← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

فلو علم الصائد بالصيد، ولو كان أعمى، فأرسل كلبه أو بازه المعلم، فقتل المصيد، فإنه يؤكل، ويصح صيد الأعمى عند المالكية والحنابلة. أما لو أرسله على صيد، وهو لا يرى شيئاً، ولا يحس به، فأصاب صيداً، لم يبح في قول أكثر أهل العلم؛ لأنه لم يرسله على الصيد، وإنما استرسل بنفسه. وكذلك إن رمى سهماً لاختبار قوته أو إلى غرض، فأصاب صيداً، أو رمى به إلى أعلى، فوقع على صيد، فقتله، لم يُبح لأنه لم يقصد برميه عيناً، كما لو نصب سكيناً فانذبحت بها شاة. ولو أرسل الصائد الجارح في غار أو غيضة (مجتمع شجر)، لم يعلم أن فيهما صيداً، ونوى ذكاة ما وجده فيها، أو علم فيهما صيداً، ولم يره ببصره، فوجد صيداً، فقتله، فإنه يؤكل كما صرح المالكية، تنزيلاً للغالب منزلة المعلوم. واشترط الشافعية (١) أن يكون الصائد بصيراً، فلا يحل عندهم صيد الأعمى في الأصح لعدم صحة قصده؛ لأنه لا يرى الصيد، فصار كاسترسال الكلب بنفسه، لايحل به الصيد، ولو أرسل كلباً، وهو لا يراه صيداً، فأصاب صيداً لم يحل. وتطبيقاً على هذه الشروط أذكر حالتين: هما حالة غيبة مصرع المصيد، وحالة وقوعه في ماء أو ترديه من سطح بعد الصيد: حالة غيبة المصرع: إن رمى الصائد الصيد، فغاب عن عينه، فوجده ميتاً وليس به إلا أثر سهمه (٢)، يباح أكله عند الحنفية، والحنابلة: إن تابع طلبه والبحث عنه، أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر. فإن تشاغل عنه، ثم وجده، أو وجد به أثر سهم آخر، أوشك في سهمه لم يبح أكله، لاحتمال موته بسبب آخر. ولقول ابن

стр. 2732

عباس: «كل ما أصميت، ودع ما أنميت» (١) والإصماء: ما رأيته، والإنماء: ما توارى عنك، مما يدل على أن الصيد يحرم بالتواري. ولقوله ﷺ في حديث عدي ابن حاتم: «إذا رميت فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل». وقال الشافعية في الأظهر: إن جرحه جرحاً يمكن إحالة الموت عليه، وغاب، ثم وجده ميتاً، ولم يظن أن سهمه قتله، حرم، لحديث عدي بن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله، إنا أهل صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد، فيغيب عنه الليلتين والثلاث، فيجده ميتاً، فقال: إذا وجدت فيه أثر سهمك، ولم يكن أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله، فكل» (٢). وقال المالكية في المشهور: إن وجده ميتاً بعد يوم أو يومين منفوذ المقاتل لا يؤكل لاحتمال موته بشيء من الهوام مثلاً، ولحديث مسند عن أبي رَزين وعن عائشة، ومرسل عند أبي داود، مفاده «أن النبي ﷺ كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال: لعل هوام الأرض قتلته». والخلاصة: إن الصيد الذي غاب بعد رميه، ولم يعلم أو يظن أنه مات بضربه، لا يؤكل في المذاهب. حالة الوقوع في الماء أو التردي من مكان عال على الأرض: إذا رمى الصائد صيداً، فوقع في ماء أو تردى من مكان عال كجبل أو سطح على الأرض، أو وطئه شيء فمات، لم يؤكل باتفاق المذاهب (٣)، لكن إن وقع على الأرض مباشرة،

стр. 2733

أكل؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. بخلاف الحالة المتقدمة، فإنه يمكن الاحتراز عنه، وقد اجتمع فيه سبب الحل والحرمة معاً، فترجح جهة الحرمة احتياطاً، ولحديث عدي بن حاتم السابق: «وإن وقع في ماء، فلا تأكل». هذا ما لم يكن سهم قد أنفذ مقاتله قبل الوقوع، فإن حدث ذلك لم يضره الغرق أو التردي. المطلب الثاني - شروط آلة الصيد: الآلة نوعان: سلاح، وحيوان. أـ أما السلاح: فيشترط أن يكون محدداً كالرمح والسهم والسيف والبارود ونحو ذلك. وإذا رمى الصيد بسيف أو غيره، فقطعه قطعتين أو قطع رأسه، أكل جميعه وأكل الرأس، عند الجمهور (١)، ولا يؤكل الجزء المبان منه إذا بقيت فيه حياة مستقرة؛ لأن «الجزء المقطوع من الحي كميتته». ويؤكل العضو المبان إذا لم تبق فيه حياة مستقرة ومات بالجرح. وكذلك قال الحنفية (٢): إذا رمى إلى صيد، فقطع عضواً منه أكل المصيد، كوجود الجرح، ولا يؤكل العضو المقطوع بحال، لقوله ﷺ : «ما أبين من الحي فهو ميت» (٣) والمبان منه حي حقيقة لوجود الحياة. وإن قطعه الرامي أثلاثاً أو أكثره مع عجزه، أو قطع نصف رأسه أو أكثره، أو قدَّه نصفين، أُكل كله؛ لأن هذه الصور لا يمكن فيها وجود حياة فوق حياة المذبوح، فلم يتناولها الحديث المذكور. أما لو كان الأكثر مع الرأس، أكل الأكثر، ولا يؤكل الأقل، لإمكان الحياة فوق حياة المذبوح، وأما الأقل فهو مبان من الحي.

стр. 2734

ولا يجوز الاصطياد بما لايجوز التذكية به، وهي السن والظفر والعظم على الخلاف السابق في التذكية به. ولا يجوز الصيد بمثقل (١) كالحجر، والبندقة (طينة مدورة يرمى بها)، والمعراض بعُرضه (سهم لا ريش ولا نصل، أو عصا محددة الرأس) إلا أن يكون له حد، ويوقن أنه أصاب به، لا بالرض؛ لأن ما قتله بحدة بمنزلة ما طعنه برمحه، ورماه بسهم، وما قتل بعُرْضه (جانبه) إنما يقتل بثقله، فهو موقوذ أو وقيذ (ميت بالضرب) ولما روي أن عدي بن حاتم قال للنبي ﷺ : إني أرمي الصيد بالمعراض (٢)، فأصيب، فقال: «إذا رميت بالمعراض، فخزق (نفذ)، فكله، وإن أصاب بعُرْضه (بغير طرفه المحدد)، فلا تأكله» (٣). وفي حديث عبد الله بن مغَفَّل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الخَذْف، وقال: إنه لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السن» (٤). وعليه: إذا قتل الصائد أو الذابح الحيوان بمُثْقّل (شيء ثقيل)، أو ثقل محدد كبندقة وسوط، وسهم بلا نصل ولا حد، أو سهم وبندقة معاً، أو جرحه نصل وأثر فيه عُرْض السهم (جانبه) في مروره، ومات بهما (أي الجرح والتأثير) أو انخنق بأحبولة أو شبكة، فهو محرم، بلا خلاف، لأنه قتله بما ليس له حد (٥). وهكذا حكم سائر آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعُرْضها ولم تجرح، لم يبح الصيد، كالسهم يصيب الطائر بعُرْضه فيقتله، أو كالسيف بصفحه.

