النبي ﷺ أمر بقسم جلودها ونهى عن بيعها، فقال: «من باع جلد أضحيته، فلا أضحية له» (١).
ولا يجوز إعطاء الجزار أو الذابح جلدها أو شيئاً منها كأجرة للذبح، لما روى علي ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنه (أي عند نحرها)، وأن أقسم جلودها، وجلالها (٢)، وألا أعطي الجازر شيئاً منها» وقال: «نحن نعطيه من عندنا» (٣).
فإن أعطي الجزار شيئاً من الأضحية لفقره، أو على سبيل الهدية، فلا بأس؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره، بل هو أولى، لأنه باشرها، وتاقت نفسه إليها.
وللمضحي أن ينتفع بجلد الأضحية لاستعماله في البيت كجراب وسقاء وفرو وغربال ونحوها، ولكن له استحساناً عند الحنفية خلافاً لغيرهم: أن يشتري به ما ينتفع بعينه مع بقائه أي مبادلته بعروض (أمتعة) أخرى؛ لأن للبدل حكم المبدل، والمعاوضة بالعروض من باب الانتفاع. ولا يجوز أن يشتري به شيئاً استهلاكياً كالدراهم والدنانير والمأكولات والمشروبات، أي فلا يجوز البيع بالنقود أو السلع الاستهلاكية.
ودليل جواز الانتفاع بالجلد: أن عائشة ﵂ اتخذت من جلد أضحيتها سقاء.
стр. 2662
ويكره عند المالكية أن يطعم منها يهودياً أو نصرانياً.
وأجاز الحنابلة إهداء الكافر من أضحية التطوع، أما الواجبة فلا يجوز إهداء الكافر منها شيئاً (١).
أما نقلها إلى بلد آخر: فقال الحنفية: يكره نقلها كالزكاة من بلد إلى بلد إلا أن ينقلها إلى قرابته أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده، ولو نقل إلى غيرهم أجزأه مع الكراهة. وقال المالكية: ولا يجوز نقلها إلى مسافة قصر فأكثر إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب، فيجب نقل الأكثر لهم، وتفرقة الأقل على أهله. وقال الحنابلة والشافعية كالمالكية: يجوز نقلها لأقل من مسافة القصر، من البلد الذي فيه المال، ويحرم نقلها كالزكاة إلى مسافة القصر وتجزئه ..
٢ - وقال الشافعية (٢): الأضحية الواجبة - المنذورة أو المعينة بقوله مثلاً: «هذه أضحية» أو «جعلتها أضحية»: لا يجوز الأكل منها، لا المضحي ولا من تلزمه نفقته. ويتصدق بجميعها وجوباً. ويذبح ولد الأضحية المعينة كأمه، لكن يجوز للمضحي أكله كله قياساً على اللبن، إذ أن له شرب فاضل لبنها عن ولدها مع الكراهة.
وأما الأضحية التطوع: فالمستحب للمضحي بها عن نفسه الأكل منها، أي أن الأفضل له تناول لقم يتبرك بأكلها، لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها، وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢] وعند البيهقي: «أنه ﷺ كان يأكل من كبد أضحيته». وإنما لا يجب الأكل منها - كما قال الظاهرية عملاً بظاهر الآية - لقوله
стр. 2663
تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ [الحج:٣٦/ ٢٢] فجعلها لنا، وما جعل للإنسان فهو مخير بين تركه وأكله.
وللمضحي أيضاً إطعام الأغنياء، لا تمليكهم منها شيئاً، بل يرسل إليهم على سبيل الهدية، دون أن يتصرفوا فيه بالبيع وغيره.
والمضحي يأكل ثلثاً على المذهب الجديد، وفي قول قديم: يأكل نصفاً ويتصدق بالنصف الآخر.
والأصح وجوباً التصدق ببعض الأضحية، ولو جزءاً يسيراً من لحمها، بحيث ينطلق عليه الاسم، على الفقراء المسلمين ولوواحداً. والأفضل التصدق بالكل إلا لقماً يتبرك بأكلها، كما تقدم.
ويتصدق المضحي في أضحية التطوع بجلدها، أو ينتفع به، كما يجوز له الانتفاع بها، والتصدق به أفضل. أما الواجبة: فيجب التصدق بجلدها.
ولا يجوز نقل الأضحية من بلدها لمسافة القصر فأكثر كما هو المقرر في نقل الزكاة.
الأضحية عن الغير: قال الشافعية (١): لا يضحى عن الغير بغير إذنه، ولا عن ميت إن لم يوص بها، لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم:٣٩/ ٥٣] فإن أوصى بها جاز، وبإيصائه تقع له. ويجب التصدق بجميعها على الفقراء، وليس لمضحيها ولا لغيره من الأغنياء الأكل منها، لتعذر إذن الميت في الأكل.
стр. 2664
وقال المالكية (١): وكره فعلها عن ميت إن لم يكن عينها قبل موته، فإن عينها بغير النذر، ندب للوارث إنفاذها. وقال الحنفية والحنابلة (٢): تذبح الأضحية عن ميت، ويفعل بها كعن حي من التصدق والأكل، والأجر للميت، لكن يحرم عند الحنفية الأكل من الأضحية التي ضحى بها عن الميت بأمره.
стр. 2665
الفَصْلُ الثّاني: العَقِيقة وأحكامُ المولود وفيه مبحثان:
المبحث الأول - العقيقة:
الكلام عن العقيقة فيما يأتي:
١ - حكم العقيقة ومعناها وحكمتها:
قال الحنفية (١): تباح العقيقة ولا تستحب؛ لأن تشريع الأضحية نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة، و الرجبية، و العتيرة، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل. والنسخ ثبت بقول عائشة: «نسخت الأضحية كل ذبح كان قبلها».
والعقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، يوم أسبوعه. والأصل في معناها اللغوي: أنها الشعر الذي على المولود، ثم أسمت العرب الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، أو ما يجاوره.
والرجبية: شاة كان العرب في الجاهلية يذبحونها في رجب، فيأكل منها أهل البيت، ويطبخون، ويطعمون.
стр. 2666
والعتيرة: أول ولد للناقة أو الشاة، يذبح، ويأكله صاحبه، ويطعم منه. وقيل: إنها الشاة التي تذبح في رجب، وفاء لنذر، أو إذا أنتجت الشاة عشراً، فتذبح واحدة منها.
والصحيح أن العتيرة هي الرجبية، سواء بنذر أو بغير نذر، وهي سنة جاهلية (١).
وقال جمهور الفقهاء (غير الحنفية) (٢): لا تسن العتيرة، أو الرجبية، وتسن للأب من ماله العقيقة عن المولود، ولا تجب؛ لأن النبي ﷺ ، في حديث ابن عباس: «عق عن الحسن والحسين ﵉ كبشاً كبشاً» (٣). وقال: «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى» (٤) «كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُسمى فيه، ويحلق رأسه» (٥). وقال الشافعية: تسن لمن تلزمه نفقته.
