وهو نجس لأنه دم مستحيل. ومثله الصديد: وهو ماء رقيق يخالطه دم. والنجس منهما: هو الكثير، ويعفى عن القليل. ٦ - المَذْي والوَدْي: والمذي هو ماء أبيض رقيق يخرج عند ثوران الشهوة أو تذكرالجماع بلا تدفق، وهو نجس للأمر بغسل الذكر منه والوضوء في حديث علي ﵁، قال: «كنت رجلاً مذَّاء، فاستَحَيْت أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: فيه الوضوء، والمسلم: يغسل ذكره ويتوضأ» (١). والوَدْي: ماء أبيض كدر ثخين يخرج عقب البول، أوعند حمل شيء ثقيل. وهو نجس؛ لأنه يخرج مع البول أو بعده، فيكون له حكمه (٢). والرمل أو الحصاة التي تخرج عقب البول: إن أخبر طبيب عدل بأنها منعقدة من البول فهي نجسة، وإلا فهي متنجسة تطهر بالغسل (٣). ٧ - لحم ميتة الحيوان غير المائي الذي له دم سائل، مأكول اللحم أو غير المأكول، كالكلب والشاة والهرة والعصفور ونحوها. ومثله: جلد الميتة إن لم يدبغ. هذا عند الحنفية. وقال غيرهم: ميتة غير الآدمي يجميع أجزائها من عظم وشعر وصوف ووبر وغير ذلك نجسة، لأن كلاً منها تحله الحياة.

стр. 287

٨ - لحوم الحيوان غير المأكول، وألبانه ؛ لأنها متولدة من اللحم فتأخذ حكمه. ٩ - الجزء المنفصل أو المقطوع من الحي في حال حياته كاليد والألية، إلا الشعر وما في معناه كالصوف والوبر والريش، لقوله ﷺ : «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو - أي المقطوع - ميت» (١). ثانياً - النجاسات المختلف فيها: اختلف الفقهاء في حكم نجاسة بعض الأشياء: ١ - الكلب: الأصح عند الحنفية، أن الكلب ليس بنجس العين؛ لأنه ينتفع به حراسة واصطياداً، أما الخنزير فهو نجس العين، لأن الهاء في الآية القرآنية: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام ٦/ ١٤٥] منصرف إليه، لقربه. وفم الكلب وحده أو لعابه ورجيعه هو النجس، فلا يقاس عليه بقية جسمه، فيغسل الإناء سبعاً بولوغه فيه (٢)، لقوله ﷺ : «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» ولأحمد ومسلم: «طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (٣). وقال المالكية (٤): الكلب مطلقاً سواء أكان مأذوناً في اتخاذه ككلب الحراسة والماشية، أم لا، طاهر، والولوغ لا غيره كما لو أدخل رجله أو لسانه بلا تحريك،

стр. 288

أوسقط لعابه، هو الذي يغسل من أجله تعبّداً سبع مرات، على المشهور عندهم. وقال الشافعية والحنابلة (١): الكلب والخنزير وما تولد منهما من الفروع وسؤره وعرقه نجس ويغسل ما تنجس منه سبع مرات إحداهن بالتراب، لأنه إذا ثبتت نجاسة فم الكلب بنص الحديث السابق: «طهور إناء أحدك … »، والفم أطيب أجزائه، لكثرة ما يلهث، فبقيته أولى. وفي حديث آخر رواه الدارقطني والحاكم: «أنه ﷺ دعي إلى دار قوم، فأجاب، ثم دعي إلى دار أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: إن في دار فلان كلباً، قيل له: وإن في دار فلان هرة، فقال: إن الهرة ليست بنجسة» فأفهم أن الكلب نجس. ٢ - ميتة الحيوان المائي، والحيوان الذي لا دم له سائل: اتفق أئمة المذاهب على طهارة ميتة الحيوان المائي إذا كان سمكاً ونحوه من حيوان البحر، لقوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» (٢) ولقوله ﵇ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٣). واختلف الفقهاء في ميتة الحيوان الذي لا دم له سائل، وعباراتهم في الميتة مطلقاً ما يأتي:

стр. 289

قال الحنفية (١): موت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده أي لا ينجسه، كالسمك واضفدع والسرطان، لكن لحم الميتة ذات الدم السائل وجلدها قبل الدبغ نجس. وما لا دم له سائل إذا وقع في الماء لا ينجسه كابق والذباب والزنابير والعقرب ونحوها، لحديث الذباب: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمسه، ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر شفاء» (٢) وبه يتبين أن ميتة الحيوان المائي وما لا دم له طاهرة عند الحنفية. ومثلهم قال المالكية (٣): ميتة البحر وما لا دم له طاهرة. وقال الشافعية والحنابلة (٤): ميتة السمك والجراد ونحوهما من حيوان البحر طاهرة، وأما ميتة ما لا دم له سائل كالذباب والبق والخنافس والعقارب والصاصر ونحوها، فهي نجسة عند الشافعية، طاهرة عند الحنابلة، وميتة حيوان البحر الذي يعيش في البر كالضفدع والتمساح والحية، نجسة عند الشافعية والحنابلة. إلا أن الشافعية قالوا: ميتة دود نحو خل وتفاح نجسة، لكن لا تنجسه لعسر الاحتراز عنها، ويجوز أكله معه، لعسر تمييزه. وقال الحنابلة: ما لا نفس (دم) له سائلة: إن تولد من الطاهرات فهو طاهر حياً وميتاً، وأما إن تولد من النجاسات كدود الحَشّ (البستان) وصراصره فهو نجس، حياً وميتاً؛ لأنه متولد من النجاسة، فكان نجساً كولد الكلب والخنزير.

стр. 290

والخلاصة: أن ميتة الحيوان المائي وما لا دم له طاهرة عند الفقهاء إلا الشافعية فيقولون بنجاسة ميتة ما لا دم له سائل، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة ٣/ ٥] والميتة عند الشافعية: مازالت حياته، لابذكاة شرعية، كذبيحة المجوسي، والمُحرم (بضم الميم)، وماذبح بالعظم، وغيرالمأكول إذا ذبح. وكذلك قال المالكية: جميع ما ذكِّي (ذبح) بذبح أونحر أوعقرمن غيرمحرم الأكل طاهر، أما ماحرم أكله كالحميروالبغال، والخيل عندهم، فإن الذكاة لاتعمل فيه وكذا الكلب والخنزير لاتعمل فيه. وكذا الكلب والخنزير لاتعمل فيهما الذكاة، فميتة ماذكر نجسة. ٣ - أجزاءالميتة الصلبة التي لادم فيها: كالقرن والعظم والسن ومنه عاج الفيل والحافر والخف والظلف والشعر والصوف والعصب والإنفحة (١) الصلبة: طاهرة ليست بنجسة عند الحنفية (٢)، لأن هذه الأشياء ليست بميتة؛ لأن الميتة من الحيوان شرعا: ما زالت حياته، لابصنع إنسان، أوبصنع غيرمشروع، ولاحياة في هذه الأشياء، فلا تكون ميتة. ولأن نجاسة الميتات لما فيها من الدماءالسائلة والرطوبات النجسة، ولم توجد في هذه الأشياء. وبناءعليه يكون الجزء المقطوع من هذه الأشياء في حال الحياة طاهراً. وأما الإنفحة المائعة واللبن فطاهران عندأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ [النحل ٦٦/ ١٦]. وقال الصاحبان - وقولهما هو

