وعلى هذا يرى الجمهور غير المالكية (١) أن الذكاة نوعان: اختيارية، واضطرارية في معنى الصيد.
أما الاختيارية: فهي الجرح في الحلق (الحلقوم) مابين اللبة واللحيين، عند القدرة على الحيوان. ولابد من ذبح المستأنس؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار.
والاضطرارية: الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد، فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام، أي أنها تستعمل عند الجمهور غير المالكية في الحيوان المتوحش، أو الحيوان المستأنس إذا شرد، ولم يمكن الحصول عليه، لأن التكليف بحسب الوسع. وتسمى هذه الحالة: العقر أي إزهاق الروح في أي موضع كان. ويكون العقر أو ذكاة الضرورة بآلة جارحة لا بمثقل أو حجر أي بالجرح أو الطعن، أو إنهار الدم في أي موضع كان من البدن، بحيث يسيل دمه. ويشترط عند الشافعية: أن يكون الجرح مفضياً إلى الزهوق أي يؤدي إلى الموت.
وأما عند المالكية: فلا يحل الحيوان بذكاة الضرورة إذا كان مستأنساً من الأنعام.
فلو توحش حيوان أهلي بعد أن كان إنسياً أو مستأنساً، أو ندَّ بعير (شرد) أو تردى في بئر ونحوه، ولم تمكن الذكاة الاختيارية أي عجز عنها بذبحه في الحلق، فذكاته عند غير المالكية حيث يصاب بأي جرح من بدنه، ويحل حينئذ أكله، كصيد
стр. 2697
الطائر أو الحيوان المتوحش، لحديث رافع بن خديج، قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم، فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : إن لهذه البهائم أوابد، كأوابد الوحش، فما فعَل منها هذا، فافعلوا به هكذا (١)». وهذا هو الرأي الأرجح.
وإن نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر أكل مع الكراهة عند الحنفية (٢)، وبلا كراهة عند الشافعية والحنابلة، لعدم ورود نهي فيه.
المطلب العاشر - ما يحرم أكله من المذبوح:
قال الحنفية (٣): لا تؤكل سبعة أشياء من أجزاء الحيوان المأكول وهي: الدم المسفوح، والذكر، والأنثيان، والقبُل، والغدة (٤)، والمثانة، والمرارة. لقوله عز شأنه: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧] وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة. وروي عن مجاهد أنه قال: «كره رسول الله ﷺ من الشاة: الذكر، والأنثيين، والقبل، والغدة، والمرارة، والمثانة والدم» والمراد منه كراهة التحريم، بدليل أنه جمع بين الأشياء الستة وبين الدم، في الكراهة، والدم المسفوح محرم. والمروي عن أبي حنيفة أنه قال: «الدم حرام، وأكره الستة» أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح، لأنه ثبت بدليل مقطوع به،
стр. 2698
وهو النص القرآني: ﴿قل: لا أجد في ما أوحي إلي محرماً﴾ … إلى قوله: ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ [الأنعام:٦/ ١٤٥] وسمى ما سواه مكروهاً، لثبوته بدليل ظني.
المطلب الحادي عشر - أثر ذكاة الأم في الجنين:
لذكاة الجنين أربعة أحوال (١):
الأول - أن تلقيه الأم ميتاً قبل الذبح، فلا يؤكل إجماعاً.
الثاني - أن تلقيه حياً قبل الذبح، فلا يؤكل إلا أن يذكى (يذبح) وهو مستقر الحياة.
الثالث - أن تلقيه حياً بعد تذكيتها، فإن ذبح وهو حي أكل، وإن لم تدرك ذكاته في حال الحياة، فهو ميتة، وقيل عند المالكية: ذكاته ذكاة أمه.
الرابع - أن تلقيه الأم ميتاً بعد تذكيتها، وهذا موطن الخلاف بين الفقهاء:
آـ فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد: لا يؤكل بتذكية الأم؛ لأن الله تعالى حرم الميتة، وحرم المنخنقة، والجنين ميتة؛ لأنه لا حياة فيه، والميتة: كل حيوان مات من غير ذكاة، أو إن الجنين مات خنقاً، فيحرم بنص القرآن.
ولا يجعل الجنين تبعاً لأمه؛ لأنه يتصور بقاؤه حياً بعد ذبح الأم، فوجب إفراده بالذبح ليخرج الدم عنه، فيحل به، ولا يحل بذكاة أمه، إذ المقصود بالذكاة إخراج دمه ليتميز من اللحم، فيطيب، فلا يكون تبعاً للأم.
стр. 2699
والمراد بحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه» هو التشبيه أي كذكاتها، فلا يدل على أنه يكتفى بذكاة الأم. والخلاصة: أن الجنين الميت لا يؤكل عند الحنفية، أشعر أو لم يشعر، أي تم خلقه، أو لم يتم، لأنه لا يشعر إلا بعد تمام الخلق.
ب - وقال جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة: يحل أكل الجنين إذا خرج ميتاً بذكاة أمه، أو وجد ميتاً في بطنها، أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح.
ويشترط فيه عند المالكية: أن يكون قد كمل خلقه: ونبت شعره، لما روي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة، وقال كعب بن مالك: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ذكاة أمه».
وأجاز الشافعية والحنابلة أكل الجنين الميت، أشعر أم لم يشعر، لما روى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى، قال: قال رسول الله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه، أشعر أو لم يشعر».
ودليل الجمهور على الجواز حديث حسن: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (١)، ورأيهم بدليل الثابت في السنة هو الأصح عندي، بل القياس يقتضي أن تكون ذكاة الجنين في ذكاة أمه؛ لأنه جزء منها، فلا معنى لاشتراط الحياة فيه. قال ابن رشد المالكي: وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات شعره، فلا يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس، أي قياسه على الأشياء التي تعمل فيها التذكية.
стр. 2700
المطلب الثاني عشر - أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض:
إذا أشرف حيوان على الموت بسبب اعتداء عليه، أو مرض، ثم ذبح، فهل يحل أكله؟
أولاً - أثر الذكاة في المشرف على الموت بسبب اعتداء: إذا اعتدي على الحيوان المأكول بخنق، أو ضرب، أو جرح سبع كذئب، ثم أدركه صاحبه فذبحه، أو لم يدركه، فمات، فله أحوال أربعة (١):
١ - إن مات قبل الذكاة، لم يؤكل إجماعاً، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] (٢) فهذه الحيوانات الخمسة المذكورة في الآية (ما بعد المهل به لغير الله) لم يحل أكلها إذا ماتت قبل إدراكها حية ولم تذبح.
٢ - إن أدرك حياً أي غلب على الظن أنها تعيش، بأن يصاب لها مقتل، فذبح، أكل إجماعاً، لقوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥].
стр. 2701
٣ - إن نفذت مقاتل البهيمة: وهي المنفوذة المقاتل (١) (أي المقطوع بموتها)، لم تؤكل عند المالكية وأجاز على وابن عباس أكلها. وتعمل فيها الذكاة عند الشافعية والحنابلة متى كان فيها حياة مستقرة. وتؤثر فيها الذكاة عند الحنفية إن علمت حياتها، أو لم تدر حياتها فتحركت أو خرج الدم، وهذا يتأتى فيما اعتدى عليها الذئب فبقر بطنها، وفي المنخنقة والمتردية والنطيحة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إلا ماذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥].
٤ - الميئوس من حياته ولم تنفذ مقاتله؛ أو المشكوك في أمره، تؤثر الذكاة في حل أكله عند الحنفية، وهو مشهور قول المالكية ما دامت حياته محققة. وقال بعض المالكية: لا تؤثر الذكاة فيه ولا يؤكل. وأجاز الشافعية والحنابلة ذبح الميئوس الذي تكون فيه حياة مستقرة، ولم يجز المشكوك في أمره.
