وأخذ القانون المدني بمبدأ صحة الإبراء بإرادة الدائن وحده وهو المقرر في الفقه الحنفي. نصت المادة (٣٦٩) منه على ما يأتي: «ينقضي الالتزام إذا أبرأ الدائن مدنيه مختاراً، ويتم الإبراء متى وصل إلى علم المدين، ويرتد برده».
التقادم: لا يعتبر التقادم (أو مضي المدة ومرور الزمن أو وضع اليد) في الشريعة الإسلامية سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة إذ «لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي» ولأن الحق أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي مقبول. وإنما التقادم ما نع فقط للقاضي من سماع الدعوى بالحق القديم الذي أهمل صاحبه الادعاء به زمناً طويلاً معيناً بلا عذر. وذلك للشك في أصل الحق وفي إثباته بعد هذه المدة الطويلة، وحماية لمبدأ الاستقرار في الأوضاع الحقوقية، وتجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات ونحوه؛ لأن القضاء في الإسلام مظهر للحق لا مثبت له، والحقوق الثابتة لا يؤثر فيها ديانة مرور الزمان وتقادم العهد. إلا أن القضاء مع هذا يقبل التخصيص بالزمان والمكان والخصومة، ويقبل التعليق بالشرط. وبناء عليه يصح للدولة منع القاضي من سماع دعوى على شخص مضى على وضع يده خمس عشر سنة مثلاً، فيعتبر قضاؤه بعدئذ غير نافذ (١).
ويمكن تسويغ ذلك بنظرية المصالح المرسلة التي تجيز للحاكم اتخاذ التدابير القضائية المناسبة لإقرار الحقوق والاهتمام بها، وإبعاد القضاء عن المشكلات المعقدة في إثبات حقوق قديمة. وهذا المعنى هو أساس الأخذ بفكرة التقادم قانوناً، فإن القانونيين قالوا: إن التقادم يقوم على أساس اعتبارات ذات طابع عام أي متصلة بالصالح العام للمجتمع كله، لا على أساس اعتبارات فردية، فالضرورات الاجتماعية هي التي أدت إلى إقرار هذا النظام.
стр. 3187
أخذ القانون من الفقه الإسلامي تقدير مدة التقادم المسقط، حيث نصت المادة (٣٧٢) مدني سوري على أنه «يتقادم الالتزام بانقضاء خمس عشرة سنة فيما عدا الحالات التي ورد عنها نص خاص في القانون، وفيما عدا الاستثناءات التالية».
وكذلك في التقادم المكسب نصت المادة (٩١٩) على ما يلي:
«يُكتسب حق تسجيل التصرف في الأراضي الأميرية غير الخاضعة لإدارة أملاك الدولة، بمرور عشر سنوات من تاريخ الحيازة بسند أو بغير سند، بشرط أن يكون الحائز قائماً بزراعة الأرض».
وتقدير المدة في الحالتين مأخوذ من الفقه الإسلامي، حيث ذكر الفقهاء أن التقادم يسري على الحقوق الخاصة، ومدته العادية خمس عشرة سنة، فإذا مرت مروراً معتبراً دون ادعاء بالمال من قبل صاحبه لا تسمع دعواه بعدها (١).
وأما الأموال العامة فلا تسمع الدعوى فيها بعد مضي (٣٣) سنة في الوقف والإرث، وبعد (٣٦) سنة في أموال بيت المال، وبعد عشر سنوات في الأراضي الأميرية.
وأما المجلة فأخذت في المادة (١٦٦٢) بمدة (١٥) سنة في جميع الحقوق غير الوقف فهي (٣٦) سنة، والأراضي الأميرية فهي عشر سنين.
وتبتدئ المدة من وقت ظهور واضع اليد على الشيء بمظهر المالك لها، وعدم المانع الشرعي من إقامة دعواه كالصغر والجنون والعته. وهذا ما نصت عليه المادة (١٦٦٣) من المجلة.
كما نصت المادة (٣٧٩) على حالات وقف التقادم بقولها: «١ - لا يسري التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه، ولو كان المانع أدبياً، وكذلك لايسري التقادم فيما بين الأصيل والنائب.
стр. 3188
٢ - ولا يسري التقادم الذي تزيد مدته على خمس سنوات في حق من لا تتوافر فيه الأهلية أو في حق الغائب، أو في حق المحكوم عليه بعقوبة جنائية إذا لم يكن له نائب يمثله قانوناً».
خاتمة
في آخر هذا البحث أؤكد ضرورة العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية واستمداد القوانين منها، ما دمنا نعمنا ولله الحمد بالاستقلال، وقد أوضحت هذا القسم من الأحكام الذي استمده القانون المدني من الفقه ليكون عنواناً مشرقاً وبرهاناً ساطعاً على أن في شريعتنا الغراء كنوزاً خالدة لا تحتاج إلا إلى صياغة جديدة بروح العصر ومفاهيمه على منوال التقنينات الجديدة.
قال الدكتور السنهوري: على أننا لا نريد بتقليد التقنينات الحديثة أن نذهب في ذلك إلى مدى أبعد مما ينبغي. وإذا كنا نقول بالاستفادة دون تحفظ من التقنينات الغربية من ناحية الشكل والصياغة، ففي المادة والموضوع نتحفظ كثيراً في هذا القول.
ثم علق على قرار وزارة العدل العراقية باتخاذ الشريعة الإسلامية أساساً للتقنين قبل صدوره، فقال: ولما كان القرار خطيراً، وهو يؤذن بعهد جديد للفقه الإسلامي، يجاري فيه الزمن، ويساير التطور، كان من الواجب أن نقف عنده حتى نمعن في مراميه.
فأول أثر لهذا القرار أن يرد لهذه الشريعة السمحاء مكانتها بعد أن كادت تضيع، فقد رأينا أن البلاد الشرقية (أي العربية شرق المتوسط) التي راجعت تقنيناتها المدنية عدلت عن الشريعة الإسلامية إلى القوانين الغربية، وبقيت القاعدة
стр. 3189
مطردة من النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر، فمصر تلتها تونس ومراكش وتركيا ولبنان، وكل هذه بلاد كانت تطبق الشريعة الإسلامية. ثم أعادت النظر في تقنيناتها، فقلبتها رأساً على عقب، إما باختيارها أو تحت تأثير نفوذ سياسي، وهجرت الشريعة الإسلامية إلى القوانين الغربية. أما العراق فهو أول بلد عربي اعتز بتراث أجداده، وحرص عليه من الضياع. فالعراق يرفع صوته عالياً بأن الشريعة الإسلامية لا تزال نظاماً قانونياً حياً صالحاً للتطبيق، وليس لسائر الأقطار العربية إلا أن تقتفي أثر العراق.
وهناك فرق جوهري بين أن نجعل مصدر الأحكام الصالحة التقنينات الغربية، وبين أن نجعل مصدرها الشريعة الإسلامية، ففي الحالة الأولى نكون قد قطعنا كل صلة بالقديم، وبدأنا حياة قانونية جديدة، نكون فيها عالة على فقه الغرب وجهوده، نأخذ منه ولا نعطيه. أما في الحالة الثانية فنكون قد احتفظنا بصلة الماضي، وجعلنا من هذه الصلة أساساً يقوم عليه المستقبل، واحتفظنا باستقلالنا القانوني، فلا نكون عالة على فقه الغرب، وفي الوقت ذاته نكون قد استفدنا من هذا الفقه إلى أبعد مدى، إذ تصبح الأحكام التي اخترناها وخرَّجناها على أحكام الشريعة الإسلامية متفقة مع أحدث الأحكام القانونية الغربية وأرقاها (١).
стр. 3190
انتهى الجزء الرابع
ويليه الجزء الخامس - العقود (التصرفات المدنية المالية)
١١ - الحوالة
١٢ - الرهن
١٣ - الصلح
ويلحق بها فصول خمسة في الإبراء والاستحقاق والمقاصة والإكراه والحجر، وأما باقي العقود فالكلام عنها في بحث الملكية والأحوال الشخصية، فتكون العقود المشروعة في الشريعة الإسلامية واحداً وعشرين عقداً.
стр. 3193
الفَصْلُ الأوَّل: عَقْدُ البَيعِ خطة الموضوع:
نظراً لتعدد أنواع البيع وأهميتها بحيث يكون كل منها وضعاً قائماً بذاته نرى الفقهاء يترجمون لعقد البيع بعنوان (كتاب البيوع) بصيغة الجمع (١). وقد آثرت العنوان بعقد البيع تمشياً مع صنيع شراح القانون المدني؛ لأن إضافة كلمة (عقد) إلى (البيع) تفيد العموم، لقول النحويين: إنه مفرد مضاف فيعم. والكلام عن عقد البيع يتناول المباحث الستة الآتية:
المبحث الأول - في تكوين عقد البيع.
المبحث الثاني - شروط البيع.
المبحث الثالث - حكم البيع والكلام في المبيع والثمن.
المبحث الرابع - البيع الباطل والبيع الفاسد.
المبحث الخامس - الخيارات.
المبحث السادس- أنواع البيع:
١ - السلم أو السلف
стр. 3194
٢ - الاستصناع
٣ - الصرف
٤ - بيع الجزاف
٥ - الربا
٦ - بيوع الأمانة (المرابحة والتولية والوضيعة)
٧ - الإقالة
المبحث الأول - تكوين عقد البيع وفيه مطلبان:
المطلب الأول - تعريف البيع ومشروعيته وآدابه
المطلب الثاني - ركن البيع أو كيفية انعقاده
المطلب الأول - تعريف البيع ومشروعيته وآدابه:
تعريف البيع:
البيع لغة: مقابلة شيء بشيء، وهو من أسماء الأ ضداد أي التي تطلق على الشيء وعلى ضده، مثل الشراء (١) كما في قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس﴾
стр. 3195
[يوسف:٢٠/ ١٢] أي باعوه، وقوله سبحانه: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ [البقرة:١٠٢/ ٢] ويقال لكل من المتعاقدين: بائع وبيّع، ومشتر وشار.
واصطلاحاً عند الحنفية: مبادلة مال بمال على وجه مخصوص أو هو مبادلة شيء مرغوب فيه بمثله على وجه مفيد مخصوص أي بإيجاب أو تعاطٍ. وخرج بقيد: (مفيد) ما لا يفيد كبيع درهم بدرهم. وغير المرغوب: مثل الميتة والدم والتراب (١).
وقال النووي في المجموع: البيع: مقابلة مال بمال تمليكاً (٢).
وعرفه ابن قدامة في المغني (٣): مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملكاً.
وهو مشتق من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه، أي يصافحه عند البيع، فسمي البيع صفقة (٤).
والمراد بالمال عند الحنفية: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم. وقد انتقد الأستاذ الزرقاء هذا التعريف، واستبدل به تعريفاً آخر، فقال: المال هو كل عين ذات قيمة مادية بين
стр. 3196
الناس (١). وعليه لا تعتبر المنافع والحقوق المحضة ما لاً عند الحنفية. أما جمهور الفقهاء فقد اعتبروها مالاً متقوماً؛ لأن المقصود من الأعيان منافعها.
والمقصود من البيع هنا: هو العقد المركب من الإيجاب والقبول.
مشروعية البيع:
البيع جائز بأدلة من القرآن والسنة والإجماع (٢).
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة:٢/ ٢٧٥] وقوله سبحانه: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] وقوله : ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] وقوله ﷻ : ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة:١٩٨/ ٢].
وأما السنة فأحاديث، منها: سئل النبي ﷺ : أي الكسب أطيب؟ فقال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» (٣) أي لا غش فيه ولا خيانة، ومنها حديث: «إنما البيع عن تراض» (٤) وقد بعث الرسول ﷺ والناس يتبايعون فأقرهم عليه،
стр. 3197
وقال: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصديقين، والشهداء» قال الترمذي: «هذا حديث حسن».
وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي تشريع البيع طريق إلى تحقيق كل واحد غرضه ودفع حاجته، والإنسان مدني بالطبع، لايستطيع العيش بدون التعاون مع الآخرين.
والأصل في البيوع الإباحة، قال الإمام الشافعي: «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا، إلا ما نهى عنه رسول الله ﷺ منها، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه بماوصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى» أي في قوله سبحانه: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة:٢٧٥/ ٢] وقوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤].
آداب البيع: للبيع آداب كثيرة منها:
١ - عدم المغالاة في الربح: إن الغبن الفاحش في الدنيا ممنوع بإجماع الشرائع، إذ هو من باب الخداع المحرَّم شرعاً في كل ملة، لكن اليسير منه الذي لا يمكن الاحتراز عنه لأحد أمر جائز، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبداً، لأنه لا يخلو منه بيع عادة. فإن كان الغبن كثيراً أمكن الاحتراز منه، فوجب رد البيع به. وقدر علماء المالكية الغبن الكثير بالثلث فأكثر؛ لأنه المشروع في الوصية وغيرها (١)، فيكون الربح الطيب المبارك فيه ما كان بقدر الثلث فأكثر.
стр. 3198
٢ - صدق المعاملة: بأن يصف البضاعة بوصفها الحقيقي، دون كذب في الإخبار عن نوعها وجنسها ومصدرها وتكاليفها، أخرج الترمذي عن رفاعة حديثاً: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجّاراً إلا من اتقى الله وبرَّ وصَدَق» والبر: الإحسان في المعاملة. وأخرج الترمذي الحديث السابق عن الخدري: «التاجر الصدوق .. ».
٣ - السماحة في المعاملة: بأن يتساهل البائع في الثمن فينقص منه، والمشتري في المبيع فلا يتشدد في شروط البيع ويزيد في الثمن، أخرج البخاري عن جابر حديثاً: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى بدينه» أي طالب به.
٤ - اجتناب الحلف ولو كان التاجرصادقاً: يندب الامتناع عن الحلف بالله مطلقاً في البيع، لأنه امتحان لا سم الله تعالى، قال سبحانه: «ولا تجعلوا عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس» وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة حديثاً: «الحلف مَنْفَقة للسلعة، مَمْحَقة للبركة».
٥ - كثرة الصدقات: يندب للتاجر كثرة التصدق تكفيراً لما يقع فيه من حلف أوغش أو كتمان عيب أو غبن في السعر أو سوء خلق ونحو ذلك، أخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن قيس بن أبي غرزة حديثاً: «يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة».
٦ - كتابة الدين والإشهاد عليه: تستحب كتابة العقد ومقدار الدين المؤجل، ويندب الإشهاد على البيع نسيئةً (لأجل) وعلى كتابة الدين، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ .. ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة:٢/ ٢٨٢].
стр. 3199
المطلب الثاني - ركن البيع أو كيفية انعقاده ركن (١) البيع عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول الدالان على التبادل أو ما يقوم مقامهما من التعاطي. فركنه بعبارة أخرى: الفعل الدال على الرضا بتبادل الملكين من قول أو فعل (٢)، وهذا قولهم في العقود.
وللبيع عند الجمهور أركان أربعة: وهي البائع والمشتري والصيغة والمعقود عليه وهذا رأيهم في كل العقود.
والإيجاب عند الحنفية: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولاً من كلام أحد المتعاقدين، سواء وقع من البائع كبعت، أو من المشتري كأن يبتدئ المشتري فيقول: اشتريت بكذا.
والقبول: ما ذكر ثانياً من كلام أحد المتعاقدين (٣). فالمعتبر إذن أولية الصدور وثانويته فقط سواء أكان من جهة البائع أم من جهة المشتري.
وعند الجمهور: الإيجاب: هو ما صدر ممن يكون منه التمليك وإن جاء متأخراً. والقبول: هو ما صدر ممن يصير له الملك وإن صدر أولاً (٤).
وأركان البيع عند الجمهور غير الحنفية ثلاثة أو أربعة (٥): عاقد (بائع ومشتر) ومعقود عليه (ثمن ومثمن) وصيغة (إيجاب وقبول).
стр. 3200
والكلام في الإيجاب والقبول في موضعين:
أحدهما - في صيغة الإيجاب والقبول.
والثاني - في صفة الإيجاب والقبول.
١ - صيغة الإيجاب والقبول صيغة العقد: هي صورته التي يقوم بها من إيجاب وقبول إن كان العقد التزاماً بين طرفين، أو إيجاب فقط إن كان التزاماً من جانب واحد.
اتفقت الشرائع على أن مدار وجود العقد وتحققه هو صدور ما يدل على التراضي من كلا الجانبين بإنشاء التزام بينهما. وهذا هو ما يعرف عند العلماء (بصيغة العقد) وهو ما يسمى عند القانونيين (التعبير عن الإرادة) ويشترط في صيغة العقد أن يكون صدورها من المتعاقدين بطريق يعتبره الشارع، وطريق اعتبار الشارع عند الحنفية: هو أن البيع ينعقد بكل لفظ يدل على التراضي بتبادل الملك في الأموال بحسب عرف الناس وعاداتهم (١).
فقالوا (٢): ينعقد البيع بصيغة الماضي مثل: بعت، واشتريت. وبصيغة الحال مع النية مثل: أبيع وأشتري.
أما البيع بلفظ الاستدعاء الذي يعبر به عن المستقبل، فلا ينعقد به البيع عند الحنفية كأن يقول: (بعني أو اشتر مني) ما لم يقل المشتري مرة ثانية في المثال الأول: اشتريت، وفي المثال الثاني: يقول البائع ثانية: (بعت) لأن طالب البيع أو الشراء وهو المستدعي، ينسب إلى الغش والتدليس في العادة، فربما فهم الناس منه
стр. 3201
أنه لو لم يكن في البيع عيب، لما كان يسأل غيره في أخذه، وإنما غيره هو الذي يطلبه، كما هو المعروف في الأسواق، ثم إنه لو تأخر القبول عن الإيجاب لم يصح به البيع، فلم يصح إذا تقدم، ولأنه عقد خلا عن القبول، فلم ينعقد كما لو لم يطلب البيع أو الشراء.
الفرق بين البيع والزواج: البيع بخلاف عقد النكاح، فإنه يصح بلفظ الاستدعاء، مثل أن يقول: (زوجني) لأنه في هذه الحالة يكون قوله: (زوجني) توكيلاً بالزواج، فإن زوجه امتثل أمره، ولبى طلبه فيكون المزّوج ولياً من طرف ووكيلاً من طرف، والشخص الواحد: يتولى طرفي عقد النكاح، بخلاف البيع، فإنه لا يجوز أن يتولى الواحد طرفي العقد في البيع إلا الأب يشتري مال ابنه لنفسه أو يبيع ماله منه، وكذلك الوصي عند أبي حنيفة إذا اشترى لليتيم من نفسه أو لنفسه منه.
وهناك فرق آخر بين البيع والنكاح: وهو أن لفظ الأمر للمساومة حقيقة، فلا تكون صيغته إيجاباً وقبولاً حقيقة، بل هي طلب الإيجاب والقبول، فلا بد للإيجاب والقبول من لفظ آخر يدل عليهما، ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في النكاح؛ لأن المساومة لا توجد فيه عادة؛ لأنه مبني على مقدمة الخطبة، فتحمل هذه الصيغة على الإيجاب والقبول. أما البيع فلا يكون مسبوقاً بمثل ذلك، فكان الأمر فيه مساومة، عملاً بحقيقة لفظ الأمر، ولا يعدل عن الحقيقة إلى شيء آخر إلا بدليل، ولم يوجد في البيع، بخلاف النكاح كما تقدم.
والخلاصة: أن صيغة البيع عند الحنفية إما أن تكون بلفظين من غير نية، وذلك بصيغة الماضي، مثل بعت واشتريت، وهذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعاً، لكنها جعلت إيجاباً للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على اللغة.
стр. 3202
أو بلفظين مع النية للحال، وذلك بصيغة المضارع؛ لأن المضارع يحتمل الحال أو الاستقبال، فتكون النية لدفع المحتمل: وهو أن يراد الوعد بالبيع في المستقبل، فتكون نية الإيجاب للحال مانعة من إرادة المستقبل.
أو بثلاثة ألفاظ، وذلك بلفظ الاستفهام: بأن قال المشتري: (أتبيع مني هذا الشيء؟) أو بلفظ الأمر بأن قال البائع: (اشتر مني هذا الثوب) أو قال المشتري: (بع مني هذا الثوب) لا ينعقد في هذه الأمثلة ما لم ينضم إليها لفظ ثالث، فيقول المشتري في المثال الأول: (اشتريت) لأن لفظ الاستفهام لا يستعمل للحال حقيقة، ويقول البائع في المثال الثاني: (بعت) ويقول المشتري في المثال الثالث: (اشتريت).
وعلى هذا، لا يصح أصلاً البيع بلفظ الأمر مجرداً سواء نوى، أو لم ينو إلا إذا دل على الحال مثل: (خذه بكذا) كما لا يصح أصلاً بالمضارع المقترن بالسين أو سوف، مثل: (سأبيعك) لأن ذكر السين يناقض إرادة الحال (١).
وقال المالكية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة: ينعقد العقد سواء أكان بيعاً أم نكاحاً بلفظ الاستدعاء مثل: «بعني» أو «اشتر مني» فيقول الآخر: «بعت» أو «اشتريت» لأن أساس العقد هو التراضي، ولفظ الإيجاب والقبول وجد منهما على وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما به عرفاً، فصح كما لو تقدم الإيجاب، وبه يحصل الغرض بكون المستدعي بائعاً أو مشترياً (٢).
стр. 3203
بيع المعاطاة:
بيع المعاطاة أو بيع المراوضة: هو أن يتفق المتعاقدان على ثمن ومثمن، ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول، وقد يوجد لفظ من أحدهما.
مثل: أن يأخذ المشتري المبيع، ويدفع للبائع الثمن، أو يدفع البائع المبيع، فيدفع له الآخر ثمنه من غير تكلم ولا إشارة، سواء أكان المبيع حقيراً أم نفيساً. وقد اختلف الفقهاء في حكمه.
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة في الأرجح عندهم: يصح بيع المعاطاة متى كان هذا معتاداً دالاً على الرضا ومعبراً تماماً عن إرادة كل من المتعاقدين، والبيع يصح بكل ما يدل على الرضا، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر، ولم ينقل إنكاره عن أحد، فكان ذلك إجماعاً، فالقرينة كافية هنا في الدلالة على الرضا (١).
وقال الشافعية: يشترط أن يقع العقد بالألفاظ الصريحة أو الكنائية، بالإيجاب والقبول، فلا يصح بيع المعاطاة، سواء أكان المبيع نفيساً أم حقيراً؛ لأن الرسول ﵊ قال: «إنما البيع عن تراض» (٢) والرضا أمر خفي، فاعتبر ما يدل عليه من اللفظ، لا سيما عند إثبات العقد حالة التنازع، فلا تقبل شهادة الشهود لدى الحاكم إلا بما سمعوه من اللفظ.
وقد اختار جماعة من الشافعية منهم النووي والبغوي والمتولي صحة انعقاد بيع المعاطاة في كل ما يعده الناس بها بيعاً، لأنه لم يثبت اشتراط لفظ، فيرجع
стр. 3204
للعرف كسائر الألفاظ المطلقة، قال النووي: وهذا هو المختار للفتوى. وبعض الشافعية كابن سريج والروياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقرات أي غير النفيسة: وهي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز وحزمة بقل
ونحوها (١).
ويلاحظ أن الفقهاء أجمعوا على أن الزواج لا ينعقد بالفعل، بل لا بد من القول للقادر عليه لخطره، فكان لا بد من الاحتياط له، وإتمامه بأقوى الدلالات على الإرادة: وهو القول.
٢ - صفة الإيجاب والقبول - الكلام في خيار المجلس:
لا يكون كل من الإيجاب والقبول لازماً قبل وجود الآخر، فإذا وجد أحدهما لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر، ويكون لكل من المتعاقدين حينئذ خيار القبول والرجوع، فإذا تم الإيجاب والقبول، فهل يكون لأحد العاقدين في مجلس العقد خيار الرجوع؟
اختلف العلماء فيه.
فقال الحنفية والمالكية والفقهاء السبعة بالمدينة (٢): يلزم العقد بالإيجاب والقبول؛ لأن البيع عقد معاوضة، يلزم بمجرد تمام لفظ البيع والشراء، ولا يحتاج إلى خيار مجلس، ولقول عمر ﵁: «البيع صفقة أو خيار».
وقالوا عن حديث «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا»: المراد بالمتبايعين: هما
стр. 3205
المتساومان والمتشاغلان بأمر البيع، والمراد بالتفرق التفرق بالأقوال: وهو أن يقول الآخر بعد الإيجاب: لا أشتري، أو يرجع الموجب قبل القبول، فالخيار قبل القبول ثابت. ورد بعضهم هذا الحديث لمعارضته لآية ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] وآية ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] وقال بعضهم: إنه منسوخ.
يظهر من هذا أن خيار المجلس مقصور عند هؤلاء على ما قبل تمام العقد، فإذا أوجب أحد المتعاقدين، فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس، وإن شاء رد، وهذا هو خيار القبول (١) وخيار الرجوع.
وقال الشافعية والحنابلة وسفيان الثوري وإسحاق: إذا انعقد البيع بتلاقي الإيجاب والقبول، يقع العقد جائزاً أي غير لازم، ما دام المتعاقدان في المجلس، ويكون لكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ما دام مجتمعين لم يتفرقا أو يتخايرا، والمحكَّم في التفرق: العرف (٢): وهو أن يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه.
стр. 3206
والمراد به التفرق بالأبدان، وهو التفرق حقيقة. وهو الذي يكون لذكره في الحديث فائدة، لأنه معلوم لكل واحد أن المتعاقدين بالخيار إذا لم يقع بينهما عقد بالقول.
وهذا هو خيار المجلس الثابت في أنواع البيع، لما روى الشيخان أنه ﷺ قال: «البيِّعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر» (١) أي اختر اللزوم. قال ابن رشد: وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد، وأصحها. وقد أثبت ابن حزم في المحلى تواتره.
وردوا على المالكية والحنفية بأن اللفظ الوارد في هذا الحديث لا يحتمل ما قالوه (أي التفرق بالأقوال) إذ ليس بين المتبايعين تفرق بلفظ ولا اعتقاد، إنما بينهما اتفاق على الثمن والمبيع، بعد الاختلاف فيهما. وتأويلهم يبطل فائدة الحديث، لأنه من المعلوم أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه، وإتمامه، أو تركه، ومعنى قول عمر السابق: «البيع صفقة أو خيار» هو أن البيع ينقسم إلى بيع شرط فيه الخيار، وبيع لم يشترط فيه الخيار، وقد سماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه.
إلا أنه أخذ على هذا الرأي كونه يهدر أو يزعزع القوة الملزمة للعقد، وهو مبدأ خطير من أهم المبادئ القانونية (٢). لكنني رددت على هذا الاتهام في بحث نظرية الفسخ السابقة.
стр. 3207
المبحث الثاني - شروط البيع يجب أن يتوافر في عقد البيع أربعة أنواع من الشروط وهي: شروط انعقاد، وشروط صحة، وشروط نفاذ، وشروط لزوم (١)، والقصد من هذه الشروط في الجملة منع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية مصالح العاقدين، ونفي الغرر (أي الاحتمال) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة، فإذا اختل شرط الانعقاد كان العقد باطلاً، وإذا اختل شرط الصحة كان العقد عند الحنفية فاسداً، وإذا لم يتوافر شرط النفاذ كان العقد موقوفاً على الإجازة ولا تنتقل به الملكية إلا بالإجازة، وإذا انعدم شرط اللزوم كان العقد مخيراً فيه أي مشتملاً على خيار الإمضاء أو الإبطال.
أولاً - شرائط الانعقاد: وهي ما يشترط تحققه لاعتبار العقد منعقداً شرعاً، وإلا كان باطلاً. وقد اشترط الحنفية لانعقاد البيع أربعة أنواع من الشروط: في العاقد، وفي نفس العقد، وفي مكانه، وفي المعقود عليه (٢).
أما ما يشترط في العاقد فهو شرطان:
١ - أن يكون العاقد عاقلاً أي مميزاً، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي غير العاقل.
ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، فيصح تصرف الصبي المميز البالغ من العمر سبع سنوات كما سيأتي تفصيله، وفي الجملة: إن تصرفات الصبي المميز العاقل تنقسم عند الحنفية إلى ثلاثة أقسام:
آـ التصرفات النافعة نفعاً محضاً: كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد
стр. 3208
وقبول الهبة والصدقة والوصية والكفالة بالدين، فهذه التصرفات تصح من الصبي العاقل دون إذن ولا إجازة من الولي، لأنها لنفعة التام.
ب - التصرفات الضارة ضرراً محضاً: كالطلاق والهبة والصدقة والإقراض وكفالته لغيره بالدين أو بالنفس، فهذه لا تصح من الصبي العاقل، ولا تنفذ، ولو أجازها وليه؛ لأن الولي لا يملك إجازة هذه التصرفات لما فيها من الضرر.
ج - التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع: كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار والزواج والمزارعة والمساقاة والشركات ونحوها. فهذه التصرفات تصح من الصبي المميز، ولكنها تكون موقوفة على إذن الولي أو إجازته ما دام صغيراً، أو على إجازته بنفسه بعد البلوغ؛ لأن للمميز جانباً من الإدراك غير قليل (١).
٢ - أن يكون العاقد متعددا ً: فلا ينعقد البيع بواسطة وكيل من الجانبين إلا في الأب ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، بخلاف الوكيل في عقد النكاح، فإنه يصح أن يعقد النكاحَ وكيل من الجانبين.
والفرق بين البيع والنكاح: هو أن للبيع حقوقاً متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة بتسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب والخيارات. ويستحيل أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلِّماً ومتسلماً، طالباً ومطالباً، وهذا محال. وبما أن حقوق العقد مقتصرة على العاقد فلا يصير كلام العاقد كلام الشخصين. وأما الوكيل في النكاح فإن حقوق العقد لا ترجع إليه، وإنما ترجع إلى الموكل فكان سفيراً محضاً بمنزلة الرسول.
стр. 3209
وقد استثني الأب فيما يبيع مال نفسه من ابنه الصغير، بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس فيه عادة، أو يشتري مال الصغير لنفسه، لأنه حينئذ اقترب من مال اليتيم بالتي هي أحسن، لكمال شفقته ووفرة رعايته بحكم طبيعة الحال.
والوصي مثل الأب عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا تصرف بما فيه نفع ظاهر لليتيم أو بمثل القيمة، لأنه مرضي الأب، والظاهر ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير. وقال محمد: لا يجوز تصرف الوصي بمال الصبي لنفسه بمثل القيمة؛ لأن القياس يأبى جوازه أصلاً من الأب والوصي جميعاً. والتساهل في الأب لكمال شفقته بخلاف الوصي.
والقاضي لا ترجع إليه حقوق العقد، فكان بمنزلة الرسول، والرسول لا تلزمه حقوق العقد، لأنه معبر وسفير، فجاز لكل من القاضي والرسول تولي العقد عن الجانبين.
وأجاز جمهور الحنفية بخلاف الشافعي وزفر للشخص الواحد أن يتولى طرفي عقد النكاح بإيجاب يقوم مقام القبول في خمس صور:
إذا كان ولياً أو وكيلاً من الجانبين كأن يقول شخص: زوجت ابني ببنت أخي، أو زوجت موكلي فلاناً موكلتي فلانة، أو أصيلاً من جانب ووكيلاً من جانب آخر كما لو وكلت امرأة شخصاً في أن يزوجها من نفسه، أو أصيلاً من جانب وولياً من جانب كأن يتزوج بنت عمه الصغيرة، أو ولياً من جانب ووكيلاً من جانب: مثل زوجت بنتي من موكلي. أما صورة الأصيل من الجانبين فهي مستحيلة عقلاً (١).
стр. 3210
وأما ما يشترط في نفس العقد فهو شرط واحد: وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب (١) كما سيأتي تفصيله.
وأما ما يشترط في مكان العقد: فهو شرط واحد أيضاً وهو اتحاد مجلس الإيجاب والقبول كما سيذكر تفصيله. ومجلس البيع: هو الاجتماع الواقع لعقد البيع (م ١٨١ مجلة).
وأما ما يشترط في المعقود عليه أي المبيع فهو أربعة شروط (٢):
١ - أن يكون المبيع موجودا ً: فلا ينعقد بيع المعدوم قبل وجوده وماله خطر العدم. من أمثلة الأول: بيع نتاج النتاج أي ولد ولد هذه الناقة مثلاً، وبيع الثمر قبل انعقاد شيء منه على الشجرة. ومن أمثلة الثاني: بيع الحمل، وبيع اللبن في الضرع، فكل من الحمل واللبن متردد بين الوجود وعدم الوجود فهما على خطر العدم.
ودليله في الجملة: أنه ﷺ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها (٣). ويلحق به بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، ففي هذا غلط في الجنس فلا ينعقد البيع، لأن المبيع معدوم.
ويستثنى بيع السلم والاستصناع وبيع الثمر على الشجر بعد ظهور بعضه في رأي بعض الحنفية.
стр. 3211
٢ - أن يكون المبيع مالاً متقوماً: والمال عند الحنفية كما عرفنا سابقاً: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. وبعبارة أخرى: هو كل ما يمكن أن يملكه الإنسان وينتفع به على وجه معتاد. والأصح أنه هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس. والمتقوم: ما يمكن ادخاره مع إباحته شرعاً. وبعبارة أخرى: هو ما
كان محرزاً فعلاً ويجوز الانتفاع به في حالة الاختيار (١)، فلا ينعقد بيع ما ليس بمال كالإنسان الحر والميتة والدم، ولا بيع مال غير متقوم كالخمر والخنزير في حق مسلم، ويجوز بيع آلات الملاهي عند أبي حنيفة لإمكان الانتفاع بالأدوات المركبة منها، وعند الصاحبين وبقية الأئمة: لا ينعقد بيع هذه الأشياء، لأنها معدة للفساد.
٣ - أن يكون مملوكاً في نفسه: أي محرزاً وهو ما دخل تحت حيازة مالك خاص. فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس مثل بيع الكلأ ولو في أرض مملوكة، والماء (٢) غير المحرز، والحطب، والحشيش، والصيود التي في البراري، وتراب الصحراء ومعادنها، وأشعة الشمس والهواء، ولقطات البحر وحيوانات البر في البراري.
أما كون المبيع مملوكاً للبائع، فليس شرط انعقاد، وإنما هو شرط نفاذ كما سيأتي.
стр. 3212
٤ - أن يكون مقدور التسليم عند العقد:
فلا ينعقد بيع معجوز التسليم، وإن كان مملوكاً للبائع، مثل الحيوان الشارد والطير في الهواء، والسمك في البحر بعد أن كان في يده.
شروط الإيجاب والقبول:
يفهم مما ذكر من شرائط الانعقاد أنه يشترط في الإيجاب والقبول ثلاثة شروط:
١ - الأهلية: هي عند الحنفية أن يكون كل من الموجب والقابل عاقلاً مميزاً يدرك ما يقول ويعينه حقاً (١)، فهو في الحقيقة شرط في العاقد لا في الصيغة، إلا بالنظر لصدورها من العاقدين. والتمييز مقدر عند الحنفية بتمام السنوات السبع وعند غيرهم ببلوغ السبع سنوات، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العقد ارتباط بين إرادتي طرفيه.
والكلام ونحوه كالكتابة والإشارة دليل على هاتين الإرادتين، فكان لا بد من أن يكون هذا الدليل صادراً من مميز عاقل.
والبلوغ والاختيار ليسا من شروط الانعقاد عند الحنفية، لذا كان من الضروري الكلام في بيع الصبي والمكره عند فقهاء المذاهب.
بيع الصبي المميز:
قال الحنفية والمالكية والحنابلة: ينعقد تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي، وإلا كان موقوفاً على إجازة وليه. ودليلهم أن المدار في التصرف
стр. 3213
على إذن الولي، لا على الصبي، فصح البيع؛ لأن الصبي حينئذ كالدلال، والعاقد غيره، ولأن دفع المال إلى الصبي بعد رشده متوقف على اختباره بالبيع والشراء، وأنه يغبن أم لا، فكان لا بد من القول بصحة تصرفاته وعقوده، ولكن بإذن الولي لتحصيل المصلحة وحفظ أمواله (١).
وقال الشافعية (٢): لا ينعقد بيع الصبي لعدم أهليته، وشرط العاقد بائعاً أو مشترياً: أن يكون راشداً: وهو أن يتصف بالبلوغ وصلاح الدين والمال، ودليلهم قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ [النساء:٥/ ٤] والتصرف بالبيع والشراء في معنى إعطاء السفهاء المال لاستلزام البيع والشراء لبذل المال، والجامع بينهما نقص العقل المؤدي بكل منهما لإضاعة المال في غير طريقه الشرعي (٣).
بيع المكره وبيع التلجئة:
بيع المكره:
قال جمهور الحنفية: إن عقود البيع والشراء والإيجار ونحوها من المكره إكراهاً ملجئاً أو غير ملجئ تكون فاسدة؛ لأن الإكراه يزيل الرضا الذي هو شرط في صحة هذه العقود، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٩٢/ ٤] وحينئذ يحق
стр. 3214
للمستكره فسخ ما عقد أو إمضاؤه. ويثبت الملك للمشتري عند القبض كبقية العقود الفاسدة، ويلزم العقد بقبض المستكره الثمن، أو تسليم المبيع طوعاً، إلا أنه يخالف البيع الفاسد في صور منها: أنه يجوز بالإجازة القولية والفعلية، ويزول الفساد بخلاف غيره من البيوع الفاسدة لا تجوز، وإن أجيزت؛ لأن الفساد فيها لحق الشرع، والفساد هنا إنما كان صيانة لمصلحة خاصة لا لمصلحة شرعية عامة، وبه يشبه المكره البيع الموقوف، ومن هنا قالوا: إنه بيع فاسد موقوف.
لذا قال زفر: إن الإكراه يجعل العقد غير نافذ، فهو كعقد الفضولي صحيح موقوف بالنسبة إلى المستكره، فيتوقف على إجازته بعد زوال الإكراه؛ لأن الإكراه إنمايخل بحق المستكره ومصلحته، فيكفي لحمايته جعل العقد موقوف النفاذ على رضاه بعد زوال الإكراه، ورأي زفر أقوى دليلاً (١).
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون العاقد مختاراً طائعاً في بيع متاع نفسه، فلا ينعقد بيع المكره في ماله بغير حق، لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٩٢/ ٤] ولقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢).
وأما الإكراه بحق فلا يمنع من انعقاد العقد، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه،
стр. 3215
مثل الإجبار على بيع الدار لتوسعة المسجد أو الطريق أو المقبرة، أو على بيع سلعة لوفاء دين أو لنفقة زوجة أو ولد أو الأبوين، أو لأجل وفاء ما عليه من الخراج الحق.
وقال المالكية: بيع المكره غير لازم، فيكون للعاقد المستكره الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه. هذا ما وجدته في مختصر خليل وشراحه، لكن قال ابن جزي: يشترط في البائع والمشتري أن يكونا طائعين، فإن بيع المكره وشراءه باطلان (١).
بيع المضطر: أن يضطر شخص إلى بيع شيء من ماله، ولم يرض المشتري إلا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش. مثاله: أن يلزم القاضي شخصاً ببيع ماله لإيفاء دينه، أو ألزم الذمي بائعاً ببيع مصحف أو عبد مسلم ونحو ذلك. وحكمه عند الحنفية كما قالوا: بيع المضطر وشراؤه فاسد (٢). وأجازه فقهاء آخرون للضرورة.
بيع التلجئة: صورة بيع التلجئة أو بيع الأمانة: أن يخاف إنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه، ويتم العقد مستوفياً أركانه وشرائطه. واختلف العلماء في شأنه.
فقال الحنابلة: إنه عقد باطل غير صحيح، لأن العاقدين ماقصدا البيع، فلم يصح منهما كالهازلين (٣).
وقال الحنفية والشافعي: هو بيع صحيح، لأن البيع تم بأركانه وشروطه،
стр. 3216
وأتي باللفظ مع قصد واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد، ثم عقد البيع بغير شرط. وأما عدم رضاه بوقوعه فهو كظنه أنه لا يقع، لا أثر له لخطأ ظنه (١).
بيع السمسرة: السمسرة: هي الوساطة بين البائع والمشتري لإجراء البيع. والسمسرة جائزة، والأجر الذي يأخذه السمسار حلال؛ لأنه أجر على عمل وجهد معقول، لكن قال الشافعية: لا يصح استئجار بيّاع على كلمة لا تتعب، وإن روّجت السلعة؛ إذ لا قيمة لها (٢). ولا بأس أن يقول شخص لآخر: بع هذا الشيء بكذا، وما زاد فهو لك، أو بيني وبينك، لما رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة: «المسلمون على شروطهم».
٢ - الشرط الثاني - من شروط صيغة البيع: أن يكون القبول موافقاً للإيجاب: بأن يرد على كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه (٣) فإذا قال إنسان لآخر: بعتك هذين الثوبين بألف ليرة، فقال المشتري: قبلت في هذا الثوب، وأشار إلى واحد منهما، لا ينعقد البيع. وإذا قال لآخر: بعتك هذه الدار بما فيها من مفروشات بألفي ليرة، فقال المشتري: قبلت شراءها دون ما فيها بألف ليرة مثلاً، لم ينعقد العقد أيضاً، لتفريق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها؛ لأن من عادة التجار ضم الرديء إلى الجيد، ترويجاً للرديء بواسطة الجيد.
стр. 3217
فلو قبل المشتري بأكثر مما طلب، انعقد البيع؛ لأن القابل بالأكثر قابل بالأقل طبعاً، غير أنه لا يكون ملزماً إلا بالثمن الذي طلبه البائع.
ولو قبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد.
وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع البيع بثمن حالّ، فقبل المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين فقبل المشتري بأجل أبعد منه، فلا ينعقد البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب.
٣ - أن يتحد مجلس العقد: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بأن كان الطرفان حاضرين معاً، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب (١). ونتائج هذا الشرط ما يلي:
لو أوجب أحد الطرفين البيع فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد البيع. ولكن لا يشترط الفور في القبول؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل، واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات للضرورة.
وكذلك قال المالكية (٢): لا يضر في البيع الفصل بين الإيجاب والقبول إلا أن يخرج عن البيع لغيره عرفاً.
وقال الشافعية والحنابلة (٣): يشترط أن يكون القبول بعد الإيجاب بألا يفصل بينهما فاصل كثير: وهو ما أشعر بالإعراض عن القبول. ولا يضر الفصل اليسير
стр. 3218
لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول. ويضر تخلل كلام أجنبي عن العقد ولو يسيراً بين الإيجاب والقبول.
التعاقد حالة المشي أو الركوب: إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابة واحدة أو دابتين: فإن اتصل الإيجاب والقبول من غير فصل بينهما، انعقد العقد، حتى ولو مشيا خطوة أو خطوتين جاز، فإن كان بين القبول والإيجاب فصل وسكوت، وإن قل، لا ينعقد العقد؛ لأن المجلس تبدل بالمشي والسير، وقاسوا ذلك على قراءة آية السجدة وخيار المخيرة (١). فلو قرأ آية سجدة وهو يمشي على الأرض، أو يسير على دابة لا يصلى عليها، يلزمه لكل قراءة سجدة، وكذا لو خير امرأته في المجلس بأن تطلق نفسها منه وهي تمشي على الأرض أو تسير على دابة لا يصلى عليها، فمشت أو سارت: يبطل خيارها لتبدل المجلس، لأن «التفويض يقتصر على المجلس بخلاف الوكالة فإنها لا تقتصر عليها» وتوكيل الرجل زوجته بتطليق نفسها يقتصر على المجلس (٢).
ولو تبايعا وهما واقفان، انعقد البيع، لاتحاد المجلس.
ولو أوجب أحدهما البيع وهما واقفان، فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعاً أو سار البائع قبل القبول، ثم قبل المشتري بعدئذ لا ينعقد، لأنه لما سار أحدهما أو سارا، فقد تبدل المجلس قبل القبول، ويجعل السير دليلاً على الإعراض.
أما لو وقف الزوج، فخير امرأته، ثم سار وهي واقفة، فلها الخيار. ولو
стр. 3219
سارت هي والزوج واقف بطل خيارها، فالعبرة إذن لمجلسها لا لمجلس الزوج، فما دامت في مجلسها، لم يوجد منها دليل الإعراض، فيظل لها الخيار. وأما الزوج فلا يبطل كلامه بالإعراض؛ لأن التخيير من قبله لازم، أما في البيع فيعتبر مجلسهما جميعاً.
التعاقد على ظهر سفينة أو طائرة: لو تبايع الطرفان على سفينة أو طائرة أوقطار، انعقد العقد، سواء كانت هذه الوسائل واقفة أم جارية، بخلاف المشي على الأرض والسير على الدابة؛ لأن الشخص لا يستطع إيقاف تلك الوسائل، فاعتبر المجلس فيها مجلساً واحداً، وإن طال، أما الدابة، فإنه يستطيع إيقافها.
التعاقد مع غائب: إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع أو الشراء والآخر غائب، فبلغه الإيجاب، فقبل، لا ينعقد البيع، كأن يقول: «بعت هذه البضاعة من فلان الغائب» فبلغه الخبر، فقبل: لا يصح، لأن القاعدة الأصلية في هذا: أن أحد شطري العقد الصادر من أحد العاقدين في البيع يتوقف على الآخر في مجلس العقد (أي يظل قائماً ساري المفعول ضمن المجلس لا بعده) ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما وراء المجلس بالاتفاق، إلا إذا كان عنه قابل (أي وكيل) أو كان بالرسالة أو الكتابة (١).
التعاقد بواسطة رسول: أما الرسالة: فهي أن يرسل أحد المتعاقدين رسولاً إلى رجل فيقول المتعاقد الآخر: (إني بعت هذا الثوب من فلان الغائب بكذا) فاذهب إلىه، وقل له: (إن فلاناً باع ثوبه منك بكذا) فجاء الرسول، وأخبره بما قال، فقال المشتري في مجلس أداء الرسالة: (اشتريت) أو (قبلت): تم البيع بينهما؛ لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، فكأنه حضر بنفسه وخوطب بالإيجاب فقبل، فينعقد العقد.
стр. 3220
التعاقد بالمراسلة: أما الكتابة: فهي أن يكتب رجل إلى آخر: (أما بعد، فقد بعت فرسي منك بكذا) فبلغه الكتاب، فقال في مجلسه (أي مجلس بلوغ الكتاب): (اشتريت أو قبلت). ينعقد البيع لأن خطاب الغائب كتابة يجعله كأنه حضر بنفسه، وخوطب بالإيجاب فقبل في المجلس، فإن تأخر القبول إلى مجلس ثان لم ينعقد البيع.
وللكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود بشرط أن يكون قبل قبول الآخر ووصول الرسالة. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها.
واتحاد المجلس شرط للانعقاد أيضاً في الإجارة والهبة، على التفصيل السابق في البيع.
وأما الخلع فإن شطر العقد الصادر من الزوج يتوقف (أي يظل ساري المفعول) على قبول الآخر وراء المجلس بالاتفاق، كأن يقول: خالعت امرأتي الغائبة على كذا، فبلغها الخبر، فقبلت، جاز.
وأما النكاح فهو كالبيع عند أبي حنيفة ومحمد، لا يتوقف شطر العقد فيه (أي لا يسري مفعوله) إلا إذا كان عن الغائب قابل، فإذا قال رجل للشهود: (اشهدوا أني قد تزوجت فلانة بكذا) وبلغها الخبر فأجازت أو قالت امرأة: (اشهدوا أني زوجت نفسي من فلان بكذا) فبلغه، فأجازها، لا ينعقد العقد في الحالتين عند أبي حنيفة ومحمد إلا إذا كان عن الغائب قابل.
وعند أبي يوسف: يتوقف شطر العقد في النكاح على قبول الآخر فيما وراء المجلس، فينعقد العقد في هذين المثالين بقبول الغائب، وإن لم يقبل عنه أحد في مجلس العقد.
стр. 3221
مبدأ وحدة الصفقة وتفرقها:
الصفقة: ضرب اليد على اليد في البيع، والبيعة للإمام، ثم جعلت عبارة عن العقد نفسه (١). قال النووي: الصفقة: هي عقد البيع، لأنه كان من عادتهم أن يضرب كل واحد من المتعاقدين يده على يد صاحبه عند تمام العقد (٢).
والعقد يحتاج في تكوينه كما هو معلوم إلى مبيع، وثمن، وبائع، ومشتر، وبيع وشراء. وباتحاد بعض هذه الأشياء مع بعض وتفرقها، يحصل اتحاد الصفقة، وتفريقها (٣).
وقد اتفق العلماء على ضرورة اتحاد الصفقة من حيث المبدأ، لأن من شرائط انعقاد البيع الشرط المذكور قريباً: وهو أن يكون القبول موافقاً للإيجاب، إلا أن هناك اختلافات جزئية في تحقيق هذا المبدأ أو عدم تحقيقه أي تفريق الصفقة.
فقال الحنفية (٤): لا بد من معرفة ما يوجب اتحاد الصفقة وتفريقها، وذلك إما بسبب العاقدين أو بسبب المبيع.
أـ أما بالنسبة للعاقدين: فإن اتحد شخص الموجب سواء أكان بائعاً، أم مشترياً، وتعدد القابل المخاطب، لم يجز للقابلين تفريق الصفقة بأن يقبل أحدهما البيع دون الآخر. وإن انعكس الأمر فتعدد الموجب واتحد القابل، لم يجز للقابل القبول في حصة أحد الموجبين دون الآخر. مثل الحالة الأولى: أن يقول البائع لمشتريين: بعتكما هذه السلعة بألف ليرة، فقال أحدهما: اشتريت، ولم يقبل
стр. 3222
الآخر، كانت الصفقة متعددة، فلم ينعقد العقد إلا باتفاق جديد. ومثل الحالة الثانية: أن يقول شخص لمالكي سلعة: اشتريت منكما هذه السلعة بألف ليرة مثلاً، فباعه أحدهما دون الآخر، فإن الصفقة تتعدد في هذه الحالة، فلا ينعقد العقد.
ب - وأما بالنسبة للمبيع: فإن اتحد العاقدان، وقبل أحدهما في بعض المبيع دون بعض، لم يصح العقد، لتفرق الصفقة.
وإن اتحد العاقدان، وتعدد المبيع، فإما أن يكون المبيع مثليين أو مثليا وقيمياً وفي كلتا الحالتين لايجوز للمشتري أن يقبل في أحد المبيعين، ويرفض الآخر، فإن فعل، تعددت الصفقة، وحينئذ لا يتم البيع إلا برضا جديد من البائع بما قبل به المشتري، فيصبح القبول إيجاباً، والرضا قبولاً، ويبطل الإيجاب الأول.
غير أن هناك فرقاً بين الحالتين: وذلك في قسمة الثمن على أجزاء المبيع وفي وحدة الصفقة وتعددها. فإذا كان المبيع مثليين كقفيزين من أرز أو كمدين من حنطة أو رطلين من حديد، وقبل المشتري في أحدهما، انقسم الثمن بنسبة أجزاء المبيع، فيكون ثمن الجزء الذي تم فيه المبيع في هذا المثال نصف الثمن الأصلي المذكور لجزئي المبيع؛ لأن الثمن في المثليات ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء، فكانت حصة كل جزء من الثمن معلوماً. وتكون الصفقة عندئذ واحدة. ويشبه المثليات (المكيل والموزون) في قسمة الثمن عليه بالأجزاء ما إذا كان المبيع شيئاً واحداً كحيوان واحد.
وإذا كان المبيع من غير المثليات أي القيميات كثوبين ودابتين، لا ينقسم الثمن على المبيع باعتبار الأجزاء، لعدم تماثل الأجزاء، وإذا لم ينقسم الثمن في هذه الحالة، بقيت حصة كل واحد من جزئي المبيع من الثمن مجهولة، وجهالة الثمن
стр. 3223
تمنع صحة البيع. فإن أريد تصحيح الصفقة فلا بد من أحد أمرين:
إما أن يكرر البائع لفظ البيع بأن يقول: بعتك هذين الثوبين، بعتك هذا بألف، وبعتك هذا بألف، أو اشتريت منك هذين المتاعين، اشتريت هذا بمئة، واشتريت هذا بمئة، فيصح العقد، ويصبح هنا صفقتان.
وإما أن يفرق الثمن على أجزاء المبيع، بأن يقول البائع: بعتك هذين الكتابين، هذا بمئة، وهذا بخمسين، فقبل المشتري في أحدهما، جاز البيع لانعدام تفريق الصفقة الواحدة من المشتري، بل البائع هو الذي فرق الصفقة، حيث سمى لكل واحد من المبيعين ثمناً على حدة، فكانت هذه الحالة صفقات معنى، وإلا لو كان غرض البائع ألا يبيع المبيعين للمشتري إلا جملة واحدة، لم تكن هناك فائدة لتعيين ثمن كل منهما على انفراد.
وإذا تطابق الإيجاب والقبول، لزم البيع، ولا خيار لواحد من العاقدين إلا بسبب وجود عيب أو عدم رؤية للمبيع. نصت المادة (٣٥١) من المجلة على ما يأتي: «ما بيع صفقة واحدة إذا ظهر بعضه معيباً: فإن كان قبل القبض، كان المشتري مخيراً: إن شاء رد مجموعه، وإن شاء قبله بجميع الثمن، وليس له أن يرد المعيب وحده، ويمسك الباقي. وإ ن كان بعد القبض: فإذا لم يكن في التفريق ضرر، كان له أن يرد المعيب بحصته من الثمن سالماً، وليس له أن يرد الجميع حينئذ ما لم يرضَ البائع. وأما إذا كان في تفريقه ضرر، رد الجميع، أو قبل الجميع بكل الثمن، مثلاً: لو اشترى قلنسوتين بأربعين قرشاً، فظهرت إحداهما معيبة قبل القبض، يردهما معاً، وإن كان بعد القبض يرد المعيبة وحدها بحصتها من الثمن سالمة، ويمسك الثانية بما بقي من الثمن. أما لو اشترى زوجي خف، فظهر أحدهما معيباً بعد القبض، كان له ردهما معاً للبائع، وأخذ ثمنهما منه».
стр. 3224
وقال أبو حنيفة والمالكية (١): إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام، كالعقد على سلعة متقومة وخمر، أو خنزير، أو غيرهما، فالصفقة كلها باطلة. وقال الصاحبان: يصح العقد في الصحيح، ويفسد في الفاسد. ومنشأ الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه هو: أن الصفقة إذا اشتملت على الصحيح والفاسد يتعدى الفساد إلى الكل عند أبي حنيفة. وأما عند الصاحبين فلا يتعدى الى الصحيح، وإنما يقتصر أثر الفساد على الفاسد.
ولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة، صح البيع فيهما، ويلزم البيع فيما يملكه المالك، ويتوقف اللزوم في ملك الغير على إجازته، وهذا باتفاق الحنفية والمالكية، لأنهم يصححون العقد الموقوف أو عقد الفضولي، كما سنعلم.
وقال الشافعية والحنابلة في الأرجح عندهم (٢): تفريق الصفقة معناه: أن يبيع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة بثمن واحد، وهو ثلاثة أقسام:
أحدها - أن يبيع معلوماً ومجهولاً بثمن واحد، لقوله: بعتك هذا الكتاب وكتاباً آخر، وهما ملك له بمئة ليرة مثلاً، لم يصح البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والمجهول لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.
الثاني - أن يكون المبيعان مما ينقسم عليهما بالأجزاء، كشيء مشترك بين اثنين، فباعه كله أحدهما بغير إذن شريكه، وكشيئين من المثليات مثل قفيزين من صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما، فالأصح أن يصح البيع فيما يملكه
стр. 3225
بقسطه من الثمن، ويفسد فيما لا يملكه؛ لأن لكل واحد منهما حكماً مستقلاً حالة إفراده بالبيع، فإذا جمع مع غيره ثبت لكل واحد منهما حكمه الخاص به، كما لو باع رجل شقصاً (١) وسيفاً فإنه تثبت الشفعة في الشقص بلا خلاف، كما لو أفرده.
الثالث - أن يكون المبيعان معلومين مما لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، أي أن تشتمل الصفقة على حلال وحرام كخل وخمر وشاة وخنزير، وميتة وشاة مذكاة، ونحوهما من القيميات، فأصح القولين عند الشافعي وفي رواية عند الحنابلة عن أحمد أن البيع يصح في الحلال ويبطل في الحرام (٢). وفي كيفية توزيع الثمن على المبيعين باعتبار الأجزاء، فيقدر الخمر خلاً، والخنزير شاة، والميتة مذكاة. وهذا ما قاله أنصار هذه الرواية الأولى عن أحمد.
ورجح ابن قدامة الحنبلي الرواية الثانية عن أحمد: وهو أنه يفسد البيع في المبيعين جميعاً.
فإن كانت الصفقة مشتملة على مال للبائع ومال لغيره لا ينقسم الثمن عليهما بالأجزاء، فالأصح عند الشافعية أيضاً أن البيع يصح فيما يملكه، ويبطل فيما لا يملكه، ويوزع الثمن بحسب القيمة لكل منهما، وعند الحنابلة: الأصح أنه يبطل البيع في المبيعين جميعاً.
وقال الحنابلة والشافعية فيما يتعلق بخيار تفرق الصفقة: متى صح البيع في بعض الصفقة: فإن كان المشتري عالماً بالحال كأن يعلم أن المبيع مما ينقسم الثمن عليه