وحكم الشعر حكم الكلام في حظره وإباحته، وكراهيته واستحبابه ورد الشهادة به، فحسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه، قال النبي ﷺ : «إن من الشعر لحكماً» (١) وقال أيضاً: «الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» (٢).
تلحين القرآن: لا بأس بقراءة القرآن من غير تلحين. والأفضل تحسين الصوت بالقرآن، لقوله ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» أو «زينوا أصواتكم بالقرآن» (٣).
أما القراءة بالتلحين: فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع الحركات، فلا بأس به لأن النبي ﷺ قد قرأ ورجَّع ورفع صوته. فإن جاوز الحد في التطويل وإدغام بعضه في بعض، كان مكروهاً (٤).
خامساً - التصوير: التصوير في أصل اللغة العربية: معناه الإنشاء والترتيب والتمييز، ومنه «المصوِّر» أحد أسماء الله تعالى: وهو الذي صوَّر جميع الموجودات ورتَّبها، فأعطى كلَّ شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها (٥). ومنه قوله تعالى: ﴿ثم صوَّرناكم﴾ [الأعراف:٧/ ١١] ﴿وصوَّركم
стр. 2592
فأحسن صوركم﴾ [التغابن:٣/ ٦٤] ﴿في أي صورة ما شاء ركَّبك﴾ [الانفطار:٨/ ٨٢] ﴿هو الذي يصوِّركم في الأرحام﴾ [آل عمران:٦/ ٣]. ومنه قوله ﷺ : «خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعاً» (١). قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: فالصورة: أراد بها ما خُصَّ الإنسان بها من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضَّله على كثير من خلقه (٢).
وكان التصوير الموجود في عهد النبوة الذي اتجه إليه النهي والتحريم هو الذي توافر فيه صفات ثلاث: صورة ماله روح من الإنسان والحيوان، وقصد التعظيم، ومضاهاة أو محاكاة خلق الله تعالى وفعله. والحكمة من التحريم: منع التشبه بعبادة الأوثان والأصنام، ومحاربة الشرك، وتوفير التعظيم لله وحده.
وأهم الأحاديث الواردة في التصوير ما يلي:
١ - حديث امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه كلب أو تصاوير: أخرج مسلم عن ابن عباس يقول: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» أي ملائكة الرحمة والتبريك والاستغفار. أما الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها. قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى. وأما الكلب فلكثرة أكله النجاسات (٣).
стр. 2593
وقال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة: مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه.
٢ - حديث القرام: أخرج مسلم أيضاً عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا متسترة بِقرَام (١) فيه صورة، فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهون بخَلْق الله» (٢) وهذا الحكم المتعلق بالقرام كان في أول الأمر، ثم رُخِّص فيه بعدئذ، بدليل رواية أخرى كما ذكرها مسلم لخالد الجهني فيها زيادة: «إلا ما كان رقماً في ثوب» وكذلك رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) في حديث أبي طلحة: «إلا رقماً في ثوب».
ويؤيد الترخيص المتأخرحديث آخر: هو ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: «كان لنا ستْر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله ﷺ : حوِّلي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته، ذكرت الدنيا» قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول: عَلَمُها حرير، فكنا نَلْبَسُها. قال الطحاوي: إنما نهى الشارع أولاً عن الصور كلها، وإن كانت رقماً؛ لأنهم كانوا حديث عهد بعبادة الصور، فنهى عن ذلك جملة، ثم لما تقرر نهيه عن ذلك، أباح ما كان رقماً في ثوب للضرورة إلى اتخاذ الثياب، وأباح ما يمتهن؛ لأنه يأمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن، وبقي النهي فيما لا يمتهن.
٣ - حديث النُّمرقة (٣): أخرج مسلم عن عائشة: «أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ ، قام على الباب، فلم يدخل، فعَرَفتُ - أو
стр. 2594
فعُرفت - في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتُها لك تقعُد عليها وتوَسَّدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم». ثم قال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» (١). وهذا واضح الدلالة في أن التحريم منصب على المصورين الذين يصورون صور الأجسام ذات الروح إذا كانت بحالة يضاهى بها خلق الله.
٤ - تحدي المصورين: أخرج مسلم عن أبي زُرعة قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : «ومن أظلم ممن ذهب يخلُق خلقاً كخَلْقي، فليخلُقوا ذَرَّة، أو ليخلقوا حبَّة أو ليخلقوا شعيرة» (٢).
٥ - أخرج البخاري «أن النبي لمصلّى الله عليه وسلم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب (٣) إلا نفضه».
آراء العلماء في التصوير:
قال النووي مبيناً آراء العلماء (٤): تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.
стр. 2595
وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام. هذا حكم التصوير نفسه.
وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، أي تعليقه ونصبه في المنازل وغيرها، فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً، فهو حرام.
وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام، ولافرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. وهذا رأي الشافعية وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.
ووجود الصور يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت إذا كان فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلب والصور، دون غيره مما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه، كما تقدم بيانه.
وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورالتي ليس لها ظل، قال النووي: وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقماً في ثوب أوغير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن، عملاً بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم. قال النووي: وهذا مذهب قوي.
стр. 2596
وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقماً في ثوب، سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل، أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها، سواء كان رقماً أو غيره. واحتجوا بحديث «إلا ما كان رقماً في ثوب» وهذا مذهب القاسم بن محمد.
وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره. قال القاضي عياض: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك.
ونقل ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري عن ابن العربي رأيه في اتخاذ الصور قائلاً: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع. وإن كانت رقماً فأربعة أقوال:
الأول - يجوز مطلقاً، عملاً بحديث: «إلا رقماً في ثوب».
الثاني - المنع مطلقاً.
الثالث - إن كانت الصورة باقية الهيئة، قائمة الشكل حرم، وإن كانت مقطوعة الرأس أو تفرقت الأجزاء، جاز، قال ابن حجر: وهو الأصح.
الرابع - إن كانت مما يمتهن جاز، وإلا لم يجز.
خلاصة الرأي في التصوير:
تحرم الصور ذات الظل وكل الصور المجسَّدة والتماثيل لكل ذي روح من إنسان أو حيوان، لإجماع العلماء على ذلك، ويحرم صنع التماثيل ونصبها في أي مكان، لما أخرجه الشيخان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل»، وتباح صور النباتات والمناظر الطبيعية الكونية من السماء والأرض
стр. 2597
والحدائق والجبال والبحار والأنهار، والأشياء الجامدة من طائرات وسيارات وغير ذلك من الكائنات المخلوقة وليست بذات روح؛ لأنها ليست مما تناولها النص النبوي بإشارة «يشبِّهون بخلق الله» وبإشارة «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».
أما الصور المجسَّمة على المخاد والوسائد والستائر والبسط والفرش والبطائن فلا مانع منها، لأنها ممتهنة. وتباح عند بعض العلماء اللوحات الزيتية ونقوش الحيطان، والرسوم على الورق، والصور المطبوعة أو المنسوجة في الملابس والستور، والمطرزات والموشّاة والمشغولة بأنواع الخيوط ونحو ذلك مما لا ظل له.
وتباح صور لعب الأطفال المختلفة من أنواع الشموع والمعادن كالعرائس ونحوها، ويجوز بيعها، لما أخرجه البخاري وأبو داود عن عائشة قالت: «كنت ألعب بالبنات (١)، فربما دخل علي رسول الله ﷺ وعندي الجواري (٢)، فإذا دخل خرجن، وإذا خرج دخلن» وأخرج أبو داود والنسائي حديثاً آخر مشابهاً لهذا الحديث، أقر فيه الرسول ﷺ ما وجده عند عائشة من بنات لُعَب، بعد عودته من غزوة تبوك أو خيبر، قال ابن حزم: وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يحل لغيرهن، والصور محرمة إلا هذا، وإلا ما كان رقماً في ثوب.
وتباح الصور إذا كانت بحالة لا تعيش بها كمقطوعة الرأس أو الصور النصفية، والأولى عدم إقامتها أو نصبها في أي مكان في المنزل وغيره.
قال الكاساني من الحنفية (٣): وتكره (أي كراهة تحريم) التصاوير في البيوت، لما روي عن رسول الله ﷺ عن سيدنا جبريل ﵊ أنه قال: «لا
стр. 2598
تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة» ولأن إمساكها تشبّه بعبدة الأوثان إلا إذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التي تلقى على الأرض ليجلس عليها، فلا تكره؛ لأن دوسها بالأرجل إهانة لها، فإمساكها في موضع الإهانة لا يكون تشبهاً بعبدة الأصنام إلا أن يسجد عليها، فيكره لحصول معنى التشبه.
ويكره التصوير على الستور وعلى الأزر المضروبة على الحائط وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف؛ لما فيه من تعظيمها، فإذا لم يكن لها رأس، فلا بأس؛ لأنها لا تكون صورة، بل نقشاً، فإن قطع الرأس بأن خاط على عنقه خيطاً، فذاك ليس بشيء؛ لأنها لم تخرج عن كونها صورة، بل ازدادت حلية كالطوق لذوات الأطواق من الطيور. ثم المكروه أي تحريماً: صورة ذي الروح، فأما صورة مالا روح له من الأشجار والقناديل ونحوها، فلا بأس به.
أما التصوير الشمسي أو الخيالي فهذا جائز، ولا مانع من تعليق الصور الخيالية في المنازل وغيرها، إذا لم تكن داعية للفتنة كصور النساء التي يظهر فيها شيء من جسدها غير الوجه والكفين، كالسواعد والسيقان والشعور، وهذا ينطبق أيضاً على صور التلفاز وما يعرض فيه من رقص وتمثيل وغناء مغنيات، كل ذلك حرام في رأيي.
وأما أعمال النحت والرسم للنساء العاريات التي يقوم بها طلاب كليات الفنون الجميلة فهي من أشد المحرمات والكبائر، ولا يصح قياس الرسم على تشريح الجثث في كليات الطب، لأن التشريح ضرورة علمية تحقق فائدة الحفاظ على حياة الإنسان، بعكس الرسم الذي هو مجرد عمل ترفيهي كمالي، كما أن التشريح يحدث بعد الموت، والرسم يتم في حال الحياة.
والسبب في إباحة الصور الخيالية: أن تصويرها لا يسمى تصويراً لغة ولا
стр. 2599
شرعاً، لما تقدم من بيان معنى التصوير في عهد النبوة، ولأن هذا التصوير يعد حبساً للظل أو الصورة، مثل الصورة في المرآة والصورة في الماء، كل مافي الأمر أن صورة المرآة أو الماء متحركة غير ثابتة، والصور الخيالية تثبَّت بالأحماض الكيمياوية ونحوها، وهذا لا يسمى تصويراً في الحقيقة، فإن الحمض هو المانع من الانتقال والتحرك (١).
سادساً - وسم الحيوان: الوسم: وضع علامة على الحيوان بالكي أو شق الأذن أو ثقبها بمثقب. قال أهل اللغة: الوسم: أثر كية، يقال: بعير موسوم، وقد وسمه يسمه وسماً وسمة، والمِيسَم: الشيء الذي يوسم به، وجمعه مياسم ومواسم، وأصله كله من السمة: وهي العلامة، ومنه موسم الحج، أي معلم جمع الناس، وفلان موسوم بالخير وعليه سمة الخير، أي علامته، وتوسمت فيه كذا، أي رأيت فيه علامة.
و حكم الوسم يتنازعه اتجاهان:
قال أبو حنيفة: هو مكروه؛ لأنه تعذيب ومثلة، وقد نهي عن المثلة.
وذهب الجمهور: إلى جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه، وندبه في نَعَم الزكاة والجزية، لأحاديث صحيحة صريحة ذكرها مسلم، وآثار كثيرة عن عمر وغيره من الصحابة ﵃، ولأنها ربما شردت فيعرفها واجدها بعلامتها فيردها، والجواب عن النهي عن المثلة والتعذيب أنه عام، وحديث الوسم خاص، فوجب تقديمه.
стр. 2600
وأما الأحاديث: فمنها ما أخرجه مسلم عن هشام بن زيد قال: «سمعت أنساً يحدِّث أن أمّه حين ولدت انطلقوا بالصبي إلى النبي ﷺ يُحنّكه، قال: فإذا النبي ﷺ في مِرْبَد (١) يَسِمُ غنماً، قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: في آذانها».
وفي رواية أخرى: أن هشام بن زيد قال: سمعت أنساً يقول: «دخلنا على رسول الله ﷺ مِرْبَداً، وهو يَسِمُ غنماً، قال: أحسِبُه قال: في آذانها (٢)».
سابعاً - أحكام الشَّعر: تجوز إطالة شعر الرأس وحلقه جميعه، لما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ رأى صبياً قد حلق بعض رأسه، وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوا كله، أو ذروا كله» وفيه دليل على جواز حلق الرأس جميعه، قال الغزالي: لا بأس به لمن أراد التنظيف.
ويكره القَزَع: وهو حلق رأس الصبي وترك مواضع منه متفرقة غير محلوقة تشبيهاً بقزع السحاب، قال النووي: والقزع حلق بعض الرأس مطلقاً، وهو الأصح.
ويجوز اتخاذ الشعر، لما روى الخمسة إلا النسائي عن عائشة ﵂ قالت: «كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوَفرة ودون الجُمَّة» (٣).
ومن اتخذ شعراً يندب له ترجيله (تمشيطه) وإكرامه، روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان له شعر فليكرمه» وفيه دلالة على
стр. 2601
استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح وإعفائه عن الحلق؛ لأنه يخالف الإكرام إلا أن يطول، أخرج مالك عن عطاء بن يسار قال: «أتى رجل النبي ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل، ثم رجع، فقال ﷺ : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر
الرأس (١) كأنه شيطان».
ويكره نتف الشيب، لما رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» قال النووي: لو قيل: يحرم النتف للنهي الصريح لم يبعد، وقال: ولا فرق بين نتفه من اللحية والرأس والشارب والحاجب والعذار من الرجل والمرأة.
وأما خضاب الشعر بالأحمر والأصفر والأسود وغير ذلك من الألوان فهو جائز، إلا عند الشافعية، فإنه يحرم الخضاب بالسواد وقال غيرهم بالكراهة فقط، لما رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله قال: جيء بأبي قحافة (٢) يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ ، وكأن رأسه ثُغَامة (٣)، فقال رسول الله ﷺ : «اذهبوا به إلى بعض نسائه، فلتغيره بشيء، وجنِّبوه السواد».
وفي الحديث المتفق عليه بين أحمد والشيخين عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله ﷺ ، فقال: «إن رسول الله ﷺ لم يكن شاب إلا يسيراً، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضّبا بالحِنَّاء والكَتَم» (٤).
стр. 2602
واختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وجنسه، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، لحديث في النهي عن تغيير الشيب، ولأنه ﷺ لم يغير شيبه (١). وقال آخرون: الخضاب أفضل، فقد خضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم للأحاديث الواردة في ذلك.
ثم اختلف هؤلاء، فكان أكثرهم يخضب بالصفرة، أي الشقرة، منهم ابن عمرو وأبو هريرة وآخرون، وروي ذلك عن علي.
وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم، وبعضهم بالزعفران.
وخضب جماعة بالسواد، روي ذلك عن عثمان والحسن والحسين ابني علي، وعقبة بن عامر وابن سيرين وأبي بردة وآخرين (٢).
والصواب جواز تغيير الشيب وجواز تركه، وجواز الخضاب بأي لون كان، مع كراهة الخضاب بالسواد.
ويحرم كما تقدم وصل الشعر بشعر آدمي آخر على الرجال والنساء الأيامى والمتزوجين، للتجمل وغيره، بلا خلاف، سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المَحْرم والزوج وغيرهما بلا خلاف، لعموم الأدلة، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه.
فإن وصلته بشعر غير آدمي: فإن كان شعراً نجساً، وهو شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضاً للحديث الآتي بلعن الواصلة والمستوصلة، ولأنه حمل نجاسة في صلاتها وغيرها عمداً.
стр. 2603
وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي، والشعر الصناعي: فإن لم يكن لها زوج ولا سيد، فهو حرام أيضاً، وإن كان لها زوج فإن فعلته بإذنه جاز، وإن فعلته بغير إذنه، لم يجز، وعلى هذا يكون ارتداء «الباروكة» جائزاً للرجل، وللمرأة بإذن زوجها.
ويجوز عند الشافعية والليث والقاضي عياض وصل الشعر بخيوط من الحرير الملونة؛ لأنه لا يأخذ حكم الوصل، إنما هو لمجرد الزينة أو التجمل والتحسين، وقال مالك والطبري وكثيرون: الوصل ممنوع بكل شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، لحديث جابرعند مسلم: «أن النبي
زجر أن تصل المرأة برأسها شيئاً (١)».
قال الكاساني من الحنفية: ويكره أي كراهة تحريم للمرأة أن تصل شعر غيرها من بني آدم بشعرها، لقوله ﵊: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» ولأن الآدمي بجميع أجزائه مكرم، والانتفاع بالجزء المنفصل منه إهانة له، ولهذا كره بيعه. ولا بأس بذلك من شعر البهيمة وصوفها؛ لأنه انتفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك، ولهذا احتمل الاستعمال في سائر وجوه الانتفاع، فكذا في التزين (٢).
وأما قص المرأة شعرها فيجوز مادون الأذن، كيلا تتشبه بالرجال، كما تقدم. ولها تسريح شعرها بمختلف التسريحات في المنزل، وستره خارج المنزل.
стр. 2604
ثامناً - الوشم و النمص والتفليج:
الوشم حرام أيضاً: وهو أن تغرز إبرة أو نحوها في الجلد على ظهر الكف والمعصم أو الوجه أو الشفة وغير ذلك، حتى يسيل الدم، ثم يحشى محل الغرز بكحل ونحوه، فيخضر.
والنمص: وهو نتف الشعر من الوجه حرام أيضاً إلا إذا نبت في وجه المرأة شعر كثير كلحية وشارب، فيندب إزالتهما.
و تفليج الأسنان حرام أيضاً: وهو تفريق ما بين مقدمة الأسنان من الثنايا والرباعيات بالمبرد ونحوه، وتحرم أيضاً عمليات التجميل النسائية التي يراد بها تصغير المرأة الكبيرة (عمليات الشد) روى أحمد عن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يلعن القاشرة و المقشورة، والواشمة والموشومة، والواصلة والموصولة» وروى أحمد أيضاً عن ابن مسعود قال: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النامصة و الواشرة والواصلة والواشمة إلا من داء».
والواشرة: التي تَشِر الأسنان حتى تكون لها أشْر، أي تحديد ورقّة، تفعله المرأة الكبير، تتشبه بالحديثة السن.
والقاشرة: التي تعالج وجهها أو وجه غيرها بالغُمرة (طلاء يتخذ من الوَرْس) ليصفو لونها، والمقشورة: التي يفعل بها ذلك، كأنها تَقْشِر أعلى الجلد، ويبدو ما تحته من البشرة، وهو شبيه بفعل النامصة.
والوشم والنمص والتفليج حرام على الرجال والنساء، الفاعل والمفعول به، لورود اللعن عليه، مما يدل على تحريمه.
стр. 2605
ويصبح موضع الوشم متنجساً لانحباس الدم فيه، فإن أمكن إزالته بالعلاج وجب، وإن لم يمكن إلا بالجرح، فإن خيف منه الضرر أو العيب الفاحش في عضو ظاهر كالوجه والكفين، لم تجب إزالته، وتجب التوبة منه، وإن لم يكن ضرر، لزم إزالته.
ودليل تحريم هذه الثلاثة (الوشم والنمص والتفليج): الحديث المتفق عليه بين أحمد والشيخين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيِّرات خلق الله تعالى» وقال: «ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ». وهناك أحاديث أخرى عن ابن عمر وغيره في الموضوع (١) ..
تاسعاً - الترجل والتخنث: يحرم أيضاً تشبه الرجال بالنساء في اللباس والزينة، كالأساور والعقود (الأطواق) والأقراط، وتشبه النساء بالرجال في الكلام، والمشي، وحلق الشعر وتكلف الخشونة والرجولة، وهن المترجلات: المتشبهات من النساء بالرجال. ويحرم التخنث أيضاً: وهو تشبه الرجال بالنساء في المشي والتكسر ولين الكلام ورقة الصوت والتزين بالحناء ونحو ذلك من أنواع «المكياج» والتحمير والتبييض وتطريف الأصابع، لكن يستحب الخضاب للنساء بالحناء ونحوه، وأما التحمير ونحوه فيجوز بإذن الزوج وفي داخل البيت، ويحرم بغير إذن الزوج وخارج المنزل. والدليل ما أخرجه أحمد والبخاري عن أنس قال: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» وفي رواية: «لعن
стр. 2606
رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي ﷺ فلانة، وأخرج عمر فلاناً». وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال: «أتي رسول الله ﷺ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذا؟ قالوا: يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع، فقيل: يا رسول الله، ألا تقتله؟ فقال:
إني نهيت أن أقتل المصلين» (١).
عاشراً - السلام: السلام: هو اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: اسم الله عليك أنت في حفظه، كما يقال: الله يصحبك، الله معك. وللسلام أحكام هي ما يأتي (٢):
ابتداء السلام سنة، لقوله ﷺ : «أفشوا السلام بينكم» (٣) ورده من الفرد فرض عين ومن الجماعة فرض كفاية، لقوله تعالى: ﴿وإذا حيِّيتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء:٨٦/ ٤] وابتداء السلام من جماعة سنة كفاية، والأفضل السلام من جميعهم، ولو سلم جماعة على شخص، وقصد الرد عليهم جميعاً، جاز ذلك، وسقط الفرض في حق الجميع. ويجزئ «السلام عليكم» وفي الرد «وعليكم السلام» ويجب زيادة الواو في رد السلام. وقال جماعة: لا تجب وإنما تندب، وأكمله «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وفي الرد: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» ولكل فقرة من هذه التحية عشر حسنات. ويكره تغيير صيغة السلام المشروعة هكذا، بمثل قول بعضهم: «سلام من الله .. » إلخ فذلك بدعة منكرة.
стр. 2607
ورفع الصوت بابتداء السلام سنة، ليسمعه المسلَّم عليه سماعاً محققاً، للحديث السابق: «أفشوا السلام بينكم» وإن كان هناك أيقاظ ونيام، خفض صوته، بحيث يسمع الأيقاظ، ولا يوقظ النيام، جمعاً بين الفرضين.
ولو سلم على إنسان، ثم لقيه على قرب، سن أن يسلم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر من ذلك، لعموم حديث «أفشوا السلام».
ويسن أن يبدأ بالسلام قبل كل كلام، للخبر السابق.
ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنه أن المسلَّم عليه لا يرد السلام، لعموم «أفشوا السلام» ولا بأس بالسلام على الصبيان تأديباً لهم، ولا يجب الرد عليهم، فإن سلم الصبي على البالغ وجب عليه الرد.
ورفع الصوت برد السلام واجب قدر الإبلاغ أو الإسماع أي للمسلِّم.
ويكره الانحناء في السلام، ويكره أن يسلم على امرأة أجنبية (غير زوجة له ولا محرم) إلا أن تكون عجوزاً أي غير حسناء، أو ألا تشتهى لأمن الفتنة.
ويكره السلام في الحمام، وعلى من يأكل أو يقاتل لاشتغاله، وعلى تال للقرآن وعلى ذاكر الله تعالى، وعلى ملبّ ومحدِّث (أي يحدث بحديث النبي ﷺ ، وخطيب وواعظ، وعلى من يستمع للمذكورين من التالي ومن بعده، وعلى مكرر فقه ومدرس في أي عمل كان، وعلى من يبحثون في العلم، وعلى من يؤذِّن أو يقيم (١)، وعلى من هو على حاجته، ويكره أيضاً رده منه، وعلى من يتمتع بأهله، أو مشتغل بالقضاء ونحوهم.
стр. 2608
ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام مما سبق، لم يستحق جواباً لسلامه.
ويكره أن يخص بعض طائفة لقيهم أو دخل عليهم بالسلام، وأن يقول: سلام الله عليكم، لمخالفته الصيغة الواردة، وأن يقول: عليك سلام الله؛ لأن النبي ﷺ كرهه.
والهجر المنهي عنه (وهو هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام) يزول بالسلام؛ لأنه سبب التحابب، فيقطع الهجر، وروي مرفوعاً: «السلام يقطع الهجران».
ويسن السلام عند الانصراف عن القوم، وإذا دخل على أهله، فإن دخل بيتاً خالياً، أو مسجداً خالياً، قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، للخبر في كل ذلك.
وإذا دخل بيته، قدم رجله اليمنى، وليقل: «اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا» ثم يسلّم على أهله، لخبر أبي مالك الأشعري مرفوعاً، رواه أبو داود.
المبحث الخامس - مسائل في البيع والتعامل:
أورد الحنفية فروعاً فقهية في المعاملات مشتملة على شبهة أو مانع شرعي أو معصية، يحسن ذكرها باختصار:
أولاً - بيع السماد الطبيعي: لا بأس ببيع روث البهائم لتسميد الأرض بها، واستكثار الريع بها، فينتفع بها، وإن كان البيع في الأصل مكروهاً؛ لأن الروث نجس، ويكره بيع العَذِرة
стр. 2609
(رجيع الآدمي) والصحيح عند الحنفية: هو جواز بيع المتنجس كالزيت الذي خالطته النجاسة (١).
ثانياً - استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي: يجوز أخذ المسلم دينه على كافر، من ثمن خمر، أو خنزير، لصحة بيعهما من الكافر لغيره؛ لأنهما مال متقوم في حقه، بخلاف الدين على مسلم، لا يصح أخذه من ثمن خمر أو خنزير، لعدم صحة البيع، لكن أجاز أبو حنيفة خلافاً لصاحبيه أن يوكل المسلم ذمياً في بيع الخمر.
وكذلك لا يجوز استيفاء الدين من كسب حرام كالمرابي والمرتشي والغصب والسارق والمغنية. ولا يحل للورثة أيضاً أخذ الميراث من كسب حرام، وعليهم رد ما أخذوه على أربابه إن عرفوهم، وإلا تصدقوا به؛ لأن سبيل الكسب الخبيث التصدق به إذا تعذر الرد على صاحبه (٢).
ثالثاً - بيع العنب للخمار: يجوز بيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً؛ لأن المعصية لا تقوم بعين الموجود حالة البيع، وإنما تتحقق بعد تغييره.
كذلك أجازوا بيع السلاح من أهل الفتنة، لأن المعصية تتحقق باستعماله، لا بحالته القائمة (٣)، وهو رأي الشافعي أيضاً. لكن يكره هذا البيع، لأنه تسبب إلى
стр. 2610
المعصية. بخلاف بيع العصير لمن يتخذه خمراً، لأن المعصية لا تقام بعينه، بل بعد تغييره.
رابعاً - الإجارة للكنيسة أو حمل خمر الذمي: يجوز للشخص عند أبي حنيفة (١) أن يؤجر نفسه أو سيارته أو دابته بأجر لتعمير كنيسة، أو لحمل خمر ذمي، لا لعصرها؛ لأنه لا معصية في الفعل عينه، لأن عقد الإجارة على الحمل ليس بمعصية ولا سبب لها، وإنما تحصل المعصية باختيار الشارب، وقد يكون حملها للإراقة أو التخليل.
أما عصرها بقصد الخمرية كمعاصر الخمور في بلادنا أو في أمريكا مثلاً من مسلم فيحرم؛ لأن المعصية في الفعل عينه. وأجاز أبو حنيفة أيضاً إجارة بيت لاتخاذه كنيسة أو لبيع الخمر فيه في بلاد غالب أهلها أهل الذمة؛ لأن الإجارة تقع على منفعة البيت، ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم، ولا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه.
ولا تجوز تلك الإجارة في بلاد غالب أهلها الإسلام؛ لأن أهل الذمة لايمكَّنون من اتخاذ الكنائس وإظهار بيع الخمور ونحو ذلك في الأصح.
وقال الصاحبان والأئمة الثلاثة: لا ينبغي كل تلك الإجارات، وهي مكروهة؛ لأنها إعانة على المعصية، ولأنه ﵊ لعن في الخمر عشرة، وعد منها «حاملها» (٢).
واعتبر أبو حنيفة الحديث محمولاً على الحمل المقرون بقصد المعصية. وعلى
стр. 2611
كل حال فرأي أبي حنيفة قياس. ورأي الصاحبين استحسان. وهو المعول عليه في كثير من الفتاوى.
خامساً - بيع بناء بيوت مكة وأرضها، وإجارتها: يجوز عند الحنفية والشافعية بلا كراهة بيع بناء بيوت مكة وأرضها؛ لأن البناء مملوك لبانيه، والأرض مملوكة لأهلها، لظهور آثار الملك فيها، وهو الاختصاص بها شرعاً.
ويكره عند الحنفية إجارة بيوت مكة في أيام الموسم، في الحج، ويرخص لهم الإجارة في غير الموسم، لقوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ [الحج:٢٥/ ٢٢] وهكذا كان عمر بن الخطاب ينادي أيام الموسم ويقول: يا أهل مكة، لا تتخذوا لبيوتكم أبواباً، لينزل البادي حيث شاء، ثم يتلو الآية (١).
سادساً - دخول الكافر المساجد: أجاز أبو حنيفة (٢) للكافر دخول المساجد كلها، حتى المسجد الحرام من غير إذن، ولو لغير حاجة. ومعنى آية ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة:٢٨/ ٩] عنده: ألا يحجوا، ولا يعتمروا عراة بعد حج عامهم هذا، عام تسع من الهجرة، حين أمر الصديق، ونادى علي بهذه السورة، وقال: «ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوف عريان» (٣). وقد دخل أبو سفيان مسجد المدينة لتجديد عقد صلح الحديبية، بعدما نقضته قريش، وكذلك دخل إليه وفد ثقيف، وربط ثمامة بن اثال في المسجد النبوي حينما أسر.
стр. 2612
وأجاز المالكية (١) لغير المسلم دخول الحرم المكي، دون البيت الحرام، بإذن أو أمان. ولا يجوز عندهم مطلقاً دخول الكافر مسجداً، ولا يمكَّن من دخوله، إلا لعذر، كالدخول للتقاضي أمام الحاكم المسلم، قياساً على منعه من دخول المسجد الحرام؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة في كل مشرك، والحرمة موجودة في كل مسجد.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): يمنع غير المسلم، ولو لمصلحة من دخول حرم مكة، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة:٢٨/ ٩] وقد ورد في الأثر: «الحرم كله مسجد» (٣). ويجوز عندهم للكافر لحاجة دخول المساجد الأخرى غير المسجد الحرام، بإذن المسلمين؛ لأن نص الآية في المسجد الحرام، والأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد في الشرع ما يخالف هذا الأصل، ولأن النبي ﷺ قدم عليه وفد أهل الطائف، فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم. وقال سعيد بن المسيب: قد كان أبو سفيان يدخل مسجد المدينة، وهو على شركه. وقدم عمير بن وهب، فدخل المسجد، والنبي ﷺ فيه ليفتك به، فرزقه الله الإسلام.
سابعاً - الاحتكار: معناه: الاحتكار: هو الادخار للبيع، وطلب الربح بتقلّب الأسواق، أما الادخار للقوت فليس من الاحتكار. هذا تعريف المالكية (٤).
стр. 2613
وعرفه الحنفية (١) بقولهم: الاحتكار لغة مصدر حكر أي حبس فهو احتباس الشيء انتظاراً لغلائه، والمراد به شرعاً: حبس الأقوات متربصاً للغلاء. أو هو اشتراء طعام ونحوه، وحبسه إلى الغلاء أربعين يوماً، لقوله ﵊: «من احتكر طعاماً أربعين ليلة، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، وأيُّما أهل عَرْصة - بقعة - بات فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله» (٢).
وعرفه الشافعية (٣) بأنه: إمساك ما اشتراه وقت الغلاء ليبيعه بأكثر مما اشتراه عند اشتداد الحاجة. بخلاف إمساك ما اشتراه وقت الرخص، لا يحرم مطلقاً، ولاإمساك غلة ضيعته، ولا ما اشتراه في وقت الغلاء لنفسه وعياله، أو ليبيعه بمثل ما اشتراه.
وفي كراهة إمساك ما فضل عن كفايته وكفالة عياله سنة وجهان: أوجههما - عدم الكراهة، لكن الأولى بيعه.
وقال الحنابلة (٤): الاحتكار المحرم ما اجتمع فيه ثلاثة شروط:
١ - أن يكون بطريق الشراء، لا الجلب، فلو جلب شيئان، أو أدخل من غلته شيئاً، فادخره، لم يكن محتكراً، لقوله ﵊: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون» (٥).
стр. 2614
٢ - أن يكون المشترى قوتاً أي من الحبوب المقتاتة ونحوها؛ لأنه مما تعم الحاجة إليه. أما الإدام والحلواء والعسل والزيت وأعلاف البهائم، فليس فيها احتكار محرم.
٣ - أن يُضيَّق على الناس بشرائه بأمرين: أحدهما - بأن يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار، كالحرمين والثغور، أما البلاد الواسعة الكثيرة المرافق والجلب كبغداد ودمشق ومصر، فلا يحرم فيها الاحتكار؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالباً.
والثاني - أن يكون في حال الضيق: بأن يدخل البلد قافلة فيبادر ذوو الأموال لشرائها، ويضيقون على الناس، وفي هذا لا فرق بين البلد الصغير والكبير. أما الشراء في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد، فليس بمحرم.
متى يتحقق الاحتكار وما نوع المحتكَر؟ يظهر من تعاريف الفقهاء للاحتكار: أنهم اتفقوا على أن الاحتكار يكون في حال الضيق والضرورة لا في وقت السعة، وفي البلد الصغير عادة، ومن طريق الشراء والامتناع عن البيع مما يضر بالناس؛ لأن في الحبس ضرراً بالمسلمين. ولا يكون محتكراً بحبس غلة أرضه بلا خلاف لأنه خالص حقه، ولا ما جلبه من بلد آخر؛ لأن حق الناس بالموجود في البلد، والمختار عند الحنفية قول محمد وهو إن كان يجلب منه عادة كره تحريماً حبسه؛ لأن حق الناس تعلق به.
واتفق الفقهاء أيضاً على أن الاحتكار حرام في كل وقت في الأقوات أو طعام الإنسان، مثل الحنطة والشعير والذرة والأرز، والتين والعنب والتمر والزبيب واللوز ونحوها مما يقوم به البدن، لا العسل والسمن، واللحم والفاكهة.
وكذلك يحرم الاحتكار عند الحنفية والشافعية والحنابلة في طعام البهائم كتبن وفصفصة وهي الرطبة من علف الدواب.
стр. 2615
ويحرم الاحتكار أيضاً عند المالكية وأبي يوسف في غير الطعام في وقت الضرورة، لا في وقت السعة، فلا يجوز عندهم الاحتكار في الطعام وغيره، من الكتان والقطن وجميع ما يحتاج إليه الإنسان، أو كل ما أضر بالناس حبسه، قوتاً كان أو لا ولو ثياباً أو دراهم. وقال السبكي من الشافعية: إذا كان الاحتكار في وقت قحط، كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها إضرار، فينبغي أن يقضى بتحريمه، وإذا لم يكن إضرار فلا يخلو احتكار الأقوات من كراهة (١).
ويخرج الطعام من بلد إلى غيره إذا أضر بأهل البلد.
والخلاصة: إن الجمهور خصوا الاحتكار بالقوتين (قوت الناس وقوت البهائم) نظراً للحكمة المناسبة للتحريم وهي دفع الضرر عن الناس، والأغلب في ذلك إنما يكون في القوتين، ومنعه المالكية مطلقاً.
المدة: إذا قصرت مدة الاحتباس لا تكون احتكاراً لعدم الضرر، وإذا طالت تكون احتكاراً لتحقق الضرر.
وقيل: يقدر طول المدة بأربعين ليلة للحديث السابق: «من احتكرطعاماً أربعين ليلة، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه». وقيل: بالشهر؛ لأن ما دونه قليل عاجل، والشهر وما فوقه كثير عاجل. وقيل: المدة للمعاقبة في الدنيا، وأما الإثم فيحل وإن قلت المدة.
حكم الاحتكار: للاحتكار أحكام أهمها ما يأتي:
١ - الاحتكار ممنوع: وعبر أغلب الحنفية عن المنع بكراهته التحريمية، فقالوا: يكره الاحتكار في أقوات الآدميين، والبهائم، إذا كان ذلك في بلد يضر
стр. 2616
الاحتكار بأهله، كما يكره تلقي الركبان، أو الجلب، لنهي النبي ﷺ عن تلقي البيوع (١). فأما إذا كان لا يضر، فلا بأس به (٢).
وعبر الكاساني في البدائع عن منع الاحتكار بالحرمة (٣)، وهو متفق عليه مع تعبير الأئمة الآخرين: الاحتكار حرام.
وأدلة التحريم أحاديث كثيرة، منها ما ذكر سابقاً في البحث، ومنها قوله ﷺ : «لا يحتكر إلا خاطئ» «من احتكر حُكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ» «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، كان حقاً على الله أن يقعده بُعْظم من النار - مكان عظيم من النار - يوم القيامة» «من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله بالجذام والإفلاس» (٤).
٢ - بيع المال المحتكر: قال الحنفية (٥): يؤمر المحتكر من القاضي ببيع ما فضل عن قوته وقوت
أهله، فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار، ورفع أمره إلى الحاكم مرة أخرى، وهو مصر عليه، وعظه الحاكم وهدده. فإن لم يفعل ورفع إليه أمره للمرة الثالثة، حبسه وعزره، زجراً له عن سوء صنعه، ويجبره القاضي على البيع، ويبيعه القاضي عليه جبراً عنه إذا امتنع عن بيع طعامه بالاتفاق بين الحنفية على الصحيح، ويكون البيع بسعر المثل.
стр. 2617
وكذلك قال المالكية (١): يباع الشيء المحتكر للمحتاج إليه بمثل ما اشتراه به، لا يزاد عنه شيء. وإن لم يعلم ثمنه، فبسعره يوم احتكاره.
وأضاف الحنفية (٢): لو خاف الحاكم على أهل بلد الهلاك، أخذ الطعام من المحتكرين، ووزعه عليهم، حتى إذا صاروا في سعة، ردوا مثله، وذلك للضرورة، ومن اضطر إلى مال غيره، وخاف الهلاك، تناوله بلا رضاه، ويضمن قيمته؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، كما أبنت.
ثامناً - التسعير: المبدأ الاقتصادي في الإسلام هو الحرية الاقتصادية التي يراعي فيها المسلم حدود النظام الإسلامي، ومن أهمها العدالة والقناعة والتزام قواعد الربح الطيب الحلال بأن كان في حدود الثلث، لقوله ﵊: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (٣).
وبناء عليه: الأصل عدم التسعير، ولا يسعر حاكم على الناس، وهذا متفق عليه بين الفقهاء.
والتزم الشافعية والحنابلة (٤) هذا الأصل، فقال الحنابلة: ليس للإمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون. وقال الشافعية: يحرم التسعير، ولو في وقت الغلاء، بأن يأمر الوالي السوقة ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بكذا،
стр. 2618
للتضييق على الناس في أموالهم، وذلك لا يختص بالأطعمة. ولو سعَّر الإمام، عُزِّر مخالفه، بأن باع بأزيد مما سعر، لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة، وصح البيع، إذ لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن يبيع بثمن معين.
وأجاز ابن الرفعة الشافعي وغيره التسعير في وقت الغلاء.
واستدل ما نعو التسعير بحديث أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ، ولا يطلبني أحد بمَظْلَمة، ظلمتها إياه في دم، ولا مال» (١) فالنبي لم يسعر، ولو جاز، لأجابهم إليه، وعلل بكونه مظلمة، والظلم حرام، ولأنه ماله، فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان، كما اتفق الجماعة عليه، ولأن في التسعير إضراراً بالناس، إذا زاد تبعه أصحاب المتاع، وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع.
وأجاز المالكية والحنفية (٢) للإمام تسعير الحاجيات، دفعاً للضرر عن الناس، بأن تعدى أصحاب السلعة عن القيمة المعتادة تعدياً فاحشاً، فلا بأس حينئذ بالتسعير بمشورة أهل الرأي والبصر، رعاية لمصالح الناس والمنع من إغلاء السعر عليهم، والإفساد عليهم. ومستندهم في ذلك القواعد الفقهية: (لا ضرر ولا ضرار) و (الضرر يزال) و (يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام).
ولا يجبر الناس على البيع، وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحدده
стр. 2619
الإمام على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمبتاع، ولا يمنع البائع ربحاً، ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس.
ويجب أن يختص التسعير في قول ابن حبيب المالكي بالمكيل والموزون مأكولاً كان أو غير مأكول، دون غيره من المبيعات التي لا تكال ولا توزن؛ لأن المكيل والموزون من المثليات يرجع فيه إلى المثل، وغير ذلك من القيميات يرجع فيه إلى القيمة، وتختلف أغراض الناس في الأعيان، فلا يمكن حمل الناس فيه على سعر واحد.
وليس في التسعير مخالفة لنص الحديث السابق، وإنما هو تطبيق للنص نفسه، وفهم اجتهادي لمناطه وحكمته في الواقع، وتفسير له بالمعنى المناسب أو المصلحة المتبادرة إلى الفهم من ذات النص، لا من خارجه (١). فامتناع الرسول من التسعير لا لكونه تسعيراً، وإنما لكون علة التسعير وهي ظلم التجار أنفسهم غير متوفرة، فهم كانوا يبيعون بسعر المثل، وإنما كان ارتفاع السعر ليس من قبل التجار، وإنما بسبب قانون العرض والطلب، فقد قل عرض البضاعة، فارتفع السعر. ولا تسعير إذا لم تدع الحاجة إليه، بأن كانت السلع متوفرة في الأسواق، وتباع بسعر المثل دون ظلم أو جشع (٢).
стр. 2620
البَاب الثَّامن: الأُضحِية والعَقِيقَة وفيه فصلان:
الفصل الأول - في الأضحية الفصل الثاني - في العقيقة وأحكام المولود الفصل الأول
الأضحية
стр. 2621
الكلام عن الأضحية في المباحث الستة الآتية:
المبحث الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها.
المبحث الثاني - شروطها (شروط إيجابها أو سنيتها، شروط صحتها، شروط المكلف بها).
المبحث الثالث - وقت التضحية.
المبحث الرابع - الحيوان المضحى به (نوعه، سنه، ما يجزئ عنه، صفاته).
المبحث الخامس - آداب التضحية - مندوباتها ومكروهاتها، وما يسن لمريد التضحية.
المبحث السادس - أحكام لحوم الضحايا - الأكل والتوزيع.
стр. 2622
المبحث الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها وحكمها:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول - تعريف الأضحية ومشروعيتها:
الأضحية لغة: اسم لما يضحى به، أو لما يذبح أيام عيد الأضحى، فالأضحية ما يذبح في يوم الأضحى. وفقهاً: هي ذبح حيوان مخصوص بنية القربة في وقت مخصوص (١). أو هي ما يذبح من النَّعَم تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر (٢).
وقد شرعت في السنة الثانية من الهجرة كالزكاة وصلاة العيدين، وثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة والإجماع (٣).
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فصلّ لربك وانحر﴾ [الكوثر:٢/ ١٠٨] (٤) ﴿والبدنَ جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج:٣٦/ ٢٢] أي من أعلام دين الله.
وأما السنة فأحاديث، منها حديث عائشة: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله تعالى من إراقة الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً» (٥).
стр. 2623
ومنها حديث أنس قال: «ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين، أقرنين، فرأيته واضعاً قدميه على صِفَاحها، يُسمِّي ويكبِّر، فذبحهما بيده» (١).
وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. ودلت الأحاديث على أنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر، وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها، ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض، وإنها سنة إبراهيم لقوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات:١٠٧/ ٣٧].
والحكمة من تشريعها: هو شكر الله على نعمه المتعددة، وعلى بقاء الإنسان من عام لعام، ولتكفير السيئات عنه: إما بارتكاب المخالفة، أو نقص المأمورات، وللتوسعة على أسرة المضحي وغيرهم، فلا يجزئ فيها دفع القيمة، بخلاف صدقة الفطر التي يقصد منها سد حاجة الفقير. ونص الإمام أحمد على أن الأضحية أفضل من الصدقة بقيمتها.
المطلب الثاني - حكم الأضحية:
اختلف الفقهاء في حكم الأضحية، هل هي واجبة أو هي سنة؟
فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنها واجبة مرة في كل عام على المقيمين من أهل الأمصار، وذكر الطحاوي وغيره: أن على قول أبي حنيفة: واجبة، وعلى قول الصاحبين (أبي يوسف ومحمد): سنة مؤكدة (٢).
стр. 2624
وقال غير الحنفية (١): إنها سنة مؤكدة غير واجبة، ويكره تركها للقادر عليها. وذلك عند المالكية على المشهور لغير الحاج بمنى. والأكمل عندهم للقادر أن يضحي عن كل شخص عنده أضحية، فإن أراد إنسان أن يضحي بنفسه عن كل من عنده ممن تجب عليه نفقته جاز في المذهب. وهي عند الشافعية سنة عين للمنفرد في العمر مرة، وسنة كفاية إن تعدد أهل البيت، فإذا فعلها واحد من أهل البيت، كفى عن الجميع.
ودليل الحنفية على الوجوب: هو قوله ﵇: «من وجد سعة، فلم يضح، فلا يقربن مصلانا» (٢) قالوا: ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب، ولأن الأضحية قربة يضاف إليها وقتها، يقال: يوم الأضحى وذلك يؤذن بالوجوب؛ لأن الإضافة للاختصاص، والاختصاص بوجود الأضحية فيه، والوجوب هو المفضي إلى الوجود في الظاهر بالنسبة لمجموع الناس.
واستدل الجمهور على السنية للقادر عليها بأحاديث:
منها حديث أم سلمة: «أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجة: وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره» (٣) ففيه تعليق الأضحية بالإرادة، والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب.
ومنها حديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث هن علي
стр. 2625
فرائض، وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر وصلاة الضحى» (١) وروى الترمذي: «أمرت بالنحر وهو سنة لكم».
ويؤيد ذلك أن الأضحية ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة كالعقيقة. وضعف أصحاب الحديث حديث الحنفية، أو هو محمول على تأكيد الاستحباب كغسل الجمعة في حديث: «غُسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٢).
ويرشد إليه الأثر: «أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان، مخافة أن ترى الناس ذلك واجباً (٣) والأصل عدم الوجوب».
ودليل الشافعية على أن الأضحية سنة كفاية لكل بيت: حديث مِخْنَف بن سُلَيم قال: «كنا وقوفاً مع النبي ﷺ ، فسمعته يقول: يا أيها الناس، على كل أهل بيت في كل عام أضحية .. » (٤)، ولأن الصحابة كانوا يضحون في عهده ﷺ ، والظاهر اطلاعه، فلا يُنكر عليهم (٥). وقد ضحى النبي ﷺ بكبشين سمينين أقرنين أملحين، أحدهما عن أمته، والثاني عن نفسه وآله (٦).
ودليل الشافعية على أن الأضحية سنة عين للمنفرد في العمر مرة هو أن الأمر عندهم لا يقتضي التكرار (٧).
стр. 2626
حالة تغير حكم الأضحية أو نوعا الأضحية:
الأضحية عند الحنفية نوعان: واجبة وتطوع (١).
أما الواجبة: فهي أولاً - المنذورة كأن يقول المرء: لله علي أن أضحي شاة، أو بدنة (ناقة) أو هذه الشاة، أو هذه البدنة، أو جعلت هذه الشاة ضحية أو أضحية، سواء أكان القائل غنياً أم فقيراً.
وثانياً - المشتراة للأضحية إذا كان المشتري فقيراً. فإن اشترى فقير شاة بنية الأضحية، صارت واجبة؛ لأن الشراء للأضحية ممن لا أضحية عليه، يجري مجرى الإيجاب، وهو النذر بالتضحية عرفاً.
وثالثاً - المطلوبة من الغني دون الفقير في كل عيد، من غير نذر ولا شراء للأضحية، بل شكراً لنعمة الحياة، وإحياء لميراث الخليل ﵇ حين أمره الله تعالى بذبح الكبش في أيام العيد، فداء عن ولده، ومطية على الصراط (٢)، ومغفرة للذنوب، وتكفيراً للخطايا.
وإن ولدت الأضحية ولداً يذبح ولدها مع الأم، وإن باعه يتصدق بثمنه، لأن الأم تعينت للأضحية.
وأما التطوع: فأضحية المسافر، والفقير الذي لم يوجد منه النذر بالتضحية، ولا الشراء للأضحية، لانعدام سبب الوجوب وشرطه.
وقال ابن جزي المالكي (٣): تتعين الأضحية وتصبح واجبة بالذبح اتفاقاً،
стр. 2627
وبالنية قبله على خلاف في المذهب، وبالنذر إن عينها له اتفاقاً، فإذا قال: جعلت هذه أضحية، تعينت على أحد قولين، فإن ماتت فلا شيء عليه على كلا القولين، وإن باعها لزمه أن يشتري بثمنها كله أخرى.
لكن قال الدردير والدسوقي المالكيان (١): المعتمد المشهور في المذهب: أن الأضحية لاتجب إلا بالذبح فقط، ولاتجب بالنذر. وقالا أيضاً: يندب ولايجب على المعتمد ذبح ولد الأضحية الذي ولد قبل ذبح أمه؛ لأن الأضحية لاتتعين عندهم إلا بالذبح، ولاتتعين بالنذر.
وقال الشافعية في الصحيح والحنابلة (٢): إن نوى الشراء للأضحية ولم يتلفظ بذلك لاتصير به أضحية؛ لأن إزالة الملك على سبيل القربة لاتحصل بذلك، وإنما تجب الأضحية إما بالنذر، مثل لله علي، أو علي أن أضحي بهذه الشاة، أو بالتعيين بأن يقول: هذه أضحية أو جعلتها أضحية، لزوال ملكه عنها بذلك. والجعل بمعنى النذر، فتصير واجبة، ويحرم حينئذ الأكل منها، ولايقبل القول بإرادة التطوع بها. فإن قال: أضحية إن شاء الله لم تتعين ولم تجب. وإشارة الأخرس المفهمة كنطق الناطق. ولايجوز تأخيرها للعام القابل، وتعين ذبحها وقت الأضحية.
وإن ولدت الأضحية المعينة أو المنذورة، فولدها تابع لها، يذبح معها، وحكمه حكمها، سواء أكان حملاً عند التعيين أم حدث بعده. ولايشرب صاحبها من لبنها إلا الفاضل عن ولدها، فإن لم يفضل عنه شيء لم يكن له أخذه.
стр. 2628
المبحث الثاني ــ شروط الأضحية:
وفيه مطالب ثلاثة:
المطلب الأول - شروط إيجاب الأضحية أو سنيتها:
يشترط لإيجاب الأضحية عند الحنفية، أو سنيتها عند الأئمة الآخرين: القدرة عليها، فلا تطلب من العاجز عنهافي أيام عيد الأضحى.
والمقصود بالقدرة عند الحنفية، هو اليسار أي يسار الفطرة (١)، وهو أن يكون مالكاً مئتي درهم الذي هو نصاب الزكاة، أو متاعاً يساوي هذا المقدار زائداً عن مسكنه ولباسه، أو حاجته وكفايته هو ومن تجب عليه نفقتهم.
والقادر عليها عند المالكية (٢): هو الذي لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري في عامه. ولو استطاع أن يستدين استدان.
والمستطيع عليها عند الشافعية (٣): هو من يملك ثمنها زائداً عن حاجته وحاجة من يعوله يوم العيد وأيام التشريق، لأن ذلك وقتها، مثل زكاة الفطر، فإنهم اشترطوا فيها أن تكون فاضلة عن حاجته مَمونة يوم العيد وليلته فقط.
والقادر عليها عند الحنابلة (٤): هو الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدين، إذا كان يقدر على وفاء دينه.
стр. 2629
المطلب الثاني - شروط صحة الأضحية:
يشترط لصحة الأضحية ما يأتي (١):
١ - سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة التي تؤدي عادة إلى نقص اللحم أو تضر بالصحة، كالعيوب الأربعة المتفق على كونها مانعة من الضحية، وهي: العور البين، والمرض البين، والعرج، والعَجَف (الهُزال)، فلا تجزئ العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضَلَعُها، والعجفاء (أو الكسير) التي لا تُنْقي، بنص الحديث (٢).
وسيأتي مزيد بيان للعيوب المانعة في المذاهب في مبحث الحيوان المضحى به.
٢ - كون التضحية في وقت مخصوص: وهو عند الحنفية: أيام النحر ولياليها وهما ليلتان: ليلة اليوم الثاني: وهي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة، وليلة يوم الثالث: وهي ليلة الثاني عشر، ولا تصح التضحية في ليلة عيد الأضحى: وهي ليلة العاشر من ذي الحجة، ولا في ليلة اليوم الرابع، لقول جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم: أيام النحر ثلاثة. وذكر الأيام يشمل ذكر الليالي لغة. ولكن يكره تنزيهاً الذبح ليلاً.
стр. 2630
وسأوضح وقت الذبح في مبحث (وقت التضحية).
واشترط المالكية أن يكون الذبح نهاراً، فلو ذبح ليلاً لم تصح أضحيته. والنهار بطلوع الفجر في غير اليوم الأول.
وأضاف المالكية شرطين آخرين هما (١):
١ - إسلام الذابح: فلا تصح بذبح كافر، أنابه صاحب الأضحية فيه، ولو كان كتابياً، وإن جاز أكلها. ويستحب عند غير المالكية (٢) ألا يذبح الأضحية إلا مسلم، ويكره أن يذبحها الذمي الكتابي، لأنها عمل هو قربة، وهو ليس من أهلها، فلو ذبحها بالنيابة عن المسلم جاز مع الكراهة.
٢ - وعدم الاشتراك في ثمن الأضحية، فإن اشترك جماعة بالثمن أو كانت مملوكة شركة بينهم، فذبحوها ضحية عنهم، لم تجز عن واحد منهم. ويصح التشريك في الثواب قبل الذبح لا بعده، بين سبعة في بدنة أو بقرة لا شاة، بشروط ثلاثة على المشهور عندهم:
أن يكون قريباً له كابنه وأخيه وابن عمه، ويلحق به الزوجة.
وأن يكون ممن ينفق عليه، سواء أكانت النفقة واجبة عليه كأب وابن فقيرين، أم غير واجبة كالأخ وابن العم.
وأن يكون ساكناً معه في دار واحدة.
ويصح عند غير المالكية (٣) الاشتراك في الأضحية إذا كانت من الإبل أو