وعلى هذا فإذا غلب على الظن أن المعتدى عليها تهلك بإصابة مقتل أو غيره، فقال الحنفية والشافعية: تعمل الذكاة فيها، وقال قوم: لا تعمل الذكاة فيها، وعن مالك: الوجهان، وقال ابن القاسم: تذكى وتؤكل.
ومنشأ الخلاف في الميئوس منها وفي منفوذة المقاتل: هو الاستثناء المذكور في الآية السابقة، هل هو استثناء متصل أو منقطع؟ فمن قال: إنه متصل، قال: تعمل الذكاة في هذه الأحوال. ومن قال: إنه منقطع أي ما ذكيتم من غيرها، لم يعمل الذكاة فيها.
والمراد بالحياة المطلوب تحققها في هذه الحالة عند الحنفية والمالكية: هو وجود
стр. 2702
أمارة الحياة من حركة رجل أو طرفة عين أو جريان نفس، سواء عاشت من مثله أو لا تعيش، بقيت لمدة قصيرة أو طويلة، أي أن المطلوب بقدر حياة المذبوح بعد الذبح، وهو الحد الأدنى للحياة.
وعند الشافعية والحنابلة: أن تبقى فيه حياة مستقرة يمكن زيادتها على حركة المذبوح، سواء انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش.
ثانياً - أثر الذكاة في الحيوان المريض: اتفق الفقهاء على تأثير الذكاة، وحل الأكل في الحيوان المريض الذي لم يشرف على الموت. واختلفوا في تأثير الذكاة في الحيوان الذي أشرف على الموت من شدة المرض (١).
فقال الجمهور: وهو المشهور عن مالك: إن الذكاة تعمل فيه.
وقال بعضهم: إن الذكاة لا تعمل فيه.
وسبب الخلاف تعارض القياس مع الأثر. فالجمهور أخذوا بحديث كعب بن مالك المتقدم: أن جارية له كانت ترعى غنماً بسَلْع، فأبصرت شاة مشرفة على الموت، فأدركتها وذبحتها بحجر، فسئل رسول الله ﷺ فقال: كلوها (٢).
والبعض أخذ بالقياس: وهو أن الذكاة إنما تؤثر في الحي، وهذا في حكم الميت.
стр. 2703
والحنفية من الجمهور على المفتى به فصَّلوا في المريضة، وفي الحالة الأخيرة من أحوال المنخنقة والمتردية والنطيحة، فقالوا (١):
آـ إن عُلمت حياة الشاة، وإن كانت حياتها خفيفة على المفتى به، وقت الذبح، أكلت مطلقاً، وإن لم تتحرك ولم يخرج الدم. والحياة القليلة أو الخفيفة: هي أن يبقى في الشاة من الحياة بقدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح.
ب - وإذا لم تعلم الحياة، فتحركت، أو خرج الدم، حلت، وإن لم تتحرك أو لم يخرج الدم، لم تحل. وعلامات الحياة والموت تعرف بما يأتي: فتح الفم، أو العين، ومد الرجل، ونوم الشعر: علامة الموت، لأنها استرخاء، والحيوان يسترخي بالموت. وعكس ذلك يدل على الحياة، فضم الفم والعين، وقبض الرجل، ووقوف الشعر علامةالحياة.
وذكر المالكية علامات خمس على الحياة هي (٢):
سيلان الدم، لا خروج القليل منه، والركض باليد أو الرجل، وطرف العين، وتحريك الذنب، وخروج النفَس، فإن تحركت ولم يسل دمها، أكلت. وإن سال دمها ولم تتحرك، لم تؤكل؛ لأن الحركة أقوى في الدلالة على الحياة من سيلان الدم. وأما الاختلاج الخفيف فليس دليلاً على الحياة؛ لأن اللحم يختلج بعد السلخ.
والحياة عند الشافعية والحنابلة ثلاثة أنواع (٣):
стр. 2704
١ - الحياة المستمرة: وهي الطبيعية الباقية إلى خروجها بذبح، أو نحوه. والذكاة تؤثر فيها بالحل:
٢ - الحياة المستقرة: هي ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن وأمارات تغلب على الظن بقاء الحياة. ومن أماراتها: انفجار الدم بعد قطع الحلقوم والمريء. والأصح الاكتفاء بالحركة الشديدة. ولايشترط العلم بوجود الحياة المستقرة عند الذبح، بل يكفي الظن بوجودها بقرينة كشدة الحركة أو انفجار الدم. وهذه تحل الذبيحة، فإن شك في وجودها، حرم تغليباً للتحريم.
٣ - حياة المذبوح، أو حركة عيش المذبوح: وهي التي لا يبقى معها سمع لا إبصار، ولا حركة اختيار، وهذا النوع: إن وجد له سبب يحال عليه الهلاك، كما لو مرض الحيوان بأكل نبات مضر، حتى صار في آخر رمق، لم يحل على المعتمد. وإن لم يوجد سبب يحال عليه الهلاك، كأن مرض الحيوان، أو جاع حتى صار في آخر رمق، فذبحه، حل أكله.
المطلب الثالث عشر - أثر الذكاة في غير المأكول:
المقصود بهذا أن الذكاة أو الذبح، هل تؤثر في تحليل الانتفاع بجلود الحيوانات غير مأكولة اللحم، وسلب النجاسة عنها؟
للفقهاء رأيان في ذلك:
١ - فقال الحنفية والمالكية في المشهور (١): إذا ذبح ما لا يؤكل كالسباع
стр. 2705
وغيرها يطهر لحمه وشحمه وجلده إلا الآدمي والخنزير. أما الآدمي فلحرمته وكرامته، وأما الخنزير فلنجاسة عينه. وقال الدردير والصاوي: مشهور المذهب أن الذكاة لا تطهر محرَّم الأكل كالخيل والبغال والحمير، والكلب والخنزير. أما سباع الوحش وسباع الطير، فتطهر بذبحها على المشهور.
وأصح ما يفتى به عند الحنفية: أن اللحم والشحم لا يطهر بالذكاة، والجلد يطهر به، وهذا التفصيل عندهم مخالف لما في متن الكنز والدر المختار والهداية من عدم التفصيل.
ودليلهم: أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات النجسة والدماء السيالة، فإذا زالت طهرت البهيمة كما في الدباغ، وليس الجلد واللحم من الرطوبات أو الدماء. وإذا ثبت تحريم تناول لحم غير المأكول، بقي ما سواه على الأصل: وهو التطهير، فتؤثر الذكاة فيه، كما يؤثر الدباغ في تطهير الجلود. وإذا طهر الجلد بعد الذبح، فلو وقع في الماء القليل لا ينجسه. ويجوز الانتفاع بالجلد في غير الأكل. وقيل بقول آخر عند الحنفية: لا يجوز قياساً على الأكل.
٢ - وقال الشافعية والحنابلة (١): لا تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول؛ لأن أثر الذكاة في إباحة اللحم هو الأصل، والجلد تبع للحم، فإن لم تعمل الذكاة في اللحم، لم تعمل فيما سواه، كذبح المجوسي أو الذبح غير المشروع. ولا يقاس الذبح على الدباغ، لكون الدبغ مزيلاً للخبث والرطوبات كلها، مطيباً للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير، والذكاة لا يحصل بها ذلك، فلا يستغنى بها عن الدبغ.
стр. 2706
هذا … وقد صرح الشافعية بأنه يحرم ذبح الحيوان غير المأكول، ولو لإراحته، كالحمار الزمِن مثلاِ، لأنه تعذيب له (١)، ونهى النبي ﷺ عن قتل الكلاب إلا الأسود البهيم، فإنه أمر بقتله (٢).
المبحث الثالث - آلة الذبح اتفق الفقهاء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر، أو عود، أو قضيب، أو زجاج تحل التذكية به.