стр. 2735

ولا يؤكل ما يصطاد اليوم بالخردق أو الرصاص غير محدد الرأس إلا إذا أدركه الصائد حياً وذبحه ذبحاً اختيارياً. وأفتى الشيخ المفتي محمود حمزة في دمشق وغيره بجواز أكل ماصيد بالخردق أو الرصاص العادي، لأنه يقتل بسرعة شديدة. والخلاصة: أنه يؤكل المصيد بالرمي بأداة محددة كالرماح والسيوف والسهام ونحوها للنص عليها في القرآن والسنة. كما يؤكل المصيد بالمثقل إذا قتله بحده وخرق جسد الصيد، ولا يؤكل إذا قتله بالمثقل ولم يخرق لقول النبي ﷺ : «ما خزق فكل». وهذا التفصيل بالمثقل هو رأي الجماهير. ب - وأما الحيوان الجارح: فيحل الاصطياد بجوارح السباع والطير إذا كانت معلمة، ولم تأكل من الصيد عند غير المالكية. فالسبع مثل الكلب والفهد والنمر والأسد والهر، والطير مثل الباز أو البازي (نوع من الصقور) والشاهين (من جنس الصقر) والصقر والنسر والعقاب ونحوها من كل ما يقبل التعليم (١) لقوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات، وما علَّمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة:٥/ ٤]، قال ابن عباس: هي الكلاب المعلمة، وكل طير تعلَّم الصيد والفهود والصقور وأشباهها، أي يحل لكم صيد ماعلمتم من الجوارح (٢). ولحديث عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: «إذا أمسك عليك، فكل» ولأنه جارح يصاد به عادة، ويقبل التعليم، فأشبه الكلب. ومثله كل سبع حتى الأسد. واستثنى أبو يوسف (٣) من ذلك الأسد والدب، لأنهما لا يعملان لغيرهما:

стр. 2736

الأسد لعلو همته، والدب لخساسته، وألحق بعضهم بهما الحدَأة لخساستها، والخنزير مستثنى؛ لأنه نجس العين، فلا يجوز الانتفاع به. واستثنى الإمام أحمد من الكلاب: الكلب الأسود البهيم (الذي لا يخالط لونه لون سواه كالبياض ونحوه)، لأنه كلب يحرم اقتناؤه، ويسن قتله بأمر النبي ﷺ ، فلم يبح صيده، كغير المُعلَّم. ودليله قول النبي ﷺ : «عليكم بالأسود البهيم ذي النُكْتتين، فإنه شيطان» (١) فقد سماه النبي شيطاناً، ولا يجوز اقتناء الشيطان. وإباحة الصيد المقتول بالجارح رخصة، فلا تستباح بمحرم كسائر الرخص، ويكون عموم الآية السابقة مخصصاً بهذا الحديث (٢). ويسن أيضاً عند الحنابلة قتل الخنزير ويحرم الانتفاع به، ويجب قتل الكلب العقور ولو كان معلماً، ويحرم اقتناؤه لأذاه. شروط الحيوان الصائد - يشترط في الحيوان المصيد به ستة شروط (٣): الأول - أن يكون معلما ً: بأن ينتقل عن طبعه الأصلي، حتى يصير تحت تصرف الصائد كالآلة، لا صائداً لنفسه. وشرط التعليم متفق عليه بنص القرآن. وتعليم الكلب عند الحنفية: أن يترك الأكل ثلاث مرات. وتعليم البازي ونحوه: أن يرجع ويجيب إذا دعوته، ولا يشترط فيه ترك الأكل من الصيد، وهو مأثور عن ابن عباس، ولأن آية التعليم: ترك ما هو مألوفه عادة، فيترك الكلب ونحوه من السباع الأكل والاستلاب مما يصيده، ويتعود الطائر الإجابة، أو الرجوع

стр. 2737

إذا دعوته. وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة: لايقدر التعليم بالثلاث بل بحسب رأي المدرب. ويؤكل مااصطاده في المرة الثالثة عند أبي حنيفة، ولا يؤكل عند الصاحبين؛ لأنه إنما يصير معلماً بعد تمام الثلاث (١). ولابد من الإرسال، لكن لايشترط الزجر في حل الصيد. ولابد في التعليم عند الشافعية والحنابلة من أوصاف أو شروط ثلاثة: إذا أرسله صاحبه استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك الصيد لم يأكل منه. ويكفي عند المالكية توفر الشرطين الأولين (٢). ويشترط تكرار هذه الأمور حتى يصير معلماً في حكم العرف بأن يظن تأدب الجارحة، ولايضبط ذلك بعدد عند المالكية والشافعية، بل يرجع في أمر التكرار إلى أهل الخبرة بالجوارح، وأقل ذلك أن يتكرر مرتين فأكثر، بحيث يغلب على الظن تعوده وتعلمه ذلك. وأقل المطلوب عند الحنابلة ثلاث مرات؛ لأن مااعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثاً، كالمسح في الاستجمار وغسلات الوضوء. ولايعتبر أيضاً عند بعض المالكية شرط: «إذا زجر انزجر» في الباز، لأنه لاينزجر. ودليل شرط عدم أكل الجارح من الصيد: هو حديث عدي بن حاتم المتقدم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وسميت، فأمسك وقتل، فكل، وإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه».

стр. 2738

فإن ظهر كون الجارح معلماً، ثم أكل مرة من لحم صيد، لم يحل الصيد في الأرجح عند الجمهور غير المالكية، لحديث عدي السابق، ولأن عدم الأكل شرط في التعلم ابتداء ودواماً، فيشترط تعليم جديد. وأجاز الحنفية أكل ما أكل منه البازي؛ لأن ترك الأكل ليس شرطاً عندهم في تعليمه. وقال المالكية: يؤكل (١)، لعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة:٤/ ٥] وحديث أبي ثعلبة: «ما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك المُعلَّم، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم، فأدركت ذكاته فكل (٢)» ولأن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع، أوغيظ على الصيد. ويحل الصيد الذي صاده قبل الأكل، كما يحل في الراجح عند الحنابلة ما صاده الكلب بعد الصيد الذي أكل منه (٣). و هل يجب غسل معضّ الكلب أي أثر فم الكلب؟ قال الشافعية وفي وجه عند الحنابلة (٤): معض الكلب نجس، ولا يعفى عنه، لأنه ثبتت نجاسته، فيجب غسل ما أصابه كبوله، ويغسل سبعاً إحداهن بالتراب. وقال المالكية وهو الوجه الثاني عند الحنابلة: لا يجب غسله؛ لأن الله تعالى ورسوله أمرا بأكله، ولم يأمرا بغسله، والكلب طاهر في مذهب المالكية، فيؤكل موضع نابه. الثاني - أن يذهب على سنن الإرسال ولو من غير تعيين عند الحنفية. أما عند

стр. 2739

المالكية والشافعية والحنابلة فلا بد من أن يرسله الصائد من يده على الصيد بعد أن يراه ويعينه (١). فإن انبعث من نفسه لم يؤكل اتفاقاً. ومن سمع حساً ظنه حس صيد، فرماه، أو أرسل كلباً أو بازاً عليه، فأصاب صيداً ثم تبين أنه صيد، حل المصاب عند الحنفية، لأنه قصد الاصطياد. وإن زجره بعد انبعاثه من تلقاء نفسه، فرجع إليه، ثم أشلاه (أغراه)، أكل. وإن لم يرجع إليه، بعد أن انزجر، ثم زاد في عدوه، أبيح صيده عند الحنفية والحنابلة، وهو الأولى؛ لأن الزجر مثل الإرسال من حيث كونه فعل الصائد، فالزجر إرسال لأنه دليل الطاعة. ولم يبح عند المالكية والشافعية، كما ذكر سابقاً، تغليباً لجانب المنع؛ لأنه اجتمع إرسال بنفسه وإغراء، فغلب الأول (٢). وإن أرسله على صيد بعينه، فصاد غيره، لم يؤكل عند غير الحنفية. فإن أرسل، ولم يقصد شيئاً معيناً، وإنما قصد ما يأخذ الجارح، أو ما تقتل الآلة في جهة محصورة كالغار وشبهه، جاز على المشهور عند المالكية. وإن كانت جهة غير معينة كالمتسع من الأرض والغياض أو كان الإرسال على كل صيد يعثر عليه، لم يجز ولم يبح المصيد عندهم. ولو اضطرب الجارح فأرسله الصائد، ولم ير شيئاً، وليس المكان محصوراً من غار أو غيضة، فصاد شيئاً، لم يؤكل لاحتمال أن يكون غير المضطرب عليه ولم ينوه، فإن نواه وغيره أكل. وقيل: لا يؤكل. ولا بد عند الشافعية والحنابلة: أن يقصد صيداً معيناً، لا مبهماً، فلو أرسل

стр. 2740

سهماً لاختبار قوته، أو إلى غرض يرمي إليه، فاعترضه صيد، فقتله، حرم، لأنه لم يقصد برميه معيناً. الثالث - ألا يشاركه في الأخذ ما لا يحل صيده، كالجارح غير المعلم، وهو شرط مجمع عليه. فإن تيقن أن المُعَلَّم هو المنفرد بالأخذ أو الجراح، أكل. وإن تيقن خلافه أوشك لم يؤكل، لأنه اجتمع المبيح والمحرم، فتغلب جهة المحرم احتياطاً. وإن غلب على ظنه أنه القاتل، ففيه خلاف (١)، فإن أدركه حياً فذكاه، حل اتفاقاً. ودليل هذا الشرط حديث عدي بن حاتم قال: «سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: أرسل كلبي، فأجد معه كلباً آخر قال: لا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر» وفي لفظ: «فإن وجدت مع كلبك كلباً آخر، فخشيت أن يكون أخذ منه، وقد قتله، فلا تأكله، فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك» وفي لفظ «فإنك لا تدري أيهما قتله؟» (٢). الرابع - أن يقتله جَرْحاً، فإن خنقه أو قتله بصدمته، لم يبح عند الجمهور (٣) غير الشافعية؛ لأن قتله بغير جَرْح أشبه بقتله بالحجر والبندق، ولأن الله تعالى حرم الموقوذة، وقول النبي ﷺ السابق: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله، فكل» يدل على أنه لا يباح ما لم ينهر الدم. فعلى هذا يكون الجرح شرطاً. وهذا أولى في نظري؛ لأن الوقيذ محرم بالقرآن والإجماع، والعقر ذكاة الصيد.

стр. 2741

وقال الشافعية (١): لو تحاملت الجارحة على صيد، فقتلته بثقلها، حل في الأظهر، لعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة:٤/ ٥] ولأنه يعسر تعليمه ألا يقتل إلا بجرح، ولعموم حديث عدي: «ما علّمت من كلب أو باز، ثم أرسلته، وذكرت اسم اللهعليه، فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، ولم يأكل منه شيئاً، فإنما أمسكه عليك» (٢). الخامس - ألا يأكل من الصيد، فإن أكل منه لم يبح. ويمكن دمج هذا الشرط بالشرط الأول. وهذا الشرط عند الجمهور غير المالكية، وهو أصح الروايتين عند الحنابلة، وهو مذهب الحنفية في الكلب ونحوه من السباع. وقال مالك ومتأخرو المالكية (وهو مشهور بالذهب)، وفي رواية ثانية عن أحمد: يجوز الأكل مما أكل منه الكلب أو غيره من الطيور. وقال الحنفية وبعض المصنفين من الحنابلة كصاحب كشاف القناع (٣): لايباح ما أكل منه الكلب عملاً بالحديث المتفق عليه: «فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إ نما أمسك على نفسه»، ويباح ما أكل منه الطائر ذو المخلب كالبازي والصقر والعقاب والشاهين ونحوها، لأن تعليمه بأن يسترسل إذا أرسل، ويرجع إذا دعي، ولايعتبر ترك الأكل لقول ابن عباس: «إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصقر، فكل».

стр. 2742

ودليل الجمهور: حديث عدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله تعالى، فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه». وظاهر الكتاب يدل عليه وهو قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة:٤/ ٥] والإمساك يكون بعدم الأكل من الصيد، ولأن من أهم خواص التعليم عدم الأكل. واستدل المالكية في المشهور عندهم، وأحمد في رواية عنه بعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة:٤/ ٥] وبحديث أبي ثعلبة الخشني: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه، فكل، قلت: وإن أكل منه يارسول الله؟ قال: وإن أكل» وحملوا حديث عدي على الندب، وهذا على الجواز. ولأنه صيد جارح معلم، فأبيح، كما لو لم يأكل، فإن الأكل يحتمل أن يكون لفرط جوع أو غيظ على الصيد. ويلاحظ أن حديث عدي أصح من حديث أبي ثعلبة، لأنه متفق عليه، وعدي بن حاتم أضبط، ولفظه أبين، لأنه ذكر الحكم والعلة. ورد ابن رشد المالكي على متأخري المالكية بقوله (١): وهذا الذي قالوه خلاف النص في الحديث، وخلاف ظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة:٤/ ٥] وللإمساك على سيد الكلب طريق تعرف به، وهو العادة. ولذلك قال ﵊: «فإن أكل، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه». السادس - عند المالكية (٢): ألا يرجع الجارح عن الصيد، فإن رجع بالكلية،

стр. 2743

لم يؤكل وكذلك لواشتغل بصيد آخر، أو بما يأكله، لا يؤكل. وهذه الشروط كلها إذا قتله الجارح، فإن لم يقتله، وأدركه القانص، ذكي، وأكل. المطلب الثالث - شروط المصيد: ذكر المالكية (١) خمسة شروط لحل المصيد، كما ذكر الحنفية (٢) شروطاً خمسة له أيضاً، إلا أن الثلاثة المذكورة عند الحنفية منها يمكن عدها شرطاً واحداً. وسأذكر هذه الشروط بحسب منهج المالكية، لأنه أدق وأشمل. ويلاحظ أنه يجوز عند الحنفية (٣) اصطياد ما يؤكل لحمه من الحيوان، وكذا ما لا يؤكل لأنه سبب للانتفاع بجلده أو شعره أو قرنه أو لاستدفاع شره. الأول - أن يكون المصيد مباح الأكل شرعا ً؛ لأن الحرام عند غير الحنفية والمالكية لا يؤثر فيه الصيد، ولا الذكاة. وقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بألا يكون متقوياً بنابه أو بمخلبه، وألا يكون من الحشرات، وألا يكون من بنات الماء إلا السمك، لأنه لا يحل أكل شيء من حيوان الماء عندهم إلا السمك. الثاني - أن يكون متوحشا ً، بأن يعجز الإنسان عن أخذه في أصل خلقته كالوحوش والطيور، فإن كان مستأنساً كالإبل والبقر والغنم، ثم توحش، لم يؤكل بالصيد عند المالكية. ويؤكل به عند غير المالكية؛ لأن الصيد يعد حينئذ ذكاة اضطرارية، تباح للضرورة، كما تقدم في بحث أنواع التذكية.

стр. 2744

وإن تأنس المتوحش الأصل، ثم ندَّ (هرب) أكل بالاصطياد عند المالكية، كما يؤكل بالعقر عندهم الحمام ونحوه إن توحش؛ لأن كله صيد. وقد عبر الحنفية عن هذا الشرط بقولهم: أن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه. الثالث - أن يموت من الجَرح، لا من صدم الجارح، ولا من الرعب، أو الخوف من الجارح. وهذا شرط عند الجمهور غير الشافعية. وأجاز الشافعية أكل ما قتله الجارح بثقله، كأن صدمه بصدره أو جبهته، فقتله، ولم يجرحه، كما ذكر في شروط آلة الصيد. الرابع - ألا يشك في عين الصيد الذي أصابه في حالة غيبته عن عينه، هل هو، أو غيره؟ ولا يشك، هل قتلته الآلة، أولا؟ فإن شك لم يؤكل. ولو غاب عنه الصيد ليلة، ثم وجده غداً ميتاً لم يؤكل في المشهور عند المالكية. ويباح أكله عند غيرهم إن تابع طلبه. أو لم يتشاغل عنه بشيء آخر، وتأكد أنه صيده. الخامس - أن يذبحه إن أدركه حياً، وقدر على تذكيته ؛ لقوله ﵊ في حديث عدي: «وإن أدركته حياً فاذبحه» فإن أدركه ميتاً، أو نفذت مقاتله، أو حياته كحياة المذبوح، أو عجز عن تذكيته بسبب مقاومته مثلاً حتى مات، ولم يذكه، أكل من غير ذبح باتفاق الفقهاء (١). وإن قتله الجارح المصيد به قبل أن يقدر عليه أكل أيضاً، بشرط أن يقتله جرحاً كما تقدم في شروط الآلة. وصرح الحنابلة بأن الصائد إن لم يكن معه ما يذكيه،

стр. 2745

أشلى (أغرى) الصائد له عليه حتى يقتله، فيؤكل (١) عندهم لأنها حال تتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالباً. فجازت ذكاة الضرورة، ولا يؤكل في قول أكثر أهل العلم، لأنه صيد مقدور عليه، فلم يبح بقتل الجارح له كبهيمة الأنعام، وكما لو أخذه سليماً. المبحث الثالث - ما يباح اصطياده من الحيوان عند الحنفية: يباح عند الحنفية (٢) اصطياد ما في البحر والبر، مما يحل أكله، وما لا يحل أكله. غير أن ما يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بلحمه وبقية أجزائه، وما لا يحل أكله، يكون اصطياده للانتفاع بجلده وشعره وعظمه، أو لدفع أذاه وشره، وهذا هو رأي المالكية كما ذُكر سابقاً فيما تعمل به الذكاة، إلا صيد الحرم (في مكة والمدينة) فإنه لا يباح اصطياده، باتفاق الفقهاء إلا المؤذي منه، لقوله عز شأنه: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً﴾ [العنكبوت:٦٧/ ٢٩] وقول النبي ﷺ في صيد حرم مكة: «ولا ينفر صيده» (٣). وكذلك قال في صيد المدينة: «لا ينفر صيدها» (٤) وخص منه المؤذيات بقوله ﵊: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (٥).

стр. 2746

ويباح اصطياد ما في البحر للحلال (غير الحاج أو المعتمر) والمحرم (الحاج أو المعتمر)، ولا يباح اصطياد ما في البر للمحرم خاصة، لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ [المائدة:٩٦/ ٥] ولقوله ﷺ : «صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يُصَد لكم» (١) وعن الصَعب بن جَثَّامة «أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حماراً وحشياً، وهو (بالأبواء) أو بوَدَّان (مكان بين مكة والمدينة)، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: إنا لم نُردُّه عليك إلا أنا حُرُم» (٢). المبحث الرابع - متى يملك الصائد المصيد؟ جاء في الدر المختار ورد المحتار (٣): أن أسباب الملك ثلاثة: ناقل من مالك إلى مالك كبيع وهبة. وذو خلافة عن المالك كإرث. وذو أصالة: وهو الاستيلاء الحقيقي بوضع اليد ومنه إحياء الموات، والاستيلاء الحكمي بالتهيئة كنصب شبكة صيد على مباح خالٍ عن المالك. فإن كان المصيد أو المباح مملوكاً لم يتملك، فلو استولى رجل في مفازة على حطب غيره، لم يملكه. والاستيلاء الحكمي يتم باستعمال ما هو موضوع للاصطياد، فمن نصب شبكة، فتعلق بها صيد، ملكه، قصد بها الاصطياد، أو لا، فلو نصبها للتجفيف مثلاً، لا يملكه، لأنه قصد مغاير للاصطياد. - وإن نصب فسطاطاً (خيمة): إن قصد الصيد، يملكه، وإلا فلا، لأنه غير موضوع للصيد.

стр. 2747

ـ ولو دخل صيد دار إنسان، فلما رآه أغلق عليه الباب، وصار بحال يقدر على أخذه، بلا اصطياد بشبكة أوسهم، ملكه. وإن أغلق ولم يعلم به، لا يملكه. ـ ولو نصب حِبالة (مِصْيَدة)، فوقع فيها صيد، فقطعها، وانفلت الصيد، فأخذه آخر، ملكه. ولو جاء صاحب الحبالة ليأخذه، ودنا منه، بحيث يقدر على أخذه، فانفلت، لا يملكه الآخذ. وكذا لا يملكه الآخذ لو انفلت من الشبكة في الماء قبل الإخراج، فأخذه غيره، وإنما يملكه صاحب المصيدة. أما لو رمى به صاحب الشبكة خارج الماء، في موضع يقدر على أخذه، فوقع في الماء، فأخذه غيره، يملكه الآخذ؛ لأن الأمور بمقاصدها. ومن رمى صيداً، فأصابه، ولم يثخنه (يوهنه بالجراحة)، ولم يخرجه من حيِّز الامتناع عن الأخذ (أي ما يزال قابل الأخذ من الغير)، فرماه آخر، فقتله، أو أثخنه (أضعفه)، وأخرجه عن حيز الامتناع، فهو للرامي الثاني، لأنه الآخذ، وقد قال ﵊: «الصيد لمن أخذه» (١). وإن كان الرامي الأول قد أثخنه بحيث أخرجه عن حيز الامتناع، فرماه الثاني، فقتله، لم يؤكل، لاحتمال الموت بالثاني، ولا يعد فعل الثاني ذكاة شرعية، للقدرة على ذكاة الاختيار. ويضمن الثاني قيمته للأول، لأنه بالرمي أتلف صيداً مملوكاً للغير؛ لأن الأول ملكه بالرمي المثخن، لكن تقدر قيمته وهو جريح؛ لأن المتعدي وهو الرامي الثاني أتلفه، وهو جريح، وقيمة المتلف تعتبر أو تقدر يوم الإتلاف (٢).

стр. 2748

و المالكية (١): قالوا مثل الحنفية: لا يستحق الصيد إلا بالأخذ أي بالصيد وقصد الاصطياد، أو بوضع اليد، فمن رأى صيداً وصاده آخر، كان لمن صاده، فإن صاده واحد، ثم ند (هرب) منه فصاده آخر، فاختلف: هل يكون للأول أو للثاني، إلا إن توحش بعد الأول، فهو للثاني. ومن طرد صيداً، فدخل دار إنسان، فإن كان اضطره، فهو له، وإن كان لم يضطره، فهولصاحب الدار. وقال الشافعية (٢): مثلما قال المالكية والحنفية: يملك الصيد إما بالاستيلاء الفعلي أي بوضع اليد والأخذ، وإن لم يقصد تملكه، كسائر المباحات، وإما بصيده مع قصد الاصطياد. فوضع اليد: مثل ضبطه بيده، إن لم يكن به أثر ملك لغيره كخَضْب وقص جناح وقُرْط، وكان صائده غير محرم وغير مرتد، يكون سبباً للملكية، وإن لم يقصد تملكه. فلو أخذ صيداً لينظر إليه ملكه، لأنه مباح، فيملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات. ويملك الصيد أيضاً باصطياده: بجُرْح مذفِّف (مسرع للهلاك) وبإزمان (إزالة امتناعه) وكسر جناح بحيث يعجز عن الطيران والعَدْو جميعاً، إن كان مما يمتنع بهما، وإلا فبإبطال واحد منهما، وإن لم يضع يده عليه. ويملكه أيضاً بوقوعه في شبكة نصبها للصيد، فيملكه، وإن لم يضع يده عليه، سواء أكان حاضراً أم غائباً، طرده إليها طارد أم لا، وسواء أكانت الشبكة مباحة أم مغصوبة، لأنه يعد بذلك مستولياً عليه.

стр. 2749

ويملكه أيضاً بإلجائه إلى مضيق، ولو مغصوباً، لا يفلت منه، أي لا يقدر الصيد على التفلت منه كبيت لأنه صار مقدوراً عليه. ولا بد من قصد الاصطياد، فمن رأى صيداً، فظنه حجراً، أوحيواناً غير الصيد، فرماه، فقتله، حل أكله، وملكه، لأنه قتله بفعل قصده، وإنما جهل حقيقته، والجهل بها لا يؤثر. ولو قصد صيداً في ملكه، وصار مقدوراً عليه بتوحل (الوقوع في وحل) وغيره، لم يملكه في الأصح؛ لأن مثل هذا لا يقصد به الاصطياد، والقصد ضروري للتملك، لكن يصير أحق به من غيره. ومتى ملكه، لم يزل ملكه بانفلاته، فمن أخذه، لزمه رده، ولا يزول ملكه أيضاً بإرسال المالك له في الأصح؛ لأن رفع اليد عنه، لا يقتضي زوال الملك عنه، كما لو سيَّب بهيمته، فليس لغيره أن يصيده إذا عرفه. حالة الاشتراك في الصيد: لو جرح الصيد اثنان متعاقبان، فإن ذفف (قتل) الثاني منهما الصيد، أو أزمن (بأن أزال امتناعه)، دون الأول منهما، فهو للثاني؛ لأن جُرْحه هو المؤثر في امتناعه، ولا شيء له على الأول بجرحه، لأنه كان مباحاً حينئذ. وإن أزمن الأول، فإن انضم إليه فعل الثاني، بأن ذفف بقطع حُلقوم ومريء، فهو حلال الأكل، لحصول الموت بفعل ذابح، وعليه للأول مقدار ما نقص بالذبح. وإن ذفف الثاني لا بقطع الحلقوم والمريء، أو لم يذفف أصلاً، ومات بالجرحين فحرام، لأنه في حالة عدم القطع كان الصيد مقدوراً عليه، والمقدور عليه لا يحل إلا بذبحه، وفي الحالة الثانية (عدم التذفيف) فلاجتماع المبيح والمحرم، فيغلب المحرم. ويضمنه الثاني للأول لأنه أفسد ملكه. وهذا كما قال الحنفية سابقاً، وهو مذهب الحنابلة أيضاً فيه وفيما يأتي من مسائل.

стр. 2750

وإن جرحا معاً، وذففا بجرحهما، أو أزمنا به، فلهما الصيد، لاشتراكهما في سبب الملك بجرحهما. وإن ذفف أحدهما، أو أزمن من دون الآخر، فله، لانفراده بسبب الملك. ولو جهل كون التذفيف منهما أو من أحدهما، كان لهما، لعدم الترجيح. وإن ذفف واحد في غير مذبح، وأزمن الآخر على الترتيب بالإصابة لا بالرمي، وجهل السابق منها، حرم الصيد على المذهب، لاجتماع الحظر والإباحة، فيقدم الحظر. وقال الحنابلة (١): كالشافعية: يتملك الصيد إما بالاصطياد مع قصده، أو بوضع اليد (الأخذ)، فمن رمى طيراً على شجرة في دار قوم، فطرحه في دارهم، فهو للرامي؛ لأنه ملكه بإزالة امتناعه. ومن نصب خيمة أو شبكة أو فخاً للاصطياد، فوقع فيه صيد، ملكه للحيازة. وكذا لو ألجأ صيداً لمضيق لا يفلت منه أو أغلق باب داره عليه، ملكه بذلك، ولو لم يقصد تملكه للحيازة أو لأنه بمنزلة إثباته بوضع اليد. ومن صنع بِرْكة يصيد بها سمكاً، فما وقع فيها ملكه، كالصيد بالشبكة. وإن لم يقصد بالبركة صيد السمك، لم يملكه بحصوله فيها. ومن كان في سفينة، فوثبت سمكة، فوقعت في حِجْره، فهي له، دون صاحب السفينة؛ لأن السمكة من الصيد المباح، يملك بالسبق إليه. والصياد الذي يتعاطى سبباً للصيد في قوارب الصيد كضوء أوجرس يملكه

стр. 2751

بذلك. فإن لم يقصد الصيد بفعل منه، ووقعت سمكة في حجر راكب معه، فهي له، لاستيلائه على مباح، وإن وقعت في السفينة فلصاحب السفينة. ولو وقع صيد في شبكة إنسان، وأثبته (ثبتت يده عليه) ثم أخذه إنسان آخر، لزمه رده إلى رب الشبكة، لأنه أثبته بآلته. وإن لم تمسكه الشبكة وانفلت منها في الحال، أو خرقها وذهب منها، ولو بعد زمن، لم يملكه رب الشبكة، لأنه لم يثبته، فإذا صاده غيره ملكه. ولو ذهب الصيد بالشبكة، فصاده إنسان مع بقاء امتناعه، ملكه الصائد الثاني، ورد الشبكة لصاحبها؛ لأن الأول لم يملكه. فإن مشى الصيد بالشبكة على وجه لا يقدر على الامتناع فهو لصاحبها، لأنه أزال امتناعه، كما في حالة انفلاته منه.

стр. 2752

القسْمُ الثَّاني: النّظَريّات الفقهيّة

стр. 2753

تقديم تقتضي طبيعة التدرج المنطقي الانتقال من الجزئيات إلى الكليات، ومن الإفراد إلى التركيب، ومن الأحكام الجزئية إلى النظريات العامة، كما هو منهج الدراسة القانونية الحديثة. لذا كان لزاماً علينا البحث عن نظريات الفقه الإسلامي، وما أكثرها، بالرغم مما يكتنف ذلك من صعوبات استقرائية في تتبع أحكام المسائل الفقهية في بحار الكتب القديمة المترعة بالثروة الفقهية الضخمة، التي تمتاز بخصوبتها ومرونتها وتغطيتها لاحتمالات متعددة، لا تقل عن أروع ما ابتكره الفكر القانوني الحديث، بل تفوقه أحياناً بالحرص على القيم الخلقية العالية والمصالح العامة. وحينما ندرس بدقة وإمعان طائفة من النظريات الفقهية، يتجلى لنا إحكام الربط بين الحكم الشرعي وبين مصدره وأصوله وقواعده والنظريات الفقهية التي أدركها المجتهدون من مصادر الشريعة واتخذوها نبراساً لهم في الاجتهاد. وقد أشرت لما يتفق مع القانون ويختلف فقهاً وقانوناً، ودعمت الحكم الشرعي بدليله النقلي المعتمد على القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة، أو بالدليل العقلي المتجه نحو رعاية المصلحة ودرء المفسدة. هذا .. وقد بحثت في الأجزاء الأربعة الأولى القسم الأول من هذا الكتاب، وهو (العبادات).

стр. 2754

وأتابع في هذا الجزء بحث القسم الثاني من الكتاب وهو أهم النظريات الفقهية ومدى الاستفادة منها في القوانين الوضعية، وذلك في فصول ستة وملحق، كما سأبحث في هذا الجزء أيضاً عقد البيع والخيارات من القسم الثالث وهو (العقود). أما موضوعات القسم الثاني أو فصوله فهي نظريات الحق، الأموال، نظرية الملكية، نظرية العقد، المؤيدات الشرعية، نظرية الفسخ، أهم ما اقتبسه القانون المدني من الفقه الإسلامي. والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لإدراك عظمة الفقه الإسلامي وغناه وواقعيته وسداده، لنعود إليه عند وضع القوانين عن جدارة وتقدير، تاركين الاعتماد على الفقه الغربي ونظرياته وحلوله الغريبة عنا. المؤلف

стр. 2755

الفَصْلُ الأوَّل: نظريَّة الحقِّ النظرية: معناها المفهوم العام الذي يؤلف نظاماً حقوقياً موضوعياً تنطوي تحته جزئيات موزعة في أبواب الفقه المختلفة، كنظرية الحق، ونظرية الملكية، ونظرية العقد، ونظرية الأهلية، ونظرية الضمان، ونظرية الضرورة الشرعية، ونظرية المؤيدات الشرعية من بطلان وفساد وتوقف وتخيير ونحو ذلك مما أذكره هنا. ومن المعروف أن فقهاءنا لم يقرروا أحكام المسائل الفقهية على أساس النظريات العامة وبيان المسائل المتفرعة عنها، على وفق المنهاج القانوني الحديث، وإنما كانوا يتتبعون أحكام المسائل والجزئيات والفروع، مع ملاحظة ماتقتضيه النظرية أو المبدأ العام الذي يهيمن على تلك الفروع. ولكن بملاحظة أحكام الفروع يمكن إدراك النظرية وأصولها. وبذلك تختلف النظرية عن القاعدة الكلية مثل (المشقة تجلب التيسير) (والأمور بمقاصدها) في أن النظرية بناء عام لقضايا ذات مفهوم واسع مشترك. أما القاعدة فهي ضابط أومعيار كلي في ناحية مخصوصة من نواحي النظرية العامة. وأوضح نظرية الحق في أربعة مباحث: الأول - تعريف الحق وأركانه الثاني - أنواع الحق

стр. 2756

الثالث - مصادر الحق وأسبابه الرابع - أحكام الحق المبحث الأول - تعريف الحق وأركانه وفيه مطلبان: المطلب الأول - تعريف الحق: الحق في اللغة العربية له معان مختلفة تدور حول معنى الثبوت والوجوب مثل قوله تعالى: ﴿لقد حقَّ القولُ على أكثرهم، فهم لا يؤمنون﴾ [يس:٧/ ٣٦] أي ثبت ووجب. وقوله سبحانه: ﴿ليُحِقَّ الحقَّ ويُبْطِلَ الباطِل َ﴾ [الأنفال:٨/ ٨] أي يثبت ويظهر. وقوله : ﴿جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِل﴾ [الإسراء:٨١/ ١٧] أي الأمر الموجود الثابت. وقوله تعالى: ﴿وللمطلقاتِ متاعٌ بالمعروف حقاً على المتقين﴾ [البقرة:٢٤١/ ٢] أي واجباً عليهم. وتطلق كلمة الحق على النصيب المحدد لمثل قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حقٌّ معلومٌ، للسائل والمحروم﴾ [المعارج:٢٤/ ٧٠ - ٢٥]، كما تطلق على العدل في مقابلة الظلم مثل قوله تعالى: ﴿والله يقضي بالحقِّ﴾ [غافر:٢٠/ ٤٠]. وأما عند الفقهاء فقد ورد تعريف للحق عند بعض المتأخرين فقال: الحق: هو الحكم الثابت شرعاً (١). ولكنه تعريف غير جامع ولا شامل لكل ما يطلق عليه لفظ الحق عند الفقهاء. فقد يطلق الحق على المال المملوك وهو ليس حكماً، ويطلق

стр. 2757

على الملك نفسه، وعلى الوصف الشرعي كحق الولاية والحضانة والخيار، ويطلق على مرافق العقار كحق الطريق والمسيل والمجرى. ويطلق على الآثار المترتبة على العقود كالالتزام بتسليم المبيع أو الثمن. وعرفه بعض الأساتذة المعاصرين، فقال أستاذنا الشيخ علي الخفيف: الحق: هو مصلحة مستحقة شرعاً (١). لكنه تعريف بالغاية المقصودة من الحق، لا بذاتيته وحقيقته، فإن الحق: هو علاقة اختصاصية بين صاحب الحق والمصلحة التي يستفيدها منه. وقال الأستاذ مصطفى الزرقاء: الحق: هو اختصاص يقرر به الشرع سلطةً أو تكليفاً (٢). وهو تعريف جيد؛ لأنه يشمل أنواع الحقوق الدينية كحق الله على عباده من صلاة وصيام ونحوهما، والحقوق المدنية كحق التملك، والحقوق الأدبية كحق الطاعة للوالد على ولده، وللزوج على زوجته، والحقوق العامة كحق الدولة في ولاء الرعية لها، والحقوق المالية كحق النفقة، وغير المالية كحق الولاية على النفس. ويتميز هذا التعريف بأنه أبان ذاتية الحق بأنه علاقة اختصاصية بشخص معين، كحق البائع في الثمن يختص به، فإن لم يكن هناك اختصاص بأحد، وإنما كان هناك إباحة عامة كالاصطياد والاحتطاب والتمتع بالمرافق العامة، فلا يسمى ذلك حقاً، وإنما هو رخصة عامة للناس. والسلطة: إما أن تكون على شخص كحق الحضانة والولاية على النفس، أو على شيء معين كحق الملكية.

стр. 2758

والتكليف: التزام على إنسان إما مالي كوفاء الدين، وإما لتحقيق غاية معينة كقيام الأجير بعمله. وأشار التعريف لمنشأ الحق في نظر الشريعة: وهو إرادة الشرع، فالحقوق في الإسلام منح إلهية تستند إلى المصادر التي تستنبط منها الأحكام الشرعية، فلا يوجد حق شرعي من غير دليل يدل عليه، فمنشأ الحق هو الله تعالى؛ إذ لا حاكم غيره، ولا تشريع سوى ما شرعه. وليس الحق في الإسلام طبيعياً مصدره الطبيعة أو العقل البشري، إلا أنه منعاً مما قد يتخوف منه القانونيون من جعل مصدر الحقوق إلهياً وبالتالي إطلاق الحرية في ممارسة الحق، منعاً من هذا الخطر، قرر الإسلام سلفاً تقييد الأفراد في استعمال حقوقهم بمراعاة مصلحة الغير وعدم الإضرار بمصلحة الجماعة، فليس الحق مطلقاً وإنما هو مقيد بما يفيد المجتمع ويمنع الضرر عن الآخرين، والحق في الشريعة يستلزم واجبين: واجب عام على الناس باحترام حق الشخص وعدم التعرض له. وواجب خاص على صاحب الحق بأن يستعمل حقه بحيث لا يضر بالآخرين. المطلب الثاني - أركان الحق: للحق ركنان: صاحب الحق وهو المستحق، ومحل الحق: وهو ما يتعلق به الحق ويرد عليه. وهو إما الشيء المعين الذي يتعلق به الحق كما في الحق العيني، أو الدين.

стр. 2759

ويضاف للحق الشخصي كالعلاقة بين الدائن والمدين ركن ثالث: وهو المدين المكلف بالحق. ونوع التكليف إما أن يكون قياماً بعمل كأداء الدين أو الثمن، أو امتناعاً عن عمل، كالامتناع عن إضرار الجار أو غيره، والامتناع عن استعمال الوديعة أو الأمانة. والمكلف قد يكون معيناً فرداً أو جماعةً كالمدين بالنسبة للدين، أو غير معين كالواجبات العامة المكلف بها جميع الناس باحترام حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليها. صاحب الحق: هو الله تعالى في الحقوق الدينية، والشخص الطبيعي (الإنسان) أو الاعتباري (كالشركات والمؤسسات) في الحقوق الأخرى، الذي يتمتع بالسلطات التي يمارسها على محل الحق. وتبدأ الشخصية الطبيعية لكل إنسان ببدء تكون الجنين، بشرط ولادته حياً ولو حياة تقديرية. ويعتبر حياً عند الحنفية بظهور أكثر المولود حياً، وتعتبر الحياة تقديرية عندهم في حالة إسقاط الجنين بجناية، كما لو ضرب شخص امرأة حبلى فأسقط جنيناً ميتاً، فإنه يرث ويورث. وقال غير الحنفية: يشترط تمام الولادة لاعتبار الشخص حياً، وانفصاله عن أمه انفصالاً تاما. وبهذا الرأي أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري. واكتفى غير الحنفية في حال إسقاط الجنين ميتاً بأن الجنين تورث عنه الغرة فقط (وهي دية الجنين أو التعويض المالي الواجب دفعه بسبب الاعتداء على الجنين وقدرت شرعاً بـ ٠٥ ديناراً أو بـ ٥٠٠ درهم). وتنتهي الشخصية الطبيعية بالوفاة الحقيقية (الموت) أو التقديرية كالحكم بوفاة المفقود أو الغائب الذي لا يعلم مكانه، ولا يدرى أهو حي أو ميت، وذلك بوفاة أقرانه في غالب الظن، أو ببلوغه تسعين سنة.

стр. 2760

ولكن مع زوال الشخصية بالموت تظل ذمة الإنسان وأهلية وجوبه باقية افتراضاً بقدر ما تقتضيه تصفية الحقوق المتعلقة بتركته، وذلك للضرورة وبقدر الضرورة، كما سيتضح في بحث الأموال والذمة المالية، فيتملك الميت ما باشر سبب ملكيته في حياته كنصب شبكة للصيد وقع فيها المصيد، ويضمن ما باشر سبب ضمانه، كالالتزام بدفع قيمة ما يقع من حيوان في حفرة حفرها في الطريق العام. ويقر الفقه الإسلامي ما يسمى قانوناً: الشخصية الاعتبارية، أو المعنوية أو الشخصية المجردة عن طريق الاعتراف لبعض الجهات العامة كالمؤسسات والجمعيات والشركات والمساجد بوجود شخصية تشبه شخصية الأفراد الطبيعيين في أهلية التملك وثبوت الحقوق، والالتزام بالواجبات، وافتراض وجود ذمة مستقلة للجهة العامة بقطع النظر عن ذمم الأفراد التابعين لها، أو المكونين لها. والأدلة كثيرة على هذا الإقرار، سواء من النصوص أو من الاجتهادات الفقهية. فمن النصوص: الحديث النبوي: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (١) أي أن الأمان الصادر للعدو من أحدهم يسري على جماعة المسلمين. ومنها نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تقضي بجواز رفع ما يسمى بدعوى الحسبة من أي فرد لقمع غش وإزالة منكر أو أذى عن الطريق، وتفريق بين زوجين بينهما علاقة محرمة، وإن لم يكن للمدعي مصلحة شخصية. ومن الاجتهادات: فصل بيت المال عن مال الحاكم الخاص، وقولهم: بيت المال وارث من لا وارث له، واعتبار الحاكم نائباً عن الأمة في التصرف بالأموال العامة على وفق المصلحة، كما يتصرف الوصي بمال اليتيم. وهو نائب عن الأمة

стр. 2761

أيضاً في إبرام المعاهدات التي تظل نافذة على الرغم من موته أو خلعه، وفي تعيين الموظفين أو العمال الذين لا ينعزلون بموت الحاكم، وفي إصدار الأحكام القضائية، فلا يضمن القاضي الدية إذا أخطأ في قضائه في حقوق الله كقطع يد السارق بشهود زور، وإنماضمانها في بيت المال. ومن اجتهاداتهم: جواز تمليك الوقف والتزامه بما يجب عليه من حقوق للآخرين، وجواز الوصية والوقف للمسجد، واعتبار ناظر الوقف مجرد نائب عنه لايتحمل شيئاً من ديون الوقف، ويشتري للوقف مايحتاجه، ويدفع ثمنه من غلات الوقف. فالوقف هو المالك والدائن والمدين، لا المتولي عليه. والناظر أمين على الوقف، فلو خان مصلحة الوقف أو أساء التصرف إليه أو خالف شروط الواقف، ضمن موجب فعله. المبحث الثاني - أنواع الحق ينقسم الحق عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة بحسب المعنى الذي يدور عليه الحق، أذكر أهم هذه التقسيمات وأحكامها وما يترتب عليها من نتائج. التقسيم الأول - باعتبار صاحب الحق ينقسم الحق بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أنواع: حق الله، وحق الإنسان، وحق مشترك: وهو ما اجتمع فيه الحقان ولكن قد يغلب حق الله أو حق الإنسان الشخصي (١).

стр. 2762

١ - حق الله تعالى (أو الحق العام): وهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، أو تحقيق النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد من الناس. وينسب إلى الله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه، أي أنه هو حق للمجتمع. مثال الأول: العبادات المختلفة من الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنذر واليمين وتسمية الله عند الذبح وكل أمر ذي بال. ومثال الثاني: الكف عن الجرائم وتطبيق العقوبات من حدود (حد الزنا والقذف والسرقة والحرابة وشرب المسكرات) وتعزيرات على الجرائم المختلفة، وصيانة المرافق العامة من أنهار وطرقات ومساجد وغيرها مما لا بد منها للمجتمع. وتقسم حقوق الله تعالى عند الحنفية إلى ثمانية أقسام تعرف في أصول الفقه. وأحكام حق الله تعالى كثيرة: وهي لا يجوز إسقاطه بعفو أو صلح أو تنازل، ولا يجوز تغييره، فلا يسقط حد السرقة بعفو المسروق منه أو صلحه مع السارق بعد بلوغ الأمر إلى الحاكم. ولا يسقط حد الزنا بعفو الزوج أو غيره أو إباحة المرأة نفسها. ولا يورث هذا الحق، فلا يجب على الورثة ما فات مورثهم من عبادات، إلا إذا أوصى بإخراجها، ولا يسأل الوارث عن جريمة المورث. ويجري التداخل في عقوبة حقوق الله، فمن زنى مراراً، أو سرق مراراً ولم يعاقب في كل مرة، فيكتفى بعقوبة واحدة؛ لأن المقصود من العقوبة هو الزجر

стр. 2763

والردع ويتحقق بذلك (١). واستيفاء عقوبة هذه الجرائم للحاكم، فهو الذي يؤدب على ترك العبادات أو التهاون بشأنها، وهو الذي يقيم الحدود والتعزيرات على العصاة منعاً من الفوضى وتثبيتاً من وقوع الجريمة. ٢ - حق الإنسان (أو العبد): وهو ما يقصد منه حماية مصلحة الشخص، سواء أكان الحق عاماً كالحفاظ على الصحة والأولاد والأموال، وتحقيق الأمن، وقمع الجريمة، ورد العدوان، والتمتع بالمرافق العامة للدولة؛ أم كان الحق خاصاً، كرعاية حق المالك في ملكه، وحق البائع في الثمن والمشتري في المبيع، وحق الشخص في بدل ماله المتلف، ورد المال المغصوب، وحق الزوجة في النفقة على زوجها، وحق الأم في حضانة طفلها، والأب في الولاية على أولاده، وحق الإنسان في مزاولة العمل ونحو ذلك. وحكم هذا الحق أنه يجوز لصاحبه التنازل عنه، وإسقاطه بالعفو أو الصلح أو الإبراء أو الإباحة، ويجرى فيه التوارث، ولا يقبل التداخل، فتتكرر فيه العقوبة على كل جريمة على حدة، واستيفاؤه منوط بصاحب الحق أو وليه. ٣ - الحق المشترك: وهو الحق الذي يجتمع فيه الحقان: حق الله وحق الشخص، لكن إما أن يغلب فيه حق الله تعالى أو حق الشخص. مثال الأول: عدة المطلقة، فيها حق الله: وهو صيانة الأنساب عن الاختلاط، وفيها حق الشخص، وهو المحافظة على نسب أولاده، لكن حق الله غالب؛ لأن في صيانة الأنساب نفعاً عاماً للمجتمع، وهو حمايته من الفوضى

стр. 2764

والانهيار. ومثاله أيضاً: صيانة الإنسان حياته وعقله وصحته وماله، فيها حقان، لكن حق الله غالب لعموم النفع العائد للمجتمع. ومثاله عند الحنفية (١) حد القذف (وهو ثمانون جلدة لمن يتهم غيره بالزنا) فيه حقان: حق للمقذوف بدفع العار عنه وإثبات شرفه وحصانته، وحق الله: وهو صيانة أعراض الناس وإخلاء العالم من الفساد، والحق الثاني أغلب (٢). وحكمه: أنه يلحق بالقسم الأول، وهو حق الله تعالى باعتبار أنه هو الغالب. ومثال الثاني: حق القصاص الثابت لولي المقتول، فيه حقان: حق لله وهو تطهير المجتمع عن جريمة القتل النكراء، وحق للشخص: وهو شفاء غيظه وتطييب نفسه بقتل القاتل، وهذا الحق هو الغالب؛ لأن مبنى القصاص على المماثلة، بقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥/ ٥] والمماثلة ترجح حق الشخص. وحكمه أنه يلحق بالقسم الثاني: وهو حق الشخص في جميع أحكامه، فيجوز لولي المقتول العفو عن القاتل، والصلح معه على مال، بل ندب الله تعالى إلى العفو والصلح، فقال: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ [البقرة:١٧٨/ ٢]. وقال : ﴿ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً﴾ [الإسراء:٣٣/ ١٧].

стр. 2765

تقسيم حق الشخص (أو العبد): ينقسم حق الشخص الخاص باعتبار أنه صاحب الحق تقسيمين آتيين: الأول - حقوق تقبل الإسقاط وحقوق لاتقبل الإسقاط: ١ - الحق القابل للإسقاط: الأصل أن جميع الحقوق الشخصية تقبل الإسقاط بخلاف الأعيان، كحق القصاص وحق الشفعة وحق الخيار. وإسقاط الحق إما أن يكون بعوض أو بغير عوض. ٢ - الحق الذي لا يقبل الإسقاط: هناك حقوق لا تقبل الإسقاط على سبيل الاستثناء من الأصل العام المتقدم وهي ما يأتي: أـ الحقوق التي لم تثبت بعد: كإسقاط الزوجة حقها في المبيت والنفقة المستقبلة، وإسقاط المشتري حقه في خيار الرؤية قبل الرؤية، وإسقاط الوارث حقه في الاعتراض على الوصية حال حياة الموصي، وإسقاط الشفيع (الشريك أو الجار) حقه في الشفعة قبل البيع. كل هذا لا يسقط؛ لأن الحق نفسه لم يوجد بعد. ب - الحقوق المعتبرة شرعاً من الأوصاف الذاتية الملازمة للشخص: كإسقاط الأب أو الجد حقهما في الولاية على الصغير، فإن الولاية وصف ذاتي لهما لا تسقط بإسقاطهما. ومثلها عند أبي يوسف: ولاية الواقف على وقفه، تثبت له سواء شرطها أو نفاها؛ لأنها أثر ملكه. ج - الحقوق التي يترتب على إسقاطها تغيير للأحكام الشرعية كإسقاط المطلق حقه في إرجاع زوجته، وإسقاط الواهب حقه في الرجوع عن الهبة، وإسقاط الموصي حقه في الرجوع عن الوصية. ومنها إسقاط مالك العين حقه في ملكها، لا يقبل الإسقاط؛ لأن معنى

стр. 2766

إسقاط حقه في ملكها إخراجها عن ملكه إلى غير مالك، فتكون سائبة لا مالك لها، وقد نهى الشرع عن السائبة التي كانت في الجاهلية بقوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام … ﴾ (١) [المائدة:٥/ ١٠٣]، فأصبح المبدأ المقرر: (لا سائبة في الإسلام). وعليه فإن العين في حكم الشرع لا بد أن يثبت فيها وصف الملك لأحد من الناس، فإسقاط المالك حقه في ملكها يترتب عليه تغيير حكم الشرع الثابت، وهذا باطل إذ ليس لأحد من الناس ولاية تغيير حكم الشرع المقرر. د - الحقوق التي يتعلق بها حق الغير: كإسقاط الأم حقها في الحضانة، والمطلق حقه في عدة مطلقته، والمسروق منه حقه في حد السارق؛ لأن هذه الحقوق مشتركة، وإذا كان للإنسان ولاية على إسقاط حقه، فليس له ولاية على إسقاط حق غيره. الثاني - حقوق تورث وحقوق لا تورث: اتفق الفقهاء على وراثة الحقوق المقصود بها التوثق كحبس المرهون لوفاء الدين، وحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وحق الكفالة بالدين لأنها من الحقوق اللازمة المؤكدة. واتفقوا أيضاً على وراثة حقوق الارتفاق كحق الشِّرب والمرور؛ لأنها حقوق تابعة للعقار ولازمة له.

стр. 2767

وكذلك اتفقوا على إرث خيار التعيين والعيب؛ لأن البيع في خيار التعيين لازم، والحق محصور في اختيار أحد الأشياء. والبيع تم في خيار العيب على أساس سلامة المبيع من العيب، فيثبت ذلك الحق للورثة دفعاً للضرر والغبن. واختلف الفقهاء في إرث خيار الشرط وخيار الرؤية وأجل الدين وحق الغانم في الغنيمة بعد الإحراز، وقبل القسمة: فقال الحنفية: لا تورث الحقوق والمنافع؛ لأن الإرث يجري في المال الموجود وهو الأعيان، وهذه ليست أموالاً عندهم. أما الديون فما دامت في الذمة فليست مالاً لأنها أوصاف شاغلة لها، ولا يتصور قبضها حقيقة، وإنما يقبض ما يعادلها، لكنها تورث لأنها مال حكمي؛ أي شيء اعتباري يملكه الدائن، وهو موجود في ثروة المدين، فالدين مال من حيث المآل. وقال غير الحنفية: تورث الحقوق والمنافع والديون؛ لأنها أموال، ولقوله ﵇: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته، ومن ترك كَلاً أو عيالاً فإلي» (١). التقسيم الثاني - باعتبار محل الحق ينقسم الحق باعتبار محله المتعلق به إلى حق مالي وغير مالي، وإلى حق شخصي وحق عيني، وإلى حق مجرد وحق غير مجرد. ١ - الحقوق المالية وغير المالية: الحقوق المالية: هي التي تتعلق بالأموال ومنافعها أي التي يكون محلها المال

стр. 2768

أو المنفعة، كحق البائع في الثمن، والمشتري في المبيع، وحق الشفعة، وحقوق الارتفاق، وحق الخيار، وحق المستأجر في السكنى، ونحوها. والحقوق غير المالية: هي التي تتعلق بغير المال مثل حق القصاص، وحق الحرية بجميع أنواعها، وحق المرأة في الطلاق أو التفريق لعدم الإنفاق، أو بسبب العيوب التناسلية أو للضرر وسوء العشرة أو للغيبة أو الحبس، وحق الحضانة، وحق الولاية على النفس، ونحو ذلك من الحقوق السياسية والطبيعية. ٢ - الحق الشخصي والحق العيني: الحق الشخصي: هو ما يقره الشرع لشخص على آخر. ومحله إما أن يكون قياماً بعمل كحق البائع في تسلم الثمن وحق المشتري في تسلم المبيع، وحق الإنسان في الدين وبدل المتلفات والمغصوبات، وحق الزوجة أو القريب في النفقة. وإما أن يكون امتناعاً عن عمل كحق المودع على الوديع في عدم استعمال الوديعة. وللحق الشخصي عناصر ثلاثة: هي صاحب الحق، ومحل الحق، والمكلف أو المدين، إلا أن العلاقة بين طرفي هذا الحق هي المتميزة أو البارزة، دون المحل وهو المال. والحق العيني: هو ما يقره الشرع لشخص على شيء معين بالذات. فالعلاقة القائمة بين صاحب الحق وشيء مادي معين بذاته، والتي بموجبها يمارس المستحق سلطة مباشرة على الشيء هي الحق العيني. مثل حق الملكية الذي به يستطيع المالك ممارسة أكمل السلطات على ما يملكه: وهي التصرف بالشيء واستثماره واستعماله. وحق الارتفاق المقرر لعقار على عقار معين كحق المرور أو المسيل أو تحميل الجذوع على الجدار المجاور. وحق احتباس العين المرهونة لاستيفاء الدين.

стр. 2769

وللحق العيني عنصران فقط هما: صاحب الحق، ومحل الحق. خصائص الحق العيني والحق الشخصي: يتميز كل من هذين الحقين بمميزات وخصائص أهمها ما يأتي: ١ - حق التتبع لصاحب الحق العيني دون الشخصي: لصاحب الحق العيني تتبع الشيء الذي تعلق به حقه في أي يد وجدت فيها العين مهما تغير واضع اليد عليها. فلو غصب شخص شيئاً ثم باعه أو غصب منه وتداولته الأيدي، جاز لمالكه رفع الدعوى على الحائز الأخير صاحب اليد. أما الحق الشخصي: فلا يطالب به إلا المكلف به أصالة وهو المدين أو نيابة وهو الكفيل أو المحال عليه. وسبب التفرقة: أن الحق العيني متعلق بعين معينة لا بذمة شخصية، والعين يمكن انتقالها من يد إلى أخرى. أما الحق الشخصي فمتعلق بذمة المكلف أو المدين، فلا يسأل عنه غيره إلا بإرادته كما في الكفالة والحوالة. ٢ - حق الامتياز أو الأفضلية لصاحب الحق العيني: يكون لصاحب الحق العيني حق الأولوية أو الامتياز على سائر الدائنين العاديين إذا كان دينه موثقاً برهن. أما صاحب الحق الشخصي فليس له حق الامتياز إلا استثناء في أحوال معينة كحالة التهمة أو الشك، فتقدم ديون الصحة على ديون المرض، وحالة الضرورة، فتقدم نفقات التكفين والتجهيز على بقية الحقوق المتعلقة بالتركة ويقدم دين النفقة للزوجة والأولاد الصغار على الديون العادية. وحالة رعاية المصلحة العامة، فتقدم ديون الحكومة على ديون الناس العادية.

стр. 2770

٣ - سقوط الحق العيني بهلاك محله: إذا هلك محل الحق العيني سقط الحق وبطل العقد. فإذا هلك المبيع في يد البائع قبل قبض المشتري له بطل العقد، وسقط حق المشتري في تسلم المبيع. وإذا احترقت الدار المؤجرة بطل عقد الإجارة، وسقط حق المستأجر في الانتفاع بها. أما إذا هلك محل الحق الشخصي فلا يسقط الحق ولا يبطل العقد، فإذا هلكت أموال المدين، فلا يسقط حق الدائن بالدين؛ لأن الدين متعلق بالذمة لا بمال معين. وإذا هلك الشيء المسلَم فيه في عقد السلم وجب على البائع (المسلَم إليه) تسليم غيره. ٣ - الحقوق المجردة وغير المجردة: الحق المجرد أو المحض: هو الذي لا يترك أثراً بالتنازل عنه صلحاً أو إبراء، بل يبقى محل الحق عند المكلف (أو المدين) بعد التنازل كما كان قبل التنازل. مثل حق الدين، فإن الدائن إذا تنازل عن دينه، كانت ذمة المدين بعد التنازل هي بعينها قبل التنازل، ولا يترتب على التنازل عن الحق أثر من الآثار. وكذلك حق الشفعة إذا أسقط الشفيع حقه في الشفعة، كانت ملكية المشتري للعقار بعد التنازل عن الشفعة هي بعينها قبل التنازل. ومثله حق المدعي في تحليف خصمه اليمين، وحق الخيار، والحق في وظائف الأوقاف. والحق غير المجرد: هو الذي يترك أثراً بالتنازل عنه، كحق القصاص فإنه يتعلق برقبة القاتل ودمه، ويترك فيه أثراً بالتنازل عنه، فيتغير فيه الحكم، فيصير معصوم الدم بالعفو بعد أن كان غير معصوم الدم، أي مباح القتل بالنسبة إلى ولي المقتول المستحق للقصاص، ولكن برأي الحاكم. ومثل حق استمتاع الزوج بزوجته، يتعلق بالزوجة، ويمنعها من إباحة نفسها لغير زوجها بالعقد عليها، فإذا
следующие страницы →