← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

أولاً - مضي مدة الخيار: يسقط الخيار بمضي مدته دون اختيار فسخ العقد، لأن الخيار مؤقت بها، فيبقى العقد بلا خيار، فيصبح لازماً (١). وكذلك قال الشافعية والحنابلة: يسقط الخيار إذا انقضت مدته، ولم يفسخ أحدهما العقد ويصبح لازماً؛ لأن مدة الخيار ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالأجل، ولأن الحكم ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار في غير المدة المشروطة، والشرط سبب الخيار، فلا يجوز أن يثبت به ما لم يتناوله، ولأنه حكم مؤقت، فصار بفوات وقته كسائر المؤقتات، ولأن البيع يقتضي اللزوم، وإنما تخلَّف موجبه بالشرط، ففيما لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه لعدم وجود ما ينافي مقتضى العقد كما لو أمضوا العقد (٢). وقال الإمام مالك: لا يلزم البيع بمضي المدة بل لا بد من اختيار أو إجازة، لأن مدة الخيار جعلت حقاً لصاحب الخيار لا واجباً عليه، فلم يلزم الحكم بمرور الزمان نفسه، كمضي الأجل في حق المولى بالنسبة للمكاتب، لايلزم المولى بالعتق بمجرد مضي المدة (٣). ثانياً - موت المشروط له الخيار: إذا مات المشروط له الخيار، يسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أو لهما، ويصير العقد لازماً، لأنه وقع العجز عن الفسخ، فيلزم ضرورة، واتفق الفقهاء على أنه يورث خيار العيب وخيار التعيين، ولا يورث خيار الإجازة في بيع الفضولي، ولا خيار الرؤية على الصحيح، كما لا يورث

стр. 3432

الأجل (١)، وكذلك لا يورث خيار القبول عند الحنفية والمالكية، ويورث خيار المجلس عند الشافعية (٢)، فلو مات من له الخيار أو أغمي عليه في المجلس لم يبطل خياره، بل ينتقل إلى وارثه والناظر في أمره. وقال الحنابلة: ينقطع هذا الخيار بالموت لا بالجنون والإغماء (٣). أما خيار الشرط فاختلفوا في إرثه: فقال الحنفية: لا يورث خيار الشرط، وإنما يسقط بموت المشروط له، كما تقدم؛ لأن الوارث يستحق الباقي بعد موت المورِّث، وخيار المورِّث لا يبقى بعد موته؛ لأن خياره يخيره بين الفسخ والإجازة، ولا يتصور ذلك منه بعد موته، فلا يورث، بخلاف خيار العيب والتعيين؛ لأن الموروث هناك محتمل للإرث وهو العين المملوكة، أما الخيار فهو عرض لا يبقى (٤). والخلاصة: أن خيار القبول والإجازة في بيع الفضولي والأجل وخيار الشرط لا يورث. أما خيار العيب والتعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار التغرير، فإنه يورث (٥). وقال الحنابلة: المذهب أن خيار الشرط يبطل بموت صاحبه، ويبقى خيار الآخر بحاله، إلا أن يكون الميت قد طالب بالفسخ قبل موته في مدة الخيار، فيكون حينئذ لورثته (٦).

стр. 3433

وقال المالكية والشافعية: إذا مات صاحب الخيار: فلورثته من الخيار مثل ما كان له؛ لأن الخيار حق ثابت لضمان صلاحية المال المشترى، فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع على الثمن ونحوها من الحقوق المالية، فينتقل إلى الوارث كالأجل وخيار الرد بالعيب، ولأنه حق فسخٍ للبيع، فينتقل إلى الوارث كالرد بالعيب، والفسخ بالتحالف (١). ويلاحظ أن مرجع الخلاف في إرث الخيار هو: هل الأصل أن تورث الحقوق كالأموال أو لا؟ فقال الجمهور: الأصل أن تورث الحقوق والأموال إلا إذا قام دليل على وجود اختلاف بين الحق والمال بالنسبة للإرث. وقال الحنفية: الأصل هو أن يورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال. ثالثاً - ما هو في معنى الموت: كالجنون والإغماء والنوم والسُكْر والردة واللحاق بدار الحرب (٢). فإذا ذهب عقل صاحب الخيار بالجنون أو الإغماء، في مدة الخيار، ومضت المدة على تلك الحال صار العقد لازماً لأنه عجز عن الفسخ فتزول فائدة الخيار، فإن أفاق في مدة الخيار، بقي الخيار، لإمكان ممارسة حق الفسخ والإجازة.

стр. 3434

وكذا يسقط الخيار لو بقي صاحبه نائماً لآخر مدة الخيار، كما يسقط على الصحيح لو سكر وظل سكراناً حتى مضت مدة الخيار. ولو ارتد من له الخيار في مدة الخيار، فقتل على الردة أو مات: لزم البيع. وكذا لو لحق بدار الحرب، وقضى القاضي بلحاقه؛ لأن الردة بمنزلة الموت بعد الالتحاق بدار الحرب. فإن عاد المرتد إلى الإسلام في مدة الخيار، فهو على خياره. كل ذلك إذا لم يتصرف المرتد بالخيار فسخاً أو إجازة، فإذا تصرف في مدة الخيار ينظر: إن أجاز البيع جاز بالاتفاق، ولو فسخ يصبح حكم العقد موقوفاً عند أبي حنيفة: فإن عاد مسلماً نفذ، وإن مات أو قتل على الردة، بطل الفسخ. وقال الصاحبان: تنفذ تصرفات المرتد حال ردته. ومنشأ الخلاف: هل تصرفات المرتد موقوفة أو نافذة؟ قال أبو حنيفة: هي موقوفة. وقال الصاحبان: هي نافذة، سواء أسلم أو مات أو قتل (١). وقال الشافعية والحنابلة: لو جن صاحب الخيار أو أغمي عليه أو أصابه خرس فلم تفهم إشارته، ينتقل الخيار إلى وليه من حاكم أو غيره (٢). رابعاً - هلاك المبيع في مدة الخيار: فيه تفصيل؛ لأن الهلاك إما أن يكون قبل القبض أو بعد القبض، والخيار إما للبائع، أو للمشتري (٣).

стр. 3435

آ - فإن هلك المبيع قبل القبض أي (في يد البائع) بطل البيع وسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أم لهما معاً، لأنه لو كان العقد باتاً لبطل البيع بسبب العجز عن التسليم، فيبطل إذا كان فيه خيار شرط من باب أولى. ب - وإن هلك المبيع بعد القبض أي (في يد المشتري): فإن كان الخيار للبائع، فيبطل البيع أيضاً، ويسقط الخيار، ولكن يلزم المشتري القيمة إن لم يكن له مثل، والمثل إن كان له مثل. وقال ابن أبي ليلى: إنه يهلك هلاك الأمانات؛ لأن الخيار منع انعقاد العقد بالنسبة لحكم العقد، فكان المبيع على حكم ملك البائع أمانة في يد المشتري، فيهلك هلاك الأمانات. والصحيح قول عامة العلماء، لأن البيع وإن لم ينعقد بالنسبة لحكم العقد، لكن المبيع في قبض المشتري على حكم البيع، فلا يكون دون المقبوض على سوم الشراء (١) وهو مضمون بالقيمة أو بالمثل، سواء تعدى في القبض أو قصر في الحفظ، أو لم يحصل منه شيء من ذلك، فهذا أولى، لأن العقد موجود هنا، بخلاف المقبوض على سوم الشراء لم يوجد العقد بالنسبة إليه أصلاً. وإن كان الخيار للمشتري فهلك المبيع بفعل المشتري أو البائع أو بآفة سماوية: لا يبطل البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويهلك على المشتري بالثمن، لأن المشتري وإن لم يملك المبيع عند أبي حنيفة إلا أنه اعترض عليه في يده ما يمنع الرد وهو التعيب بعيب لم يكن عند البائع؛ لأن الهلاك في يده لا يخلو عادة عن

стр. 3436

سبب له، وهذا السبب يكون عيباً، وتعيب المبيع في يد المشتري يمنع الرد، ويلزم البيع إذ لافائدة من بقاء الخيار، فيهلك بالثمن؛ لأن العقد قد انبرم. وقال الشافعية كالحنفية فيما إذا حدث الهلاك بآفة سماوية قبل القبض: ينفسخ البيع ويسقط الخيار، كما ينفسخ العقد ويسقط الخيار إذا كان الهلاك بعد القبض ويضمن المشتري القيمة إذا كان الخيار للبائع. فإن كان الخيار للمشتري فيقرر الشافعية أنه يضمن المبيع في هذه الحالة بقيمته، لأنه إن فسخ البيع تعذر رد العين، فوجب رد القيمة، وإن أمضى العقد فقد هلك من ملكه فيجب عليه قيمته (١). وقال المالكية: إن هلك المبيع بيد البائع، فلا خلاف في ضمانه إياه وينفسخ البيع. وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية: إن كان المبيع مما يغاب عليه (أي يمكن إخفاؤه) كالحلي والثياب، فيضمن المشتري للبائع الأكثر من ثمنه الذي بيع به، أو القيمة؛ لأن من حق البائع إمضاء البيع إن كان الثمن أكثر، ورد البيع إن كانت القيمة أكثر، إلا إذا ثبت الهلاك ببينة فلا يضمن المشتري. وإن كان المبيع مما لا يغاب عليه (أي لا يمكن إخفاؤه) كالدور والعقارات فالبائع يضمنه، بعد أن يحلف المشتري حيث اتهمه البائع: لقد ضاع وما فرَّط، إذا لم يظهر كذب المشتري (٢).

стр. 3437

ويلاحظ أن ابن رشد في بداية المجتهد جعل الضمان مطلقاً على البائع من غير تفصيل، والمشتري أمين، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما. وقال الحنابلة: إن تلفت السلعة في مدة الخيار قبل القبض، وكان المبيع مكيلاً أو موزوناً انفسخ البيع، وضمنه البائع، ويبطل خيار المشتري. وإن كان المبيع غير مكيل ولا موزون ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فظاهر المذهب أنه من ضمان المشتري، ويكون كتلفه بعد القبض. وأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره. وأما خيار البائع ففيه روايتان: إحداهما: يبطل كخيار الرد بالعيب إذا تلف المبيع، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر. والثانية: لا يبطل، وللبائع فسخ البيع، ومطالبة المشتري بالقيمة (١). خامساً - تعيب المبيع: فيه تفصيل أيضاً؛ لأن الخيار إما أن يكون للبائع أو للمشتري. آـ فإن كان الخيار للبائع: فيسقط خياره إذا تعيب المبيع بآفة سماوية أو بفعل البائع، سواء أكان المبيع في يد البائع أم في يد المشتري، لأنه هلك بعض المبيع بلا بدل عنه، إذ لا يجب الضمان على البائع، لأن المبيع ملكه، فينفسخ البيع في هذا البعض،، ولا يمكن بقاء العقد في الجزء الباقي، لما يترتب عليه من تفريق الصفقة على المشتري قبل تمام العقد، وهو لا يجوز. فإذا تعيب المبيع بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي لم يبطل البيع، ويبقى البائع على خياره لأنه يمكنه إجازة البيع فيما بقي وفيما نقص؛ لأن قدر النقصان انتقل إلى بدل عنه: وهو الضمان بالقيمة على المشتري أو الأجنبي لإتلافهما ملك الغير بغير إذن، فكان قدر النقصان قائماً معنى.

стр. 3438

وإذا بقي البائع على خياره والمبيع في يد المشتري: فإما أن يجيز العقد أو يفسخ: فإن أجاز البيع، وجب على المشتري جميع الثمن؛ لأن البيع جاز في الكل، ولا يكون للمشتري خيار الرد بحدوث التغير في المبيع، لأنه حدث في يده وفي ضمانه. غير أنه إذا كان التعييب بفعل المشتري، فلا سبيل له على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل نفسه، وإن كان بفعل الأجنبي فللمشتري خيارأن يتبع الجاني بالأرش (أي الغرامة) لأنه بإجازة البيع ملك المبيع، من وقت البيع فحصلت الجناية على ملكه. وإن فسخ البائع العقد ينظر: إن كان التعييب بفعل المشتري: فإن البائع يأخذ الباقي، ويأخذ أرش الجناية من المشتري؛ لأن المبيع كان مضموناً على المشتري بالقيمة، وقد عجز عن رد ما أتلفه بالجناية، فعليه رد قيمته. وإن كان التعييب بفعل أجنبي: فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الجاني بالأرش، لأن الجناية حصلت على ملكه، وإن شاء اتبع المشتري؛ لأن الجناية حدثت في ضمان المشتري. فإن اختار اتباع الأجنبي: فالأجنبي لا يرجع على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل نفسه، وإن اختار اتباع المشتري، فالمشتري يرجع بما ضمن من الأرش على الجاني؛ لأن المشتري بأداء الضمان قام مقام البائع في حق تملك بدل الشيء المجني عليه، وإن لم يقم مقامه في حق ملك نفس الشيء المجني عليه. ب - وإن كان الخيار للمشتري: فيسقط خياره بالتعييب ولا ينفسخ البيع سواء

стр. 3439

حصل بآفة سماوية أو بفعل البائع، أو بفعل المشتري أو بفعل الأجنبي؛ لأن في حالة الآفة السماوية واعتداء البائع حدث التعيب في المبيع في يد المشتري وفي ضمانه، فيلزمه رد قيمته. وأما في حالة اعتداء المشتري أو الأجنبي فلأنه تعذر رد المبيع؛ لأنه لا يمكن المشتري أن يرد جميع ما قبض كما قبض سليماً، وفي رد البعض تفريق للصفقة على البائع قبل تمام العقد (١). وعلى هذا، إذا حدث نقص في المبيع في يد المشتري، كأن سقط حائط من دار بغير صنع أحد، يسقط الخيار بهذا النقصان لتعذر رد الشيء على صاحبه كما قبضه سليماً من أي نقص، ويتقرر على المشتري جميع الثمن؛ لأن النقصان حصل في ضمانه. المطلب الرابع - حكم العقد في مدة الخيار: يقول الحنفية: لا ينعقد البيع بشرط الخيار في الحال في حق الحكم (أي نقل الملكية) بالنسبة لمن له الخيار من المتعاقدين، بل يكون موقوفاً إلى وقت سقوط الخيار: إما بإجازة البيع أو فسخه، فإن أجازه ظهر أن العقد كان قد انعقد حال وجوده، أي قبل الإجازة متى كان موضوع العقد قابلاً له، وإن فسخه استمر على عدم انعقاده استصحاباً للحالة الأولى. وتفصيله يظهر فيما يأتي (٢): إن كان الخيار للعاقدين: كان العقد غير منعقد من ناحية حكمه في حقهما

стр. 3440

معاً أي أنه لا يزول المبيع عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، كما لا يزول الثمن عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع؛ لأن الخيار المانع من الانعقاد من ناحية الحكم موجود في جانبي البائع والمشتري. وإن كان الخيار للبائع وحده: كان العقد غير منعقد في حقه من ناحية ثبوت الحكم، فلا يزول المبيع عن ملكه ويخرج الثمن عن ملك المشتري؛ لأن العقد لازم في حقه، ولكنه لا يدخل في ملك البائع عند أبي حنيفة حتى لا يجتمع البدلان (المبيع والثمن) في يد واحدة، وهذا لا يجوز في عقود المبادلة التي تتطلب المساواة بين البائع والمشتري. وقال الصاحبان: إن الثمن يدخل في ملك البائع ويجب له ما دام البيع وقع باتاً، أي لازماً بالنسبة للمشتري، لأنه لم يشترط الخيار لنفسه، ودليلهما: أن الشيء لايصح أن يكون بلا مالك. يظهر مما تقدم أن العقد من ناحية حكمه: لا ينعقد عند أبي حنيفة في كلا البدلين (المبيع والثمن). وعند الصاحبين: لا ينعقد في بدل من له الخيار فقط. وإن كان الخيار للمشتري وحده: كان البيع غير منعقد بالنسبة له من ناحية حكمه، فلا يخرج الثمن عن ملكه، أما المبيع فيخرج عن ملك البائع فليس له التصرف فيه، ولكنه لا يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة، ويدخل في ملكه عند الصاحبين على النحو السابق. ويترتب على هذا الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه نتائج، منها ما يأتي: ١ - إذا اشترى ذمي من ذمي خمراً أو خنزيراً على أنه بالخيار وقبض المشتري المبيع، ثم أسلم بطل البيع عند أبي حنيفة؛ لأن المبيع لم يدخل في مدة الخيار في ملك المشتري، والمسلم ممنوع من تملك الخمر أو الخنزير.

стр. 3441

وعند الصاحبين: لا يبطل البيع، بل يسقط الخيار ويلزم العقد؛ لأن المشتري ملك المبيع في مدة الخيار وهو ذمي، له أن يتملك الخمروالخنزير، وبعد الإسلام: ليس له أن يرد البيع، لأنه ممنوع من تمليك شيء مما ذكر. أما إذا أسلم البائع وكان الخيار للمشتري: فلا يبطل البيع ويبقى المشتري على خياره بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه، وكونه لا يبطل لأن البيع باتٌّ في جانب البائع. وأما المشتري فيبقى خياره: فإن أجاز البيع صار لازماً، وعليه الثمن ويملك المبيع، لأنه ذمي له أن يملك الخمر والخنزير. وإن رد البيع انفسخ العقد وصار المبيع على ملك البائع، والمسلم قد يملك الخمر أو الخنزير حكماً، كما إذا أسلم الذمي وعنده خمر أو خنزير. فإن كان الخيار للبائع وأسلم في مدة الخيار بطل الخيار والعقد؛ لأن خيار البائع يمنع إجماعاً خروج المبيع عن ملكه، وإسلامه يمنع إخراج الخمر ونحوها عن ملكه. ولو كان الذي أسلم هو المشتري، لم يبطل العقد، وبقي البائع على خياره، لأن العقد لازم من جهة المشتري إذ لا خيار له، وحينئذ له إجازة البيع، فيتملك المشتري المبيع وهو أهل له أي لتملك الخمر ونحوها حكماً، كما عرفنا، وإن رد البيع انفسخ العقد واستمر المبيع ملكاً للبائع. ٢ - إذا كان المبيع داراً: فإن كان للبائع خيار، لم يكن للشفيع الشفعة بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه؛ لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه. وإن كان الخيار للمشتري، تثبت الشفعة بالاتفاق أيضاً؛ لأن خيار المشتري على قول أبي حنيفة، وإن منع دخول السلعة في ملك المشتري، لم يمنع زوال ملكيتها عن ملك البائع، وحق الشفيع يثبت بزوال ملك البائع لا ملك المشتري. وأما على قول الصاحبين: فإن خيار المشتري لا يمنعه تملك السلعة، فتثبت

стр. 3442

الشفعة للشفيع (١). هذا هو تفصيل مذهب الحنفية في حكم عقد البيع خلال مدة الخيار. وأما غير الحنفية فمذاهبهم ما يأتي: قال المالكية وفي رواية عن أحمد: للبائع ملك المبيع زمن الخيار، حتى ينقضي الخيار. وإمضاء البيع: معناه نقل المبيع من ملك البائع لملك المشتري، وليس تقريراً للملك. ودليلهم أن المبيع على ملك البائع، وأما المشتري فملكه غير تام لاحتمال رده. وعلى هذا: تكون غلة المبيع الحاصلة في زمن الخيار للبائع (٢). وقال الشافعية في الأظهر عندهم: إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع وتوابعه كلبن ومهر وثمر وكسب له. وإن كان الخيار للمشتري فيكون الملك له، لأنه إذا كان الخيار لأحدهما كان هو وحده متصرفاً في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك. وإن كان الخيار للبائع والمشتري معاً، فالملك موقوف لأنه ليس أحد الجانبين أولى من الآخر، فيحصل التوقف، فإن تم البيع تبين أن الملك للمشتري من حين العقد، وإلا فللبائع، وكأنه لم يخرج عن ملكه (٣). وقال الحنابلة في ظاهر المذهب: ينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد، ولا فرق بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما أيهما كان. ودليلهم قول النبي ﷺ : «من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» وقوله ﷺ : «من باع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» (٤) جعل

стр. 3443

الرسول ﵊ المبيع للمبتاع (أي المشتري) بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع، ولأنه بيع صحيح، فنقل الملكية عقبه كالذي لا خيار له، ولأن البيع تمليك بدليل قوله: (ملكتك) فثبت به الملك كسائر البيوع (١). ويترتب على هذا الخلاف بين الفقهاء: الخلاف في حكم تسليم الثمن أو استحقاقه للبائع، كما ذكر عند الحنفية، فعند الحنابلة: يلزم تسليم الثمن إذا كان الخيار للمشتري ولا يلزم إذا كان الخيار للبائع أو لهما. المطلب الخامس - كيفية الفسخ والإجازة: الفسخ والإجازة إما بطريق الضرورة أو بطريق القصد والاختيار (٢): أما الفسخ والإجازة بطريق الضرورة: فيصح من غير وجود الخصم وعلمه، كمضي مدة الخيار وهلاك المبيع ونقصانه، كما ذكر في طرق إسقاط الخيار. وأما الفسخ والإجازة بطريق القصد: فاتفق الحنفية على أن صاحب الخيار يملك إجازة العقد بغير علم صاحبه، لأنه كان قد رضي بالبيع، وتوقف نفاذ البيع على رضا صاحب الخيار، فإذا رضي نفذ البيع، علم الآخر أو لم يعلم. ولكن يشترط الرضا باللسان بأن يقول: أجزت هذا العقد أو رضيت به، فإذا رضي بقلبه فقط، فإنه لا يسقط خياره؛ لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأقوال والأفعال الظاهرة الدالة على القلوب.

стр. 3444

وأما الفسخ: فإنه ينبغي أن يكون باللسان (١) دون القلب، فإن فسخ بلسانه بعلم صاحبه، فيصح بالاتفاق بين علماء الحنفية، سواء رضي به الطرف الآخر أو أبى. وإن فسخ بغيرعلم صاحبه فلا يصح عند أبي حنيفة ومحمد، سواء أكان الخيار للمشتري أم للبائع، ويكون الفسخ حينئذ موقوفاً: إن علم به صاحبه في مدة الخيار نفذ، وإن لم يعلم حتى مضت المدة لزم العقد؛ لأن الفسخ تصرف في حق الغير؛ لأن العقد تعلق به حق كل واحد من المتعاقدين، فلم يملك أحدهما فسخه بغير علم صاحبه، لما في ذلك من المضرة. فإن كان الخيار للبائع: فربما يتصرف المشتري بالمشترى اعتماداً منه على نفاذ البيع بسبب مضي المدة دون فسخ، فتلزمه غرامة القيمة بهلاك المبيع، وقد تكون القيمة أكثر من الثمن، وفي هذا ضرر. وإذا كان الخيار للمشتري: فربما لا يطلب البائع لسلعته مشترياً آخر اعتماداً على تمام البيع، وهذا ضرر أيضاً. وقال أبو يوسف: إن كان الخيار للبائع فلا يشترط علم المشتري بالفسخ، وإن كان الخيار للمشتري اشترط علم البائع بالفسخ. وفي رواية عنه: إنه لا يشترط علم الطرف الآخر بالفسخ مطلقاً؛ لأن الفاسخ منهما مسلط على الفسخ من صاحبه الذي لا خيار له، فلا يتوقف الفسخ على علمه، كبيع الوكيل يجوز مع عدم علم الموكل (٢). ويجري هذا الخلاف في خيار الرؤية، أما خيار العيب فاتفق الحنفية على أن الفسخ فيه يشترط أن يكون بعلم البائع (٣).

стр. 3445

وإذا كان الخيار لرجلين - خيار شرط أو رؤية أو عيب - فلا يملك أحدهما دون الآخر أن ينفرد بالفسخ عند أبي حنيفة؛ لأن المبيع خرج عن ملك البائع غير معيب بعيب الشركة، فلو رده أحدهما رده معيباً به، وفي رده ضرر. وقال الصاحبان: يصح لأحد الرجلين اللذين ثبت الخيار لهما أن ينفرد بالفسخ؛ لأن إثبات الخيار لهما إثباته لكل واحد منهما، فلا يسقط بإسقاط صاحبه، لما فيه من إبطال حقه (١). وعلى هذا، يصح عند أبي حنيفة أن يتفق الرجلان على الإجازة أو الفسخ، فإذا رد أحدهما، وأجاز الآخر، فهو على الخلاف المذكور. وكذا يجري الخلاف إذا اختارا رد البيع في النصف، وإجازة البيع في النصف الآخر. هذا هو تفصيل كيفية الفسخ والإجازة عند الحنفية، وخالفهم جمهور العلماء في كيفية الفسخ: فقال المالكية والشافعية والحنابلة: يصح لصاحب الخيار فسخ البيع في حضور صاحبه وفي غيبته، إذ أن صاحبه لما رضي لأخيه بالخيار، فكأنه أذن له في الفسخ متى شاء، فلا يحتاج إلى حضوره (أي علمه) عند الفسخ، ولأن الفسخ رفع للعقد، فلا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلم يفتقر إلى حضوره كالطلاق (٢). ١٣ - خيار العيب هو خيار ثابت بالشرط دلالة، لذا ذكرته عقب خيار الشرط. والكلام عن خيار العيب في المطالب الآتية:

стр. 3446

المطلب الأول - في مشروعية خيار العيب وحكمه. المطلب الثاني - في العيوب الموجبة للخيار. المطلب الثالث - في طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار. المطلب الرابع - مقتضى الخيار وكيفية الرد بالعيب. المطلب الخامس - موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار. المطلب السادس - اختلاف الفقهاء في شرط البراءة عن العيب. المطلب الأول - في مشروعية خيار العيب وحكم العقد مشروعية خيار العيب: الأصل في مشروعية هذا الخيار أحاديث منها - أن النبي ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب إلا بينه له» (١). ومنها - قوله ﵊: «لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بيَّن ما فيه، ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه» (٢). ومنها - أن النبي ﷺ مر برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول،

стр. 3447

فقال: «من غشنا فليس منا» (١). وقال الكاساني: الأصل في مشروعية هذا الخيار ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اشترى شاة محفَّلة (٢)، فوجدها مصراة (٣)، فهو بخير النظرين ثلاثة أيام» وفي رواية «فهو بأحد النظرين إلى ثلاثة: إن شاء أمسك، وإن شاء رد، ورد معها صاعاً من تمر» (٤)، والنظران المذكوران: هما نظر الإمساك والرد، وذكر الثلاث في الحديث ليس للتوقيت، بل هو بناء الأمر على الغالب المعتاد، والصاع من التمر كأنه قيمة اللبن الذي حلبه المشتري. ويلاحظ أن جمهور الفقهاء يعتبرون تصرية الإبل والغنم تغريراً فعلياً في الوصف، يوجب للمغرور خياراً في إبطال العقد، ولو لم يصحبه غبن فهو من خيار الوصف (٥). ويثبتون للمشتري الخيار بين إمساك المبيع إن رضيه، أو رد المبيع مع صاع من

стр. 3448

تمر إن سخطه، ويوافق أبو يوسف الجمهور على هذا الرأي أخذاً بالحديث السابق. وقال أبو حنيفة ومحمد: يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء. حكم البيع: حكم البيع لشيء معيب: هو ثبوت الملك للمشتري في المبيع للحال لأن ركن البيع مطلق عن الشرط، وإنما يثبت فيه دلالة شرط سلامة المبيع عن العيوب، فإذا لم تتوافر السلامة تأثر العقد في لزومه، لا في أصل حكمه، بخلاف خيار الشرط؛ لأن الشرط المنصوص عليه ورد على أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم في مدة الخيار (١). وصفة حكم البيع لشيء معيب: هو أنه يفيد الملك غير لازم؛ لأن سلامة البدلين في عقد المعاوضة مطلوبة عادة، فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة أي ضمناً، فكانت كالمشروطة نصاً، فإذا لم تتحقق صفة السلامة في البدلين، كان للعاقد الخيار، فيكون العقد غير لازم (٢). المطلب الثاني - العيوب الموجبة للخيار العيب: هو كل ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة ويوجب نقصان الثمن في عرف التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور والحول (٣).

стр. 3449

وتعريف العيب عند الشافعية: هو كل ما ينقص العين أو القيمة أو ما يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه. واحترزوا بالقيد الأخير عن قطع أصبع زائدة أو جزء يسير من الفخذ أو الساق لا يورث شيناً، ولا يفوت غرضاً، فلا يرد المبيع به (١). مثال إنقاص القيمة: جماح الدابة عند ركوبها، ومثال ما يفوت به غرض صحيح: قطع بعض أذن الشاة المشتراة للأضحية، فللمشتري ردها. والفرق بين التعريفين: أن تعريف الحنفية ذو معيار مادي، وتعريف الشافعية ذو معيار شخصي. و العيوب نوعان: أحدها - ما يوجب نقصان جزء من المبيع أو تغيره من حيث الظاهر دون الباطن. ثانيهما - ما يوجب النقصان من حيث المعنى، دون الصورة. أما الأول - فكثير نحو العمى، والعور، والحَوَل، والشلل، والقرع، والزمانة (أي الأمراض المزمنة) والأصبع الناقصة والسن السوداء والسن الساقطة والسن الشاغية (الزائدة) والظفر الأسود، والصمم والخرس، والبكم، والقروح، والشجاج، وأثر الجراح، والحميات وسائر الأمراض التي تعم البدن (٢). وأما الثاني - فنحو جماح الدابة، وبطء غير معتاد في سيارة ونحوها (٣).

стр. 3450

المطلب الثالث - طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار شرائط ثبوت الخيار: يشترط لثبوت الخيار شرائط هي (١): ١ - ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل التسليم، فلو حدث بعدئذ لا يثبت الخيار. ٢ - ثبوت العيب عند المشتري بعد قبضه المبيع، ولا يكتفى بالثبوت عند البائع لثبوت حق الرد في جميع العيوب عند عامة المشايخ. ٣ - جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، فإن كان عالماً به عند أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة. ٤ - عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع، فلو شرط فلا خيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه. ٥ - أن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب. ٦ - ألا يزول العيب قبل الفسخ. ٧ - ألا يكون العيب طفيفاً مما يمكن إزالته دون مشقة، كالنجاسة في الثوب الذي لا يضره الغسل. ٨ - عدم اشتراط البراءة من العيب في البيع، على التفصيل الآتي في آخر البحث. طرق إثبات العيب: يختلف طريق إثبات العيب باختلاف العيب، والعيب أربعة أنواع:

стр. 3451

إما عيب ظاهر مشاهد، كالأصبع الزائدة والناقصة والسن الساقطة والعمى والعور ونحوها. أو عيب باطن خفي لا يعرفه إلا الأطباء. أو عيب لا يطلع عليه إلا النساء. أو عيب لا يعرف بالمشاهدة، وإنما يحتاج إلى التجربة والامتحان عند الخصومة. ١ - فإن كان عيباً مشاهداً: فلا حاجة لتكليف القاضي للمشتري بإقامة البينة على وجود العيب عنده، لكونه ثابتاً بالعيان والمشاهدة، وللمشتري حق خصومة البائع، بسبب هذا التعريف، وللقاضي حينئذ النظر في الأمر. فإن كان العيب لا يحدث مثله عادة في يد المشتري كالأصبع الزائدة ونحوها، فإنه يرد على البائع، ولا يكلف المشتري بإقامة البينة على ثبوت العيب عند البائع لتيقن ثبوته عنده إلا أن يدعي البائع الرضا به، والإبراء عنه، فتطلب البينة منه. فإن أقام البينة عليه قضي بموجبها، وإلا فيستحلف المشتري على دعواه، فإن نكل لم يرد المبيع المعيب على البائع وإن حلف رد على البائع. وأما إن كان العيب ممايجوز أن يحدث مثله في يد المشتري: فيقول القاضي للبائع: (هل حدث هذا عندك؟) فإن قال: (نعم) قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا والإبراء. وإن أنكر فقال? لا) كان القول قوله إلا أن يقيم المشتري البينة، فإن أقامها، قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي البائع الرضا والإبراء، وإن لم يكن له بينة على إثبات العيب عند البائع، وطلب المشتري يمينه، فإنه يستحلف بالله بنحوٍ باتٍّ قاطع جازم لا على مجرد نفي العلم: (لقد بعته وسلمته، وما به هذا العيب)

стр. 3452

لأن هذا أمر لو أقر به لزمه، فإذا أنكر يحلف، وإنما يحلف على هذا الوجه بالجمع بين البيع والتسليم؛ لأنه قد يحدث العيب بعد البيع قبل التسليم فيثبت للمشتري حق الرد، فكان الاحتياط هو الجمع بينهما. وهذا ما ذكره محمد في الأصل. وقال بعض المشايخ: لا احتياط في هذا، لأنه لو استحلف على هذا الوجه، فمن الجائز حدوث العيب بعد البيع قبل التسليم، فيكون البائع صادقاً في يمينه؛ لأن شرط حنثه: وجود العيب عند البيع والتسليم معاً فلا يحنث بوجوده في أحدهما، فيبطل حق المشتري. والاحتياط للمشتري يتحقق فيما إذا حلف البائع بالله: (ما للمشتري رد السلعة بهذا العيب الذي يدعي) وقال بعضهم: يحلف بالله (لقد سلمته وما به هذا العيب الذي يدعي) قال الكاساني: «وهو صحيح، لأنه يدخل فيه الموجود عند البيع، والحادث قبل التسليم». فإذا حلف برئ، ولا يرد عليه المبيع، وإن نكل يرد عليه ويفسخ العقد، إلا إذا ادعى البائع على المشتري الرضا بالعيب أو الإبراء عنه. وقد صحح بعضهم صيغة اليمين الأولى التي ذكرها محمد بإضمار زيادة في الكلام، فتصير الصيغة: «لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب، لا عند البيع ولا عند التسليم» (١). ٢ - وأما إذا كان العيب باطناً خفياً لا يعرفه إلا المختصون: كالأطباء والبياطرة مثل وجع الكبد والطحال ونحوه، فإنه يثبت لممارسة حق

стр. 3453

الخصومة بشهادة رجلين مسلمين أو رجل مسلم عدل، وبعده يقول القاضي للبائع: «هل حدث عندك العيب المدعى به» فإن قال: «نعم» قضى عليه بالرد، وإن أنكر أقام المشتري البينة، فإن لم يكن له بينة استحلف البائع على الوجه السابق ذكره في العيب المشاهد. فإن حلف، لم يرد عليه، وإن نكل قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإبراء (١). ٣ - وإن كان العيب مما لا يطلع عليه إلا النساء: فيرجع القاضي إلى قول النساء، فيريهن العيب لقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء:٧/ ٢١] ولا يشترط العدد منهن، بل يكتفى بقول امرأة واحدة عدل، والثنتان أحوط؛ لأن قول المرأة فيما لا يطلع عليه الرجال حجة في الشرع، كشهادة القابلة في النسب. فإذا شهدت المرأة على العيب، فهناك روايتان عن كل واحد من الصاحبين: في رواية عن أبي يوسف أنه يفرق بين ما إذا كان المبيع في يد البائع أو في يد المشتري. فإن كان في يد البائع فيثبت العيب بشهادتها، ويرد المبيع، ويفسخ البيع، لأن ما لا يطلع عليه الرجال، فقول المرأة الواحدة بمنزلة البينة. وإن كان في يد المشتري فيثبت حق الخصومة أي (حق الادعاء) بقولها، ولايثبت بالنسبة لحق الرد على البائع؛ لأن المبيع وجد معيباً في ضمان المشتري، فلا ينقل الضمان إلى البائع بقول النساء، ثم يسأل القاضي البائع: (هل كان هذا العيب عندك) كما تبين في صورة العيب الباطن.

стр. 3454

وفي رواية أخرى عن أبي يوسف قال: إن كان العيب مما لا يحدث مثله: يفسخ البيع بقول النساء؛ لأن العيب قد ثبت بشهادتهن، وقد علمنا كون العيب عند البائع بيقين. وإن كان عيباً يحدث مثله، لم يثبت حق الفسخ بقولهن؛ لأن هذا مما يعلم من جهة غيرهن. والروايتان عن محمد ما يأتي: قال في رواية: لا يُفسخ البيع بقولهن بحال. وفي رواية: يفسخ قبل القبض وبعده بقولهن؛ لأن قولهن فيما لا يطلع عليه الرجال كالبينة كما في النسب. والحاصل أن شهادة المرأة الواحدة أو الثنتين يثبت بها العيب الذي لا يطلع عليه الرجال بالنسبة لحق إقامة الخصومة لا بالنسبة لحق الرد، سواء أكان العيب قبل القبض أم بعده في ظاهر الرواية عن علماء الحنفية الثلاث، فكان هو المذهب المعتمد (١). ٤ - وأما العيب الذي ليس بمشاهد عند الخصومة ولايعرف إلا بالتجربة: كالإباق والجنون والسرقة والبول على الفراش، فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين. إذا أثبت المشتري حدوث العيب عنده، يقول القاضي للبائع: (هل أبق عندك) فإن قال: (نعم) قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإبراء، وإن أنكر الإباق أصلاً، وادعى اختلاف الحالة في هذا العيب بين الصغر والكبر، كما سلف بيانه، يقول القاضي للمشتري: (ألك بينة؟) فإن قال: (نعم) وأقام البينة

стр. 3455

على مايدعي، قضى عليه بالرد، وإن قال: (لا) يستحلف البائع بالله: (ماأبق عندك قط) فإن حلف انقطعت الخصومة بينهما، وإن نكل عن اليمين قضى عليه بالرد. وإذا لم يستطع المشتري إثبات العيب عنده، هل يستحلف القاضي البائع على ذلك أو لا؟. قال الصاحبان: يستحلف، وقال أبو حنيفة: لايستحلف. دليلهما: أن المشتري يدعي حق الرد ولايمكنه الرد إلا بإثبات العيب عند نفسه، وطريق الإثبات: إما البينة أو نكول البائع، فإذا لم تقم له بينة يستحلف لينكل أي (البائع) فيثبت العيب عند نفسه، ولهذا يستحلف أي المشتري عند عدم البينة على إثبات العيب عند البائع فكذا هذا. ودليل أبي حنيفة: أن الاستحلاف يكون عقب الدعوى على البائع، ولا دعوى له على البائع إلا بعد ثبوت العيب عند نفسه، ولم يثبت، فلم تثبت دعواه على البائع، فلا يستحلف، والنكول لايكون إلا بعد الاستحلاف (١). و كيفية استحلاف البائع: هي أن يحلف على العلم: لا على سبيل البت والقطع، فيقول: (بالله مايعلم أن هذا العيب موجود في هذا الشيء الآن) والسبب فيه: هو أنه يحلف على غير فعله، ومن حلف على غير فعله، يحلف على العلم لأنه لا علم له بما ليس بفعله، أما من حلف على فعل نفسه، فيحلف على البتات (أي بصيغة البت

стр. 3456

والجزم) فإن نكل أي البائع عن اليمين، ثبت العيب عند المشتري، فيثبت له حق الخصومة، وإن حلف برئ (١). المطلب الرابع - مقتضى الخيار وكيفية الفسخ والرد بالعيب مقتضى الخيار: يترتب على ظهور العيب في المبيع أن يكون المشتري مخيراً بين أمرين: إما أن يمضي العقد، وفي هذه الحالة يلتزم بأداء الثمن كاملاً؛ أو يفسخ العقد، فيسترد الثمن إن كان قد دفعه، ويعفى من أدائه إن لم يكن قد أداه، وعليه أن يرد العين المعيبة إذا كان قد تسلّمها (٢). وقال الشافعية والحنابلة: إذا تعيب المبيع في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي، فيكون المشتري مخيراً بين قبوله ناقصاً بجميع الثمن، ولا شيء له، وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن (٣). كيفية الفسخ والرد: المبيع لا يخلو من أحد حالين: ١ - إما أن يكون في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري: «رددت» ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا إلى التراضي بالاتفاق بين الحنفية والشافعية. ٢ - وإما أن يكون في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي عند الحنفية؛ لأن الفسخ بعد القبض يكون على حسب العقد؛ لأنه يرفع العقد، وبما أن العقد لا ينعقد بأحد العاقدين فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا

стр. 3457

الآخر، ومن غير قضاء القاضي، بخلاف الفسخ قبل القبض؛ لأن الصفقة ليست تامة حينئذ، بل تمامها بالقبض، فكان بمنزلة القبض. وعند الشافعي: ينفسخ العقد بقوله: «رددت» بغير حاجة إلى قضاء، ولا إلى رضا البائع؛ لأن الفسخ لا تفتقر صحته إلى القضاء، ولا إلى الرضا كالفسخ بخيار الشرط بالاتفاق، وبخيار الرؤية على أصل الحنفية (١). هل الفسخ بعد العلم بالعيب على الفور أو على التراخي؟ قال الحنفية والحنابلة: خيار الرد بالعيب على التراخي، ولا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا، وإذا أعلن المشتري البائع بالعيب وخاصمه في رد المبيع، ثم ترك مخاصمته بعدئذ، ورجع إليها وطلب الرد، فإن له أن يرد ما لم يمتنع الرد لمانع، لأنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي كالقصاص، ولا نسلم دلالة الإمساك على الرضا به (٢). وقال الشافعية: يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فلو علم ثم أخر رده بلا عذر؛ سقط حقه في الرد، والمراد بالفور: ما لا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة دخل وقتها، أو بأكل أو نحوه، فلا يكون تراخياً في العادة، فلا يمنع الرد، وكذا لو علم بالعيب، ثم تراخى لعذر كمرض أو خوف لص أو حيوان مفترس أو نحوه، فإن حقه لا يسقط، وإنما يكون له حق الرد بعد العلم بالعيب إذا لم يفعل ما يدل على الرضا، كاستعمال الحيوان ولبس الثوب أو نحوه.

стр. 3458

ودليلهم: أن الأصل في البيع اللزوم، وعدم اللزوم عارض، ولأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال، فكان فورياً كالشفعة، فيبطل بالتأخير بغير عذر (١). المطلب الخامس - موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار يمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع بأسباب، منها: ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب. ومنها: ما لا يكون البائع ملتزماً فيها بضمان العيوب من أول الأمر. أما ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب فهي (٢): ١ - الرضا بالعيب بعد العلم به، إما صراحة كأن يقول: رضيت بالعيب أو أجزت البيع، أو دلالة كالتصرف في المبيع تصرفاً يدل على الرضا بالعيب كصبغ الثوب أو قطعه، أو البناء على الأرض أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم، أو بيع الشيء أو هبته أو رهنه ولو بلا تسليم أو استعماله بأي وجه كلبس الثوب وركوب الدابة أو مداواة المبيع ونحوها كما ذكر في مبحث خيار الشرط، أو وصول عوض العيب إلىه حقيقة، أو اعتباراً كأن يقتله أجنبي وهو في يده خطأ، فيأخذ قيمته منه. وذلك لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد ضمناً، ولَّما رضي المشتري بالعيب بعد العلم به، دل على أنه ما شرط السلامة، ولأنه إذا رضي بالعيب فقد رضي بالضرر: وهو إسقاط ضمان العيب الذي يعوض به عن الجزء المعيب، وفي حالة العوض: إذا حصل التعويض، فكأن الجزء المعيب عاد سليماً

стр. 3459

معنىً، بقيام بدله، وهذا في ظاهر الرواية، لأنه لما وصلت إليه قيمته، قامت القيمة مقام العين، فصار كأنه باعه. ٢ - إسقاط الخيار صراحة أو في معنى الصريح: مثل أن يقول المشتري: أسقطت الخيار أو أبطلته، أو ألزمت البيع أو أوجبته، وما يجري مجراه. وأما ما يمنع الرد دون أن يكون البائع ملتزماً بالضمان من أول الأمر فهو مايأتي: ١ - المانع الطبيعي: وهو هلاك المبيع بآفة سماوية، أو بفعل المبيع، أو باستعمال المشتري كأكل الطعام، فيمتنع الرد في هذه الحالات لهلاك المبيع، ويثبت للمشتري حق الرجوع على البائع بنقصان العيب (١). ٢ - المانع الشرعي: وهو أن يحدث في المبيع قبل القبض زيادة متصلة غير متولدة من الأصل كصبغ الثوب والبناء على الأرض، أو يحدث بعد القبض زيادة متصلة غير متولدة أو زيادة منفصلة متولدة كالولد والثمرة. وأما بقية أنواع الزيادات فلا تمنع الرد. وتفصيله ما يأتي (٢): الزيادة في المبيع: إما أن تحدث قبل القبض أو بعده، وكل منها إما متصلة أو منفصلة. ف الزيادة الحادثة قبل القبض:

стр. 3460

١ - إذا كانت متصلة: فإما أن تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال والكبر والسمن ونحوها، فلا تمنع الرد، لأنها تابعة للأصل حقيقة. أو تكون غير متولدة كصبغ الثوب أو خياطته، وكالبناء أو الغرس على الأرض، فتمنع الرد؛ لأنها أصل قام بذاته، وليست تابعة، فلا يرد المبيع بدونها، لتعذر الرد، ولا يرد معها، لأنها ليست تابعة في البيع فلا تتبع في الفسخ. ٢ - وإن كانت منفصلة: فإما أن تكون أيضاً متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فلا تمنع الرد، فإن شاء المشتري ردهما جميعاً، وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن. أو أن تكون غير متولدة، كالكسب والصدقة والغلة، فلا تمنع الرد؛ لأنها ليست بمبيعة، وإنما هي مملوكة بملك الأصل. وأما الزيادة الحادثة في المبيع بعد القبض (أي عند المشتري): ١ - إن كانت زيادة متصلة. فإن كانت متولدة من الأصل كسمن الدابة، فلا تمنع الرد عند الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية (١)، ويبقى حكم العيب معها على موجبه الأصلي: فإن رضي المشتري أن يردها مع الأصل ردها، وإن أبى وأراد أن يأخذ نقصان العيب، وأبى البائع إلا الرد ودفع جميع الثمن، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ليس

стр. 3461

للبائع أن يأبى وللمشتري أخذ نقصان العيب منه؛ لأن الزيادة المتصلة بعد القبض تمنع الفسخ عندهما إذا لم يوجد الرضا من صاحب الزيادة. وقال محمد: له أن يأبى الرد، وليس للمشتري أن يرجع بالنقصان عليه (أي على البائع) لأن الزيادة المتصلة عنده لا تمنع الفسخ، وأصل الخلاف راجع إلى حكم الزيادة المتصلة بالمهر بعد القبض إذا طلق الزوج امرأته قبل الدخول. وإن كانت غير متولدة: فإنها تمنع الرد بالاتفاق؛ لأن هذه الزيادة ملك للمشتري، فلا يحق للبائع عندئذ أخذها بلا مقابل، ويتعين الرجوع بنقصان العيب. ٢ - وإن كانت زيادة منفصلة: فإن كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فإنها تمنع الرد عند الحنفية؛ لأنها لو رد الأصل دونها تبقى للمشتري بلا مقابل، وهو ممنوع شرعاً، لأنه ربا. وقال الشافعية والحنابلة: لا تمنع هذه الزيادة الرد، وهي للمشتري بعد القبض، لأنها حدثت في ملك المشتري، فلا تمنع الرد، كالزيادة غير المتولدة، ولما روي «أن رجلاً ابتاع من آخر غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي ﷺ ، فرده عليه، فقال: يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال: الخراج بالضمان» (١) ومعناه أن فوائد المبيع للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضمانه، وقيس الثمن على المبيع.

стр. 3462

وإن كانت الزيادة غير متولدة كالكسب والصدقة، لم يمتنع الرد، ويرد الأصل على البائع، والزيادة للمشتري طيبة له؛ لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلاً، فأمكن فسخ العقد بدون الزيادة. ٣ - المانع بسبب حق البائع: وهو حدوث عيب جديد عند المشتري بعد قبضه، إذا كان المبيع معيباً بعيب قديم عند البائع، كأن انكسرت يد الدابة المبيعة عند المشتري، وظهر فيها مرض قديم كان عند البائع؛ لأن المبيع خرج عن ملك البائع معيباً بعيب واحد، فلو رد يرد بعيبين، فيتضرر البائع. وشرط الرد أن يرد على الوجه الذي أخذ، وإنما يكون للمشتري أن يرجع على بائعه بالنقصان. ولو زال العيب الحادث، كما لو شفيت الدابة المريضة، عاد الموجب الأصلي: وهو حق الرد (١). ٤ - المانع بسبب حق الغير: كما لو أخرج المشتري المبيع عن ملكه بعقد من عقود التمليك كبيع أو هبة أوصلح، ثم اطلع على أنه كان معيباً بعيب قديم، فلا يمكن المشتري الأول أن يفسخ البيع بينه وبين بائعه، لأنه قد تعلق بالمبيع حق مالك جديد، أنشأه المشتري نفسه (٢). ٥ - إتلاف المشتري المبيع: كما لو كان المبيع دابة فقتلها، أو ثوباً فمزقه ونحوه، ثم علم بوجود العيب القديم فيه، فيستقر عليه الثمن المسمى نهائياً دون رجوع بنقصان. والفرق بين هذا العيب وبين المانع بسبب حق الغير: أنه في الحالة الثانية يحتمل زوال المانع، فيعود حق الرد، وفي الحالة الأولى لا يحتمل زواله (٣).

стр. 3463

وإذا حصل في المبيع عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب كان عند البائع فله أن يرجع بالنقصان على البائع ولا يرد المبيع إلا أن يرى البائع أخذ المبيع بعينه فله أخذه. وتعتبر قيمة النقصان يوم البيع (١). والخلاصة: أنه يجوز الرجوع على البائع للمطالبة بفرق نقصان العيب في حالات ثلاث: هي هلاك المبيع، وتعيبه بعيب جديد، وتغيير صورته بحيث أصبح له اسم جديد. ويلاحظ أن الكلام في هذه الموانع المذكورة فيما إذا كان المشتري عاقداً لنفسه، فإن كان عاقداً لغيره ففيه تفصيل: إذا كان العاقد لغيره ممن يجوز أن تلزمه الخصومة (أي الادعاء) في الرجوع بنقصان العيب كالوكيل، والشريك، والمضارب، فتلزمه الخصومة، ويقوم برد المبيع المعيب على البائع؛ لأن الرد بالعيب من حقوق العقد، وحقوق العقد ترجع إلى العاقد إذا كان ممن تلزمه الخصومة كالعاقد لنفسه، فما قضي به على العاقد - إن كان وكيلاً بالبيع - رجع به على من وقع له العقد، لكونه قائماً مقامه (٢). وإذا كان العاقد ممن لا تلزمه الخصومة كالقاضي والإمام إذا عقدا عقداً بحكم الولاية، فإنه ينصب خصماً يخاصم في العيب، فما قضي به عليه، رجع في مال من وقع التصرف له، وإن كان التصرف للمسلمين رجع في بيت مالهم. وأما العاقد: إذا كان صبياً محجوراً، فباع أو اشترى بإذن إنسان، فلا تلزمه الخصومة، ولا ضمان عليه، وإنما الخصومة على من وكله في التصرف؛ لأن حكم

стр. 3464

العقد وقع للموكل، والعاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي حقوق العقد) فيقتصر دوره على مباشرة التصرف لا غير، كالرسول والوكيل في عقد النكاح. المطلب السادس - آراء الفقهاء في شرط البراءة عن العيوب اختلف الفقهاء فيما إذا شرط البائع براءته من ضمان العيب (أي عدم مسؤوليته عما يمكن أن يظهر من عيوب في المبيع) فرضي المشتري بهذا الشرط، اعتماداً على السلامة الظاهرة ثم ظهر في المبيع عيب قديم (١). قال الحنفية: يصح البيع بشرط البراءة من كل عيب (٢) وإن لم تعين العيوب بتعداد أسمائها، سواء أكان جاهلاً وجود العيب في مبيعه فاشترط هذا الشرط احتياطاً، أم كان عالماً بعيب المبيع، فكتمه عن المشتري، واشترط البراءة من ضمان العيب ليحمي بهذا الشرط سوء نيته، فيصح البيع، لأن الإبراء إسقاط، لا تمليك، والإسقاط لا تفضي الجهالة فيه إلى المنازعة، لعدم الحاجة إلى التسليم. ويشمل هذا الشرط كل عيب موجود قبل البيع أو حادث بعده قبل القبض، فلا يرد المبيع بالعيب حينئذ. وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن غرض البائع إلزام العقد بإسقاط المشتري حقه في وصف سلامة المبيع، ليلزم البيع على كل حال، ولا يتحقق هذا الغرض إلا بشمول العيب الحادث قبل التسليم، فكان داخلاً ضمناً.

стр. 3465

وقال محمد وزفر والحسن بن زياد ومالك والشافعي، وهو المعمول به في قانوننا المدني: يشمل البراءة العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد العقد وقبل القبض؛ لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود، بسبب أن الإبراء عن المعدوم لا يتصور، والحادث لم يكن موجوداً عند البيع، فلا يدخل تحت الإبراء (١). وهذا الخلاف فيما إذا قال: (أبرأتك عن كل عيب مطلقاً) فأما إذا قال: (أبيعك على أني بريء من كل عيب به) لم يدخل فيه العيب الحادث بالاتفاق، لأنه لم يعمم البراءة، وإنما خصها بالموجود عند العقد. وبناء على قول محمد وزفر والحسن: إذا كانت البراءة من العيوب عامة فاختلف البائع والمشتري في وجود عيب، فقال البائع: كان موجوداً عند العقد، فدخل تحت البراءة، وقال المشتري: بل هو حادث لم يدخل تحت البراءة، وبناء عليه، قال محمد: القول قول البائع، مع يمينه؛ لأن البراءة عامة والمشتري يدعي حق الرد بعد عموم البراءة عن حق الرد بالعيب، والبائع ينكر ذلك، فكان القول قوله. وقال زفر والحسن: القول قول المشتري لأن الأصل هو ثبوت الحق، والمشتري هو المبرئ، فيكون القول قوله في مقدار البراءة (٢). ويشمل هذا الشرط أيضاً كل عيب من العيوب الظاهرة والباطنة؛ لأن اسم العيب يقع على الكل.

стр. 3466

فإذا قال: (أبرأتك عن كل داء) فيقع على كل عيب ظاهر، دون الباطن من طحال ونحوه عند أبي يوسف. وروي عن أبي حنيفة أنه يقع على كل عيب باطن، من طحال أو فساد حيض وأما العيب الظاهر فيسمى مرضاً. وقد رجح بعضهم وهو صاحب الدر المختار الرأي الثاني اعتماداً على ما هو المعروف في العادة، إلا أن المشهور في المذهب هو الأول أي يقع على كل مرض؛ لأن الداء في اللغة هو المرض، سواء أكان بالجوف أم بغيره، والعرف الآن موافق للغة (١) أي أن الداء هو المرض. ولو أبرأ البائع عن كل غائلة (٢) فيقع على السرقة والإباق والفجور، وكل ما يعد عيباً عند التجار (٣). وإذا خصص الإبراء عن بعض العيوب لم يشمل غيرها، كأن يبرئ من القروح أو الكي أو نحوها، لأنه أسقط حقه من نوع خاص (٤). فإذا كانت البراءة خاصة بعيب موجود عند العقد سماه المشتري، ثم اختلف المتعاقدان، فقال البائع: (كان بها) وقال المشتري: (حدث قبل القبض) فقال محمد: القول قول المشتري لأن هذه البراءة خاصة بحال العقد، لا تتناول إلا الموجود حالة العقد، والمشتري يدعي العيب لأقرب الوقتين، والبائع يدعيه لأبعدهما، فكان الظاهر شاهداً للمشتري (٥).

стр. 3467

هذا هو مذهب الحنفية في شرط البراءة عن العيوب عموماً. وأما مذاهب غيرهم من حيث العلم بالعيب والجهل به فهي ما يلي: قال المالكية: إن شرط البراءة عن العيوب لا يصح إلا في عيب في الرقيق لايعلم به البائع، وطالت إقامة الرقيق عند بائعه. أما ما يعلم به، أو كان في غير الرقيق، أو في رقيق لم تطل إقامته عند بائعه (مالكه) فلا تصح البراءة عنه (١). وقال الشافعية: لو باع بشرط براءته من العيوب، فالأظهر أنه يبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان خاصة، إذا لم يعلمه البائع، ولا يبرأ عن عيب بغير الحيوان، كالثياب والعقار مطلقاً، ولا عن عيب ظاهر بالحيوان، علمه، أم لا، ولا عن عيب باطن بالحيوان كان قد علمه. والمراد بالباطن: ما لا يطلع عليه غالباً. وينصرف الإبراء إلى العيب الموجود عند العقد، لا الذي حدث قبل القبض. ولو اختلف المتعاقدان في قدم العيب فيصدق البائع. ولو شرط البائع البراءة عما يحدث من العيوب قبل القبض ولو مع الموجود منها، لم يصح الشرط في الأصح؛ لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته، كما لو أبرأ عن ثمن ما يبيعه له (٢). وأما الحنابلة فعندهم روايتان عن أحمد: رواية تقرر أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب، وهو قول الشافعي، ورواية: تقرر أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه. واختار ابن قدامة وغيره أن من باع حيواناً أو غيره بالبراءة من كل عيب أو من

стр. 3468

عيب معين موجود: لم يبرأ، سواء علم به البائع أو لم يعلم (١). ١٤ - خيار الرؤية يذكر بعض المؤلفين هذا الخيار قبل خيار العيب، لكونه أقوى منه، لأنه يمنع تمام البيع، أما خيار العيب فيمنع لزوم الحكم، واللزوم بعد التمام. وإني خالفت ذلك لتشابه خيار الشرط وخيار العيب، كما أشرت سابقاً، ثم إن خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار التعيين ثبتت باشتراط المتعاقدين، أما خيار الرؤية فقد ثبت من ناحية الشرع. خطة الموضوع: الكلام في هذا الخيار على وفق المطالب الآتية: المطلب الأول: مشروعية خيار الرؤية. المطلب الثاني: وقت ثبوت الخيار. المطلب الثالث: كيفية ثبوت الخيار. المطلب الرابع: صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه. المطلب الخامس: شرائط ثبوت الخيار، وتوابعها. المطلب السادس: مسقطات الخيار. المطلب السابع: ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ.

стр. 3469

المطلب الأول - مشروعية خيار الرؤية أجاز الحنفية خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري وله الخيار إذا رآه: إن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وإن شاء رده، وكذا إذا قال: رضيت، ثم رآه: له أن يرده، لأن الخيار معلق بالرؤية، كما في الحديث الآتي، ولأن الرضا بالشيء قبل العلم بأوصافه لا يتحقق فلا يعتبر قوله: (رضيت) قبل الرؤية بخلاف قوله: (رددت). استدلوا على خيار الرؤية بقوله ﵇ فيما يرويه أبو هريرة وابن عباس ﵄: «من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه» (١). واستدلوا أيضاً بما روي أن سيدنا عثمان بن عفان ﵁ باع أرضاً له من طلحة بن عبد الله ﵄، ولم يكونا رأياها، فقيل لطلحة: (غبنت)، فقال: «لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره» فحكّما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة ﵁ (٢)، أي للمشتري دون البائع وإن باع ما لم يره. وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً منهم على شرعية هذا الخيار. واستدلوا أيضاً بالمعقول: وهو أن جهالة الوصف تؤثر في الرضا، فتوجب خللاً فيه، واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار.

стр. 3470

وبناء على هذا، أجازوا بيع العين الغائبة من غير صفة، ويثبت للمشتري حينئذ خيار الرؤية، أو بصفة مرغوبة، ويثبت له خيار الوصف، كما سبقت الإشارة إليه، فإذا رأى المشتري المبيع، كان له الخيار فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا، فيثبت الخيار بكل حال. ولم يجز الحنفية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم يره كما إذا ورث عيناً من الأعيان في بلد غير الذي هو فيه، فباعها قبل الرؤية، صح البيع، ولاخيار له عندهم. وقد رجع أبو حنيفة عما كان يقول أولاً بأن له الخيار، كما للمشتري، وكما هو الأمر في خيار الشرط وخيار العيب (١). والتفرقة بين البائع والمشتري في هذا أمر معقول؛ لأن البائع يعرف ما يبيعه أكثر من المشتري، فلا ضرورة لثبوت الخيار له، وعليه أن يتثبت قبل البيع، حتى لا يقع عليه غبن يطلب من أجله فسخ العقد (٢). وأجاز المالكية خيار الوصف للمشتري فقط، فقالوا: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض، فإذا جاء على الصفة، صار العقد لازماً (٣). والحنابلة أجازوا أيضاً كالمالكية خيار الوصف فقط فقالوا: يجوز بيع الغائب إذا وصف للمشتري، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، لأنه بيع بالصفة، فصح كالسلم. وتحصل بالصفة معرفة المبيع؛ لأن معرفته تحصل
следующие страницы →