واختلفوا في ثلاثة في السن والظفر والعظم، على رأيين، فأجاز الحنفية، والمالكيةـ في الجملة - الذبح بها، ومنع الشافعية والحنابلة إجمالاً التذكية بها، كما سيأتي، والأولى أو الأصح عدم الذبح بها لصحة الحديث الذي استدل به الشافعية وغيرهم.
١ - قال الحنفية (٣): يجوز الذبح بكل ما أفرى الأوداج، وأنهر الدم (أساله) ولو بنار أسالت الدم، أو بِليطَة (قشر القصب)، أو مَرْوة (حجر أبيض كالسكين يذبح بها)، أو ظفر وعظم وقرن وسن منزوع من مكانه غير قائم في محله، ولكن مع كراهة الذبح بهذه الأربعة الأخيرة لما فيه من الضرر بالحيوان، كذبحه بشفرة كليلة. ودليلهم قوله ﵊: «أنهر الدم بما شئت» (٤) ويروى «أفر
стр. 2707
الأوداج بما شئت» (١)، ولأن هذه آلة جارحة، فيحصل بها ما هو المقصود، وهو إخراج الدم، وصار العظم ونحوه كالحجر والحديد.
فإن كان الظفر أو العظم قائماً محله، فلا يحل الذبح به، وإن فرى الأوداج، وأنهر الدم بالإجماع للنص عليه في الحديث.
واستثناء السن والظفر في حديث رافع بن خديج محمول على غير المنزوع، القائم محله؛ لأن الظفر القائم ونحوه يقتل بالثقل؛ لأنه يعتمد عليه.
وكما كرهوا الذبح بالظفر ونحوه، كرهوه بغير الحديد والسلاح من غير حاجة أو ضرورة، مع وجود الحديد وأسلحته، لما فيه من تعذيب الحيوان بلا فائدة، للأمر بالحديث السابق بالإحسان في القتلة والذبحة.
٢ - وقال المالكية (٢): إن وجد الحديد أي الآلة الجارحة كالسكين ونحوها (٣)، تعين. وإن وجد غير الحديد كالحجر والزجاج مع الظفر والسن، ففي الذبح بهما أربعة أقوال للإمام مالك:
الأول - الجواز مطلقاً متصلاً أو منفصلاً، والثاني - المنع مطلقاً فلا يؤكل ما ذبح بهما، والثالث - التفصيل بالجواز عند الانفصال، والمنع عند الاتصال. والرابع - الكراهية بالسن مطلقاً، والجواز بالظفر مطلقاً.
стр. 2708
وإن لم يوجد غيرهما، أي غير السن والظفر جاز بهما جزماً. ولو تم الذبح بقطعة عظم محددة، فلا خلاف في الجواز.
٣ - وقال الشافعية والحنابلة (١): يحل الذبح بكل محدَّد (له حد) يجرح (يقطع) أو يخرق بحده لا بثقله، كحديد ونحاس، وذهب، وخشب، وقصب، وحجر، وزجاج، إلا ظفراً وسناً، وعند الشافعية: وسائر العظام، متصلاً كان أو منفصلاً من آدمي أو غيره؛ لأن منع الذبح بالسن علل بكونه عظماً، فكل عظم وجدت العلة فيه، فيكون ممنوعاً. وأجاز الحنابلة الذبح بالعظم (٢)، واستدلوا على السن والظفر بحديث رافع بن خديج عند الأئمة الستة وأحمد، قال: «قلت: يارسول الله، إنا نلقى العدو غداً، وليس معنا مُدىً (٣)، فقال النبي ﷺ : ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا، ما لم يكن سناً أو ظُفْراً، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» (٤).
السكين الكالَّة: لو ذبح بسكين كالَّة، حل عند الشافعية بشرطين: ألا يحتاج القطع إلى قوة الذابح. وأن يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهاء الحيوان إلى حركة
стр. 2709
مذبوح. ويقرب منه قول الحنابلة: إن كانت الآلة كالة، وأبطأ قطع الحيوان وطال تعذيبه، لم يبح أكله، لأنه مشكوك في وجود ما يحله.
والخلاصة: إن الجمهور أجازوا التذكية بالعظم، وحرم الشافعية الذبح به. وأما السن والظفر فأجاز الحنفية الذبح بالمنزوع منهما، وحرم الشافعية والحنابلة الذبح بهما متصلين أو منفصلين. وصحح ابن رشد المالكي الذبح بهما عند الانفصال، ولا يجوز حالة الاتصال، أي كما قال الحنفية.
المبحث الرابع - الحيوان الذبيح
الكلام في هذا المبحث مجمل بالقدر المتصل بالذبائح، والتفصيل فيه سبق في مبحث مستقل عن «الأطعمة والأشربة».
التذكية شرط لحل الأكل من الحيوان البري المأكول، فلا يحل أكله - كما تقدم - بدون الذكاة، لقوله ﵎: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ - إلى قوله: ﴿إلا ماذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] استثنى سبحانه المذكى من المحرم، والاستثناء من التحريم إباحة.
والحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلاثة: مائي، وبري، وبرمائي (بري - مائي)؛ لأن منه مايؤكل بدون ذكاة، ومنه ما يؤكل بالذكاة، ومنه ما لا يؤكل وإن ذكي.
النوع الأول - الحيوان المائي:
الحيوان المائي: هو الذي لا يعيش إلا في الماء فقط. وللعلماء في أكله رأيان:
стр. 2710
١ - مذهب الحنفية (١)، جميع مافي الماء من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة، فإنه يحل أكله بدون ذكاة إلا الطافي (٢) منه، فإن مات وطفا على الماء لم يؤكل. وأدلتهم كثيرة منها قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة:٣/ ٥] وقوله ﴿ويحرِّم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧] وما سوى السمك: من الضفادع والسرطان والحية ونحوها: من الخبائث.
ونهى رسول الله ﷺ عن دواء يتخذ فيه الضفدع، ونهى عن قتل الضفادع (٣)، وذلك نهي عن أكله؛ لأن النهي عن قتل الحيوان، إما لحرمته كالآدمي، وإما لتحريم أكله، كالصُّرَد (٤)، والهدهد. وبما أن الضفدع ليس بمحترم، فكان النهي منصرفاً إلى الوجه الآخر، وهو تحريم الأكل.
وأما دليل تحريم أكل السمك الطافي، فهو حديث جابر: «ما ألقاه البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه» (٥).
٢ - مذهب الجمهور غير الحنفية (٦)، ورأيهم هو الأصح: حيوان الماء:
стр. 2711
السمك وشبهه مما لا يعيش إلا في الماء كالسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك، حلال يباح بغير ذكاة، كيف مات، حتف أنفه، أو بسبب ظاهر، كصدمة حجر، أو ضربة صياد، أو انحسار ماء، راسياً كان أو طافياً، وأخذه ذكاته، لكن إن انتفخ الطافي بحيث يخشى منه السقم يحرم للضرر.
إلا أن الإمام مالك كره خنزير الماء، وقال: أنتم تسمونه خنزيراً.
وقال الليث بن سعد: أما إنسان الماء، وخنزير الماء، فلا يؤكلان على شيء من الحالات.
واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه، متاعاً لكم وللسيارة﴾ [المائدة:٩٦/ ٥] واسم «الصيد» يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي أن يكون الكل حلالاً. وبقوله ﷺ حين سئل عن التوضؤ بماءالبحر، فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (١) وبقوله ﵇: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالكبد والطحال» (٢) وبحديث: «إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم» (٣) وبحديث صحيح عند الشيخين وأحمد في العنبر (٤): «أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوه بشاطئ البحر ميتاً، فأكلوا منه شهراً حتى سمنوا، وادهنوا، وقدموا منه للنبي ﷺ ، فأكل منه (٥)»؛ ولأنه لا دم لحيوان الماء.
