مبدأ وحدة الصفقة وتفرقها:
الصفقة: ضرب اليد على اليد في البيع، والبيعة للإمام، ثم جعلت عبارة عن العقد نفسه (١). قال النووي: الصفقة: هي عقد البيع، لأنه كان من عادتهم أن يضرب كل واحد من المتعاقدين يده على يد صاحبه عند تمام العقد (٢).
والعقد يحتاج في تكوينه كما هو معلوم إلى مبيع، وثمن، وبائع، ومشتر، وبيع وشراء. وباتحاد بعض هذه الأشياء مع بعض وتفرقها، يحصل اتحاد الصفقة، وتفريقها (٣).
وقد اتفق العلماء على ضرورة اتحاد الصفقة من حيث المبدأ، لأن من شرائط انعقاد البيع الشرط المذكور قريباً: وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب، إلا أن هناك اختلافات جزئية في تحقيق هذا المبدأ أو عدم تحقيقه أي تفريق الصفقة.
فقال الحنفية (٤): لا بد من معرفة ما يوجب اتحاد الصفقة وتفريقها، وذلك إما بسبب العاقدين أو بسبب المبيع.
أـ أما بالنسبة للعاقدين: فإن اتحد شخص الموجب سواء أكان بائعاً، أم مشترياً، وتعدد القابل المخاطب، لم يجز للقابلين تفريق الصفقة بأن يقبل أحدهما البيع دون الآخر. وإن انعكس الأمر فتعدد الموجب واتحد القابل، لم يجز للقابل القبول في حصة أحد الموجبين دون الآخر. مثل الحالة الأولى: أن يقول البائع لمشتريين: بعتكما هذه السلعة بألف ليرة، فقال أحدهما: اشتريت، ولم يقبل
стр. 3222
الآخر، كانت الصفقة متعددة، فلم ينعقد العقد إلا باتفاق جديد. ومثل الحالة الثانية: أن يقول شخص لمالكي سلعة: اشتريت منكما هذه السلعة بألف ليرة مثلاً، فباعه أحدهما دون الآخر، فإن الصفقة تتعدد في هذه الحالة، فلا ينعقد العقد.
ب - وأما بالنسبة للمبيع: فإن اتحد العاقدان، وقبل أحدهما في بعض المبيع دون بعض، لم يصح العقد، لتفرق الصفقة.
وإن اتحد العاقدان، وتعدد المبيع، فإما أن يكون المبيع مثليين أو مثليا وقيمياً وفي كلتا الحالتين لايجوز للمشتري أن يقبل في أحد المبيعين، ويرفض الآخر، فإن فعل، تعددت الصفقة، وحينئذ لا يتم البيع إلا برضا جديد من البائع بما قبل به المشتري، فيصبح القبول إيجاباً، والرضا قبولاً، ويبطل الإيجاب الأول.
غير أن هناك فرقاً بين الحالتين: وذلك في قسمة الثمن على أجزاء المبيع وفي وحدة الصفقة وتعددها. فإذا كان المبيع مثليين كقفيزين من أرز أو كمدين من حنطة أو رطلين من حديد، وقبل المشتري في أحدهما، انقسم الثمن بنسبة أجزاء المبيع، فيكون ثمن الجزء الذي تم فيه المبيع في هذا المثال نصف الثمن الأصلي المذكور لجزئي المبيع؛ لأن الثمن في المثليات ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء، فكانت حصة كل جزء من الثمن معلوماً. وتكون الصفقة عندئذ واحدة. ويشبه المثليات (المكيل والموزون) في قسمة الثمن عليه بالأجزاء ما إذا كان المبيع شيئاً واحداً كحيوان واحد.
وإذا كان المبيع من غير المثليات أي القيميات كثوبين ودابتين، لا ينقسم الثمن على المبيع باعتبار الأجزاء، لعدم تماثل الأجزاء، وإذا لم ينقسم الثمن في هذه الحالة، بقيت حصة كل واحد من جزئي المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة الثمن
стр. 3223
تمنع صحة البيع. فإن أريد تصحيح الصفقة فلا بد من أحد أمرين:
إما أن يكرر البائع لفظ البيع بأن يقول: بعتك هذين الثوبين، بعتك هذا بألف، وبعتك هذا بألف، أو اشتريت منك هذين المتاعين، اشتريت هذا بمئة، واشتريت هذا بمئة، فيصح العقد، ويصبح هنا صفقتان.
وإما أن يفرق الثمن على أجزاء المبيع، بأن يقول البائع: بعتك هذين الكتابين، هذا بمئة، وهذا بخمسين، فقبل المشتري في أحدهما، جاز البيع لانعدام تفريق الصفقة الواحدة من المشتري، بل البائع هو الذي فرق الصفقة، حيث سمى لكل واحد من المبيعين ثمناً على حدة، فكانت هذه الحالة صفقات معنى، وإلا لو كان غرض البائع ألا يبيع المبيعين للمشتري إلا جملة واحدة، لم تكن هناك فائدة لتعيين ثمن كل منهما على انفراد.
وإذا تطابق الإيجاب والقبول، لزم البيع، ولا خيار لواحد من العاقدين إلا بسبب وجود عيب أو عدم رؤية للمبيع. نصت المادة (٣٥١) من المجلة على ما يأتي: «ما بيع صفقة واحدة إذا ظهر بعضه معيباً: فإن كان قبل القبض، كان المشتري مخيراً: إن شاء رد مجموعه، وإن شاء قبله بجميع الثمن، وليس له أن يرد المعيب وحده، ويمسك الباقي. وإ ن كان بعد القبض: فإذا لم يكن في التفريق ضرر، كان له أن يرد المعيب بحصته من الثمن سالماً، وليس له أن يرد الجميع حينئذ ما لم يرضَ البائع. وأما إذا كان في تفريقه ضرر، رد الجميع، أو قبل الجميع بكل الثمن، مثلاً: لو اشترى قلنسوتين بأربعين قرشاً، فظهرت إحداهما معيبة قبل القبض، يردهما معاً، وإن كان بعد القبض يرد المعيبة وحدها بحصتها من الثمن سالمة، ويمسك الثانية بما بقي من الثمن. أما لو اشترى زوجي خف، فظهر أحدهما معيباً بعد القبض، كان له ردهما معاً للبائع، وأخذ ثمنهما منه».
стр. 3224
وقال أبو حنيفة والمالكية (١): إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام، كالعقد على سلعة متقومة وخمر، أو خنزير، أو غيرهما، فالصفقة كلها باطلة. وقال الصاحبان: يصح العقد في الصحيح، ويفسد في الفاسد. ومنشأ الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه هو: أن الصفقة إذا اشتملت على الصحيح والفاسد يتعدى الفساد إلى الكل عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين فلا يتعدى الى الصحيح، وإنما يقتصر أثر الفساد على الفاسد.
ولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة، صح البيع فيهما، ويلزم البيع فيما يملكه المالك، ويتوقف اللزوم في ملك الغير على إجازته، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية، لأنهم يصححون العقد الموقوف أو عقد الفضولي، كما سنعلم.
وقال الشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم (٢): تفريق الصفقة معناه: أن يبيع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة بثمن واحد، وهو ثلاثة أقسام:
أحدها - أن يبيع معلوماً ومجهولاً بثمن واحد، لقوله: بعتك هذا الكتاب وكتاباً آخر، وهما ملك له بمئة ليرة مثلاً، لم يصح البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.
الثاني - أن يكون المبيعان مما ينقسم عليهما بالأجزاء، كشيء مشترك بين اثنين، فباعه كله أحدهما بغير إذن شريكه، وكشيئين من المثليات مثل قفيزين من صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما، فالأصح أن يصح البيع فيما يملكه
стр. 3225
بقسطه من الثمن، ويفسد فيما لا يملكه؛ لأن لكل واحد منهما حكماً مستقلاً حالة إفراده بالبيع، فإذا جمع مع غيره ثبت لكل واحد منهما حكمه الخاص به، كما لو باع رجل شقصاً (١) وسيفاً فإنه تثبت الشفعة في الشقص بلا خلاف، كما لو أفرده.
الثالث - أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، أي أن تشتمل الصفقة على حلال وحرام كخل وخمر وشاة وخنزير، وميتة وشاة مذكاة، ونحوهما من القيميات، فأصح القولين عند الشافعي وفي رواية عند الحنابلة عن أحمد أن البيع يصح في الحلال ويبطل في الحرام (٢). وفي كيفية توزيع الثمن على المبيعين باعتبار الأجزاء، فيقدر الخمر خلاً، والخنزير شاة، والميتة مذكاة. وهذا ما قاله أنصار هذه الرواية الأولى عن أحمد.
ورجح ابن قدامة الحنبلي الرواية الثانية عن أحمد: وهو أنه يفسد البيع في المبيعين جميعاً.
فإن كانت الصفقة مشتملة على مال للبائع ومال لغيره لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، فالأصح عند الشافعية أيضاً أن البيع يصح فيما يملكه، ويبطل فيما لا يملكه، ويوزع الثمن بحسب القيمة لكل منهما، وعند الحنابلة: الأصح أنه يبطل البيع في المبيعين جميعاً.
وقال الحنابلة والشافعية فيما يتعلق بخيار تفرق الصفقة: متى صح البيع في بعض الصفقة: فإن كان المشتري عالماً بالحال كأن يعلم أن المبيع مما ينقسم الثمن عليه
стр. 3226
بالأجزاء كما ذكر، فلا خيار له، لأنه اشترى على بصيرة. وإن لم يعلم بالحال، مثل أن يشتري رجل متاعاً يظنه كله للبائع، فبان أنه لا يملك إلا نصفه، أو متاعين فتبين أنه لا يملك البائع إلا أحدهما، فله الخيار بين الفسخ والإمساك، لأن الصفقة تبعضت عليه. وأما البائع عند إمساك المشتري جزء المبيع، فلا خيار له في الأصح؛ لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطه من الثمن.
فإن تلف أحد المبيعين صفقة واحدة قبل القبض، فينفسخ العقد في التالف بلا خلاف. وأما الباقي فللمشتري الخيار فيه بين إمساكه بحصته من الثمن، وبين الفسخ، لتبعض الصفقة عليه.
وقال الظاهرية (١): كل صفقة جمعت حراماً وحلالاً، فهي باطل كلها، لا يصح منها شيء، مثل أن يكون بعض المبيع مغصوباً، أو غير مملوك للبائع، أو آل إليه بعقد فاسد.
والخلاصة: أن جمهور العلماء يبطلون الصفقة المشتملة على حلال وحرام أو مملوك وغير مملوك. وقال الشافعية كما رجح النووي: يصح العقد فيما يجوز، ويبطل فيما لا يجوز.
ثانياً - شروط النفاذ: لنفاذ (٢) العقد شرطان:
١ - الملك أو الولاية: الملك هو حيازة الشيء متى كان الحائز له قادراً وحده
стр. 3227
على التصرف فيه عند عدم المانع الشرعي، فالقيم على المجنون أو السفيه، والوصي على القاصر، لا يعتبر أحدهما مالكاً يتصرف في الشيء، على حين أن المجنون والسفيه والقاصر يعتبر كل منهم مالكاً؛ لأن له حق الاستقلال في التصرف والانتفاع لولا المانع الشرعي من ذلك وهو أنه تحت ولاية غيره (١).
والولاية: سلطة شرعية بها ينعقد العقد وينفذ، هي إما أصلية: وهي أن يتولى الإنسان أمور نفسه بنفسه، أو نيابية: وهي أن يتولى الشخص أمور غيره من ناقصي الأهلية، إما بإنابة المالك كالوكيل أو بإنابة الشارع كالأولياء وهم: الأب والجد والقاضي ووصي الأب أو الجد أو القاضي وترتيبهم كالآتي: الأب ثم وصيه ثم الجد ثم وصيه ثم القاضي ثم وصيه (٢).
ومدلول هذا الشرط أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، فلا ينفذ بيع الفضولي، لانعدام الملك والولاية، لكنه ينعقد عند الحنفية موقوفاً على إجازة المالك.
واعتبر الشافعي الملك أو الولاية من شرائط الانعقاد، فتعتبر تصرفات الفضولي عنده باطلة. وسأبحث ذلك بالتفصيل قريباً (٣).
٢ - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع:
إن كان في المبيع حق لغير البائع كان العقد موقوفاً غير نافذ، وعلى هذا فلا ينفذ بيع الراهن المرهون، ولا بيع المؤجر المأجور ولا بيع المالك الأرض التي عليها عقد مزارعة، وإنما يكون البيع موقوفاً على إجازة المرتهن، أو المستأجر، أو المزارع،
стр. 3228
وليس فاسداً، وهذا هو الصحيح عند الحنفية؛ لأن ركن البيع صدر من أهله مضافاً إلى مال متقوم مملوك له مقدرو على التسليم، من غير ضرر يلزمه (١). ويثبت حينئذ للمشتري الخيار بين إمضاء البيع أو فسخه. أما المستأجر أو المرتهن أو المزارع، فإن أجاز العقد نفذ، فلو لم يجز المستأجر حتى انفسخت الإجارة، نفذ البيع السابق، وكذا المرتهن إذا قضى دينه، ولا حاجة لتجديد العقد، وهو الصحيح كما قال ابن عابدين. وعليه يكون حكم بيع الفضولي أحد البيوع الجائزة هو قبول الإجازة من المالك. والفسخ من المشتري لا الإجازة. كما أن للفضولي فسخ البيع دون النكاح.
وذكر الأستاذ مصطفى الزرقاء: أن الرأي الراجح فقهاً: أنه لا يكون البيع موقوفاً على إجازة المرتهن أو المستأجر وإن كانا أصحاب حق في المبيع، إذ الإجازة لاتكون شرعاً إلا لمالك أو ذي ولاية، بل البيع نافذ، ولكن لا يسلم المبيع إلى المشتري دون رضا المرتهن أو المستأجر صيانة لحقهما، بل يمنح المشتري الخيار في أن يفسخ البيع أو ينتظر إلى فكاك الرهن أو إلى انقضاء مدة الإجارة ليتسلم المبيع (٢).
تقسيم البيع من حيث النفاذ والوقف:
يترتب على ما ذكر من شروط النفاذ عند الحنفية أن البيع قسمان: نافذ وموقوف.
أما البيع النافذ: فهو أن يتوافر فيه ركن العقد مع وجود شرائط الانعقاد والنفاذ.
стр. 3229
وأما البيع الموقوف: فهو أن يوجد فيه ركن العقد مع وجود شرائط الانعقاد، ولكن لم يوجد فيه شرط النفاذ: وهو الملك أو الولاية.
واختلال شرط النفاذ: يكون إما في المبيع كما في بيع الفضولي شيئاً لغيره، وإما في التصرف كما في بيع الصغير المميز أو المعتوه أو شرائهما.
آراء العلماء في تصرف الفضولي:
الفضولي في الأصل: من يشتغل بما لا يعنيه أو يعمل عملاً ليس من شأنه، ومنه سمي فضولياً: من يتصرف في شيء أو يعقد عقداً من العقود، دون أن يكون له ولاية ما على القيام به، كمن يبيع أو يشتري للغير، أو يؤجر أو يستأجر لغيره، دون وكالة أو وصاية أو ولاية على العقد، وبدون إذن من الغير (١). وبيع الإنسان ملك غيره دون إذن منه شائع في الحياة العملية كما في بيع الأزواج ملك زوجاتهم أو بيع الأفراد ملك الحكومة أو ملك من تغيب حتى طالت غيبته.
ويلاحظ أن الفضولي: هو من يتصرف فيما تظهر ملكية غيره له، وإلا كان تصرفه من بيع ما لا يملك، وهو منهي عنه.
و محل البحث: أن يبيع الرجل مال غيره بشرط: إن رضي به صاحب المال أمضي البيع، وإن لم يرض فسخ، أو يشتري الرجل للرجل بغير إذنه على أنه إن رضي المشتري، صح الشراء وإلا لم يصح (٢)، فالفضولي: هو المتصرف للغير بغير إذنه.
وقد اختلف الفقهاء في حكم تصرف الفضولي.
стр. 3230
فأما الحنفية: فقد فرقوا بين البيع والشراء، ففي حالة البيع ينعقد تصرف الفضولي صحيحاً موقوفاً، سواء أضاف الفضولي العقد إلى نفسه أم إلى المالك، لأنه لا يمكن نفاذ العقد على العاقد.
وفي حالة الشراء: إن أضاف الفضولي الشراء لنفسه، مع أنه يريد في نيته الشراء لغيره، كان الشراء له هو نفسه إن صح أن ينفذ عليه؛ لأن الأصل أن يكون تصرف الإنسان لنفسه لا لغيره.
وأما إن أضاف الشراء لغيره أو لم يجد عقد الشراء نفاذاً على الفضولي بأن كان صبياً أو محجوراً عن التصرف، انعقد الشراء صحيحاً موقوفاً على إجازة الغير، أو من اشتري له، فإن أجازه نفذ عليه، واعتبر الفضولي وكيلاً ترجع إليه حقوق العقد.
وفي الجملة: إن تصرفات الفضولي جائزة موقوفة على إجازة صاحب الشأن عند الحنفية (١)، وتصرفات الفضولي مثل بيع المسلم فيه والمغصوب وبيع الوكيل (٢) هي من الحالات المستثناة من بيع ما ليس مملوكاً للإنسان.
وقال المالكية: تعتبر تصرفات الفضولي وعقوده بصفة عامة في حالة البيع وحالة الشراء منعقدة موقوفة على إجازة صاحب الشأن. فإن أجازها جازت ونفذت وإلا بطلت؛ لأن الإجازة اللاحقة كالإذن أو الوكالة السابقة (٣).
استدل الحنفية والمالكية بآيات البيع التي وردت عامة لم يستثن منها كون
стр. 3231
العاقد فضولياً، مثل قوله تعالى: ﴿وأحلَّ الله ُ البَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا أمْوالكُمْ بَينَكُمْ بِالباطِلِ، إلا أنْ تكونَ تِجارَة عَن تَراضٍ مَنكُم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] وقوله: ﴿فَإذا قُضيت الصلاة فانتَشِروا في الأرْضِ وابْتَغوا منْ فَضْلِ الله﴾ [الجمعة:١٠/ ٦٢].
والفضولي كامل الأهلية، فإعمال عقده أولى من إهماله، وربما كان في العقد مصلحة للمالك، وليس فيه أي ضرر بأحد؛ لأن المالك له ألا يجيز العقد، إن لم يجد فيه فائدته. وقد ثبت أن الرسول ﷺ فيما يرويه البخاري وغيره: أعطى عروة البارقي ديناراً ليشتري له به شاة فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فقال: «بارك الله لك في صفقة يمينك». وروى الترمذي وأبو داود عن حكيم بن حزام: أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري به شاة يضحيها، فاشترى شاتين بالدينار، وباع إحداهما بدينار جاء به هو الشاة للرسول ﷺ ، فأثنى عليه، ودعا له بالبركة قائلاً: «بارك الله لك في صفقتك» (١) فالنبي ﵇ لم يأمر في الحالتين في الشاة الثانية لا بالشراء ولا بالبيع.
وقال الحنابلة (٢): لا يصح تصرف فضولي مطلقاً أي ببيع أو شراء أو غيرهما، ولو أجيز تصرفه بعد وقوعه إلا إن اشترى الفضولي في ذمته، ونوى الشراء لشخص لم يسمه، فيصح، أو اشترى بنقد حاضر ونوى لشخص لم يسمه، فيصح، ثم إن أجاز الشراء من اشتري له، ملكه من حين الشراء، وإن لم يجزه وقع الشراء للمشتري ولزمه حكمه. وقال ابن رجب: تصرف الفضولي جائز موقوف على الإجازة إذا دعت الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه، وتعذر استئذانه إما للجهل بعينه أو لغيبته ومشقة انتظاره.
стр. 3232
ونصت المادة (١٣) من مشروع تقنين الشريعة على مذهب أحمد: «تصرف الفضولي باطل، ولو أجيز بعد، إلا إذا اشترى في ذمته ونوى الشراء لشخص لم يسمه، فيصح البيع».
وقال الشافعية والظاهرية: يشترط في المبيع أن يكون مملوكاً لمن له العقد، فبيع الفضولي باطل من أساسه لاينعقد أصلاً فلا تلحقه إجازة صاحب الشأن، ودليلهم مارواه أبو داود والترمذي - وقال: إنه حسن - عن النبي ﷺ قال: «لابيع إلا فيما تملك». وصح أيضاً النهي عن بيع ماليس عند الإنسان (١) أي ماليس مملوكاً للبائع، وذلك للغرر الناشئ عن عدم القدرة على التسليم وقت العقد، ومايترتب عليه من النزاع. وقالوا عن حديث عروة البارقي أو حكيم بن حزام: إنه محمول على أنه كان وكيلاً مطلقاً عن النبي ﷺ ، ويدل عليه أنه باع الشاة وسلمها (٢)، فهي وكالة خالف فيها الوكيل إلى خير فينفذ تصرفه. وأما شراء الفضولي في رأي هؤلاء فيعتبر شراء لنفسه، ويلزمه هو وحده ولاينتقل الملك عنه إلى غيره إلا بعقد جديد كما هو رأي الحنفية.
شروط إجازة تصرف الفضولي:
اشترط الحنفية لإجازة عقد الفضولي شروطاً (٣):
١ - أن يكون للعقد مجيز حالة العقد: أي من كان يستطيع إصدار العقد بنفسه، لأن ما له مجيز متصور منه الإذن بإتمام العقد للحال، وبعد صدور
стр. 3233
التصرف.
وأما ما لا مجيز له فلا يتصور منه الإذن للحال، والإذن في المستقبل قد يحدث وقد لا يحدث. وعلى هذا: إذا طلق فضولي امرأة زوج بالغ، أو وهب ماله، أو تصدق به، انعقد التصرف موقوفاً على الإجازة؛ لأن صاحب الشأن كان يستطيع أن يصدر هذه العقود بنفسه، فيستطيع لهذا أن يجيزها بعد وقوعها، فكان للتصرف مجيز حال العقد. أما لو فعل فضولي شيئاً مما ذكر بالنسبة لصغير، فلا ينعقد العقد؛ لأن الصبي ليس من أهل هذه التصرفات بنفسه، فلم يكن لها مجيز حين العقد، وكذلك ولي الصبي لا قيمة لإجازته؛ لأنه لا يملك هذه التصرفات بنفسه.
٢ - أن تكون الإجازة حين وجود البائع، والمشتري، والمالك، والمبيع، فلو حصلت الإجازة بعد هلاك أحد هؤلاء، بطل العقد ولم تفد الإجازة شيئاً؛ لأن الإجازة تصرف في العقد، فلا بد من قيام العقد، وقيامه بقيام العاقدين والمعقود عليه.
٣ - ألا يمكن تنفيذ العقد على الفضولي عند رفض صاحب الشأن، على ما تبين سابقاً.
فسخ عقد الفضولي وإجازته:
فسخ العقد الصادر من الفضولي كبيع مثلاً: قد يكون من صاحب الشأن المالك للمبيع كما هو واضح، وقد يكون من الفضولي البائع قبل إجازة المالك، حتى يدفع عن نفسه الحقوق التي تلزمه لو أجاز المالك، وقد يكون من المشتري ليدفع عن نفسه ما قد يلحقه من ضرر بشرائه من غير صاحب الشأن. أما في عقد الزواج: فليس للفضولي فسخه، لأنه عقد ترجع فيه الحقوق إلى الأصيل صاحب الشأن (١).
стр. 3234
أما إجازة عقد الفضولي فمقصورة على المالك (مالك المال) أو الغير الذي تعلق له حق بالمبيع، وذلك إذا كان البائع والمشتري والمبيع قائماً، بأن لايتغير المبيع بحيث يعد شيئاً آخر؛ لأن إجازته كالبيع حكماً، وكذا يشترط قيام الثمن إذا كان عرضاً معيناً؛ لأنه مبيع من وجه، فيكون ملكاً للفضولي، فإذا هلك هلك عليه (١).
هل للفضولي الواحد أن يعقد العقد عن الطرفين:
إذا باع الفضولي دار إنسان مثلاً وهما غائبان، وقبل عن المشتري، أو زوج إنساناً من امرأة وقبل عنهما، فلا ينعقد العقد؛ لأن تعدد العاقد شرط في انعقاد العقد، كما سبق بيانه، فلا يتوقف الإيجاب على قبول غائب عن المجلس في سائر العقود من نكاح وبيع وغيرهما، بل يبطل الإيجاب ولا تلحقه الإجازة اتفاقاً.
وعلى هذا: إذا كان الشخص في عقد النكاح فضولياً من الجانبين أو من جانب واحد وكان من الجانب الآخر أصيلاً أو وكيلاً أو ولياً، فلا يتوقف إيجابه، بل يبطل عند أبي حنيفة ومحمد، سواء تكلم بكلام واحد أو بكلامين: أي إيجاب وقبول، كزوجت فلاناً وقبلت عنه. وقال أبو يوسف: يتوقف إيجاب الفضولي على قبول الغائب، كما يتوقف اتفاقاً لو قبل عنه فضولي آخر، فلو زوج فضوليان رجلاً من امرأة بغير علمهما جاز، وتوقف على قبولهما، فإن قبلا نفذ العقد، وإن رفضا لم ينفذ.
стр. 3235
دليل الطرفين: أن قبول الفضولي غير معتبر شرعاً؛ لأن الإيجاب لما صدر من الفضولي، وليس له قابل في المجلس، ولو فضولياً آخر، صدر باطلاً، غير متوقف على قبول الغائب، فلا يفيد قبول العاقد بعده.
وبعبارة أخرى: إن الموجود حينئذ هو شطر العقد، ولا يمكن أن يعتبر الشطر الآخر متحققاً إلا بوكالة أو ولاية.
ودليل أبي يوسف: أن عبارة الفضولي تتضمن شطري العقد، فيجوز كما في الولي والوكيل (١).
توقف تصرف الصبي المميز:
إذا كان الصبي عاقلاً مميزاً: تصح تصرفاته في رأي الحنفية والحنابلة موقوفة على إجازة وليه، ما دام صغيراً أو على إجازته بنفسه بعد البلوغ إن لم توجد الإجازة من وليه حال صغره. فلو بلغ الصبي قبل إجازة الولي، فأجاز بنفسه جاز (٢)، وقد سبق ذكره، وتعرضت له هنا لصلته بالبيع الموقوف.
ثالثاً - شروط صحة البيع: شروط الصحة قسمان: عامة وخاصة (٣).
ف الشروط العامة: هي التي يجب أن تتحقق في كل أنواع البيع لتعتبر
стр. 3236
صحيحة شرعاً. وهي إجمالاً أن يخلو عقد البيع من العيوب الستة، وهي: الجهالة، والإكراه، والتوقيت، والغرر، والضرر، والشروط المفسدة.
الأول - الجهالة: يراد بها الجهالة الفاحشة أو التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله وهو النزاع الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة، كما لو باع إنسان شاة من قطيع. وهذه الجهالة أربعة أنواع:
١ - جهالة المبيع جنساً أو نوعاً أو قدراً بالنسبة إلى المشتري.
٢ - جهالة الثمن كذلك: فلا يصح بيع الشيء بثمن مثله، أو بما سيستقر عليه السعر.
٣ - جهالة الآجال، كما في الثمن المؤجل، أو في خيار الشرط، فيجب أن تكون المدة معلومة وإلا فسد العقد. ويلاحظ أن الذي يجوز تأجيله لأجل معلوم في عقد البيع هو الثمن أو المبيع إذا كان كل منها ديناً ثابتاً في الذمة، فإن كان الثمن أو المبيع عيناً، فلا يجوز تأجيله باتفاق العلماء، فلو باع شخص سلعة معينة على أن يسلمها بعد شهر، أو اشترى شخص بثمن عين (أي ذات معينة غير دين) على أن يدفع الثمن بعد شهر، فالبيع فاسد، ولو كان الأجل معلوماً؛ لأن الأجل شرع ترفيها ليتمكن العاقد من الحصول على العوض أثناءه، وهذا أمر يليق بالديون لأنها ليست معينة في البيع، ولا يليق بالأعيان المعينة لأن العين معين حاضر، فيكون تأخير تسليمه ملحقاً ضرراً من غير فائدة أو تحصيلاً لحاصل (١).
٤ - الجهالة في وسائل التوثيق، كما لو اشترط البائع تقديم كفيل أو رهن بالثمن المؤجل، فيجب أن يكونا معينين وإلا فسد العقد.
стр. 3237
الثاني - الإكراه: هو حمل المستكره على أمر يفعله وهو نوعان:
١ - إكراه ملجئ أو تام: وهو الذي يجد المستكره نفسه مضطراً به لفعل الأمر المكره عليه، وذلك كالتهديد بالقتل أو الضرب الذي يخشى منه ضياع عضو.
٢ - إكراه غير ملجئ أو ناقص: كالتهديد بالحبس أو الضرب أو إيقاع الظلم به كمنع ترقيته في وظيفته أو إنزاله درجة.
والإكراه بنوعيه يؤثر في البيع، فيجعله فاسداً عند جمهور الحنفية وموقوفاً عند زفر. فيملك المشتري المبيع بالقبض إذا اعتبر فاسداً، ولا يملكه مطلقاً بالقبض إذا اعتبر موقوفاً، والأرجح اعتبار عقد المكره موقوفاً، لأنه باتفاق الحنفية إذا أجازه المستكره بعد زوال الإكراه يجوز ويلزم في حقه، وهذا هو حكم العقد الموقوف لا الفاسد (١).
الثالث - التوقيت: هو أن يوقت البيع بمدة كما لو قال: بعتك هذا الثوب شهراً أو سنة، فيكون البيع فاسداً، لأن ملكية العين لاتقبل التأقيت.
الرابع - الغرر: المراد به غرر الوصف، كما لو باع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، لأنه موهوم التحقق فقد ينقص.
أما لو باعها على أنها حلوب دون تحديد مقدار، فإنه شرط صحيح. وأما غرر الوجود فهو مبطل للبيع لنهي النبي ﷺ عن بيع الغرر (٢): وهو ماكان المبيع فيه محتملا ً للوجود والعدم، كبيع نتاج النتاج، وبيع الحمل الموجود.
стр. 3238
الخامس - الضرر: يراد به ما إذا كان تسليم المبيع لا يمكن إلا بإدخال ضرر على البائع، فيما سوى المبيع من ماله، كما لو باع جذعاً معيناً في سقف مبني، أو ذراعاً من ثوب يضره التبعيض، فإن التنفيذ يقضي بهدم ما حول الجذع وتعطيل الثوب.
وبما أن الفساد هنا لصيانة حق شخصي، لا لحق الشرع، قرر الفقهاء أن البائع لو نفذ الضرر على نفسه، بأن قلع الجذع أو قطع الثوب وسلمه إلى المشتري، انقلب البيع صحيحاً.
السادس - الشرط المفسد: هو كل شرط فيه نفع لأحد المتبايعين، إذا لم يكن قد ورد به الشرع، أو جرى به العرف، أو يقتضيه العقد، أو يلائم مقتضاه، مثل أن يبيع سيارة على أن يستخدمها شهراً بعد البيع، أو داراً على أن يظل مقيماً بها مدة معينة، أو أن يشترط المشتري على البائع في صلب العقد أن يقرضه مبلغاً من المال.
والشرط الفاسد إذا وجد في عقد من عقود المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة مثلاً أفسده، ولكنه يكون لغواً في العقود الأخرى، مثل التبرعات والتوثيقات والزواج، وتكون هذه العقود حينئذ صحيحة (١).
وقد علق الأستاذ مصطفى الزرقاء على ذلك، فقال: وبما أن عرف الناس مصحح للشروط في نظر الفقهاء، فكل شرط فاسد في الأصل ينقلب صحيحاً ملزماً إذا تعارفه الناس، وشاع بينهم اشتراطه. وعندئذ يمكن القول: بأن الشرط الفاسد قد زال فقهياً من معاملات الناس بمفعول الزمن، وأصبحت الشروط في هذا العصر كلها صحيحة بمقتضى قواعد الاجتهاد الحنفي نفسه (٢).
стр. 3239
وأما الشروط الخاصة: فهي التي تخص بعض أنواع البيع دون بعض وهي كما يأتي:
١ - القبض في بيع المنقولات: أي أنه إذا باع شخص شيئاً من المنقولات التي كان قد اشتراها، فيشترط لصحة بيعه: أن يكون قد قبضها من بائعها الأول، لأن المنقول يكثر هلاكه، فيكون في بيعه ثانية قبل قبضه غرر، أما إذا كان عقاراً فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف كما سيأتي.
٢ - معرفة الثمن الأول في بيوع الأمانة، أي إذا كان البيع مرابحة أو تولية أو وضيعة أو إشراكاً. وسيأتي تفسيرها.
٣ - التقابض في البدلين قبل الافتراق إذا كان البيع صرفاً.
٤ - توافر شروط السلم التي سيأتي ذكرها إذا كان البيع سلماً.
٥ - المماثلة في البدلين إذا كان المال ربوياً والخلو عن شبهة الربا.
٦ - القبض في الديون الثابتة في الذمة، كالمسلم فيه، ورأس مال السلم، وبيع شيء بدين على غير البائع، فلا يصح بيعها من غير من عليه الدين إلا بعد قبضها. مثاله: لا يصح لرب السلَم أي (المشتري) أن يبيع المال المسلم فيه قبل قبضه من المسلم إلىه (البائع)، ولا يصح للدائن أن يشتري بدينه شيئاً من غير المدين قبل قبضه.
رابعاً - شروط لزوم البيع: شرائط اللزوم تأتي بعد شرائط الانعقاد والنفاذ، فيشترط للزوم البيع: خلوه من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخ العقد: مثل خيار الشرط والوصف والنقد والتعيين، والرؤية، والعيب، والغبن مع التغرير. فإذا وجد في
стр. 3240
البيع شيء من هذه الخيارات منع لزومه في حق من له الخيار، فكان له أن يفسخ البيع أو أن يقبله، إلا إذا حدث ما نع من ذلك، كما سيأتي في مباحث الخيارات (١).
ويلاحظ أن الانعقاد يقابله البطلان، والصحة يقابلها الفساد، والنفاذ يقابله التوقف، واللزوم يقابله عدم اللزوم أي التخيير.
خلاصة أنواع شروط البيع في المذاهب وبيان الاتفاق والاختلاف فيها:
اختلف الفقهاء في أنواع شروط البيع، فهي عند الحنفية ثلاثة وعشرون شرطاً، وفي مذهب المالكية أحد عشر شرطاً، ولدى الشافعية اثنان وعشرون شرطاً، وفي رأي الحنابلة أحد عشر شرطاً.
الشروط في مذهب الحنفية:
شروط البيع عند الحنفية أربعة أقسام: شروط الانعقاد، وشروط الصحة، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم، وجملتها ثلاثة وعشرون شرطاً (٢).
أما شروط الانعقاد، فهي أربعة أنواع:
النوع الأول - شروط العاقد: يشترط في العاقد، سواء أكان بائعاً أم مشترياً شرطان هما:
١ - أن يكون عاقلاً أو مميزاً: فلا ينعقد بيع المجنون ولا شراؤه، ومثله الصغير غير المميز.
стр. 3241
٢ - أن يكون متعدداً: فلا ينعقد البيع بشخص واحد، بل يلزم أن يكون الإيجاب من شخص، والقبول من شخص آخر، إلا الأب ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، يكون كل منهم بائعاً ومشترياً بنفسه.
النوع الثاني - شروط الصيغة: يشترط في صيغة العقد من الإيجاب والقبول ثلاثة شروط هي:
١ - سماع الصيغة: فلا ينعقد البيع إلا إذا سمع كل واحد من العاقدين كلام صاحبه.
٢ - توافق الإيجاب والقبول: بأن يقبل المشتري كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه من الثمن، فإذا اختلف القبول مع الإيجاب، لا ينعقد البيع، إلا إذا كانت المخالفة إلى خير، بأن يقبل المشتري زيادة عن الثمن الموجب به.
٣ - اتحاد مجلس العقد: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، دون فاصل، فإن اختلف المجلس لا ينعقد البيع، وإن تخلل انقطاع أجنبي عن العقد بأن يقوم أحدهما عن المجلس قبل القبول، أو يشتغل بعمل آخر، لم ينعقد البيع. واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات بحسب التعاقد وعادة الناس. ولا يشترط الفور في القبول؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل.
وفي التعاقد بين غائبين بطريق المراسلة يعتبر مجلس بلوغ الرسالة من العاقد الأول إلى الثاني هو مجلس التعاقد.
النوع الثالث - شروط المعقود عليه: يشترط في المعقود عليه خمسة شروط هي:
стр. 3242
١ - أن يكون المبيع مالاً: وهو ما يمكن الانتفاع به في العادة، فلا ينعقد بيع الميتة وبيع اليسير من المال كحبة حنطة؛ لأنه ليس بمال.
٢ - أن يكون متقوماً: وهو ما يباح الانتفاع به شرعاً، فلا ينعقد بيع الخمر والخنزير؛ إذ لا يباح الانتفاع بهما شرعاً. وقد جمعت هذين الشرطين سابقاً في شرط واحد.
٣ - أن يكون محرزاً، أي مملوكاً في نفسه: وهو ما دخل تحت حيازة ملك خاص، فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس، كالعشب المباح ولو في أرض مملوكة.
٤ - أن يكون المعقود عليه موجوداً حين التعاقد: فلا ينعقد بيع المعدوم كنتاج النتاج (ولد الولد)، ولا ماله خطر العدم واحتمال الوجود كالحمل في البطن، واللبن في الضرع.
٥ - أن يكون مقدور التسليم حين العقد: فلا ينعقد بيع السمك في الماء والطير في الهواء.
النوع الرابع - شرط البدل:
وهو شرط واحد وهو أن يكون مالاً متقوماً قائماً، فلا ينعقد البيع بثمن لا يعد مالاً متقوماً كالخمر والخنزير.
وأما شروط الصحة: فهي قسمان: عامة وخاصة.
أما العامة: فهي المتعلقة بكل أنواع البيع، وهي جميع شروط الانعقاد المذكورة آنفاً؛ لأن كل عقد لا ينعقد، فلا يصح أيضاً، ويزاد عليها شروط أربعة هي:
стр. 3243
١ - أن يكون المبيع معلوماً والثمن معلوماً علماً يمنع من المنازعة: فلا يصح بيع المجهول كشاة من قطيع غنم، ولا أن يبيع شيئاً بثمن مجهول غير معين، كأن يبيع شيئاً بقيمته، أو بما في يده أو جيبه.
٢ - ألا يكون البيع مؤقتاً: فإن أقته بوقت لا يصح؛ لأن مقتضى البيع هو إفادة نقل الملكية في البدلين (المبيع والثمن) أبدياً على الدوام.
٣ - أن يكون للبيع فائدة: فلا يصح بيع درهم بدرهم مساوٍ له.
٤ - أن يخلو عن الشرط المفسد: وهو كل شرط فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين، إذ لم يرد به الشرع، ولم يجز به العرف، ولا يلائم مقتضى العقد، كاشتراط أن تكون الدابة حاملاً، أو أن ينتفع بالمبيع مدة بعد البيع، أو أن يقرض المشتري البائع مبلغاً من المال.
وأما الشروط الخاصة ببعض أنواع البيوع فهي خمسة:
١ - القبض في بيع المنقول والعقار الذي يخشى هلاكه: فإن اشترى شخص شيئاً، لم يصح بيعه لآخر قبل قبضه للنهي عن بيع ما لم يقبض. أما العقار الذي لا يخشى هلاكه، فيجوز بيعه قبل القبض في رأي الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف.
٢ - أن يكون الثمن الأول معلوماً في بيوع الأمانة: وهي بيع المرابحة والتولية والوضيعة.
٣ - التقابض والتساوي في البدلين المتحدي الجنس وكانا مما يكال أو يوزن، وهذا شرط في بيع الأموال الربوية.
стр. 3244
٤ - توافر شروط السلم الخاصة به مثل قبض رأس مال السلم كله في مجلس العقد.
٥ - ألا يكون أحد البدلين دَيْناً في بيع الدين إلى غير المدين.
وأما شروط النفاذ: فهي اثنان:
١ - أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، أو له عليه ولاية: فلا ينفذ بيع غير المملوك للبائع وهو بيع ملك الغير أو بيع الفضولي، إلا في عقد السلم، فإنه يصح بيع ما سيملكه بعد العقد.
٢ - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع: فلا ينفذ بيع المرهون والمأجور؛ لأنه وإن كان مملوكاً له، ولكن للغير حق فيه.
وأما ما يشترط في لزوم العقد ؛ فهو شرط واحد:
وهو خلو البيع من الخيار، فلا يلزم البيع المشتمل على الخيار، ويجوز فسخه.
شروط البيع في مذهب المالكية:
اشترط المالكية شروطاً في العاقد وفي الصيغة وفي المعقود عليه، وجملتها أحد عشر شرطاً (١).
أما شروط العاقد بائعاً أو مشترياً فهي ثلاثة، يزاد عليها رابع في البائع:
١ - أن يكون كل من البائع والمشتري مميزاً: فلا ينعقد بيع الصبي غير
стр. 3245
المميز، والمجنون والمغمى عليه والسكران. أما بيع المميز فلا يلزم وإن كان صحيحاً إلا إذا كان وكيلاً عن مكلف، فإن بيعه يلزم.
٢ - أن يكون كلاهما مالكين، أو وكيلين لمالكين، أو ناظرين عليهما: فينعقد بيع الفضولي: وهوالشراء لأحد بغير إذنه أو البيع عليه بغير إذنه، ويتوقف على إذن المالك.
٣ - أن يكونا طائعين: فبيع المكره وشراؤه باطلان. والمعتمد لدى المالكية أن بيع المكره غير لازم.
٤ - أن يكون البائع رشيداً: فلا ينفذ بيع السفيه والمحجور، وشراؤه موقوف على إجازة وليه.
ولا يشترط الإسلام في العاقد إلا في شراء العبد المسلم، وفي شراء المصحف، لكن يكون البيع صحيحاً نافذاً، ويجبر المشتري الكافر على إخراج المبيع من ملكه؛ لأن في تملكه العبد المسلم أو المصحف إهانة، ويصح بيع الأعمى وشراؤه.
وأما شروط الصيغة فهي اثنان:
١ - أن يتحد المجلس: بأن يكون القبول مع الإيجاب في مجلس واحد: فلو قال البائع للمشتري: بعتك الكتاب بكذا، فلم يجبه، ثم تفرقا عن المجلس، لم ينعقد البيع.
٢ - ألا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً: فإن وجد فاصل يدل على الإعراض عرفاً، لم ينعقد البيع.
стр. 3246
وأما شروط الثمن والمثمن فهي خمسة:
١ - أن يكون غير منهي عنه شرعاً: فلا ينعقد بيع الميتة والدم وما لم يقبض.
٢ - أن يكون طاهراً: فلا يجوز بيع النجس كالخمر والخنزير، والمشهور منع بيع العاج والزبل والزيت النجس مطلقاً. وأجاز ابن وهب ذلك البيع، فمن رأى أن عاج الفيل ناب جعله كالميتة، ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن.
٣ - أن يكون منتفعاً به شرعاً: فلا يجوز بيع ما لا منفعة فيه كالكلاب والخشاش (الحشرات) وآلات اللهو، واختلف المالكية في بيع الكلاب للصيد وحراسة الغنم على رأيين.
٤ - أن يكون معلوماً للعاقدين: فلا يجوز بيع المجهول.
٥ - أن يكون مقدوراً على تسليمه: فلا ينعقد بيع معجوز التسليم كالسمك في الماء.
شروط البيع في مذهب الشافعية:
اشترط الشافعية اثنين وعشرين شرطاً وهي إما في العاقد، وإما في الصيغة، وإما في المعقود عليه (١).
أما شروط العاقد فهي أربعة:
١ - الرشد: وهو أن يكون بالغاً عاقلاً، مصلحاً لدينه وماله: فلا ينعقد بيع
стр. 3247
صبي وإن قصد اختباره، ولا من مجنون، ولا من محجور عليه بسفه. لكن لو تعاقد الصبي وأتلف عنده ما ابتاع أو ما اقترض من رشيد، وأقبضه له، لم يضمن؛ لأن المُقبض أو المُسلِّم هو المضيع لماله، هذا في الظاهر، أما في الباطن، فيغرم بعد البلوغ، كما نص عليه الشافعي في الأم في باب الإقرار. أما إن تسلم المبيع من صبي مثله، ولم يأذن الوليان لهما، ضمن كل منهما ما قبض من الآخر. فإن كان التسليم بإذن الوليين، فالضمان عليهما فقط، لوجود التسليط منهما.
وعلى البائع للصبي رد الثمن إلى وليه، فلو رده إلى الصبي، ولو بإذن الولي، وهو ملك الصبي، لم يبرأ منه. وإن رده للولي برئ منه. هذا أي عدم البراءة ما إذا لم يكن المبيع في مصلحة تتعلق ببدن الصبي من مأكل أو مشرب ونحوهما، وإلا برئ.
٢ - عدم الإكراه بغير حق: فلا يصح عقد مكره في ماله بغير حق، لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤].
ولا أثر لقول المكره بغير حق إلا في الصلاة، فتبطل به في الأصح، ولا لفعله إلا في الرضاع والحدث والتحول عن القبلة وترك القيام في الفريضة مع القدرة، وكذا القتل ونحوه في الأصح.
أما الإكراه بحق: فيصح، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه، كمن توجه عليه دين، وامتنع من الوفاء والبيع، فإن شاء القاضي، باع ماله بغير إذنه، لوفاء دينه، وإن شاء عزره وحبسه إلى أن يبيعه.
٣ - إسلام من يشترى له مصحف ونحوه من كتب حديث وآثار سلف وكتب فقه فيها شيء من القرآن والحديث وآثار السلف، لما في ذلك من الإهانة
стр. 3248
لها: فلايصح شراء الكافر المصحف ونحوه مما ذكر، ولا شراء الكافر العبد المسلم في الأظهر، لما فيه من إذلال المسلم، ولقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ [النساء:١٤١/ ٤].
٤ - ألا يكون المشتري حربياً محارباً في بيع آلات الحرب كسيف ورمح ونحوهما، لتقوي الحربيين بهما على المسلمين، واستعانتهم بذلك على قتالنا. أما غير عُدَّة الحرب، ولو مما يصنع منه كالحديد، فيجوز بيعه للحربي؛ إذ لا يتعين جعله عدة حرب. والذمي في دار الحرب كالحربي.
وأما شروط الصيغة فهي ثلاثة عشر:
١ - الخطاب: بأن يخاطب كل من العاقدين صاحبه، كأن يقول له: بعتك كذا، فلو قال: بعت لزيد، فلا يصح.
٢ - أن يقع الخطاب على جملة المخاطب: كأن يقول له: بعتك، أما لو قال له: بعت يدك أو رأسك مثلاً، فلا يصح.
٣ - أن يكون القبول ممن صدر معه الخطاب: فلو وجه الإيجاب، فقبل عنه آخر ليس وكيلاً عنه، فلا يصح البيع. ولو مات المخاطب به قبل قبوله، فقبل وارثه، لم ينعقد البيع، وكذا لو قبل وكيله أو موكله.
٤ - أن يذكر البادئ بالكلام الثمن والمثمن: كأن يقول: بعتك هذا الشيء بكذا، أو اشتريت منك هذا الشيء بكذا.
٥ - أن يقصد كلا العاقدين معنى اللفظ الذي ينطق به: فإذا جرى على لسانه لفظ الإيجاب أو القبول، أو كان هازلاً، دون أن يقصد التمليك والتملك، لا يصح البيع.
стр. 3249
٦ - أن يصر البادئ على ما أتى به من الإيجاب إلى القبول، وأن تستمر أهلية العاقدين إلى تمام القبول: فلو قال: بعتك، ثم جن أو أغمي عليه قبل قبول الآخر، بطل العقد. ولو أوجب بمؤجل أو شرط الخيار، ثم أسقط الأجل أو الخيار، لم يصح العقد، لضعف الإيجاب وحده، في الحالتين.
٧ - ألا يطول الفصل بين لفظي الإيجاب والقبول، ولو بكتابة أو إشارة أخرس بسكوت طويل. والفاصل الطويل: هو ما أشعر بإعراضه عن القبول. أما الفصل اليسير بالسكوت فلا يضر، لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول.
٨ - ألا يتخلل بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي عن العقد، ولو يسيراً، فيضر الفصل اليسير بالكلام الأجنبي؛ وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضاً عن القبول، بخلاف السكوت اليسير، وبخلاف يسير الكلام الأجنبي في الخلع؛ لأن فيه من جانب الزوج شائبة التعليق، ومن جانب الزوجة شائبة جعالة، وكل منهما موسع فيه محتمل للجهالة، بخلاف البيع.
٩ - ألا يغير الموجب كلامه قبل قبول الآخر: فإذا قال: بعتك بخمسة، ثم قال: بعشرة، قبل أن يقبل الآخر، لم يصح العقد.
١٠ - سماع الصيغة: بأن يسمع كل عاقد ومن بقربه من الحاضرين كلام الآخر، فإن لم يسمعه من كان قريباً لم ينعقد العقد.
١١ - أن يتوافق الإيجاب والقبول تماماً: فلو اختلفا، لم يصح العقد.
١٢ - ألا يعلق الصيغة بشيء لا يقتضيه العقد: مثل إن جاء فلان فقد بعتك كذا، أو بعتك هذه الدار إن شاء فلان أو إن شاء الله؛ لأن البيع يقتضي التنجيز. أما إن علق بما يقتضيه العقد، كقوله: بعتك هذا بكذا إن شئت، فقال: اشتريت، صح العقد؛ لأن هذا التعليق لا ينافي العقد، وهو تصريح بمقتضى العقد.
стр. 3250
١٣ - ألا يكون العقد مؤقتاً: فلو قال: بعتك الدار بألف شهراً مثلاً، لم يصح؛ لأن البيع يقتضي التأبيد.
وأما شروط المعقود عليه فهي خمسة:
١ - أن يكون المعقود عليه طاهراً: فلا يصح بيع الكلب والخمر، والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل واللبن والدبس وكذا الدهن في الأصح.
٢ - أن يكون منتفعاً به شرعاً: فلا يصح بيع الحشرات التي لا نفع فيها، ولا يصح بيع كل سبع أو طير لا ينفع كالأسد والذئب والحدأة والغراب غير المأكول. ولا يصح بيع آلة اللهو كالطنبور والصنج والمزمار والعود والأصنام والصور وإن اتخذت من نقد، للحرمة، ولأنه لا نفع بها شرعاً. ولا يصح بيع حبتي حنطة ونحوها، لعدم المالية. ويمكن أن يشمل هذين الشرطين كون المعقود عليه غير منهي عنه شرعاً. ويصح بيع الماء المحرز على الشط، والحجر عند الجبل والتراب بالصحراء ممن حازها، في الأصح، لظهور المنفعة فيها.
٣ - أن يكون مقدور التسليم: فلا يصح بيع الطير في الهواء ولا السمك في الماء، ولا بيع الضالّ والآبق والمغصوب، لكن إن باعه لقادر على انتزاعه من الغاصب، أو باع الآبق لقادر على رده، صح على الصحيح، نظراً إلى وصوله إليهما، إلا إن احتاج إلى مؤنة، فالظاهر البطلان.
٤ - أن يكون مملوكاً للعاقد أو له عليه ولاية: فبيع الفضولي (وهو البائع مال غيره بغير إذنه ولا ولاية له) باطل، لقوله ﷺ : «لا بيع إلا فيما تملك» (١).
٥ - أن يكون معلوماً للعاقدين عيناً وقدراً وصفة: فبيع أحد الثوبين
стр. 3251
ونحوهما باطل للغرر أو الجهالة. ويصح بيع صاع من صُبرة (وهي الكومة من الطعام) لتساوي أجزائهما، وتغتفر جهالة المبيع هنا، فإنه ينزل على صاع مبهم، لتعذر الإشاعة. أما بيع شيء من أشياء متفاوتة الأجزاء كبيع شاة من هذه الشياه، فلا يصح، لتفاوت الأجزاء.
شروط البيع في مذهب الحنابلة:
اشترط الحنابلة أحد عشر شرطاً في البيع: إما في العاقد، وإما في الصيغة، وإما في المعقود عليه (١).
أما شروط العاقد ؛ فهي اثنان:
١ - الرشد إلا في يسير: فلا يصح بيع الصبي والمجنون والسكران والسفيه، لكن إذا أذن الولي لمميز وسفيه لمصلحة، صح العقد، ويحرم الإذن لهما بلا مصلحة، لما فيه من الإضاعة.
ولا يصح من المميز والسفيه قبول هبة ووصية وبيع ونحوها بلا إذن ولي لهما.
ويصح تصرف صغير ولو دون سن التمييز في الأمر اليسير، لما روي «أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله» (٢). ويصح تصرف سفيه في شيء يسير كباقة بقل وكبريت ونحوها؛ لأن الحكمة في الحجر خوف ضياع المال، وهو مفقود في اليسير.
ويصح توكيل مميز في إرسال هدية ودخول دار، عملاً بالعرف.
стр. 3252
٢ - التراضي من المتبايعين والاختيار أو عدم الإكراه إلا بحق: وهو أن يأتي العاقد بالبيع اختياراً، لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] ولحديث «إنما البيع عن تراض» (١). فبيع التلجئة أو الأمانة: بأن يظهر العاقدان بيعاً لم يريداه باطناً، بل أظهراه خوفاً من ظالم ونحوه: باطل. وكذا بيع الهازل باطل؛ لأنه لم ترد حقيقته.
ويصح البيع في حالة الإكراه بحق كالذي يكره الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، أو على شراء ما يوفي ما عليه من دين؛ لأنه قول حمل عليه بحق، فصح. فأمثلة المكره بحق: راهن ومحتكر ومدين وممتنع.
ويكره الشراء من المضطر: وهو الذي يبيع ماله بأقل من ثمن مثله.
وأما شروط الصيغة فهي ثلاثة:
١ - اتحاد المجلس: بأن يكون القبول في مجلس الإيجاب، فإذا قال البائع: بعتك، ثم تفرقا قبل القبول من المجلس، لم ينعقد البيع.
٢ - ألا يكون بين القبول والإيجاب فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً.
٣ - ألا يكون العقد مؤقتاً ولا معلقاً بغير مشيئة الله: مثل بعتك سنة أو بعت أو اشتريت إن رضي فلان.
وأما شروط المعقود عليه مبيعاً أو ثمناً فهي ستة شروط وهي:
١ - أن يكون مالاً: وهو ما يباح الانتفاع به شرعاً مطلقاً في غير حاجة ولا ضرورة؛ لأن البيع مبادلة مال بمال، فلا يصح بيع ما لا نفع فيه أصلاً
стр. 3253
كالحشرات، وما فيه منفعة محرَّمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميتة حال الاضطرار أو المخمصة، والخمر لدفع لقمة غص بها.
ويصح بيع جلد ميتة دبغ وكان اقتناؤه بلا حاجة، ويجوز بيع بغل وحمار ودود قز ونحل منفرداً بشرط كونه مقدوراً عليه، أو مع كوَّارته إذا شوهد داخلاً فيها؛ لأن فيه منافع للناس، ويصح بيع ما يصاد عليه من الطيور، وديدان لصيد سمك، وسباع بهائم وجوارح طير للاصطياد، لا لغيره، ويصح بيع علق لمص دم.
ويصح بيع طير لقصد صوته كبلبل وهزار؛ لأن فيه نفعاً مباحاً، وكذا يصح بيع ببغاء وهي الدُّرة ونحوها كقُمري.
ويجوز إهداء الكلب المباح والإثابة عليه، لا على وجه البيع.
ولا يجوز بيع سموم قاتلة كسم الأفاعي، لخلوها من نفع مباح، وكذا لايجوز بيع سم الحشائش والنبات، إلا ما ينتفع به وأمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا ونحوها.
ويحرم بيع المصحف لمسلم أو لكافر، لأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذال له وترك لتعظيمه، ولأن الكافر يمنع من استدامة ملك المصحف، فيمنع من ابتدائه.
ولا يصح بيع آلة لهو كمزمار وطنبور ونرد وشطرنج، ولا بيع حشرات كخنافس وفأر وحيات وعقارب وصراصر ونحوها، ولا بيع ميتة ولو لمضطر ولا بيع دم وخنزير وصنم.
стр. 3254
ولا يصح بيع سرجين نجس (زبل)، ولا بيع أدهان نجسة العين من شحوم الميتة وغيرها، لحديث البخاري ومسلم: «إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» ولا يحل الانتفاع بالأدهان النجسة باستصباح ولا غيره، فقد حرمه النبي ﷺ في حديث جابر المتفق عليه. ولا يصح بيع أدهان متنجسة كزيت لاقى نجاسة، ولو لكافر للحديث السابق: «إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» ويجوز الاستصباح في الأدهان المتنجسة في غير مسجد؛ لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر.
ولا يصح بيع الحر، لحديث البخاري ومسلم: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومنهم: ورجل باع حراً وأكل ثمنه». ولا يصح بيع ما ليس بمملوك من المباحات من نحو كلأ وماء ومعدن قبل حيازتها وتملكها، لفقد الشرط الآتي:
٢ - أن يكون المبيع مملوكاً لبائعه ملكاً تاماً، لقوله ﷺ لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (١)، فلا يصح تصرف فضولي مطلقاً ولو أجيز بعد.
ولا يصح بيع ما لا يملكه الإنسان كحر ومباح قبل حيازته، ولا بيع أرض موقوفة مما فتح عنوة ولم تقسم كمصر والشام، ويصح بيع إمام لها لمصلحة كوقفه وإقطاعه تمليكاً، أو غير إمام وحكم به من يرى صحته. ولا يصح بيع ولا إجارة رباع مكة والحرم: وهي المنازل، وكذا بقاع المناسك كالمسعى والمرمى والموقف ونحوها، لأنها كالمساجد لعموم نفعها، ولأن مكة فتحت عنوة. ولا يصح بيع ما ليس مملوكاً ملكاً تاماً كالمبيع وقت الخيار.
٣ - أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه حال العقد: لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا يصح بيعه، فكذا ما أشبهه.
стр. 3255
فلا يصح بيع نصف معين من نحو إناء وسيف وحيوان، ودين لغير مدين، ولا آبق وشارد ولو لقادر على تحصيلهما. لحديث «نهى رسول الله ﷺ عن شراء العبد وهو آبق» (١) ولا يصح بيع سمك بماء إلا مرئياً بمحجوز يسهل أخذه منه، ولا يصح بيع طائر يصعب أخذه، أو في الهواء وألف الرجوع إلا في مكان مغلق؛ لأنه غير مقدور على تسليمه.
ولا يصح بيع مغصوب إلا لغاصبه أو قادر على أخذه، وله الفسخ إن عجز.
٤ - أن يكون المبيع معلوماً للبائع والمشتري برؤية تحصل بها معرفته، عند العقد أو قبله بزمن لا يتغير فيه المبيع يقيناً أو ظاهراً.
ويصح بيع الأعمى وشراؤه بما يمكنه معرفة ما يبيعه أو يشتريه بغير حاسة البصر كشم ولمس وذوق، لحصول العلم بحقيقة المبيع. ويصح بيع قفيز من صُبرة (كومة طعام وغيره).
ولا يصح بيع الأُنموذج: وهو ما يدل على صفة الشيء، كأن يريه صاعاً مثلاً من صبرة، ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه، لعدم رؤية المبيع وقت العقد.
ولا يصح بيع حَمْل ببطن وهو بيع المضامين، ولا بيع لبن بضرع، ونوى بتمر، وصوف على ظهر إلا تبعاً، كبعتك هذه البهيمة وحملها، أو بعتك الأرض وما فيها من بذر.
ولا يصح بيع عَسْب فحل، أو نتاج نتاج، أو ما تحمل هذه الشجرة أو الدابة، ولا مسك في فأرته (صوانه)، ولفت وبصل ونحوه قبل قلعه، ولا ثوب مطوي، أو نسج بعضه على أن ينسج بقيته.
стр. 3256
ولا يصح بيع الملامسة، مثل بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته أو إن لمسته أو أي ثوب لمسته، فعليك بكذا.
ولا يصح بيع المنابذة، مثل متى أو إن نبذت هذا أو أي ثوب نبذته فلك بكذا.
ولا يصح بيع الحصاة مثل: ارمها فعلى أي ثوب تقع، فلك بكذا.
ولا يصح بيع ما لم يعين أي بيع المجهول، كشاة من قطيع، وشجرة من بستان، ولو تساوت قيمتها.
٥ - أن يكون الثمن معروفاً للعاقدين حال العقد أو قبله: فلا يصح بيع برقم مجهول، ولا بما باع زيد إلا إن علم به العاقدان، ولا بما ينقطع به السعر، خلافاً للمتأخرين من الحنابلة، ولا كما يبيع الناس.
٦ - خلو الثمن والمثمن والمتعاقدين عن موانع الصحة كالربا، أو الاشتراط أو غيرهما: فلا يصح بيع أضحية وهدي واجبين إلا بخير منهما، ولا يصح بيع موقوف بلا مسوغ، ولا بيع مرهون بلا إذن مرتهن، ولا يصح بيع ماء وسترة لمصل عادم غيرهما، ولا بيع مصحف، ولا بعد نداء جمعة.
أوجه الاتفاق والاختلاف في شروط البيع:
يظهر مما تقدم بيانه ما يلي:
١ - في العاقد: التمييز شرط متفق عليه، وأما البلوغ فهو شرط مختلف فيه، فهو شرط نفاذ عند المالكية والحنفية، وشرط انعقاد عند الشافعية والحنابلة.
وأما الاختيار أو الطواعية فهو شرط انعقاد عند الجمهور، وشرط نفاذ عند الحنفية، فبيع المكره باطل عند الجمهور، فاسد أو موقوف غير نافذ عند الحنفية، غير لازم في المعتمد عند المالكية.
стр. 3257
٢ - في الصيغة: اتحاد المجلس دون فاصل بين القبول والإيجاب، وتطابق الإيجاب والقبول، وسماع الصيغة والتنجير أو عدم التعليق، وعدم التأقيت، كلها شروط متفق عليها، وإن ذكر بعضها بعض الفقهاء دون غيرهم.
٣ - في المعقود عليه: كون المعقود عليه مالاً متقوماً يباح الانتفاع به شرعاً أو طاهراً غير نجس، موجوداً، مقدور التسليم، معلوماً غير مجهول، كلها شروط متفق عليها؛ إلاأن الجهالة تفسد البيع عند الحنفية، وتبطله عند الجمهور. أما كون المبيع مملوكاً للبائع فهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية، وشرط انعقاد عند الشافعية والحنابلة، فبيع الفضولي وشراؤه موقوف عند الأولين، باطل عند الآخرين.
وأما شرط ألا يتعلق بالمبيع حق لغير البائع كبيع المرهون والمأجور، فهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية. وشرط انعقاد عند الحنابلة والشافعية، فبيع المرهون والمأجور موقوف على الرأي الأول، باطل على الرأي الثاني.
المبحث الثالث - حكم البيع والكلام عن المبيع والثمن:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول - حكم العقد:
حكم العقد: هو الغرض والغاية منه، ففي عقد البيع: يكون الحكم هو ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع، وفي عقد الإجارة: الحكم هو ملك منفعة العين المستأجرة للمستأجر، وملك المؤجر للأجرة (١).
وللحكم إطلاقات ثلاثة:
стр. 3258
١ - إما أن يراد به الحكم التكليفي: وهو إما الوجوب أو الندب أو الإباحة أو التحريم أو الكراهية، فيقال: حكم الصوم الوجوب، وحكم السرقة التحريم وهكذا.
٢ - أو يراد به الوصف الشرعي للفعل من حيث الصحة واللزوم وعدم اللزوم مثلاً، فيقال: حكم العقد المستوفي لأركانه وشرائطه أنه صحيح لازم.
٣ - أو يراد به الأثر المترتب على التصرف الشرعي، وذلك كالوصية إذا استوفت شرائطها وأركانها، ترتبت عليها آثار تتعلق بالموصى له، وآثار تتعلق بالموصى به (١).
والمقصود هنا المعنى الثالث، أي الحكم الشرعي الثابت للبيع، وأثره المترتب عليه. فأثر البيع: هو ثبوت الملك في المبيع للمشتري، وثبوت الملك في الثمن للبائع، إذ اكان البيع لازماً لا خيار فيه (٢).
والمقصود بحقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها للحصول على حكمه: مثل تسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب، أو خيار الرؤية أو الشرط، وضمان رد الثمن إذا استحق المبيع مثلاً (٣).
حقوق البيع التابعة للحكم: هي كل تابع للمبيع من الحقوق التي لا بد له منه ولا يقصد إلا لأجله كالطريق والشرب للأرض، وهي التي تسمى بالمرافق، والقاعدة فيها أو الأصل: أن كل ما كان من الدار متصلاً بها يدخل في بيعها تبعاً بلا
стр. 3259
ذكر، وما لا فلا يدخل بلا ذكر إلا ما جرى العرف أن البائع لا يمنعه عن المشتري، فيدخل المفتاح استحساناً للعرف بعدم منعه بخلاف القفل ومفتاحه والسُّلَّم غير المتصل بالبناء، وأما الدرج (السلم) في بنايات الطبقات فتدخل عرفاً، وتفصيل ذلك ما يأتي (١):
أـ من اشترى بيتاً فوقه آخر لا يدخل فيه العلو؛ لأن الشيء لا يستتبع مثله.
ب - يدخل في المبيع ما هو من حقوقه أو مرافقه الخاصة التابعة له كطريق ومطبخ ومتوضأ ونحوها، لأنها توابع له. فيدخل في بيع الدار الطريق الداخلي فيها أو النافذ إلى سكة أو طريق عام، والكنيف (وهو المستراح أو بيت الماء) وبئر الماء، والأشجار التي في صحنها، والحديقة التابعة لها والبستان الذي هو أصغر منها، وإن لم يصرح بذلك. أما الحديقة أو البستان الخارج عن الدار وكان مثل الدار أو أكبر، فلا يدخل في البيع. ويدخل الباب الأصلي للدار، والباب الخارجي المجاور للشارع وهو المسمى بالباب الأعظم؛ لأنه من مرافقها.
ولا تدخل الظلة في بيع الدار لبنائها على الطريق، فتأخذ حكمه ولا يدخل الطريق والمسيل والشِّرب غير الخاص بالدار إلا بالتصريح بها؛ لأنها خارج الحدود، كأن يشتريها بكل حق هو لها أو بمرافقها أو بكل قليل وكثير. وذلك بخلاف الإجارة والرهن والوقف، تدخل فيها كل هذه المرافق بلا حاجة لذكرها لأنها تعقد للانتفاع بها لا غير. هذا رأي الحنفية القديم، والمعول عليه في ذلك هو العرف السائد في كل إقليم وعصر.
والإقرار بالدار والصلح عليها والوصية بها والهبة والنكاح والخلع على مال كالبيع في دخول الطريق ونحوه.
стр. 3260
المطلب الثاني - الثمن والمبيع:
الكلام عن الثمن والمبيع في موضعين:
أولاً - في تعريف المبيع والثمن.
ثانياً - في الأحكام المتعلقة بهما.
تعريف المبيع والثمن:
المبيع والثمن عند جمهور الحنفية من الأسماء المتباينة الواقعة على معانٍ مختلفة. فالمبيع في الغالب: ما يتعين بالتعيين (١)، والثمن في الغالب: ما لا يتعين بالتعيين.
وهذا الأصل العام الغالب يحتمل تغيره في الحالتين بعارض من العوارض، فيصير ما لا يحتمل التعيين مبيعاً كالمسلم فيه، وما يحتمل التعيين ثمناً كرأس مال السلم، إذا كان عيناً من الأعيان. وعلى هذا فاعتبار الثمن ديناً في الذمة هو الأغلب، وذلك عندما يكون الثمن نقوداً أو أموالاً أخرى مثلية ملتزمة بلا تعيين بالذات كالقمح والزيت ونحوهما من كل مكيل أو موزون أو ذَرْعي أو عددي متقارب.
ويمكن أيضاً أن يكون الثمن أعياناً قيمية كالحيوان والثياب ونحوهما، كما لو بيعت كمية من السكر إلى أجل بشيء من القيميات، فالسكر مبيع والعين القيمية ثمن، ويكون البيع سلماً، لأنه بيع مؤجل بمعجل.