فإذا قال: (أبرأتك عن كل داء) فيقع على كل عيب ظاهر، دون الباطن من طحال ونحوه عند أبي يوسف. وروي عن أبي حنيفة أنه يقع على كل عيب باطن، من طحال أو فساد حيض وأما العيب الظاهر فيسمى مرضاً.
وقد رجح بعضهم وهو صاحب الدر المختار الرأي الثاني اعتماداً على ما هو المعروف في العادة، إلا أن المشهور في المذهب هو الأول أي يقع على كل مرض؛ لأن الداء في اللغة هو المرض، سواء أكان بالجوف أم بغيره، والعرف الآن موافق للغة (١) أي أن الداء هو المرض.
ولو أبرأ البائع عن كل غائلة (٢) فيقع على السرقة والإباق والفجور، وكل ما يعد عيباً عند التجار (٣).
وإذا خصص الإبراء عن بعض العيوب لم يشمل غيرها، كأن يبرئ من القروح أو الكي أو نحوها، لأنه أسقط حقه من نوع خاص (٤).
فإذا كانت البراءة خاصة بعيب موجود عند العقد سماه المشتري، ثم اختلف المتعاقدان، فقال البائع: (كان بها) وقال المشتري: (حدث قبل القبض) فقال محمد: القول قول المشتري لأن هذه البراءة خاصة بحال العقد، لا تتناول إلا الموجود حالة العقد، والمشتري يدعي العيب لأقرب الوقتين، والبائع يدعيه لأبعدهما، فكان الظاهر شاهداً للمشتري (٥).
стр. 3467
هذا هو مذهب الحنفية في شرط البراءة عن العيوب عموماً.
وأما مذاهب غيرهم من حيث العلم بالعيب والجهل به فهي ما يلي:
قال المالكية: إن شرط البراءة عن العيوب لا يصح إلا في عيب في الرقيق لايعلم به البائع، وطالت إقامة الرقيق عند بائعه. أما ما يعلم به، أو كان في غير الرقيق، أو في رقيق لم تطل إقامته عند بائعه (مالكه) فلا تصح البراءة عنه (١).
وقال الشافعية: لو باع بشرط براءته من العيوب، فالأظهر أنه يبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان خاصة، إذا لم يعلمه البائع، ولا يبرأ عن عيب بغير الحيوان، كالثياب والعقار مطلقاً، ولا عن عيب ظاهر بالحيوان، علمه، أم لا، ولا عن عيب باطن بالحيوان كان قد علمه. والمراد بالباطن: ما لا يطلع عليه غالباً.
وينصرف الإبراء إلى العيب الموجود عند العقد، لا الذي حدث قبل القبض. ولو اختلف المتعاقدان في قدم العيب فيصدق البائع.
ولو شرط البائع البراءة عما يحدث من العيوب قبل القبض ولو مع الموجود منها، لم يصح الشرط في الأصح؛ لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته، كما لو أبرأ عن ثمن ما يبيعه له (٢).
وأما الحنابلة فعندهم روايتان عن أحمد: رواية تقرر أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب، وهو قول الشافعي، ورواية: تقرر أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه.
واختار ابن قدامة وغيره أن من باع حيواناً أو غيره بالبراءة من كل عيب أو من
стр. 3468
عيب معين موجود: لم يبرأ، سواء علم به البائع أو لم يعلم (١).
١٤ - خيار الرؤية يذكر بعض المؤلفين هذا الخيار قبل خيار العيب، لكونه أقوى منه، لأنه يمنع تمام البيع، أما خيار العيب فيمنع لزوم الحكم، واللزوم بعد التمام. وإني خالفت ذلك لتشابه خيار الشرط وخيار العيب، كما أشرت سابقاً، ثم إن خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار التعيين ثبتت باشتراط المتعاقدين، أما خيار الرؤية فقد ثبت من ناحية الشرع.
خطة الموضوع:
الكلام في هذا الخيار على وفق المطالب الآتية:
المطلب الأول: مشروعية خيار الرؤية.
المطلب الثاني: وقت ثبوت الخيار.
المطلب الثالث: كيفية ثبوت الخيار.
المطلب الرابع: صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه.
المطلب الخامس: شرائط ثبوت الخيار، وتوابعها.
المطلب السادس: مسقطات الخيار.
المطلب السابع: ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ.
стр. 3469
المطلب الأول - مشروعية خيار الرؤية أجاز الحنفية خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري وله الخيار إذا رآه: إن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وإن شاء رده، وكذا إذا قال: رضيت، ثم رآه: له أن يرده، لأن الخيار معلق بالرؤية، كما في الحديث الآتي، ولأن الرضا بالشيء قبل العلم بأوصافه لا يتحقق فلا يعتبر قوله: (رضيت) قبل الرؤية بخلاف قوله: (رددت).
استدلوا على خيار الرؤية بقوله ﵇ فيما يرويه أبو هريرة وابن عباس ﵄: «من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه» (١).
واستدلوا أيضاً بما روي أن سيدنا عثمان بن عفان ﵁ باع أرضاً له من طلحة بن عبد الله ﵄، ولم يكونا رأياها، فقيل لطلحة: (غبنت)، فقال: «لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره» فحكّما في ذلك جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة ﵁ (٢)، أي للمشتري دون البائع وإن باع ما لم يره.
وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً منهم على شرعية هذا الخيار.
واستدلوا أيضاً بالمعقول: وهو أن جهالة الوصف تؤثر في الرضا، فتوجب خللاً فيه، واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار.
стр. 3470
وبناء على هذا، أجازوا بيع العين الغائبة من غير صفة، ويثبت للمشتري حينئذ خيار الرؤية، أو بصفة مرغوبة، ويثبت له خيار الوصف، كما سبقت الإشارة إليه، فإذا رأى المشتري المبيع، كان له الخيار فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا، فيثبت الخيار بكل حال.
ولم يجز الحنفية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم يره كما إذا ورث عيناً من الأعيان في بلد غير الذي هو فيه، فباعها قبل الرؤية، صح البيع، ولاخيار له عندهم. وقد رجع أبو حنيفة عما كان
يقول أولاً بأن له الخيار، كما للمشتري، وكما هو الأمر في خيار الشرط وخيار العيب (١).
والتفرقة بين البائع والمشتري في هذا أمر معقول؛ لأن البائع يعرف ما يبيعه أكثر من المشتري، فلا ضرورة لثبوت الخيار له، وعليه أن يتثبت قبل البيع، حتى لا يقع عليه غبن يطلب من أجله فسخ العقد (٢).
وأجاز المالكية خيار الوصف للمشتري فقط، فقالوا: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض، فإذا جاء على الصفة، صار العقد لازماً (٣).
والحنابلة أجازوا أيضاً كالمالكية خيار الوصف فقط فقالوا: يجوز بيع الغائب إذا وصف للمشتري، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، لأنه بيع بالصفة، فصح كالسلم. وتحصل بالصفة معرفة المبيع؛ لأن معرفته تحصل
стр. 3471
بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا يكفي كما يكفي في السلم، ولا يعتبر في الرؤية الاطلاع على الصفات الخفية، ومتى وجده المشتري على الصفة المذكورة صار العقد لازماً، ولم يكن له الفسخ.
ولم يجيزوا في أظهر الروايتين بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته في غير حالة بيع البرنامج المذكورة سابقاً عند المالكية في بيع العين الغائبة من البيوع الفاسدة؛ لأن النبي صلّى الله عليه
وسلم «نهى عن بيع الغرر» (١) ولأنه باع ما لم يره ولم يوصف له، فلم يصح، كبيع النوى في التمر.
وأثبت الحنابلة والظاهرية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم ير، ووصفه للمشتري.