стр. 2712
النوع الثاني - الحيوان البري:
الحيوان البري: هو الذي لا يعيش إلا في البر. وهو أصناف ثلاثة:
الأول: ما ليس له دم أصلا ً، كالجراد والذباب والنمل والنحل والدود والزنبور والعنكبوت والخنفساء والصرصار والعقرب وذوات السموم ونحوها، لايحل أكلها إلا الجراد خاصة؛ لأنها من الخبائث غير المستطابة، لاستبعاد الطباع السليمة إياها، وقد قال الله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧].
لكن الجراد وشبهه الجندُب (نوع من الجراد تسميه العامة القبُّوط) خص من هذه الجملة بالحديث السابق: «أحلت لنا ميتتان» والميتتان: السمك والجراد.
واشترط المالكية تذكية الجراد أو موته بسبب، بقطع عضو منه أو إحراقه أو جعله في الماء الحار، كما تبين في أنواع التذكية؛ لأن كل حيوان بري ليس له دم سائل يفتقر عندهم إلى الذكاة. ويكره عند الحنابلة بلع الجراد حياً؛ لأن فيه تعذيباً له، كما يحرم عندهم بلع السمك حياً (١).
الثاني: ما ليس له دم سائل: كالحية والوَزَغ بأنواعها، وسام أبرص (٢)، وجميع الحشرات، وهوام الأرض من الفأر والقُرَاد (دويبة تتعلق بالبعير ونحوه كالقمل للإنسان) والقنافذ والضب واليربوع وابن عرس والدود ونحوها، يحرم أكلها، لاستخباثها، ولأنها ذات سموم ولأنه ﷺ أمر بقتلها (٣)، قال ﷺ :
стр. 2713
«خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية (١) والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور، والحدايا» وفي رواية «العقرب» بدل «الغراب» (٢).
وحرم الحنفية وفي قول عند المالكية الضب، لأنه ﷺ نهى عائشة حين سألته عن أكله (٣).
وأباح الجمهور غير الحنفية أكل الضب، لإقراره ﵊ أكل الضب بين يديه، لما روى ابن عباس أنه أقر خالد بن الوليد على أكله أمامه وهو ينظر إليه، وقوله ﵊: «لا - أي ليس حراماً - ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه» (٤). وأباح المالكية أكل الحلزون إذا سلق أو شوي، لا ما مات وحده.
وأجاز الشافعية أكل القُنْفذ وابن عِرْس والثعلب واليَرْبوع والفَنَك والسَّمور (٥)؛ لأن العرب تستطيب ذلك، وما كانت العرب (أي أهل الحجاز) تسميه طيباً فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثاً، فهو محرم، لقول الله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف:١٥٧/ ٧].
стр. 2714
الثالث: ماله دم سائل: وهو إما مستأنس، أو متوحش.
أما المستأنس من البهائم: فيحل منه الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء، ومنها تأكلون﴾ [النحل:٥/ ١٦] ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا مايتلى عليكم﴾ [المائدة:١/ ٥] واسم الأنعام يقع على هذه الحيوانات لغة.
ويحرم أكل البغال والحمير، ويحل لحم الخيل، لكن مع الكراهة تنزيهاً عند أبي حنيفة (١)، لحديث جابر: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» (٢) والبغال متولدة من الحمير، والمتولد من الشيء له حكمه في التحريم. وهكذا يحرم عند الشافعية خلافاً للحنفية والحنابلة كل ماتولد من بين الإنسي والوحشي، تغليباً للتحريم. والآخرون قالوا: تغلب الإباحة لأنها الأصل، وعموم النصوص يقتضيها.
والسبب في كراهة لحم الخيل عند أبي حنيفة: هو استخدامها للركوب والجهاد، ولاختلاف الأحاديث المروية في حلها وتحريمها، فتكره احتياطاً للحرمة (٣). والمشهور عند المالكية تحريم الخيل.
стр. 2715
ويحل بالتذكية بالإجماع: المستأنس من الطير الذي لا مخلب له، كالدجاج والحمام والنعامة والبط والإوز.
ويحرم المستأنس من السباع: وهو الكلب والسنور الأهلي (الهر) (١).
وأما المتوحش: فيحرم عند الجمهور غير مالك أكل كل ذي ناب منه من السباع، وكل ذي مخلب من الطير لأنها تأكل الجيف أي الميتات. وذو الناب من سباع الوحش: مثل الأسد والذئب والضبع والنمر والفهد، والثعلب، والسنور البري، والسنجاب، والفنك، والسمور، والدب، والقرد والفيل، والدَّلَق (٢) وابن آوى (فوق الثعلب ودون الكلب طويل المخلب).
وذو المخلب من الطير: كالبازي والباشق، والصقر، والشاهين والحدأة والبومة والنعَّاب (فرخ الغراب لكثرة نعبه) وغراب البين (وهو أكبر الغربان والأبقع) والرَّخْم (طير يشبه النسر في الخلقة) والنسر والعقاب، والخُطَّاف (هو عرفاً طائر أسود الظهر أبيض البطن، يأوي إلى البيوت في الربيع، وهو السنونو) والخُفَّاش (أي الوطواط، وهو طائر صغير لا ريش له، يشبه الفأرة، يطير بين المغرب والعشاء) وما أشبه ذلك (٣).
وحرم الشافعية أكل الببَّغاء والطاووس لخبث لحمهما، كما حرموا أكل الهدهد والصُّرَد (وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير) وعند الحنابلة في
стр. 2716
الهدهد والصرد: روايتان عن أحمد، إحداهما: أنهما حلال لأنهما ليسا من ذوات المخلب ولا يستخبثان، والثانية: تحريمهما لنهي النبي ﷺ عن قتل الهدهد والصُّرَد، والنملة والنحلة. والدليل على تحريم ذي الناب والمخلب: أنه ﷺ يوم خيبر «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» (١).
وروي عن مالك القول بأن السباع ذوات الأربع مكروهة وهو الراجح لديه، وقيل: جميعها محرمة، وذهب أصحابه إلى التحريم. وأما الطير فهو حلال عند المالكية سواء ذو المخلب وغيره، عملاً بظاهر الآية: ﴿قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه﴾ [الأنعام:١٤٥/ ٦] فما عدا المذكور في هذه الآية حلال. ويحمل النهي المذكور في الحديث على الكراهية.
وقيد الشافعية تحريم ذي الناب بكونه ضارياً (عادياً) ذا ناب قوي، وذي المخلب بكونه قوياً يجرح به، فأباحوا كل ما نابه ضعيف كالضبع والثعلب والفنك والسمور واليربوع. والأصح عندهم حل غراب زرع (وهو أسود صغير يقال له: الزاغ)؛ لأنه يأكل الزرع.
ورخص الحنابلة أيضاً في أكل الضبع، لما روى جابر، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الضبع، قلت: صيد هي؟ قال: نعم» وفي لفظ قال: «سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» (٢) ورويت الرخصة فيه عن سعد وابن عمر، وأبي هريرة، وعروة بن الزبير، وعكرمة وإسحاق، وقال عروة: مازالت العرب تأكل الضبع، ولا ترى بأكلها بأساً. ورخص أحمد أيضاً في أكل اليربوع؛ لأن الأصل الإباحة ما لم يرد فيه تحريم.
стр. 2717
وما عدا كل ذي ناب أو مخلب من الوحوش، يحل أكله، كالظباء وبقر الوحش، وحمار الوحش على اختلاف أنواعها كالوعل والمها وغيرها؛ لأنها كالمعز الأهلية، ومن الطيبات، ولما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال في حمار الوحش: «كلوا من لحمه، وأكل منه».
ويباح أكل الأرنب لأنه حيوان مستطاب، ليس بذي ناب كالظبي، وقد أباح النبي صلّى الله عليه
وسلم أكله (١).
ويباح أيضاً أكل كل ما لا مخلب له من الطير المتوحش كالحمام بأنواعه، والحُبارى (طائر أكبر من الدجاج وأطول عنقاً) والعصافير والكَركي (وهو طائر كبير معروف، كنيته أبو نعيم، يمشي برجل واحدة على الأرض، ويعلق الأخرى) والغراب (٢) الذي يأكل الزرع والحب (وهو المعروف بالزاغ)، وكل ما على شكل العصفور، وإن اختلف لونه ونوعه كعندليب (وهو الهُزار) وصَعْوة (صغار العصافير، المحمرة الرأس) وزُرزور (عصفور صغير أحمر الأنف)، وبُلبل، وحُمَّرة.
وأحل الحنفية في الأصح أكل العَقعق (وقال له القعقع وهو القاق: وهو طائر ذو لونين أبيض وأسود، طويل الذنب، قصير الجناح، عيناه يشبهان الزئبق، صوته العقعقة، كانت العرب تتشاءم بصوته) لأنه يخلط بين أكل الحب والجيف. وحرم
стр. 2718
الشافعية أكله، وأكل الغدَّاف الكبير (ويسمى الغراب الجبلي، لأنه لا يسكن إلا الجبال) لخبثهما. واختلف الشافعية في الغداف الصغير (وهو أسود رمادي اللون): فقيل: يحرم، وقيل بحله وهو الظاهر، لأنه يأكل الزرع.
وحرم الحنابلة أيضاً أكل العقعق، لأنه يأكل الجيف. قال أحمد: إن لم يكن يأكل الجيف، فلا بأس به.
النوع الثالث - الحيوان البرمائي:
وهو الذي يعيش في البر والماء معاً، كالضفدع والسلحفاة والسرطان، والحية والتمساح وكلب الماء ونحوها. وفيه آراء ثلاثة:
١ - قال الحنفية والشافعية (١): لا يحل أكلها؛ لأنها من الخبائث، وللسمية في الحية، ولأن «النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع» (٢) ولو حل أكله، لم ينه عن قتله.
٢ - وقال المالكية (٣): يباح أكل الضفادع والحشرات والسرطانات والسلحفاة، إذ لم يرد نص في تحريمها. وتحريم الخبائث: هو ما نص عليه الشرع، فلا يحرم ما تستخبثه النفوس مما لم يرد فيه نص.
٣ - وفصل الحنابلة فقالوا (٤): كل ما يعيش في البر من دواب البحر، لا
стр. 2719
يحل بغير ذكاة كطير الماء، والسلحفاة، وكلب الماء، إلا مالا دم فيه كالسرطان، فإنه يباح في رأي أحمد بغير ذكاة؛ لأنه حيوان بحري يعيش في البر، وليس له دم سائل، فلاحاجة إلى ذبحه، خلافاً لما له دم، لا يباح بغير ذبح. والأصح كما في شرح المقنع لابن مفلح الحنبلي (٩/ ٢١٤): أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة.
ولا يباح أكل الضفدع؛ لأن النبي ﷺ فيما رواه النسائي - نهى عن قتله، فيدل ذلك على تحريمه.
كما لا يباح أكل التمساح.
ملحق - حول طرق الذبح الحديثة في المسلخ الحديث:
لا مانع من استخدام وسائل تضعف من مقاومة الحيوان، دون تعذيب له (١)، وبناء عليه: يحل في الإسلام استعمال طرق التخدير المستحدثة غير المميتة قبل الذبح، مثل استعمال ثاني أكسيد الفحم، إذا ذبح الحيوان، وكان الغالب على الظن وجود الحياة الطبيعية فيه عند ذبحه، لأنه لا يترتب عليه إيلام الحيوان، ويحرم الصرع بمسدس، أو بمثقل كخشب وقدوم وعصا، أو تيار كهربائي ونحوها من كل مخدر غير ضار، لما فيها من تعذيب الحيوان المنهي عنه شرعاً. ولكن استعمال ما ذكر لا يمنع من أكل الحيوان بعد ذبحه، إذا ظل حياً حياة مستقرة، وإن كان سيموت بعد مدة لو ترك بغير ذبح، ولو بعد استعمال هذه الوسائل التي يراد منها تسهيل عميلة الذبح. وأما إتلاف الجملة العصبية في المخ بالضرب، فيمنع من إباحة الأكل عند المالكية؛ لأن الحيوان يصبح منفوذ المقاتل، ومن المقاتل انتشار أو
стр. 2720
نثر الدماغ، لكن إذا كانت حياته محققة يؤكل عندهم. ويؤكل المذكور عند الشافعية والحنابلة إذا ذبح الحيوان وكان فيه حياة مستقرة، أي حركة اختيارية يدل عليها انفجار الدم، أو الحركة الشديدة. كذلك يؤكل عند الحنفية إذا أسرع الذابح بقطع العروق. ويتم الذبح الآن في المسالخ عادة بالآلات الحادة السريعة القطع. وقد نقل لنا أن عملية الذبح تعقب عملية التخدير أو الصرع بثوان معدودات.
ولا مانع من الذبح من القفا عند غير المالكية، ولكن مع الكراهة، لما فيه من تعذيب الحيوان.
ولا يجوز أكل الحيوان إذا نزف دمه بآلة، ثم ذبح قبل معرفة الحياة الطبيعية عنده.
وقد بينت سابقاً أنه لا مانع من أكل الذبائح المستوردة من البلاد النصرانية، حتى وإن لم يسم عليها، بشرط كونها مذبوحة لا مخنوقة، ولا ممزوعة الرقبة. ولا تحل اللحوم المستوردة من البلاد الوثنية أو اللادينية كاليابان والهند والدول الشيوعية. ويكبر على ذبيحة النصراني أخذاً بمذهب المالكية في حل الأكل مع الكراهة من ذبائح أهل الكتاب إن سموا غير اسم الله. لكن الشافعية والشيعة يتشددون في مثل هذه اللحوم، فلا يبيحونها في الواقع العملي.
وأما الطالب الذي يدرس في البلاد الشيوعية، فيجب عليه الامتناع من تناول الطعام المشتمل على اللحوم، ويكتفي بأكل أغذية النباتات والخضار، أو يستعين بالمعلبات من اللحوم المستوردة من أوربا مثلاً. ولا يحل بحال أكل تلك اللحوم الممنوعة، وبخاصة الخنزير في أي بلد، حتى مع ادعاء وجود الضرورة؛ لأن معنى الضرورة لايتوفر حينئذ، إذ يمكن الحفاظ على النفس من الهلاك، بتناول أطعمة غير ممنوعة شرعاً.
стр. 2721
الفَصْلُ الثَّاني: الصَّيد
وفيه مباحث أربعة:
المبحث الأول - تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته.
المبحث الثاني - شروط إباحة الصيد.
المبحث الثالث - ما يباح اصطياده من الحيوان.
المبحث الرابع - متى يملك الصائد المصيد؟
стр. 2722
المبحث الأول - تعريف الصيد وحكمه أو مشروعيته:
تعريف الصيد: الصيد أو الاصطياد لغة: مصدر «صاد» أي أخذ، فهو صائد، وذاك مصيد، ويسمى المصيد صيداً، ويجمع على صيود. والمصيد: هو كل حيوان متوحش طبعاً، ممتنع عن الآدمي، مأكولاً كان أو غير مأكول، لا يمكن أخذه إلا بحيلة.
والصيد: اقتناص حيوان حلال متوحش، طبعاً غير مملوك، ولا مقدور عليه (١).
حكم الصيد: الاصطياد مباح لقاصده إجماعاً في غير حرم مكة وحرم المدينة، لغير المحرم بحج أو عمرة. ويؤكل المصيد إن كان مأكولاً شرعاً (٢) لقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة:٥/ ٢] أمر بعد حظر، فيفيد الإباحة. ولقوله سبحانه: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة:٥/ ٩٦] ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة:٥/ ٩٥] ﴿قل: أحل لكم الطيبات، وما علَّمتم من الجوارح مكلِّبين﴾ [المائدة:٤/ ٥].
وثبت في السنة أن النبي ﷺ قال لعدي بن حاتم: «إن أرسلت كلبك، وسميت، فأخذ، فقتل، فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه» (٣).
وعن أبي قتادة: أنه كان مع رسول الله ﷺ ، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، وأخذ رمحه، ثم شد على الحمار، فقتله، فلما أدركوا رسول الله ﷺ ، سألوه عن ذلك، فقال: «هي طُعْمة، أطعمكموها الله» (٤).
стр. 2723
وعن أبي ثعلبة الخشني، أن النبي ﷺ قال: «ما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته، فكل» (١). وأجمع العلماء على إباحة الاصطياد، والأكل من الصيد.
ويكره الصيد لهواً، لأنه عبث لقوله ﵇: «لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً» (٢) أي هدفاً «من قتل عصفوراً عبثاً، عج إلى الله يوم القيامة يقول: يارب، إن فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني منفعة» (٣). وهو حرام إن كان فيه ظلم الناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد (٤).
والصيد أفضل مأكول؛ لأنه حلال لا شبهة فيه، كما أن الزراعة أفضل مكتسب؛ لأنها أقرب إلى التوكل من غيرها، وأقرب للحل. وفيها عمل اليد، والنفع العام للإنسان والحيوان (٥).
ومما يؤكد مشروعية الصيد: أنه نوع اكتساب، وانتفاع بما هو مخلوق للإنسان، ليتمكن من البقاء، وتنفيذ التكاليف الشرعية.
هذا وقد قسم المالكية (٦) أحكام الصيد خمسة أقسام:
مباح للمعاش، ومندوب للتوسعة على العيال، وواجب لإحياء النفس عند
стр. 2724
الضرورة، ومكروه للهو، وحرام إذا كان عبثاً لغير نية، للنهي عن تعذيب الحيوان لغير فائدة.
المبحث الثاني - شروط إباحة الصيد:
يشترط لإباحة الصيد خمسة عشر شرطاً عند الحنفية (١)، وستة عشر شرطاً عند المالكية (٢)، وأجملها الشافعية والحنابلة (٣) في شروط سبعة.
وهذه الشروط هي في الصائد، وفي آلة الصيد، وفي المصيد.
ويلاحظ أن مجموع هذه الشروط هو لحالة ما يحل أكله ولم يدركه حياً، فإن أدركه حياً وجب ذبحه، وهي شروط في صيد البر، أما صيد البحر فيجوز مطلقاً، سواء صاده مسلم أو كافر على أي وجه كان.
المطلب الأول - شروط الصائد:
شروط الصائد خمسة عند الحنفية، ستة أو سبعة عند المالكية وهي:
١ - أن يكون الصائد من أهل الذكاة أي ممن تقبل تذكيته شرعاً، كما تقدم في الذبائح وهذا شرط متفق عليه. فيجوز صيد المسلم اتفاقاً، ولا يجوز صيد الوثني والمرتد والمجوسي والباطني اتفاقاً؛ لأن الاصطياد أقيم مقام الذكاة، والجارحة آلة كالسكين، وعقر الصائد الحيوان بمنزلة إفراء الأوداج، ولا يجوز صيد المجنون عند الجمهور خلافاً للشافعية؛ لأن الصائد بمنزلة المذكي فتشترط الأهلية فيه. ويجوز
стр. 2725
صيد الكتابي (اليهودي والنصراني) في المذاهب الأربعة، لكن قيد الشافعية حل اصطياده وذبحه بألا يعلم تهود آباء اليهودي بعد مجيء الإسلام الناسخ لليهودية، وبأن يعلم تنصر آباء النصراني قبل الإسلام. فإن كان أبو الكتابي مجوسياً وأمه كتابية، أو بالعكس، فمالك يعتبر الوالد، والشافعي يعتبر الأم، وأبو حنيفة: يعتبر أيهما كان ممن تجوز تذكيته، فالمتولد بين مشرك وكتابي ككتابي؛ لأنه أخف؛ لأن الولد يتبع أخف الأبوين ضرراً.
وأحمد: يعتبر المتولد من كتابي ومشرك كولد مجوسية من كتابي مثل المشرك لا يؤكل صيده (١).
٢ - ألا يشاركه في الإرسال من لا يحل صيده: وهذا شرط اتفاق أيضاً. ويمكن جعل الشرط الأول والثاني واحداً. ودليل هذا الشرط حديث عدي بن حاتم الذي فيه: «ما لم يُشركها كلب ليس معها» فهو يدل على أنه لا يحل أكل ما شاركه كلب آخر في اصطياده.
فلو شارك مجوسي مسلماً في اصطياد أو ذبح، أو اشتركا في إرسال كلبين أو سهمين، ولم يسبق كلب المسلم أو سهمه، فجرحا المصيد، أو جهل الجارح، لم يؤكل المصيد أو المذبوح؛ لأنه اجتمع المبيح والمحرِّم، فتغلب جهة المحرم احتياطاً، مما يدل على أن المبدأ في الأطعمة في المذاهب الأربعة هو تغليب التحريم (٢). ويطبق ذلك أيضاً على حالة الاشتراك بين كلب معلم وغير معلم، أو كلب لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمداً مع ما ذكر، عند الجمهور مشترطي التسمية.
٣ - أن ينوي الاصطياد أو يوجد منه الإرسال - إرسال الجارحة على الصيد،
стр. 2726
وهو شرط متفق عليه، فإن استرسلت بنفسها، فقتلت، لم يبح، لقول النبي ﷺ في حديث عدي بن حاتم المتقدم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل ما أمسك عليك»، ولأن إرسال الجارحة جعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتبرت التسمية معه.
وإن استرسل الجارح بنفسه، فسمى صاحبه، وزجره، فزاد في عدْوه، أبيح صيده عند الحنابلة والحنفية؛ لأن الزجر مثل الإرسال، ولا يباح عند المالكية، والشافعي في الأصح، لاجتماع
الإرسال بنفسه والإغراء، فغلب جانب المنع (١)، والأول أرجح في تقديري.
٤ - ألا يترك التسمية عامداً، وهذا شرط عند الجمهور، وعند الشافعية ليس بشرط، والسنة أن يسمي الصائد الله تعالى عند الرمي أو إرسال الجارح، كما يسمي الذابح عند الذبح بأن يقول بسم الله، أو يضيف إليه: «والله أكبر»، للحديث السابق المذكور فيه التسمية. فإن ترك القانص التسمية عمداً لم يؤكل المصيد عند الجمهور، لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام:١٢١/ ٦] وقوله سبحانه: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة:٤/ ٥]. وإن ترك التسمية سهواً يؤكل المصيد عند المالكية والحنفية، ولا يؤكل عند الحنابلة (٢) بعكس الذبيحة تؤكل عندهم في حال ترك التسمية سهواً، لقول ابن عباس: «من نسي التسمية فلا بأس». وروى سعيد بن منصور بإسناده عن راشد بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم ما لم يتعمد». وقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾
стр. 2727
[الأنعام:١٢١/ ٦] محمول على ما تركت تسميته عمداً بدليل قوله: ﴿وإنه لفسق﴾ [الأنعام:١٢١/ ٦] والأكل مما نسيت التسمية عليه، ليس بفسق.
وتختلف الذبيحة عن الصيد عند الحنابلة؛ لأن ذبح الصيد في غير محل، فاعتبرت التسمية تقوية له، والذبيحة بخلاف ذلك، ويرشد إلى وجوب التسمية مطلقاً حديث عدي بن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله، إنى أرسل كلبي، وأسمِّي، قال: إن أرسلت كلبك، وسميت، فأخذ، فقتل، فكل، وإن أكل منه، فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. قلت: إني أرسل كلبي، أجد معه كلباً
آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» (١).
وقال الشافعية (٢): يباح أكل متروك التسمية عمداً أو سهواً، في الصيد والذبائح، لقول النبي ﷺ : «المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم» (٣) وعن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ سئل، فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي الله؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم» (٤).
وأما النهي في قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه
стр. 2728
لفسق﴾ [الأنعام:١٢١/ ٦] فمقيد بحال كون الذبح فسقاً، والفسق في الذبيحة مفسر في كتاب الله بما أهل لغير الله به؛ لأن جملة ﴿وإنه لفسق﴾ [الأنعام:١٢١/ ٦] لا تصلح أن تكون معطوفاً، للتباين بين الجملتين، إذ الأولى فعلية إنشائية، والثانية اسمية خبرية، فتعين أن تكون حالية.
وأما الأحاديث المطالبة بالتسمية في خبر أبي ثعلبة وعدي بن حاتم ونحوهما، فمحمولة على الندب.
٥ - ألا يشتغل الصائد بين الإرسال وأخذ المصيد بعمل آخر. وعبر المالكية عن ذلك بقولهم: أن يتبع الصائد الصيد عند الإرسال أو الرمي.
والسبب في اشتراط هذا الشرط: أن الصائد مطالب بملاحقة المصيد، ليذبحه إن أدركه حياً فيه روح، فإن قصر في ذلك، ومات ولم يذكه، لم يؤكل، لأنه قدر على الذكاة الاختيارية، فلا تجزئ الذكاة الاضطرارية لعدم الضرورة.
وللفقهاء آراء في إدراك المصيد حياً، قال الحنفية (١): إن أدرك المصيد، وكان فيه فوق حياة المذبوح، بأن يعيش مدة كاليوم أو نصفه، فوق ما يعيش المذبوح، وترك التذكية، حتى مات، لم يؤكل؛ لأنه مقدور على ذبحه، ولم يذبح، فصار كالميتة، والله تعالى يقول: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة:٣/ ٥] ولقوله ﵊ لعدي: «إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله عليه، وإن أمسك عليك، فأدركته حياً، فاذبحه».
أما لو أدرك به حياة مثل حياة المذبوح، فلا تلزم تذكيته، لأنه ميت حكماً،
стр. 2729
ولهذا لو وقع في الماء في هذه الحالة، لا يحرم، كما لو وقع وهو ميت. ولو أدرك الصيد حياً حياة فوق ما يكون في المذبوح، ولم يتمكن من ذبحه لفقد آلة، أو ضيق الوقت، لم يؤكل في ظاهر الرواية، وفي رواية أخرى عن أئمة الحنفية الثلاثة: إنه يؤكل استحساناً، وقيل: هذا أصح.
أما إن لم يتمكن من ذبحه، لعدم قدرته عليه، أي عدم ثبوت يده عليه، فمات، أكل؛ لأن اليد لم تثبت عليه، ولم يوجد منه التمكن من الذبح.
وقال المالكية (١): إن رجع الصائد بعد الإرسال أو الرمي، ثم أدرك المصيد غير منفوذ المقاتل، ذكاه. وإن لم يدركه إلا منفوذ المقاتل، لم يؤكل، إلا أن يتحقق أن مقاتله أنفذت بالمصيد به.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): إن كانت حياة المصيد كحياة المذبوح، ليس فيه حياة مستقرة، بأن شق جوفه وخرجت الحشوة، أو أصاب العقر من الكلب مقتلاً، يباح من غير ذبح، باتفاق المذاهب؛ لأن الذكاة في مثل هذا لا تفيد شيئاً، لكن المستحب عند الشافعية أن يمر السكين على الحلق ليريحه، وإن لم يفعل حتى مات، حل؛ لأن عقر الكلب المرسل عليه، قد ذبحه، وبقيت فيه حركة المذبوح. وإن كانت فيه حياة مستقرة أدركها الصائد فينظر في الأمر:
أـ إن تعذر ذبحه، بلا تقصير من الصائد، حل أكله، كأن سل السكين على الصيد، أو ضاق الزمان فلم يتسع الوقت لذكاته، حتى مات، أو مشى له على
стр. 2730
هينته ولم يأته عدواً، أو اشتغل بتوجيهه للقبلة أو بطلب المذبح (مكان الذبح)، أو بتناول السكين، أو منع منه سبع، فمات قبل إمكانه الذبح، أو امتنع منه بقوته، ومات قبل القدرة عليه، فيحل في الجميع كما لو مات، ولم يدرك حياته.
ب - وإن مات لتقصيره، بأن لا يكون معه سكين، أو لم تكن محددة، أو ذبح بظهرها خطأ، أو أخذها منه غاصب، أو نشبت في الغمد (أي عسر إخراجها بأن تعلقت في الغلاف)، حرم الصيد، للتقصير، لحديث أبي ثعلبة الخشني المتقدم أن النبي ﷺ قال: «ما رد عليك كلبك المكلب، وذكرت اسم الله عليه، وأدركت ذكاته، فذكه، وكل، وإن لم تدرك ذكاته، فلا تأكل .. ».
٦ - ألا يكون الصائد في صيد البر محرماً بحج أو عمرة، أما صيد البحر فحلال للمحرم لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه، متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة:٩٦/ ٥]. وفي حديث صحيح: «صيد البر لكم حلال - وأنتم حرم - ما لم
تصيدوه أو يُصَد لكم» (١) وحكمة التفرقة بين نوعي الصيد كما ورد في الآية هو توفير زاد للمسافرين والنائين عن البحر، ولأن صيد البر ترفه يتطلب مشقة ومطاردة تصرف المحرم عما فيه من عبادة.
٧ - أن يرى الصائد الصيد ويعينه أو يحس به، ويرسل كلبه المعلم على صيد، وهذا شرط ذكره المالكية والشافعية والحنابلة (٢)، ويمكن عده مع الشرط الثالث.
стр. 2731
فلو علم الصائد بالصيد، ولو كان أعمى، فأرسل كلبه أو بازه المعلم، فقتل المصيد، فإنه يؤكل، ويصح صيد الأعمى عند المالكية والحنابلة. أما لو أرسله على صيد، وهو لا يرى شيئاً، ولا يحس به، فأصاب صيداً، لم يبح في قول أكثر أهل العلم؛ لأنه لم يرسله على الصيد، وإنما استرسل بنفسه.
وكذلك إن رمى سهماً لاختبار قوته أو إلى غرض، فأصاب صيداً، أو رمى به إلى أعلى، فوقع على صيد، فقتله، لم يُبح لأنه لم يقصد برميه عيناً، كما لو نصب سكيناً فانذبحت بها شاة. ولو أرسل الصائد الجارح في غار أو غيضة (مجتمع شجر)، لم يعلم أن فيهما صيداً، ونوى ذكاة ما وجده فيها، أو علم فيهما صيداً، ولم يره ببصره، فوجد صيداً، فقتله، فإنه يؤكل كما صرح المالكية، تنزيلاً للغالب منزلة المعلوم.
واشترط الشافعية (١) أن يكون الصائد بصيراً، فلا يحل عندهم صيد الأعمى في الأصح لعدم صحة قصده؛ لأنه لا يرى الصيد، فصار كاسترسال الكلب بنفسه، لايحل به الصيد، ولو أرسل كلباً، وهو لا يراه صيداً، فأصاب صيداً لم يحل. وتطبيقاً على هذه الشروط أذكر حالتين: هما حالة غيبة مصرع المصيد، وحالة وقوعه في ماء أو ترديه من سطح بعد الصيد:
حالة غيبة المصرع: إن رمى الصائد الصيد، فغاب عن عينه، فوجده ميتاً وليس به إلا أثر سهمه (٢)، يباح أكله عند الحنفية، والحنابلة: إن تابع طلبه والبحث عنه، أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر. فإن تشاغل عنه، ثم وجده، أو وجد به أثر سهم آخر، أوشك في سهمه لم يبح أكله، لاحتمال موته بسبب آخر.
ولقول ابن
стр. 2732
عباس: «كل ما أصميت، ودع ما أنميت» (١) والإصماء: ما رأيته، والإنماء: ما توارى عنك، مما يدل على أن الصيد يحرم بالتواري. ولقوله ﷺ في حديث عدي ابن حاتم: «إذا رميت فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل».
وقال الشافعية في الأظهر: إن جرحه جرحاً يمكن إحالة الموت عليه، وغاب، ثم وجده ميتاً، ولم يظن أن سهمه قتله، حرم، لحديث عدي بن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله، إنا أهل صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد، فيغيب عنه الليلتين والثلاث، فيجده ميتاً، فقال: إذا وجدت فيه أثر سهمك، ولم يكن أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكل» (٢).
وقال المالكية في المشهور: إن وجده ميتاً بعد يوم أو يومين منفوذ المقاتل لا يؤكل لاحتمال موته بشيء من الهوام مثلاً، ولحديث مسند عن أبي رَزين وعن عائشة، ومرسل عند أبي داود، مفاده «أن النبي ﷺ كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال: لعل هوام الأرض قتلته».
والخلاصة: إن الصيد الذي غاب بعد رميه، ولم يعلم أو يظن أنه مات بضربه، لا يؤكل في المذاهب.
حالة الوقوع في الماء أو التردي من مكان عال على الأرض: إذا رمى الصائد صيداً، فوقع في ماء أو تردى من مكان عال كجبل أو سطح على الأرض، أو وطئه شيء فمات، لم يؤكل باتفاق المذاهب (٣)، لكن إن وقع على الأرض مباشرة،
стр. 2733
أكل؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. بخلاف الحالة المتقدمة، فإنه يمكن الاحتراز عنه، وقد اجتمع فيه سبب الحل والحرمة معاً، فترجح جهة الحرمة احتياطاً، ولحديث عدي بن حاتم السابق: «وإن وقع في ماء، فلا تأكل». هذا ما لم يكن سهم قد أنفذ مقاتله قبل الوقوع، فإن حدث ذلك لم يضره الغرق أو التردي.
المطلب الثاني - شروط آلة الصيد:
الآلة نوعان: سلاح، وحيوان.
أـ أما السلاح: فيشترط أن يكون محدداً كالرمح والسهم والسيف والبارود ونحو ذلك. وإذا رمى الصيد بسيف أو غيره، فقطعه قطعتين أو قطع رأسه، أكل جميعه وأكل الرأس، عند الجمهور (١)، ولا يؤكل الجزء المبان منه إذا بقيت فيه حياة مستقرة؛ لأن «الجزء المقطوع من الحي كميتته». ويؤكل العضو المبان إذا لم تبق فيه حياة مستقرة ومات بالجرح.
وكذلك قال الحنفية (٢): إذا رمى إلى صيد، فقطع عضواً منه أكل المصيد، كوجود الجرح، ولا يؤكل العضو المقطوع بحال، لقوله ﷺ : «ما أبين من الحي فهو ميت» (٣) والمبان منه حي حقيقة لوجود الحياة. وإن قطعه الرامي أثلاثاً أو أكثره مع عجزه، أو قطع نصف رأسه أو أكثره، أو قدَّه نصفين، أُكل كله؛ لأن هذه الصور لا يمكن فيها وجود حياة فوق حياة المذبوح، فلم يتناولها الحديث المذكور. أما لو كان الأكثر مع الرأس، أكل الأكثر، ولا يؤكل الأقل، لإمكان الحياة فوق حياة المذبوح، وأما الأقل فهو مبان من الحي.
стр. 2734
ولا يجوز الاصطياد بما لايجوز التذكية به، وهي السن والظفر والعظم على الخلاف السابق في التذكية به.
ولا يجوز الصيد بمثقل (١) كالحجر، والبندقة (طينة مدورة يرمى بها)، والمعراض بعُرضه (سهم لا ريش ولا نصل، أو عصا محددة الرأس) إلا أن يكون له حد، ويوقن أنه أصاب به، لا بالرض؛ لأن ما قتله بحدة بمنزلة ما طعنه برمحه، ورماه بسهم، وما قتل بعُرْضه (جانبه) إنما يقتل بثقله، فهو موقوذ أو وقيذ (ميت بالضرب) ولما روي أن عدي بن حاتم قال للنبي ﷺ : إني أرمي الصيد بالمعراض (٢)، فأصيب، فقال: «إذا رميت بالمعراض، فخزق (نفذ)، فكله، وإن أصاب بعُرْضه (بغير طرفه المحدد)، فلا تأكله» (٣). وفي حديث عبد الله بن مغَفَّل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الخَذْف، وقال: إنه لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن» (٤).
وعليه: إذا قتل الصائد أو الذابح الحيوان بمُثْقّل (شيء ثقيل)، أو ثقل محدد كبندقة وسوط، وسهم بلا نصل ولا حد، أو سهم وبندقة معاً، أو جرحه نصل وأثر فيه عُرْض السهم (جانبه) في مروره، ومات بهما (أي الجرح والتأثير) أو انخنق بأحبولة أو شبكة، فهو محرم، بلا خلاف، لأنه قتله بما ليس له حد (٥). وهكذا حكم سائر آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعُرْضها ولم تجرح، لم يبح الصيد، كالسهم يصيب الطائر بعُرْضه فيقتله، أو كالسيف بصفحه.
стр. 2735
ولا يؤكل ما يصطاد اليوم بالخردق أو الرصاص غير محدد الرأس إلا إذا أدركه الصائد حياً وذبحه ذبحاً اختيارياً. وأفتى الشيخ المفتي محمود حمزة في دمشق وغيره بجواز أكل ماصيد بالخردق أو الرصاص العادي، لأنه يقتل بسرعة شديدة.
والخلاصة: أنه يؤكل المصيد بالرمي بأداة محددة كالرماح والسيوف والسهام ونحوها للنص عليها في القرآن والسنة. كما يؤكل المصيد بالمثقل إذا قتله بحده وخرق جسد الصيد، ولا يؤكل إذا قتله بالمثقل ولم يخرق لقول النبي ﷺ : «ما خزق فكل». وهذا التفصيل بالمثقل هو رأي الجماهير.
ب - وأما الحيوان الجارح: فيحل الاصطياد بجوارح السباع والطير إذا كانت معلمة، ولم تأكل من الصيد عند غير المالكية. فالسبع مثل الكلب والفهد والنمر والأسد والهر، والطير مثل الباز أو البازي (نوع من الصقور) والشاهين (من جنس الصقر) والصقر والنسر والعقاب ونحوها من كل ما يقبل التعليم (١) لقوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات، وما علَّمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة:٥/ ٤]، قال ابن عباس: هي الكلاب المعلمة، وكل طير تعلَّم الصيد والفهود والصقور وأشباهها، أي يحل لكم صيد ماعلمتم من الجوارح (٢). ولحديث عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: «إذا أمسك عليك، فكل» ولأنه جارح يصاد به عادة، ويقبل التعليم، فأشبه الكلب. ومثله كل سبع حتى الأسد.
واستثنى أبو يوسف (٣) من ذلك الأسد والدب، لأنهما لا يعملان لغيرهما: