← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقال المالكية: لا بأس بالفضة (لا الذهب) في حلية الخاتم أو السيف والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك. وفي الجملة عندهم قولان بالمنع أو الكراهة في المموه بالذهب والفضة، وفي الإناء المضبب. وقال الشافعية: يحرم الإناء المطلي بذهب أو فضة إن حصل من الطلاء شيء بعرضه على النار، ويحل إن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار. ويحرم الإناء المضبب (١) بضَبة فضة كبيرة عرفاً لزينة، فإن كانت كبيرة للحاجة، جاز مع الكراهة، وإن كانت صغيرة عرفاً لزينة كرهت، أما لحاجة فلا تكره بدليل ما رواه البخاري عن عاصم الأحول قال: «رأيت قدح النبي عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة .. ». أما ضبة الذهب فتحرم مطلقاً، كبيرة أو صغيرة لحاجة أو لزينة، كلها أو بعضها، ولو كمكحلة. ويجوز تحلية المصحف بالفضة للرجل والمرأة، وتحلية آلة الحرب كالسيف والرمح والمنطقة بالفضة للرجل لأنها تغيظ الكفار، ولا يحل ذلك للمرأة ولا يجوز تحلية ما لا يلبسه الرجل من آلات الحرب كالسرج واللجام. وللمرأة تحلية المصحف بالذهب أيضاً. والتحلية: وضع قطع رقيقة. ويحرم تمويه السقوف والجدران بالذهب والفضة، سواء أمكن استخراج شيء منها بالعرض على النار أم لا. ويحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب أو بالفضة، كما يحرم كسوتها بالحرير المزركش بالذهب أو بالفضة.

стр. 2557

وقال الحنابلة مثل الشافعية: يحرم المضبب بضبة كثيرة من الذهب أو الفضة، لحاجة أو غيرها. ولا يباح اليسير من الذهب إلا للضرورة كأنف الذهب وما ربط به الأسنان، ويباح اليسير من الفضة؛ لحاجة الناس إليه. وعلل الفقهاء حرمة استعمال الذهب والفضة بالسرف والخيلاء، والأصح في التعليل: هو كون الذهب والفضة أثمان الأشياء، والنقد المتداول، فلو أبيح استعمالها لأثَّر ذلك في رواجهما في الأسواق، فيحل الاضطراب والقلق. ويجوز استعمال غير آنية الذهب والفضة من الأواني النفيسة كإناء ياقوت وزمّرد وزجاج وبلور وعقيق وزبرجد ومرجان ولؤلؤ، ونحاس ورصاص، ونحو ذلك؛ لأنها ليست في معنى الذهب والفضة، والأصل في الأشياء الإباحة، ولأن النبي ﷺ توضأ من إناء نحاس (١). لبس الحرير والتختم بالذهب والفضة: يحرم على الرجال لبس الحرير والتختم بالذهب، ويحل للنساء اللبس والتختم مطلقاً والتحلي بالحلي من الذهب والفضة (٢)، لقوله ﷺ : «الذهب

стр. 2558

والحرير حِلٌّ لإناث أمتي، حرام على ذكورها» (١) وعن علي «نهى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب» (٢) وعن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ رأى في يد رجل خاتماً من ذهب، فنزعه فطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» (٣)، وقال رسول الله ﷺ : «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة» (٤). واستثنى أئمة المذاهب الخاتم الفضي للرجل، فأباحوا له لبسه والتختم به إذا كان قليلاً، ومقداره عند الحنفية: بقدر مثقال (٩٧٥،٢ غم) فما دونه، وعند المالكية: إذا كان لا يزيد على درهمين بشرط الاقتداء بالنبي ﷺ . والصواب عند الشافعية: بما دون المثقال. والمعول في ذلك على العرف والعادة، سواء زاد عن مثقال أو نقص عنه، فمتى زاد على العادة حرم. ويلبس في خنصر اليد اليسرى. ولو لِبسه في غير الخنصر جاز مع الكراهة عند الشافعية. وقال الحنفية: ترك التختم لغير السلطان والقاضي وذي الحاجة إليه أولى، والحاجة مثل الختم به. ولا يحل للرجال بحال كالخطبة والزواج التختم بخاتم الذهب، لنهي النبي ﷺ عنه. ويشتد التحريم بقصد تقليد غير المسلمين. ولا بأس أيضاً عند الحنفية من استخدام المنطقة (ما ينتطق به الرجل ويشد وسطه) وحلية السيف، من الفضة، كالخاتم، بشرط ألا يضع يده على موضع الفضة، لورود الآثار في إباحة ذلك.

стр. 2559

أما الخاتم: فأخرج الأئمة الستة عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من فضة، له فص حبشي، ونقش فيه: محمد رسول الله». وفي السيف وردت عدة أحاديث: منها مارواه أبو داود والترمذي عن أنس، قال: «كانت قبيعة - مقبض - سيف رسول الله ﷺ فضة». وأما المنطقة: ففي عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري قال: «وكان للنبي ﷺ منطقة من أديم منشور ثلاث، حَلَقها وإبزيمها (١)، وطرفها فضة» (٢). ولابأس عند أبي حنيفة بتوسد الحرير (جعله وسادة أي مخدة)، وافتراشه والنوم عليه؛ لأن ذلك استخفاف به، فصار كالتصاوير على البساط، فإنه يجوز الجلوس عليه. وقال الصاحبان: يكره التوسد والافتراش والجلوس على الحرير، لعموم النهي عنه، ولأنه زي من لا خلاق له من الأعاجم. ولابأس عند الصاحبين للضرورة بلبس الديباج (وهو ماسداه ولحمته إبْريَسم أي أحسن الحرير) في الحرب؛ لأن الحاجة ماسة إليه، فإنه يردّ الحديد بقوته، ويكون رعباً في قلوب الأعداء، وهو أهيب في عين العدو لبريقه ولمعانه. وعن الحكم بن عمير، قال: «رخص رسول الله ﷺ في لباس الحرير عند القتال» (٣) ويكره لبسه عند أبي حنيفة لعموم النهي، والضرورة تندفع بالمخلوط. وأباح الحنفية في الحرب وغيرها لبس الثوب المختلط بالحرير (المُلْحَم) بأن كان سداه حريراً ولحمته غير حرير كقطن أو كتان أو خز (صوف مخلوط بحرير:

стр. 2560

لحمته صوف، وسداه حرير)؛ لأن الصحابة كانوا يلبسون الخز، والخز مسدّى بالحرير، ولأن النسج باللحمة، فهي المعتبرة دون السدى. فإن انعكس الأمر بأن كانت لحمة الثوب حريراً، وسداه غير حرير، لايحل لبسه في غير الحرب، ولابأس به في الحرب باتفاق الحنفية. ويجوز عند الحنفية قليل الحرير، فالقليل عفو: وهو مقدار ثلاثة أو أربعة أصابع، كالأعلام، والمكفوف بالحرير، لما روى عمر، فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير، إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع» (١). وكان النبي ﷺ يلبس جبة مكفوفة بالحرير (٢). ويجوز للضرورة لبس الحرير لستر عورة أو وقاية الجسم من الحر أو البرد حتى يجد غيره من الثياب المباحة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها. ويباح للضرورة عند جمهور الفقهاء غير المالكية لبس الحرير لدفع أذى من قَمْل ونحوه، أو لدفع مرض كجرب وغيره، بدليل أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما (٣). وقال المالكية: لا يحل ولو لذاك، ويلاحظ أن الحديث حجة عليهم. ويكره عند الحنفية للولي أن يلبس الصبيان الذكور الذهب والفضة والحرير؛

стр. 2561

لأن التحريم ثبت في حق الذكور، وإذا حرم اللبس، حرم الإلباس، كالخمر لما حرم شربه حرم سقيه. وحرم الحنابلة في الأصوب على الولي أن يلبس الصبي الحرير، لعموم قول النبي ﷺ : «حرِّم لباس الحرير على ذكور أمتي وأحل لنسائهم» وروى أبو داود عن جابر قال: «كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري». وحرم الجمهور غير الحنفية الجلوس على الحرير، أو الاستناد عليه، أو توسده وستر الجدران به، إلا أن المالكية أجازوا ستر النافذة به، وأجاز الحنابلة ستر الكعبة به، وأباح الشافعية الجلوس على الحرير بحائل (غطاء) كملاءة من قطن أو صوف أو كتان أو نحوها. ودليلهم على تحريم الجلوس على الحرير قول حذيفة: «نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه» (١). وأجاز الجمهور غير الحنفية كالحنفية لبس القليل من الحرير كالعَلَم (٢) في الثوب الحريري المقدر بأربع أصابع، ولكن عند المالكية يجوز لباس الخز (غير الخالص) مع الكراهة للباس السلف له. ودليل الجمهور حديث عمر المتقدم، وحديث ابن عباس قال: «إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المُصْمَت من قَزّ (٣)». قال ابن عباس: «أما السَّدَى والعَلَم، فلا نرى به بأساً» (٤).

стр. 2562

والمنسوج من الحرير وغيره: الحكم فيه عند الشافعية والحنابلة للأغلب منهما فإن كان القطن ونحوه هو الأكثر، جاز؛ لأن الحرير مستهلك في غيره. وقال المالكية في الأصوب: يكره المختلط بغيره، كالخالص، سواء أكانت المختلط يسيراً أم كثيراً. ولا يجوز في الأصوب عند الحنابلة كالحنفية لولي الصبي أن يلبسه الحرير. وأجاز الشافعية إلباس الصبي أو المجنون حريراً؛ لأنه غير مكلف، ولأن خنوثة الحرير لا تتنافى مع الأولاد بعكس الرجال. وكره تنزيهاً عند الحنفية للرجال لبس المعصفر والمزعفر: الأحمر والأصفر، ولا يكره للنساء، ولا بأس لهن بسائر الألوان. المبحث الرابع - الوطء والنظر واللمس واللهو والتصوير والوسم والوشم وأحكام الشعر والنتف والتفليج والسلام: أولاً - الوطء: الاستمتاع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر، بما يحقق الإعفاف والصون عن الحرام، وتباح كل وجوه الاستمتاع إلا الإتيان في الدبر فهو حرام. ومكان الوطء باتفاق المذاهب: هو القبل، لا الدبر (١)، لقوله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة:٢٢٣/ ٢] (٢) أي على أية كيفية:

стр. 2563

قائمة، أو قاعدة، مقبلة، أو مدبرة، في أقبالهن (١). قال ابن عباس: إنما قوله: ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة:٢٢٣/ ٢]. قائمة، وقاعدة، ومقبلة، ومدبرة، في أقبالهن، لا تعدو ذلك إلى غيره. وله عبارة أخرى في الآية: إن شئت فمقبلة، وإن شئت فمدبرة، وإن شئت فباركة، وإنما يعني ذلك موضع الولد للحرث، يقول: ائت الحرث حيث شئت. وقد ثبت تحريم الوطء في الدبر (٢)، في السنة النبوية، بأحاديث كثيرة منها: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» (٣) «الذي يأتي المرأة في دبرها هي اللوطية الصغرى» (٤) «من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً، فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد» (٥). ويجوز الاستمتاع بها فيما بين الأليتين، لقوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون:٦/ ٢٣] ويجوز وطؤها في القبل مدبرة لقول جابر: «يأتيها من حيث شاء مقبلة أو مدبرة إذا كان ذلك في الفرج». وربما كان أسوأ من الدبر: وضع الذكر في فم المرأة ونحوه، مما جاءنا من شذوذ الغربيين، فيكون ذلك حراماً لثبوت ضرره وقبحه شرعاً وذوقاً.

стр. 2564

وطء الحائض ونحوها: ويحرم بالاتفاق إتيان الحائض، ومستحله كافر، لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض، قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، إن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢] والنفساء كالحائض. ويسن لمن وطئ الحائض أن يتصدق بدينار إن وطئها في إقبال الدم، وبنصفه في إدباره؛ لخبر أبي داود والحاكم وصححه: «إذا واقع الرجل أهله وهي حائض، إن كان دماً أحمر فليتصدق بدينار، وإن كان أصفر، فليتصدق بنصف دينار» (١). وأجاز أبو حنيفة إتيان المرأة إذا انقطع دم الحيض، ولو لم تغتسل بالماء إلا أنه إذا انقطع دمها بعد أكثر الحيض (عشرة أيام) حلت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل من عشرة أيام، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل أو تغتسل. ولم يجز الجمهور غير أبي حنيفة إتيانها حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة. وأما ما عدا الوطء في الفرج للحائض من الاستمتاع بالضم أو المس، أو القبلة أو غير ذلك، فتجوز المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة باتفاق العلماء.

стр. 2565

وأما المباشرة فيما بين السرة والركبة ففيه أقوال ثلاثة (١): ١ - قول أكثر العلماء، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية والشافعية: وهو التحريم، سداً للذريعة، ولحديث عائشة: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها، أمرها أن تأتزر بإزار، في فور حيضتها، ثم يباشرها» (٢). ٢ - قول الحنابلة والأوزاعي ومحمد من الحنفية وغيرهم: الجواز، لقول النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح، وفي لفظ: إلا الجماع» (٣) وهو صريح بتحليل كل شيء ما عدا النكاح. ٣ - التفصيل: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، إما لشدة ورع، أو لضعف شهوة، جاز، وإلا لم يجز. وأرجح العمل بالأحوط في الأحوال العادية، فإن كان المرء مسافراً ثم قدم، أو شديد الشَّبَق (٤)، جاز له العمل بالقولين الآخرين، بشرط أن يضبط نفسه عن الفرج، منعاً من الوقوع في الحرام بالنظر إلى الأجنبيات وغيره، ولأن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئاً، ألقى على فرجها شيئاً (٥).

стр. 2566

العزل: الإيجاد والخلق في الحقيقة منوط بالإرادة الإلهية، ففي حديث حسن رواه الطبراني: «اعزلوا أو لاتعزلوا، ماكتب الله تعالى من نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» ولا خلاف بين العلماء ما عدا ابن حزم الظاهري (١): أنه يجوز العزل (٢) عن الزوجة، بشرط إذنها، بدليل قول جابر: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغه ذلك، فلم ينهنا» (٣) ودليل اشتراط الإذن مارواه أحمد وابن ماجه عن عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن أن يعزل عن الحرة، إلا بإذنها» (٤). إلا أن الشافعية والحنابلة وقوماً من الصحابة قالوا بكراهة العزل؛ لأن الرسول ﷺ في حديث مسلم عن عائشة سماه الوأد الخفي، فحمل النهي على كراهة التنزيه. وأجاز الغزالي العزل لأسباب منها كثرة الأولاد. وبناء عليه يجوز استعمال موانع الحمل الحديثة كالحبوب وغيرها لفترة مؤقتة، دون أن يترتب عليه استئصال إمكان الحمل، وصلاحية الإنجاب، قال الزركشي: يجوز استعمال الدواء لمنع الحبل في وقت دون وقت كالعزل، ولايجوز التداوي لمنع الحبل بالكلية. أو ربط عروق المبايض إذا ترتب عليه امتناع الحمل في

стр. 2567

المستقبل، والعبرة في ذلك لغلبة الظن، أي احتمال مافوق ٥٠%. وكذلك الحكم في تعقيم الرجل. آداب الجماع: للجماع آداب كثيرة ثابتة في السنة النبوية منها مايأتي (١): تستحب التسمية قبله، ويقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص:١/ ١١٢]، ويكبر، ويهلل، ويقول ولو مع اليأس عن الولد: «باسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة، إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي» «اللهم جنِّبني الشيطان، وجنب الشيطان مارزقتني» رواه أبو داود. وينحرف عن القبلة، ولايستقبل القبلة بالوقاع، إكراماً للقبلة. وأن يتغطى نفسه هو وأهله بغطاء، وألا يكونا متجردين (٢) فذلك مكروه كما سيأتي. وأن يبدأ بالملاعبة والضم والتقبيل. وإذا قضى وطره، فليتمهل لتقضي وطرها، فإن إنزالها ربما تأخر. ويكره الإكثار من الكلام حال الجماع، ولايخليها عن الجماع كل أربع ليال مرة بلا عذر. وتأتزر الحائض بإزار مابين السرة والركبة إذا أراد الاستمتاع بها.

стр. 2568

ومن أراد أن يجامع مرة ثانية، فليغسل فرجه، ويتوضأ؛ لأن الوضوء يزيد نشاطاً ونظافة. وليس في السنة استحباب الجماع في ليال معينة كالاثنين أو الجمعة، ومن العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة. ويكره الوطء وهما متجردان. لما روى ابن ماجه عن عتبة بن عبد الله قال: «قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردان تجرد العَيْرين» والعَيْر: حمار الوحش، شبههما به تنفيراً عن تلك الحالة. ويكره تحدثهما بما جرى بينهما، وحرمه بعضهم لما فيه من إفشاء السر، وهو حرام. ومن الآداب ألا يحلق شعره، ولا يقلم أظفاره، ولا يخرج دماً، وهو جنب. ويستحب في ليلة الزفاف قبل الجماع أن يأخذ الرجل بناصية المرأة ويقول: «اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه» (١). الإجهاض: اتفق العلماء على تحريم الإجهاض دون عذر بعد الشهر الرابع أي بعد ١٢٠ يوماً من بدء الحمل، ويعد ذلك جريمة موجبة للغُرَّة (٢)، لأنه إزهاق نفس وقتل إنسان.

стр. 2569

وأرجح عدم جواز الإجهاض بمجرد بدء الحمل، لثبوت الحياة، وبدء تكون الجنين إلا لضرورة كمرض عضال أو سار كالسل أو السرطان، أوعذر، كأن ينقطع لبن المرأة بعد ظهور الحمل. وله ولد، وليس لأبيه ما يستأجر الظئر (المرضع)، ويخاف هلاك الولد. وإني بهذا الترجيح ميَّال مع رأي الغزالي الذي يعتبر الإجهاض ولو من أول يوم كالوأد جناية على موجود حاصل (١). ومع هذا أذكر أقوال الفقهاء في الإجهاض: ١ - مذهب الحنفية (٢): يباح الإسقاط بعد الحمل، ما لم يتخلق منه شيء، ولن يكون ذلك إلا بعد مئة وعشرين يوماً؛ لأنه ليس بآدمي. وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق: نفخ الروح. وقيل عندهم: إن ذلك مكروه بغير عذر، فإذا أسقطت بغير عذر يلحقها إثم. ومن الأعذار: أن ينقطع لبنها بعد ظهور الحمل، وليس لأبي الصبي ما يستأجر به الظئر، ويخاف هلاكه. وحمل بعضهم إباحة الإسقاط المطلقة على حالة العذر؛ لأن الماء بعد ما وقع في الرحم مآله الحياة، فله حكم الحياة. وهذا التأويل معقول وضروري. ٢ - مذهب المالكية (٣): المعتمد أنه يحرم عندهم إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل الأربعين يوماً. وقيل: يكره إخراجه قبل الأربعين. وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً، وهذا رأي الغزالي والظاهرية (٤).

стр. 2570

٣ - مذهب الشافعية (١): يباح الإجهاض مع الكراهة إذا تم في فترة الأربعين يوماً (٤٠ أو ٤٢ أو ٤٥ يوماً) من بدء الحمل، بشرط كونه برضا الزوجين، وألا يترتب على ذلك ضرر بالحامل. وبعد فترة الأربعين يحرم الإسقاط مطلقاً. ورجح الرملي جواز الإجهاض قبل نفخ الروح والتحريم بعد نفخ الروح مطلقاً، فيكون رأيه كالحنفية. وحرم الغزالي (٢) الإجهاض مطلقاً، لأنه جناية على موجود حاصل. ٤ - مذهب الحنابلة (٣)، هو كالحنفية: المعتمد عندهم أنه يجوز الإسقاط في فترة الأربعة الأشهر الأولى ي في مدة الـ ١٢٠ يوماً من بدء الحمل قبل نفخ الروح، ويحرم قطعاً بعدها، أي بعد ظهور الحركة الإرادية. الإعقام أو التعقيم: جعل المرأة عقيماً، بمعالجة تمنع الإنجاب نهائياً. وقد صرح الفقهاء بأنه يحرم استعمال ما يقطع الحبل من أصله، لأنه كالوأد (٤). وذلك إلا إذا كانت هناك ضرورة ملجئة كانتقال مرض خطير بالوراثة إلى الأولاد والأحفاد، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويرتكب أخف الضررين، ولا مانع من عقم المصابة