стр. 291

الأظهر -: هما نجسان؛ لأن اللبن وإن كان طاهراً بنفسه، لكنه صار نجساً لمجاورة النجس. وقال الجمهور غير الحنفية (١): أجزاء الميتة كلها نجسة، ومنها الإنفحة واللبن إلا إذا أخذا من الرضيع عند الشافعية؛ لأن كلاً منها تحلة الحياة، إلا أن الحنابلة قالوا: صوف الميتة وشعرها طاهر، لما رواه الدارقطني عن النبي ﷺ أنه قال: «لابأس بمسك الميتة إذا دبغ، وصوفها وشعرها إذا غسل» لكنه حديث ضعيف. كما أن المالكية استثنوا زغب الريش والشعر، فقالوا بطهارتهما، لأنه ليس بميتة، بخلاف العظم فإنه ميتة. ورجح بعض المالكية الكراهة التنزيهية لناب الفيل الميت المسمى بالعاج، وكذا قصب الريش من حي أو ميت: وهو الذي يكتنفه الزغب. والخلاصة: أن الفقهاء ما عدا الشافعية يقولون بطهارة شعر الميتة وصوفها وريشها. ٤ - جلد الميتة: قال المالكية والحنابلة في المشهور عندهم (٢): جلد الميتة نجس، دبغ أو لم يدبغ، لأنه جزء من الميتة، فكان محرماً لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة ٣/ ٥] فلم يطهر بالدبغ كاللحم، وللأحاديث النبوية الواردة في ذلك، منها: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» (٣)، ومنها كتابه ﷺ إلى جهينة: «إني كنت

стр. 292

رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولاعصب» (١) وفي لفظ: «أتانا كتاب رسول االله ﷺ قبل وفاته بشهر أو شهرين» وهو ناسخ لما قبله، لأنه في آخر عمر النبي ﷺ . وتأول المالكية حديث «أيما إهاب - أي جلد - دبغ فقد طهر» بأنه في مشهور المذهب محمول على الطهارة اللغوية، لا الشرعية. ومثل ذلك: إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه، يكون جلده نجساً، دبغ أو لم يدبغ. وقال الحنفية والشافعية (٢): تطهر الجلود النجسة بالموت وغيره، كالمذبوح غير المأكول اللحم بالدباغ، لقوله ﷺ : «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (٣) ورواه مسلم بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» وهذا هو الراجح لصحة هذا الحديث، ولأن الدبغ يقطع الرطوبات ويزيل النجاسات، ويؤيده حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: «تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ ، فقال: هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة؟ قال: إنما حرم أكلها». وفي لفظ، قال: «يُطَهِّرها اماء والقَرَظ» قال النووي في شرح مسلم: يجوز

стр. 293

الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشَّت (من جواهر الأرض يشبه الزاج) والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس إلا عند الحنفية، ولا بالتراب والرماد والملح على الأصح. أي أن الحنفية يجيزون الدبغ الحقيقي بمواد كيماوية، والدبغ الحكمي كالتتريب والتشميس؛ لأن كل ذك مجفف قالع مطهر، كما قدمنا سابقاً. ٥ - بول الصبي الرضيع الذي لم يطعم غير اللبن: قرر الشافعية والحنابلة (١): أن ما تنجس ببول أو قيء صبي لم يَطْعم (يتناول قبل مضي حولين) غير لبن للتغذي (لا تحنيكه بنحو تمر حين الولادة)، ينضح، أما الطفلة الصبية والخنثى فلا بد من غسل موضع بولهما، بإسالة الماء عليه، عملاً بالأصل في نجاسة الأبوال. واستثناء الصبي بسبب كثرة حمله على الأيدي، مأخوذ من خبر الشيخين: عن أم قيس بنت مِحْصَن أنها: «أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله ﷺ في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله» ولخبر الترمذي وحسنه: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» (٢) وفرّق بينهما بأن الائتلاف بحمل الصبي أكثر، فخفف في بوله، وبأن بوله أرقّ من بولها، فلا يلصق بالمحل لصوق بولها به، وألحق بها الخنثى. وهذا الرأ ي هو الراجح، لصحة الحديث الخاص والوار فيه، فيقدم على الحديث العام الآمر بالاستنزاه من البول.

стр. 294

وقرر الحنفية والمالكية (١): نجاسة بول أو قيء الصبي والصبية، ووجوب الغسل منه، عملاً بعموم الأحاديث الآمرة بالاستنزاه من البول: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (٢). إلا أن المالكية قالوا: يعفى عما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط الطفل، سواء أكانت أماً أم غيرها، إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها حال نزولها، بخلاف المفرِّطة، لكن يندب لها غسله إن تفاحش. ٦ - بول الحيوان المأكول اللحم وفضلاته ورجيعه: هناك اتجاهان فقهيان: أحدهما القول بالطهارة، والآخر القول بالنجاسة، الأول للمالكية والحنابلة، والثاني للحنفية والشافعية. قال المالكية والحنابلة (٣): بول ما يؤكل لحمه من الحيوان كالإبل والبقر والغنم والدجاج والحمام وجميع الطيور، ورجيعه وفضلاته (روثه): شيء طاهر، واستثنى المالكية التي تأكل النجاسة أو تشربها، فتكون فضلته نجسة، كما أن ما يكون منها مكروهاً، أبوالها وأرواثها مكروهة. وهكذا فإن أبوال سائر الحيوانات تابعة للحومها، فبول الحيوان المحرم الأكل نجس، وبول الحلال طاهر، وبول المكروه مكروه.

стр. 295

ودليلهم على الطهارة: إباحته ﵊ للعُرَنيين شرب أبوال الإبل وألبانها (١)، ولأن إباحة الصلاة في مرابض الغنم دليل على طهارة أرواثها وأبوالها (٢). وقال الشافعية والحنفية (٣): البول والقيء والروث من الحيوان أو الإنسان مطلقاً نجس، لأمره ﷺ بصب الماء على بول الأعرابي في المسجد (٤)، ولقوله ﷺ في حديث القبرين: «أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول» (٥)، ولقوله ﷺ السابق: «استنزهوا من البول» وللحديث السابق: «أنه ﷺ لما جيء له بحجرين وروثة ليستنجي بها، أخذ الحجرين ورد الروثة، وقال: هذا ركس، والركس: النجس». والقيء وإن لم يتغير وهو الخارج من المعدة: نجس؛ لأنه من الفضلات المستحيلة كالبول. ومثله البلغم الصاعد من المعدة، نجس أيضاً، بخلاف النازل من الرأس أو من أقصى الحلق والصدر، فإنه طاهر. وأما حديث العرنيين وأمره ﵇ لهم بشرب أبوال الإبل، فكان للتداوي، والتداوي بالنجس جائز عند فقد الطاهر الذي يقوم مقامه.

стр. 296

إلا أن الحنفية فصلوا في الأمر، فقالوا: بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة مخففة، فتجوز الصلاة معه إذا أصاب المرء ما يبلغ ربع الثوب. وهو رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف. وأما روث الخيل وخِثْي البقر، فنجس نجاسة مغلظة عند أبي حنيفة مثل غير مأكول اللحم، لأنه ﷺ رمى الروثة، وقال: هذا رجس أو ركس. ونجس عند الصاحبين نجاسة مخففة، فلا يمنع صحة الصلاة بالثوب المتنجس به حتى يصبح كثيراً فاحشاً، لأن للاجتهاد فيه مساغاً، ولأن فيه ضرورة لامتلاء الطرق به، ورأي الصاحبين هو الأظهر لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها. والكثير الفاحش: ما يستكثره الناس ويستفحشونه، كأن يبلغ ربع الثوب. وعلى هذا: يكون بول ما يؤكل لحمه، ورجيع (نجو) الكلب، ورجيع ولعاب سباع البهائم كالفهد والسبع والخنزير، وخرء الدجاج والبط والأوز لنتنه، من النجاسة الغليظة بالاتفاق، ويعفى قدر الدرهم منها. وبول الفرس، وبول ما يؤكل لحمه، وخرء طير لا يؤكل كالصقر والحدأة في الأصح لعموم الضرورة، من النجاسة الخفيفة، ويعفى منها ما دون ربع الثوب، أو البدن أي ما دون ربع العضو المصاب كاليد والرجل إن كان بدناً. وأما الربع فأكثر فهو كثير فاحش. وأما خرء الطير المأكول اللحم الذي يذرق (أو يزرق) في الهواء، كالحمام، فهو طاهر عند الحنفية، لعموم البلوى به بسبب امتلاء الطرق والخانات بها. كما أن الإمام محمد حكم آخراً بطهارة بول ما يؤكل لحمه ومنه الفرس، وقال: لا يمنع الروث وإن فحش، لما رأى من بَلْوى الناس من امتلاء الطرق والخانات بها، لما

стр. 297

دخل الرِّي مع الخليفة. وقاس المشايخ عليه طين بخارى؛ لأن ممشى الناس والدواب واحد (١). وهذا يتفق مع رأي مالك وأحمد. وقال الشافعية (٢): يعفى عن ذرق الطير إذا كثر لمشقة الاحتراز عنه. وأرى الأخذ بالأيسر في هذه الأمور ما لم يكثر النجس. ٧ - المني: وهو ما يخرج عند اللذة الكبرى عند الجماع ونحوه. وفي نجاسته وطهارته رأيان إن كان من الآدمي. وأما مني غير الآدمي فهو نجس عند الحنفية والمالكية، طاهر عند الحنابلة إن كان من مأكول اللحم، والأصح عند الشافعية: طهارة مني غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما. وفي مني الآدمي: قال الحنفية والمالكية (٣): المني نجس يجب غسل أثره، إلا أن الحنفية قالوا: يجب غسل رَطْبه، فإذا جف على الثوب، أجزأ فيه الفرك. وأطلق المالكية الحكم بنجاسة المني ولو من مباح الأكل للاستقذار والاستحالة إلى فساد، ولأن أصله دم، ولا يلزم من العفو عن أصله العفو عنه، أي لا يلزم من العفو عن يسير الدم: (وهو دون الدرهم) العفو عن يسير المني، إذ ليس ما ثبت لأصل يثبت لفرعه. ودليلهم حديث عائشة: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان

стр. 298

- يابساً، وأغسله إذا كان رطباً» (١). وفي رواية البخاري ومسلم من حديث عائشة: أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ ، فيخرج، فيصلي، وأنا أنظر إلى بُقع الماء في ثوبه. ولأنه شبيه بالأحداث الخارجة من البدن، مما يدل على كونه نجساً. وقال الشافعية على الأظهر، والحنابلة (٢): المني طاهر ويستحب غسله أو فركه إن كان مني رجل، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها «أنها كانت تُحكَّ المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يصلي فيه» (٣). وفي رواية «كنت أحكه من ثوبه وهو يصلي فيه» (٤). وقال ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة أو خرقة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق» (٥). ويختلف عن البول والمذي بأنه بدء خلق آدمي. ورجح الشوكاني نجاسة المني فقال: «فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة» (٦) أي بالغسل أو المسح أو الفرك. وأرجح القول بطهارته حتى لا يلزم منه القول بنجاسة أصل الإنسان، وتيسيراً على الناس، لكن يزال أثره ندباً، اتباعاً للسنة النبوية.

стр. 299

ويلاحظ أن الحكم بطهارة المني مشروط بألا يسبقه المذي الذي يخرج عادة عند ثورة الشهوة، وبأن يكون العضو مغسولاً مسبقاً بالماء، فإن كان عليه أثر بول بتنشيفه بالورق كما عليه حال كثير من الناس اليوم، فإن المني يتنجس بسبب ما يختلط به من البول. والأولى تخصيص إزار (لباس) لحالات الجماع خروجاً من الخلاف. ٨ - ماء القروح: عدَّ الحنفية والمالكية (١) من النجاسات: القيح (وهو المِدَّة الخاثرة تخرج من الدمل) والصديد (وهو الماء الرقيق من المِدَّة، الذي قد يخالطه دم)، وماء القروح (المصل الأبيض): وهو كل ما سال من الجرح من نَفَط نار، أو جَرب أو حكة أو غير ذلك، لكن يعفى عن قليل الصديد والقيح كالدم. واتفق الشافعية والحنابلة (٢) مع بقية الأئمة في الحكم بنجاسة القيح والصديد، لكن قرر الحنابلة أنه يعفى عن يسير دم وما تولد منه من قيح وغيره كصديد، وماء قروح، في غير مائع ومطعوم؛ لأن الإنسان غالباً لا يسلم منه، ولأنه يشق الاحتراز عنه، كأثر الاستجمار. وأما المائع والمطعوم فلا يعفى عن شيء من ذلك. وقدر اليسير المعفو عنه: هو الذي لم ينقض الوضوء، أي ما لا يفحش في النفس، ويعفى من القيح ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم. والمعفو عنه إذا كان من حيوان طاهر من آدمي من غير سبيل، فإن كان من سبيل لم يعف عنه.

стр. 300

والمذهب قطعاً عند الشافعية: طهارة دم البَثَرات (خرَّاج صغير) ودم البراغيث وونيم الذباب، وماء القروح والنفاطات (أي الحروق) أو المتنفِّط الذي له ريح، أو لا ريح له في الأظهر، وموضع الفصد والحجامة، قليلاً كان أو كثيراً. والأظهر العفو عن قليل دم الأجنبي، أي عن دم الإنسان المنفصل عنه ثم العائد إليه. ٩ - الآدمي الميت، وما يسيل من فم النائم: عرفنا في أنواع المطهرات في الآدمي الميت قولين (١): قول الحنفية: إنه ينجس عملاً بفتوى بعض الصحابة (ابن عباس وابن الزبير) كسائر الميتات. وقول جمهور العلماء: إنه طاهر، لقوله ﷺ : «إن المسلم لا ينجس». وأما الماء السائل من فم النائم وقت النوم فهو طاهر كما صرح الشافعية والحنابلة (٢)، إلا أن الشافعية والمالكية قالوا: إن كان من المعدة كأن خرج منتناً بصفرة فنجس كالبلغم الصاعد من المعدة، فإن كان من غيرها أو شك في أنه منها أو لا، فإنه طاهر. وعد المالكية (٣) من الطاهر: القَلَس، وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها، ما لم يشابه في التغير أحد أوصاف العَذِرة.

стр. 301

المطلب الثاني - أنواع النجاسة الحقيقية: للنجاسة الحقيقية تقسيمات عند الحنفية هي ما يأتي: التقسيم الأول - تقسيم النجاسة إلى مغلظة ومخففة (١): النجاسة المغلظة: ما ثبتت بدليل مقطوع به، كالدم المسفوح والغائط، والبول من غير مأكول اللحم، ولو من صغير لم يطعم، والخمر (٢)، وخُرْء طير لايزرق في الهواء كدجاج وبط وإوز، ولحم الميتة وإهابها، ونجو (قذر) الكلب، ورجيع السباع ولعابها، والقيء ملء الفم، وكل ما ينقض الوضوء إذا خرج من الإنسان كالعذرة والمني والمذي والدم السائل. ويعفى منها في الصلاة مقدار الدرهم فما دونه: (وهو الدرهم الكبير المثقال، وفي المساحة: قدر عرض الكف في الصحيح)؛ لأن القليل لا يمكن التحرز عنه، وقدر القليل بالدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء، فإن زادت النجاسة عن الدرهم لم تجز الصلاة. والنجاسة المخففة: وهي ماتثبت بدليل غير مقطوع به، كبول مايؤكل لحمه، ومنه الفرس، وخرء طير لايؤكل، أما نجاسة البعر (للإبل والغنم) والروث (للفرس والبغل والحمار) والخِثْي (للبقر) فهي غليظة عند أبي حنيفة، وقال الصاحبان: خفيفة، ورأيهما هو الأظهر، لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها، وطهرها محمد آخراً، وقال: لايمنع الروث وإن فحش. وفي عصرنا في الطرق المعبدة تعتبر النجاسة مخففة.

стр. 302

ويعفى من النجاسة المخففة في الصلاة: مقدار ربع جميع الثوب، إن كان المصاب ثوباً، وربع العضو المصاب كاليد والرجل، إن كان المصاب بدناً. وهذا التقديرمراعى فيه التيسير على الناس، سيما من لا رأي له من العوام. التقسيم الثاني - تقسيم النجاسة إلى جامدة ومائعة: النجاسة الجامدة: كالميتة والغائط. والمائعة: كالبول والدم المسفوح والمذي. التقسيم الثالث - تقسيم النجاسة إلى مرئية وغير مرئية (١): المرئية أو العينية: ما يكون مرئياً بالعين بعد الجفاف كالعذرة والدم، وطهارة النجاسة المرئية تكون بزوال عينها ولو بمرة على الصحيح؛ لأن النجاسة حلت المحل، باعتبار العين (الجِرْم)، فتزول بزوالها. وغير المرئية أو غير العينية: ما لا يكون مرئياً بعد الجفاف كالبول ونحوه، أي مالا تكون ذاته مشاهدة بحس البصر. وطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أن المحل قد طهر، وقدر ذلك لموسوس بثلاث مرات؛ لأن التكرار لا بد منه لاستخراج النجاسة، وإذا لم يقطع بزواله، فالمعتبر غالب الظن، كما في أمر الاجتهاد في القِبْلة، ولا بد من العَصْر في كل مرة، في ظاهر الرواية، لأنه هو المستخرِج. النجاسات عند غير الحنفية: يلاحظ أن هذه التقسيمات معروفة عند غير الحنفية، وأضاف إليها المالكية

стр. 303

تقسيماً آخر عندهم وهو: النجاسة المجمع عليها في المذهب، والمختلف فيها في المذهب (١). والنجاسات المجمع عليها في المذهب: ثماني عشرة: بول ابن آدم الكبير، ورجيعه، والمذي، والودي، ولحم الميتة، والخنزير وعظمهما، وجلد الخنزير مطلقاً، وجلد الميتة إن لم يدبغ، وما قطع من الحي في حال حياته إلا الشعر وما في معناه، ولبن الخنزيرة، والمسكر، وبول الحيوان المحرم الأكل، ورجيعه، والمني، والدم الكثير، والقيح الكثير، والأصح أن كل حي ولو كلباً أو خنزيراً طاهر، وكذا عرقه في المعتمد عند المالكية. والنجاسات المختلف فيها في المذهب المالكي ثماني عشرة: بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، وبول الحيوان المكروه الأكل، وجلد الميتة إذا دبغ، وجلد المذكى المحرم الأكل، ولحمه، وعظمه، ورماد الميتة، وناب الفيل، ودم الحوت، والذباب، والقليل من دم الحيض، والقليل من الصديد، ولعاب الكلب، ولبن مالايؤكل لحمه غير الخنزير، ولبن مستعمل النجاسة، وعرق مستعمل النجاسة، وشعر الخنزير، والخمر إذا خللت. وتظهر ثمرة هذه التقسيمات في كيفية التطهير، وفي المقدار المعفو عنه. المبحث الثاني - المقدار المعفو عنه من النجاسة للفقهاء تقديرات للمعفو عنه من النجاسات لا مانع في تقديري من الأخذ بها دفعاً للحرج ومراعاة اليسر، وأهمها في كل مذهب ما يأتي:

стр. 304

١ - مذهب الحنفية (١): حددوا المعفو عنه بحسب نوع النجاسة مغلظة أو مخففه: يعفى من النجاسة المغلظة أو المخففه: القدر القليل، دون الكثير، وقدروا القليل في النجاسة الجامدة المغلظة: بما دون الدرهم (٩٧٥،٢ غم): وهو ما يزن عشرين قيراطاً، وبما دون مقعر الكف في النجاسة المائعة. وتكره الصلاة تحريماً في المشهور بالقدر القليل من النجاسة، مع كونه معفواً عنه. والقليل من النجاسة المخففة في الثياب: ما دون ربع الثوب، وفي البدن: مادون ربع العضو المصاب كاليد والرجل. كما يعفى عن القليل من بول أو خرء الهرة والفأرة، في الطعام والثياب للضرورة. وعن انتضاح غسالة لا تظهر مواقع قطرها في الإناء، وعن رشاش بول، كرؤوس الإبر، للضرورة، وإن امتلأ منه الثوب والبدن، لكن لو وقع في ماء قليل نجَّسه في الأصح، لأن طهارة الماء آكد، ومثله الدم الذي يصيب الجزار، وأثر الذباب الذي وقع على نجاسة. ومثله أيضاً روث الحمار وخِثْي البقر والفيل في حالة الضرورة والبلوى. ويعفى عما لا يمكن الاحتراز أو الامتناع عنه من غسالة الميت ما دام في تغسيله، لعموم البلوى. كما يعفى عن طين الشوارع، إلا إذا علم عين النجاسة للضرورة. ويعفى عن الدم الباقي في عروق الحيوان المذكى (المذبوح) لتعذر الاحتراز عنه، وعن دم الكبد والطحال والقلب، لأنه دم غير مسفوح، وعن الدم الذي لا

стр. 305

ينقض الوضوء في الصحيح، وعن دم البق والبراغيث والقمل وإن كثر، وعن دم السمك في الصحيح وعن لعاب البغل والحمار، والمذهب طهارته، وعن دم الشهيد في حقه وإن كان مسفوحاً. ويعفى للضرورة عن بخار النجس وغباره ورماد هـ لئلا يحكم بنجاسة الخبز في سائر الأمصار، وعن ريح هبت على نجاسة فأصابت الريح الثوب، إلا إذا ظهر أثر النجاسة في الثوب. ويعفى عن بعر الإبل والغنم إذا وقع في البئر أو في الإناء ما لم يكثر كثرة فاحشة أو يتفتت، فيتلون به الماء. والقليل: هو ما يستقله الناظر إليه، والكثير: مايستفحشه الناظر إليه. وأما خرء الطيور المأكولة التي تذرق في الهواء، فهو طاهر، وإن لم تذرق فهو نجاسة مخففة. وهكذا فإن سبب العفو إما الضرورة، أو عموم البلوى، أو تعذر الاحتراز (الامتناع) عن النجس. ٢ - مذهب المالكية (١): يعفى عن القليل من دم الحيوان البري، وعن القليل من الصديد والقيح، وهو بمقدار الدرهم البغلي: وهو الدائرة السوداء الكائنة في ذراع البغل فدون. وذلك سواء أكان الدم ونحوه من نفسه أم من غيره، من آدمي أو حيوان ولو من خنزير، بثوب أو بدن أو مكان.

стр. 306

ويعفى عن كل ما يعسر التحرز عنه من النجاسات بالنسبة للصلاة ودخول المسجد، لا بالنسبة للطعام والشراب، فإذا حل ذلك بطعام أو شراب نجَّسه، ولايجوز أكله وشربه، والمعفو عنه لمشقة الاحتراز ما يأتي: سلَس الأحداث: وهو ما خرج بنفسه من غير اختيار من الأحداث، كالبول والمذي والمني والغائط يسيل من المخرج بنفسه، فيعفى عنه، ولا يجب غسله للضرورة إذا لازم كل يوم، ولو مرة. وبلل الباسور (١) إذا أصاب البدن أو الثوب كل يوم ولو مرة. أما اليد أو الخرقة، فلا يعفى عن غسلها، إلا إذا كثر الرد بها أي إرجاع الباسور، بأن يزيد على المرتين كل يوم، وإلا وجب غسلها؛ لأن اليد لا يشق غسلها كالثوب والبدن. وما يصيب ثوب المرضعة أو جسدها من بول أو غائط طفلها، ولو لم يكن وليدها، إذا كانت تجتهد في درء النجاسة عنها حال نزولها، بخلاف المفرّطة. ومثلها الجزار والكنَّاف والطبيب الذي يعالج الجروح، ويندب لها ولأمثالها إعداد ثوب خاص للصلاة. وما يصيب ثوب المصلي أو بدنه أو مكانه من بول أو روث خيل أو بغال أو حمير، إذا كان ممن يزاول رعيها أو علفها أو ربطها، ونحو ذلك، لمشقة الاحتراز. أثر ذباب أو ناموس يقع على نجاسة (عَذِرة أو بول أو دم) بأرجله أو فمه، ثم يطير ويحط على ثوب أو بدن لمشقة الاحتراز. أثر الوشم الذي تعسر إزالته لضرورة (٢).

стр. 307

أثر موضع الحجامة إذا مسح بخرقة ونحوها، إلى أن يبرأ المحل، فيغسل، لمشقة غسله قبل برء الجرح، فإذا برأ غسل وجوباً أو ندباً على قولين. أثر الدمامل من المِدَّة السائلة إذا كثرت، سواء سالت بنفسها أو بعصرها، لأن كثرتها مظنة الاضطرار كالحكة والجرب. فإن كانت دملاً واحداً فيعفى عما سال منه بنفسه أو بعصر احتيج إليه. فإن عصر بغير حاجة لم يعف إلا عن قدر الدرهم دون مازاد عليه. دم البراغيث بما دون الدرهم، لا مازاد عنه، وخرء البراغيث ولو كثر. والقليل من ميتة القمل، ثلاث فأقل. الماء الخارج من فم النائم إذا كان من المعدة بحيث يكون أصفر منتناً، إذا لازم، فإن لم يلازم فهو نجس. طين المطر، وماؤه المختلط بنجاسة، إذا أصاب الثوب أو الرجل، ما دام طرياً في الطرق، ولو بعد انقطاع المطر، ما لم تغلب النجاسة على الطين بأن تكون أكثر منه يقيناً أو ظناً، وما لم تصب الإنسان عين النجاسة غير المختلطة بغيرها، وما لم يكن له دخل في الإصابة بشيء من الطين. فإن وجدت حالة من هذه الثلاث فلا عفو، ويجب الغسل، كما لا عفو بعد جفاف الطرق، لزوال المشقة. أثر الاستجمار بحجر أو ورق بالنسبة للرجل، إن كان غير زائد على المعتاد. أما إن كان منتشراً كثيراً، غسل الزائد على ما جرت العادة بتلويثه، ويعفى عن المعتاد. ويتعين الماء في الاستنجاء بالتبول من قبل المرأة، كما سأفصّل في بحث الاستنجاء.

стр. 308

٣ - مذهب الشافعية (١): لا يعفى عن شيء من النجاسات إلا ما يأتي: ما لا يدركه البصر المعتدل كالدم اليسير والبول المترشش. القليل والكثير من دم البثرات والبقابيق والدماميل والقروح والقيح والصديد منها، ودم البراغيث والقمل والبعوض والبق ونحوه مما لا دم له سائل (٢)، وموضع الحجامة والفصد، وونيم الذباب، وبول الخُفَّاش، وسلس البول، ودم الاستحاضة، وماء القروح والنفاطات (البقابيق) الذي له ريح، وما لا ريح له في الأظهر، لمشقة الاحتراز عنه. لكن إذا عصر البثرة أو الدمل أو قتل البرغوث أو فرش أوحمل الثوب الذي فيه ذلك المعفو عنه، عفي عن قليله فقط إذ لا مشقة في تجنبه، ولا يعفى عن جلد البرغوث ونحوه. كما يعفى في الأظهر عن قليل دم الأجنبي (٣)، غير الكلب والخنزير، ومن الأجنبي: ما انفصل من بدنه ثم أصابه، وسبب العفو: هو المسامحة، أما دم الكلب ونحوه فلا يعفى عن قليله لغلظ حكمه. ويتحدد القليل والكثير بالعرف، ويعفى عن قليل الدم الذي يصيب ثوب الجزار، والدم الباقي على اللحم. ويلاحظ أن محل العفو عن سائر الدماء ما لم يختلط بأجنبي، فإن اختلط به ولو دم نفسه من موضع آخر لم يعف عن شيء منه.

стр. 309

ويعفى عن أثر محل الاستجمار في حق صاحبه دون غيره، حتى ولو عرق محل الأثر وانتشر، ولم يجاوز محل الاستنجاء. ويعفى عما يتعذر الاحتراز عنه غالباً من طين الشارع المتيقن نجاسته، في زمن الشتاء، لا في زمن الصيف، إذا كان في أسفل الثوب (ذيله)، والرجل، دون الكم واليد، بشرط ألا تظهر عين النجاسة عليه، وأن يكون المرء محترزاً عن إصابتها بحيث لا يرخي ذيل ثيابه، وأن تصيبه النجاسة وهو ماش أو راكب، لا إن سقط على الأرض. فيكون ضابط القليل المعفو عنه: هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة على شيء، أو كبوة على وجهه، أو قلة تحفظ، فإن نسب إلى ذلك، فلا يعفى عنه. فإن لم يكن الطين متيقن النجاسة، وإنما يغلب على الظن اختلاطه بها كغالب الشوارع، فهو وأمثاله كثياب الخمارين والأطفال والجزارين والكفار الذين يتدينون باستعمال النجاسة، طاهر في الأصح عملاً بالأصل. وإن لم تظن نجاسته فهو طاهر قطعاً، كما أن ماء الميزاب الذي تظن نجاسته طاهر جزماً. ويعفى عن ميتة دود الفاكهة والخل والجبن المتخلقة فيها ما لم تخرج منه ثم تطرح فيه بعد موتها، وما لم تغيره، وعن الإنفحة المستعملة للجبن، والكحول المستخدم في الأدوية والعطور، وعن دخان النجاسة، وعن القليل من بخار الماء النجس المنفصل بواسطة النار، وعن الخبز المسخن أو المدفون في رماد نجس، وإن علق به شيء منه، وعن الثياب المنشورة على الحيطان المبنية برماد نجس، لمشقة الاحتراز. ويعفى عن الميتة التي لا دم لها سائل إذا وقعت بنفسها في مائع كالذباب والنحل والنمل، ولم تغير المائع الذي وقعت فيه. ويعفى عن خرء الطيور في الفرش والأرض إن شق الاحتراز عنه، ولم

стр. 310

يتعمد المشي عليه، ولم يكن أحد الجانبين رطباً، إلا للضرورة كأن يتعين محل المرور فيه. ويعفى عن قليل شعر نجس كشعرة أو شعرتين، من غير كلب أو خنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما مع غيره، فذلك منهما وإن قل غير معفو عنه. ويعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الاحتراز عنه. ومن المعفو عنه: أثر الوشم (١)، وروث السمك في الماء إذا لم يغيره، والدم الباقي على اللحم أو العظم، ولعاب النائم الخارج من المعدة في حق المبتلى به، ومايصيب قائد الحيوان وسائسه ونحوهما من جرَّة البعير ونحوه من الحيوانات المجترة، وروث البهائم وبولها حين درس الحب، وروث الفأر في مجمع الماء في المراحيض إذا كان قليلاً ولم يغير أحد أوصاف الماء، وروث المحلوبة ونجاسة ثديها إذا وقع في اللبن حال حلبه، وأثر روث البهائم المختلط بالطين، الذي يصيب عسل خلايا النحل، ونجاسة فم الصبي عند إرضاعه أو تقبيله. ٤ - مذهب الحنابلة (٢): لا يعفى عن يسير نجاسة، ولو لم يدركها الطرف (أي البصر) كالذي يعلق بأرجل ذباب ونحوه، لعموم قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر:٤/ ٧٤]، وقول ابن عمر: «أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً» وغير ذلك من الأدلة.

стр. 311

إلا أنه يعفى عن يسير دم وقيح وصديد وماء قروح في غير مائع ومطعوم، لأنه يشق التحرز عنه، وذلك إذا كان من حيوان طاهر حال حياته، من آدمي أو غير آدمي مأكول اللحم كإبل وبقر، أولا كهر ونحوه من غير سبيل (قبل أو دبر) فإن وقع في مائع أو مطعوم، أو كان من حيوان نجس كالكلب والخنزير، والحمار والبغل، أو خرج من أحد السبيلين (القبل أو الدبر) حتى دم حيض ونفاس واستحاضة، فلايعفى فيه عن شيء من ذلك. ويعفى عن أثر الاستجمار (١) بعد الإنقاء واستيفاء العدد المطلوب في الاستجمار. وعن يسير طين شارع تحققت نجاسته لمشقة التحرز منه. وعن يسير سلس بول، مع كمال التحفظ منه، للمشقة. وعن يسير دخان نجاسة وغبارها وبخارها، ما لم تظهر له صفة في الشيء الطاهر، لعسر التحرز. وعن ماء قليل نجس بماء معفو عن يسيره. وعن النجاسة التي تصيب العين، ويتضرر المرء بغسلها. وعن أثر الدم الكثير ونحوه كالقيح الواقع على جسم صقيل بعد المسح؛ لأن الباقي بعد المسح يسير.

стр. 312

وعدوا من الطاهرات: دم العروق من مأكول اللحم، لأنه لا يمكن التحرز منه، ودم السمك، ودم الشهيد الذي عليه ولو كثر، ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما لا نفس له سائلة، والكبد والطحال من مأكول، لحديث: «أحل لنا ميتتان ودمان»، ودود القز وبزره، والمسك وفأرته: وهي سرَّة الغزال، والعنبر لقول ابن عباس - فيما ذكره البخاري: «العنبر شيء دسره البحر» أي دفعه ورمى به، وما يسيل من فم النائم وقت النوم، كما سبق بيانه، والبخار الخارج من الجوف، لأنه لا تظهر له صفة بالمحل، ولا يمكن التحرز منه، والبلغم ولو أزرق، سواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة، لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: «فإذا تنخع أحدكم، فليتنخع عن يساره، أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه ببعض» ولو كانت النخامة نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه، وهو في الصلاة. وبول سمك ونحوه مما يؤكل، كل ذلك طاهر. المبحث الثالث - كيفية تطهير النجاسة الحقيقية بالماء: المواضع التي تزال عنها النجاسة الحقيقية ثلاثة: هي الأبدان، والثياب، ومواطن الصلاة. وقد عرفنا في بحث المطهرات: أن الماء الطهور هو الأصل في إزالة النجاسة، لقوله ﷺ لأسماء بنت أبي بكر في كيفية تطهير ثوبها من الحيض: «تحتُّه، ثم تقرصه بالماء» (١).

стр. 313

وعرفنا أيضاً أن الرأي الراجح في النجاسة الحقيقية لا الحكمية عند الحنفية: هو جواز التطهير بالمائعات الأخرى غير الماء كماء الورد والخل وعصير الفواكه والنباتات، وأنه يمكن التطهير بمطهرات أخرى كثيرة هي (٢١) مطهراً عند الحنفية وافقهم في بعضها غيرهم، وخالفهم في البعض الآخر. وأما كيفية التطهير بالماء أو شروطه فهي ما يأتي (١): ١ - العدد: اشترط الحنفية العدد في النجاسة غير المرئية وهو الغسل ثلاثاً فقالوا: إن كانت النجاسة غير مرئية كالبول وأثر لعاب الكلب ونحوهما، فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر، ولا يطهر إلا بالغسل ثلاث مرات، وإنما قدروا التكرار بالثلاث ولو في نجاسة الكلب؛ لأن غالب الظن يحصل عنده، فأقيم السبب الظاهر مُقَامه تيسيراً. ودليلهم حديثان هما: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً» (٢) و «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها في إنائه» (٣)، فقد أمر

стр. 314

ﷺ بالغسل ثلاثاً، وإن كان هناك شيء غير مرئي، وأما الأمر بالغسل سبعاً من ولوغ الكلب، فكان في ابتداء الإسلام، لقلع عادة الناس بإلف الكلاب، كالأمر بكسر الدنان والنهي عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر. وأما إن كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه، فطهارتها زوال عينها ولو بمرة على الصحيح، إلا أن يبقى من أثرها، كلون أو ريح، ما يشق إزالته، فلا يضر بقاؤه، ويغسل إلى أن يصفو الماء، على الراجح، بدليل قوله ﷺ للحائض إن لم يخرج أثر الدم: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» (١). وتظهر المشقة عندما يحتاج في إزالة الأثر إلى غير الماء القَرَاح كصابون أو ماء حار. وعليه: يطهر الثوب المصبوغ بمتنجس إذا صار الماء صافياً مع بقاء اللون. ولا يضر أثر دهن متنجس على الأصح لزوال النجاسة المجاورة بالغسل، ويطهر السمن والدهن المتنجس بصب الماء عليه ورفعه عنه ثلاثاً. ويطهر اللبن والعسل والدبس والدهن بالغلي على النار ثلاثاً، فيصب عليه الماء، ويغلى، حتى يعلو الدهن، ويرفع بشيء ثلاث مرات. ويطهر لحم طبخ بخمر بغلي وتبريد ثلاث مرات. وعلى هذا: الدجاج المغلي قبل إخراج أمعائها، يطهر بالغسل ثلاثاً، ويطهر ظاهره وباطنه، على المفتى به. وإذا وضع الدجاج بقدر انحلال المسام لنتف ريشه، يطهر بالغسل ثلاثاً.

стр. 315

والحنطة المطبوخة في خمر لا تطهر أبداً، على المفتى به. أما لو انتفخت من بول، نقعت وجففت ثلاثاً. ولو عجن خبز بخمر صب فيه خل، حتى يذهب أثره، فيطهر. وقال المالكية: لا يكفي في غسل النجاسة إمرار الماء، بل ولا بد من إزالة عين النجاسة وأثرها، بأن ينفصل الماء طاهراً، ويزول طعم النجاسة قطعاً، ويزول لونها وريحها إن تيسر زوالهما، ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله، كالمصبوغ بالنجاسة من زعفران متنجس أو نيلة ونحوهما. ولا يشترط عدد معين للغسل أصلاً؛ لأن المفهوم من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها. وأما العدد المشترط في غسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب، فهو عبادة لالنجاسة. وقال الشافعية والحنابلة: ما نجس بملاقاة شيء (من لعاب أو بول، وسائر الرطوبات، والأجزاء الجافة إذا لاقت رطباً) من كلب أو خنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما من حيوان طاهر، يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب الطاهر، ولو غبار رمل، لقوله ﷺ : «يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب» (١) وفي حديث عبد الله بن المغفل: «إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب» (٢). ويقاس الخنزير على الكلب؛ لأنه أسوأ حالاً منه، وشر منه، لنص الشارع

стр. 316

على تحريمه، وتحريم اقتنائه، فثبت الحكم فيه بطريق التنبيه، وإنما لم ينص الشارع عليه؛ لأنهم لم يكونوا يعتادونه. والغسلة الأولى أولى بجعل التراب فيها للخبر الوارد، وليأتي الماء بعده، فينظفه، ولا بد من استيعاب المحل المتنجس بالتراب، بأن يمر التراب مع الماء على جميع أجزاء المحل المتنجس. والأظهر عند الشافعية تعين التراب، فلا يكفي غيره كأشنان وصابون. ويقوم عند الحنابلة الأشنان والصابون والنخالة ونحوها من كل ماله قوة في الإزالة، مقام التراب، ولو مع وجوده، وعدم تضرر المحل به، لأن نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف. وإذا أضر التراب بالمحل فيكفي مسماه أي أقل شيء يسمى تراباً يوضع في ماء إحدى الغسلات، للنهي عن إفساد المال، ولحديث: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (١). وأما نجاسة غير الكلب والخنزير فتطهر عند الحنابلة بسبع مرات منقية دون تراب، لقول ابن عمر: «أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً» فينصرف إلى أمره ﷺ ، وقد أمر به في نجاسة الكلب، فيلحق به سائر النجاسات، والحكم لا يختص بمورد النص، بدليل إلحاق البدن والثوب به، وكذلك محل الاستنجاء يغسل سبعاً كغيره. فإن لم ينق المحل المتنجس بالسبع، زاد في الغسل حتى ينقى المحل. ولايضر بقاء لون النجاسة أو ريحها أو هما معاً حالة العجز عن إزالتهما، لحديث خولة بنت يسار السابق: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره». ويضر بقاء طعم النجاسة لدلالته على بقاء عينها، ولسهولة إزالته.

стр. 317

وأما عند الشافعية في نجاسة غير الكلب والخنزير: فإن كانت النجاسة مرئية (عينية): وهي التي تدرك بإحدى الحواس، وجبت إزالة عينها وطعمها ولونها ورائحتها. ويجب نحو صابون إن توقفت الإزالة عليه. ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله، كما قرر الفقهاء بالاتفاق، ويضر بقاؤهما معاً، أو بقاء الطعم وحده. ولايشترط عدد معين للغسلات. وإن كانت النجاسة غير مرئية (لا عين عليها): وهي ما تيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا ريح، كفى جري الماء عليها مرة، كبول جف ولم يبق له أثر. والجري: هو وصول الماء إلى المحل بحيث يسيل عليه زائداً على النضح. ٢ - العصر فيما يمكن عصره ويتشرب كثيراً من النجاسة: قال الحنفية: إن كان محل النجاسة مما يتشرب كثيراً من النجاسة: فإن كان مما يمكن عصره كالثياب: فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول عين النجاسة، إن كانت النجاسة مرئية. وبالغسل ثلاثاً والعصر في كل مرة إن كانت غير مرئية؛ لأن الماء لايستخرج كثير النجاسة إلا بالعصر، ولا يتم الغسل بدونه. أما إن كان محل النجاسة مما لا يتشرب شيئاً أصلاً من النجاسة كالأواني الخزفية والمعدنية، أو مما يتشرب شيئاً قليلاً من النجاسة كالجسد والخف والنعل، فطهارته بزوال عين النجاسة. وأما إن كان مما لا يعصر كالحصير والسجاد والخشب: فينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، وهو قول أبي يوسف، وهو الرأي الراجح، وقال محمد: لا يطهر أبداً.

стр. 318

وأما تطهير الأرض: فإن كانت رخوة، فيصب الماء عليها، حتى يتسرب في أسفل الأرض، وتزول النجاسة، ولا يشترط فيها العدد، وإنما بحسب الاجتهاد وغلبة الظن بطهارتها، ويقوم تسرب الماء أو تسفله مقام العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية: يصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة. وإن كانت صلبة فإن كان في أسفلها حفرة أو بالوعة يصب الماء عليها ثلاث مرات ويزال عنها إلى الحفرة. وإن لم يكن لها منفذ للماء لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل. وتطهر عند الشافعية بمكاثرة الماء عليها، كما سأبيّن قريباً. ولم يشترط غير الحنفية العصر فيما يمكن عصره، إذ البلل بعض المنفصل، وقد فرض طهره. ومرجع الخلاف هو حكم الغسالة الآتي بيانه، هل هي طاهرة أو نجسة، إن حكم بطهارتها لم يجب العصر، وإلا وجب. لكن يسن العصر خروجاً من الخلاف. أما مالا يمكن عصره فلا يشترط فيه العصر، بلا خلاف. ٣ - الصب أو إيراد الماء على النجاسة (الغسل في الأواني): قال الحنفية: لا يشترط صب الماء أو وروده على محل النجاسة، فيطهر الغسل في الأواني، وغسل الثوب المتنجس أو البدن المتنجس، بتبديل الماء بماء جديد، ثلاث مرات، والعصر في كل مرة، ويغسل الإناء بعد الغسلة الأولى ثلاثاً، وبعد الثانية مرتين، وبعد الثالثة مرة واحدة، وذلك إذا حدث الغسل في إناء واحد، أما إن غسل في آنية ثلاثة، فكل إناء ينوب عن تبديل الماء مرة. لكن المعتبر - كما أبنت وكما أوضح ابن عابدين (١) - في تطهير النجاسة

стр. 319

المرئية: زوال عينها، ولو بغسلة واحدة، ولو في إناء واحد (إجانة: إناء تغسل فيه الثياب) فلا يشترط فيها تثليث غسل ولا عصر. وأما غير المرئية فالمعتبر فيها غلبة الظن في تطهيرها، بلا عدد، على المفتى به، وقيل: مع شرط التثليث. وهذا المفتى به عند الحنفية يقترب من مذهب المالكية القائلين بإزالة عين النجاسة. وقال الشافعية: يشترط ورود الماء، لا العصر في الأصح. أي يشترط ورود الماء على محل النجاسة، إن كان الماء قليلاً، لئلا يتنجس الماء لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه. فلو وضع ثوباً في إجَّانة وفيه دم معفو عنه، وصب الماء عليه تنجس بملاقاته، وتجب المبالغة في الغرغرة عند غسل فمه المتنجس، ويحرم ابتلاع نحو طعام قبل ذلك. هذا … وقد اتفق الحنفية مع غيرهم على أن المتنجس إذا غسل في ماء جار، أو غدير (أي ماء كثير له حكم الجاري) أو صب عليه ماء كثير، أو جرى عليه الماء، طهر مطلقاً، بلا شرط عصر وتجفيف، وتكرار غمس، لأن الجريان بمنزلة التكرار والعصر (١). تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة: قال الحنفية (٢): إذا كانت الأرض المتنجسة صلبة منحدرة، يحفر في أسفلها حفرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويزال عنها إلى الحفرة، بدليل ما أخرجه الدارقطني عن أنس في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: «احفروا مكانه، ثم صبوا عليه» (٣). ولا تطهر الأرض بمكاثرة الماء.

стр. 320

وقال غير الحنفية (١): تطهر الأرض النجسة بالصب ومكاثرة الماء عليها أي كثرة إفاضة أو طرح الماء عليها، حتى تغمر النجاسة. لحديث أبي هريرة قال: «قام أعرابي، فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي ﷺ : دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذَنُوباً من ماء، فإنكم بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا مُعسِّرين» (٢). وأما تطهير الماء النجس بالمكاثرة ففيه تفصيل عند الشافعية (٣): أـ إن كانت نجاسته بالتغير، وهو أكثر من قلتين، طهر، بأن يزول التغير بنفسه، أو بأن يضاف إليه ماء آخر، أو بأن يؤخذ بعضه؛ لأن النجاسة بالتغير، وقد زال. ب - وإن كان نجاسته بالقلة، بأن يكون دون القلتين، طهر بأن يضاف إليه ماء آخر، حتى يبلغ قلتين، سواء كوثر بماء طاهر أو نجس، كثير أو قليل. ويطهر بالمكاثرة من غير أن يبلغ قلتين، كالأرض النجسة إذا طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة، لإيراد الماء على النجاسة (٤). لكن الماء الذي طهر بالمكاثرة، دون أن يبلغ قلتين، هو طاهر غير مطهر؛ لأن المستعمل في إزالة النجاسة لا تجوز الطهارة به.
следующие страницы →