وحكمتها: شكر نعمة الله تعالى برزق الولد، وتنمية فضيلة الجود والسخاء وتطييب قلوب الأهل والأقارب والأصدقاء بجمعهم على الطعام، فتشيع المحبة والمودة والألفة.
стр. 2667
٢ - جنسها وسنها وصفتها:
هي في الجنس والسن والسلامة من العيوب مثل الأضحية، من الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. وقيل: لا يعق (١) بالبقر ولا بالإبل.
٣ - عددها:
هي عند المالكية: شاة عن الذكر، أو الأنثى، لحديث ابن عباس السابق أنه ﵊: «عق عن الحسن شاة، وعن الحسين شاة» وهو المعقول والأيسر.
وقال الشافعية والحنابلة: عن الغلام شاتان، وعن الأنثى شاة. لخبر عائشة: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (٢) وحديث ابن عباس محمول على الجواز. وكالشاة: سُبْع أو بقرة، فلو ذبح بدنة أو بقرة عن سبعة أولاد، جاز. ولو كان المساهم في العقيقة عند الشافعية يريد اللحم فقط. وتتعدد العقيقة بتعدد الأولاد. وتتحقق السنة بشاة عن الغلام، وشاة عن الأنثى، لفعل النبي ﷺ المتقدم عن الحسن والحسين. وتتعدد العقيقة بتعدد الأولاد، فلو ولد له توأمان، كان لهما عقيقتان، ولا تكفي واحدة عنهما.
٤ - وقتها:
تذبح يوم سابع ولادة المولود، ويحسب يوم الولادة من السبعة. فإن ولدت
стр. 2668
ليلاً، حسب اليوم الذي يليه. وعند المالكية: يحسب يوم الولادة إن ولد قبل الفجر أو معه، ولا يعد اليوم الذي ولد فيه، إن ولد بعد الفجر. وقيل عندهم: يحسب إن ولد قبل الزوال لا بعده. ويندب الذبح ضحى إلى الزوال لا ليلاً.
وصرح الشافعية والحنابلة: أنه لو ذبح قبل السابع أو بعده، أجزأه. وأضاف الحنابلة والمالكية: لا يعق غير الأب، ولا يعق المولود عن نفسه إذا كبر، لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره. واختار جماعة من الحنابلة: أن للشخص أن يعق عن نفسه استحباباً. ولا تختص العقيقة بالصغر، فيعق الأب عن المولود، ولو بعد بلوغه؛ لأنه لا آخر لوقتها.
ويقول الذابح بعد التسمية: اللهم منك وإليك عقيقة فلان؛ لخبر ورد فيه رواه البيهقي بإسناد حسن، وروت عائشة أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين، وقال: «قولوا: بسم الله، اللهم لك وإليك عقيقة فلان».
ويكره لطخ رأس المولود بدم العقيقة، خلافاً لما كان عليه الجاهلية من تلطيخ رأسه بدمها، قالت عائشة: «كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خَلوقاً» أي زعفراناً.
ودليل كراهية التلطيخ أيضاً قوله ﷺ : «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى» (١).
стр. 2669
٥ - حكم لحمها وجلدها:
حكم اللحم كالضحايا، يؤكل من لحمها، ويتصدق منه، ولا يباع شيء منها. ويسن طبخها، ويأكل منها أهل البيت وغيرهم في بيوتهم، وكره عند المالكية عملها وليمة يدعو الناس إليها. ويجوز عند المالكية: كسر عظامها، ولا يندب. وقال الشافعية والحنابلة: يجوز اتخاذ الوليمة، ولا يكره كسر العظام، إذ لم يثبت فيه نهي مقصود، بل هو خلاف الأولى، ويستحب أن تفصل أعضاؤها، ولا تكسر عظامها، تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود، لما روي عن عائشة، أنها قالت: «السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة تطبخ جُدولاً (١)، ولا يكسر عظم، ويأكل ويطعم، ويتصدق، وذلك يوم السابع».
وأجاز الإمام أحمد في رواية عنه بيع الجلد والرأس والتصدق به. ويستحب إعطاء القابلة من العقيقة؛ لما في مراسيل أبي داود أن النبي قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين: «أن يبعثوا إلى القابل برِجْل، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها عظماً».
فيكون الفرق بين العقيقة والأضحية: أنه يسن طبخ العقيقة، ويستحب ألا تكسر عظامها، وأن تهدى القابلة رجل العقيقة نيئة غير مطبوخة؛ لأن فاطمة ﵂ فعلت ذلك بأمر النبي ﷺ ، كما روى الحاكم.
المبحث الثاني - أحكام المولود:
وهي كثيرة أهمها ما يأتي:
стр. 2670
يستحب للوالد أن يؤذِّن في أذن المولود اليمنى، وتقام الصلاة في اليسرى حين يولد (١)، لما روى أبو رافع أن النبي ﷺ أذن في أذن الحسن، حين ولدته فاطمة (٢)، ولخبر ابن السني عن الحسن بن علي مرفوعاً: «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، لم تضره أم الصبيان» أي التابعة من الجن. وعن ابن عباس: «أن النبي ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد، وأقام في أذنه اليسرى» (٣).
وبما أن هذين الحديثين ضعيفان، فيقتصر في تقديري على الأذان الثابت في حديث أبي رافع، ليكون إعلام المولود بالتوحيد أول ما يقرع سمعه عند قدومه إلى الدنيا، كما يلقن عند خروجه منها، ولما فيه من طرد الشيطان عنه، فإنه يدبر عند سماع الأذان، كما ورد في الخبر.
ويسن أن يقول في أذن المولود اليمنى: «إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم» ويقول ذلك، ولو كان المولود ذكراً على سبيل التلاوة، والتبرك بلفظ الآية، بتأويل إرادة (النسمة) وفي مسند ابن رَزِين أنه قرأ في أذن مولود (أي اليمنى) سورة الإخلاص.
ويسن أن يُحنِّك المولود بتمرة، بأن تمضغ، ويدلك بها داخل فمه، ويفتح فمه، حتى ينزل إلى جوفه منها شيء. فإن لم يكن تمر، فيحنكه بحلو (٤). لما في الصحيحين عن أبي موسى قال: «ولد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ ، فسماه:
стр. 2671
إبراهيم، وحنكه بتمرة» زاد البخاري: «ودعا له بالبركة، ودفعه إلي، وكان أكبر ولد أبي موسى». وروى أنس قال: «ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ ، حين ولد، فقال: هل معك تمر؟ قلت: نعم، فناولته تمرات، فلاكهن، ثم فغر فاه، ثم مجّه فيه، فجعل يتلمظ، فقال رسول الله ﷺ : حَب الأنصار: التمر، وسماه: عبد الله» (١).