стр. 2571

بمرض خبيث، وتكون من فئة النساء اللاتي تحققت فيهن مشيئة الله بالعقم: ﴿لله ملك السموات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً﴾ [الشورى:٤٢/ ٤٩ - ٥٠]. أما ما يبطئ الحبل مدة، ولا يقطعه من أصله، وهو المعروف بتنظيم الحمل، فلا يحرم، بل إن كان لعذر كتربية ولد، لم يكره أيضاً، وإلا كره عند الشافعية. التلقيح الصناعي: هو استدخال المني لرحم المرأة بدون جماع. فإن كان بماء الرجل لزوجته، جاز شرعاً، إذ لا محذور فيه، بل قد يندب إذا كان هناك ما نع شرعي من الاتصال الجنسي. وأما إن كان بماء رجل أجنبي عن المرأة، لا زواج بينهما، فهو حرام؛ لأنه بمعنى الزنا الذي هو إلقاء ماء رجل في رحم امرأة، ليس بينهما زوجية. ويعد هذا العمل أيضا منافياً للمستوى الإنساني، ومضارعاً للتلقيح في دائرة النبات والحيوان. خصاء البهائم: ولا بأس عند الحنفية بخصاء البهائم، وإنزاء الحمير على الخيل، لإنجاب البغال، ولأن الخصاء للنفع، إذ تسمن الدابة ويطيب لحمها. وقال المالكية: يجوز خصاء الغنم وسائر الدواب إلا الخيل؛ لأن خصاء الغنم يزيد في سمنها، وخصاء الخيل ينقص من قوتها ويقطع نسلها، ويكره الوسم في الوجه، ولا بأس به في غير ذلك (١).

стр. 2572

ثانياً - النظر: للنظر أربعة أقسام، لكل قسم حكم، وهي: نظر الرجل للمرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة (١). الأول - نظر الرجل للمرأة: أـ إذا كانت المرأة زوجة: جاز للزوج اللمس والنظر إلى جميع جسدها، حتى فرجها باتفاق المذاهب الأربعة، والفرج محل التمتع. ولكن يكره لكل منهما نظر الفرج من الآخر، ومن نفسه بلا حاجة، وإلى باطنه أشد كراهة، قالت عائشة ﵂: «ما رأيت منه، ولا رأى مني» أي الفرج (٢). ب - وإذا كانت المرأة ذات مَحْرم كالأخت والخالة (٣)، جاز عند الحنابلة النظر إلى ما يظهر غالباً كالرقبة والرأس والكفين والقدمين، وليس له النظر إلى ما يستتر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما.

стр. 2573

ومذهب الحنفية قريب من الحنابلة مع تعديل: فعندهم يجوز النظر إلى الوجه والرأس والصدر والساقين (الساق: من الركبة إلى القدم) والعضدين (أي الساعدين، والساعد: من المرفق إلى الكتف)، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها؛ لأن الله تعالى حرم المرأة إذا شبّهها بظهر الأم، فيحرم النظر إليه، والبطن أولى من الظهر، لأنه أدعى للشهوة. وتشدد المالكية فقالوا: الأصح جواز رؤية وجهها ويديها، دون سائر جسدها. وتوسط الشافعية فحرموا نظر البالغ من محرمه الأنثى ما بين سرة وركبة، وأباحوا بغير شهوة نظر ما عدا ما بين السرة والركبة، فيجوز النظر إلى السرة والركبة، لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المحرَم. جـ - وإن كانت المرأة أجنبية: حرم النظر إليها عند الحنفية إلا وجهها وكفَّيها، لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور:٣١/ ٢٤]. قال علي وابن عباس: ما ظهر منها الكحل والخاتم أي موضعهما وهو الوجه والكف، والمراد من الزينة في الآية موضعها، ولأن في إبداء الوجه والكف ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال أخذاً وعطاء. وإن وقع البصر على محرَّم من غير قصد، وجب أن يصرف عنه، وليس على المرء إثم في المرة الأولى غير المقصودة، فقد روى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: «سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري». وروى أبو داود عن بُريدة قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة». وإن كان لا يأمن الشهوة: لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة ضرورية. وبه يظهر أن حل النظر مقيد بعدم الشهوة، وإلا فحرام. والواجب المنع في زماننا من نظر

стр. 2574

الشابة. ويدل لحرمة النظر: حديث صحيح: «العينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان، وزناهما البطش» (١). وحد الشهوة: تحرك الآلة. ويتفق المالكية مع الحنفية في ذلك، فإنهم أجازوا رؤية الوجه والكفين من العجوز، وحرموا ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة. والخصي في المذهبين في حرمة النظر إلى الأجنبي كالفحل. وكذلك قال الشافعية: يحرم نظر فحل بالغ عاقل مختار، ولو شيخاً كبيراً، وعاجزاً عن الوطء ومخنثاً (وهو المتشبه بالنساء) إلى المرأة الأجنبية، وكذا يحرم نظر وجهها وكفيها سواء عند خوف الفتنة أو عند الأمن من الفتنة فيما يظهر له من نفسه من غير شهوة، على الصحيح؛ لأن النظر مظنة الفتنة، ومحرّك للشهوة، وقد قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ [النور:٣٠/ ٢٤] وقال النبي ﷺ : «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (٢). والمنع من النظر، لا لأن الستر واجب عليهن في ذاته، بل لأن فيه مصلحة عامة. فقد حكى القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية. وحرم الحنابلة أيضاً نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، وعلى هذا فإن بدن الحرة كله عورة عند الشافعية والحنابلة. وأما عند الحنفية والمالكية فليس الوجه والكفان بعورة. وروي عن أبي حنيفة أن القدمين ليستا من العورة. وأباح بعض الحنابلة النظر إلى الوجه والكفين مع الكراهة، إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة.

