← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

كالوقف والإبراء والطلاق واليمين، أم احتاج إلى إرادتين في إنشائه كالبيع والإيجار والتوكيل والرهن، أي أن هذا المعنى يتناول الالتزام مطلقاً، سواء من شخص واحد أو من شخصين، ويشمل حينئذ ما يسمى في المعنى الضيق أو الخاص عقداً، كما يشمل ما يسمى تصرفاً أو التزاماً. فالعقد بالمعنى العام ينتظم جميع الالتزامات الشرعية، وهو بهذا المعنى يرادف كلمة الالتزام. وأما المعنى الخاص الذي يراد هنا حين الكلام عن نظرية العقد فهو: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله (١). أو بعبارة أخرى: تعلق كلام أحد العاقدين بالآخر شرعاً على وجه يظهر أثره في المحل (٢). وهذا التعريف هو الغالب الشائع في عبارات الفقهاء. فإذا قال شخص لآخر: بعتك الكتاب، فهو الإيجاب، وقال الآخر: اشتريت، فهو القبول، ومتى ارتبط القبول بالإيجاب، وكانا صادرين من ذوي أهلية معتبرة شرعاً، ثبت أثر البيع في محله (وهو الكتاب هنا): وهو انتقال ملكية المبيع للمشتري، واستحقاق البائع الثمن في ذمة المشتري. والإيجاب أو القبول: هو الفعل الدال على الرضا بالتعاقد. والتقييد بكونه (على وجه مشروع) لإخراج الارتباط على وجه غير مشروع، كالاتفاق على قتل فلان، أو إتلاف محصوله الزراعي، أو سرقة ماله، أو الزواج بالأقارب المحارم، فكل ذلك غير مشروع لا أثر له في محل العقد. والتقييد بكونه (يثبت أثره في محله) لإخراج الارتباط بين كلامين لا أثر له، كالاتفاق على بيع كل شريك حصته من دار أو أرض لصاحبه بالحصة الأخرى المساوية لها، فهذا لا فائدة منه ولا أثر له.

стр. 2837

والعقد قانوناً يلتقي مع هذا التعريف الثاني عند الفقهاء: وهو «توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني من إنشاء التزام أو نقله، أو تعديله أو إنهائه» (١) فإنشاء الالتزام كالبيع والإجارة، ونقله كالحوالة، وتعديله كتأجيل الدين، وإنهاؤه كالإبراء من الدين، وفسخ الإجارة قبل أوانها، فالتعريفان متقاربان. وهذا التعريف وإن كان واضحاً سهلاً، إلا أن تعريف الفقهاء في نظر الشرعيين أدق؛ لأن العقد ليس هو اتفاق الإرادتين ذاته، وإنما هو الارتباط الذي يقره الشرع، فقد يحدث الاتفاق بين الإرادتين، ويكون العقد باطلاً لعدم توافر الشروط المطلوبة شرعاً، فالتعريف القانوني يشمل العقد الباطل. ثم إن مجرد توافق الإرادتين بدون واسطة للتعبير عنهما من كلام أو إشارة أو فعل لا يدل على وجود العقد، وتظل الإرادة حينئذ أمراً خفياً غير معروف. وبذلك يشمل التعريف القانوني الوعد بالعقد مع أنه ليس بعقد (٢). والعقد في القانون المدني أحد أنواع الاتفاق، فليس كل اتفاق عقداً، وإنما يتخصص العقد بما يمثل التعارض بين مصلحتين، وبما ينصب على محل وقتي يستنفد وينتهي بالتنفيذ مرة واحدة، فالاتفاق على إنشاء منظمة لا يعتبر عقداً، لأنه لا يمثل تعارضاً في المصالح، ولأن محل العقد هو وضع دائم مستمر، وليس وضعاً وقتياً يستنفد مرة واحدة. أما العقد في الفقه الإسلامي فلا يعرف هذا التخصيص، فالزواج عقد، والإسلام عقد، والذمة عقد، مع أنها نظم دائمة، وقد لا تقوم على تحكيم المصلحة

стр. 2838

والعقد في الإسلام: هو دائماً انضمام لنظام موجود من قبل، هو النظام النوعي للعقد المبرم الذي وضعه الشرع ليسير عليه الناس. وما على الأفراد إلا التقيد التام بأحكام الشرع التي نظم العقود عليها. والخلاصة: أن العقد في القانون أداة لإدراك مصلحة ذاتية شخصية لكل من المتعاقدين، وأما في الإسلام فهومعد لإدراك مقاصد شرعية عامة. العقد والالتزام: الالتزام: هو كل تصرف يتضمن إنشاء حق أو نقله أو تعديله أو إنهاءه سواء أكان صادراً من شخص واحد كالوقف والإبراء والطلاق على غير مال، أم من شخصين كالبيع والإجارة والطلاق على مال. فالالتزام يرادف كلمة العقد بالمعنى العام الذي ذكر، ويختلف عن كلمة العقد بالمعنى الخاص، فالعقد مقصور على نوع خاص من الالتزام وهو ماكان صادراً من شخصين كالبيع والإيجار والرهن ونحوه، والالتزام من ذلك فيشمل ما صدر من شخص واحد كالوقف والنذر واليمين ونحوه، كما يشمل ما صدر من شخصين أو وجد بإرادتين مزدوجتين كالبيع والإجارة. العقد والتصرف: التصرف: هو كل ماصدر عن الشخص بإرادته من قول أو فعل، يرتب عليه الشرع أثراً من الآثار، سواء أكان في صالح ذلك الشخص أم لا. فيشمل الأقوال الصادرة عن الشخص كالبيع والهبة والوقف والإقرار بحق، والأفعال كإحراز المباحات والاستهلاك والانتفاع، سواء أكان القول أو الفعل لصالح الشخص كالبيع والاصطياد، أم لغير صالحه كالوقف والوصية، والسرقة والقتل.

стр. 2839

وبه يتبين أن التصرف نوعان: فعلي وقولي. أما التصرف الفعلي: فهو الواقعة المادية الصادرة عن الشخص كالغصب والإتلاف وقبض الدين وتسلم المبيع. أما التصرف القولي فهو نوعان: عقدي وغير عقدي. أما العقدي فهو اتفاق إرادتين كالشركة والبيع، وغير العقدي قد يكون مجرد إخبار بحق كالدعوى والإقرار، وقد يقصد به إنشاء حق أو إنهاءه كالوقف والطلاق والإبراء. وعلى هذا فإن التصرف أعم من العقد والالتزام إذ أنه يشمل الأقوال والأفعال، وينتظم الالتزام وغير الالتزام، وقد يكون التصرف القولي غير داخل في معنى العقد ولو بمعناه الواسع أو العام كالدعوى والإقرار. والخلاصة: أن التصرف أعم من العقد والالتزام. والعقد بالمعنى العام والالتزام مترادفان متساويان، والالتزام أعم من العقد بالمعنى الخاص، والعقد بمعناه الخاص نوع من الالتزام، وأخص من كلمة تصرف. فكل عقد هو تصرف، وليس كل تصرف عقداً. العقد والإرادة المنفردة: قد تستقل الإرادة الواحدة بإنشاء التزام، كما قد تنشئ أحياناً عقداً من العقود في أحوال استثنائية، عملاً بالنزعة الموضوعية للالتزام أو بالمذهب المادي الذي نلاحظه في الفقه الإسلامي، والذي يعد الالتزام فيه علاقة مالية أكثر منه علاقة شخصية بين طرفين: دائن ومدين. و الالتزام بإرادة واحدة: معناه التعهد بشيء يصبح به المتعهد مديناً لآخر غير

стр. 2840

موجود حين إنشاء الالتزام كالوعد بالمكافأة أو بالجائزة للمتفوقين من الناجحين، أو لمن يصنع دواء لعلاج مرض معين مثلاً. وأمثلة الالتزام بإرادة واحدة في الفقه الإسلامي كثيرة منها: ١ - الجعالة: هي التزام جعل (١) أو أجر معين لمن يقوم بعمل معين، بدون تحديد أمد معين، وهي عقد جائز غير لازم كتقديم مكافأة لمن يرد متاعاً ضائعاً، أو يبني حائطاً أو يحفر بئراً يصل إلى الماء، أو ينجح نجاحاً متفوقاً في امتحان، أو يحقق نصراً حربياً على العدو، أو يشفي مرضاً معيناً، أو يبتكر علاجاً ناجعاً، أو يخترع اختراعاً صناعياً، أو يحفظ القرآن الكريم. وقد أجازها جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة (٢) عملاً بقصة يوسف ﵇ مع إخوته: ﴿قالوا: نفقد صُواع (٣) الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ [يوسف:١٢/ ٧٢]، ويؤيده قوله ﵊ يوم حُنين: «من قتل قتيلاً فله سلبه» (٤). ولم يجزها الحنفية (٥)، لما فيها من الغرر والخطر أي الجهالة والاحتمال بالنسبة للملتزم وبالنسبة للقائم بالعمل الذي لا يدري ما يحتاجه من مجهود لإنجاز العمل.

стр. 2841

والقانون المدني السوري في المادة (١٦٣) نظم الوعد بجائزة: وهو تخصيص أجر لشخص لن يتعين إلا بتنفيذ الأداء الذي حدده الواعد. وأجاز الرجوع عنه إذا لم يعين الواعد أجلاً للقيام بالعمل. ٢ - الوقف: هو حبس المال عن التصرف، وتخصيص ريعه لجهة بر، تقرباً إلى الله تعالى، كالوقف على دور العلم وجهات الخير كالمشافي والمدارس والمصانع الحربية، والوقف لفلان، ثم على جهة خير معينة. وينعقد الوقف بإرادة الواقف وحده، فإن كان على شخص فله حق الرد، فيصرف إلى جهة الخير أو البر التي عينها الواقف. ٣ - الإبراء: إسقاط شخص ماله من حق لدى شخص آخر، كإسقاط الدائن دينه المستقر في ذمة مدينه. يتم بدون حاجة لقبول المدين، إلا أنه يرتد برده في مجلس الإبراء، لما فيه من معنى التمليك (أي تمليك الدين للمدين)، دفعاً للمِنَّة والجميل الذي يصنعه الدائن له، والإنسان لا يملّك شيئاً جبراً عنه. فهو من قبيل الإسقاطات عند جمهور الفقهاء غير المالكية. قال المالكية على ما هو راجح عندهم: يحتاج الإبراء إلى قبول المبرأ؛ لأنه من قبيل التمليكات التي يشترط فيها القبول كالهبة والصدقة. ٤ - الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان المملك عيناً أم منفعة، كالوصية بمبلغ من المال أو بمنفعة دار لفلان أو لجهة خير بعد وفاة الموصي، فهي عقد يتم بإرادة واحدة هي إرادة الموصي، وتتحقق بإيجابه (أو عبارته أو كتابته أو إشارته المفهمة) فيكون ركن الوصية هو الإيجاب من الموصي فقط، إلا أنها ترتد بالرد عند الحنفية (١)؛ لأنه ليس له إلزامه على قبولها.

стр. 2842

واتفق الفقهاء على أن الوصية من العقود الجائزة غير اللازمة أي أن للموصي أن يرجع فيما أوصى به. فالإيجاب بالوصية هو ركن الوصية. وأما القبول من الموصى له بعد وفاة الموصي فليس بركن للوصية، ولكنه على الراجح عند فقهاء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (١) شرط للزوم الوصية ودخول الموصى به في ملك الموصى له من بعد الموت. فالحقيقة الشرعية للوصية عندهم تكون بالإيجاب من الموصي فقط، ولا تتوقف على قبول الموصى له. وتنفذ الوصية من ثلث التركة، ولا وصية جائزة للوارث إلا بإجازة الورثة، كما لا تجوز الوصية لغير الوارث بما زاد عن ثلث التركة إلا بموافقة الورثة. ٥ - اليمين: عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك (٢)، مثل والله لأكرمنَّ جاري، أو لأعلمنَّ هذا اليتيم على نفقتي، فيجب عليه ديانةً الوفاء بيمينه، فإن لم يوفّ به، حنث في يمينه ولزمته كفارة اليمين. ٦ - الكفالة: عند غير الحنفية: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق أي في الدين، فيثبت الدين في ذمتهما معاً. واقتصر الحنفية على أن الضم محصور في المطالبة بالدين. فالكفالة: التزام الكفيل بالدين بأدائه إلى الدائن بدلاً من من المدين عند مطالبته. وهي توجد بمجرد التزام الكفيل بالدين ورضاه به عند المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف من الحنفية (٣)، أي أن ركن الكفالة هو

стр. 2843

الإيجاب وحده، وأما القبول من الدائن أو المدين فليس ركناً عند هؤلاء. فتكون التزاماً جانب واحد. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (١): ركن الكفالة: الإيجاب من الكفيل، والقبول من الدائن. العقد بإرادة منفردة: الأصل العام في العقود أن يكون العاقد متعدداً، أي أن العقد ينشأ بإيجاب وقبول يعبر كل واحد منهما عن إرادة صاحبه؛ لأن العقد ينشئ آثاراً متعارضة وحقوقاً أو التزاماتٍ متضادة، مثل تسليم المبيع وتسلمه، والمطالبة بتسليم المبيع وقبض الثمن، ورد المبيع بالعيب، وفسخ العقد بالخيارات، ويستحيل أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلِّماً ومتسلماً، طالباً ومطالباً، مملكاً ومتملكاً، مما يوجب أن يكون العقد من طرفين، لكل منهما إرادته وعبارته والتزامه، لا من شخص واحد ليس له إلا إرادة واحدة. لكن استثناء من هذا الأصل يجوز عند بعض الفقهاء إبرام العقد بعاقد واحد في بعض حالات البيع والزواج. البيع بعاقد واحد: أجاز الحنفية ما عدا زفر (٢) انعقاد البيع بإرادة شخص واحد متخذاً صفتين بالنيابة عن البائع وعن المشتري، في حالات نادرة هي شراء الأب، أو وصيه، أو الجد، مال الصغير لنفسه، أو بيع مال نفسه من الصغير، وبيع القاضي والرسول

стр. 2844

عن طرفي العقد؛ لأن القاضي لا ترجع إليه حقوق العقد أي (لا يلتزم بشيء من التزامات العقد كالتسليم ودفع الثمن)، فكان بمنزلة الرسول، والرسول بعكس الوكيل عن الجانبين لا تلزمه حقوق العقد؛ لأنه سفير ومعبر عن كلام الأصيل، فجاز لكل من القاضي والرسول تولي العقد عن الجانبين. ولا يجوز ذلك للوكيل من الجانبين. لكن تعامل الأب مع الصغير لنفسه مقيد بأن يكون السعر بمثل قيمة الشيء، أو بشيء يسير من الغبن المعتاد حدوثه بين الناس عادة؛ لأن الأب مفترض فيه كمال الشفقة والرحمة ووفرة الرعاية لمصلحة الصغير. وأما وصي الأب فمقيد تعامله مع الصغير عند أبي حنيفة وأبي يوسف بأن يكون تصرفه بمال الصغير لنفسه بمثل القيمة، أو بما فيه نفع ظاهر (أو خير بيّن) لليتيم (١)، لأنه مرضي الأب، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير. ولم يجز محمد بن الحسن تصرف الوصي بمال الصغير لنفسه بمثل القيمة؛ لأن التساهل في الأب لكمال شفقته بخلاف الوصي. وأجاز الحنابلة أن يتولى عاقد واحد عن الجانبين كالوكيل عن الطرفين عقد البيع ونحوه من عقود المعاوضات الأخرى كالإجارة مثلاً؛ لأن حقوق العقد وآثاره أو التزاماته ترجع عندهم للموكل نفسه صاحب الشأن. كما أجازوا ذلك أيضاً في عقد الزواج، وفي الدعوى، فيصح أن يكون الشخص الواحد وكيلاً في الدعوى عن المدعي والمدعى عليه، ممثلاً مصلحة الطرفين ومقيماً الحجة أو الدفوع لكل منهما (٢).

стр. 2845

وروي عن الإمام مالك أن للوكيل والوصي أن يشتريا لأنفسهما من مال الموكل واليتيم، إذا لم يحابيا أنفسهما (١). الزواج بعاقد واحد: أجاز جمهور الحنفية ما عدا زفر للشخص الواحد أن يتولى طرفي عقد الزواج بإيجاب يقوم مقام القبول في خمس صور (٢). ١ - إذا كان الشخص ولياً من الجانبين: كأن يزوج الجد بنت ابنه الصغيرة لابن ابنه الصغير. ٢ - إذا كان وكيلاً من الجانبين: كأن يقول: زوجت موكلي فلاناً موكلتي فلانة. ٣ - إذا كان أصيلاً من جانب وولياً من جانب آخر، كأن يتزوج ابن عم بنت عمه الصغيرة التي تحت ولايته، فيقول أمام الشهود: تزوجت بنت عمي فلانة. ٤ - إذا كان أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب آخر، كما لو وكلت امرأة رجلاً ليزوجها من نفسه. ٥ - إذا كان ولياً من جانب ووكيلاً من جانب، مثل زوجت بنتي من موكلي. والسبب في مشروعية انعقاد الزواج في هذه الأحوال أن العاقد ليس إلا سفيراً عن الأصيل ومعبراً عنه، فلا يتحمل شيئاً من التزامات العقد، والواحد يصلح أن يكون معبراً عن اثنين بصفتين مختلفتين.

стр. 2846

وقال الشافعي (١): «يجوز الزواج بعاقد واحد إذا كان ولياً من الجانبين وذلك في حالة الجد فقط، له أن يزوج حفيديه ببعضهما، ويتولى وحده العقد عن الطرفين، وذلك للضرورة لعدم وجود ولي آخر من درجته، ولقوة ولايته وشفقته دون سائر الأولياء». والخلاصة: إن العقد بالمعنى الخاص لا يتحقق بإرادة منفردة، بل لا بد لتحققه من توافق أواجتماع إرادتين. وأما انعقاد البيع أو الزواج في الحالات السابقة، وإن اقتصر فيه على شخص واحد، إلا أنه في الحقيقة يمثل صفتين، فقامت عبارة الشخص الواحد التي تدل على إرادتين متوافقتين مقام العبارتين من عاقدين مختلفتين (٢). وهناك فرق ثان بينهما من ناحية الحكم (أي الأثر المترتب على العقد)، وهو أن العقد يلزم الوفاء به من العاقد ديانة وقضاء باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] وقوله سبحانه: ﴿وأوفوا بالعهد﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧]. أما الوعد فلا يلزم الوفاء به قضاء، بل الوفاء به مندوب مطلوب ديانة ومن مكارم الأخلاق. فلو وعد شخص غيره ببيع أو قرض أو هبة مثلاً لا يجبر على الوفاء بوعده بقوة القضاء، بل يندب له تنفيذه ديانة؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف:٢/ ٦١ - ٣] وقال النبي ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (٣).

стр. 2847

هذا هو السائد عند الفقهاء، لكن توجد آراء قد تكون مخالفة للرأي السائد، وقد تكون ملطفة أحياناً بجعل الوعد ملزماً قضاء في بعض الحالات. قال ابن شبرمة (١): يلزم الواعد ويجبر على الوفاء بوعده قضاء. وقال الحنفية: يلزم الوعد إذا صدر معلقاً على شرط منعاً لتغرير الموعود. وعبروا عن ذلك بقاعدة فقهية: (المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة) (م ٣٨ مجلة) وقال ابن نجيم: «لا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقاً» مثل أن يقول شخص لآخر: إذا لم يعطك فلان ثمن المبيع، فأنا أعطيه لك. فيلزمه إعطاؤه حينئذ؛ لأن الوعد اكتسى صفة الالتزام والتعهد. وقال المالكية (٢): يلزم الواعد بوعده قضاء إن أدخل الموعود في سبب أو وعده مقروناً بذكر السبب، كما قال أصبغ من فقهائهم لتأكد العزم على الدفع حينئذ. مثال الحالة الأولى أن يقول لآخر: اهدم دارك وأنا أقرضك ما تبني به الدار، أو اخرج إلى الحج وأنا أقرضك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، ففعل الموعود ذلك، فيجب عليه الإقراض لأنه أدخل الموعود في الالتزام. ومثال الحالة الثانية عند أصبغ: أن يقول شخص لآخر: تزوج أو اشتر، وأنا أقرضك، فيلزمه الوفاء بوعده ولو لم يباشر الموعود فعل الزواج أو الشراء أي سواء تزوج الموعود أو اشترى أم لا، يلزم الواعد بما وعد، دفعاً للضرر الحاصل للموعود من تغرير الواعد. فإن وعده بدون ذكر السبب، كأن يقول شخص لآخر: أسلفني كذا، فيقول

стр. 2848

المخاطب: نعم، لا يلزمه الوعد. والقوانين الوضعية المدنية تتفق مع رأي ابن شبرمة وبعض المالكية على أن الوعد بعقد أو بعمل ملزم قانوناً. المبحث الثاني - تكوين العقد يشتمل هذا المبحث على مطالب ثلاثة: المطلب الأول - ركن العقد: الركن في اصطلاح علماء الأصول من الحنفية: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءاً داخلاً في حقيقته. ففي العبادات يعد الركوع والسجود وقراءة القرآن أركاناً للصلاة. وفي المعاملات: الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامهما هو ركن العقد. فركن العقد: هو كل ما يعبر به عن اتفاق الإرادتين أو ما يقوم مقامهما من فعل أو إشارة أو كتابة (١). هذا هو مذهب الحنفية، وأما بقية العناصر أو المقومات التي يقوم عليها العقد من محل معقود عليه، وعاقدين، فهي لوازم لا بد منها لتكوين العقد، لأنه يلزم من وجود الإيجاب والقبول وجود عاقدين، ولا يتحقق ارتباط العاقدين إلا بوجود محل يظهر فيه أثر الارتباط. وغير الحنفية (٢) يقولون: إن للعقد أركاناً ثلاثة هي عاقد ومعقود عليه وصيغة. فالعاقد في البيع هو البائع والمشتري، والمعقود عليه هو الثمن والمثمن، والصيغة هي الإيجاب والقبول، باعتبار أن الركن عند الجمهور: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وإن لم يكن جزءاً داخلاً في حقيقته.

стр. 2849

وأياً كان هذا الاختلاف فهو اصطلاح لا تأثير له من حيث النتيجة. تعريف الإيجاب والقبول: الإيجاب والقبول يكوِّنان صيغة العقد، أي العبارات الدالة على اتفاق الطرفين المتعاقدين. وتعريفهما عند الحنفية (١) ما يأتي: الإيجاب: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد المتعاقدين، أو ما يقوم مقامه، سواء وقع من المملك أو المتملك (٢). فقول العاقد الأول في البيع هو الإيجاب، سواء صدر من البائع أو من المشتري. فإذا قال البائع أولاً (بعت) فهو الإيجاب. وإذا ابتدأ المشتري الكلام فقال: (اشتريت بكذا) فهو الإيجاب. والقبول: ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين، دالاً على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول (٣). فالمعتبر إذن: أولية الصدور وثانويته فقط، سواء أكان من جهة البائع أم من جهة المشتري في عقد البيع. وعند غير الحنفية (٤): الإيجاب: هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء

стр. 2850

متأخراً، والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك، وإن صدر أولاً. ففي عقد البيع: إذا قال المشتري: اشتريت منك هذه البضاعة بكذا، وقال البائع: بعته لك بهذا الثمن، انعقد البيع، وكان الإيجاب ما صدر عن البائع، لأنه المملك، والقبول: ما صدر من المشتري، وإن صدر أولاً. والواقع أن تسمية إحدى عبارتي العاقدين إيجاباً، والأخرى قبولاً هي تسمية اصطلاحية، ليس لها أثر يذكر، والأصل العام في الإيجاب أن يقع من البائع أولاً، ويقع القبول من المشتري ثانياً. المطلب الثاني - عناصر العقد: عناصر العقد: هي مقوماته الذاتية التي ينشأ بها العقد، ولا يتحقق إلا بوجودها، وهي أربعة: صيغة التعاقد، والعاقدان، ومحل العقد، وموضوع العقد. العنصر الأول - صيغة العقد: صيغة العقد: هي ما صدر من المتعاقدين دالاً على توجه إرادتهما الباطنة لإنشاء العقد وإبرامه. وتعرف تلك الإرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم مقامه من الفعل أو الإشارة أو الكتابة. وهذه الصيغة هي الإيجاب والقبول. وقد اتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور ما يدل على التراضي من كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما. وهذا هو ما يعرف بصيغة العقد عند فقهائنا. ويسمى عند القانونيين (التعبير عن الإرادة). والبحث فيها يكون ببيان أساليب الصيغة، وشروطها.

стр. 2851

الفرع الأول - أساليب صيغة الإيجاب والقبول: التعبير عن الإرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفاً أو لغة على إنشاء العقد، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة، وقد نصت على هذه الأساليب المادة (١٧٣) و (١٧٤) من المجلة، كما نصت عليها المادة (٩٣/ ١) من القانون المدني السوري. أولاً - اللفظ (أو القول): اللفظ: هو الأداة الطبيعية الأصلية في التعبير عن الإرادة الخفية وهو الأكثر استعمالاً في العقود بين الناس لسهولته وقوة دلالته ووضوحه، فيلجأ إليه متى كان العاقد قادراً عليه، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان. ولا يشترط فيه عبارة خاصة، وإنما يصح بكل ما يدل على الرضا المتبادل بحسب أعراف الناس وعاداتهم؛ لأن الأصل في العقود هو الرضا، لقوله تعال: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] وقوله ﵊: «إنما البيع عن تراض». مادة اللفظ: وعليه فلا يشترط في العقود كالبيع والإيجار والرهن والهبة ونحوها لفظ معين أو عبارة مخصوصة، كأن يقول البائع: بعت بكذا، أو ملكته لك بكذا، أو أعطيته لك بكذا، أو وهبته بثمن كذا. ويقول المشتري: اشتريت، أو قبلت، أو رضيت، أو خذ الثمن وهات المبيع. أما عقد الزواج فاختلف الفقهاء في شأن الألفاظ المستعملة فيه، نظراً لخطورته وقداسته. فقال الحنفية والمالكية (١): يصح انعقاد الزواج بكل لفظ يدل على تمليك

стр. 2852

العين في الحال، كالتزويج والنكاح والتمليك، والجعل، والهبة والعطية والصدقة، بشرط توافر النية أو القرينة الدالة على أن المراد باللفظ هو الزواج، وبشرط فهم الشهود للمقصود؛ لأن عقد الزواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين، فيصح بكل لفظ يدل على تراضيهما وإرادتهما. وقد ورد لفظ (الهبة) في القرآن الكريم دالاً على صحة استعماله لإبرام الزواج، كما ورد في السنة النبوية استعمال عبارة (التمليك). أما الوارد في القرآن فقوله تعالى: ﴿وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين﴾ (١) الخصوصية للنبي صلّى الله عليه وسلمفيقولهتعالى ﴿خالصة لك﴾ [الأحزاب:٥٠/ ٣٣] ليست في انعقاد زواجه بلفظ «الهبة» وإنما في صحة زواجه بغير مهر. وأما الوارد في السنة فقوله ﵇ لخاطب من الصحابة يحفظ سوراً من القرآن: «ملّكتكها بما معك من القرآن» (٢). ولا يصح الزواج بلفظ لا يفيد الملك كإجارة وإعارة ووصية ورهن ووديعة ونحوها، ولا بالألفاظ المصحفة مثل تجوزت. وقال فقهاء الشافعية والحنابلة (٣): يشترط لصحة عقد الزواج استعمال لفظي «زوج أو نكح» وما يشتق منهما لمن يفهم اللغة العربية. أما من لا يعرف اللغة العربية فيصح الزواج منه بالعبارة التي تؤدي الغرض المقصود، وتفهم هذا المعنى؛ لأن عقد الزواج له خطورة لوروده على المرأة وهي حرة، وشرع لأغراض سامية

стр. 2853

منها تكثير النسل وبقاء النوع الإنساني، وتكوين الأسر، ففيه معنى التعبد لله، بتكثير عباد الله الذين يعبدونه، مما يوجب علينا التزام ما ورد به الشرع، ولم يرد في القرآن الكريم إلا هذان اللفظان فقط وهما (النكاح والتزويج) وذلك في أكثر من عشرين آية: منها: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ (١) [النساء ٣/ ٤] ومنها ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾ (٢). ويمكن أن يكون رأي الحنفية والمالكية أرجح، لأن الزواج كغيره من العقود، فيصح بكل لفظ ينبئ عن الرضا والإرادة. صيغة اللفظ أو نوع الفعل: اتفق الفقهاء على صحة انعقاد العقد بالفعل الماضي، لأن صيغته أدل على المراد وأقرب إلى تحقيق مقصود وهو إنشاؤها في الحال، فينعقد بها العقد من غير توقف على شيء آخر كالنية أو القرينة، وقد تعارف الناس استعمال هذه الصيغة (٣)، وأقرهم الإسلام عليها واستعملها الرسول ﷺ في جميع العقود، لإفادتها تنجيز العقد حالاً ودلالتها على الإرادة الجازمة وحدوث الشيء قطعاً من غيراحتمال معنى آخر، مثل بعت، واشتريت، ورهنت، ووهبت، وزوجت، وأعرت، وقبلت، ونحو ذلك. واتفق الفقهاء أيضاً على الانعقاد بصيغة المضارع إذا توافرت نية الحال أو دلت القرينة على إرادة إنشاء العقد حالاً؛ لأن المضارع يدل على الحال

стр. 2854

والاستقبال، ففيه احتمال الوعد والمساومة، فكان لا بد من النية لتعيين المراد في الحال، وإنشاء العقد حالاً، مثل أبيع وأشتري وأزوجك وأقبل وأرضى. وينعقد العقد بالجملة الاسمية على الأصح، مثل أنا بائع لك كذا، أو واهب لك كذا، فقال آخر: أنا قابل: أو قال: نعم. واختلف الفقهاء في انعقاد العقد بلفظ الأمر الذي يعبر به عن المستقبل، مثل: بعني أو اشتر مني، أو آجرني، أو خذه بكذا. فقال الحنفية (١): إن ماعدا عقد الزواج لا ينعقد عقده بلفظ الأمر، ولو نوى ذلك، ما لم يقل القائل الآمر مرة أخرى في المثال السابق: اشتريت، أو بعت، أو استأجرت؛ لأن لفظ الأمر مجرد طلب وتكليف، فلا يكون قبولاً ولا إيجاباً. أو كانت العبارة تنبئ عن إيجاب أو قبول مقدر (مفهوم ضمناً) يقتضيه المعنى ويستلزمه كأن يقول المشتري: اشتريت منك هذا بكذا، فقال البائع: خذه، والله يبارك لك، فكأنه قال: بعتك فخذه (المجلة: م ١٧٢). وأما عقد الزواج فيصح بصيغة الأمر مثل: زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك، أو قال الرجل لولي المرأة أو وكيلها: زوجني فلانة، فأجاب: زوجتك، لأن لفظ الأمر للمساومة، وعقد الزواج يسبق عادة بالخطبة، فلا يقصد بهذا الأمر الوعد والمساومة، وإنما المقصود به إنشاء العقد، لا مقدمات العقد وهي الخطبة، فيحمل على الإيجاب والقبول. أما غير الزواج كالبيع مثلاً، فإنه يحصل فجأة بدون مقدمات غالباً، فيكون الأمر فيه مساومة، عملاً بحقيقة لفظ الأمر، ويكون المراد به العدة أو المساومة، ولا يعدل عن المعنى الحقيقي للفظ إلى شيء آخر إلا بدليل، ولم يوجد الدليل في البيع، بخلاف الزواج، كما تقدم.

стр. 2855

وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية (١): ينعقد العقد بلفظ الأمر بدون حاجة للفظ ثالث من الآمر، سواء أكان بيعاً أم زواجاً؛ لأن أساس العقد هو التراضي، وقد جرى العرف على استعمال صيغة الأمر في إنشاء العقود كالماضي والمضارع، فينعقد بها العقد، ويكون الآمر أو المستدعي عاقداً فعلاً: بائعاً أو مشترياً مثلاً، وهذا الرأي هو الأرجح لما فيه من تحقيق مصالح الناس ومراعاة أعرافهم وعاداتهم دون مصادمة النصوص الشرعية. واتفق الفقهاء على عدم انعقاد العقد بصيغة الاستقبال: وهي صيغة المضارع المقرون بالسين أو سوف مثل: سأبيعك؛ لأن ذكر السين يدل على إرادة العقد في المستقبل، فهو وعد بالعقد وليس عقداً، أي أنه يدل على عدم إرادة الحال، فلا ينعقد بها العقد، حتى ولو نوى بها العاقد الإيجاب والقبول. كذلك لا ينعقد العقد بصيغة الاستفهام، لدلالتها على المستقبل، لأنها سؤال الإىجاب والقبول، وليست إيجاباً ولا قبولاً، كأن يقول المشتري: أتبيع مني هذا الشيء؟ فقال البائع: بعت، لا ينعقد العقد إلا إذا انضم لذلك لفظ ثالث يقوله المشتري مرة أخرى: اشتريت؛ لأن لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال حقيقة. ثانياً - التعاقد بالأفعال (العقد بالمعاطاة): قد ينعقد العقد بدون قول أو لفظ، وإنما بفعل يصدر من المتعاقدين ويسمى في الفقه بالمعاطاة أو التعاطي أو المراوضة: وهو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون تلفظ بإيجاب أو قبول (٢).

стр. 2856

مثل أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع البائع المبيع، فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة، سواء أكان المبيع حقيراً أم نفيساً. ففي البيع لو وجد الرجل سلعة مسعرة كتب عليها الثمن كساعة أو حلي، فناول الثمن للبائع وأخد السلعة دون إيجاب وقبول لفظيين، انعقد البيع لدلالته على التراضي في عرف الناس. كذلك ينعقد لو اقتصر المشتري على دفع عربون؛ لأنه جزء من الثمن. وفي الإجارة: لو ركب الإنسان سيارة من وسائل النقل، ثم دفع ثمن التذكرة إلى الجابي دون كلام متبادل صح الإيجار عرفاً. لكن الفقهاء اختلفوا في التعاقد بالتعاطي في العقود المالية على أقوال ثلاثة: الأول - مذهب الحنفية (١) والحنابلة (٢): ينعقد العقد بالتعاطي فيما تعارفه الناس، سواء أكان الشيء يسيراً كالبيضة والرغيف والجريدة أم نفيساً (كثير الثمن) كالدار والأرض والسيارة؛ لأن تعارف الناس دليل ظاهر على التراضي، سواء تمت المبادلة الفعلية من الجانبين، أو من جانب واحد ومن الآخر اللفظ على الأصح المفتى به، وسواء في ذلك البيع والإجارة والإعارة والهبة والرجعة. وذلك بشرط أن يكون ثمن المعقود عليه معلوماً تماماً، وإلا فسد العقد، وألا يصرح العاقد مع التعاطي بعدم الرضا بالعقد. والقانون المدني السوري يتفق مع هذا الرأي، كما جاء في المادة (٩٣/ ١).

стр. 2857

الثاني - مذهب مالك وأصل مذهب أحمد (١): ينعقد العقد بالفعل أو بالتعاطي متى كان واضح الدلالة على الرضا، سواء تعارفه الناس أم لا، وهذا الرأي أوسع من سابقه وأيسر على الناس، فكل ما يدل على البيع أو الإجارة، أو الشركة أو الوكالة وسائر العقود الأخرى ما عدا الزواج ينعقد العقد به؛ لأن المعول عليه وجود ما يدل على إرادة المتعاقدين من إنشاء العقد وإبرامه والرضا به، وقد تعامل الناس به من عصر النبوة فما بعده. ولم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه الاقتصار على الإيجاب والقبول، ولا إنكار التعاطي، فكانت القرينة كافية على الدلالة على الرضا. الثالث - مذهب الشافعية والشيعة والظاهرية (٢): لا تنعقد العقود بالأفعال أو بالمعاطاة لعدم قوة دلالتها على التعاقد؛ لأن الرضا أمر خفي، لا دليل عليه إلا باللفظ، وأما الفعل فقد يحتمل غير المراد من العقد، فلا يعقد به العقد، وإنما يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية، أو ما يقوم مقامها عند الحاجة كالإشارة المفهمة أو الكتابة. ونظراً لما يشتمل عليه هذا المذهب من تشدد وشكلية محدودة ومجافاة لمبدأ المرونة والسماحة واليسر، فقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي والبغوي والمتولي، صحة انعقاد بيع المعاطاة في كل ما يعده الناس بيعاً، لأنه لم يثبت اشتراط لفظ، فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة، وبعض الشافعية كابن سريج

стр. 2858

والرُّوياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقَّرات أي غير النفيسة: هي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز، أو رغيف، وحزمة بقل ونحوها (١). عقد الزواج: وبغض النظر عن الاختلاف السابق في التعاقد بالمعاطاة، أجمع الفقهاء على أن الزواج لا ينعقد بالفعل، كإعطاء المهر مثلاً، بل لا بد من القول للقادر عليه؛ لأن عقد الزواج خطير مقدس له آثار دائمة على المرأة، فكان لا بد من الاحتياط له، وإتمامه بأقوى الدلالات على الإرادة: وهو القول، حفاظاَ على كرامة المرأة ومستقبلها، وصوناً لها عن الابتذال، ولأن عقد الزواج يتطلب الإشهاد عليه، تمييزاً له عن السفاح أو الزنا، ولا يتمكن الشهود من معرفة عقد الزواج إلا بسماع لفظ الإيجاب والقبول (٢). وكالزواج عند الإمام الشافعي: الطلاق والخلع والرجعة، لا تجوز إلا بالقول. ثالثاً - التعاقد بالإشارة: الإشارة إما من الناطق أو من الأخرس. أـ إذا كان العاقد قادراً على النطق فلا ينعقد بإشارته، بل عليه أن يعبر عن إرادته بلسانه لفظاً أو كتابة؛ لأن الإشارة وإن دلت على الإرادة لا تفيد اليقين المستفاد من اللفظ أو الكتابة، فلا بد من العبارة، وإلا لم ينشأ العقد عند الحنفية والشافعية (٣).

стр. 2859

لكن القانون المدني السوري وغيره في المادة ٩٣/ ١) أجاز انعقاد العقد بالإشارة المتداولة عرفاً، ولو كانت من الناطق، إذ لم يقيدها بالخرس. وهذا يتفق مع مذهب المالكية والحنابلة (١) الذين يجيزون التعبير عن الإرادة من الناطق بالإشارة المفهمة، لأنها أولى في الدلالة من الفعل الذي ينعقد به العقد، كما تقدم في المعاطاة. ب - وأما العاقد العاجز عن النطق كالأخرس ومعتقل اللسان، فإن كان يحسن الكتابة فلا بد منها على الرواية الراجحة عند الحنفية؛ لأن الكتابة أبلغ في الدلالة وأبعد عن الاحتمال من الإشارة، فيلجأ إليها. وإن كان لا يحسن الكتابة، وله إشارة مفهمة، فتقوم مقام النطق باللسان باتفاق الفقهاء للضرورة، حتى لايحرم من حق التعاقد، وعليه نصت القاعدة الفقهية: (الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان) (م.٧٠ من المجلة). هذا إذا كان الخرس أصلياً، بأن ولد أخرس، فأما إذا كان عارضاً بأن طرأ عليه الخرس، فلا تعتبر إشارته إلا إذا دام به الخرس حتى وقع اليأس من كلامه، وصارت الإشارة مفهومة، فيلحق بالأخرس الأصلي. رابعاً - التعاقد بالكتابة: يصح التعاقد بالكتابة بين طرفين، ناطقين أو عاجزين عن النطق، حاضرين في مجلس واحد، أو غائبين، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان، بشرط أن تكون الكتابة مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل)، فإذا كانت غير مستبينة كالرقم أو

стр. 2860

الكتابة على الماء أو في الهواء، أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلاً، لم ينعقد بها العقد، وعليه نصت القاعدة الفقهية: (الكتاب كالخطاب) (م ٩٦ مجلة) وهذا رأي الحنفية والمالكية (١). وذلك كأن يرسل شخص خطاباً لآخر يقول فيه: (بعتك سيارتي بكذا)، فإذا وصله الكتاب، فقال في مجلس قراءة الكتاب: قبلت، انعقد البيع. فإن ترك المجلس، أو صدر منه ما يدل على الإعراض عن الإيجاب، كان قبوله غير معتبر. وفي حال إرسال رسول إلى آخر مثل إرسال الكتاب، يعتبر مجلس وصول الرسول هو مجلس العقد، فيلزم أن يقبل فيه، فإن قام من المجلس قبل أن يقبل انتهى مفعول الإيجاب. فالمعتبر هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة. وصورة الإرسال: أن يقول شخص: بعت لفلان كذا، فاذهب يا فلان وقل له، فذهب الرسول، فأخبره، فقبل المشتري في مجلسه ذلك صح العقد (٢). لكن عقد الزواج لا يصح انعقاده بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد، إلا حال العجز عن النطق كالخرس؛ لأن الزواج يشترط لصحته حضور الشهود وسماعهم كلام العاقدين، وهذا لا يتيسر في حال الكتابة. وقيد الشافعية والحنابلة (٣) صحة التعاقد بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان غائبين، أما في حال الحضور فلا حاجة إلى الكتابة؛ لأن العاقد قادر على النطق، فلا ينعقد العقد بغيره.

стр. 2861

الفرع الثاني - شروط الإيجاب والقبول: الشرط: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون جزءاً خارجاً عن حقيقته. كالوضوء أو الطهارة للعبادات، لا تصح الصلاة بدون الطهارة، لكنها غير داخلة في تكوين الصلاة. وكالقدرة على التسليم في المعاملات لابد منها لانعقاد العقد، لكنها ليست جزءاً داخلاً في تكوين العقد. وبذلك يظهر أن الركن والشرط يتوقف عليهما وجود الشيء. إلا أن الركن داخل في حقيقة الشيء وجزء منه، أما الشرط فخارج عن الحقيقة ولا يعد جزءاً منها. و اشترط الفقهاء لانعقاد العقد شروطاً ثلاثة في الإيجاب والقبول هي (١): ١ - وضوح دلالة الإيجاب والقبول، أي أن يكون كل من الإيجاب والقبول واضح الدلالة على مراد العاقدين، بأن تكون مادة اللفظ المستعمل لهما في كل عقد تدل لغة أو عرفاً على نوع العقد المقصود للعاقدين؛ لأن الإرادة الباطنة خفية، ولأن العقود يختلف بعضها عن بعض في موضوعها وأحكامها، فإذا لم يعرف بيقين أن العاقدين قصدا عقداً بعينه لا يمكن إلزامهما بأحكامه الخاصة به. ولا يشترط لهذه الدلالة لفظ أو شكل معين، فإن الشكلية في غير عقد الزواج والعقود العينية كالهبة والرهن غير مطلوبة فقهاً؛ لأن العبرة في العقود للمعاني، لا للألفاظـ والمباني، فيصح البيع بلفظ الهبة بعوض، وينعقد الزواج بلفظـ الهبة إذا اقترن بالمهر. ٢ - تطابق القبول والإيجاب: بأن يكون القبول موافقاً للإيجاب، بأن يرد

стр. 2862

على كل ما أوجبه الموجب وبما أوجبه، أي على كل محل العقد، ومقدار العوض في عقود المعاوضات، سواء أكانت الموافقة حقيقية، كما لو قال البائع: بعتك الشيء بعشرة، فيقول المشتري: اشتريته بعشرة، أو ضمنية، كما لو قال المشتري في المثال السابق: اشتريته بخمس عشرة. أو أن تقول المرأة: زوجتك نفسي بمئة، فيقول الزوج: قبلت الزواج بمئة وخمسين، فالتوافق متحقق ضمناً، وهذه المخالفة خير للموجب. لكن العقد لا يلزم إلا بالمقدار الذي وجهه الموجب أي مئة في المثال الأخير، وأما الزيادة فموقوفة على قبول الموجب في مجلس العقد، فإن قبل به الموجب لزم القابل؛ لأن المال لا يدخل في ملك إنسان بغير اختياره إلا في الميراث. فإن لم يتطابق القبول مع الإيجاب، وحدثت مخالفة بينهما، لا ينعقد العقد، كأن خالف القابل في محل العقد، فقبل غيره، أو بعضه، مثل قول البائع: بعتك الأرض الفلانية، فيقول المشتري: قبلت شراء الأرض المجاورة لها، أو قبلت شراء نصفها بنصف الثمن المتفق عليه، فلا ينعقد العقد لمخالفته محل العقد، أو لتفرق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها أي تجزئتها. وإذا خالف في مقدار الثمن، فقبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد أيضاً، وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع بثمن حال نقدي، فقبل المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين، فقبل المشتري بأجل أبعد منه، لم ينعقد البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب، وحينئذ لابد من إيجاب جديد. ويختلف القانون المدني مع الفقه الحنفي في حالة المخالفة إلى خيرللموجب، إذ يقرر القانونيون (١) أن العقد لا يتم، كما يفهم من صريح المادة (٩٧) مدني

стр. 2863

سوري «إذا اقترن القبول بما يزيد في الإيجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه، اعتبر رفضاً يتضمن إيجاباً جديداً» لكن يتفق ذلك مع ظاهر مذهب الشافعي (١). ٣ - اتصال القبول بالإيجاب: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد إن كان الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب. ويتحقق الاتصال بأن يعلم كل من الطرفين بما صدر عن الآخر بأن يسمع الإيجاب ويفهمه، وبألا يصدر منه ما يدل على إعراضه عن العقد، سواء من الموجب أو من القابل. و مجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد. وبعبارة أخرى: اتحاد الكلام في موضوع التعاقد. و يشترط لتحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب شروط ثلاثة هي (٢): أولها - أن يكونا في مجلس واحد، وثانيها - ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه، ثالثها - ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل الآخر. الشرط الأول - أن يتحد مجلس الإيجاب والقبول: فلا يجوز أن يكون الإيجاب في مجلس، والقبول في مجلس آخر؛ لأن الإيجاب لا يعد جزءاً من العقد إلا إذا التحق به القبول. فلو قال البائع: بعتك الدار بثمن كذا، أو آجرتك المنزل بأجرة كذا، ثم انتقل الموجب إلى مكان آخر بعيد عن مجلسه الأول بحوالي مترين أو ثلاثة، أو إلى غرفة أخرى، انتهى المجلس الأول، فإذا قبل القابل بعد هذا الانتقال لم ينعقد العقد، ويحتاج إلى إيجاب جديد؛ لأن الإىجاب كلام اعتباري لا بقاء له إذا لم ينضم إليه القبول في حال واحدة من المجلس.

стр. 2864

و هل تشترط الفورية في القبول؟ قرر جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة (١)) أنه لا يشترط الفور في القبول، لأن القابل يحتاج إلى فترة للتأمل، فلو اشترطت الفورية لا يمكنه التأمل، وإنما يكفي صدور القبول في مجلس واحد، ولو طال الوقت إلى آخر المجلس؛ لأن المجلس الواحد يجمع المتفرقات للضرورة، وفي اشتراط الفورية تضييق على القابل، أو تفويت للصفقة من غير مصلحة راجحة، فإن رفض فوراً، فتضيع عليه الصفقة، وإن قبل فوراً، فربما كان في العقد ضرر له، فيحتاج لفترة تأمل؛ للموازنة بين ما يأخذ أو يغنم وبين ما يعطي أو يغرم في سبيل العقد، وقدرت فترة التأمل بمدة مجلس العقد؛ لأن المجلس جامع للمتفرقات، فتعتبر ساعة واحدة زمنية تيسيراً على الناس، ومنعاً للمضايقة والحرج، ودفعاً للضرر عن العاقد قدر الإمكان. وقد أخذ القانون المدني في المادة ٢/ ٩٥ بهذا الرأي، فلم يشترط الفورية فيالقبول، وصرح الأستاذ السنهوري بأن القانون أخذ هذا من الفقه الحنفي (٢). وقال الرملي من الشافعية (٣): يشترط أن يكون القبول فور الإيجاب، فلو تخلل لفظ أجنبي لا تعلق له بالعقد ولو يسيراً بأن لم يكن من مقتضاه ولا من مصالحه ولا من مستحباته، لا يتحقق الاتصال بين القبول والإيجاب، فلا ينعقد العقد. لكن لو قال المشتري بعد توجيه الإيجاب له: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قبلت، أي (الشراء) صح العقد.

стр. 2865

واتجاه الشافعية هذا متفق مع الأصل في القبول: وهو أن يتصل بالإيجاب مباشرة وفوراً لينعقد العقد، ويخفف تشدد هذا الرأي أخذ الشافعية بمبدأ خيار المجلس لكل من العاقدين بعد انعقاد العقد، والذي بمقتضاه يثبت لكل من العاقدين حق فسخ العقد ما داما في المجلس لم يفترقا عنه بأبدانهما. هذا وقد فسر غير الرملي من الشافعية اتصال القبول بالإيجاب بأنه السائد عرفاً بين الناس، فلا يضر الفصل اليسير ويضر الطويل وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول. فيكون رأي الشافعية كغيرهم (١). حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة تمهيد: تمكن أبناء العالم المعاصر من إنجاز كثير من معاملاتهم وعقودهم المالية بواسطة آلات الاتصال الحديثة، كالهاتف والبرقية واللاسلكي والتلكس والفاكس ونحوها، وأصبح ضرورياً معرفة كيفية إبرام تلك العقود من الناحية الشرعية، وهذا ما أبينه هنا بالاعتماد على ما كتبه فقهاؤنا وقرروه عند الكلام على صيغة العقد، وشروط الإيجاب والقبول، وشروط تحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب ليكون شطرا العقد في مجلس واحد. وبما أن هذه المعلومات معروفة في الجامعات، فأكتفي بإيجازها هنا، لتكون مدخلاً للحكم على موضوع البحث. صيغة العقد: هي ماصدر من المتعاقدين دالاً على توجه إرادتهما الباطنة

стр. 2866

لإنشاء العقد وإبرامه. وتعرف تلك الإرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم مقامه من الفعل (المعاطاة) أو الإشارة أو الكتابة. وهذه الصيغة هي الإيجاب والقبول الدالان على تراضي الجانبين بإنشاء التزام بينهما، وتسمى الصيغة عند القانونيين التعبير عن الإرادة. والتعبير عن الإرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفاً أو لغة على إنشاء العقد، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة (١). والقول أو اللفظ مثل بعت واشتريت، ورهنت وارتهنت، ووهبت وقبلت، وزوجت وتزوجت. والفعل أو المعاطاة أو المراوضة: هو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون تلفظ بإيجاب أو قبول (٢)، كأن يأخذ المشتري المبيع ويدفع الثمن للبائع دون كلام من كلا الطرفين أو من أحدهما، سواء أكان المبيع حقيراً بسيطاً أم نفيساً. وهذا جائز عند جمهور العلماء غير الشافعية، لتعارفه بين الناس، لكن عقد الزواج بالإجماع لا ينعقد ولا يصح بالفعل أو بالمعاطاة كإعطاء المهر مثلاً، بل لا بدّ فيه من النطق بالإيجاب والقبول، لخطورته وأهميته، وتأثيره الدائم على المرأة، وحفاظاً على حرمات الأعراض المصونة شرعاً. ويجوز انعقاد العقد بإشارة الأخرس أو معتقل اللسان المفهومة باتفاق الفقهاء للضرورة، حتى لا يحرم من حق التعاقد، لذا نصت القاعدة الفقهية: «الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان» (المجلة: م ٧٠). وأجاز فقهاء المالكية والحنابلة

стр. 2867

التعبير عن الإرادة من الناطق بالإشارة المفهمة المتداولة عرفاً، لأنها أولى في الدلالة من الفعل الذي ينعقد به العقد، كما في المعاطاة (١). ويصح التعاقد بالكتابة بين طرفين في رأي الحنفية والمالكية سواء أكانا ناطقين أم عاجزين عن النطق، حاضرين في مجلس واحد أم غائبين، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان، بشرط أن تكون الكتابة مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها) ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل) فإذا كانت غير مستبينة كالكتابة على الماء أو في الهواء، أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلاً، لم ينعقد بها العقد (٢)، وعليه نصت القاعدة الفقهية: (الكتاب كالخطاب) (المجلة: م ٩٦). مثل أن يرسل شخص خطاباً لآخر يقول فيه: (بعتك سيارتي بكذا) فإذا وصله الكتاب، وقال في مجلس قراءة الكتاب: قبلت، انعقد البيع. أما إن ترك المجلس أو صدر منه ما يدل على الإعراض عن الإيجاب، كان قبوله غير معتبر. وإرسال رسول إلى آخر حامل مضمون الإيجاب مثل إرسال الكتاب، ويعتبر مجلس وصول الرسول هو مجلس العقد، فيلتزم أن يقبل فيه، فإن قام من المجلس قبل أن يقبل، انتهى مفعول الإيجاب، ويكون المعول عليه هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة، كأن يقول شخص: بعت لفلان كذا، فاذهب يا فلان وقل له هذا، فذهب فأخبره، فقبل المشتري في مجلسه ذلك، صح العقد. ومهمة الرسول أضعف من مهمة الوكيل، لأن الرسول مجرد مفوض بنقل تعبير المرسل دون زيادة أو نقصان، أما الوكيل فإنه يتولى إبرام العقد بعبارته، ولا

стр. 2868

يتقيد في الوكالة المطلقة إلا بالمعتاد المتعارف عليه، أما في الوكالة المقيدة بمكان أو زمان أو شخص أو محل معقود عليه أو بدل عقدي فيتم التعاقد بين الوكيل والقابل بعبارة الوكيل المقيدة بقيود الوكالة، وتعود حقوق العقد أي الالتزامات إلى الوكيل بعكس الرسول لا يتحمل شيئاً منها، أما حكم العقد الأصلي أي نقل الملكية فيعود إلى الموكل والمرسل على السواء. ولا ينعقد عقد الزواج بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد، إلا في حال العجز عن النطق كالخرس، لأن الزواج يشترط لصحته حضور الشهود العدول وسماعهم كلام العاقدين، وهذا لا يتيسر في حال الكتابة. وقيد الشافعية والحنابلة صحة التعاقد مطلقاً بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان غائبين، أما في حال الحضور فلا حاجة إلى الكتابة، لأن العاقد قادر على النطق، فلا ينعقد العقد بغيره (١). كيفية إبرام التعاقد بالهاتف واللاسلكي ونحوهما من وسائل الاتصال الحديثة: ليس المراد من اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد كما بينا كون المتعاقدين في مكان واحد، لأنه قد يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر، إذا وجد بينهما واسطة اتصال، كالتعاقد بالهاتف أو اللاسلكي أو بالمراسلة (الكتابة) وإنما المراد باتحاد المجلس: اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد، فمجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد (٢)، وعن هذا قال الفقهاء «إن المجلس يجمع المتفرقات» (٣).

стр. 2869

وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية أو اللاسلكية: هو زمن الاتصال ما دام الكلام في شأن العقد، فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس. ومجلس التعاقد بإرسال رسول أو بتوجيه خطاب أو بالبرقية أو التلكس أو الفاكس ونحوها: هو مجلس تبليغ الرسالة، أو وصول الخطاب أو البرقية أو إشعار التلكس والفاكس، لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه حضر بنفسه وخوطب بالإيجاب فقبل، في المجلس. فإن تأخر القبول إلى مجلس ثان، لم ينعقد العقد. وبه تبين أن مجلس التعاقد بين حاضرين: هو محل صدور الإيجاب، ومجلس التعاقد بين غائبين: هو محل وصول الكتاب أو تبليغ الرسالة، أو المحادثة الهاتفية. لكن للمرسل أو للكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود، بشرط أن يكون قبل قبول الآخر ووصول الرسالة أو الخطاب ونحوه من الإبراق والتلكس والفاكس. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها، كما تقدم. هذا وإن بقية شروط الإيجاب والقبول عدا اتحاد المجلس لا بد من توافرها في وسائط الاتصال الحديثة. زمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين: أجمع الفقهاء على أن العقد ينعقد بين الغائبين كما في آلات الاتصال الحديثة بمجرد إعلان القبول، ولا يشترط العلم بالقبول بالنسبة للطرف الموجب الذي وجه الإيجاب (١).

стр. 2870

فلو كان المتعاقدان يتحدثان بالهاتف أو بالاسلكي، وقال أحدهما للآخر: بعتك الدار أو السيارة الفلانية، وقال الآخر: قبلت، انعقد العقد، بمجرد إعلان القبول، ولو لم يعلم الموجب بالقبول، بأن انقطع الاتصال بينهما. ولو وجهّ أحد العاقدين خطاباً أو برقية إلى آخر أو تلكساً أو فاكساً، وفيها إيجاب ببيع شيء، أو بإبرام عقد زواج، انعقد العقد بعد وصول البرقية أو الخطاب ونحوهما، وإعلان الآخر قبوله، دون حاجة إلى علم الموجب أو سماعه بالقبول. لكن إبعاداً لكل لبس أو غموض، وتمكيناً من إثبات العقد، وتأكيداً لإبرامه، جرى العرف الحاضر في التلكس مثلاً ونحوه على إرسال تلكس العرض، ثم تلكس القبول، ثم تلكس البيع، وساعد على ترسيخ هذا العرف ما تنص عليه بعض القوانين الوضعية كالقانون المدني المصري، فإنه نص على ما يلي: في التعاقد بين حاضرين: تنص المادة (٩١) على أن «التعبير عن الإرادة ينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك» واشتراط السماع أو العلم بالقبول حتى بين الحاضرين أخذ به بعض فقهاء الحنفية مثل النسفي وابن كمال باشا. وفي التعاقد بين غائبين: تنص المادة (٩٧) على ما يلي: «يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول، ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني بغير ذلك، ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان والزمان اللذين وصل إليه فيهما هذا القبول». وأرى الأخذ بضرورة العلم بالقبول بالنسبة للموجب في التعاقد بين غائبين بسبب تقدم وسائل الاتصال الحديثة وتعقد المعاملات، وتحقيقاً لاستقرار التعامل

стр. 2871

ومنعاً لإيقاع الموجب في القلق، وتمكيناً من إثبات العقد وإلزام القابل، فإن جهل الموجب بالقبول يوقعه في حرج شديد، وهذا رأي الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري (١). التعاقد حالة المشي أو الركوب: إذا تعاقد شخصان على ظهر سفينة أو متن طائرة، أو في قطار أو سيارة، انعقد العقد، سواء أكانت هذه الوسائل واقفة أم ماشية؛ لأن الشخص لا يستطيع إيقاف تلك الوسائل، فاعتبر مجلس العقد فيها مجلساً واحداً، مما يؤكد أن المقصود من اتحاد المجلس اتحاد الزمان وليس الاتحاد المكاني المادي. لكن إذا كان العاقدان ماشيين على الأقدام، أو راكبين دابة واحدة أو دابتين، فقد تشدد الحنفية في تصور المجلس، فقالا: إذا تم القبول متصلاً بالإيجاب، انعقد العقد، حتى ولو مشيا خطوة واحدة، أو خطوتين. فإن مشيا خطوات ثلاثاً فأكثر، ثم حدث القبول، لم ينعقد العقد؛ لأن العاقدين يستطيعان الوقوف، أو إيقاف الدابة لمداولة العقد، فإن سارا فقد تبدل المجلس قبل القبول. ويجعل السير دليلاً على الإعراض عن العقد (٢). وهذا ما حدا بالدكتور السنهوري إلى القول بأن نصوص المذهب الحنفي أغرقت في تصوير مجلس العقد تصويراً مادياً لا سبيل إلى مجاراتها فيه (٣). الشرط الثاني - ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه عن العقد:

стр. 2872

بأن يكون الكلام في موضوع العقد، وألا يتخلله فصل بكلام أجنبي يعد قرينة على الإعراض عن العقد. فإن ترك الموجب مجلس العقد قبل قبول الآخر، أو ترك الطرف الآخر المجلس بعد صدور الإيجاب، أو انشغل الطرفان في موضوع آخر لا صلة له بالعقد، بطل الإيجاب. ولو قبل الآخر حينئذ لا يعتبر قبوله متمماً للعقد؛ لأن الإيجاب ذهب ولم يبق له وجود، إذا لم يتعانق مع القبول، وسبب ذهابه أنه كلام اعتباري لا بقاء له إذا لم يتصل بالقبول، ويجعل باقياً مدة المجلس من باب التيسير على الطرفين ودفع العسر عنهما ليمكن تلاقي القبول به، وانعقاد العقد. متى يصير المجلس قد تغير؟ العرف الشائع بين الناس هو المحكم في بيان اتحاد المجلس أو تغيره، فإذا صدر القبول في حال اتحاد المجلس، نشأ العقد، وإذا صدر القبول بعد تغير المجلس لم يعتبر ولم ينشأ به العقد. وضابط ذلك أن القبول يكون معتبراً ما دام لم يتخلل بينه وبين الإيجاب ما يعد إعراضاً عن العقد من أحد الطرفين، وما دام المجلس قائماً (١). وتحقيق هذا المبدأ عند الحنفية (٢): أنه لو أوجب أحد الطرفين البيع، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد العقد؛ لأن القيام دليل الإعراض والرجوع عن العقد. والاحتكام إلى العرف في بيان ما يغير المجلس متفق عليه بين المذاهب (٣) حتى

стр. 2873

عند بعض الشافعية القائلين بفورية القبول؛ لأن الفورية شيء، والحكم بتغير المجلس شيء آخر، فإنهم قالوا: يعتبر العرف في تفرق العاقدين عن المجلس، فما يعده الناس تفرقاً يلزم به العقد، وما لا فلا؛ لأن ما ليس له حد في اللغة ولا في الشرع، يرجع فيه إلى العرف، فلو كان العاقدان في دار كبيرة يتغير المجلس بالخروج من البيت إلى صحن الدار، أو بالعكس، وإن كانا في دار صغيرة أو في سفينة أو مسجد صغير يتغير المجلس بخروج أحدهما منه، أوبصعود السطح، وإن كانا في سوق أوصحراء يتغير المجلس بأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً كثلاث خطوات. ولو تناديا بالعقد من مكان بعيد، بقي المجلس ما لم يفارق أحدهما مكانه، فإن مشى كل منهما ولو إلى صاحبه، تغير المجلس. ولو تماشى الطرفان مسافة دام المجلس، وإن زادت المدة على ثلاثة أيام ما لم يعرضا عما يتعلق بالعقد. الشرط الثالث - ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل: لا بد لانعقاد العقد من استمرار الموجب على إيجابه الذي وجهه للقابل، فإن عدل عن إيجابه، لم يصح القبول. وهل يصح العدول عن الإيجاب في مجلس العقد؟ أجاب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) (١) بأنه للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر، ويبطل الإيجاب حينئذ؛ لأن الالتزام بالعقد لم ينشأ بعد، ولا ينشأ إلا بارتباط القبول بالإيجاب، ولأن الموجب حر التصرف بملكه وحقوقه، وبإيجابه أثبت للطرف الآخر حق التملك، وحق الملك أقوى من حق التملك، فيقدم عليه عند التعارض؛ لأن الأول ثابت

стр. 2874

لصاحبه أصالة والثاني لا يثبت إلا برضا الطرف الأول، والتراضي بين الجانبين أساسي لصحة العقود. والقانون المدني في المادة (٩٥) يتفق مع هذا الرأي، فإنه إذا لم يتعين ميعاد للقبول يجوز للموجب التحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فوراً. وقال أكثرية المالكية (١): ليس للموجب الرجوع عن إيجابه، وإنما يلتزم بالبقاء على إيجابه حتى يعرض الطرف الآخر عنه، أو ينتهي المجلس؛ لأن الموجب قد أثبت للطرف الآخر حق القبول والتملك، فله استعماله وله رفضه، فإذا قبل ثبت العقد، وإذا أعرض عن الإيجاب لم ينشأ العقد. وعليه لا يكون الرجوع مبطلاً للإيجاب. تعيين مدة للقبول: إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة للقبول، فيلتزم بها عند فقهاء المالكية؛ لأنهم قالوا كما تقدم: ليس للموجب الرجوع عن إيجابه قبل قبول الآخر، فيكون من باب أولى ملتزماً بالبقاء على إيجابه إذا عين ميعاداً للقبول كأن يقول: أنا على إيجابي مدة يومين مثلاً، فيلزمه هذا التقييد ولو انتهى المجلس. وهذا يتفق مع المبدأ العام في الشريعة وهو «المسلمون على شروطهم» (٢)، ومثل هذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد. والقانون المدني في المادة (٩٤) يقرر ذلك: «إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد. وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال، أو من طبيعة التعامل».

стр. 2875

العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس: اتحاد المجلس شرط في جميع العقود ما عدا ثلاثة: الوصية، والإيصاء، والوكالة. أما الوصية (وهي تصرف مضاف إلى مابعد الموت): فيستحيل فيها تحقق اتحاد المجلس؛ لأن القبول لا يصح من الموصى له في حال حياة الموصي، وإنما يكون بعد وفاته مصراً على الوصية. وأما الإيصاء (وهو جعل الغير وصياً على أولاده ليرعى شؤونهم بعد وفاته): فلا يلزم صدور القبول في حياة الموصي، وإنما يصح بعد وفاته، وعلى كل حال لا يصبح وصياً إلا بعد وفاة الموصي، وإن قبل في حياته. وأما الوكالة (وهي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل في أثناء الحياة) فمبنية على التوسعة واليسر والسماحة، فلا يشترط فيها اتحاد المجلس؛ لأن قبولها قد يكون باللفظ (القول)، أو بالفعل بأن يشرع الوكيل في فعل ما وكل فيه، ويصح فيها توكيل الغائب (أي غير الموجود في مجلس العقد)، فبمجرد علمه بالتوكيل له القيام بالعمل الموكل فيه (١). وكالوكالة عند الحنابلة: كل عقد جائز غير لازم يصح القبول فيه على التراخي، مثل الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة، والوديعة والجعالة. مبطلات الإيجاب: يبطل الإيجاب بالأمور التالية (٢):
следующие страницы →