وأما حديث خيار الرؤية فهو مروي عن عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث، ويحتمل أن يراد بالحديث: أنه بالخيار بين العقد عليه وتركه (٢).
وقال الشافعي في المذهب الجديد: لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة، أم بغير الصفة، لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع الغرر» وفي هذا البيع غرر، وبما أنه من أنواع البيوع، فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، ثم إنه داخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أي ما ليس بحاضر أو مرئي للمشتري. وأما حديث «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه» فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي، وقال الدارقطني عنه: «إنه باطل».
وبناء على الأظهر من اشتراط رؤية المبيع قالوا: تكفي رؤية المبيع قبل العقد
стр. 3472
فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد كالأرض والحديد، دون ما يتغير غالباً كالأطعمة، وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه، كظاهر الصبرة من حنطة ونحوها، وجوز ونحوه، وأدقة (جمع دقيق) وكأعالي المائعات في أوعيتها كالدهن، وأعلى التمر في قوصرته (وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه) والطعام في آنيته، وكأنموذج المتماثل أي (المتساوي الأجزاء) كالحبوب، فإن رؤيته تكفي عن رؤية باقي المبيع (١).
ورد الحنفية على حجج غيرهم بأن جهالة المبيع غير المرئي لا تؤدي للنزاع مطلقاً ما دام للمشتري أن يرد المبيع إذا لم يره محققاً لرغبته ويفسخ العقد.
وحديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان (٢): معناه النهي عن بيع ما لا يملك. والنهي عن بيع الغرر ينصرف إلى ما لا يكون معلوم العين (٣).
المطلب الثاني - وقت ثبوت الخيار يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المبيع، لا قبلها فلو أجاز البيع قبل الرؤية: لايلزم البيع، ولايسقط الخيار، وله أن يرد المبيع؛ لأن النبي ﷺ أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية، فلو ثبت له خيار الإجازة قبل الرؤية، وأجاز، لم يثبت له الخيار بعد الرؤية، وهذا خلاف نص الحديث.
وأما الفسخ قبل الرؤية فقد اختلف المشايخ فيه:
стр. 3473
قال بعضهم: لا يملك المشتري الفسخ، لأنه خيار قبل الرؤية، ولهذا لم يملك الإجازة قبل الرؤية، فلا يملك الفسخ.
وقال بعضهم: يملك الفسخ وهو الصحيح، لا لسبب الخيار، لأنه غير ثابت، ولكن لأن شراء ما لم يره المشتري عقد غير لازم، فكان محل الفسخ، كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع (١).
المطلب الثالث - كيفية ثبوت الخيار اختلف مشايخ الحنفية فيها:
فقال بعضهم: إن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر، إلا إذا وجد ما يسقطه، كما سيأتي في بيان المسقطات، وهو اختيار الكرخي، والأصح عند الحنفية، لأنه خيار تعلق بالاطلاع على حال المبيع، فأشبه الرد بالعيب، ولأن سبب ثبوت هذا الخيار هو اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه.
وقال بعضهم: إنه يثبت مؤقتاً إلى غاية إمكان الفسخ بعد الرؤية، حتى لو رآه وتمكن من الفسخ بعد الرؤية، ولم يفسخ، يسقط خيار الرؤية، وإن لم توجد الأسباب المسقطة للخيار (٢) الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وقال الحنابلة: يكون خيار الرؤية على الفور (٣).
стр. 3474
المطلب الرابع - صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه
صفة البيع: إن شراء ما لم يره المشتري غير لازم، فيخير المشتري بين الفسخ والإجازة إذا رأى المبيع؛ لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف البيع تؤثر في رضا المشتري، فتوجب الخيار له، تداركاً لما عساه يندم من أجله، وذلك سواء أكان المبيع موافقاً للوصف المذكور أم مخالفاً له، هذا مذهب الحنفية (١). وقال المالكية والحنابلة والشيعة الإمامية: البيع لازم للمشتري إذا وجد المبيع مطابقاً للصفة المذكورة، فإن كان مخالفاً لما وصف، فللمشتري الخيار (٢).
وقال الظاهرية: البيع لازم إن طابق الصفة، أما إن خالفها فالبيع باطل (٣).
حكم البيع: وأما حكم البيع فهو حكم العقد الذي لا خيار فيه، فلا يمنع ثبوت الملك في البدلين، أي أنه في البيع تنتقل ملكية المبيع إلى المشتري، وملكية الثمن للبائع فور تمام العقد بالإيجاب والقبول، ولكن يمنع لزوم العقد، بخلاف خيار الشرط.
وسبب التفرقة بين الخيارين: هو أن البيع في خيار الرؤية صدر مطلقاً غير مقيد بأي شرط، وكان المفهوم أن يكون لازماً، إلا أن الرد بخيار الرؤية ثبت من جهة الشرع، أما خيار الشرط فقط ثبت باشتراط المتعاقدين، فكان له أثره في العقد يمنع استقرار حكمه في الحال، كما سبق بيانه (٤).
стр. 3475
المطلب الخامس - شرائط ثبوت الخيار يشترط لثبوت الخيار شروط، وإلا كان العقد لازماً، منها:
١ - أن يكون محل العقد مما يتعين بالتعيين، أي أن يكون عيناً من الأعيان، فإذا لم يكن عيناً لا يثبت فيه الخيار، حتى لو كان البيع مقايضة عيناً بعين يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري إذا لم ير كل منهما المبيع قبل العقد (١).
وفي بيع الدين بالدين وهو عقد الصرف: لا يثبت الخيار لكل من البائع والمشتري، لأنه لا فائدة فيه، كما سيأتي بيانه.
وفي بيع العين بالدين: يثبت الخيار للمشتري ولا خيار للبائع.
والسبب فيه أن محل العقد إذا لم يكن معيناً لا يصير معيناً للفسخ بموجب الخيار، فلم يكن الرد مفيداً، ولأن مالا يتعين بالتعيين لا يملك بالعقد، بل بالقبض، والفسخ إنما يكون فيما يملك بالعقد، ولأن الحق إذا كان عيناً فللناس أغراض في الأعيان، فكان ثبوت الخيار فيه لينظر المشتري في المبيع: هل يصلح له أو لا؟
وبناء عليه، يكون خيار الرؤية في العقود التي تحتمل الفسخ، كالبيع والإجارة والصلح عن دعوى المال، والقسمة، ونحوها؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء، فيثبت فيها خيار الرؤية، ولا يثبت فيما لا يحتمل الفسخ، كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، ونحوها؛ لأن هذه العقود لا تحتمل الانفساخ برد هذه الأموال، فصار الأصل أن: «كل ما ينفسخ العقد فيه برده، يثبت خيار الرؤية فيه، وما لا فلا» كما يقول الكاساني (٢).
стр. 3476
٢ - عدم رؤية محل العقد: إن كان رآه قبل الشراء لا يثبت له الخيار، إذا كان لا يزال على حالته التي رآه فيها، وإلا كان له الخيار لتغيره، فكان مشترياً شيئاً لم يره (١).
كيفية تحقيق الرؤية:
الرؤية قد تكون لجميع المبيع، وقد تكون لبعضه، والضابط فيه: أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به (٢).
وتفصيله: أنه إذا كان غير المرئي تبعاً للمرئي، فلا خيار له سواء أكان رؤية ما رآه تفيد له العلم بحال ما لم يره، أو لا تفيد، لأن حكم التبع حكم الأصل.
وإن لم يكن غير المرئي تبعاً للمرئي، فإن كان مقصوداً بنفسه كالمرئي، ينظر في ذلك:
إن كان رؤية مارأى تعرف حال غير المرئي، فإنه لا خيار له أصلاً في غير المرئي إذا كان غير المرئي مثل المرئي، أو فوقه؛ لأن المقصود العلم بحال الباقي، فكأنه رأى الكل.
وإن كان رؤية ما رأى لم تعرف حال غير المرئي، فله الخيار فيما لم يره؛ لأن المقصود لم يحصل برؤية ما رأى، فكأنه لم ير شيئاً أصلاً.
وبناء عليه: تكفي رؤية ظاهر الكومة من الحبوب، ووجه الدابة وكَفَلها (أي عجزها) في الأصح، وهو قول أبي يوسف. واكتفى محمد برؤية الوجه وظاهر
стр. 3477
الثوب وهو مطوي• وقال زفر: لابد من نشره كله، وهو المختار• كما في أكثر معتبرات كتب الحنفية• وعقب عليه ابن عابدين بقوله: لو لم يختلف باطن الثوب عن ظاهره سقط الخيار إلا إذا ظهر باطنه أردأ من ظاهره، فله الخيار (١) •
وفي شراء الشاة للحم لا بد من الجس حتى يعرف سمنها، حتى لو رآها من بعيد، فهو على خياره؛ لأن اللحم مقصود من شاة اللحم، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بهذا المقصود، وإن اشتراها للدر والنسل فلا بد من رؤية سائر جسدها، ومن النظر إلى ضرعها أيضاً؛ لأن الضرع مقصود من الشاة الحلوب، والشياه تختلف باختلاف الضرع، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بالمقصود، كما ذكر (٢) •
وأما البسط والطنافس: فإن كان مما يختلف وجهه وظهره، فرأى وجهه دون ظهره لا خيار له، وإن رأى ظهره دون الوجه فله الخيار•
وأما الدور والعقارات والبساتين، فإن رأى ظاهر الدار وداخلها ورأى خارج البستان ورؤوس الأشجار فلا خيار له، ولا يكتفي برؤية صحن الدار، دون الدخول إلى بيوتها في الأصح، لتفاوت الدور•
وكان أئمة الحنفية ما عدا زفر يرون الاكتفاء برؤية ظاهر الدار وبرؤية صحنها، إلا أن ذلك لا يكفي الآن، فيكون الحكم متغيراً من باب اختلاف العصر والزمان، لا اختلاف الحجة والبرهان (٣) •
هذا إذا كان المعقود عليه شيئاً واحداً، فإذا كان أشياء:
стр. 3478
فإن كان من العدديات المتفاوتة كالدواب والثياب، كأن اشترى ثياباً في جراب أو قطيع غنم أو إبلاً أو بقراً، وكالبطيخ في الشريجة (١) والرمان والسفرجل في القفة، ونحوها، فرأى بعضها، فله الخيار في الباقي؛ لأن الكل مقصود، ورؤية ما رأى لا تعرّف حال الباقي، لأنها متفاوتة.
وإن كان من المكيلات أو الموزونات أو العدديات المتقاربة كالجوز والبيض، فإن رؤية البعض تسقط الخيار في الباقي إذا كان ما لم ير مثل الذي رأى، لأن رؤية البعض من هذه الأشياء تعرف حال الباقي.
هذا إذا كان المبيع كله في وعاء واحد، فإن كان في وعاءين: فإن كان من جنسين أو من جنس واحد على صفتين فله الخيار بلا خلاف؛ لأن رؤية البعض من جنس أوعلى وصف لا تفيد العلم بغيره.
وإن كان الكل من جنس واحد أو على صفة واحدة، اختلف المشايخ فيه:
قال مشايخ بلخ: له الخيار لأن اختلاف الوعاءين جعلهما كجنسين. وقال مشايخ العراق: لا خيار له، وهو الصحيح؛ لأن رؤية البعض من هذا الجنس تفيد العلم بالباقي، سواء أكان المبيع في وعاء واحد أم في وعاءين (٢).
وإن كان المبيع مغيباً في الأرض: لا في الوعاء، كالجزر والبصل والثوم، والفجل، والبطاطا، ففيه تفصيل مروي عن أبي يوسف ﵀:
آـ إذا كان الشيء مما يكال أو يوزن بعد القلع، كالثوم والبصل والجزر: فإن قلع المشتري شيئاً بإذن البائع، أو قلع البائع برضا المشتري، سقط خياره في الباقي؛ لأن رؤية بعض المكيل كرؤية الكل.
стр. 3479
وإن حصل القلع من المشتري بغير إذن البائع، لم يكن له الخيارسواء رضي بالمقلوع، أو لم يرض إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة عند الناس لأنه بالقلع صار معيباً، وإلا لاستمر في نموه وازدياده، وبعد القلع لا ينمو ولا يزيد، ويتسارع إليه الفساد. وحدوث العيب في المبيع في يد المشتري بغير صنعه، يمنع الرد، فمع صنعه أولى.
ب - وإن كان المغيب في الأرض مما يباع عدداً، كالفجل والجزر ونحوهما فرؤية البعض لا تكون كرؤية الكل؛ لأن هذا كالعدديات المتفاوتة، فلا تكفي رؤية البعض، كما في الثياب.
وإن قلع المشتري شيئاً بغير إذن البائع، سقط خياره لأجل العيب إذا كان المقلوع شيئاً له قيمة، فإن لم يكن له قيمة، فلا يسقط خياره لأنه لا يتحقق به العيب.
وقد ذكر الكرخي حكم المغيب في الأرض بغير هذا التفصيل، وأثبت الخيار للمشتري برؤية البعض بعد رؤية الكل.
وروي عن محمد أنه قال: قال أبو حنيفة: المشتري بالخيار إذا قلع الكل أو البعض.
وأما محمد: فهو مثل أبي يوسف، إذا قلع المشتري شيئاً يستدل به على الباقي، فرضي به، فهو لازم له (١).
وإذا كان المبيع دهناً في قارورة، فرأى خارج القارورة، فعن محمد روايتان:
стр. 3480
الرواية الأولى: أنه تكفي الرؤية، ويسقط الخيار؛ لأن الرؤية من الخارج تفيد العلم بالداخل، فكأنه رأى الدهن خارج القارورة.
والرواية الثانية: أن له الخيار لأن العلم بما في داخل القارورة لا يحصل بالرؤية من خارج
القارورة؛ لأن ما في الداخل يتلون بلون القارورة، فلا يحصل المقصود من هذه الرؤية (١).
والرؤية عند بعضهم لا تحصل بالمرآة أو بالماء، فإذا رأى المشتري المبيع بالمرآة، فلا يسقط خياره، لأنه لم ير عين المبيع، وإنما رأى مثاله. والأصح أنه رأى عين المبيع لا غير المبيع؛ لأن المقابلة ليست من شرط الرؤية، فإنا نرى الله بلا مقابلة. ولكن بما أنه قد لا يحصل للمشتري العلم بهيئة المبيع لتفاوت المرآة في التكبيروالتصغير فيعلم بأصله، لا بهيئته، فيثبت له الخيار، لا لما قالوا (٢).
وبناء عليه لو اشترى سمكاً في بحرة صغيرة يمكن أخذه منها من غير اصطياد وحيلة، حتى جاز البيع، فرآه في الماء، ثم أخذه: قال بعضهم: يسقط خياره لأنه رأى عين المبيع.
وقال بعضهم: لا يسقط خياره، وهو الصحيح، لأن الشيء لا يرى في الماء كما هو، بل يرى أكثر مما هو، فلم يحصل المقصود بهذه الرؤية، وهو معرفته على حقيقته، فله الخيار (٣).