ويندب أن يُهنَّأ الوالد، بأن يقال له: «بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورزقت بره» ويرد هو على المهنئ، فيقول: «بارك الله لك، وبارك عليك» أو: «أجزل الله ثوابك» أو نحو ذلك (٢).
ويستحب حلق رأس المولود في اليوم السابع من ولادته، وأن يُسمى فيه، بعد ذبح العقيقة، و يُتَصدَّق بوزن شعره ذهباً أو فضة (٣)، لأنه ﷺ أمر فاطمة، فقال: «زِني شعر الحسين، وتصدقي بوزنه فضة» (٤)، كما قال لها لما ولدت الحسن: «احلقي شعر رأسه، فتصدقي بوزنه من الوَرِق» (٥) أي الفضة. وقيس بالفضة: الذهب.
ويكره الختان يوم الولادة ويوم السابع عند الحنفية؛ لأنه من فعل اليهود. ويستحب عند الشافعية أن يكون الختان في اليوم السابع من ولادته، لما أخرجه البيهقي عن عائشة: «أن النبي ﷺ ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما». والختان للذكر بقطع الجلدة التي تغطي الحشفة: سنة مؤكدة عند
стр. 2672
المالكية والحنفية للذكور، والخفاض في النساء مكرمة وهي قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ويندب ألا تَنْهَك، أي لا تجور في قطع الجلدة التي في أعلى الفرج لأجل تمام اللذة في الجماع. وقال الشافعية: الختان فرض على الذكور والإناث، وقال أحمد: الختان واجب على الرجال، مكرمة في حق النساء (١)، ويجري هذا عادة في البلاد الحارة. ويستحب أن يؤخر عند المالكية حتى يؤمر الصبي بالصلاة، وذلك من السبع إلى العشر.
وحكمة الختان: المبالغة في الطهارة والنظافة، وتمييز المسلم من غيره. ويسن أن يحسن الوالد اسم المولود (٢) لخبر: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم، فحسِّنوا أسماءكم» (٣). وأفضل الأسماء: عبد الله، وعبد الرحمن، لخبر مسلم: «أحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله، وعبد الرحمن»، زاد أبو داود: «وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة». ومثل ذلك كل ما أضيف إلى أسماء الله الحسنى. ومثله أسماء الأنبياء أو الملائكة لحديث: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» (٤). قال مالك: سمعت أهل المدينة يقولون: «ما من أهل بيت فيهم اسم محمد، إلا رزقوا رزق خير». فالتكني بأبي القاسم حرام (٥).
و تكره الأسماء القبيحة، كشيطان وظالم وشهاب وحمار وكليب، وما
стр. 2673
يتشاءم بنفيه عادة، كنجيح وبركة، لخبر: «لا تسمين غلامك: أفلح ولا نجيحاً، ولا يساراً، ولا رباحاً، فإنك إذا قلت: أثمَّ هو؟ قال: لا»، ويسن أن تغير الأسماء القبيحة، وما يتطير بنفيه لخبر مسلم: «أنه ﷺ غيَّر اسم عاصية، وقال: أنت جميلة». وفي الصحيحين أنه غير اسم بَرّة إلى زينب، وهي زينب بنت جحش.
ويجوز التسمية بأكثر من اسم واحد، والاقتصار على اسم واحد أولى، لفعله ﷺ بأولاده.
و يكره كراهة شديدة التسمية ب ست الناس أو العلماء، أو القضاة، أو العرب، لأنه كذب.
ولا تجوز التسمية بملك الأملاك وشاهان شاه، ومعناه: ملك الأملاك وليس ذلك إلا الله.
والتسمية بعبد النبي قد تجوز إذا قصد به التسمية، لا النبي ﷺ ، ومال الأكثرون إلى المنع منه، خشية التشريك لحقيقة العبودية، واعتقاد حقيقة العبودية.
ولا تجوز التسمية بعبد الكعبة، وعبد العزى.
ويحرم تلقيب الشخص بما يكره، وإن كان فيه، كالأعور والأعمش، ويجوز ذكره بنية التعريف لمن لم يعرفه إلا به.
وتجوز الألقاب الحسنة، كألقاب الصحابة مثل عمر الفاروق، وحمزة أسد الله، وخالد سيف الله.
ويحرم التسمية بما لا يليق إلا بالله، كقدوس، والبر، وخالق، والرحمن، لأن معنى ذلك لا يليق بغيره تعالى.
стр. 2674
وتستحب كما تقدم التهنئة بالمولود بين الرجال وبين النساء، بأن يقال: بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشده، ورُزقت بِرَّه. ويجيب الوالد والوالدة: بارك الله لكم، وبارك عليكم، وأجزل ثوابكم.
стр. 2675
البَاب التَّاسع: الذّبائح والصّيد وفيه فصلان:
الفصل الأول - في الذبائح
الفصل الثاني - في الصيد
стр. 2676
الفَصْلُ الأوَّل: الذّبائح وفيه مقدمة في الذبح وحكمه، وأربعة مباحث:
المبحث الأول - في الذابح أو المذكي.
المبحث الثاني - في الذبح أو التذكية (صفة التذكية، شروطها، سننها، مكروهاتها، أنواعها، ما يحرم أكله من المذبوح - أثر ذكاة الأم في الجنين، أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض، أثر الذكاة في غير المأكول).
المبحث الثالث - في آلة الذبح.
المبحث الرابع - في الذبيحة أو المذكى - ما يؤكل من الحيوان وما لا يؤكل.
стр. 2677
المقدمة - تعريف الذبح وحكمه شرعا ً:
الذبح أو الذكاة أو التذكية لغة: القطع أو الشق وإزهاق الحيوان. واصطلاحاً: يختلف بحسب الواجب قطعه في كل مذهب. فعند الحنفية والمالكية (١): هو فري العروق، والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجان (٢). ومحله ما بين الَّلبة والَّلحيين (عظمي الحنك)، لقول النبي ﷺ : «الذكاة: ما بين الَّلبة والِّلحية» (٣) أي محل الذكاة: ما بين اللبة واللحيين. واللبة: أسفل العنق. واللحية شعر الذقن. والنحر: فري الأوداج، ومحله: آخر الحلق، والذكاة الاضطرارية: جرح في أي موضع كان من البدن.
وعند الشافعية والحنابلة (٤): الذكاة: ذبح حيوان مقدور عليه مباح أكله بقطع الحلقوم والمري. ومحله الحلق: أعلى العنق، أو اللبة: أسفل العنق فيسمى نحراً (٥)، أوعقر مزهق للروح عند التعذر في أي موضع كان. والخلاصة باتفاق المذاهب أن الذكاة: هي ذبح أو نحر أوعقر حيوان مباح الأكل.
وحكمه: أنه شرط حل الأكل في الحيوان البري المأكول، فلا يحل شيء من الحيوان المأكول بغير ذكاة شرعية، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم
стр. 2678
الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] فقد علق الحل بالتذكية.
ولقوله ﷺ : «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظُّفر فمدى الحبشة» (١).
والحكمة من الذبح: مراعاة صحة الإنسان العامة، ودفع الضرر عن الجسم، بفصل الدم عن اللحم وتطهيره من الدم؛ لأن تناول الدم المسفوح حرام بسبب إضراره بالإنسان، لأنه مباءة الجراثيم والمكروبات، ولكل دم زمرة أو فصيلة تناسبه، فيمنع الاختلاط بين الدماء، ويعد الدم نجساً تنفيراً منه. قال بعض العلماء: والحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تمييز حلال اللحم والشحم من حرامهما، وتنبيه على تحريم الميتة لبقاء دمها.
المبحث الأول - الذابح الذابح أحد أصناف ثلاثة: صنف تحرم ذكاته بالاتفاق، وصنف تجوز تذكيته بالاتفاق، وصنف مختلف فيه (٢).
ف الذابح الذي لا تؤكل ذبيحته وتحرم بالاتفاق: هو الكافر من غير أهل الكتاب، كالمشرك أو الوثني عابد الأصنام، والملحد الذي لا يدين بدين، والمرتد وإن تدين بدين أهل الكتاب، والزنديق، لقوله تعالى: ﴿وما ذُبح على النُّصُب﴾ [المائدة:٣/ ٥] وقوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة:٣/ ٥] لأنه يحرم الاتجاه
стр. 2679
بالذبح إلى غير الله تعالى، والمرتد لا يقر على الدين الذي انتقل إليه، وبناء عليه تحرم اللحوم المستوردة من البلاد الوثنية كاليابان، أو الشيوعية كروسيا والصين، أو التي لا تدين بدين سماوي كالهند. كماتحرم ذبيحة الباطنية إلا من ثبت إيمانه بالإسلام وترك ملته.
و الذابح المتفق على ذكاته: هو المسلم البالغ العاقل الذكر، الذي لا يضيع الصلاة، لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] والخطاب فيه موجه للمسلمين.
و أشهر المختلف في تذكيته بين الفقهاء: أهل الكتاب والمجوس والصابئون، والمرأة والصبي والمجنون والسكران، والسارق والغاصب.
١ - ذبيحة الكتابي: فأما أهل الكتاب: فتجوز من حيث المبدأ ذبائحهم بالإجماع (١) لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ - أي ذبائحهم - ﴿حل لكم، وطعامكم حل لهم﴾ [المائدة:٥/ ٥]. والجائز: هو ما يعتقدونه في شريعتهم حلالاً لهم، ولم يحرم عليهم، كلحم الخنزير، ولو لم يعلم أنهم سموا الله تعالى، أو كانت الذبيحة لكنائسهم وأعيادهم ولو اعتقدوا تحريمه كالإبل. قال ابن عباس: «وإنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل» (٢).
إلا أن الإمام مالك قال: ذبائحهم المحرمة عليهم مكروهة لنا، كالإبل والشحوم الخالصة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل
стр. 2680
ذي ظفر (١)، ومن البقر والغنم، حرمنا عليهم شحومهما، إلا ما حملت ظهورهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم﴾ [الأنعام:١٤٦/ ٦]. وأجازها الجمهور لأنها مسكوت عنها في شرعنا، فتبقى على أصل الإباحة.
وكذلك تكره عند المالكية والشافعية وفي رواية عن أحمد المذبوحة لكنائسهم وأعيادهم، لما فيها من تعظيم شركهم، ولأن الذابح قصد بقلبه الذبح لغير الله، ولم يذكر اسم الله عليه. وهذا هو الأصوب.
وأما إذا علم أن الذابح سمى على الذبيحة غير اسم الله، بأن ذبح النصراني باسم المسيح، واليهودي باسم العزير، فقال الجمهور بعدم الحل لقوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة:٣/ ٥] ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام:١٢١/ ٦] وهذا هو الأولى بالصحة؛ لأن المراد بحل ذبائحهم ما ذبحوه بشرطه كالمسلم.
وقال المالكية: بكراهة ذلك في غير حرمة، لعموم آية ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة:٥/ ٥] لأنه قد علم الله أنهم سيقولون على ذبائحهم مثل ذلك، ولأن تسميتهم باسم الإله حقيقة ليست على طريق العبادة، فكانت التسمية منهم وعدمها على سواء.
وقيد الشافعية حل ذبيحة الكتابي وزواج الكتابية بشرط هو ما يأتي (٢): إن لم يكن الكتابي إسرائيلياً: فالأظهر الحل إن علم دخول قومه (أي أول من تدين من آبائه) في ذلك الدين (أي دين موسى وعيسى ﵉ قبل نسخه وتحريفه، لتمسكهم بذلك الدين حين كان حقاً.
стр. 2681
وإن كان الكتابي إسرائيلياً (١) فالشرط فيه: ألا يعلم دخول أول آبائه في ذلك الدين بعد بعثة تنسخه، بأن علم دخول أول آبائه في ذلك الدين قبل البعثة، أو شك. فإن علم دخوله فيه بعد تحريفه، أو بعد بعثه لا تنسخه، كبعثة بين موسى وعيسى، فإنه يحل ذبحه، وتزوج الأنثى (٢). وفي علمي أنه لا دليل للشافعية على هذا الشرط؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أكلوا من ذبائح الكتابيين وتزوجوا من نسائهم، ولم يبحثوا عن توافر هذا الشرط.
٢ - ذبيحة المجوس: لا تؤكل ذبيحة المجوس وصيدهم (٣)؛ لأنهم مشركون ليسوا من أهل الكتاب، إذ يعتقد المجوسي بخالقين اثنين: للخير والشر، ولقوله ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم» (٤) وقد روى أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم نزلتم بفارس من النَّبط، فإذا اشتريتم لحماً، فإن كان من يهودي أو نصراني، فكلوا، وإ ن كان ذبيحة مجوسي، فلا تأكلوا».
٣ - ذبيحة الصابئة: الصابئون إن وافقوا أهل الكتاب في أصول العقائد تؤكل ذبائحهم، وإن لم يوافقوهم وكان دينهم بين المجوسية والنصرانية، أو يعتقدون بتأثير النجوم، فلا تؤكل ذبائحهم (٥). وهذا التفصيل وهو رأي الشافعية هو الأولى خلافاً لمن قال بالحل كأبي حنيفة، أو بالحرمة مطلقاً وهم المالكية.
стр. 2682
٤ - ذبيحة المرأة والصبي: تحل ذبيحة المرأة ولو حائضاً، والصبي المميز (١)؛ لأن للمرأة أهلية كاملة، لكن يستحب كون الذابح رجلاً؛ لأنه أقوى على الذبح من المرأة، ولأن للصبي قصداً صحيحاً، فأشبه البالغ. وتصح ذبيحة غير المميز مع الكراهة عند الشافعية؛ لأن له قصداً وإرادة في الجملة. ولا تصح ذبيحته عند جمهور الفقهاء لأنه لا قصد له، فلا يعقل التسمية، ولا يضبط الذبيحة، أي فلا يعلم شرائط الذبح من فري الأوداج والتسمية.
٥ - المجنون والسكران: لا تحل ذبيحتهما عند الجمهور، لأنه لا قصد لهم كالصبي غير المميز، وأجاز الشافعية في الأظهر مع الكراهة ذبيحتهما؛ لأن لهما قصداً وإرادة في الجملة (٢).
٦ - السارق والغاصب: أجاز جمهور الفقهاء غير الظاهرية ذبيحتهما، وذبيحة المستكره؛ لأن لهما قصداً صحيحاً، ولأنه ليس وجود الملك شرطاً من شروط التذكية (٣)، بدليل ما ثبت في السنة من إباحة ذبحهما مع الكراهية، في حديث الشاة المصلية (المشوية أو المطبوخة) التي ذبحت بغير إذن صاحبها، فقال رسول الله ﷺ : «أطعموها الأسارى» (٤).
شروط الذابح: مما سبق تعرف شروط الذابح: وهي أن يكون مميزاً عاقلاً، مسلماً أو كتابياً: ذمياً أو حربياً أو من نصارى بني تغلب، قاصداً التذكية، ولو كان
стр. 2683
مكرهاً على الذبح، ذكراً أو أنثى، طاهراً أو حائضاً أو جنباً، بصيراً أوأعمى، عدلاً أو فاسقاً؛ لعموم الأدلة وعدم المخصص، فلا يصح ذبح غير المميز والمجنون والسكران عند الجمهور خلافاً للشافعي، ولا تؤكل ذبيحة المشرك والمجوسي والوثني والمرتد، وتكره عند الشافعية ذكاة الأعمى وغير المميز والمجنون والسكران. وتكره عند الكل ذبيحة النصراني أو اليهودي والفاسق وتارك الصلاة.
ودليل إباحة ذبيحة المرأة: أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنماً بسَلْع، فأصيبت شاة منها، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسأل النبي فقال: «كلوها» (١).
المبحث الثاني - الذبح أو التذكية:
وفيه ثلاثة عشر مطلباً:
المطلب الأول - عدد المقطوع:
اتفق العلماء على أن الذبح الذي يقطع فيه الودجان والمري والحلقوم مبيح للأكل. واختلفوا في الحد الأدنى الذي يجب قطعه:
١ - فقال أبو حنيفة (٢): يجب قطع الأكثر من أربعة أي ثلاثة منها: وهي الحلقوم، والمري والودجان، فلو ترك الذابح واحداً منها يحل. لحديث «أفر الأوداج بما شئت» (٣) والأوداج: اسم جمع، أقله ثلاثة.
стр. 2684
وقال أبو يوسف: لا بد من قطع الحلقوم والمري وأحد الودجين؛ لأن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به الآخر؛ لأن الحلقوم مجرى النفَس، والمري: مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم.
وقال محمد: لا يحل حتى يقطع من كل واحد من الأربعة أكثره، لأنه إذا قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة، فقد حصل المقصود بالذبح، وهو خروج الدم.
٢ - وقال المالكية في المشهور عندهم (١): لا بد من قطع جميع الحلقوم وجميع الودجين. ولا يشترط قطع المري عندهم. فكان مذهبهم قريباً من الحنفية، ودليلهم المفهوم من حديث رافع بن خَديج: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل» (٢) وحديث أبي أمامة: «ما أفرى الأوداج، ما لم يكن قرض سن، أو جزّ ظفر» (٣) فالأول: يقتضي قطع بعض الأوداج فقط، وهو معنى إنهار الدم، والثاني: يقتضي قطع جميع الأوداج، ولا يمكن قطع الودجين بدون الحلقوم، لاحاطتهما به. وهذا أدق وأصح الآراء.
٣ - وقال الشافعية والحنابلة (٤): لا بد من قطع كل الحلقوم (مجرى النفَس) والمري (مجرى الطعام)؛ لأن الحياة تفقد بفقدهما. ويستحب قطع الودجين (وهما عرقان في صفحتي العنق)؛ لأنه من الإحسان في الذبح، وخروجاً من الخلاف. وإجزاء قطع الحلقوم والمري مشروط بوجود الحياة المستقرة عند أول قطعهما (بأن
стр. 2685
أسرع في الذبح فقطعهما دفعة، وإلا اشترطت عند آخر قطع)، فإن لم يسرع قطعهما (بأن أسرع في الذبح فقطعهما دفعة، وإلا اشترطت عند آخر قطع)، فإن لم يسرع قطعهما ولم تكن فيه حياة مستقرة، بل انتهى لحركة مذبوح، لم يحل؛ لأنه صار ميتة، فلا يفيده الذبح بعدئذ.
المطلب الثاني - موضع القطع:
لا خلاف في أنه إذا قطعت جوزة الحلقوم (أي العقدة التي في أعلى الحلق) في نصفها، وخرج بعضها إلى جهة البدن، وبعضها إلى جهة الرأس، حلت الذبيحة.
فإن لم تقطع الجوزة في نصفها، وخرجت إلى جهة البدن، فقال جمهور الفقهاء غير الحنفية: لا تؤكل؛ لأن قطع الحلقوم شرط في الذكاة، فلا بد أن تقطع الجوزة، لأنه إذا قطع فوق الجوزة فقد خرج الحلقوم سليماً. وعلى هذا فلا بد من أن يبقى من الجوزة تدويرتان كاملتان: إحداهما من أعلى، والثانية من أسفل، وإلا لم يحل المذبوح، لأنه حينئذ يسمى مزعاً لا ذبحاً.
وقال الحنفية وبعض المالكية: تؤكل، لأنه لا يشترط قطع الحلقوم ذاته، فإن قطع فوق الجوزة، جاز (١) لأنه يشترط فقط قطع أكثر الأوداج، وقد وجد.
وعبارة الحنفية: المختار أن كل شيء ذبح وهو حي، أكل، وعليه الفتوى، لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] من غير تفصيل.
стр. 2686
المطلب الثالث - الذبح من القفا:
قال المالكية (١): لا يؤكل ما ذبح من القفا، ولا في صفحة العنق إذا وصل من ذلك إلى قطع ما يجب في الذكاة؛ لأن القاطع للعروق أعضاء الذكاة من القفا، لا يصل إليها بالقطع إلا بعد قطع النخاع الشوكي، وهو مقتل من المقاتل، فيحصل الذبح لحيوان قد أصيب مقتله.
وقال جمهور الفقهاء (٢): يكره ذبح الحيوان من القفا، أو من صفحة العنق، فلو فعل ذلك عصى لما فيه من التعذيب. لكن إن حدث القطع على وجه السرعة، وأتت السكين على موضع الذبح، وفي الحيوان حينئذ حياة مستقرة حتى تقطع العروق عند الحنفية، والحلقوم والمري عند الشافعية والحنابلة، جاز أكله، وإلا لم يحل لموته بلا ذكاة. ويعلم وجود الحياة المستقرة بوجود الحركة أو انفجار الدم بعد قطع موضع الذبح، فهي دليل بقاء الحياة المستقرة قبله. فإن لم يعلم وشك، هل توجد الحياة المستقرة قبل قطع موضع الذبح نظر: فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع، أبيح أكله، وإن كانت الآلة كالَّة (لا تقطع)، وأبطأ قطعه، وطال تعذيبه للحيوان لم يبح أكله؛ لأنه مشكوك في وجود ما يحله، وصار ميتة، فلا يفيده الذبح بعدئذ.
المطلب الرابع - قطع النخاع:
إن تمادى الذابح بالذبح حتى قطع النخاع (٣)، أو قطع كل الرقبة (إبانة
стр. 2687
الرأس)، كره الذبح عند جمهور الفقهاء غير الحنابلة (١)، لما روي عن عمر ﵁ أنه نهى عن النَّخْع (بلوغ السكين النخاع) ولأن فيه زيادة تعذيب، فإن فعل ذلك لم يحرم؛ لأن قطع النخاع يوجد بعد حصول الذكاة.
وقال الحنابلة (٢): لو أبان رأس الحيوان المأكول بالذبح أو بسيف، أبيح مطلقاً، لإفتاء علي وعمران بن حصين بأكله.
المطلب الخامس - فورية الذبح:
يشترط الإسراع أو الفورية في إكمال الذبح عند جمهور الفقهاء (٣)، فإن رفع يده قبل تمام الذبح، ثم أعادها فوراً، تؤكل الذبيحة. فإن تباعد ذلك لم تؤكل، لأن الذكاة طرأت على منفوذة المقاتل، أي التي نفذ فيها أثر القتل قبل الذبح فصارت ميئوسة مقطوعاً بموتها. وقال الحنفية (٤): يستحب التذفيف (الإسراع) في قطع الأوداج، ويكره الإبطاء فيه، للحديث: «وليرح ذبيحته» والإسراع نوع راحة له.
المطلب السادس - شروط الذبح أو التذكية الشرعية:
يشترط لجواز التذكية أو الذبح شروط أخرى عدا ما ذكر من قطع العروق، والفورية، وكون الذابح مسلماً أو كتابياً، وهي ما يأتي:
стр. 2688
أولاً - النية أو القصد: أي قصد الفعل لتؤكل لا مجرد إزهاق الروح: يشترط في الذبح باتفاق الفقهاء (١) قصد عين المذبوح بالفعل، وإن أخطأ في الظن، أو قصد الجنس، وإن أخطأ في الإصابة. فلو تم قطع العروق بغير نية الذبح، إذ لم يقصد أحد تحقيقه، لم تحل الذبيحة، كما لوضرب حيواناً بآلة، فأصابت منحره، أو أصابت صيداً، أو قصد مجرد إزهاق روحه من غير قصد تذكية، لم يؤكل (٢).
ثانياً - التسمية عند التذكية حالة التذكر: بأن يقول: (بسم الله) عند حركة يده بالذبح أو النحر أو العقر، ويسن التكبير مع التسمية بأن يقول: (بسم الله، والله أكبر). قال جمهور الفقهاء غير الشافعية (٣): تشترط التسمية عند التذكية وعند الإرسال في العقر، فلا تحل الذبيحة، سواء أكانت أضحية أم غيرها، في حال ترك التسمية عمداً، وكانت ميتة. فلو تركها سهواً، أو كان الذابح المسلم أخرس أو مستكرهاً، تؤكل لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق﴾ [الأنعام:١٢١/ ٦] وأضاف الحنابلة: من ترك التسمية على الصيد عامداً أو ساهياً، لم يؤكل. وعلى هذا فتحقيق المذهب عندهم أن التسمية على الذبيحة تسقط بالسهو، وعلى الصيد لا تسقط. وقال الظاهرية: تشترط التسمية مطلقاً، ولا يؤكل متروك التسمية عمداً أو سهواً.
стр. 2689
وقال الشافعية (١): تسن التسمية ولا تجب وتركها مكروه، لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكراسم الله عليه﴾ [الأنعام:١١٨/ ٦] فلو ترك التسمية عمداً، أو سهواً، حل الأكل، ولأن الله تعالى في قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] أباح المذكى، ولم يذكر التسمية، وأباح الله تعالى ذبائح أهل الكتاب، وهم لا يسمون غالباً، فدل على أنها غير واجبة.
أما الذبيحة التي يحرم أكلها، فهي التي ذكر اسم غير الله عليها، وهي التي كانت تذبح للأصنام. وهذا هو المقصود بآية ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام:١٢١/ ٦].
ويدل لمذهب الشافعية من السنة أحاديث منها:
حديث عائشة ﵂: «إن قوماً قالوا: يا رسول الله: إن قومنا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا الله عليه أنتم، وكلوا» (٢) وفي رواية لمالك: «وكانوا حديثي عهد بالكفر» ولو كانت التسمية واجبة، لما أجاز الأكل مع الشك.
وحديث عدي بن حاتم، قال: «سألت النبي ﷺ عن الصيد؟ فقال: إذا رميت بسهمك، فاذكر اسم الله عليه» (٣).
وحديث الصلت السدوسي: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله، أو لم يذكر» (٤) ويذكره الفقهاء بلفظ غريب: «المسلم يذبح على اسم الله تعالى، سمى أو
стр. 2690
لم يسم»، وسأل رجل النبي ﷺ : الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي الله، قال: اسم الله على كل مسلم» (١) وفي لفظ: «على فم كل مسلم» أو «اسم الله في قلب كل مسلم».
والأحاديث الأخرى المطالبة بالتسمية مثل خبر أبي ثعلبة: «فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله، ثم كل … » محمولة على الندب. وهذا الرأي أيسر من غيره، لكن أدلة الجمهور وأحاديثهم أصح وأقوى ثبوتاً وأعم مراداً.
المطلب السابع - سنن التذكية:
يستحب في التذكية ما يأتي وهي سنن الذبح (٢):
١ - التسمية عند من لا يوجبها وهم الشافعية، والتكبير، فيقول: بسم الله، والله أكبر. ولا يقل: باسم الله واسم محمد، وأضاف الشافعية: ويصلي على النبي ﷺ عند الذبح؛ لأنه محل طاعة.
٢ - كون الذبح بالنهار، ويكره تنزيهاً عند الحنفية بالليل، قياساً على الأضحية، خشية الخطأ في الذبح، وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الأضحية ليلاً، وعن الحصاد ليلاً (٣).
стр. 2691
٣ - توجه الذابح والذبيحة نحو القبلة؛ لأن القبلة جهة معظمة وهي أشرف الجهات، والتذكية عبادة، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة، ولأن النبي ﷺ لما ضحى، وجه أضحيته إلى القبلة، وقال: ﴿وجهت وجهي .. ﴾ [الأنعام:٧٩/ ٦] الآيتين (١). فإن لم يستقبل ساهياً أو لعذر، أكلت.
٤ - إضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق، ورأسها مرفوع. ويأخذ الذابح جلد حلقها من اللحي الأسفل، فيمده، حتى تتبين البشرة، ثم يمر السكين على الحلق تحت الجوزة، حتى يقف في عظم الرقبة. فإن كان أعسر، جاز أن يجعلها على شقها الأيمن. ويكره ذبح الأعسر ويستحب أن يستنيب غيره.
وتترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح لتستريح بتحريكها، إلا الإبل، فالأفضل أن تنحر قائمة معقولة ركبتها اليسرى، لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافّ﴾ [الحج:٣٦/ ٢٢] كما سيأتي.
٥ - نحر الإبل قائمة معقولة الركبة اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى، وتشد باقي القوائم، لقوله تعالى في الإبل: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافّ﴾ [الحج:٣٦/ ٢٢] قال ابن عباس: «أي قياماً على ثلاث» (٢) أما الشاة ففي الصحيحين: «أنه أضجعها» وقيس عليها البقر وغيره، لأنه أسهل على الذابح في أخذه السكين باليمين، وإمساك الرأس باليسار.
ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل (٣)، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر:٢/ ١٠٨] وقال تعالى: ﴿إن الله
стр. 2692
يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة:٦٧/ ٢] قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح (١). وثبت «أن رسول الله ﷺ نحر بدنة، وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده» (٢).
٦ - قطع الأوداج كلها والتذفيف أي الإسراع بالذبح، ويكره قطع البعض دون البعض، لما فيه من إبطاء فوات الحياة. ولايبلغ بالذبح النخاع (وهو العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة) ولا إبانة الرأس، ولو فعل ذلك يكره، لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجة إليه، كما بان سابقاً.
٧ - إحداد الشفرة (السكين العظيمة) قبل الإضجاع، لا بمرأى البهيمة؛ لأنها تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك، فتتحرز عنها، فإذا أحد الشفرة، وقد أضجعها، يزداد ألمها. قال النبيصلّى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» (٣) وفي سنن البيهقي أن عمر ﵁ «رأى رجلاً وقد أضجع شاة، ووضع رجله على صفحةوجهها، وهو يحد الشفرة، فضربه بالدِّرة» وعن ابن عباس قال: «مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: أفلا قُتِل هذا، أو يريد أن يميتها موتتين» (٤).
ويستحب ألا يذبح شاة، وأخرى تنظر إليه لما روى ابن عمر: «أن رسول الله
стр. 2693
ﷺ أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم» (١).
٨ - الترفق بالبهيمة، فلا يضرب بها الأرض، ولا تجر برجلها إلى المذبح؛ لأنه إلحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في التذكية.
المطلب الثامن - مكروهات التذكية:
يكره في الذبح أو التذكية ترك السنن السابقة، فتكون مكروهات التذكية ما يأتي (٢):
١ - ترك التسمية عند من لا يوجبها أو لا يشترطها، وهم الشافعية وبعض المالكية. أو قرن اسم الله باسم محمد أو غيره. ويكره عند الحنفية أن يقول الذابح عند الذبح: اللهم تقبل من فلان. وإن قال ذلك قبل التسمية والإضجاع أوبعد الذبح جاز.
٢ - التوجه بالذبيحة لغير القبلة، لمخالفة السنة.
٣ - نحر الشياه وذبح الإبل عند الحنفية، لمخالفة ما ثبت بالسنة، ولا يكره ذلك عند الشافعية والحنابلة، لعدم ورود نهي فيه.
٤ - التعذيب أو زيادة الألم بلا فائدة مثل قطع الرأس، وكسر الرقبة، وبلوغ النخاع، والذبح من القفا (٣)، وجر الحيوان برجله إلى المذبح، وحد الشفرة أمامه
стр. 2694
بعد الإضجاع، والذبح أمام بهيمة أخرى لمخالفة الثابت في السنة، والسلخ أو النخع (قطع النخاع) قبل أن يبرد الحيوان، لما روي
«أن الفَرافِصَة قال لعمر ﵁: إنكم تأكلون طعاماً لا نأكله، قال: وما ذاك يا أبا حسان؟ فقال: تُعجلون الأنفس قبل أن تزهق (١). فأمر عمر ﵁ منادياً ينادي: الذكاة في الحلق والَّلبة لمن قدر، ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق» (٢).
٥ - الذبح بالسن والظفر والعظم المنزوع عند الحنفية الذين يجيزون التذكية بها، مع الكراهة لما فيه من الضرر بالحيوان كذبحه بشفرة كليلة. أما الذبح بالقائم غير المنزوع من الظفر ونحوه فلا يحل.
المطلب التاسع - أنواع التذكية:
التذكية التي تحل الأكل عند المالكية (٣) أربعة أنواع:
١ - إدماء أو صيد أو عقر في غير المقدور عليه، المتوحش، لا الإنسي الذي يكون من الأنعام، أما الحمام ونحوه فكله صيد، فلو توحش أكل بالعقر.
٢ - وذبح في الحلق بقطع جميع الحلقوم وجميع الودجين للطيور ولو نعامة، والغنم.
٣ - ونحر في اللبة: وهي وسط الصدر للإبل والزرافة (٤). وأما البقر
стр. 2695
فيجوز فيها الذبح والنحر، لكن يندب فيها الذبح، أي أن الأنعام يشترط فيها الذبح أو النحر.
٤ - فعل يزيل الحياة بأي وسيلة وهو تأثير بقطع أو غيره في الجراد؛ لأن المقرر عند المالكية خلافاً لعامة الفقهاء: أن الجراد لا يؤكل من غير ذكاة، وذكاته عندهم أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك.
ويجب النحر في الإبل والزرافة، والذبح في غيرها. فإن ذبح ماينحر أو نحر ما يذبح ولو سهواً إن قدر، من غير ضرورة، لم تؤكل الذبيحة. ويجوز للضرورة الذبح في الإبل، والنحر في غيرها كوقوع الحيوان في هوة، أو لعدم وجود آلة الذبح أو النحر.
والخلاصة: أن الأنعام إذا توحشت لاتؤكل بالصيد عندهم، لكن يؤكل بالصيد إن تأنس متوحش الأصل ثم هرب، أو توحش الحمام ونحوه؛ لأن كله صيد.
وكذلك تنقسم التذكية عند الشافعية إلى ثلاثة أقسام: ذبح، ونحر، وعقر، أما الذبح: فهو قطع الحلق (أعلى العنق) والمري من الحيوان، وتذكى به جميع الحيوانات.
وأما النحر: فهو قطع لَبّة الحيوان، وهي أسفل العنق، وهو المسنون في الإبل.
