وبيع المزاد: أن يعرض البائع السلعة على جمهور الناس، فيزيد في السعر من يشاء، ثم يستقر البيع على الشخص الذي يعرض آخر سعر.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه كره بيع المزايدة، واحتج بحديث جابر الثابت في الصحيح أنه ﷺ قال في مدبّر: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مئة درهم. قال الإسماعيلي: ليس في قصة المدبر بيع المزايدة، فإن بيع المزايدة: أن يعطي به واحد ثمناً، ثم يعطي به غيره زيادة عليه.
ولفظ حديث أنس عند أبي داود وأحمد: «أن النبي ﷺ نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه، فقال رجل: هما علي بدرهم، ثم قال آخر: هما علي بدرهمين».
٨ - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة من حين يصعد الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وعند الحنفية: من الأذان الأول.
وهو مكروه تحريماً عند الحنفية، صحيح حرام عند الشافعية، ويفسخ في المشهور عند المالكية، ولا يصح أصلاً عند الحنابلة.
٩ - بيع العنب لعاصر الخمر: صحيح في الظاهر مكروه تحريماً عند الحنفية وحرام عند الشافعية، لاستيفاء العقد شروطه وأركانه الشرعية، والإثم بسبب النية الفاسدة أو الباعث غير المشروع. ومثله بيع السيف لمن يقتل به غيره ظلماً، وبيع الشبكة لمن يصطاد في الحرم، وبيع الخشب لمن يتخذ منه الملاهي.
وهو باطل في رأي المالكية والحنابلة سداً للذرائع، مثل بيع السلاح في الفتنة أو لقطاع الطريق، وبيع العينة المتخذ وسيلة للربا؛ لأن مايتوصل به إلى الحرام حرام، ولو بالقصد أو النية.
стр. 3397
١٠ - بيع الأم دون ولدها الصغير أو بيعه دونها: لايجوز حتى يستغني الولد، بسبب التفريق بينهما، وقد نهى النبي ﷺ عن التفريق بين المحارم، فقال: «من فرّق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (١) وأجاز المالكية التفريق بين الولد وبين والده، لكن ورد النهي عن ذلك أيضاً: «لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه» (٢) فهذا إن صح أولى بالعمل.
وحكم البيع الأول أنه فاسد لاينعقد في رأي الجمهور. وقال أبو حنيفة: إنه ينعقد البيع.
١١ - بيع الإنسان على بيع أخيه: وصورته: أن يكون قد وقع البيع بالخيار، فيأتي في مدة الخيار رجل، فيقول للمشتري: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أحسن منه. والشراء على الشراء: هو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. والسوم على السوم: أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول آخر للبائع: أنا أشتريه منك بأكثر، بعد أن كانا قد اتفقا على الثمن.
وقد أجمع العلماء على تحريم هذه الصور كلها، وأن فاعلها عاص (٣)؛ للحديث: «لايبع أحدكم على بيع أخيه» (٤) أي في الدين، وهذا في رأي أكثر العلماء خرج مخرج الغالب، فلا اعتبار لمفهومه، وأنه يحرم أيضاً على بيع الكافر. وأما حكم البيع المذكور فمختلف فيه: فذهب الحنفية والشافعية إلى صحته مع الإثم. وذهبت الحنابلة وابن حزم الظاهري والمالكية في إحدى الروايتين عنهم إلى
стр. 3398
فساده، ولكن المعتمد في رأي المالكية وغيرهم ماعدا ابن حزم: بعد الركون والتقارب (١)؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لايحرم اتفاقاً، كما حكى ابن حجر عن ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرَّم: ماوقع فيه قدر زائد على ذلك.
١٢ - بيع وشرط: وهو الذي يسميه الفقهاء بيع الثنيا، وللفقهاء تفصيل في حكمه.
فقال الحنفية، يفسد البيع بالشرط الفاسد: وهو الذي لايقتضيه العقد ولايلائمه ولا ورد به الشرع، ولايتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين كأن يشتري شخص قماشاً على أن يخيطه البائع قميصاً. ويصح العقد ويلغو الشرط الباطل: وهو ماكان فيه ضرر لأحد العاقدين، كأن يبيع إنسان شيئاً بشرط ألا يبيعه المشتري أو لا يهبه.
وقال المالكية: يبطل البيع والشرط، إن اقتضى الشرط منع المشتري من تصرف عام أو خاص، خلافاً للحنفية في الشرط الباطل. ويجوز البيع والشرط إن اشترط البائع منفعةنفسه، خلافاً للحنفية أيضاً في الشرط الفاسد. ويجوز البيع ويبطل الشرط إن عاد الشرط بخلل في الثمن، مثل: «إن لم تأت بالثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بيننا» فإن قال البائع: (متى جئتك بالثمن، رددت إلي المبيع) لم يجز، وهو المعروف عند الحنفية ببيع الوفاء.
ورأى الشافعية: أنه يصح العقد والشرط إن كان فيه مصلحة لأحد العاقدين كالخيار والأجل والرهن والكفالة. ويبطل البيع إن كان الشرط منافياً مقتضى العقد، مثل ألا يبيع المبيع أو لا يهبه، وهذا موافق للمالكية.
стр. 3399
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يبطل البيع بشرط واحد فيه منفعة لأحد العاقدين، ويبطل بالشرطين، لقول النبي ﷺ : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك» (١).
وبناء عليه، أجمع العلماء إلى أنه لا يجوز اشتراط السلف من أحد المتبايعين، إذا عزم مشترطه عليه، فإن أسقطه جاز البيع عند المالكية، ولم يجز عند الجمهور.
١٣ - الجمع في صفقة واحدة بين البيع وبين أحد ستة عقود: وهي الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض (المضاربة): هو فاسد ممنوع في المشهور عند المالكية.
وأجازه أشهب، ونقل ابن جزي (٢) أن ذلك وفاق للشافعي وأبي حنيفة.
وأجاز المالكية الجمع بين البيع والإجارة، وبين البيعتين في البيعة ويكون هذا من باب الخيار. ومنع الجمهور ذلك، واعتبر الحنفية البيع فاسداً، والشافعية والحنابلة اعتبروه باطلاً.
البيوع الفاسدة أو الباطلة عند المالكية (٣):
الباطل أو الفاسد في البيع يكون من خمسة أوجه وهي: ما يرجع إلى المتعاقدين، وما يرجع إلى الثمن وإلى المثمون، ويعرف ذلك في بيان الأركان، وما يرجع إلى الغرر، وما يرجع إلى الربا، والخامس - سائر البيوع المنهي عنها وهي عشرة:
стр. 3400
١ - بيع الطعام قبل قبضه.
٢ - بيع العينة.
٣ - بيع العربون.
٤ - بيع حاضر لباد.
٥ - تلقي السلعة على بعد ميل وهو (١٨٤٨ م).
٦ - بيع الإنسان على بيع أخيه بعد اطمئنان البائع لمن يسومه، وهو صحيح مع الإثم عند الجمهور، فاسد عند الحنابلة، والنهي عنه للتحريم، لما فيه من الإيذاء وإيقاع العداوة والشحناء بين المشترين.
٧ - البيع يوم الجمعة.
٨ - بيع الأم ولدها الصغير أو بيعه دونها.
٩ - بيع وشرط (بيع الثنيا).
١٠ - الجمع في صفقة واحدة بين البيع وبين أحد ستة عقود وهي (الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض).
البيوع الباطلة لدى الشافعية (١):
هي كثيرة، أهمها واحد وثلاثون وهي:
١ - بيع ما لم يقبض إلا في ميراث وموصى به ورزق سلطان عيِّن لمستحق في بيت المال قدر حصته أو أقل، وغنيمة، ووقف، وموهوب استرجع، وصيد في
стр. 3401
شبكة ونحوها، ومُسْلَم فيه، ومكترى ومشترك ومال قراض، ومرهون بعد انفكاكه.
٢ - بيع ما عَجَز عن تسليمه حالاً، كالطير في الهواء، إلا في ستة أشياء وهي: إجارة، وسَلَم، وغلة كثيرة لا يمكن كيلها إلا في زمن طويل، ومغصوب أو آبق لقادر عليه، وعَيْن من منقول أو عقار ببلد آخر ونحوه، فيصح البيع في كل منها وإن عجز عن تسليمه في الحال؛ لأن المشتري يصل إلى غرضه فيها.
٣ - بيع حَبَل الحَبَلة: كأن يقول: إذا نُتجت هذه الناقة، ثم نتجت التي في بطنها فقد بعتك ولدها، أو بأن يشتري شيئاً بثمن مؤجل بنتاج ناقة معيَّنة، ثم نتاج ما في بطنها.
٤ - بيع المضامين: وهي ما في أصلاب الفحول.
٥ - وبيع الملاقيح: وهي ما في بطون الإناث.
٦ - بيع بشرط إلا بشرط رَهْن أو كفيل أو إشهاد أو خيار، أو أجل، أو إعتاق، أو براءة من العيوب، فيبرأ عن عيب باطن بالحيوان لم يعلمه، أو نقل المبيع من مكان البائع أو قطع الثمار، أو تبقيتها بعد الصلاح، أو بشرط وصف يُقصد ككون الآلة الكاتبة تكتب بلغات معينة، أو بشرط ألا يُسَلِّم البائع المبيع حتى يستوفي ثمنه في الحال، أو بشرط الرد بعيب.
٧ - بيع الملامسة: كأن يلمس ثوباً مطوياً أو في ظلمة، ثم يشتريه على ألا خيار له إذا رآه، اكتفاءً بلمسه عن رؤيته.
٨ - بيع المنابذة: بإن ينبُذ كل منهما ثوبه على أن أحدهما بالآخر، ولا خيار إذا عَرَفا الطول والعرض، أو بأن ينبذه إليه بثمن معلوم.
стр. 3402
٩ - بيع المحاقلة: وهو بيع البر في سنبله.
١٠ - بيع ما لم يُمْلَك إلا في سَلَم، وإجارة وربا واقعين على ما في الذمة، فيصح كل منهما، وإن كانت المنفعة والمسلم فيه والمبيع غير مملوكة حالة العقد، فيصح بيع المسلم فيه، كقدر من البر صفته كذا، وثوب صفته كذا، وإن لم يكن عند المسلم إلىه شيء من البر أو الثياب حال العقد. ويصح إجارة شيء في الذمة، كأن أجره دابة في ذمته ليركب عليها إلى مكة مثلاً أول شهر كذا، ولم يكن في ملكه وقت العقد شيء من نوع الدابة ولاجنسها، وبحصلها بعد ذلك. ويصح مبايعة مال ربوي في الذمة بمال آخر في الذمة، كأن يبيع شخص لآخر صاع بُرّ مثلاً بصاع آخر في ذمته، ولم يكن واحد منهما مالكاً له حال العقد، ثم قبل تفرقهما من المجلس يحصلان ذلك بقرض أو اتهاب أو نحوهما، ويتقابضان قبل التفرق.
والدليل على بطلان بيع غير المملوك خبر: «لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك» (١) وبناء عليه قالوا: بيع الفضولي باطل.
١١ - بيع لحم بحيوان ولو غير مأكول، كبيع لحم بقر ببقر أو بشاة، أو بحمار للنهي في خبر الترمذي.
١٢ - بيع شاة لبون (٢) بمثلها. وكذا بيع كل حيوان مأكول أو فيه بيض بمثله، لجهالة ما يقابل اللبن ونحوه من الثمن، فهو كبيع درهم وثوب بدرهم وثوب.
١٣ - بيع الحصاة: كأن يبيعه من هذه الأثواب ما تقع عليه الحصاة.
١٤ - بيع الماء الجاري أو النابع وحده ولو مدة معلومة؛ لأنه غير مملوك
стр. 3403
وللجهل بقدره؛ لأنه يزيد شيئاً فشيئاً ويختلط المبيع بغيره، فيتعذر التسليم. فإن باعه بشرط أخذه الآن صح. فإن كان راكداً، جاز بيعه، بشرط تقديره بكيل أو وزن أو مسح بالأذرع.
١٥ - بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بغير شرط القطع، أي بشرط الإبقاء أو مطلقاً للنهي عن بيعها قبل الصلاح، أما بيعها بشرط القطع قبل الصلاح أو بغيره بعده فجائز. فإن باع نخلاً وعليه ثمرة مؤبرة، فهي للبائع، أو غير مؤبرة فللمشتري.
١٦، ١٧ - بيع رُطب بمثله أو بتمر، أو بيع عنب بمثله أو بزبيب، للجهل الآن بالمماثلة وقت الجفاف، لأنه « ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذن» (١). لكن يجوز البيع للحاجة فيما دون خمسة أوسق (٢).
١٨، ١٩ - بيع بُرّ بمثله أو بجاف، متفاضلين إن اتحد الجنس، للجهل بالمماثلة ولتحقق الربا.
٢٠، ٢١، ٢٢ - بيع لحم طري بمثله، أو بقديد، وبيع يابس بمثله متفاضلين إن اتحد الجنس، لتحقق الربا، مثل بيع لحم بقر بمثله متفاضلين.
ويلاحظ أن أنواع اللحوم والألبان والأدهان والسمك والخلول وأنواع الخبز أجناس مختلفة كأصولها، فيجوز بيع جنس منها بآخر متفاضلين، فيجوز بيع لحم بقر بلحم ضأن متفاضلين.
стр. 3404
٢٣ - بيع نجس ككلب للنهي عن ثمنه، وكخنزير.
٢٤، ٢٥، ٢٦ - بيع حر وأم ولد ومكاتب.
٢٧ - بيع حشرات كعقارب وفئران، إذ لا نفع فيها يقابل بالمال.
٢٨ - بيع عَسْب الفحل: وهو أجر ضرابه، للنهي عنه في خبر البخاري.
٢٩ - بيع عبد مسلم من كافر، لما في ملكه له من الإهانة.
٣٠ - بيع الغرر كمسك في صوانه، وصوف على ضهر غنم، للجهل بقدر المبيع.
٣١ - بيع العرايا: وهو بيع الرطب على الشجر بتمر، أو العنب على الشجر بزبيب على الأرض في خمسة أوسق فأكثر، ويجوز فيما دونها بعد بدو الصلاح؛ لأنه ﷺ رخص في ذلك في الرطب، وقيس به العنب؛ لأن كلاً منهما ربوي، وذلك إن خرص ماعلى الشجر وكيل الآخر، لا إن وزن أحدهما وخرص الآخر.
هذا .. وتعرف أنواع البيوع الباطلة عند الحنابلة مما ذكرته في شروط البيع.
و البيوع المحرمة غير الباطلة عند الشافعية ثمانية (١) وهي:
١ - بيع المصرَّاة: وهي الدابة التي يترك حلبها عمداً أياماً ليجتمع اللبن في ضرعها، فيتوهم المشتري كثرة اللبن فيها، فيقبل على شرائها. وهو بيع حرام صحيح، للنهي عنه في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم: «لاتصروا الإبل والغنم .. ».
стр. 3405
٢ - بيع الحاضر للبادي: وهو أن يتصدى شخص من أهل البلد لمن يريد بيع متاعه من أهل البادية أو غيرها، قائلاً له: لا تبع هذه البضاعة وانتظر حتى أبيعها لك تدريجياً، علماً بأن أهل البلد بحاجة إليها. وهو حرام لحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم: «لا يبع حاضر لباد».
٣ - تلقي الركبان: وهو استقبال القادمين بالبضائع خارج البلد لشرائها منهم بسعر أقل من ثمن السوق العام. وهو حرام لحديث أبي هريرة عند مسلم: «لاتلقوا الركبان للبيع».
٤ - الاحتكار: وهو تخزين البضائع التي هي أقوات الناس وانتظار غلاء أسعارها مع حاجة الناس إلىها. وهو حرام لحديث معمر بن عبد الله العدوي عن مسلم: «لايحتكر إلا خاطئ» أي آثم عاصٍ، للتضييق على الناس.
٥ - بيع النّجْش: وهو أن يزيد شخص في ثمن السلعة دون قصد شرائها، لإيهام غيره بزيادة الثمن، وهو حرام لحديث عبد الله بن عمر عند البخاري ومسلم: «نهى النبي ﷺ عن النجْش».
٦ - السوم على السوم والبيع على بيع غيره والشراء على الشراء:
يحرم السوم على سوم غيره بعد استقرار الثمن، ويحرم البيع على بيع غيره قبل لزوم البيع في زمن خيار المجلس أو الشرط لتمكنه من الفسخ، بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثل المبيع بأقل من هذا الثمن أو خيراً منه بمثل ثمنه أو أقل. ويحرم الشراء على الشراء في زمن الخيار بأن يأمر المشتري البائع بفسخ البيع ليشتريه بأكثر من ثمنه الذي اشتراه به غيره. والأدلة أحاديث وهي حديث البخاري ومسلم: «لا يسُم المسلم على سوم أخيه» وحديث الصحيحين: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أو «لا يبع الرجل على بيع أخيه» زاد النسائي: «حتى يبتاع أو يذر» وفي معناه الشراء على الشراء. وحكمة التحريم الإيذاء وإثارة العداوة والبغضاء.
стр. 3406
٧ - البيع لمن يعلم أن جميع ماله حرام: كأن يعلم أن مال المشتري ثمن خمر أو خنزير أو ميتة أو كلب، وأن كسبه غير مشروع كالرشوة أو اليانصيب أو القمار أو أجرة عمل حرام كالنواح والرقص ومهر البغي.
فإن لم يكن جميع ماله حراماً، بل كان خليطاً من حرام وحلال، كان التعامل معه مكروهاً، لحديث النعمان بن بشير: «الحلال بيِّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام».
٨ - بيع الرُّطب والعنب لعاصر الخمر: يحرم بيع الرطب والعنب ونحوها كتمر وزبيب لعاصر الخمر والنبيذ، أي لمتخذها لذلك بأن يعلم منه ذلك أو يظنه ظناً غالباً.
ومثل ذلك بيع الغلمان المرد ممن عرف بالفجور بالغلمان، وبيع السلاح من باغ وقاطع طريق ونحوهما، وكذا كل تصرف يفضي إلى معصية. أما إذا شك فيما ذكر أو توهمه فالبيع مكروه.
المبحث الخامس - الخيارات عرفنا سابقاً أن العقد اللازم هو الخالي من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخه وإبطاله.
و معنى الخيار: أن يكون للمتعاقد الخيار بين إمضاء العقد وعدم إمضائه بفسخه إن كان الأمر أمر خيار شرط أو رؤية أو عيب، أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الأمر أمر خيار التعيين (١)، علماً بأن الأصل في البيع اللزوم؛ لأن القصد منه نقل الملك، إلا أن الشارع أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين.
стр. 3407
عدد الخيارات:
ذكر الحنفية (١) سبعة عشر خياراً وهي خيار الشرط، والرؤية، والعيب، والوصف، والنقد، والتعيين، والغبن مع التغرير، وهذه السبعة هي التي ذكرتها المجلة (م ٣٠٠ - ٣٦٠)، وخيار الكمية، والاستحقاق، والتغرير الفعلي، وكشف الحال، وخيانة المرابحة والتولية، وتفريق الصفقة بهلاك بعض المبيع، وإجازة عقد الفضولي، وتعلق حق الغير بالمبيع بسبب كونه مستأجراً أو مرهوناً.
وقال المالكية (٢): الخيار نوعان: خيار التروي أي التأمل والنظر للبائعين أو لغيرهما، وهو خيار الشرط الذي ينصرف إليه لفظ الخيار عند الإطلاق. وخيار نقيصة: وهو ماكان موجبه نقصاً في المبيع من عيب أو استحقاق، ويسمى الحكمي؛ لأنه جرَّ إليه الحكم.
وأما خيار المجلس: فهو باطل عندهم، وهو رأي الفقهاء السبعة بالمدينة وأبي حنيفة، ويتم البيع بالقول (الإيجاب والقبول) وإن لم يفترقا من المجلس. وأجازه الشافعي وابن حنبل وسفيان الثوري وإسحاق، فإذا تم العقد، فالعاقدان بالخيار ما لم يفترقا من المجلس، للحديث الصحيح المتقدم في بحث هذا الخيار في ركن البيع.
وقال الشافعية (٣): الخيار نوعان: خيار التشهي، وخيار النقيصة. وخيار التشهي: مايتعاطاه المتعاقدان باختيارهما وشهوتهما من غير توقف على فوات أمر في المبيع، وسببه المجلس أو الشرط. وخيار النقيصة: سببه خُلْف لفظي أو تغرير
стр. 3408
فعلي أو قضاء عرفي، ومنه خيار العيب، والتصرية (١)، والخلف، وتلقي الركبان، ونحو ذلك.
وبناء عليه، الخيار المشروع عند الشافعية ستة عشر، وهي مايأتي:
١ - خيار المجلس، لثبوت مشروعيته في الصحيحين.
٢ - خيار الشرط: وأكثر مدته ثلاثة أيام، لثبوت ذلك في خبر البيهقي وغيره، فإن زاد عليها، لم يصح العقد؛ لأنه صار شرطاً فاسداً.
٣ - خيار العيب عند الاطلاع عليه، سواء أكان موجوداً قبل البيع، أم بعده وقبل القبض، لثبوت ذلك في خبر الترمذي وغيره.
٤ - خيار تلقي الركبان إذا وجدوا السعر أغلى مما ذكره المتلقي، لثبوته في خبر الصحيحين.
٥ - خيار تفرق الصفقة بعد العقد كتلف أحد المبيعين قبل القبض، أو قبل العقد كبيع حلال وحرام إن جهل المشتري الحال.
٦ - خيار فقد الوصف المشروط في العقد: أي وصف يقصد، ليخرج غيره كالزنا والسرقة، فإنه لا خيار بفقده.
٧، ٨ - الخيار لجهل الغصب مع القدرة على انتزاع المعقود عليه من الغاصب، دفعاً للضرر، ولطريان العجز عن انتزاعه من الغاصب، مع العلم بالغصب.
стр. 3409
٩ - الخيار لجهل كون المبيع مكترى أو مزروعاً.
١٠ - الخيار للامتناع من الوفاء بالشرط الصحيح، كشرط رهن أو كفيل في البيع.
١١ - الخيار للتحالف فيما إذا اتفقا على صحة العقد، واختلفا في كيفيته، فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم إن لم يتراضيا. ويكون الفسخ بعد حلف كل منهما يميناً على دعوى الآخر.
١٢ - الخيار للبائع لظهور زيادة الثمن في المرابحة: فلو قال البائع: اشتريت هذا بمئة، وباعه بمئة، وربح درهم لكل عشرة، ثم زعم أنه كان اشتراه بمئة وعشرة، وصدقه المشتري، ثبت للبائع الخيار؛ لأنه لاتثبت له العشرة المذكورة.
١٣ - الخيار للمشتري لاختلاط الثمرة المبيعة بالمتجددة قبل التخلية، إن لم يهبه البائع ماتجدد.
١٤ - الخيار للعجز عن الثمن: بأن عجز عنه المشتري، والمبيع باق عنده، لثبوت ذلك في الصحيحين.
١٥ - الخيار لتغير صفة مارآه قبل العقد، وإن لم يكن عيباً.
١٦ - الخيار لتعيب الثمرة بترك البائع السقي بعد التخلية.
وقال الحنابلة (١): الخيار ثمانية أنواع:
خيار المجلس، والشرط، والغبن، والتدليس، والعيب، والخيانة، وخيار اختلاف المتبايعين في الثمن، والمؤجر والمستأجر في الأجرة، وخيار تفرق الصفقة.
стр. 3410
وأبحث بعون الله تعالى بالتفصيل الخيارات الثلاثة المشهورة: وهي خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية. أما بقية الخيارات فأكتفي ببيانها الإجمالي، علماً بأن خيار المجلس سبق الكلام عليه تفصيلاً.
١ - خيار الوصف (١)، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه: هو في مذهب الحنفية: أن يكون المشتري مخيراً بين أن يقبل بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع حيث فات وصف مرغوب فيه، في بيع شيء غائب عن مجلس العقد. مثاله أن يشتري شيئاً يشترط فيه صفة معينة غير ظاهرة، وإنما تعرف بالتجربة، ثم يتبين عدم وجودها، أو يشتري بقرة على أنها حلوب، فظهرت غير حلوب، أو يشتري جوهرة على أنها أصلية، فظهرت أنها تقليد صناعي للأصلية، فيكون المشتري مخيراً إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن المسمى؛ لأن هذا وصف مرغوب فيه، يستحق في العقد بالشرط، فإذا فات أوجب التخيير؛ لأن المشتري مارضي به دونه، فصار كفوات وصف السلامة.
وأما سبب أخذه بجميع الثمن في رأي الحنفية: فهو لأن الأوصاف لايقابلها شيء من الثمن، لكونها تابعة في العقد.
و دليل مشروعيته: الأخذ باستحسان المصلحة على خلاف القياس. ويعده الشافعية والحنابلة داخلاً في خيار العيب.
و شروطه ثلاثة:
١ - أن يكون الوصف المشروط مباحاً شرعاً: فإذا كان حراماً لم يصح.
стр. 3411
٢ - أن يكون الوصف مرغوباً فيه عادة: فإذا لم يكن مرغوباً فيه في العرف، لغا الشرط، وصح البيع، ولا خيار، مثل وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات، فمن اشترى شيئاً على أنه ذكر فإذا هو أنثى، صح البيع ولم يثبت الخيار.
٣ - ألا يكون تحديد الوصف المرغوب فيه مؤدياً إلى جهالة مفضية للمنازعة؛ فإن فعل فسد البيع والشرط، كأن يشترط في البقرة الحلوب أن تحلب كذا رطلاً يومياً، فهذا شرط فاسد؛ لأنه لايمكن ضبطه.
أحكام هذا الخيار:
أ - يورث خيار الوصف، فلو مات المشتري الذي له خيار الوصف، فظهر المبيع خالياً من ذلك الوصف، كان للوارث حق الفسخ.
ب - إذا تصرف المشتري الذي له خيار الوصف بالمبيع تصرف الملاك، بطل خياره.
جـ - يثبت للمشتري الحق في فسخ البيع أو استبقاء المبيع بجميع الثمن، فإن هلك المبيع أو تعيب في يده، فله الرجوع على البائع بمقدار نقص المبيع بسبب فوات الوصف المرغوب فيه، ويعرف ذلك بتقويم المبيع مع الوصف، وبدون الوصف، ويضمن المشتري الفرق بينهما.
٢ - خيار النقد (١):
هو فرع عن خيار الشرط، وهو أن يشترط المتبايعان في عقد البيع بالنسيئة أن
стр. 3412
المشتري إذا لم يدفع الثمن في الأجل المعين، وهو ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما. فإن اشترى على هذا النحو على أنه إن لم ينقد (يدفع) الثمن إلى أربعة أيام، لم يصح خلافاً لمحمد؛ لأن هذه هي المدة المشروعة في خيار الشرط. وراعى محمد مصلحة العاقدين في اشتراطه إلى أي مدة كانت.
فإن نقد في مدة الثلاثة أيام، جاز باتفاق الحنفية؛ لأن خيار النقد ملحق بخيار الشرط. وهو جائز أيضاً عند الحنابلة كشرط الخيار، لكن ينفسخ البيع عندهم إن لم ينقد المشتري الثمن في المدة. أو هو أن يشترط البائع على المشتري أنه إذا رد الثمن إلى المشتري في مدة ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، فله وجهان إذن.
و الفرق بينه وبين خيار الشرط: أن الأصل في خيار الشرط اللزوم، فإذا انتهت المدة المشروطة دون فسخ، لزم. أما خيار النقد فالأصل فيه عدم اللزوم، فإذا لم ينقد الثمن في الثلاث فسد البيع إذا بقي المبيع على حاله، ولاينفسخ، بدليل أن المشتري يتملك المبيع بالقبض. وعند الحنابلة: ينفسخ البيع، وقد أجازه الحنفية عدا زفر؛ لأنه داخل في خيار الشرط، ولم يجزه زفر؛ لأنه شرط ليس من مقتضى العقد، وفيه مصلحة لمن شرط له.
حكم سقوطه:
١ - إذا مات المشتري المخير بخيار النقد في أثناء مدة الخيار، بطل البيع.
٢ - إذا تصرف المشتري بالمبيع بالبيع ونحوه في مدة الخيار، قبل أن ينقد الثمن، سقط خياره، وصح بيعه ولزم، ولزم المشتري نقد الثمن.
٣ - إذا أتلف المشتري أو الأجنبي المبيع في مدة الخيار بعد القبض، سقط به الخيار، للعجز عن الرد.
стр. 3413
٤ - إذا أحدث المشتري في المبيع عيباً يمنع رده للبائع، ولم ينقد الثمن، سقط الخيار، ويخير البائع حينئذ بين أخذ المبيع ناقصاً، ولا شيء له من الثمن، وبين تركه وأخذ الثمن.
٣ - خيار التعيين (١):
هو أن يتفق العاقدان على تأخير تعيين المبيع الواجب التعيين إلى أجل، على أن يكون حق تعيينه لأحدهما، مثل أن يشتري أحد ثوبين أو ثلاثة غير معين على أن يأخذ أيهما شاء، على أنه بالخيار ثلاثة أيام.
وله وجهان كخيار النقد: إما أن يأخذ المشتري أحد الأشياء المبيعة بالثمن الذي بينه له البائع لكل واحد، أو يعطي البائع أي واحد أراد من الأشياء المعينة، وله أن يلزم المشتري به إلا إذا تغيب فلا يلزمه إلا بالرضا. ولو هلك أحدهما كان له أن يلزمه بالباقي.
أجازه الحنفية استحساناً لحاجة الناس إليه، بالرغم من الجهالة، عملاً بالمصلحة والعرف للحاجة إلى اختيار ما هو الأوفق والأرفق، وأبطله الشافعية والحنابلة للجهالة.
والأصح عند الحنفية أنه لا يشترط اقترانه بخيار الشرط، وإنما يجوز للعاقدين ذلك.
شروطه: اشترط الحنفية لهذا الخيار شروطاً هي ما يأتي:
١ - أن يكون التخيير على شيء من اثنين أو ثلاثة فقط: فإذا كان على شيء
стр. 3414
من أربعة لم يجز؛ لأن الحاجة في الثلاثة، لانقسام الأشياء إلى جيد ووسط ورديء.
٢ - أن يوافق البائع صراحة على خيار التعيين: بأن يقول للمشتري: بعتك أحد الشيئين أو الثلاثة على أنك بالخيار في واحد منها، فإن لم يوافق على ذلك، فسد البيع للجهالة.
٣ - أن يكون البيع في القيميات كأنواع الألبسة والمفروشات، لا في المثليات كالكتب المطبوعة الجديدة، لعدم الفائدة في التخيير بينها لعدم تفاوتها.
٤ - أن تكون مدته كمدة خيار الشرط: وهي ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، وأي مدة معلومة كانت عند الصاحبين.
أحكامه:
أـ يلزم البيع في واحد غير معين من أفراد المبيع المتفق عليها، ويلزم صاحب الحق في الخيار أن يعين الشيء الذي يأخذه في انقضاء المدة التي عينت ودفع ثمنه.
ب - يورث هذا الخيار عند الحنفية، بخلاف خيار الشرط، فلو مات من له الخيار قبل التعيين، يكون الوارث مجبراً أيضاً على تعيين أحد المبيعات ودفع ثمنه.
جـ - هلاك أو تعيب أحد الأشياء أو كلها:
إذا هلك أحد المبيعين تعين الآخر مبيعاً، وكان الباقي أمانة في يد المشتري. وإذا هلك المبيعان معاً، ضمن المشتري نصف ثمن كل منهما لعدم التعيين، وإن هلك المبيعان على التعاقب، تعين الأول مبيعاً. فلو اختلف العاقدان في الهالك أولاً، فالقول للمشتري بيمينه، وبينة البائع أولى.
стр. 3415
والتعيب كالهلاك في الأحوال المذكورة. ولو باع المشتري المبيعين ثم اختار أحدهما، صح بيعه فيه. والمبيع مضمون بالثمن، وغيره أمانة.
٤ - خيار الغبن (١):
هذا الخيار مشروع عند الحنفية إذا اشتمل الغبن على تغرير، فيسمى خيار الغبن مع التغرير: وهو أن يغرر البائع المشتري أو بالعكس تغريراً قولياً وهو التغرير في السعر، أو تغريراً فعلياً وهو التغرير في الوصف، ويكون الغبن فاحشاً: وهو مالا يدخل تحت تقويم المقومين. أما الغبن اليسير: وهو ما يدخل تحت تقويم المقومين، فلا يؤثر، إذ لا يتحقق كونه زيادة، أما الفاحش فزيادته متحققة (٢). فيثبت حينئذ حق إبطال العقد دفعاً للضرر عنه.
والتغرير القولي في السعر: كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر: يساوي هذا الشيء أكثر ولا تجد مثله، أو دفع لي فلان فيه كذا، وكل ذلك كذب.
والتغرير الفعلي في الوصف: يكون بتزوير وصف في محل العقد يوهم المتعاقد في المعقود عليه مزية ما غير حقيقية، كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بجعل الجيد منها في الأعلى، وجعل الرديء منها في الأسفل. ومنه التصرية: جمع اللبن في الضرع، وهي حرام، توجب الخيار للعاقد المغرور كفوات الصفة المشروطة. أما تدليس العيب: وهو كتمان أحد المتعاقدين عيباً خفياً يعلمه في محل العقد عن المتعاقد الآخر في عقود المعاوضة، فهو المسمى عندهم خيار العيب.
стр. 3416
وحكمه: إعطاء المغبون المغرور حق خيار فسخ العقد دفعاً للضرر عنه، نظراً لعدم تحقق رضاه، بسبب التغرير والغبن الفاحش. وإذا مات المغرور بغبن فاحش لاتنتقل دعوى التغرير لوارثه.
ويسقط حق المغرور في الفسخ للمشتري إذا تصرف في المبيع بعد أن اطلع على الغبن الفاحش، أو بنى بناء في الأرض المشتراة، أو إذا هلك المبيع أو استهلك أو حدث فيه عيب.
وقال الحنابلة (١): هناك خيار غبن، وخيار تدليس، وخيار عيب.
أما خيار الغبن عند الحنابلة فيثبت في ثلاث صور:
إحداها - تلقي الركبان: وهم القادمون من السفر بجلوبة: (وهي ما يجلب للبيع) وإن كانوا مشاة، وهو عند الجمهور: يحرم، وقال الحنيفة: يكره، ولو كان تلقيهم بغير قصد التلقي لهم. فإذا اشترى المتلقي منهم أو باعهم شيئاً، ثبت لهم الخيار إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً يخرج عن العادة، لقوله ﵇: «لا تلقوا الجَلَب فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار» (٢).
والثانية - النجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها. وهو حرام، لما فيه من تغرير المشتري وخديعته، فهو في معنى الغش، ويثبت للمشتري بالنجش الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد.
ولا يتم النجش إلا بحذق من زاد في السلعة، وأن يكون المشترى جاهلاً، فلو كان عارفاً واغتر بذلك، فلا خيار له لعجلته وعدم تأمله.
стр. 3417
فإن زاد من لا يريد الشراء بغير مواطأة مع البائع، أو زاد البائع في الثمن بنفسه، والمشتري لا يعلم ذلك، فيخير المشتري لوجود التغرير بين رد المبيع وإمساكه.
الثالثة - بيع المسترسل أو إجارته: وهو الجاهل بالقيمة، من بائع ومشتر، ولا يحسن المماكسة. فله الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد. ويقبل قوله بيمينه أنه جاهل بالقيمة، ما لم تكن قرينة تكذبه في دعوى الجهل، فلا تقبل منه.
وخيار الغبن كخيار العيب على التراخي عندهم.
وأما خيار التدليس: فهو بسبب التغرير، والعقد معه صحيح، والتدليس حرام وهو نوعان:
أحدهما - كتمان العيب، ويسمى هذا عند الحنفية خيار العيب.
والثاني - فعل يزيد به الثمن، وإن لم يكن عيباً، كجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها للبيع، ليزيد دورانها بإرسال الماء بعد حبسه، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في الثمن. ومنه تحسين وجه الصبرة (الكومة)، وصقل السكاف وجه الحذاء، وتصنع النساج وجه الثوب، والتصرية أي جمع اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، ونحو ذلك. وهذا النوع هو المسمى عند الحنفية بالتغرير الفعلي في الوصف.
والتدليس بنوعيه يثبت للمشتري خيار الرد إن لم يعلم به، أو الإمساك، لقوله ﵇: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها، وصاعاً من تمر» (١). وغير التصرية من التدليس ملحق بها.
стр. 3418
وقد أخذ الجمهور وأبو يوسف بمضمون هذا الحديث: وهو التخيير بعد الحلب بين إمساك المبيع إن رضيه، وبين رده مع صاع من تمر إن سخطه.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء.
وأما خيار العيب عند الحنابلة: فهو بسبب نقص عين المبيع، كخصاء، ولو لم تنقص به القيمة، بل زادت، أو نقص قيمته عادة في عرف التجار، وإن لم تنقص عينه.
٥ - خيار كشف الحال (١):
وهو أن يشتري شيئاً بوزن غير معلوم القدر، أو بكيل غير معلوم المقدار، كأن يشتري بوزن هذا الحجر ذهباً، أو هذه الصبرة (الكومة) كل صاع بكذا، يصح البيع في الحالتين، ويكون للمشتري الخيار: إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه.
٦ - خيار الخيانة (٢):
هو الذي يثبت في بيوع الأمانة من تولية أو شركة أو مرابحة أو وضيعة إذا أخبر البائع المشتري بزيادة في الثمن أو نحو ذلك، كإخفاء تأجيله، ثم يظهر كذبه أو خيانته بإقرار أو برهان على ذلك، أو بما عند الحنفية أيضاً بنكول عن اليمين. ويخير المشتري بسبب ذلك عند الحنفية والمالكية بين أخذ المبيع بكل ثمنه، أو رده لفوات الرضا، وله الحط من الثمن قدر الخيانة في التولية.
وقال الشافعية في الأظهر والحنابلة: لا خيار للمشتري بسبب الخيانة، وإنما له الحط من الثمن مقدار الخيانة.
стр. 3419
٧ - خيار تفرق الصفقة (١):
هو الذي يثبت للمشتري بسبب تجزئة المبيع، فيكون له الخيار بين فسخ البيع واسترداد الثمن كله إن دفعه، أو أخذ باقي المبيع مع حسم ما يقابل العيب أو الهلاك من الثمن. وله صور متعددة.
فيثبت عند الحنفية بهلاك أو تعيب بعض المبيع بيد البائع قبل قبض المشتري، ومجمل حكم الهلاك: أنه إن كان بآفة سماوية أو بفعل البائع يبطل البيع، وإن كان بفعل أجنبي يتخير المشتري إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز، وضمَّن المستهلك.
وقال المالكية: يثبت هذا الخيار في حالة كون المبيع معيباً، أو استحقاق بعض مبيع متعدد اشتري صفقة واحدة، فإن كان وجه الصفقة نقضت، ولا يجوز له التمسك بالباقي، وإن كان غير وجهها، جاز التمسك به، وأخذ الباقي بالتقويم، لابنسبته من الثمن المسمى، فيقال: ما قيمة هذا الباقي؟ فإذا قيل: ثمانية، قيل: وماقيمة المستحق أو المتعيب؟ فإذا قيل: اثنان، رجع المشتري على بائعه بخمس الثمن الذي دفعه له.
وقال المالكية أيضاً: إذا اشتملت الصفقة على حلال وحرام كالعقد على سلعة، وخمر أو خنزير أو غير ذلك، فالصفقة كلها باطلة، ولو باع الرجل ملكه وملك غيره في صفقة واحدة، صح البيع فيهما، ولزمه في ملكه، وتوقف اللزوم في ملك غيره على إجازته.
وذكر الشافعية لتفريق الصفقة وتعددها ثلاثة أقسام:
стр. 3420
الأول - إذا باع شخص في صفقة واحدة حلالاً وحراماً كشاة مذكاة وميتة، أو خل وخمر، أو شاة وخنزير، أو شيئاً له وشيئاً لغيره، أو شيئاً مشتركاً بغير إذن الشريك الآخر، صح البيع في الحلال المملوك له، وبطل في غيره في الأظهر، إعطاءً لكل منهما حكمه. ويكون الخيار للمشتري إن جهل الحال لضرر التبعيض بين أخذ حصة الحلال من الثمن المسمى باعتبار قيمة كل منهما أي من الحلال والحرام، أو أن يفسخ البيع. ولا خيار للبائع؛ لأنه المفرط في البيع ببيع ما لا يملكه، وبالطبع في ثمن ما لا يستحقه.
الثاني - إذا باع شخص متاعين مثلاً، فتلف أحدهما قبل قبضه، انفسخ البيع في التالف، ولم ينفسخ في الآخر على المذهب، بل يتخير المشتري بين الفسخ والإجازة، فإن أجاز أخذ الباقي بالحصة من المسمى باعتبار قيمته وقيمة التالف؛ لأن الثمن قد توزع عليهما في مبدأ البيع، فلا يتغير بهلاك أحدهما.
الثالث - لو جمع في صفقة عقدين مختلفي الحكم كإجارة وبيع، مثل: آجرتك داري شهراً، وبعتك ثوبي هذا بدينار، وكإجارة وسلم مثل: آجرتك داري شهراً وبعتك صاع قمح في ذمتي سلماً بكذا، صح العقدان في الأظهر، ويوزع المسمى على قيمة المعقود عليهما، أي قيمة المؤجر من حيث الأجرة، وقيمة المبيع أو المسلم فيه.
وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن من البائع: كبعتك ذا بكذا، وذا بكذا. وبتعدد البائع: كبعناك هذا بكذا، والمبيع مشترك بينهما.
وكذا بتعدد المشتري: كبعتكما هذا بكذا، في الأظهر.
والخلاصة: إن في تفريق الصفقة قولين عند الشافعية، أظهرهما - أن البيع يبطل فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز؛ لأنه ليس بطلانه فيهما لبطلانه في
стр. 3421
أحدهما بأولى من تصحيحه فيهما، لصحته في أحدهما؛ فبطل حمل أحدهما على الآخر، وبقيا على حكمهما، فصح فيما يجوز، وبطل فيما لا يجوز. والقول الثاني أن الصفقة لا تفرق، فيبطل العقد فيهما.
وقال الحنابلة: معنى تفريق الصفقة: أي تفريق ما اشتراه في عقد واحد: وهو أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه، صفقة واحدة بثمن واحد. ولهذا الجمع ثلاث صور:
إحداها - أن يبيع شخص معلوماً ومجهولاً تجهل قيمته أي يتعذر علمه، فلا مطمع في معرفته، مثل: بعتك هذه الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا، فلا يصح البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته؛ لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، وحمل الفرس لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.
الثانية - أن يبيع شخص مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، فيصح البيع في نصيبه بقسطه، كما قال الشافعية في القسم الأول، وللمشتري الخيار بين الرد والإمساك إذا لم يكن عالماً بأن المبيع مشترك بينه وبين غيره؛ لأن الشركة عيب. فإن كان عالماً فلا خيار له ولا للبائع أيضاً. وللمشتري الأرش إن أمسك فيما ينقصه التفريق، كزوج خف.
الثالثة - أن يبيع رجل متاعه ومتاع غيره بغير إذنه صفقة واحدة، أو يبيع خلاً وخمراً صفقة واحدة، فيصح البيع في متاعه بقسطه دون متاع غيره، ويصح في الخل بقسطه من الثمن، فيوزع على قدر قيمة المبيعين ليعلم ما يخص كلاً منهما. ويقدر الخمر إذا بيع مع الخلّ خلاً، ليقسط الثمن عليهما، ولا خيار للبائع. وهذه الصور وما قبلها هي النوع الأول عند الشافعية.
стр. 3422
وقال الحنابلة أيضاً: إذا وقع العقد على مكيل أو موزون، فتلف بعضه قبل قبضه، لم ينفسخ العقد في الباقي، رواية أخرى، أي هي رواية واحدة، ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأن العقد وقع صحيحاً. فذهاب بعضه لايفسخه كما بعد القبض، وكما لو وجد أحد المبيعين معيباً فردّه، أو أقال أحد المتبايعين الآخر في بعض المبيع.
٨ - خيار إجازة عقد الفضول (١):
هو الخيار الثابت للمالك إذا باع غيره له سلعة بغير أمره، ويعد البيع موقوفاً عند الحنفية والمالكية، ويخير المالك بين إجازة العقد فيصبح نافذاً، وبين رده فيبطل.
٩ - خيار تعلق حق الغير بالمبيع (٢):
هو الخيار الثابت لمن له حق في المبيع من دائن مرتهن أو مستأجر، فإذا اشترى رجل داراً ثم ظهر أنها مرهونة أو مؤجرة، خير بين الفسخ وعدمه، دفعاً للضرر عن نفسه، حتى ولو كان عالماً بذلك في ظاهر الرواية، وهو الصحيح وعليه الفتوى.
فإن أجاز المستأجر أو المرتهن فلا خيار للمشتري، وإن لم يجز ثبت الخيار له بين الانتظار حتى نهاية مدة الإجارة وفكاك الرهن، أو الفسخ.
١٠ - خيار الكمية للبائع (٣):
هو أن يشتري إنسان بما في هذه الخابية أو الوعاء أو اليد ونحوها، ولا يعرف البائع شيئاً عن الموجود كمية ونوعاً، فيكون البائع بعد فتح الخابية أو الوعاء أو اليد
стр. 3423
مخيراً بين إمضاء البيع وفسخه بعد رؤية الثمن. وهذا يسمى عند الحنفية خيار كمية، لا خيار رؤية؛ لأن خيار الرؤية لا يثبت في النقود.
١١ - خيار الاستحقاق (١):
هو الخيار الثابت للمشتري بسبب استحقاق المبيع كله أو بعضه، وتفصيله عند الحنفية: إن كان استحقاق المبيع قبل قبض الكل خير في الكل، وإن كان استحقاقه بعد القبض خيِّر في الشيء القيمي، لا في المثلي كالمكيل والموزون. وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع قبل القبض، يبطل العقد في الجزء المستحق، ويخير المشتري في أخذ الجزء الباقي بحصته من الثمن أو رده.
وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع بعد القبض، يبطل البيع في الجزء المستحق أيضاً، وأما الجزء الباقي فيخير المشتري في قبول الباقي بحصته من الثمن إن أضره التبعيض كالثوب والدار، ويلتزم بالباقي إن لم يضره التبعيض كالمكيل والموزون.
وذلك كله إن لم يجز المستحق البيع، فإن أجازه، لزم البيع، إذ لا ضرر بالتبعيض.
١٢ - خيار الشرط:
خطة الموضوع:
الكلام في خيار الشرط في المواضع الآتية:
المطلب الأول - الخيار المفسد والخيار المشروع.
стр. 3424
المطلب الثاني - مدة الخيار المشروع.
المطلب الثالث - طرق إسقاط الخيار.
المطلب الرابع - حكم العقد في مدة الخيار.
المطلب الخامس - كيفية الفسخ والإجازة.
المطلب الأول - الخيار المفسد والخيار المشروع:
الخيار المفسد: اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم على أن العاقدين إذا ذكرا الخيار مؤبداً، كأن يقول أحدهما: (بعت، أو اشتريت على أني بالخيار أبدًا) أو ذكرا الخيار مطلقاً، كأن يقول أحدهما: (على أني بالخيار أو متى شئت) أو ذكرا وقتاً مجهولاً كقدوم زيد، أوهبوب ريح، أونزول مطر، أو أياماً، فإن العقد غير صحيح لوجود الجهالة الفاحشة.
إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: العقد باطل (١). وقال الحنفية: العقد فاسد فقط، فإذا أسقط الشرط قبل مضي مدة ثلاثة أيام، أو حذف الزائد، أو بينت مدة الخيار، صح البيع، لزوال المفسد (٢).
استدل الشافعية والحنابلة: بأن مدة الخيار حينئذ ملحقة بالعقد، فلا تجوز مع الجهالة، كما لا تجوز جهالة الأجل، ولأن اشتراط الخيار أبداً ونحوه يقتضي المنع من التصرف على الأبد، وهو ينافي مقتضى العقد، فلم يصح، كما لو قال: بعتك بشرط ألا تتصرف.
стр. 3425
واستدل الحنفية بنحوه فقالوا: إن شرط الخيار مغير لمقتضى العقد بحسب الأصل، إلا أنا أجزناه بنص حديث حبان بن منقذ الذي حدد فيه الخيار بثلاثة أيام، فبقي ما عدا المنصوص عليه موافقاً لمقتضى الأصل.
وقال مالك وأحمد في رواية عنه: يجوز الخيار المطلق، إلا أن الإمام أحمد قال فيه: «وهما على خيارهما أبداً، أو يقطعاه، أو تنتهي مدته». وقال الإمام مالك: السلطان يحدد له مدة كمدة خيار مثله في العادة؛ لأن اختيار المبيع في مثله مقدَّر في العادة، فإذا أطلق الخيار حمل على المعتاد، ويفسد البيع عند المالكية إذا وقع بشرط مدة زائدة على مدته بكثير (أي بعد يوم) أو بشرط
مدة مجهولة كإلى أن تمطر السماء أو يقدم زيد (١).
الخيار المشروع: وهو أن يذكر وقت معلوم، وسيأتي الخلاف فيه بين الفقهاء، وقد ثبتت مشروعية خيار الشرط بحديث حبان بن منقذ الذي كان يغبن في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة (٢) وليَ الخيار ثلاثة أيام» ولمساس الحاجة إليه لدفع الغبن (٣). وخيار الشرط مشروع عند جمهور الحنفية والشافعية وغيرهم، سواء أكان الشرط للعاقد أم لغيره لتحقيق حاجة الناس. وقال زفر: لا يجوز لغير العاقد. ولا يجوز الخيار والأجل في البيوع التي فيها الربا: وهي عقد الصرف، وبيع المكيل والموزون عند الحنفية، والطعام بالطعام عند الشافعية، لأنه يشترط فيها القبض قبل التفرق بالأبدان، وذكر الخيار أو الأجل ينافي القبض (٤).
стр. 3426
المطلب الثاني - آراء الفقهاء في مدة الخيار المشروع للفقهاء اتجاهات ثلاثة في مدة الخيار: قال أبو حنيفة وزفر والشافعي: يجوز شرط الخيار في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام؛ لأن الأصل امتناع الخيار، لكونه مخالفاً لوضع البيع، فإنه يمنع نقل الملك أو لزومه، إلا أنه ثبت على خلاف هذا الأصل بحديث حبان بن منقذ السابق ذكره، والذي رواه ابن عمر، وبحديث أنس: «أن رجلاً اشترى من رجل بعيراً، واشترط عليه الخيار أربعة أيام، فأبطل رسول الله ﷺ البيع، وقال: الخيار ثلاثة أيام» (١) ولأن الحاجة تندفع بالثلاث غالباً، فلو زاد عليها فسد البيع عند أبي حنيفة وزفر، ولكنه يعود صحيحاً عند أبي حنيفة إذا أجاز له الخيار في الثلاثة، لزوال المفسد قبل أن يتقرر الفساد، وعند زفر: الفاسد من العقود لا يعود صحيحاً بحال.
ويبطل العقد عند الشافعي (بخلاف ما ذكر في تحفة الفقهاء). وكونه لا يجوز أكثر من ثلاثة، لأنه غرر، وفيما دون الثلاث رخصة، فلا يجوز الزيادة عليها، وفي الجملة: إن الخيار ينافي مقتضى البيع لولا ثبوته بالشرع (٢).
وقال الصاحبان والحنابلة: يجوز اشتراط مدة الخيار بحسب ما يتفق عليه البائع والمشتري من المدة المعلومة، قلَّت مدته أو كثرت. ودليلهم ما روي أن ابن عمر «أجاز الخيار إلى شهرىن» (٣) ولأن الخيار حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره
стр. 3427
إلى مشترطه، كالأجل. وبعبارة أخرى: إن مدة الخيار ملحقة بالعقد، فكانت إلى تقدير المتعاقدين كالأجل (١).
وقال المالكية: يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف المبيعات، فالفاكهة التي لا تبقى أكثر من يوم لا يجوز شرط الخيار فيها أكثر من يوم، والثياب أو الدابة: ثلاثة أيام، والأرض التي لا يمكن الوصول إليها في ثلاثة أيام يجوز شرط الخيار فيها أكثر من ثلاثة أيام، والدار ونحوها تحتاج مدة شهر.
ودليلهم أن المفهوم من الخيار هو اختبار المبيع، وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يكون الخيار محدوداً بزمان إمكان اختبار المبيع، وهو يختلف بحسب المبيعات، فكأن النص إنما ورد عندهم تنبيهاً على هذا المعنى، وهو أن الخيار لحاجة العاقد، فيقدر بها، فيكون النص عندهم من باب الخاص أريد به العام (٢).
وعند الشافعية وأبي حنيفة وزفر من باب الخاص أريد به الخاص. وتبدأ مدة الخيار من تاريخ العقد.
حكم الغاية في مدة الخيار:
قال أبو حنيفة: إذا شرط الخيار إلى الليل أو إلى الغد، فيدخل الليل والغد في مدة الخيار؛ لأن المقصود من الغاية هنا هو إخراج ما بعدها من حكم ما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة:٦/ ٥] بدليل أنه لو لم يذكر الوقت أصلاً لاقتضى ثبوت الخيار في الأوقات كلها (٣).
стр. 3428
وقال الصاحبان والمالكية والشافعية والحنابلة: لا يدخل الليل أو الغد في مدة الخيار لأن لفظ (إلى) موضوع لانتهاء الغاية، فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة:١٨٧/ ٢] والأصل هو حمل اللفظ على موضوعه، فكأن واضع اللغة قال:
متى سمعتم هذه اللفظة، فافهموا منها انتهاء الغاية (١).
المطلب الثالث - طرق إسقاط الخيار:
العقد الذي فيه الخيار عقد غير لازم، ويصبح لازماً إذا سقط الخيار بعد ثبوته، وطرق الإسقاط ثلاثة:
١ - الإسقاط الصريح: هو أن يقول صاحب الخيار: أسقطت الخيار أو أبطلته أو أجزأت البيع أو رضيت به، ونحوها، فيبطل الخيار، سواء علم المشتري بالإجازة أو لم يعلم؛ لأن الخيار شرع للفسخ، فإذا سقط يبطل الخياررجوعاً إلى الأصل في العقد: وهو لزومه ونفاذه.
وكذلك يسقط الخيار إذا قال من له الحق فيه: (فسخت العقد، أو نقضته، أو أبطلته) لأن الخيار هو التخيير بين الفسخ والإجازة، فأيهما وجد سقط الخيار (٢).
٢ - الإسقاط دلالة: وهو أن يوجد ممن له الخيار تصرف يدل على إجازة البيع وإثبات الملك، فالإقدام عليه يكون إجازة للبيع دلالة (٣).
وبناء على هذا:
стр. 3429
إذا كان الخيار للمشتري، والمبيع في يده، فعَرَضه على البيع، يبطل خياره، لأن عرض المشتري المبيع على البيع معناه اختيار التملك وهو يكون بإبطال الخيار.
وإذا كان الخيار للبائع فعَرَضه على البيع، فالأصح من الروايتين عن أبي حنيفة: أن يكون إسقاطاً للخيار، لأنه دليل على اختيار إبقاء الملك في المبيع.
وكذلك يسقط خيار المشتري إذا باع الشيء الذي اشتراه أو رهنه أو وهبه - سلم أو لم يسلم - أو آجره؛ لأن نفاذ هذه التصرفات مختص بقيام الملك، فيكون الإقدام عليها دليلاً على قصد إبقاء الملك، وهو يتم بإجازة البيع.
ويسقط الخيار أيضاً بهذه التصرفات في الثمن إذا صدرت من البائع الذي له الخيار؛ إذ أنه لا تصح هذه التصرفات إلا بعد نقض التصرف الأول.
إلا أن هناك فرقاً بين البائع والمشتري بالنسبة لتسليم الهبة والرهن، فإنه إذا كان الخيار للبائع لا
يسقط في الهبة والرهن إلا بعد التسليم بخلاف المشتري كما عرفنا (١).
وأما الإجازة فلا فرق فيها بين البائع والمشتري، فإنها تسقط الخيار من غير شرط القبض، لأنها عقد لازم، بخلاف الرهن والهبة قبل القبض، فإنهما عقدان غير لازمين.
ومن مسقطات الخيار دلالة: أن يُسكن المشتري الدار المبيعة رجلاً بأجر أو بغير أجر، أو يرمم شيئاً منها بالتطيين أو التجصيص، أو يحدث فيها بناء أو يهدم شيئاً منها؛ لأن هذه التصرفات دليل اختيار الملك.
ومن مسقطات الخيار دلالة أيضاً: أن يسقي المشتري الزروع والثمار أو
стр. 3430
يحصدها أو يقطع منها شيئاً لدوابه، لأنه يعد إجازة للبيع واختياراً للتملك كما ذكر (١).
أما ركوب الدابة لسقيها أو لردها على البائع، فلا يسقط الخيار استحساناً؛ لأن الدابة قد لا يمكن تسييرها إلا بالركوب، ويسقط قياساً، لأن الركوب دليل اختيار الملك.
وكذا ركوب الدابة لينظر إلى سيرها وقوتها، لا يسقط الخيار.
وكذا أيضاً لبس الثوب لينظر إلى طوله وعرضه لا يسقط الخيار، لاحتياجه إلى التجربة والاختبار، أما لبسه ثانية للغرض الأول نفسه، فيسقط الخيار.
وركوب الدابة مرة ثانية لمعرفة العَدْو أو لمعرفة سير آخر كمشي الهملاج (أي السير السهل) لا يسقط الخيار أيضاً، أما ركوبها لمعرفة الغرض الأول، فيسقط الخيار.
ويرى بعض مشايخ الحنفية أن ركوب الدابة للمرة الثانية للغرض الأول نفسه: لا يسقط الخيار؛ لأن الاختبار لا يحصل بالفعل مرة، لاحتمال وقوع ذلك صدفة، فيحتاج إلى معرفة العادة الثابتة، بخلاف الثوب، فإن الغرض يحصل بالمرة الواحدة (٢).
٣ - إسقاط الخيار بطريق الضرورة:
يسقط الخيار ضرورة بأمور:
стр. 3431
أولاً - مضي مدة الخيار: يسقط الخيار بمضي مدته دون اختيار فسخ العقد، لأن الخيار مؤقت بها، فيبقى العقد بلا خيار، فيصبح لازماً (١).
وكذلك قال الشافعية والحنابلة: يسقط الخيار إذا انقضت مدته، ولم يفسخ أحدهما العقد ويصبح لازماً؛ لأن مدة الخيار ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالأجل، ولأن الحكم ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار في غير المدة المشروطة، والشرط سبب الخيار، فلا يجوز أن يثبت به ما لم يتناوله، ولأنه حكم مؤقت، فصار بفوات وقته كسائر المؤقتات، ولأن البيع يقتضي اللزوم، وإنما تخلَّف موجبه بالشرط، ففيما لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه لعدم وجود ما ينافي مقتضى العقد كما لو أمضوا العقد (٢).
وقال الإمام مالك: لا يلزم البيع بمضي المدة بل لا بد من اختيار أو إجازة، لأن مدة الخيار جعلت حقاً لصاحب الخيار لا واجباً عليه، فلم يلزم الحكم بمرور الزمان نفسه، كمضي الأجل في حق المولى بالنسبة للمكاتب، لايلزم المولى بالعتق بمجرد مضي المدة (٣).
ثانياً - موت المشروط له الخيار: إذا مات المشروط له الخيار، يسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أو لهما، ويصير العقد لازماً، لأنه وقع العجز عن الفسخ، فيلزم ضرورة، واتفق الفقهاء على أنه يورث خيار العيب وخيار التعيين، ولا يورث خيار الإجازة في بيع الفضولي، ولا خيار الرؤية على الصحيح، كما لا يورث
стр. 3432
الأجل (١)، وكذلك لا يورث خيار القبول عند الحنفية والمالكية، ويورث خيار المجلس عند الشافعية (٢)، فلو مات من له الخيار أو أغمي عليه في المجلس لم يبطل خياره، بل ينتقل إلى وارثه والناظر في أمره. وقال الحنابلة: ينقطع هذا الخيار بالموت لا بالجنون والإغماء (٣).
أما خيار الشرط فاختلفوا في إرثه:
فقال الحنفية: لا يورث خيار الشرط، وإنما يسقط بموت المشروط له، كما تقدم؛ لأن الوارث يستحق الباقي بعد موت المورِّث، وخيار المورِّث لا يبقى بعد موته؛ لأن خياره يخيره بين الفسخ والإجازة، ولا يتصور ذلك منه بعد موته، فلا يورث، بخلاف خيار العيب والتعيين؛ لأن الموروث هناك محتمل للإرث وهو العين المملوكة، أما الخيار فهو عرض لا يبقى (٤).
والخلاصة: أن خيار القبول والإجازة في بيع الفضولي والأجل وخيار الشرط لا يورث. أما خيار العيب والتعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار التغرير، فإنه يورث (٥).
وقال الحنابلة: المذهب أن خيار الشرط يبطل بموت صاحبه، ويبقى خيار الآخر بحاله، إلا أن يكون الميت قد طالب بالفسخ قبل موته في مدة الخيار، فيكون حينئذ لورثته (٦).
стр. 3433
وقال المالكية والشافعية: إذا مات صاحب الخيار: فلورثته من الخيار مثل ما كان له؛ لأن الخيار حق ثابت لضمان صلاحية المال المشترى، فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع على الثمن ونحوها من الحقوق المالية، فينتقل إلى الوارث كالأجل وخيار الرد بالعيب، ولأنه حق فسخٍ للبيع، فينتقل إلى الوارث كالرد بالعيب، والفسخ بالتحالف (١).
ويلاحظ أن مرجع الخلاف في إرث الخيار هو: هل الأصل أن تورث الحقوق كالأموال أو لا؟
فقال الجمهور: الأصل أن تورث الحقوق والأموال إلا إذا قام دليل على وجود اختلاف بين الحق والمال بالنسبة للإرث.
وقال الحنفية: الأصل هو أن يورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال.
ثالثاً - ما هو في معنى الموت: كالجنون والإغماء والنوم والسُكْر والردة واللحاق بدار الحرب (٢). فإذا ذهب عقل صاحب الخيار بالجنون أو الإغماء، في مدة الخيار، ومضت المدة على تلك الحال صار العقد لازماً لأنه عجز عن الفسخ فتزول فائدة الخيار، فإن أفاق في مدة الخيار، بقي الخيار، لإمكان ممارسة حق الفسخ والإجازة.
стр. 3434
وكذا يسقط الخيار لو بقي صاحبه نائماً لآخر مدة الخيار، كما يسقط على الصحيح لو سكر وظل سكراناً حتى مضت مدة الخيار.
ولو ارتد من له الخيار في مدة الخيار، فقتل على الردة أو مات: لزم البيع. وكذا لو لحق بدار الحرب، وقضى القاضي بلحاقه؛ لأن الردة بمنزلة الموت بعد الالتحاق بدار الحرب.
فإن عاد المرتد إلى الإسلام في مدة الخيار، فهو على خياره.
كل ذلك إذا لم يتصرف المرتد بالخيار فسخاً أو إجازة، فإذا تصرف في مدة الخيار ينظر:
إن أجاز البيع جاز بالاتفاق، ولو فسخ يصبح حكم العقد موقوفاً عند أبي حنيفة: فإن عاد مسلماً نفذ، وإن مات أو قتل على الردة، بطل الفسخ.
وقال الصاحبان: تنفذ تصرفات المرتد حال ردته. ومنشأ الخلاف: هل تصرفات المرتد موقوفة أو نافذة؟
قال أبو حنيفة: هي موقوفة. وقال الصاحبان: هي نافذة، سواء أسلم أو مات أو قتل (١).
وقال الشافعية والحنابلة: لو جن صاحب الخيار أو أغمي عليه أو أصابه خرس فلم تفهم إشارته، ينتقل الخيار إلى وليه من حاكم أو غيره (٢).
رابعاً - هلاك المبيع في مدة الخيار: فيه تفصيل؛ لأن الهلاك إما أن يكون قبل القبض أو بعد القبض، والخيار إما للبائع، أو للمشتري (٣).
стр. 3435
آ - فإن هلك المبيع قبل القبض أي (في يد البائع) بطل البيع وسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أم لهما معاً، لأنه لو كان العقد باتاً لبطل البيع بسبب العجز عن التسليم، فيبطل إذا كان فيه خيار شرط من باب أولى.
ب - وإن هلك المبيع بعد القبض أي (في يد المشتري): فإن كان الخيار للبائع، فيبطل البيع أيضاً، ويسقط الخيار، ولكن يلزم المشتري القيمة إن لم يكن له مثل، والمثل إن كان له مثل.
وقال ابن أبي ليلى: إنه يهلك هلاك الأمانات؛ لأن الخيار منع انعقاد العقد بالنسبة لحكم العقد، فكان المبيع على حكم ملك البائع أمانة في يد المشتري، فيهلك هلاك الأمانات.
والصحيح قول عامة العلماء، لأن البيع وإن لم ينعقد بالنسبة لحكم العقد، لكن المبيع في قبض المشتري على حكم البيع، فلا يكون دون المقبوض على سوم الشراء (١) وهو مضمون بالقيمة أو بالمثل، سواء تعدى في القبض أو قصر في الحفظ، أو لم يحصل منه شيء من ذلك، فهذا أولى، لأن العقد موجود هنا، بخلاف المقبوض على سوم الشراء لم يوجد العقد بالنسبة إليه أصلاً.
وإن كان الخيار للمشتري فهلك المبيع بفعل المشتري أو البائع أو بآفة سماوية: لا يبطل البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويهلك على المشتري بالثمن، لأن المشتري وإن لم يملك المبيع عند أبي حنيفة إلا أنه اعترض عليه في يده ما يمنع الرد وهو التعيب بعيب لم يكن عند البائع؛ لأن الهلاك في يده لا يخلو عادة عن