مذاهب غير الحنفية:
قال المالكية: يجوز بيع مغيب الأصل كالجزر والبصل واللفت والكرنب
стр. 3481
والقلقاس بشرط رؤية ظاهره، وقلع شيء منه ويرى، وأن يحزر إجمالاً، ولا يجوز بيع شيء منه من غير حزر بالقيراط أو الفدان أو القصبة (٢٤ م). ويجوز البيع على رؤية بعض المثلي من مكيل وموزون كقطن
وكتان، بخلاف القيمي، فلا يكفي رؤية بعضه، كثوب من أثواب (١).
وقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز بيع شيء مغيب في الأرض كالفجل والجزر والبصل والثوم؛ لأنه بيع مجهول مشتمل على الغرر (٢).
البيع بالنموذج (٣): قد يرى المشتري بعض المبيع دون سائره، فيصح البيع ويلزم عند جمهور الفقهاء إن كان المرئي يدل على غير المرئي دلالة كاملة، وأذكر هنا حكم البيع بالنموذج عند الفقهاء باعتباره صورة متعارفة من صور البيع برؤية بعض المبيع.
مثاله: أن يشتري شخص كمية كبيرة من القمح بعد أن يرى نموذجاً منه. وهذا لا يكون إلا في المثليات كالحبوب والأقطان والكتان ونحوها.
وحكمه: أنه يجوز عند الحنفية والمالكية والشافعية، ولا يجوز عند الحنابلة والظاهرية على التفصيل الآتي:
قال الحنفية (٤): يجوز بيع المكيل والموزون برؤية بعضه، لجريان العادة بالاكتفاء بالبعض في الجنس الواحد، ولوقوع العلم به بالباقي، إلا إذا كان الباقي
стр. 3482
أردأ، فيكون للمشتري الخيارفيه، وفيما رأى، لئلا يلزم تفريق الصفقة قبل تمام البيع. والأصح أن هذه الرؤية للبعض تكفي سواء أكان المبيع في وعاء واحد أم في وعاءين كما تقدم.
ويلاحظ أن الثياب أصبحت في وقتنا الحاضر من المثليات.
وقال المالكية (١): يجوز البيع برؤية بعض المثلي من مكيل وموزون كقطن وكتان، بخلاف القيمي كعدل مملوء من القماش فلا يكفي رؤية بعضه على ظاهر المذهب.
وقال الشافعية (٢): في بيع النموذج ثلاثة أوجه: أحدها الصحة، والثاني البطلان، وأصحها: إن دخل النموذج في البيع، صح، وإلا فلا.
وقال الحنابلة (٣): لا يصح بيع النموذج، فلو أرى البائع المشتري صاعاً من صبرة قمح مثلاً، ثم باعه الصبرة على أنها من جنسه، فلا يصح البيع، لأنه يشترط عندهم رؤية المتعاقدين المبيع رؤية مقارنة للبيع، وذلك برؤية جميع المبيع أو بعض منه يدل على بقيته، كأحد وجهي ثوب غير منقوش، وظاهر صبرة متساوية الأجزاء من حب وتمر، وما في ظروف من جنس متساوٍ.
وقال الظاهرية (٤): لا يجوز بيع النموذج.
التوكيل بالنظر والرؤية أو بالقبض: لو وكل المشتري رجلاً بالنظر إلى ما اشتراه، ولم يره فيلزم العقد إن رضي، ويفسخ العقد إن شاء؛ لأن الوكيل يقوم مقام الموكل في النظر؛ لأنه جعل الرأي إليه.
стр. 3483
وأما إذا وكله بقبض ما اشتراه قبل رؤيته، فتقوم رؤية الوكيل مقام رؤية الموكل، فيسقط خياره عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: لا يسقط خياره بقبض الوكيل مع رؤيته، لأنه وكله بالقبض لا بإسقاط الخيار، فلا يملك إسقاطه، كما لا يملك إسقاط خيار الشرط، ولا خيار العيب.
ويرى أبو حنيفة أنه لا فرق بين الوكيل بقبض الشيء المشترى وبين الوكيل بالشراء، ورؤية هذا كافية عن رؤية الموكل، وبها يسقط الخيار إجماعاً؛ لأن الوكيل بالشيء وكيل بإتمام الشيء، ومن تمام القبض إسقاط الخيار (١).
واتفقوا على أنه إذا أرسل المشتري رسولاً بقبض المبيع، فرآه الرسول ورضي به، كان المرسل على خياره. والفرق بين الوكيل والرسول: هو أن الوكيل أصل في نفس القبض، وإنما الواقع للموكل حكم فعله، فكان إتمام القبض إلى الوكيل. أما الرسول فهو نائب في القبض عن المرسل، فكان قبضه قبض المرسل، فإتمام القبض إلى المرسل (٢).
واتفقوا في خيار العيب على أنه إذا وكل رجلاً بقبض المبيع، فقبض الوكيل وعلم بالعيب ورضي به: لا يسقط خيار الموكل.
واختلف مشايخ الحنفية في خيار الشرط، فقال بعضهم: إن الاختلاف السابق بين أبي حنيفة وصاحبيه يجري هنا. وقال بعضهم: لا يسقط بالاتفاق.
وقال الشافعية: الاعتبار في رؤية المبيع وعدمها بالعاقد (٣).
стр. 3484
و الذي نخلص منه في تحقق رؤية المبيع: أن الرؤية المقصودة ليست هي النظر بالعين خاصة، وإنما تكون في كل شيء بحسبه، وبالحاسة التي يطلع بها على الناحية المقصودة منه، فشم المشمومات، وذوق المطعومات ولمس ما يعرف باللمس، وجس مواطن السمن في شاة الذبح وإن لم ينظر لونها، وجس الضرع في شاة اللبن: يعد رؤية كافية في هذه الأشياء، وإن لم تشترك العين فيها، ولا يكفي النظر بالعين فقط (١) كما أبنت تفصيله.
وهذا بالنسبة للبصير. وكذا الأعمى يعد اطلاعه على هذه الأشياء التي تعرف بغير حاسة النظر رؤية كافية كاطلاع البصير، فيكتفي بالجس فيما يجس، والذوق فيما يذاق، والشم فيما يشم، وأما ما يعرف بالنظر فوصفه للأعمى يقوم مقام نظره.
فإن اشترى الأعمى ثماراً على رؤوس الشجر، فيعتبر الوصف لا غير، في أشهر الروايات.
وإذا اشترى الأعمى داراً أو عقاراً، فالأصح من الروايات أنه يكتفى بالوصف.
وعند زوال العمى: لا يعود له الحق في الخيار؛ لأن الوصف في حقه كالبديل أو (الخلف) عن الرؤية، لعجزه عن الأصل، والقدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالبديل، لا يبطل حكم البديل، كمن صلى بطهارة التيمم، ثم قدر على الماء ونحوه (٢).
стр. 3485
أما البصير لو اشترى شيئاً لم يره فوصف له، فرضي به فلا يسقط خياره، لأنه لا عبرة للبديل مع القدرة على الأصل.
الاختلاف في الرؤية:
لو اختلف البائع والمشتري، فقال البائع: (بعتك هذا الشيء، وقد رأيته) وقال المشتري: (لم أره) فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن البائع يدعي إلزام العقد، والمشتري منكر، فيكون القول قوله، ولكن بيمينه؛ لأن البائع يدعي عليه سقوط حق الفسخ ولزوم العقد، وهذا مما يصح الإقرار به،
فيجري فيه الاستحلاف (١).
الرؤية منذ زمن:
من رأى شيئاً ثم اشتراه بعد مدة كشهر، ونحوه: فإن كان على الصفة التي رآه عليها، فلا خيار له، لأن العلم بأوصافه حاصل له بالرؤية السابقة. وإن وجده متغيراً فله الخيار، لأن تلك الرؤية لم تقع مُعْلِمة بأوصافه، فكانت رؤيته وعدمها سواء.
فإن اختلف البائع والمشتري في التغير، فقال البائع: «لم يتغير» وقال المشتري: «تغير» فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن دعوى التغير دعوى أمر حادث، والأصل عدمه، فلا تقبل إلا ببينة، بخلاف ما إذا اختلف في الرؤية يكون القول للمشتري مع يمينه كما تقدم؛ لأن البائع يدعي أمراً عارضاً: هو العلم بصفة المبيع (٢).
стр. 3486
المطلب السادس - مسقطات الخيار لا يسقط خيار الرؤية بالإسقاط الصريح، كأن يقول المشتري: «أسقطت خياري» لا قبل الرؤية ولا بعدها، بخلاف خيار الشرط، وخيار العيب.
والفرق هو أن خيار الرؤية ثبت شرعاً، لحكمة فيه، فلا يملك الإنسان إسقاطه، كما في خيار الرجعة بالنسبة للمرأة المطلقة، فإن الإنسان لا يملك إسقاطه لثبوته شرعاً، ما دامت المرأة في العدة، بخلاف خيار الشرط، فإنه يثبت بشرط المتعاقدين، فجاز أن يسقط بإسقاطهما. وكذلك خيار العيب: فإن سلامة المبيع مشروطة عادة من المشتري، فكان ذلك كالمشروط صراحة (١).
وإنما يسقط خيار الرؤية ويلزم البيع بأحد نوعين: فعل اختياري أوضروري، والاختياري نوعان: صريح الرضا ونحوه، ودلالة الرضا.
الصريح: كأن يقول: (أجزت البيع، أو رضيت أو اخترت) أو ما يجري مجرى الصريح، سواء علم البائع بالإجازة أم لم يعلم.
ودلالة الرضا: هو أن يوجد تصرف في المبيع بعد الرؤية لا قبلها يدل على الإجازة والرضا، كما إذا قبض المبيع بعد الرؤية، لأن القبض بعد الرؤية دليل الرضا بلزوم البيع؛ لأن للقبض شبهاً بالعقد (٢).
وبناء عليه: إذا وهب المشتري المبيع من غيره ولم يسلمه أو عرضه على البيع ونحوهما قبل الرؤية: لا يسقط الخيار؛ لأنه لا يسقط بصريح الرضا في هذه الحالة، فكذا لا يسقط بدلالة الرضا.
стр. 3487
ولو رهن المشتري المبيع وسلمه أو آجره من رجل، أو باعه، على أن المشتري بالخيار: سقط خياره، قبل الرؤية وبعدها، حتى إن المشتري لو أفتك الرهن بدفع الدين، أو مضت مدة الإجارة، أو رده على المشتري بخيار الشرط، ثم رآه لا يكون له الرد بخيار الرؤية، لأنه أثبت حقاً لازماً لغيره بهذه التصرفات، فيكون من ضرورته لزوم الملك له، وذلك بامتناع ثبوت الخيار، فيبطل ضرورة لأنه لا فائدة فيه (١).
وأما الفعل الضروري المسقط لخيار الرؤية: فهو كل ما يسقط به الخيار، ويلزم البيع ضرورة من غير صنع المشتري، مثل موت المشتري عند الحنفية، خلافاً للشافعي كما تقدم في خيار الشرط.
ومثل: إجازة أحد الشريكين دون الآخر ما اشترياه ولم يرياه عند أبي حنيفة.
وكذا هلاك المبيع كله، أو بعضه، وزيادته زيادة منفصلة أو متصلة متولدة، أو غير متولدة على التفصيل السابق ذكره في خيار الشرط (٢).
قال الكاساني: «والأصل أن كل ما يبطل خيار الشرط والعيب، يبطل خيار الرؤية إلا أن خيار الشرط والعيب يسقط بصريح الإسقاط، وخيار الرؤية لا يسقط بصريح الإسقاط، لا قبل الرؤية ولا بعدها» (٣)؛ لأن خيار الرؤية ثبت شرعاً حقاً لله تعالى (٤)، فلا يسقط بإسقاط المتعاقد قصداً، وخيار الشرط والعيب ثابتان
стр. 3488
باشتراط المتعاقدين، فكان لمن ثبت له خيار منهما إسقاطه قصداً متى أراد، لأنه حقه، كما تقدم تفصيله.
وقال المرغيناني: ما يبطل خيار الشرط من تعيب أو تصرف يبطل خيار الرؤية، ثم إن كان تصرفاً لا يمكن رفعه كالإعتاق والتدبير، أو تصرفاً يوجب حقاً للغير كالبيع المطلق والرهن والإجارة يبطله قبل الرؤية وبعدها؛ لأنه لما لزم، تعذر الفسخ، فبطل الخيار. وإن كان تصرفاً لا يوجب حقاً للغير كالبيع بشرط الخيار والمساومة والهبة من غير تسليم، لا يبطله قبل الرؤية لأنه لا يربو على صريح الرضا (أي وصريح الرضا لا يبطل خيار الرؤية قبل الرؤية) ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضا (١).
المطلب السابع - ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ ما ينفسخ به العقد: ينفسخ العقد بسبب خيار الرؤية بالتصريح بالفسخ ونحوه، كأن يقول، فسخت العقد، أو نقضته، أو رددته، ونحوه مما يجري هذا المجرى، أو بهلاك المبيع قبل القبض، لذهاب ركن البيع (٢).
شروط الفسخ: يشترط لصحة الفسخ شروط:
١ - أن يكون الخيار موجوداً؛ لأن الخيار إذا سقط بشيء مما تقدم، لزم العقد، فلا يحتمل النقض بالفسخ.
٢ - ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على البائع، برد بعض المبيع
стр. 3489
وإجازة العقد في البعض الآخر؛ لأن في التفريق ضرراً عليه، ولأن خيار الرؤية - قبل القبض وبعده - يمنع تمام الصفقة، وتجزئتها قبل تمامها باطل بلا ريب.
٣ - أن يعلم البائع بالفسخ، ليكون على بينة من أمره، وأمر سلعته ليتصرف فيها كما يريد، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد. أما أبو يوسف: فلا يشترط علم البائع، على ما تقدم في خيار
الشرط (١).
ويلاحظ أخيراً أن خيار الرؤية لا يورث كما لا يورث خيار الشرط إذا مات المشتري مثلاً بعد ثبوت الخيار له، لأن الخيار ثبت بالنص للعاقد، والوارث ليس بعاقد، فلا يثبت له، كما قال الزيلعي والحنابلة (٢).
وقال مالك: يورث خيار الرؤية، كما يورث خيار التعيين والعيب؛ لأن الإرث كما يثبت في الأملاك، يثبت في الحقوق الثابتة بالبيع (٣).
وهذا أقرب إلى المنطق؛ لأن الوارث يخلف المورث في كل ماترك من مال وحقوق ومنها حق الخيار (٤).
стр. 3490
المبحث السادس - أنواع البيوع تمهيد: ينقسم البيع بالنسبة للبدلين إلى أنواع أربعة (١):
الأول - بيع المقايضة: وهو بيع العين بالعين، كبيع السلع بأمثالها، نحو بيع الثوب بالحنطة، وغيره.
الثاني - البيع المطلق: وهو بيع العين بالدين، نحو بيع السلع بالأثمان المطلقة: وهي الدراهم والدنانير، وبيعها بالفلوس الرائجة (وهي قطع معدنية اصطلح الناس على أنها نقود صالحة للتعامل) وبالمكيل والموزون الموصوفين في الذمة، والعددي المتقارب الموصوف في الذمة.
الثالث - الصرف: وهو بيع الدين بالدين، وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق: وهو الدراهم والدنانير، أو كل عملة نقدية رائجة في الأسواق.
الرابع - السلم: وهو بيع الدين بالعين، فإن المسلم فيه بمثابة المبيع وهو دين، ورأس المال بمثابة الثمن، وقد يكون عيناً، وقد يكون ديناً، ولكن يشترط قبضه قبل افتراق العاقدين عن المجلس، فيصير عيناً.
ولايشترط القبض في النوعين الأولين: وهما بيع المقايضة، والبيع المطلق أي العادي الغالب. ويشترط القبض في النوعين الأخيرين، ففي الصرف يشترط قبض البدلين، وفي السلم يشترط قبض أحد البدلين: وهو رأس المال، كما ذكر.
وينقسم البيع أيضاً بالنظر إلى الثمن إلى أربعة أنواع:
١ - بيع المرابحة: وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول وزيادة ربح معين.
стр. 3491
٢ - بيع التولية: وهو المبادلة بمثل الثمن الأول (أي برأس المال) من غير زيادة ولانقصان.
٣ - بيع الوضيعة: وهو المبادلة بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه أي البيع بخسارة معينة.
٤ - بيع المساومة: وهو مبادلة المبيع بما يتراضى عليه العاقدان؛ لأن البائع يرغب عادة بكتمان رأس المال، وهذا هو البيع الشائع الآن.
وهناك أنواع أخرى من البيوع مثل (الاستصناع) المعروف من قديم، وهو بيع ماسيصنع قبل صنعه، ومثل (الضمان) وهو بيع الثمار على أشجارها (١).
والكلام فيما يلي عن السلم والصرف، والمرابحة والتولية والاستصناع، وقد سبق الكلام عن البيع المطلق، ولكن بقي شيئان يتعلقان به وهما الربا وإقالة البيع أذكرهما هنا أيضاً.
стр. 3492
- ١ -
عقد السلم
خطة الموضوع:
الكلام عن هذا العقد في المطالب الآتية:
المطلب الأول - مشروعية السلم.
المطلب الثاني - تعريف السلم وركنه.
المطلب الثالث - شروط السلم.
المطلب الرابع - حكم السلم.
المطلب الخامس - أوجه الاختلاف بين البيع والسلم.
المطلب الأول - مشروعية السلم
السلم مشروع في الكتاب والسنة وإجماع الأمة:
أما الكتاب: فقد فسرت به آية الدين: وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢]، قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية (١).
стр. 3493
وأما السنة: فما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١).
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم أو على الزروع ونحوها حتى تنضج، فجوز لهم السلم دفعاً للحاجة.
وقد استثني عقد السلم من قاعدة عدم جواز بيع المعدوم، لما فيه من تحقيق مصلحة اقتصادية، ترخيصاً للناس، وتيسيراً عليهم (٢).
المطلب الثاني - تعريف السلم وركنه
تعريف السلم: السلم أو السلف: بيع آجل بعاجل، أو بيع شيء موصوف في الذمة أي أنه يتقدم فيه رأس المال، ويتأخر المثمن لأجل، وبعبارة أخرى: هو أن يسلم عوضاً حاضراً في عوض موصوف في الذمة إلى أجل (٣).
وعرفه الشافعية والحنابلة بقولهم: هو عقد على موصوف بذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس عقد (٤).
стр. 3494
وعرفه المالكية بأنه بيع يتقدم فيه رأس المال ويتأخر المثمن لأجل (١).
ويشترط فيه ما يشترط في البيع، ويزاد فيه شرائط خاصة سنعرفها.
ركنه: ركن السلم هو الإيجاب والقبول. والإيجاب عند الحنفية والمالكية والحنابلة: هو لفظ السلم والسلف والبيع، بأن يقول رب السلم: (أسلمت إليك في كذا) أو أسلفت، وقال الآخر: (قبلت) أو يقول المسلم إليه: (بعت منك كذا) وذكر شرائط السلم، فقال رب السلم: (قبلت) (٢).
وقال زفر والشافعية: لا ينعقد السلم إلا بلفظ السلم أو السلف؛ لأن القياس ألا ينعقد أصلاً، لأنه بيع المعدوم، إلا أن الشرع ورد بجوازه بهذين اللفظين. وفي لفظ البيع وجهان عند الشافعية: بعضهم قال: لا ينعقد السلم بلفظ البيع، وإلا كان بيعاً؛ لأن السلم غير البيع فلا ينعقد بلفظه، وبعضهم الآخر قال: ينعقد، لأنه نوع بيع، يقتضي القبض في المجلس، فانعقد بلفظ البيع كالصرف (٣).
ويسمى المشتري: (رب السلم) أو (المسلم)، والبائع: يسمى (المسلم إلىه)، والمبيع: (المسلَم فيه)، والثمن: (رأس مال السلَم).
وأركان السلم عند غير الحنفية ثلاثة كالبيع: عاقد (مسلم ومسلم إليه) ومعقود عليه (رأس مال السلم والمسلم فيه) وصيغة (إيجاب وقبول).
المطلب الثالث - شروط السلم يشترط في السلم شروط، منها في رأس المال، ومنها في المسلم فيه، واتفق
стр. 3495
أئمة المذاهب على أن السلم يصح بستة شروط: وهي أن يكون في جنس معلوم، بصفة معلومة، ومقدار معلوم، وأجل معلوم، ومعرفة مقدار رأس المال، وتسمية مكان التسليم إذا كان لحمله مؤنة ونفقة.
واتفقوا أيضاً على جواز السلم في المكيلات والموزونات والمذرعات والمعدودات المتقاربة كالجوز واللوز والبيض، ونحوها، كما سيأتي بيانه.
واختلفوا في شروط تتعلق برأس المال وبالمسلم فيه، وفي إقالة بعض السلم، وسأذكر هذه الشروط والخلاف في أهمها.
شروط رأس مال السلم، أي (الثمن) اشترط الحنفية في رأس المال ستة شروط:
١ - بيان الجنس: أي أنه دراهم أو دنانير، أو من المكيل: حنطة أو شعير، أو من الموزون: قطن أو حديد، ونحوها.
٢ - بيان النوع: إذا كان في البلد نقود، مثل دنانير نيسابورية أو دراهم غطرفية (١) أو حنطة سقية أو بعلية. فإذا كان في البلد نقد واحد، فيكتفى بذكر الجنس، وينصرف إليه لتعينه عرفاً.
٣ - بيان الصفة: أي أنه جيد أو وسط أو رديء.
واشتراط هذه الشروط الثلاثة لإزالة الجهالة في العقد؛ لأن جهالة الجنس والنوع والصفة مفضية إلى المنازعة، ومثل هذه الجهالة تفسد البيع (٢).
стр. 3496
٤ - إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد فيه بالقدر من المكيلات والموزونات والمعدودات المتقاربة، ولا يكتفى بالإشارة إليه. وهذا الشرط عند أبي حنيفة وسفيان الثوري، فإذا قال رب السلم: (أسلمت إليك هذه الدراهم أو الدنانير) وأشار إليها ولم يعرف وزنها، أو قال: (هذه الحنطة) ولم يعرف مقدار كيلها، فلا يصح السلم؛ لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة قدر المسلم فيه، وجهالة قدر المسلم فيه تفسد العقد (١).
فإن أسلم فيما لا يتعلق العقد فيه بالقدر كالذرعيات أي (المقيسة بالذراع كالثياب والبسط والحصر) والعدديات المتفاوتة (كالبطيخ والرمان) فإنه لا يشترط بيان الذرع في الذرعيات ولا بيان القيمة فيها، ويكتفى بالإشارة والتعيين باتفاق علماء الحنفية (٢).
واتفقوا أيضاً على أن إعلام قدر الثمن في بيع العين المعتاد ليس بشرط إذا كان مشاراً إليه.
وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة في الأصح عندهم: لا يشترط معرفة قدر رأس المال، فإن رؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره؛ لأنه عوض مشاهد، كالثمن والمبيع المعين (٣).
وأما الإمام مالك: فلم يحفظ عنه في ذلك نص إلا أنه يجوز عنده بيع الجزاف إلا فيما يعظم الغرر فيه، بأن كان كثيراً مثلاً (٤).
стр. 3497
٥ - أن تكون الدراهم والدنانير منتقدة (١) عند أبي حنيفة؛ لأن كل جهالة تفضي إلى المنازعة، فهي مفسدة للعقد.
وقال الصاحبان: ليس هذا بشرط.
٦ - تعجيل رأس المال وقبضه فعلاً في مجلس العقد قبل افتراق العاقدين بنفسيهما، سواء أكان رأس المال عيناً أم ديناً، فإن تفرق المتعاقدان قبل القبض بطل العقد وانفسخ، لأنه يختل عندئذ الغرض المقصود من السلم، وهو الاستعانة على الإنتاج والتحصيل. فلو كان الثمن عيناً وافترق العاقدان دون قبض، اختل معنى السلم؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «أسلفوا في كيل معلوم» (٢) والإسلاف: هو التقديم، ولأنه إنما سمي سلماً لتسليم رأس المال، فإذا تأخر لم يكن سلماً، فلم يصح، فلابد من قبض أحد العوضين ليتحقق معنى اسم السلم.
وإن كان الثمن ديناً في الذمة أي (من النقود مثلاً) فلابد من تسليمه أيضاً، حتى لايكون السلم بيعاً للدين بالدين؛ لأن المسلم فيه دين في الذمة، فلو أخر تسليم رأس مال السلم عن مجلس العقد، لكان التأخير في معنى مبادلة الدين بالدين. وقد «نهى الرسول ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ» (٣) أي الدين بالدين،
стр. 3498
ولأن في السلم غرراً «أي تعريضاً للهلاك أو على خطر الوجود»، فلا يضم إليه غرر تأخير تسليم رأس المال.
وهذا الشرط متفق عليه بين الحنفية والشافعية والحنابلة (١).
وقال الإمام مالك: يجوز تأخير قبض رأس المال إلى ثلاثة أيام فأقل، ولو بشرط في العقد، سواء أكان رأس المال عيناً أم ديناً؛ لأن السلم معاوضة لايخرج بتأخير قبض رأس المال عن أن يكون سلماً، فأشبه مالو تأخر إلى آخر المجلس، وكل ماقارب الشيء يعطى حكمه، ولايكون له بذلك حكم الكالئ.
فإن أخر رأس المال عن ثلاثة أيام، فإن كان التأخير بشرط، فسد السلم اتفاقاً، سواء أكان التأخير كثيراً جداً بأن حل أجل المسلم فيه، أم لم يكثر جداً بأن لم يحل أجله.
وإن كان التأخير بلا شرط: فقولان في المدونة الكبرى لمالك بفساد السلم وعدم فساده، سواء كثر التأخير جداً، أم لا، والمعتمد الفساد بالزيادة عن الثلاثة الأيام، ولو قلت مدة الزيادة بغير شرط (٢).
شروط المسلم فيه:
اشترط الحنفية في المسلم فيه أحد عشر شرطاً:
أحدها: أن يكون معلوم الجنس: كأن يبين أنه حنطة أو شعير أو نحوهما.
الثاني: أن يكون معلوم النوع: كأن يقال حنطة سقية أو سهلية أو جبلية.
стр. 3499
الثالث: أن يكون معلوم الصفة: كأن يقال: حنطة جيدة أو رديئة أو وسط. ويلاحظ أنه يكتفى ببيان الجنس والنوع والصفة، فلا يصح أن يذكر في العقد أنه من الناتج الذي سيظهر جديداً، وهو لم يتكون بعد، لأنه يكون بيع المعدوم صراحة، وهو لايجوز.
الرابع: أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع، والسبب في اشتراط هذه الشروط الأربعة: هو ماذكر في شرط رأس المال: وهو إزالة الجهالة؛ لأن جهالة النوع والجنس والصفة والقدر جهالة مفضية إلى المنازعة، وأنها مفسدة للعقد، وقال ﵇: «من أسلف منكم فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١).
الخامس: ألا يكون في البدلين إحدى علتي ربا الفضل: وهي إما القدر المتفق أو الجنس المتحد؛ لأن العقد حينئذ يتضمن الربا؛ لأن حرمة ربا النسيئة تتحقق بأحد هذين الوصفين.
وبعبارة أخرى: إنه يشترط ألا يكون في السلم أحد وصفي علة ربا الفضل: وهو إما الكيل أو الوزن وإما الجنس؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل هو علة ربا النسيئة، فإذا اجتمع أحد هذين الوصفين في بدلي السلم يتحقق ربا النسيئة، والعقد الذي فيه ربا فاسد.
فإن لم يتحقق القدر المتفق، بأن اختلف المسلم فيه ورأس مال السلم كبيع حنطة بنقود، أو زعفران بدراهم أو دنانير، فيصح السلم، لانعدام علة ربا النسيئة: وهي القد ر المتفق أو الجنس. أما المجانسة فظاهرة الانتفاء، وأما القدر المتفق فلأن
стр. 3500
وزن الثمن يخالف وزن المثمن، فالنقود توزن بالمثاقيل، والزعفران ونحوه يوزن بالرطل أو القبان، وأما الحنطة فهي مكيلة، والنقود موزونة (١).
وعبر المالكية عن هذا الشرط بقولهم: أن يكون رأس مال السلم والمسلم فيه مختلفين جنساً تجوز النسيئة فيه بينهما، فلايجوز إسلاف الذهب والفضة أحدهما في الآخر؛ لأن ذلك ربا، وكذلك لايجوز تسليم الطعام بعضه في بعض على الإطلاق لأنه ربا، ويجوز إسلاف الذهب والفضة في الحيوان والعروض والطعام، ويجوز إسلاف العروض بعضها في بعض (٢).
السادس: أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين: فإن كان ممالا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير لايجوز السلم فيه؛ لأن المسلم فيه مبيع، والمبيع مما يتعين بالتعيين، والدراهم والدنانير لاتتعين في عقود المعاوضات، فلم تكن مبيعة، فلا يجوز السلم فيها.
وهل يجوز السلم في التبر والسبائك؟ فيه روايتان: رواية: لايجوز؛ لأن التبر والسبيكة بمنزلة الدراهم المضروبة. ورواية أخرى: يجوز لأنها بمنزلة العروض.
ويخرَّج على هذا: السلم في الفلوس (٣) عدداً: يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن الفلوس عندهما ليست بثمن مطلق (٤) بل مما تتعين بالتعيين في الجملة كالسلع العددية.
стр. 3501
ولايجوز السلم فيها عند محمد؛ لأنها أثمان عنده (١).
السابع: أن يكون المسلم فيه مؤجلا، واختلف العلماء في هذا الشرط. وفيه يعرف حكم السلم الحال.
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يشترط لصحة السلم أن يكون مؤجلاً، ولايصح السلم الحال، لقول النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» فهذا الحديث أمر بالأجل، والأمر يقتضي الوجوب، كما أوجب كون المسلم فيه مقدراً بالكيل أو الوزن، ولأن السلم أجيز رخصة للرفق بالناس، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، فلا يصح، وباعتباره رخصة فيقتصر على حال ورودها (٢).
وقال الشافعي: يصح السلم حالاً ومؤجلاً، فإن أطلق عن الحلول والتأجيل وكان المسلم فيه موجوداً انعقد حالاً، لأنه إذا جاز السلم مؤجلاً، فلأن يجوز حالاً بالأولى، لبعده عن الغرر. والمراد من الحديث «إلى أجل معلوم» هو العلم بالأجل، لا الأجل نفسه. وفائدة العدول من البيع إلى السلم الحال حينئذ: هو جواز العقد مع غيبة المبيع، فإن المبيع إذا لم يكن حاضراً مرئياً لايصح بيعه عند الشافعية. وإن أخر العقد لإحضاره، فربما تلف، أو لايتمكن المشتري من الحصول عليه، كما لايتمكن حينئذ من فسخ العقد؛ لأن العقد متعلق بالذمة، وما ثبت بالذمة يلزم العاقد به (٣).
стр. 3502
واختلف العلماء أيضاً في مدة أجل السلم:
فقال الحنفية والحنابلة: إن أجل السلم مقدر بشهر أو ماقاربه؛ لأنه أدنى الآجل وأقصى العاجل.
وقال المالكية: أقل الأجل نصف شهر؛ لأن هذه المدة مظنة اختلاف الأسواق غالباً، واختلافها مظنّة لحصول المسلم فيه. وذلك. إلا إذا اشترط قبض المسلم فيه بمجرد الوصول لبلد غير بلد العقد، وكانت المسافة يومين من بلد العقد، لأنها مظنة اختلاف الأسواق في البلدين، وإن لم تختلف بالفعل، واشترط في العقد أيضاً الخروج فوراً إلى البلد، كما اشترط أن يخرج رب السلم والمسلم إليه أو وكيلهما بالفعل، وأن يعجل قبض رأس المال في المجلس أو قربه، وأن يكون السفر في يومين ببر أو بغير ريح؛ لأنه ربما أدى إلى قطع مسافة اليومين في نصف يوم، فيؤدي إلى السلم الحالّ، فمتى اختل شرط من هذه الشروط الخمسة، فلابد من تعيين الأجل.
وإذا وجدت هذه الشروط الخمسة، لايشترط التأجيل بنصف شهر عندهم.
واتفق العلماء على أن الأجل لابد من أن يكون معلوماً، لقوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجلٍ مسمى﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] وقول النبي ﷺ : «إلى أجل معلوم» ولأنه بمعرفة الأجل يتحدد الوقت الذي يقع فيه قضاء المسلم فيه، فإذا جهل الأجل لم يفد معرفة ذلك، ووقع رب السلم في الغرر. ولكنهم اختلفوا في كيفية العلم بالأجل.
فقال الحنفية والحنابلة والشافعية: لابد من تحديد زمان بعينه، لايختلف، فلا يصح التأجيل للحصاد والدراس والنيروز (اليوم الأول من السنة القبطية، وهوأول الربيع) والمهرجان (أول الخريف) وعيد النصارى وقدوم الحاج،
стр. 3503
والصيف والشتاء، ونحوها (١)، ودليلهم: أن الرسول ﷺ قال: «إلى أجل معلوم» والتحديد بهذه الأوقات مثار النزاع، لأنه غير معلوم إذ أنه يتقدم ويتأخر، ويقرب ويبعد، ويؤيده ماروي عن ابن عباس أنه قال: «لاتتبايعوا إلى الحصاد والدياس (٢) ولاتتبايعوا إلا إلى شهر معلوم» (٣).
وقال المالكية: يجوز السلم إلى هذه الأوقات، ويعتبر ميقاتها: هو الوقت الذي يحصل فيه غالب ماذكر: وهو وسط الوقت المعد لها الذي يغلب فيه الوقوع. ودليلهم: أن هذا أجل يتعلق بوقت من الزمن يعرف في العادة، لايتفاوت فيه تفاوتاً كثيراً، فأشبه ما إذا قال إلى رأس السنة (٤).
الثامن: أن يكون جنس المسلم فيه أي (المبيع) موجوداً في الأسواق بنوعه وصفته من وقت العقد إلى وقت حلول أجل التسليم، ولايتوهم انقطاعه عن أيدي الناس، كالحبوب. فإن لم يكن موجوداً عند العقد أو وقت حلول الأجل، أو انقطع من أيدي الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن ونحوها، لايجوز السلم؛ لأن القدرة على التسليم ثابتة للحال، وفي وجودها عند حلول الأجل شك، لاحتمال الهلاك، فإن بقي الشيء المسلم فيه في الأسواق إلى الوقت المؤجل، ثبتت القدرة على التسليم، وإن هلك قبله لاتثبت. وبعبارة أخرى: إن اشتراط هذا الشرط لضمان تنفيذ تسليم المسلم فيه.
стр. 3504
وعلى هذا: إذا كان المسلم فيه منسوباً إلى موضع معلوم: فإن كان ممايحتمل انقطاعه بالآفة كحنطة قرية كذا بعينها أو أرض كذا بعينها: لايجوز السلم، لعدم تحقق القدرة على التسليم، وهو غرر من غير حاجة، فمنع صحة العقد.
وإن كان مما لايحتمل الانقطاع، كأن يسلم في حنطة إقليم كالعراق أو خراسان، أو في حنطة بلدة كبيرة كسمرقند وبخارى ومحافظة حوران، فيجوز السلم، إذ لايتوهم الانقطاع؛ لأن الغالب في أحكام الشرع ملحق بالمتيقن.
وقال بعض مشايخ الحنفية: لايجوز السلم إذا كان المسلم فيه منسوباً إلى بلدة كبيرة. وعبارتهم: لايجوز إلا في طعام ولاية؛ لأن وهم الانقطاع فيما وراء ذلك ثابت. والصحيح هو ماذكر أولاً (١). هذا هو مذهب الحنفية.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يشترط أن يكون المسلم فيه عام الوجود مأمون الانقطاع، وقت حلول الأجل فقط، سواء وجد عند العقد أم لم يوجد؛ لأن المهم هو القدرة على التسليم، فيعتبر وقت وجوب التسليم، ولأن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنين، فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم» ولم يشترط وجود المسلم فيه حال عقد السلم، ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلم سنتين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة (٢).
إلا أن المالكية شرطوا أن يكون التزام المسلم فيه مطلقاً في الذمة، فلا يجوز
стр. 3505
السلم في شيء معين كزرع قرية بعينها، وعليه لم يجز السلم في العقار اتفاقاً لتعينه (١).
واجتهاد غير الحنفية أوجه وأوسع (٢).
وفي اجتهاد الحنفية: إذا حل أجل تسليم المسلم فيه، وانقطع وجود المبيع بحيث يتعذر تسليمه، كان المشتري بالخيار بين أن ينتظر وجوده، أو يفسخ البيع، ويسترد الثمن (٣).
التاسع: أن يكون العقد باتا ً: ليس فيه خيار الشرط للعاقدين أو لأحدهما. فلو أسلم شخص ديناراً في مد حنطة، على أنه بالخيار ثلاثة أيام، وقبض المسلم إليه الثمن (رأس المال)، وتفرقا ببدنيهما، يفسد عقد السلم؛ لأن جواز البيع بشرط الخيار ثبت على خلاف القياس لحاجة الناس إليه، فلا يقاس عليه غيره، إذ لاحاجة في السلم إلى الخيار؛ ولأن شرعية الخيار لدفع الغبن، والسلم مبني على الغبن ونقص الثمن، لأنه بيع المفاليس كما يسمى، فلم يكن داخلاً تحت مورد النص الذي يجيز الخيار.
فلو اتفق المسلم إليه ورب السلم على إبطال الخيار قبل التفرق من المجلس، وكان رأس المال (الثمن) قائماً في يد المسلم إليه، انقلب العقد جائزاً عند جمهور الحنفية، خلافاً لزفر. أما لو كان رأس المال هالكاً فلا ينقلب العقد جائزاً؛ لأن رأس المال يصير حينئذ ديناً على المسلم إليه، والسلم لاينعقد برأس مال دين.
ويمكن تفريع هذا الشرط على اشتراط قبض رأس المال في مجلس عقد السلم؛ لأن اشتراط الخيار يؤدي إلى عدم دفع الثمن في مجلس العقد.