وأما العقر: فهو ذكاة الضرورة، وهو جرح الحيوان، بأي فعل مزهق للروح. في أي مكان في جسمه. ويستعمل في تذكية الحيوان المأكول إذا ندَّ، ولم يتمكن صاحبه من القدرة عليه.
стр. 2696
وعلى هذا يرى الجمهور غير المالكية (١) أن الذكاة نوعان: اختيارية، واضطرارية في معنى الصيد.
أما الاختيارية: فهي الجرح في الحلق (الحلقوم) مابين اللبة واللحيين، عند القدرة على الحيوان. ولابد من ذبح المستأنس؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار.
والاضطرارية: الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد، فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام، أي أنها تستعمل عند الجمهور غير المالكية في الحيوان المتوحش، أو الحيوان المستأنس إذا شرد، ولم يمكن الحصول عليه، لأن التكليف بحسب الوسع. وتسمى هذه الحالة: العقر أي إزهاق الروح في أي موضع كان. ويكون العقر أو ذكاة الضرورة بآلة جارحة لا بمثقل أو حجر أي بالجرح أو الطعن، أو إنهار الدم في أي موضع كان من البدن، بحيث يسيل دمه. ويشترط عند الشافعية: أن يكون الجرح مفضياً إلى الزهوق أي يؤدي إلى الموت.
وأما عند المالكية: فلا يحل الحيوان بذكاة الضرورة إذا كان مستأنساً من الأنعام.
فلو توحش حيوان أهلي بعد أن كان إنسياً أو مستأنساً، أو ندَّ بعير (شرد) أو تردى في بئر ونحوه، ولم تمكن الذكاة الاختيارية أي عجز عنها بذبحه في الحلق، فذكاته عند غير المالكية حيث يصاب بأي جرح من بدنه، ويحل حينئذ أكله، كصيد
стр. 2697
الطائر أو الحيوان المتوحش، لحديث رافع بن خديج، قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : إن لهذه البهائم أوابد، كأوابد الوحش، فما فعَل منها هذا، فافعلوا به هكذا (١)». وهذا هو الرأي الأرجح.
وإن نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر أكل مع الكراهة عند الحنفية (٢)، وبلا كراهة عند الشافعية والحنابلة، لعدم ورود نهي فيه.
المطلب العاشر - ما يحرم أكله من المذبوح:
قال الحنفية (٣): لا تؤكل سبعة أشياء من أجزاء الحيوان المأكول وهي: الدم المسفوح، والذكر، والأنثيان، والقبُل، والغدة (٤)، والمثانة، والمرارة. لقوله عز شأنه: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧] وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة. وروي عن مجاهد أنه قال: «كره رسول الله ﷺ من الشاة: الذكر، والأنثيين، والقبل، والغدة، والمرارة، والمثانة والدم» والمراد منه كراهة التحريم، بدليل أنه جمع بين الأشياء الستة وبين الدم، في الكراهة، والدم المسفوح محرم. والمروي عن أبي حنيفة أنه قال: «الدم حرام، وأكره الستة» أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح، لأنه ثبت بدليل مقطوع به،
стр. 2698
وهو النص القرآني: ﴿قل: لا أجد في ما أوحي إلي محرماً﴾ … إلى قوله: ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ [الأنعام:٦/ ١٤٥] وسمى ما سواه مكروهاً، لثبوته بدليل ظني.
المطلب الحادي عشر - أثر ذكاة الأم في الجنين:
لذكاة الجنين أربعة أحوال (١):
الأول - أن تلقيه الأم ميتاً قبل الذبح، فلا يؤكل إجماعاً.
الثاني - أن تلقيه حياً قبل الذبح، فلا يؤكل إلا أن يذكى (يذبح) وهو مستقر الحياة.
الثالث - أن تلقيه حياً بعد تذكيتها، فإن ذبح وهو حي أكل، وإن لم تدرك ذكاته في حال الحياة، فهو ميتة، وقيل عند المالكية: ذكاته ذكاة أمه.
الرابع - أن تلقيه الأم ميتاً بعد تذكيتها، وهذا موطن الخلاف بين الفقهاء:
آـ فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد: لا يؤكل بتذكية الأم؛ لأن الله تعالى حرم الميتة، وحرم المنخنقة، والجنين ميتة؛ لأنه لا حياة فيه، والميتة: كل حيوان مات من غير ذكاة، أو إن الجنين مات خنقاً، فيحرم بنص القرآن.
ولا يجعل الجنين تبعاً لأمه؛ لأنه يتصور بقاؤه حياً بعد ذبح الأم، فوجب إفراده بالذبح ليخرج الدم عنه، فيحل به، ولا يحل بذكاة أمه، إذ المقصود بالذكاة إخراج دمه ليتميز من اللحم، فيطيب، فلا يكون تبعاً للأم.
стр. 2699
والمراد بحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه» هو التشبيه أي كذكاتها، فلا يدل على أنه يكتفى بذكاة الأم. والخلاصة: أن الجنين الميت لا يؤكل عند الحنفية، أشعر أو لم يشعر، أي تم خلقه، أو لم يتم، لأنه لا يشعر إلا بعد تمام الخلق.
ب - وقال جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة: يحل أكل الجنين إذا خرج ميتاً بذكاة أمه، أو وجد ميتاً في بطنها، أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح.
ويشترط فيه عند المالكية: أن يكون قد كمل خلقه: ونبت شعره، لما روي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة، وقال كعب بن مالك: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ذكاة أمه».
وأجاز الشافعية والحنابلة أكل الجنين الميت، أشعر أم لم يشعر، لما روى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى، قال: قال رسول الله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه، أشعر أو لم يشعر».
ودليل الجمهور على الجواز حديث حسن: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (١)، ورأيهم بدليل الثابت في السنة هو الأصح عندي، بل القياس يقتضي أن تكون ذكاة الجنين في ذكاة أمه؛ لأنه جزء منها، فلا معنى لاشتراط الحياة فيه. قال ابن رشد المالكي: وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات شعره، فلا يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس، أي قياسه على الأشياء التي تعمل فيها التذكية.
стр. 2700
المطلب الثاني عشر - أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض:
إذا أشرف حيوان على الموت بسبب اعتداء عليه، أو مرض، ثم ذبح، فهل يحل أكله؟
أولاً - أثر الذكاة في المشرف على الموت بسبب اعتداء: إذا اعتدي على الحيوان المأكول بخنق، أو ضرب، أو جرح سبع كذئب، ثم أدركه صاحبه فذبحه، أو لم يدركه، فمات، فله أحوال أربعة (١):
١ - إن مات قبل الذكاة، لم يؤكل إجماعاً، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] (٢) فهذه الحيوانات الخمسة المذكورة في الآية (ما بعد المهل به لغير الله) لم يحل أكلها إذا ماتت قبل إدراكها حية ولم تذبح.
٢ - إن أدرك حياً أي غلب على الظن أنها تعيش، بأن يصاب لها مقتل، فذبح، أكل إجماعاً، لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥].