← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

ومنعاً لإيقاع الموجب في القلق، وتمكيناً من إثبات العقد وإلزام القابل، فإن جهل الموجب بالقبول يوقعه في حرج شديد، وهذا رأي الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري (١). التعاقد حالة المشي أو الركوب: إذا تعاقد شخصان على ظهر سفينة أو متن طائرة، أو في قطار أو سيارة، انعقد العقد، سواء أكانت هذه الوسائل واقفة أم ماشية؛ لأن الشخص لا يستطيع إيقاف تلك الوسائل، فاعتبر مجلس العقد فيها مجلساً واحداً، مما يؤكد أن المقصود من اتحاد المجلس اتحاد الزمان وليس الاتحاد المكاني المادي. لكن إذا كان العاقدان ماشيين على الأقدام، أو راكبين دابة واحدة أو دابتين، فقد تشدد الحنفية في تصور المجلس، فقالا: إذا تم القبول متصلاً بالإيجاب، انعقد العقد، حتى ولو مشيا خطوة واحدة، أو خطوتين. فإن مشيا خطوات ثلاثاً فأكثر، ثم حدث القبول، لم ينعقد العقد؛ لأن العاقدين يستطيعان الوقوف، أو إيقاف الدابة لمداولة العقد، فإن سارا فقد تبدل المجلس قبل القبول. ويجعل السير دليلاً على الإعراض عن العقد (٢). وهذا ما حدا بالدكتور السنهوري إلى القول بأن نصوص المذهب الحنفي أغرقت في تصوير مجلس العقد تصويراً مادياً لا سبيل إلى مجاراتها فيه (٣). الشرط الثاني - ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه عن العقد:

стр. 2872

بأن يكون الكلام في موضوع العقد، وألا يتخلله فصل بكلام أجنبي يعد قرينة على الإعراض عن العقد. فإن ترك الموجب مجلس العقد قبل قبول الآخر، أو ترك الطرف الآخر المجلس بعد صدور الإيجاب، أو انشغل الطرفان في موضوع آخر لا صلة له بالعقد، بطل الإيجاب. ولو قبل الآخر حينئذ لا يعتبر قبوله متمماً للعقد؛ لأن الإيجاب ذهب ولم يبق له وجود، إذا لم يتعانق مع القبول، وسبب ذهابه أنه كلام اعتباري لا بقاء له إذا لم يتصل بالقبول، ويجعل باقياً مدة المجلس من باب التيسير على الطرفين ودفع العسر عنهما ليمكن تلاقي القبول به، وانعقاد العقد. متى يصير المجلس قد تغير؟ العرف الشائع بين الناس هو المحكم في بيان اتحاد المجلس أو تغيره، فإذا صدر القبول في حال اتحاد المجلس، نشأ العقد، وإذا صدر القبول بعد تغير المجلس لم يعتبر ولم ينشأ به العقد. وضابط ذلك أن القبول يكون معتبراً ما دام لم يتخلل بينه وبين الإيجاب ما يعد إعراضاً عن العقد من أحد الطرفين، وما دام المجلس قائماً (١). وتحقيق هذا المبدأ عند الحنفية (٢): أنه لو أوجب أحد الطرفين البيع، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد العقد؛ لأن القيام دليل الإعراض والرجوع عن العقد. والاحتكام إلى العرف في بيان ما يغير المجلس متفق عليه بين المذاهب (٣) حتى

стр. 2873

عند بعض الشافعية القائلين بفورية القبول؛ لأن الفورية شيء، والحكم بتغير المجلس شيء آخر، فإنهم قالوا: يعتبر العرف في تفرق العاقدين عن المجلس، فما يعده الناس تفرقاً يلزم به العقد، وما لا فلا؛ لأن ما ليس له حد في اللغة ولا في الشرع، يرجع فيه إلى العرف، فلو كان العاقدان في دار كبيرة يتغير المجلس بالخروج من البيت إلى صحن الدار، أو بالعكس، وإن كانا في دار صغيرة أو في سفينة أو مسجد صغير يتغير المجلس بخروج أحدهما منه، أوبصعود السطح، وإن كانا في سوق أوصحراء يتغير المجلس بأن يولي أحدهما ظهره ويمشي قليلاً كثلاث خطوات. ولو تناديا بالعقد من مكان بعيد، بقي المجلس ما لم يفارق أحدهما مكانه، فإن مشى كل منهما ولو إلى صاحبه، تغير المجلس. ولو تماشى الطرفان مسافة دام المجلس، وإن زادت المدة على ثلاثة أيام ما لم يعرضا عما يتعلق بالعقد. الشرط الثالث - ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل: لا بد لانعقاد العقد من استمرار الموجب على إيجابه الذي وجهه للقابل، فإن عدل عن إيجابه، لم يصح القبول. وهل يصح العدول عن الإيجاب في مجلس العقد؟ أجاب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) (١) بأنه للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر، ويبطل الإيجاب حينئذ؛ لأن الالتزام بالعقد لم ينشأ بعد، ولا ينشأ إلا بارتباط القبول بالإيجاب، ولأن الموجب حر التصرف بملكه وحقوقه، وبإيجابه أثبت للطرف الآخر حق التملك، وحق الملك أقوى من حق التملك، فيقدم عليه عند التعارض؛ لأن الأول ثابت

стр. 2874

لصاحبه أصالة والثاني لا يثبت إلا برضا الطرف الأول، والتراضي بين الجانبين أساسي لصحة العقود. والقانون المدني في المادة (٩٥) يتفق مع هذا الرأي، فإنه إذا لم يتعين ميعاد للقبول يجوز للموجب التحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فوراً. وقال أكثرية المالكية (١): ليس للموجب الرجوع عن إيجابه، وإنما يلتزم بالبقاء على إيجابه حتى يعرض الطرف الآخر عنه، أو ينتهي المجلس؛ لأن الموجب قد أثبت للطرف الآخر حق القبول والتملك، فله استعماله وله رفضه، فإذا قبل ثبت العقد، وإذا أعرض عن الإيجاب لم ينشأ العقد. وعليه لا يكون الرجوع مبطلاً للإيجاب. تعيين مدة للقبول: إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة للقبول، فيلتزم بها عند فقهاء المالكية؛ لأنهم قالوا كما تقدم: ليس للموجب الرجوع عن إيجابه قبل قبول الآخر، فيكون من باب أولى ملتزماً بالبقاء على إيجابه إذا عين ميعاداً للقبول كأن يقول: أنا على إيجابي مدة يومين مثلاً، فيلزمه هذا التقييد ولو انتهى المجلس. وهذا يتفق مع المبدأ العام في الشريعة وهو «المسلمون على شروطهم» (٢)، ومثل هذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد. والقانون المدني في المادة (٩٤) يقرر ذلك: «إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد. وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال، أو من طبيعة التعامل».

стр. 2875

العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس: اتحاد المجلس شرط في جميع العقود ما عدا ثلاثة: الوصية، والإيصاء، والوكالة. أما الوصية (وهي تصرف مضاف إلى مابعد الموت): فيستحيل فيها تحقق اتحاد المجلس؛ لأن القبول لا يصح من الموصى له في حال حياة الموصي، وإنما يكون بعد وفاته مصراً على الوصية. وأما الإيصاء (وهو جعل الغير وصياً على أولاده ليرعى شؤونهم بعد وفاته): فلا يلزم صدور القبول في حياة الموصي، وإنما يصح بعد وفاته، وعلى كل حال لا يصبح وصياً إلا بعد وفاة الموصي، وإن قبل في حياته. وأما الوكالة (وهي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل في أثناء الحياة) فمبنية على التوسعة واليسر والسماحة، فلا يشترط فيها اتحاد المجلس؛ لأن قبولها قد يكون باللفظ (القول)، أو بالفعل بأن يشرع الوكيل في فعل ما وكل فيه، ويصح فيها توكيل الغائب (أي غير الموجود في مجلس العقد)، فبمجرد علمه بالتوكيل له القيام بالعمل الموكل فيه (١). وكالوكالة عند الحنابلة: كل عقد جائز غير لازم يصح القبول فيه على التراخي، مثل الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة، والوديعة والجعالة. مبطلات الإيجاب: يبطل الإيجاب بالأمور التالية (٢):

стр. 2876

١ - رجوع الموجب عنه قبل القبول في المجلس، على رأي الجمهور. ٢ - رفض الإيجاب من الطرف الآخر، إما صراحة كأن يقول: لا أقبل، أو ضمناً كأن يعرض عنه إما بالقيام عن المجلس بعد القعود، أو بالاشتغال بعمل آخر كأكل، أو سماع حديث آخر، أو قراءة خبر صحفي ونحوه. ٣ - انتهاء مجلس العقد، بتفرق العاقدين عرفاً؛ لأن الإيجاب يظل قائماً في المجلس، فلما انتهى بطل مفعوله، لأن المجلس يجمع المتفرقات. ٤ - خروج الموجب عن أهليته قبل القبول بالموت أو بالجنون أو بالإغماء ونحوه وكذا فقد القابل أهليته بهذه الأسباب؛ لأن انعقاد العقد يتوقف على توافر الأهلية، فإذا فقدت لم ينعقد العقد، لاحتمال وجود الرجوع عن الإيجاب، أو لعدم فهم القبول، أو لعدم صدور قبول معتبر شرعاً. ٥ - هلاك محل العقد قبل القبول، أو تغيره بما يصيره شيئاً آخر، مثل قلع عين حيوان، أو انقلاب عصير العنب خمراً، ونحو ذلك. العنصر الثاني - العاقد: الإيجاب والقبول اللذان يكونان ركن العقد كما تقدم، لا يتصور وجودهما من غير عاقد، فالعاقد ركيزة التعاقد الأصلية. لكن ليس كل واحد صالحاً لإبرام العقود، فبعض الناس لا يصلح لأي عقد، وبعضهم يصلح لإنشاء بعض العقود، وآخرون صالحون لكل عقد. وهذا يعني أن العاقد لا بد له من أهلية للتعاقد بالأصالة عن نفسه، أو ولاية شرعية للتعاقد بالنيابة عن غيره.

стр. 2877

ويستلزم ذلك بحث الأهلية والولاية، لكن بقدر إجمالي، وأما تفصيل أحكام الأهلية والولاية فمتروك لكتب الفقه والأصول (١) المطولة، ولمادة الأحوال الشخصية ومدخل القانون، إذ إن نصوص الأهلية والولاية موزعة بين قانون الأحوال الشخصية والقانون المدني السوريين. والذي يهمنا من بحث الأهلية أن العاقد يشترط فيه عند الحنفية والمالكية (٢): أن يكون عاقلاً أي مميزاً أتم سن السابعة (٣)، فلا ينعقد تصرف غير المميز لصغر أو إغماء أو جنون، وتصح تصرفات الصبي المميز (٤) المالية على التفصيل الآتي (راجع المادة (٩٦٧ من المجلة): أـ التصرفات النافعة نفعاً محضاً: وهي التي يترتب عليها دخول شيء في ملكه من غير مقابل، كالاحتطاب، والإحتشاش والاصطياد، وقبول الهبة والصدقة والوصية والكفالة بالدين، تصح من الصبي المميز دون إذن ولا إجازة من الولي، لأنها لنفعه التام. ب - التصرفات الضارة ضرراً محضاً: وهي التي يترتب عليها خروج شيء من ملكه دون مقابل، كالطلاق والهبة والصدقة والإقراض وكفالته لغيره بالدين أو بالنفس لا تصح من الصبي العاقل ولا تنفذ، ولو أجازها وليه؛ لأن الولي لا يملك إجازة هذه التصرفات لما فيها من الضرر.

стр. 2878

ج - التصرفات المترددة بين الضرر والنفع: وهي التي تحتمل الربح والخسارة كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار والزواج والمزارعة والمساقاة والشركات ونحوها، تصح من الصبي المميز، ولكنها تكون موقوفة على إذن الولي أو إجازته مادام صغيراً أو على إجازته لنفسه بعد البلوغ؛ لأن للمميز جانباً من الإدراك غير قليل (١). فإن أجيزت نفذت، وإلا بطلت، والإجازة تجبر نقص الأهلية. والأشخاص بالنسبة للأهلية: إما عديم الأهلية وغير المميز فتعد تصرفاتهما باطلة، أو ناقص الأهلية كالصبي المميز فيصح بعض تصرفاته، ويبطل بعضها الآخر، ويتوقف بعضها على الإجازة على التفصيل السابق، أو كامل الأهلية وهو الراشد الذي تصح منه كل التصرفات وتنفذ ما لم يكن محجوراً عليه بسبب السفه أو الدين، أو كان ممنوعاً من التصرف بسبب مرض الموت أو الفقد أو الغياب. وكل ذلك يضطرنا إلى بحث الأهلية والولاية. وبه تعرف أحكام الأهلية إجمالاً علماً بأن القانون المدني استمد أحكامها من الفقه الإسلامي وذلك في المواد (٤٦ - ٥٠) وقد اعتبر القانون أحكام الأهلية من قواعد النظام العام التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافها، فكل اتفاق مخالف لأحكامها باطل، ولا يجوز للشخص التنازل عن أهليته ولا التعديل في أحكامها (المادة ٥٠). أولاً - الأهلية: الأهلية في اللغة: الصلاحية، وفي اصطلاح الفقهاء: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق المشروعة له ووجوبها عليه، وصحة التصرفات منه. وهي نوعان: أهلية وجوب، وأهلية أداء (٢).

стр. 2879

أـ أهلية الوجوب: هي صلاحية الشخص للإلزام والالتزام، أو هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له كاستحقاق قيمة المتلف من ماله، أو وجوبها عليه كالتزامه بثمن المبيع وعوض القرض، أي أن لهذه الأهلية عنصرين: عنصر إيجابي: وهو صلاحية كسب الحقوق بأن يكون دائناً، وهو عنصر الإلزام أو الدائنية. وعنصر سلبي: وهو صلاحية تحمل الواجبات أو الالتزامات بأن يكون مديناً، وهو عنصر الالتزام أو المديونية. ومناط هذه الأهلية: هو الحياة أو الصفة الإنسانية (١)، فكل إنسان حتى الجنين في بطن أمه له أهلية وجوب، والأهلية تبدأ في الفقه مع بدء الشخصية، فهي ملازمة للشخصية، وصفة من صفات الشخصية. والشخصية تبدأ في فقهنا منذ بدء تكون الجنين في الرحم وتنتهي بالموت. وفي القانون المدني تبدأ بتمام ولادة الإنسان حياً، وتنتهي بموته (م ٣١). والعنصر السلبي للأهلية (أي المديونية) يتطلب وجود شيء آخر في الشخصية وهو الذمة: وهي وصف شرعي مقدر كوعاء اعتباري في الشخص تثبت فيه الديون والالتزامات المترتبة عليه. وبناء عليه: يتوقف ثبوت الحق للشخص على وجود أهلية فيه. وأما ثبوت الديون عليه فيتوقف على وجود ظرف اعتباري مفترض في كل شخص هو الذمة. فيقال: لفلان في ذمة فلان مبلغ مالي كذا (٢).

стр. 2880

وأهلية الوجوب نوعان: ناقصة وكاملة. أهلية الوجوب الناقصة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له فقط أي تؤهله للإلزام ليكون دائناً لا مديناً. وتثبت للجنين في بطن أمه قبل الولادة. وسبب نقص أهليته أمران: فهو من جهة يعد جزءاً من أمه، ومن جهة أخرى يعد إنساناً مستقلاً عن أمه، متهيئاً للانفصال عنها بعد تمام تكوينه. لذا فإنه تثبت له بعض الحقوق الضرورية النافعة له: وهي التي لا تحتاج إلى قبول، وهي أربعة أنواع (١): ١ - النسب من أبويه. ٢ - الميراث من قريبه المورث، فيوقف له أكبر النصيبين على تقدير كونه ذكراً أو أنثى. ٣ - استحقاق الوصية الموصى له بها. ٤ - استحقاقه حصته من غلات الوقف الموقوفة عليه. لكن الحقوق المالية الثلاثة الأخيرة ليست للجنين فيهاملكية نافذة في الحال بل تتوقف على ولادته حياً. فإن ولد حياً ثبتت له ملكية مستندة إلى وقت وجود سببها أي بأثر رجعي. وإن ولد ميتاً رد نصيبه إلى أصحابه المستحقين له. فغلة الوقف تعطى لبقية المستحقين، والموصى به يرد إلى ورثة الموصي، وحصة الميراث المجمدة له توزع لبقية الورثة. وثبوت الحق للجنين في الوقف هو رأي الحنفية والمالكية، أما رأي الشافعية والحنابلة فلا يثبت له حق التملك إلا بالإرث والوصية، فلا يصح عندهم الوقف على الجنين، لأنه يشترط إمكان التملك في الحال وهو لا يتملك.

стр. 2881

أما الحقوق التي تحتاج إلى قبول كالشراء والهبة فلا تثبت له، ولو مارسها عنه وليه (الأب أو الجد) إذ ليس له ضرورة بها، ولأن الشراء له يلزمه بالثمن وهو ليس أهلاً للالتزام. وأما الواجبات أو الالتزامات لغيره فلا تلزمه، كنفقة أقاربه المحتاجين (١). والخلاصة: إن الجنين له ذمة ناقصة تؤهله لاكتساب بعض الحقوق فقط، وليست له ذمة كاملة صالحة لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات. أهلية الوجوب الكاملة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له، وتحمل الواجبات (أو الالتزامات). وتثبت للشخص منذ ولادته حياً، دون أن تفارقه في جميع أدوار حياته، فيصلح لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات. ولا يوجد إنسان فاقد لهذه الأهلية. وتحديد وجود الولادة: فيه رأيان للفقهاء، قال الحنفية (٢): تثبت أهلية الوجوب بمجرد ظهور أكثر الجنين حياً. وقال غير الحنفية (٣): لا تثبت هذه الأهلية إلا بتمام ولادة الجنين حياً. وبهذا الرأي أخذ القانون المدني السوري (م ١٣) وقانون الأحوال الشخصية السوري (م ٢٣٦/ ١،٢٦٠/ ٢). وأما الحقوق الثابتة للطفل بعد الولادة: فهي التي تحصل له نتيجة التصرف الذي يمكن للولي أو الوصي أن يمارسه بالنيابة عنه، كتملك ما يشترى له أو يوهب له. وأما الالتزامات الواجبة على الطفل فهي كل ما يستطاع أداؤه عنه من ماله، سواء من حقوق العباد أو من حقوق الله، وهي:

стр. 2882

(١) الأعواض المالية في الأفعال المدنية كثمن المشتريات وأجرة الدار، أو في الأفعال الجنائية كتعويض المتلفات التي يتلفها من أموال الآخرين. (٢) والضرائب المالية للدولة كعشر الزرع وخراج الأرض (ضريبة الأراضي الزراعية) وضريبة ورسوم الجمارك والمباني وضريبة الدخل ونحوها. (٣) والصلات الاجتماعية المنوطة بالغنى كنفقة الأقارب والمعسرين وزكاة الفطر في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (١). وزكاة المال في رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية (٢)، رعاية لمصلحة الفقراء والمحتاجين والمجتمع بصفة عامة، وهو رأي أقوم وأفضل وأحق بالعمل، لاسيما في ظروفنا الحاضرة. وأما الحنفية فلم يوجبوا الزكاة في مال الصبي لأنهم اعتبروها عبادة مالية، والطفل لا يكلف بالتكاليف الدينية إلا بعد البلوغ. ويلاحظ أن أهلية الوجوب، ولو كانت كاملة ليس لها أثر في إنشاء العقود، فكل تصرف من الطفل غير المميز، حتى ولو كان نافعاً نفعاً محضاً له كقبول الهبة أو الوصية، يعد باطلاً، لأن عبارته ملغاة. كذلك لا يجب على الطفل غير المميز شيء من العبادات الدينية كالصلاة والصوم والحج. وأما الذمة المالية فتثبت للطفل كاملة بمجرد الولادة وتلازمه طوال الحياة. ٢ - أهلية الأداء: هي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه (أو لممارستها ومباشرتها) على وجه يعتد به شرعاً، وهي ترادف المسؤولية، وتشمل

стр. 2883

حقوق الله من صلاة وصوم وحج وسواها، والتصرفات القولية أو الفعلية الصادرة عن الشخص. فالصلاة ونحوها التي يؤديها الإنسان تسقط عنه الواجب، والجناية على مال الغير توجب المسؤولية. وأساس ثبوتها أو مناط هذه الأهلية هو التمييز أو العقل والإدراك، فمن ثبتت له أهلية الأداء صحت عباداته الدينية كالصلاة والصوم، وتصرفاته المدنية كالعقود (١). ولا وجود لهذه الأهلية للجنين أصلاً، ولا للطفل قبل بلوغ سن التمييز وهو تمام سن السابعة. فقبل التمييز تكون هذه الأهلية منعدمة، والمجنون مثل غير المميز لا تترتب على تصرفاتهما آثار شرعية، وتكون عقودهما باطلة، إلا أنهما يؤاخذان مالياً بالجناية أو الاعتداء على نفس الغير أو على ماله. ويقوم الولي (الأب أو الجد) أو الوصي بمباشرة العقود والتصرفات التي يحتاجها الطفل غير المميز أو المجنون. وأهلية الأداء نوعان: ناقصة وكاملة. أهلية الأداء الناقصة: هي صلاحية الشخص لصدور بعض التصرفات منه دون البعض الآخر، وهي التي يتوقف نفاذها على رأي غيره، وهذه الأهلية تثبت للشخص في دور التمييز بعد تمام سن السابعة إلى البلوغ. ويعد في حكم المميز: الشخص المعتوه الذي لم يصل به العته إلى درجة اختلال العقل وفقده، وإنما يكون ضعيف الإدراك والتمييز. ويفرق بالنسبة للمميز والمعتوه بين حقوق الله وحقوق العباد:

стр. 2884

أما حقوق الله تعالى: فتصح من الصبي المميز كالإيمان والكفر (١) والصلاة والصيام والحج، ولكن لا يكون ملزماً بأداء العبادات إلا على جهة التأديب والتهذيب، ولا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها. وأما حقوق العباد فعند الشافعي وأحمد: تعد عقود الصبي وتصرفاته باطلة. وأما عند الحنفية: فإن تصرفاته المالية أقسام ثلاثة: نافعة نفعاً محضاً وضارة ضرراً محضاً، ودائرة بين النفع والضرر، على النحو السابق الذي تقدم. وأهلية الأداء الكاملة: هي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات على وجه يعتد به شرعاً دون توقف على رأي غيره. وتثبت لمن بلغ الحلم عاقلاً أي للبالغ الرشيد، فله بموجبها ممارسة كل العقود، من غير توقف على إجازة أحد. والبلوغ يحصل إما بظهور علامة من علاماته الطبيعية كاحتلام الولد (أي الإنزال) ومجيء العادة الشهرية (الحيض) عند الأنثى، أو بتمام الخامسة عشرة عند جمهور الفقهاء غير أبي حنيفة لكل من الفتى والفتاة، وعليه الفتوى والعمل، جاء في المادة (٩٨٥ مجلة): «يثبت حد البلوغ بالاحتلام والإحبال والحيض والحبل» ونصت المادة (٩٨٦ مجلة): «على أن منتهى البلوغ خمس عشرة سنة». وقدر أبو حنيفة سن البلوغ بثماني عشرة سنة للفتى وسبع عشرة سنة للفتاة.

стр. 2885

وقدره الإمام مالك لهما بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل بتمام السابعة عشرة سنة والدخول في الثامنة عشرة (١). والسبب في ارتباط هذه الأهلية بالبلوغ: هو أن الأصل فيها أن تتحقق بتوافر العقل، ولما كان العقل من الأمور الخفية ارتبط بالبلوغ، لأنه مظنة العقل، والأحكام ترتبط بعلل ظاهرة منضبطة، فيصبح الشخص عاقلاً بمجرد البلوغ، وتثبت له حينئذ أهلية أداءٍ كاملة ما لم يعترضه عارض من عوارض الأهلية. وعندها يصبح الإنسان أهلاً للتكاليف الشرعية، ويجب عليه أداؤها، ويأثم بتركها، وتصح منه جميع العقود والتصرفات، وتترتب عليه مختلف آثارها ويؤاخذ شرعاً على جميع الأعمال أو الأفعال الجنائية الصادرة عنه. أدوار الأهلية: يفهم مما سبق أن أهلية الإنسان من مبدأ حياته في بطن أمه إلى اكتمال رجولته تمر في مراحل خمس أو أدوار خمسة هي: دور الجنين، ودور الطفولة (عدم التمييز)، ودور التمييز، ودور البلوغ، ودور الرشد (٢). الدور الأول - دور الجنين: يبدأ من بدء الحمل وينتهى بالولادة، وفيه تثبت للجنين أهلية وجوب ناقصة تمكنه من ثبوت أربعة حقوق ضرورية له ذكرت سابقاً، وليست له أهلية أداء ولا ذمة مالية.

стр. 2886

الدور الثاني - دور الطفولة: ويبدأ من وقت الولادة ويستمر إلى وقت التمييز وهو بلوغ السابعة من العمر. وفيه تثبت للطفل غير المميز أهلية وجوب كاملة، فيستحق الحقوق ويلتزم بالواجبات التي تكون نتيجة ممارسة وليه بعض التصرفات نيابة عنه، فإذا اشتري له أو وهب له ملك، وجب عليه العوض في المعاوضات المالية، وتكون له ذمة كاملة. وليست له أهلية أداء، فتكون أقواله كلها هدراً، وعقوده باطلة، حتى ولو كانت نافعة نفعاً محضاً له كقبول الهبة أو الوصية، وينوب عنه فيها وليه الشرعي أو وصيه. جاء في المادة (٩٦٦ مجلة): «لا يصح تصرفات الصغير غير المميز وإن أذن له وليه». كذلك تكون أفعاله هدراً سواء أكانت دينية كالصلاة والصيام فلا تصح منه، أو مدنية كقبض المبيع أو الوديعة أو القرض، فلا تصح. وأما جناياته كالقتل والضرب والقطع فلا تستوجب العقوبة البدنية، كالقصاص والحبس، ولا يحرم من الميراث بقتل مورثه لسقوط المؤاخذة عنه، وإنما يلزم في ماله بدفع التعويض أو ضمان ما أتلفه من الأنفس والأموال حفاظاً عليها. الدور الثالث - دور التمييز: يبدأ بعد سن السابعة ويستمر إلى البلوغ عاقلاً. ومعنى التمييز: أن يصبح الولد بحالة يميز فيها بين الخير والشر، والنفع والضرر، ويعرف معاني الألفاظ إجمالاً، فيدرك أن البيع مثلاً سالب للمال وأن الشراء جالب للملك. وفيه تثبت للمميز أهلية أداء ناقصة: دينية، ومدنية، فتصح منه العبادات البدنية كالصلاة والصيام، ويثاب عليها، وإن لم تكن مفروضة عليه. كما تصح

стр. 2887

منه مباشرة التصرفات المالية، مثل قبول الهبة أو الصدقة مطلقاً، والبيع والشراء موقوفاً على إجازة وليه. ولا يصح منه التصرف الضار بمصلحته كالتبرع بشيء من أمواله، على ما سبق بيانه. الدور الرابع - دور البلوغ: يبدأ من البلوغ إلى وقت الرشد. وقد اتفق الفقهاء عملاً بالآيات القرآنية (١) والأحاديث النبوية (٢) على أن البالغ يصبح مكلفاً بجميع التكاليف الشرعية. وتكتمل لديه أهلية الأداء الدينية، فيطالب بالإيمان بعناصره الستة (بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) وبالإسلام بأركانه الخمسة (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد اً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً). وبتطبيق أحكام الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، واحترام الأموال والأنفس والأعراض، واجتناب المحظورات الشرعية والمعاصي والمنكرات التي تضر بمصلحة الفرد والجماعة. وأما أهلية الأداء المدنية: فتكتمل عند الفقهاء، خلافاً للقانون، بسن البلوغ إذا بلغ الولد راشداً، فتنفذ تصرفاته المالية وتسلم إليه أمواله. فإن لم يؤنس منه الرشد، فلا تنفذ تصرفاته، ولا تسلم إليه أمواله؛ لأن الشرع جعل البلوغ أمارة على كمال العقل، فإن ثبت العكس عمل به. وسن الرشد في القانون السوري ٨١ سنة، و ١٢ سنة في القانون المصري. الدور الخامس - دور الرشد: الرشد أكمل مراحل الأهلية، ومعناه عند

стр. 2888

الفقهاء (١): حسن التصرف في المال من الوجهة الدنيوية، ولو كان فاسقاً من الوجهة الدينية (م ٩٤٧ مجلة) ويتوافر بتحقق الخبرة المالية بتدبير الأموال وحسن استثمارها. وهو أمر يختلف باختلاف الأشخاص والبيئة والثقافة. فقد يرافق البلوغ، وقد يتأخر عنه قليلاً أو كثيراً، وقد يتقدمه، لكن لا اعتبار له قبل البلوغ، ومرجعه إلى الاختبار والتجربة عملاً بالآية القرآنية: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً، فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤]. وبناء عليه: إذا بلغ الشخص رشيداً كملت أهليته، وارتفعت الولاية عنه، وسلمت إليه أمواله، ونفذت تصرفاته وإقراراته. وإن بلغ غير رشيد بقي ناقص أهلية الأداء، واستمرت الولاية المالية عليه عند جمهور الفقهاء، فلا تنفذ تصرفاته، ولا تسلم إليه أمواله. أما الولاية على النفس كالتأديب والتطبيب والتعليم والتزويج فترتفع عنه بمجرد بلوغه عاقلاً، أي أن اشتراط الرشد محصور في التصرفات المالية، وأما غير ذلك كالزواج والطلاق فإنها نافذة منه بمجرد البلوغ عاقلاً. وخالف أبو حنيفة في هذا فقال: إذا بلغ الشخص عاقلاً غير رشيد كملت أهليته، وارتفعت الولايةعنه، احتراماً لآدميته وحفاظاً على كرامته، ولكن لا تسلم إليه أمواله على سبيل الاحتياط والتأديب. لا على سبيل الحجر عليه، لأنه لا

стр. 2889

يرى الحجر على السفيه (أي المبذر)، وأما منع أمواله عنه فينتهي: إما بالرشد فعلاً، أو ببلوغه خمساً وعشرين سنة (١). وليس للرشد سن معينة عند جمهور الفقهاء، وإنما متروك لاستعداد الشخص وتربيته وبيئته، وليس في النصوص الشرعية تحديد له. أما قانون الأحوال الشخصية السوري (م ١٦) والقانون المدني السوري (م ٤٦) فقد حدد سن الرشد فيها بـ (١٨) سنة ميلادية كاملة، وفي القانون المصري (٢١) سنة. فما قبل هذه السن لا تسلم للشخص أمواله، ولا تنفذ تصرفاته، فإذا بلغ الإنسان هذه السن سلمت إليه أمواله إذا لم يكن محجوراً عليه. ورفع سن الرشد إلى هذا الحد يتفق مع ظروف الحياة الحديثة، التي تعقَّدت فيها المعاملات، وتدهورت فيها الأخلاق، وشاع الخداع والاحتيال، ولا مانع في الشريعة من ذلك عملاً بما تقتضيه المصلحة في حماية الناشئة وصيانة أموالهم. عوارض الأهلية أهلية الأداء: هي أساس التعامل والتعاقد كما عرفنا، إلا أن هذه الأهلية قد يعترضها بعض العوارض فتؤثر فيها، والعوارض: هي ما يطرأ على الإنسان فيزيل أهليته أو ينقصها أو يغير بعض أحكامها. وهي نوعان عند علماء أصول الفقه: ١ - عوارض سماوية: وهي التي لم يكن للشخص في إيجادها اختيار واكتساب. ٢ - وعوارض مكتسبة: وهي التي يكون للشخص دخل واختبار في تحصيلها.

стр. 2890

وسأقتصر هنا على إعطاء فكرة موجزة عن هذه العوارض، ما عدا مرض الموت والدين فإنهما يتطلبان مزيداً من البحث والإيضاح. ١ - الجنون: اختلال في العقل ينشأ عنه اضطراب أو هيجان (١). وحكمه أنه سواء أكان مُطْبقاً (مستمراً) أم غير مطبق (متقطع) معدم للأهلية حال وجوده، فتكون تصرفات المجنون القولية والفعلية كغير المميز لاغية باطلة لا أثر لها. ولكنه يطالب بضمان أفعاله الجنائية على النفس أو المال (٢). جاء في المادة (٩٧٩ مجلة): (المجنون المطبق هو في حكم الصغير غير المميز). ٢ - العته: ضعف في العقل ينشأ عنه ضعف في الوعي والإدراك، يصير به المعتوه مختلط الكلام، فيشبه مرة كلام العقلاء، ومرة كلام المجانين. ويتميز المعتوه عن المجنون بالهدوء في أوضاعه فلا يضرب ولا يشتم كالمجنون. فالمعتوه إذن: هو من كان عليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير. وحكمه حكم الصبي المميز كما سبق، أي أن لصاحبه أهلية أداء ناقصة (٣). ٣ - الإغماء: تعطل القوى المدركة المحركة حركة إرادية بسبب مرض

стр. 2891

يعرض للدماغ أو القلب. وهو يشبه النوم في تعطيل العقل، إلا أن النوم عارض طبيعي، والإغماء غير طبيعي، فيكون حكمهما واحداً في التصرفات، وهو إلغاؤها وبطلانها لانعدام القصد عند المغمى عليه (١). ٤ - النوم: فتور طبيعي يعتري الإنسان في فترات منتظمة أو غير منتظمة لا يزيل العقل، بل يمنعه عن العمل، ولا يزيل الحواس الظاهرة، بل يمنعها أيضاً عن العمل. وعبارات النائم كالمغمى عليه لا اعتبار لها إطلاقاً (٢). ٥ - السُّكْر: حالة تعرض للإنسان بامتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه، فيتعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة. وهو نوعان: سكر بطريق مباح كالحاصل من الدواء أو البنج، أو حالة الاضطرار أو الإكراه. وسكر بطريق حرام كالحاصل من الخمر أو أي مسكر آخر حتى البيرة. والسكر بنوعيه لا يذهب العقل، بل يعطله فترة من الزمن، ويزيل الإرادة والقصد. وحكمه على المشهور عند المالكية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (٣): أنه يبطل العبارة ولا يترتب عليها التزام، فتبطل عقوده وتصرفاته لعدم سلامة القصد أو الإرادة، سواء أكان بطريق مباح أو محظور، فلا يصح يمينه وطلاقه وإقراره ولا بيعه وهبته ولا سائر أقواله (٤). إلا أن المالكية قالوا في الطلاق: لو سكر سكراً حراماً صح طلاقه، إلا أن لا يميز فلا طلاق عليه لأنه صار كالمجنون.

стр. 2892

وقال جمهور الفقهاء (غير المذكورين) (١): يفرق بين السكر بمباح فليس لعبارته أي اعتبار، وبين السكر بمحرم، فتقبل عبارته زجراً له وعقاباً على تسببه في تعطيل عقله، فتعد تصرفاته من قول أو فعل صحيحة نافذة، عقاباً وزجراً له ولأمثاله، سواء في ذلك الزواج والطلاق والبيع والشراء والإجارة، والرهن والكفالة ونحوها. ٦ - السفه: خفة تعتري الإنسان، فتحمله على العمل بخلاف موجب العقل والشرع مع قيام العقل حقيقة، والمراد به هنا ما يقابل الرشد: وهو تبذير المال وإنفاقه في غير حكمة، ولو في أمور الخير عند الحنفية (٢) (م ٩٤٦ مجلة) كبناء المساجد والمدارس والملاجئ. والسفه لا يؤثر في الأهلية، فيظل السفيه كامل الأهلية، لكنه يمنع من بعض التصرفات. الحجر على السفيه (٣): قد يبلغ الشخص سفيهاً، وقد يطرأ عليه السفه بعد بلوغه راشداً. أـ من بلغ سفيهاً: اتفق الفقهاء على أنّ الصبي إذا بلغ سفيهاً يمنع عنه ماله، ويظل تحت ولاية وليه، لقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها﴾ [النساء:٥/ ٤]. ويستمر هذا المنع أبداً عند جمهور الفقهاء والصاحبين، حتى يتحقق رشده لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤].

стр. 2893

جاء في المادة (٩٨٢ مجلة): «إذا بلغ الصبي غير الرشيد لم تدفع إلىه أمواله، ما لم يتحقق رشده، ويمنع من التصرف كما في السابق». وقال أبو حنيفة: تنتهي فترة منع ماله عنه ببلوغه خمساً وعشرين سنة؛ لأن هذه السن غالباً يتحقق فيها الرشد، فإن لم يرشد لا ينتظر منه رشد بعدئذ. وأما تصرفاته في فترة منع ماله عنه فلا ينفذ منها إلا ما كان نافعاً نفعاً محضاً له أو الوصية في حدود الثلث، أو كانت لا تقبل الفسخ: وهي الزواج والطلاق والرجعة واليمين. ويمنع من باقي التصرفات. ب - من بلغ رشيداً ثم صار سفيهاً: لا يجيز أبو حنيفة الحجر عليه، لأنه حر في تصرفاته، والحجر ينافي الحرية، وفيه إهدار لإنسانيته وكرامته. وقال جمهور الفقهاء، والصاحبان (أبو يوسف ومحمد) وبرأيهما يفتى في المذهب الحنفي: يجوز الحجر على السفيه، رعاية لمصلحته، ومحافظة على ماله، حتى لا يكون عالة على غيره. ويكون حكمه حينئذ حكم الصبي المميز في التصرفات (١)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء:٥/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً، أو لا يستطيع أن يمل هو، فليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] مما يدل على ثبوت الولاية على السفيه (٢). إلا أن الحجر على السفيه في هذه الحالة يكون بحكم قضائي، بالتثبت من السفه أو التبذير، ومنعاً من إلحاق الضرر بمن يتعامل مع السفيه من غير بينة وتحقق من حاله. وهذا رأي أبي يوسف والشافعي وأحمد ومالك رحمهم الله تعالى.

стр. 2894

والحجر في هذه الحالة محصور في التصرفات التي تحتمل الفسخ، ويبطلها الهزل كالبيع والإجارة والرهن. أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل كالزواج والطلاق والرجعة والخلع، فلا يحجر عليه بالإجماع. الغفلة والسفه: الغفلة ملحقة بالسفه من ناحيةجواز الحجر عند جمهور الفقهاء وعدمه عند أبي حنيفة (١). وذو الغفلة: هو من لا يهتدي إلى أسباب الربح والخسارة، كما يهتدي غيره، وإنما يخدع بسهولة بسبب البساطة وسلامة القلب، مما يؤدي إلى غبنه في المعاملات. وحكم المغفل والسفيه سواء. أما الفرق بينهما فهو أن السفيه كامل الإدراك، ويرجع سوء تصرفه إلى سوء اختياره. وأما ذو الغفلة: فهو ضعيف الإدراك، ويرجع سوء تصرفه إلى ضعف عقله وإدراكه للخير والشر. ٧ - الدين أو المديونية: الخلاف الذي ذكرفي السفه والغفلة من ناحية الحجر وعدمه يجري في الدين. فأبو حنيفة لا يجيز الحجر على المدين، وإن استغرق دينه ماله، لأنه كامل الأهلية بالعقل، فلا حجر عليه، حفاظاً على حريته في التصرف وإنسانيته. وإنما يؤمر بسداد ديونه، فإن أبى يحبس ليبيع ماله بنفسه ويؤدي ما عليه من الديون. وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) والأئمة الثلاثة: (مالك والشافعي وأحمد) (٢): يحجر القاضي على المدين الذي ترتبت عليه ديون حالّة الأجل،

стр. 2895

هذا مع العلم بأن أصل المذهب الحنفي عدم جواز الحجر بسبب الدين. لكن المفتى به عند الحنفية هو قول الصاحبين وهو جواز الحجر. وكانت ديونه مستغرقة لماله (أي محيطة بها) وطلب الدائنون الغرماء الحجر عليه (١) وهذا هو المفلس، والمفلس لغة: من لا مال له، وشرعاً، من دينه أكثر من ماله. وأجاز المالكية الحجر على المدين المفلس دون حاجة لحكم قضائي، أي على الغريم نفسه، ولو كان الدين المحيط بالمال مؤجلاً. وبالحجر على المدين تنتقص أهليته، ويصبح كالصغير المميز، ومتى وقع الحجر عليه صارت تصرفاته المالية التي تضر بدائنيه موقوفة على إجازتهم، سواء أكانت تلك التصرفات تبرعات محضة كالهبة أو الوقف، أم معاوضات مشتملة على المحاباة في الثمن، كالبيع بأقل من القيمة، أو الشراء بأكثر من القيمة، فإن أجازوا التصرف نفذ، وإن رفضوه بطل. وهذا يعني عند الحنفية: أنه إذا صح الحجر على المدين، صار المحجور كمريض عليه ديون الصحة، فكل تصرف أدى إلى إبطال حق الدائنين الغرماء، فالحجر (أي المنع من التصرف) يؤثر فيه كالهبة والصدقة. وأما البيع: فإن كان بمثل القيمة جاز، وإن كان بغبن فلا يجوز، ويتخير المشتري بين إزالة الغبن، وبين الفسخ، كبيع المريض. ويجوز له الزواج بمهر المثل والطلاق والخلع ونحو ذلك، كما يجوز له قبول الهبات والتبرعات. ٨ - مرض الموت: البحث فيه يتناول تعريفه وما يلحق به، والحقوق المتعلقة به، وحقوق المريض

стр. 2896

نفسه، وحقوق الدائنين والموصى لهم والورثة، وتصرفات المريض نفسه، وإقراره (١). أـ تعريفه: هو المرض الذي يعجز الرجل أو المرأة عن ممارسة أعمالها المعتادة ويتصل به الموت قبل مضي سنة من بدئه، إذا لم يكن في حالة تزايد أو تغير، فإن كان يتزايد اعتبر مرض موت من تاريخ اشتداده أو تغيره، ولو دام أكثر من سنة (م ١٥٩٥ مجلة). ويقال لصاحبه: المريض؛ ويقابله: الصحيح. وهذا هو مراد فقهاء الحنفية عند إطلاق كلمة (المريض) أي من هو في مرض الموت. أو كلمة (الصحيح) أي من ليس في حال مرض الموت، ولو كان مريضاً بمرض آخر. ولا بد لتوافر معنى مرض الموت من أمرين: أن يكون مما يغلب فيه الهلاك عادة وأن يتصل به الموت فعلاً، ولو من حادث آخر كالقتل والحرق والغرق وغيرها. وبناء عليه ألحق الفقهاء به حالات مثل (٢): ركاب سفينة جاءتها ريح عاصف، وظنوا أن الموت نازل بهم. الأسرى لدى دولة اعتادت قتلهم. المجاهد الذي خرج للقاء العدو بائعاً نفسه في سبيل الله والوطن. ب - حكمه والحقوق المتعلقة به: مرض الموت لا ينافي أهلية وجوب

стр. 2897

الأحكام الشرعية في حقه، سواء حقوق الله وحقوق العباد وأهلية العبادة، لأنه لاتأثير له على الذمة والعقل والنطق. ولا ينافي أيضاً أهلية الأداء؛ لأنه لا يخل بالعقل، فتجب للمصاب به حقوق غيره، كما تجب على الصحيح. وتظل عباراته وأقواله معتبرة كالبيع والهبة والإجارة والزواج والطلاق وسائر التصرفات. إلا أنه يحجر عليه ويمنع من بعض التصرفات كالمديون حماية لحقوق الدائنين التي تصبح متعلقة بماله بعد أن كانت متعلقة بذمته فقط، وحماية لحقوق الورثة أيضاً التي تصبح متعلقة بأعيان وموجودات التركة نفسها في رأي أبي حنيفة خلافاً لصاحبيه. ج - حقوق المريض الخاصة: تصرفات المريض الضرورية الخاصة بشخصه وأسرته نافذة، لا تتوقف على إجازة أحد، وهي ما يلي: أولاً - النفقات الضرورية اللازمة للطعام والكسوة والسكنى له ولمن تلزمه نفقته، أو اللازمة للعلاج كأجر الطبيب وثمن الدواء وأجور عملية جراحية ونحوها. ثانياً - الزواج: للمريض إبرام عقد زواج، لأنه قد يحتاج إلى من يخدمه أو يؤنسه، بشرط ألا يزيد المهر الذي يحدده على مهر المثل، فإن زاد عليه كانت الزيادة تبرعاً وصية موقوفة على إجازة الورثة إن زادت على ثلث التركة، فإن كانت في حدود هذا الثلث نفذت بدون إجازتهم. ثالثاً: الطلاق: الطلاق نافذ أثناء مرض الموت باتفاق الفقهاء، لكنه إذا كان بائناً بغير رضا المرأة ومات الرجل في أثناء العدة، استحقت الميراث منه، لأنه

стр. 2898

بطلاقها يعتبر فارّ اً (هارباً) من ميراثها، فيعامل بنقيض مقصوده. وهذا رأي الحنفية، وعليه العمل في المحاكم الحالية (١). والخلع جائز أيضاً كالطلاق لكن الرجل لا يستحق من بدل الخلع الذي تدفعه المرأة له إذا ماتت في العدة إلا الأقل من ثلاثة (بدل الخلع، وثلث تركة الزوجة، ونصيب الزوج من ميراثه منها). وإن ماتت بعد العدة استحق الأقل من اثنين (بدل الخلع، وثلث التركة). رابعاً - العقود الواردة على المنافع، سواء أكانت بعوض أم بغير عوض كالإجارة والإعارة والمزارعة والمساقاة ونحوها. للمريض مباشرة هذه العقود ولو كان العقد بأقل من عوض المثل، دون أن يحق لأحد من الورثة أو الدائنين الاعتراض عليه؛ لأن المنافع ليست أموالاً في مذهب الحنفية، فلا يتعلق بها حق لأحد الورثة أو الدائنين، ولأن التصرف في المنافع ينتهي بمجرد موت أحد العاقدين، فلا يكون هناك حاجة لاعتراض الدائنين أو الورثة. وأما غير الحنفية الذين يعدون المنافع أموالاً، فإن التصرف فيها خاضع لإجازة أصحاب الحق. خامساً - العقود المتعقلة بالربح ولا تمس رأس المال كالشركة والمضاربة تصحان من المريض، ولو بغبن؛ لأن الربح كالمنافع لا حق لأحد فيه، ولأن الشركة تبطل بموت المريض، فلا ضرر فيها على أحد؛ لأن حقوق الورثة أو الدائنين تتعلق بأعيان التركة أو بماليتها. والخلاصة: إن كل تصرف يضطر إليه المريض، أو لا يمس حقوق الدائنين أو الورثة هو نافذ لا يتوقف على إجازة أحد.

стр. 2899

د - حقوق الدائنين: تأتي بعد حقوق المريض الخاصة. فإذا كان المريض مديناً منع من التصرف الضار بمصلحة الدائنين. وعليه إذا كان المريض مديناً بدين مستغرق (محيط بكل ماله) منع من التبرعات أو ما في حكمها، كالهبة والوقف والوصية بشيء من أمواله، والبيع أو الشراء بالمحاباة. ويكون تصرفه موقوفاً على إجازة الدائنين بعد وفاة المريض. وإن كان المريض مديناً بدين غير مستغرق، اعتبر تصرفه مع غير الوارث نافذاً إذا لم يشتمل على غبن فاحش. أما إذا حدث التصرف مع وارث، فله حكم الوصية: ينفذ من الثلث بعد وفاء الديون. ويتوقف على إجازة الورثة فيما يزيد عن الثلث. هـ - حقوق الموصى له: للمريض أن يوصي بقدر ثلث التركة، فإذا مات مديناً بدين مستغرق للتركة بطلت الوصية، إلا إذا أجازها الدائنون. وإذا لم يكن مديناً أو مديناً بدين غير مستغرق نفذت الوصية لأجنبي في حدود ثلث التركة. وإن كانت الوصية لوارث صارت موقوفة على إجازة الورثة، مهما كان الموصى به، لقوله ﵊: «لا وصية لوارث». وـ حقوق الورثة: تتعلق حقوق الورثة بثلث تركة المريض بعد وفاء الديون وتنفيذ الوصايا. فإن لم يكن هناك ديون ولا وصايا استحقوا التركة كلها. وتأتي حقوقهم بعد حقوق الدائنين والموصى لهم. وبناء عليه: كل تصرف من المريض لايضر بحقوق الورثة يكون صحيحاً نافذاً لا اعتراض لأحد عليه. وإن كان التصرف ضاراً بحقوقهم، كان لهم مع نفاذه حال الحياة حق إبطاله بعد الموت إن كان مما يقبل الفسخ كالتبرعات.

стр. 2900

لكن ما نوع حق الورثة بالتركة: هل هو حق شخصي أو حق عيني (١)؟ قال أبو حنيفة: يتعلق حق الورثة بمالية التركة إن تصرف المريض لأجنبي غير وارث، ويتعلق حقهم بأعيان التركة وذاتها نفسها إن تصرف المريض لوارث، أي أن حقهم في الحالة الثانية حق عيني، وفي الأولى حق شخصي. ويترتب عليه: يصح تصرف المريض لغير الوارث ببعض أموال التركة بمثل القيمة، دون اعتراض من أحد الورثة. ولا يصح تصرف المريض لوارث ببعض أموال التركة ولو بقيمته بلا أي غبن. ويحق لباقي الورثة نقض هذا التصرف لما فيه من ضرر بمصلحتهم؛ لأن حقهم تعلق بأعيان التركة، وإيثار بعض الورثة على بعض لا يجوز. أما في حال تصرف المريض مع غير الورثة فإن حقهم تعلق بقيمة التركة أو ماليتها. وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد): يتعلق حق الورثة كحق الدائنين العاديين بمالية التركة، أي بقيمتها، لا بأعيانها، سواء أكان تصرف المريض مع وارث أم غير وارث. فيصح تصرف المريض بمال مطلقاً (لوارث أو لغير وارث) إذا كان بثمن المثل أي بدون غبن، إذ ليس فيه ضرر بباقي الورثة؛ لأن حقوقهم في التركة متعلقة بناحية أنها مال فقط. والخلاصة: أن هناك - على الرأي الراجح وهو رأي أبي حنيفة - فرقاً بين حق الدائنين وحق الورثة: وهو أن حق الدائنين يتعلق بمال المدين فقط، لا بأعيان التركة نفسها. حتى جاز للمريض مبادلة مال بيعاً أو شراءً دون حاجة لإذن الدائن، ويجوز للورثة إعطاء الدائن دينه نقداً، ثم يتصرفون بأعيان التركة كما يشاؤون.

стр. 2901

ز - تصرفات المريض: إذا كان التصرف الصادر من المريض لا يقبل الفسخ أو الإبطال كالزواج والطلاق والرجعة والعفو عن القصاص، نفذ بعد الموت في حدود ثلث التركة. وإن كان التصرف قابلاً للفسخ، كان موقوفاً على إجازة أصحاب الحق بعد الوفاة إذا كان ضاراً بمصلحتهم كالتبرع والهبة والوقف وبيع المحاباة، وكالبيع المشتمل على غبن. فإن كان التصرف لا غبن فيه، ومع أجنبي غير وارث، نفذ ولم يتوقف على إجازة أحد. ح - إقرار المريض: للمريض أن يقر بدين عليه لأجنبي أو لوارث. فإن كان لأجنبي غير وارث فهو صحيح نافذ دون حاجة لإجازة الورثة، ولو أحاط الإقرار بجميع ماله (م ١٦٠١ مجلة)، لكن تقدم عليه عند الحنفية ديون الصحة (١). وإن كان الإقرار لوارث فلا ينفذ إلا بإجازة باقي الورثة، فإن أجازوه نفذ، وإلا بطل. لكن يصح الإقرار لوارث استثناء كما في حال الإقرار بقبض أمانته الموجودة عند وارث، أو باستهلاك الأمانة أو الوديعة الموجودة عنده لوارث (م ١٥٩٨ مجلة). ثانياً - الولاية: معناها والفرق بينها وبين الأهلية، صلتها بالعقد، أنواعها، الأولياء ودرجاتهم، محتاجو الولاية، مبدأ الولاية، شروط الولاية، تصرفات الولي (مدى صلاحياته). تعريف الولاية: الولاية في اللغة: هي تولي الأمر والقيام به أو عليه. وفي اصطلاح الشرع: هي سلطة شرعية يتمكن بها صاحبها من إنشاء العقود

стр. 2902

والتصرفات وتنفيذها، أي ترتيب الآثار الشرعية عليها. والولاية على القاصر: هي إشراف الراشد على شؤون القاصر الشخصية والمالية. صلتها بالعقد والفرق بينها وبين الأهلية: يتطلب العقد لوجوده ونفاذه وترتيب آثاره الشرعية أن يكون العاقد ذا أهلية أداء، وذا ولاية على العقد بأن يكون أصيلاً عن نفسه أو ولياً أو وصياً على غيره. فإن لم يكن أصيلاً أو ولياً أو وصياً كان فضولياً. وأهلية الأداء شرط انعقاد العقد ووجوده، فإن لم تتوافر كان العقد باطلاً. أما الولاية فهي شرط لنفاذ العقد (١) وترتب الآثار الشرعية عليه. وهي لا تثبت إلا لكامل أهلية الأداء. أما ناقص أهلية الأداء فلا ولاية له على نفسه ولا على غيره. وأهلية الأداء: صلاحية الشخص لمباشرة العقود. والولاية: صلاحية الشخص لإنفاذ العقود. وبناء عليه يكون للعقد بالنظر للأهلية والولاية أحوال ثلاث (٢): ١ - إذا كان العاقد كامل الأهلية وصاحب ولاية: اعتبر العقد صحيحاً نافذاً إلا إذا كان فيه ضرر بآخر فيصبح موقوفاً على الإجازة، كالتصرف بالمأجور أو المرهون قبل انتهاء مدة الإجازة أو قبل أداء الدين، وتصرف المدين الذي يضر الدائنين، وتصرف المريض مرض الموت، على ما سبق بيانه. ٢ - إذا صدر العقد من عديم الأهلية وفاقد الولاية، كالمجنون والصبي غير

стр. 2903

المميز، كان باطلاً. فإن كان العاقد ناقص الأهلية كالصبي المميز، توقف عقده المتردد بين الضرر والنفع كالبيع على إجازة وليه أو وصيه، على ما سبق بيانه. ٣ - إذا صدر العقد من صاحب أهلية أداء كاملة، ولكنه فاقد الولاية، وهو الفضولي، كان موقوفاً على إجازة المعقود له، على ما سيتضح في بحث لاحق، أي أنني سأخصص مبحثاً مستقلاً لكل من الوكالةوالفضالة باعتبارهما من أنواع النيابة عن الغير حال الحياة. أنواع الولاية: الولاية إما أن تكون أصلية: بأن يتولى الشخص عقداً أوتصرفاً لنفسه، بأن يكون كامل أهلية الأداء (بالغاً عاقلاً راشداً)، أو نيابية: بأن يتولى الشخص أمور غيره. والولاية النيابية أو النيابة الشرعية عن الغير: إما أن تكون اختيارية أو إجبارية (١): الاختيارية: هي الوكالة أي تفويض التصرف والحفظ إلى الغيرعلى ماسيأتي. والإجبارية: هي تفويض الشرع أو القضاء التصرف لمصلحة القاصر، كولاية الأب أو الجد أو الوصي على الصغير، وولاية القاضي على القاصر. فمصدر ولاية الأب أو الجد أو القاضي هو الشرع. ومصدر ولاية الوصي إما اختيار الأب أو الجد، أو تعيين القاضي. والولاية النيابية الإجبارية: إما أن يكون ولاية على النفس أو ولاية على المال.

стр. 2904

الولاية على النفس: هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية كالتزويج والتعليم والتأديب والتطبيب والتشغيل في حرفة ونحو ذلك. وليس هنا محل بحثها. والولاية على المال: هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من حفظ المال واستثماره وإبرام العقود والتصرفات المتعلقة بالمال. وهي محل البحث هنا. الأولياء ودرجاتهم: الولاية على النفس: تثبت للأقرب فالأقرب من العصبات (١) على الترتيب التالي: ١ - البنوة (الأبناء ثم أبناء الأبناء) فابن المجنون والمجنونة مثلاً يتولى شؤونهما الشخصية. ٢ - الأبوة (الآباء ثم الأجداد). ٣ - الأخوة (الإخوة ثم أبناء الإخوة). ٤ - العمومة (الأعمام ثم أبناء الأعمام). وهذا هو ترتيب الإرث والولاية في الزواج، وقد نصت على ذلك المادة (٢١) من قانون الأحوال الشخصية السوري. والولاية على المال: بالنسبة للصغير القاصر: تثبت عند الحنفية على الترتيب التالي: الأب، ثم وصي الأب، ثم الجد، ثم القاضي، ثم وصي القاضي: وهو من يعينه القاضي.

стр. 2905

والسبب في هذا الترتيب (١): أن الأب أوفر الناس شفقة على ولده. ويعقبه وصيه الذي اختاره ليقوم مقامه، والظاهر أنه ما اختاره من بين سائر الناس إلا لعلمه بأن شفقته على الصغير مثل شفقته عليه. والجد يأتي بعدئذ لأن شفقته دون شفقة الأب. ووصيه يليه ويقوم مقامه، لأنه وثقه وارتضاه. والقاضي أمين على مصالح الأمة وبخاصة اليتامى فصلح أن يكون ولياً، لقوله ﷺ : «السلطان ولي من لا ولي له». يتبين من ذلك أن الأب، والجد أب الأب لهما ولاية تامة على النفس وعلى المال معاً. وقد نصت على ذلك المادة (١٧٠) من قانون الأحوال الشخصية السوري: «للأب ثم للجد العصبي ولاية على نفس القاصر وماله، وهما ملتزمان بالقيام بها». كما نصت المادة ١٧٢/ ١) على من تثبت له الولاية على المال: «للأب وللجد العصبي عند عدمه دون غيرهما ولاية على مال القاصر حفظاً وتصرفاً واستثماراً». ونصت المادة (١٧٧) على الوصي المختار: وهو من يختاره الأب أو الجد قبل موته: «يجوز للأب وللجد عند فقدان الأب أن يقيم وصياً مختاراً لولده القاصر، أو الحمل، وله أن يرجع عن إيصائه». ونصت المادة (٧٧١) على وصي القاضي: وهو من يعينه القاضي: «إذا لم يكن للقاصر أو الحمل وصي مختار تعين المحكمة وصياً». من يحتاج إلى الولاية: تثبت الولاية على الصغير القاصر والمجنون والمعتوه، والمغفل، والسفيه، وقد اصطلح قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (١٦٣) على تسميات لأنواع الولاية على هؤلاء كما يبدو من النص التالي:

стр. 2906

«١ - النيابة الشرعية عن الغير تكون إما ولاية، أو وصاية أو قوامة، أو وكالة قضائية. ٢ - الولاية للأقارب للأب أو غيره، والوصاية على الأيتام، والقوامة على المجانين والمعتوهين، والمغفلين والسفهاء. والوكالة القضائية عن المفقودين». والحقيقة أن حالات النيابة الشرعية الأربع هذه كلها داخلة تحت كلمة (الولاية) عند فقهائنا كما تبين لدينا. أما الولاية على مال الصغير القاصر: فتكون لأحد الأولياء الستة الذين ذكروا سابقاً وهم (الأب ووصيه، والجد ووصيه، والقاضي ووصيه) (١). وأما الولاية على المجنون أو المعتوه: إذا بلغ على هذه الحالة، فإنها تكون لمن كان وليه قبل البلوغ من أب أو جد أو وصي، باتفاق المذاهب الأربعة، كما تقدم. فإن بلغ الشخص رشيداً ثم طرأ عليه الجنون أو العته، عادت إلىه ولاية من كان وليه قبل البلوغ، على الرأي الراجح عند الحنفية، والشافعية (٢). وقال المالكية والحنابلة: تكون الولاية عليه حينئذ للقاضي، ولا تعود لمن كانت له من أب أو جد؛ لأن الولاية سقطت ببلوغ الصغير رشيداً، والساقط لايعود (٣).

стр. 2907

وقانون الأحوال الشخصية السوري أخذ بالرأي الثاني في المادة (٠٠٢) وهي: «١ - المجنون والمعتوه محجوران لذاتهما، ويقام على كل منهما قيم بوثيقة» ومعنى المادة أن تصرفات المجنون والمعتوه تعد باطلة، ولو قبل شهر قرار الحجر عليهما، حماية لمصالحهما. وأما القانون المدني السوري في المادة (١١٥) فلم يعتبر تصرفات المجنون والمعتوه باطلة إلا بعد شهر قرار الحجر عليهما حماية لاستقرار المعاملات إلا في حالتين استثناهما نص المادة وهي: ١ - يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه، إذا صدر التصرف بعد شهر قرار الحجر. ٢ - أما إذا صدر التصرف قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد، أو كان الطرف الآخر على بينة منها. وأما الولاية على السفيه وذي الغفلة: فإنها تكون للقاضي باتفاق المذاهب الأربعة (١)؛ لأن الحجر عليهما متوقف على قضاء القاضي، حفاظاً على مالهما ومراعاة لمصلحتهما. وعلى هذا تكون تصرفاتهما صحيحة نافذة قبل إيقاع الحجر عليهما. نصت المادة (٢٠٠/ ٢) من قانون الأحوال الشخصية السوري على ذلك فيما يأتي: «السفيه والمغفل يحجران قضاء، وتصرفاتهما قبل القضاء نافذة، ويقام على كل منهما قيم بقرار الحجر نفسه، أو بوثيقة على حدة».

стр. 2908

واشترط القانون المدني السوري لإبطال تصرف المغفل والسفيه شهر قرار الحجر إلا في حالتين نصت المادة (١١٦) منه على ما يأتي: «١ - إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد شهر قرار الحجر، سرى على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام. ٢ - أما التصرف الصادر قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال، إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ». وأما الوكالة القضائية: فهي نوع من الولاية قررتها القوانين النافذة في أحوال ثلاث: ١ - المفقود والغائب: نص قانون الأحوال الشخصية السوري في المواد (٢٠٢ - ٢٠٦) على أصولهما والأحكام المتعلقة بهما، ومنها أن المفقود: هو كل شخص لا تعرف حياته أو مماته، أو تكون حياته محققة، ولكن لا يعرف له مكان (م ٢٠٢) ومنها أنه يعتبر كالمفقود: الغائب الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه، أو بوكيل عنه، مدة أكثر من سنة، وتعطلت بذلك مصالحه أو مصالح غيره. أما حكم زوجة المفقود فقد نصت المادة (١٠٩) من هذا القانون على أنه: «إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول، أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه». والتفريق للغيبة بعد سنة في هذه المادة مأخوذ من القول المعتمد في مذهب المالكية.

стр. 2909

وأما أموال المفقود: فقد نصت المادة (٣٠٢) من هذا القانون على حكمها فيما يأتي: ١ - يوقف للمفقود من تركة مورثه نصيبه فيها، فإن ظهر حياً أخذه، وإن حكم بموته رد نصيبه إلى من يستحقه من الورثة وقت موت مورثه. ٢ - إن ظهر حياً بعد الحكم بموته، أخذ ما بقي من نصيبه في أيدي الورثة ولا توزع تركة المفقود قبل موته أو الحكم باعتباره ميتاً عند بلوغه الثمانين من العمر (م ٢٠٥). ٢ - المصاب بعاهتين من ثلاث عاهات هي الصمم والبكم والعمى. نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (١١٨): «١ - إذا كان الشخص أصم أبكم، أو أعمى أصم، أو أعمى أبكم، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته، جاز للمحكمة أن تعين له مساعداً قضائياً يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك». ٣ - المحكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال: نص قانون العقوبات السوري في المادة ٥٠ على عقوبة تبعية لهذا الشخص بالإضافة إلى السجن، وهي الحجر عليه، أو منعه من التصرف بماله، وتعيين وصي يشرف على أمواله، ونص هذه المادة ما يأتي: «١ - كل محكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال يكون في خلال تنفيذ عقوبته في حالة الحجر، وتنقل ممارسة حقوقه على أملاكه، ما خلا الحقوق الملازمة للشخص (أي كالطلاق) إلى وصي وفقاً لأحكام قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بتعيين الأوصياء على المحجور عليهم، وكل عمل وإدارة أو تصرف يقوم به المحكوم عليه يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً مع الاحتفاظ بحقوق الغير من ذوي النية

стр. 2910

الحسنة، ولا يمكن أن يسلم إلى المحكوم عليه أي مبلغ من دخله ما خلا المبالغ التي يجيزها القانون وأنظمة السجون». مبدأ الولاية: تبدأ الولاية على الأشخاص منذ ولادتهم، وتستمر حتى سن الرشد، أما الجنين فلا ولاية لأحد عليه قبل الولادة عند غالبية الفقهاء، فلو اشترى له شخص شيئاً أو وهب له شيء، فلا يتملكه، حتى ولو ولد حياً، وإنما تثبت له الحقوق الضرورية الأربعة التي ذكرت سابقاً. لكن قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (١٧٦) الذي أخذ بالمقرر في فقه الشريعة الزيدية، وقانون الولاية على المال الصادر بمصر سنة ١٩٥٢ م أجازا للأب أو للجد تعيين وصي للحمل المستكن. والوصي المقصود هنا في تقديري ليس مجرد أمين لحفظ المال حتى الولادة كما فهم كثير من الشراح، وإنما الذي له صلاحيات الأوصياء عادة، عملاً بإطلاق النص، وبالمفهوم من التسوية في الحكم بين وصي الحمل، ووصي القاصر في مادة واحدة، وتحقيقاً للهدف المنشود من تعيين الوصي وهو رعاية مصلحة الجنين وتثمير ماله وتنميته فضلاً عن حفظه. شروط الولي: الولاية مسؤولية كبرى في إدارة أموال وأعمال الغير، ويترتب عليها نفاذ التصرفات غالباً، لذا يشترط في الولي الخاص كالأب أو الجد أو الولي العام كالقاضي وناظر الوقف ومدير المؤسسة الخيرية شروط إما في شخصه أو في تصرفاته (١). ١ - كمال أهلية الأداء بالبلوغ والعقل، فلا ولاية للمجنون ولا للصغير،
следующие страницы →