стр. 2575

وقالوا: لا بأس بالنظر إلى ما يظهر غالباً من العجوز التي لا يشتهى مثلها أو الشوهاء التي لا تشتهى، لقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً﴾ [النور:٦٠/ ٢٤]. وعندهم أن الخصي والمخنث الذي لا شهوة له والشيخ ومن ذهبت شهوته لكبر أو عُنَّة أو مرض لا يرجى برؤه: حكمه حكم ذوي المحارم في النظر لقوله تعالى: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة﴾ [النور:٣١/ ٢٤] أي غير ذوي الحاجة إلى النساء. والأحوال التي يجوز النظر فيها للمرأة لحاجة استثنائية هي عند الفقهاء: الخطبة، و المعالجة، و المعاملة كبيع وشراء، والشهادة أو القضاء، والتعليم، ونحو ذلك والنظر بقدر الحاجة، فلا يجوز أن يجاوز ما يحتاج إليه؛ لأن ما حل لضرورة يقدر بقدرها. ففي أثناء الخطبة يجوز النظر للوجه والكفين فقط دون ما عداهما، وللخاطب تكرير نظره، ولا ينظر غير الوجه والكفين، بلا مس شيء منها، لدلالة الوجه على الجمال، والكفين على خصوبة البدن. وفي المعالجة للطبيب: يجب أن يكون النظر إلى موضع المرض من المرأة للضرورة مع وجود مانع الخلوة كمحرم أو زوج، أو امرأة ثقة، وبشرط عدم وجود امرأة تحسن ذلك؛ لأن نظر الجنس إلى جنسه أخف وأسهل عاقبة، وألا يكون الطبيب غير أمين مع وجود أمين، وألا يكون ذمياً مع وجود مسلم، أو ذمية مع وجود مسلمة. ويعتبر في النظر إلى الوجه والكفين أدنى حاجة، وفيما عداهما: كل ما يبيح

стр. 2576

التيمم يبيح النظر، إلا الفرج وقريبه، فيزاد على ذلك وهو أن تشتد الضرورة، حتى لا يعد الكشف عليه هتكاً للمروءة. وفي المعاملة من بيع وشراء يباح النظر للوجه فقط، للمطالبة بالثمن أو تسليم المبيع مثلاً. وفي الشهادة أداء وتحملاً للمرأة أو عليها، ولو كان النظر للفرج للشهادة بالزنا، أو الولادة، أو العَبَالة (كبر الذكر) أو الالتحام أو الإفضاء بين القبل والدبر، فإن تيسر وجود النساء أو المحارم للشهادة بذلك كان هو المتعين. ويجوز للقاضي النظر إلى المرأة إذا أراد أن يحكم عليها، فينظر إلى الوجه، وإن خاف أن يشتهى للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بالقضاء. وفي التعليم لما يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وما يتعين من الصنائع المحتاج إليها، يجوز النظر بشرط فقد وجود أحد من جنس النساء أو محرم صالح، وتعذره من وراء حجاب، ووجود مانع الخلوة من محرم ونحوه. الثاني - نظر المرأة للرجل: حكم نظر المرأة للرجل كحكم الأحوال الثلاث المتقدمة في نظر الرجل للمرأة، فإن كان زوجها، جاز أن ترى منه ما يرى منها. وإن كانت ذا ت محرم، جاز أن ترى منه جسده له إلا عورته. وإن كانت أجنبية عنه، جاز لها عند الحنفية إن أمنت الشهوة أن تنظر إلى جميع بدنه إلا ما بين سرته وركبته. وعند المالكية والحنابلة قولان: قول بأن لها النظر إلى ما ليس بعورة (ما بين

стр. 2577

السرة والركبة) أي كما قال الحنفية، كالرجل مع ذوات محارمه، ويظهر أن هذا هو الراجح؛ لأن النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه قال لفاطمة بنت قيس: «اعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فلا يراك» (١). وقول آخر، وهو الأصح عند الشافعية: يجوز لها النظر من الرجل، مثل ما ينظر إلىها الرجل؛ لأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن، كما أمر الرجال به. وروى أبو داود وغيره أن النبي ﷺ أمر أم سلمة وحفصة بالاحتجاب من ابن أم مكتوم، قائلاً لهما: «أفعمياوان أنتما لا تبصرانه؟». الثالث - نظر الرجل إلى الرجل: يباح باتفاق المذاهب نظر الرجل للرجل ولو أمرد إذا أمن الشهوة إلى جميع بدنه إلا العورة: وهي ما بين السرة والركبة، لقوله ﷺ : «عورة المؤمن ما بين سرته وركبته» (٢)، وقوله: «الفخذ عورة» (٣). وستر العورة واجب حتى على الابن، وفي الحمام وغيرها (٤). ويحرم نظر أمرد (وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته) بشهوة، بالإجماع. كذلك يحرم النظر إلى الملتحي، وإلى النساء المحارم بشهوة.

стр. 2578

الرابع - نظر المرأة إلى المرأة: المرأة مع المرأة في النظر كالرجل مع الرجل، لوجود المجانسة وانعدام الشهوة غالباً، وقد تحققت الضرورة إلى الانكشاف فيما بين النساء. فيمنع النظر إلى العورة أى ما بين السرة والركبة، ويجوز ما سواها مع أمن الشهوة، ويحرم مع الشهوة وخوف الفتنة. والأصح عند الجمهور غير الحنابلة تحريم نظر كافرة (ذمية أو غيرها) غير مَحْرم إلى مسلمة، فتحتجب المسلمة عنها وترتدي خمارها أمامها، ما عدا الوجه والكفين، أي أنها كالرجل لقوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ [النور:٣١/ ٢٤]، فلو جاز لها النظر لم يبق للتخصيص بالنساء فائدة. وصح عن عمر أنه منع الكتابيات دخول الحمام مع المسلمات، ولأنها ربما تحكي أوصاف المسلمة للكافر. فالمراد بنسائهن: خصوص النساء المسلمات، أي المتفقات في الدين، وعلى هذا فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئاً من زينتها الباطنة للكافرة. والأصح عند الحنابلة: ألا فرق بين المسلمتين، وبين المسلمة والذمية، كما لافرق بين الرجلين المسلمين. وبين المسلم والذمي في النظر؛ لأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن، قد كن يدخلن على نساء النبي ﷺ ، فلم يكنَّ يحتجبن، ولا أمرن بحجاب، ولأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والذمية، فوجب ألا يثبت الحجب بينهما، كالمسلم مع الذمي. فأما قوله: ﴿أو نسائهن﴾ [النور:٣١/ ٢٤] فيحتمل أن يكون المراد جملة أو عموم النساء، ويكون المقصود بالآية عموم النساء: المسلمات أوالكافرات. ويترتب عليه، أنه يجوز للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة (١).

стр. 2579

وفي هذا الرأي سعة ويسر، يتناسب مع أوضاع العصر الحاضر. ثالثاً - اللمس: متى حرم النظر، حرم المس أي مس الشهوة؛ لأنه أبلغ منه في اللذة، وإثارة الشهوة، بدليل أنه لو مس فأنزل أفطر، ولو نظر فأنزل لم يفطر. ومتى جاز النظر، جاز مس الأعضاء، إذا أمن الشهوة على نفسه وعلى المرأة، لأنه ﵊ كان يقبِّل رأس فاطمة. وإن لم يأمن اللامس ذلك أو شك، لم يحل له المس ولا النظر (١). وهذا في غير الأجنبية الشابة، أما الشابة فلا يحل مس وجهها وكفيها، وإن أمن الشهوة، لعدم الضرورة، بخلاف النظر. وتحرم مصافحة المرأة، لقوله ﷺ : «إني لا أصافح النساء» (٢). لكن الجمهور غير الشافعية أجازوا مصافحة العجوز التي لا تشتهى، ومس يدها، لانعدام خوف الفتنة، قال الحنابلة: كره أحمد مصافحة النساء، وشدد أيضاً حتى لمحرم، وجوزه لوالد، وأخذ يد عجوز شوهاء. وحرم الشافعية المس والنظر للمرأة مطلقاً، ولو كانت المرأة عجوزاً. وتجوز المصافحة بحائل يمنع المس المباشر.

стр. 2580

ومتى جاز المس، جاز سفر الرجل مع المرأة، ويخلو بها إذا أمن على نفسه وعليها، فالخلوة بالمحرم مباحة إلا الأخت رضاعاً والصهرة الشابة. ومتى حرم المس حرم السفر والخلوة، فلا يجوز أن يخلو رجل بامرأة ليست زوجته ولا ذات محرم منه، ولا السفر معها، لقوله ﷺ : «لا تسافر المرأة فوق ثلاث، إلا ومعها زوجها، أو ذو رحم محرم منها» (١) وقوله: «ألا لا يخلون رجل بامرأة، إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» (٢). وكل ما حرم نظره متصلاً، حرم نظره منفصلاً، ولو بعد الموت، كشعر عانة (عورة) ولو من رجل، وشعر رأس امرأة، وعظم ذراع حرة ميتة وساقها، وقلامة ظفر رجلها دون يدها عند الحنفية، ولو من يديها عند الشافعية، فيندب مواراة ذلك لئلا ينظر إليه أحد، ويستثنى ما تناثر في الحمامات من امتشاط شعور النساء، وحلق عانات الرجال. و وصل الشعر بشعر الآدمي حرام - كما سأبين - سواء أكان شعر المرأة أم شعر غيرها، لما فيه من التزوير، ولقوله ﷺ : «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة» (٣).

стр. 2581

وحيث منع النظر منعت المجالسة والمواكلة إلا لضرورة (١). وأما إعفاء اللحية: فلا شك بأنه سنة مطلوبه لقوله ﷺ : «خالفوا المشركين، أحْفُوا الشوارب، وأوفوا اللِّحى»، «جُزُّوا الشوارب وأرْخُوا اللحى، خالفوا المجوس» وروت عائشة: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك … » الحديث، وعن ابن عمر عن النبي ﷺ : «أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية» (٢). ومعنى إحفاء الشوارب: قص ما طال على الشفتين، حتى يبين بياضهما. ومعنى إعفاء اللحية: توفيرها، خلافاً لما كان من عادة الفرس من قص اللحية، فنهى الشرع عن ذلك. وقد حرم المالكية والحنابلة حلقها، واعتبر الحنفية حلقها مكروهاً تحريمياً، والمسنون في اللحية هو القبضة، وأما الأخذ منها دون ذلك أو أخذها كلها فلا يجوز (٣). وقال الشافعية بكراهية حلقها، فقد ذكر النووي أن العلماء ذكروا عشر خصال مكروهة في اللحية، بعضها أشد من بعض، منها حلقها إلا إذا نبت للمرأة لحية، فيستحب لها حلقها (٤). وأما خصال الفطرة العشر (٥) فهي بمقتضى حديث عائشة السابق: قص

стр. 2582

الشارب وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم (١)، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء (الاستنجاء)، والمضمضة، والختان وكونه العاشر أولى، كما في رواية أبي هريرة. وأما المضاجعة: فلا يجوز أن يجتمع رجل وامرأة غير زوجته في مضجع واحد، لا متجردين، ولا غير متجردين، ولا يجوز أن يجتمع رجلان ولا امرأتان في مضجع واحد، وقد نهي عن المكامعة أو المكاعمة ومعناها المضاجعة التي لا ستر بينهما (٢). وقد حرم الشافعية تلك المضاجعة بين رجلين أو امرأتين عاريين في ثوب واحد. ويجب التفريق بين الصبيان أو البنات في المضاجع بين ابن عشر سنين وإخوته وأخواته لخبر: «مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم بالمضاجع» (٣). وتسن مصافحة الرجلين والمرأتين لقوله ﵇ فيما يرويه الطبراني والبيهقي: «إن المؤمن إذا لقي المؤمن، فسلم عليه وأخذ بيده، فصافحه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر». ولخبر: «ما من مسلمين يلتقيان يتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» (٤) والسنة في المصافحة بكلتا يديه. قال النووي في الأذكار: اعلم أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه،

стр. 2583

ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وتقييدها بما بعد الصبح والعصر عادة كانت في زمانه، وإلا فعقب الصلوات كلها كذلك. والراجح عند الحنفية جواز المصافحة مطلقاً ولو بعد الصلوات. وكره بعض الحنفية المصافحة بعد الصلاة. وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص (١). ويكره تحريماً عند الحنفية تقبيل الرجل فم الرجل، أو يده، أو شيئاً منه. وكذا تقبيل المرأة المرأة عند لقاء أو وداع، إذا كان عن شهوة، أما لو كان على وجه البر، فجائز. وتكره عند الشافعية المعانقة والتقبيل في الرأس، ولو كان أحدهما أو كلاهما صالحاً، للنهي عن ذلك في حديث رواه الترمذي، إلا لقادم من سفر، أو تباعُد لقاء عرفاً، فيكون سنة؛ لحديث رواه الترمذي أيضاً. ويكره حني الظهر مطلقاً لكل أحد من الناس، ويحرم تقبيل الأرض بين يدي العلماء والعظماء. ولا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل، وتقبيل رأس العالم أجود. ويسن القيام لأهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف، أو نحو ذلك إكراماً، لا رياء وتفخيماً، قال النووي في الروضة: قد ثبت فيه أحاديث صحيحة.

стр. 2584

رابعاً - اللهو: اللعب: أـ يحرم بالاتفاق كل لعب فيه قمار (١): وهو أن يغنم أحدهما، ويغرم الآخر، لأنه من الميسر أي القمار الذي أمر الله باجتنابه في قوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه﴾ [المائدة:٩٠/ ٥]. ومن تكرر منه ذلك سقطت عدالته، وردت شهادته. وإن أخرج أحدهما مالاً على أنه إن غلب، أخذ ماله، وإن غلبه صاحبه، أخذ المال، لم يصح العقد؛ لأنه ليس من آلات الحرب، فلا يصح بذل العوض فيه، ولا ترد به الشهادة، لأنه ليس بقمار، كما أبنت معناه. ب - وما خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما، فمنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح، لكن لا يخلو كل لهو غير نافع من الكراهة؛ لما فيه من تضييع الوقت والانشغال عن ذكر الله وعن الصلاة وعن كل نافع مفيد. النرد: يحرم اللعب بالنرد، وترد به الشهادة. وعبر عنه الحنفية: بالمكروه تحريماً بحسب اصطلاحهم في كون دليل الحكم فيه ظنياً، لما روى أبو موسى الأشعري: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» (٢) وروى بريدة أن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه» (٣).

стр. 2585

فمن تكرر منه اللعب به، لم تقبل شهادته، سواء لعب به قماراً أو غير قمار. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة، لأنه إن لم يقامر، فهو عبث ولهو، وقال ﵇: «كل شيء ليس من ذكر الله، فهو لهو، ولعب، أو: وهو سهو ولغو، إلا أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأدي الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعلم الرجل السباحة» (١) وقال ﷺ : «لست من دَد، ولا الدَّد مني» (٢). ويحرم اللعب بالأربعة عشر؛ لأن المعول فيها على ما يخرجه الكعبان (٣) فشابه الأزلام والنرد، لكن الحقيقة أن تحريم النرد (أي الطاولة) هو لأنه اللعب الذي كان يدور عليه قمار أهل فارس. الشطرنج: ويحرم عند الجمهور غير الشافعية أيضاً الشطرنج، قال علي ﵁: الشطرنج من الميسر. ومرّ علي ﵁ بقوم يلعبون الشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ وقال الشافعية: يكره اللعب بالشطرنج، لأنه لعب لا ينتفع به في أمر الدين، ولا حاجة تدعو إليه، فكان تركه أولى. ولا يحرم، لأنه روي اللعب به عن ابن عباس وابن الزبير، وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب ﵃، إذ لم يرد نص بتحريمه، ولا هو في معنى المنصوص عليه، والأصل في الأشياء الإباحة. وقيل: فيه تشحيذ الخواطر، وتذكية الأفهام.

стр. 2586

وإن كان على عوض من الجانبين أو من جانب واحد يأخذه الغالب من المغلوب، فهو حرام، كما ذكرت في بدء بحث اللهو. الغناء وآلاته: قال بعض الحنفية وبعض الحنابلة: يحرم الغناء وسماعه من غير آلة مطربة، لما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب» (١). وقال بعض آخر من الحنفية والحنابلة، والمالكية: يباح الغناء المجرد من غير كراهة. ويظهر أن رأي هذا البعض هو الراجح. وقال الشافعية: يكره الغناء وسماعه من غير آلة مطربة، ولا يحرم، لما روي عن عائشة ﵂، قالت: «كانت عندي جاريتان تغنيان، فدخل أبو بكر، فقال: مزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : دعهما، فإنها أيام عيد» (٢). وقال عمر: الغناء زاد الراكب. والخلاصة: أن الغزالي في بعض تآليفه نقل الاتفاق على حل مجرد الغناء من غير آلة (٣). وأما الآلات: فيحرم في المشهور من المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) استعمال الآلات التي تطرب كالعود والطنبور والمعزفة والطبل والمزمار والرباب وغيرها من ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها (٤).

стр. 2587

فمن أدام استماعها، ردت شهادته، لقوله ﷺ : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخمر والخنازير والخز والمعازف» (١) وفي لفظ: «ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (٢). واستدلوا على تحريم المعازف من القرآن بقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ [لقمان:٦/ ٣١] قال ابن عباس: إنها الملاهي. وبالمعقول: وهو أن هذه الآلات تطرب، وتدعو إلى الصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وإلى إتلاف المال، فحرمت كالخمر. ويكره عند الشافعية والحنابلة القضيب الذي يزيد الغناء طرباً، ولا يطرب إذا انفرد، لأنه تابع للغناء، فكان حكمه حكم الغناء، أي أنه مكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه كالتصفيق والغناء والرقص. وإن خلا عن ذلك لم يكره، لأنه ليس بآلة ولا يطرب، ولا يسمع منفرداً بخلاف الملاهي. وأباح مالك والظاهرية وجماعة من الصوفية السماع ولو مع العود واليراع. وهو رأي جماعة من الصحابة (ابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية، وعمرو بن العاص وغيرهم) وجماعة من التابعين كسعيد بن المسيب. وأما الرقص الذي يشتمل على التثني والتكسر والتمايل والخفض والرفع بحركات موزونة فهو حرام ومستحله فاسق.

стр. 2588

وأما اللعب المباح: فهو - كما سأبين في بحث السبق - المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من الحيوانات، أو التدرب على السلاح. ويجوز ذلك على عوض من غير المتسابقين، أو من واحد منهما يأخذه السابق. ويجوز الغناء المباح وضرب الدف (١) في العرس والختان، لقوله ﷺ : «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال». (٢) وتحرم الأغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة الخمور في الزفاف وغيره، ويحرم كل الملاهي المحرمة (٣). وحكى الرُوياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف، وهو مذهب الظاهرية. ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود (٤)، وبه قال بعض الشافعية. ودليلهم على الإباحة: أنه لم تصح عندهم أحاديث المنع. قال الفاكهاني: لم أعلم في كتاب الله، ولا في السنة حديثاً صحيحاً في تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها، لا أدلة قطعية (٥). وأقول: إن الأغاني الوطنية أو الداعية إلى فضيلة، أو جهاد، لا مانع منها، بشرط عدم الاختلاط، وستر أجزاء المرأة ما عدا الوجه والكفين. وأما الأغاني المحرضة على الرذيلة فلا شك في حرمتها، حتى عند القائلين بإباحة الغناء، وعلى التخصيص منكرات الإذاعة والتلفاز الكثيرة في وقتنا الحاضر.

стр. 2589

ولا شك بأن الامتناع عن السماع في الوقت الحاضر أولى؛ لأن في ذلك شبهة؛ والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولاسيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود، والجمال والدلال، والهجر والوصال، ومعاقرة الراح (الخمر)، كما ذكر الشوكاني (١). ولا بأس بسماع الموسيقا لعلاج بعض الأمراض النفسانية، أو العصبية. ضابط ما يجوز وما يحرم من اللهو واللعب عند الشافعية: الضابط المميز للهو واللعب عند الشافعية: هو أن كل ما لا يترك أثراً نافعاً فهو مباح، وكل ما يترك أثراً ضاراً فهو حرام. وأساس التفرقة في أنواع اللعب: هو أن ما يقوم على تشغيل الذهن وتحريك الفكر كالشطرنج فهو مكروه، وكل ما يقوم على المصادفة وحجب الفكر والعقل كالنرد فهو حرام. وعلى هذا يكون الاسترسال في مجالس اللهو والمزاح مكروهاً، فإن انضم إليه الكذب أو التهاون في الأخلاق فهو حرام. وتكون مجالس الغناء المقرونة بالآلات الموسيقية حراماً، والشطرنج مكروه لأنه رياضة للذهن، فإن فوت الواجبات الدينية فهو حرام، ولعب الشدَّة أو الورق مكر وه لأنه يلهي عن ذكرالله ويصبح حراماً إن كان على شرط المال. والنرد حرام ولو بغير قمار أو عوض مالي لاعتماده على المصادفة، وذلك يترك أثراً ضاراً في النفس؛ لأنه يجعل العقل يتخيل كون المصادفة مؤثرة في أعمال الحياة.

стр. 2590

وتحريش الديكة على بعضها، ودفع المواشي إلى التناطح ومصارعة الثيران والمصارعة الحرة والملاكمة ونحوها حرام، لما تحدثه من أضرار في حياة الإنسان أو الحيوان، فإن لم يكن في الملاكمة أو المصارعة ضرر بأحد الطرفين كانت مباحة، وكذلك تباح إن كان فيها تعويد الإنسان على القوة والقتال والدفاع عن النفس، وقد صارع رسول الله ﷺ رُكانة وغلبه (١). فإن كان اللهو على مال مشروط من أحد الطرفين أو من الطرفين أو من أجنبي عنهما فهو حرام؛ لأنه من الميسر الذي يحرم تعاطيه. وأما ما رواه أبو داود في مراسيله: «أن النبي ﷺ صارع ركانة إذ كان مشركاً، على شياه» فهذا كان في الجاهلية قبل إسلام ركانة، وقد رد النبي ﷺ الشياه الثلاث على ركانة قائلاً له: «ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك فنغرمك، خذ غنمك». ويكره اللعب بالحمام عند جماعة من العلماء لأنه من اللهو الذي لم يؤذن فيه، وربما يكون حراماً؛ لما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: «شيطان يتبع شيطانة». الحداء والشعر: وأما الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل، فمباح، لا بأس في فعله واستماعه. وقد أقره النبي ﷺ ، كما أقر نشيد الأعراب. فيجوز سائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء، وقد كان النبي ﷺ يسمع إنشاد الشعر، فلا ينكره (٢). ويجوز قول الشعر، لأنه كان للنبي ﷺ شعراء منهم حسان وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وقد مدحوه، وأعطى الرسول بردة كانت عليه كعب بن زهير لما أنشده القصيدة اللامية: بانت سعاد.

стр. 2591

وحكم الشعر حكم الكلام في حظره وإباحته، وكراهيته واستحبابه ورد الشهادة به، فحسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه، قال النبي ﷺ : «إن من الشعر لحكماً» (١) وقال أيضاً: «الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» (٢). تلحين القرآن: لا بأس بقراءة القرآن من غير تلحين. والأفضل تحسين الصوت بالقرآن، لقوله ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم» أو «زينوا أصواتكم بالقرآن» (٣). أما القراءة بالتلحين: فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع الحركات، فلا بأس به لأن النبي ﷺ قد قرأ ورجَّع ورفع صوته. فإن جاوز الحد في التطويل وإدغام بعضه في بعض، كان مكروهاً (٤). خامساً - التصوير: التصوير في أصل اللغة العربية: معناه الإنشاء والترتيب والتمييز، ومنه «المصوِّر» أحد أسماء الله تعالى: وهو الذي صوَّر جميع الموجودات ورتَّبها، فأعطى كلَّ شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها (٥). ومنه قوله تعالى: ﴿ثم صوَّرناكم﴾ [الأعراف:٧/ ١١] ﴿وصوَّركم

стр. 2592

فأحسن صوركم﴾ [التغابن:٣/ ٦٤] ﴿في أي صورة ما شاء ركَّبك﴾ [الانفطار:٨/ ٨٢] ﴿هو الذي يصوِّركم في الأرحام﴾ [آل عمران:٦/ ٣]. ومنه قوله ﷺ : «خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعاً» (١). قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: فالصورة: أراد بها ما خُصَّ الإنسان بها من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضَّله على كثير من خلقه (٢). وكان التصوير الموجود في عهد النبوة الذي اتجه إليه النهي والتحريم هو الذي توافر فيه صفات ثلاث: صورة ماله روح من الإنسان والحيوان، وقصد التعظيم، ومضاهاة أو محاكاة خلق الله تعالى وفعله. والحكمة من التحريم: منع التشبه بعبادة الأوثان والأصنام، ومحاربة الشرك، وتوفير التعظيم لله وحده. وأهم الأحاديث الواردة في التصوير ما يلي: ١ - حديث امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه كلب أو تصاوير: أخرج مسلم عن ابن عباس يقول: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة» أي ملائكة الرحمة والتبريك والاستغفار. أما الحفظة فيدخلون في كل بيت، ولا يفارقون بني آدم في كل حال؛ لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها. قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى. وأما الكلب فلكثرة أكله النجاسات (٣).

стр. 2593

وقال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة: مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه. ٢ - حديث القرام: أخرج مسلم أيضاً عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا متسترة بِقرَام (١) فيه صورة، فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهون بخَلْق الله» (٢) وهذا الحكم المتعلق بالقرام كان في أول الأمر، ثم رُخِّص فيه بعدئذ، بدليل رواية أخرى كما ذكرها مسلم لخالد الجهني فيها زيادة: «إلا ما كان رقماً في ثوب» وكذلك رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) في حديث أبي طلحة: «إلا رقماً في ثوب». ويؤيد الترخيص المتأخرحديث آخر: هو ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: «كان لنا ستْر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله ﷺ : حوِّلي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته، ذكرت الدنيا» قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول: عَلَمُها حرير، فكنا نَلْبَسُها. قال الطحاوي: إنما نهى الشارع أولاً عن الصور كلها، وإن كانت رقماً؛ لأنهم كانوا حديث عهد بعبادة الصور، فنهى عن ذلك جملة، ثم لما تقرر نهيه عن ذلك، أباح ما كان رقماً في ثوب للضرورة إلى اتخاذ الثياب، وأباح ما يمتهن؛ لأنه يأمن على الجاهل تعظيم ما يمتهن، وبقي النهي فيما لا يمتهن. ٣ - حديث النُّمرقة (٣): أخرج مسلم عن عائشة: «أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ ، قام على الباب، فلم يدخل، فعَرَفتُ - أو

стр. 2594

فعُرفت - في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتُها لك تقعُد عليها وتوَسَّدها، فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم». ثم قال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» (١). وهذا واضح الدلالة في أن التحريم منصب على المصورين الذين يصورون صور الأجسام ذات الروح إذا كانت بحالة يضاهى بها خلق الله. ٤ - تحدي المصورين: أخرج مسلم عن أبي زُرعة قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : «ومن أظلم ممن ذهب يخلُق خلقاً كخَلْقي، فليخلُقوا ذَرَّة، أو ليخلقوا حبَّة أو ليخلقوا شعيرة» (٢). ٥ - أخرج البخاري «أن النبي لمصلّى الله عليه وسلم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب (٣) إلا نفضه». آراء العلماء في التصوير: قال النووي مبيناً آراء العلماء (٤): تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.

стр. 2595

وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام. هذا حكم التصوير نفسه. وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان، أي تعليقه ونصبه في المنازل وغيرها، فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً، فهو حرام. وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام، ولافرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. وهذا رأي الشافعية وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. ووجود الصور يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت إذا كان فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلب والصور، دون غيره مما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه، كما تقدم بيانه. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورالتي ليس لها ظل، قال النووي: وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقماً في ثوب أوغير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن، عملاً بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم. قال النووي: وهذا مذهب قوي.
следующие страницы →