← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

وأما غير الجمهور وهم المالكية والصاحبان من الحنفية، فيرون أن يد الأجير المشترك هي يد ضمان، فيضمن الشيء التالف، ولو بغير تعد أو تقصير (١). أما ضمان العين المستأجرة، فلا خلاف بين العلماء أن العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، فلا يضمنها إن تلفت أو تعيبت بغير تفريط منه لأنه قبض العين لاستيفاء منفعة يستحقها منها، فكانت أمانة (٢). وبناء على الخلاف في صفة يد الأجير: هل تسقط الأجرة بهلاك العين في عقد إجارة الأعمال؟ قال الشافعية: إذا عمل الأجير في ملك المستأجر أو بحضرته وجبت له الأجرة، لأنه تحت يده، فكلما عمل شيئاً صار مسلّماً له. وإن كان العمل في يد الأجير لم يستحق الأجرة بهلاك الشيء في يده، لأنه لم يسلّم العمل (٣). وقال الحنابلة بنحو مذهب الشافعية: وهو أن الأجير لا أجر له فيما عمل في يده، لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه (٤). وقال الحنفية بنحوه أيضاً، ولكن يحتاج مذهبهم إلى شيء من التفصيل، فقالوا: إن العين التي يعمل فيها الأجير إما أن تكون في يد الأجير أو في المستأجر (٥).

стр. 3747

ف إن كانت العين في يد الأجير ففيه حالتان: ١ - إن كان لعمل الأجير أثر ظاهر في العين كالخياطة والصباغة والقصارة فيجب الأجر بتسليم الأثر المطلوب، فإن هلك الشيء قبل التسليم في يد الأجير سقط الأجر؛ لأن الأثر المعقود عليه وهو صيرورة القماش مثلاً مخيطاً لم يسلم، والبدل يقابل ذلك الأثر، فكان كالمبيع. ٢ - وإن لم يكن لعمل الأجير أثر ظاهر في العين كالحمال والملاح فيجب الأجر بمجرد انتهاء العمل، وإن لم يسلم العين لصاحبها؛ لأن البدل يقابل نفس العمل، فإذا انتهت مدة الإجارة، فقد فرغ من العمل، وصار مسلِّماً للعين التي هي ملك صاحبها، فلا يسقط الأجر بالهلاك بعدئذ. حبس العين لاستيفاء الأجرة: وبناء على اختلاف الحكم في الحالتين السابقتين قال الحنفية: إن كان للعمل أثر في العين المملوكة لصاحبها يجعل للأجير حق حبس العين، حتى يستوفي الأجر؛ لأن البدل مستحق بمقابلة الأثر المطلوب. وما لا أثر له لا يثبت فيه حق الحبس، إذ العمل المقعود عليه ليس في العين. ولهذا قال الحنفية: إن الحمال إذا حبس المتاع الذي هو في يده ليستوفي الأجر فهلك يضمن؛ لأن العين أمانة في يده، فإذا حبس صار غاصباً، فيضمن. وأما إذا كانت العين المعمول فيها في يد المستأجر: بأن يعمل الأجيرفي ملك المستأجر أو فيما في يده من فناء ملكه ونحوه، فيستحق الأجير أجرته بعد الفراغ من العمل إذا أكمله، وإن لم يكمله وعمل بعض العمل، فيستحق من الأجر بقدر ما أنجزه من العمل، ويصير المعمول مسلماً إلى صاحبه، ويملك المطالبة بقدره من المدة. فلو استأجر شخص رجلاً ليبني له بناء في داره أو فيما في يده كأن

стр. 3748

يستأجره لبناء حجرة في داره أو لبناء سقيفة أو إيوان أو لحفر بئر أو قناة أو نهر في ملكه أو فيما في يده، فعمل بعضه، فله أن يطالب بقدر العمل من الأجرة. ولكن يجبر على إتمام العمل حتى إنه لو انهدم البناء أو انهارت البئر أو سقط الإيوان، فإن كان بعد الفراغ من العمل لم يسقط شيء من الأجرة، وإن كان قبل الفراغ من العمل يجب بقدر حصة العمل. هذا بخلاف ما إذا كان العمل في غير ملك المستأجر أو في يده، فإن الأجرة حينئذ يتوقف وجوبها على تمام العمل، فما لم يسلم الأجير العمل لا يصير المستأجر قابضاً للمعقود عليه، ويسقط الأجر إذا فسد المعقود عليه أو هلك قبل التسليم. وبناء عليه: إذا استأجر شخص إنساناً ليضرب له لبناً في ملكه أو فيما في يده فلا يستحق اللبّان الأجرة، ولا يصير المستأجر قابضاً حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك من تمام هذا العمل. وفي قول الصاحبين: لا يستحق الأجرة حتى يشرجه (١)؛ لأن تمام العمل به، ويترتب على هذا الخلاف أنه لو تلف اللبن قبل نصبه في قول أبي حنيفة، وقبل التشريج في قول الصاحبين، فلا أجر له لأنه تلف قبل تمام العمل (٢). أما إذا كان ضرب اللبن في غير ملك المستأجر أو في غير يده، فلا يستحق الأجير الأجرة إلا بالتسليم إلى صاحب اللبن، والتسليم: هو أن يخلي الأجير بين اللبن وبين المستأجر، بعد نصبه عند أبي حنيفة، وبعد تشريجه عند الصاحبين؛ لأن اللبن لم يكن في يد المستأجر، حتى يصير العمل مسلماً إليه، فلا بد من التخلية بعد الفراغ من العمل.

стр. 3749

ومثله إذا استأجر إنسان خياطاً ليخيط له في منزله قميصاً: فإن خاط بعضه لم يكن له أجر؛ لأن هذا العمل لا ينتفع ببعضه، فإذا فرغ منه، ثم تلف، فله الأجر، ولا ضمان عليه في قول أبي حنيفة؛ لأنه صار مسلماً للعمل لحصوله في ملك صاحبه. وفي قول الصاحبين: تكون العين مضمونة، فلا يبرأ عن ضمانها إلا بتسليمها إلى مالكها، فإن هلك الثوب فإن شاء ضمنه قيمته صحيحاً ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمته مخيطاً وله الأجر. المبحث السادس - اختلاف المتعاقدين في الإجارة إذا اختلف المتعاقدان في عقد الإجارة في مقدار البدل أو المبدل، وكانت الإجارة صحيحة فإما أن يحصل الاختلاف قبل استيفاء المنافع أو بعد استيفائها (١). فإن اختلفا قبل استيفاء المنافع تحالفا أي حلَّف كل منهما الآخر، لقول النبي ﷺ : «إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادّا» (٢). وبما أن الإجارة نوع من البيع فيتناولها الحديث، وإذا تحالفا تفسخ الإجارة، وإذا نكل أحدهما عن اليمين لزمه ما ادعى به صاحبه.

стр. 3750

وإن أقام كل منهما بينة على مدعاه: فإن كان الاختلاف في البدل فبينة المؤجر أولى؛ لأنها تثبت زيادة الأجرة، وإن كان الاختلاف في المبدل فبينة المستأجر أولى؛ لأنها تثبت زيادة المنفعة. وإن كان اختلاف العاقدين بعد استيفاء المستأجر بعض المنفعة بأن سكن الدار المستأجرة بعض المدة، أو ركب الدابة المستأجرة بعض المسافة فالقول قول المستأجر فيما مضى مع يمينه، ويتحالفان وتفسخ الإجارة فيما بقي؛ لأن العقد على المنافع ساعة فساعة على حسب حدوثها شيئاً فشيئاً، فكان كل جزء من أجزاء المنفعة مقعوداً عليه عقداً مبتدءاً، فيجعل ما بقي من المدة والمسافة منفرداً بالعقد، فيتحالفان فيه. وإن كان اختلافهما بعد انتهاء مدة الإجارة أو بعد بلوغ المسافة التي تم العقد عليها لا يتحالفان، والقول قول المستأجر في مقدار البدل مع يمينه، ولا يمين على المؤجر؛ لأن التحالف يؤدي إلى فسخ الإجارة، والمنافع غير الموجودة لا تحتمل فسخ العقد، فلا يثبت التحالف. وإن اختلف الخياط وصاحب الثوب، فقال صاحب الثوب: أمرتك أن تعمله قَبَاء (١) وقال الخياط: أمرتني أن أعمله قميصاً، أو قال صاحب الثوب للصباغ: أمرتك أن تصبغه بلون أحمر، فصبغته بلون أصفر، وقال الصباغ: لا، بل أمرتني بلون أصفر، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه. وهذا هو القول الأظهر في مذهب الشافعية (٢)؛ لأن أصل الإذن صادر من المالك، فلو أنكر الإذن مطلقاً كان القول قوله، فكذا إذا أنكر صفة الإذن.

стр. 3751

وإذا حلف المالك في هذه الحالة يكون الخياط ضامناً، أي أن المالك بالخيار: إن شاء ضمن الخياط، وإن شاء أخذ الثوب وأعطى الخياط أجر المثل، والخيار ثابت أيضاً للصباغ. وإذا اختلف مالك الثوب مع الصانع في وجود الأجرة، فقال صاحب الثوب: عملته لي بغير أجر، وقال الصانع: بأجر، فالقول قول صاحب الثوب عند أبي حنيفة؛ لأنه ينكر تقوم عمله؛ لأن تقومه بالعقد، وينكر الضمان، والصانع يدعيه، والقول قول المنكر. وقال أبو يوسف: إن تكررت تلك المعاملة بينهما بأجر، فللصانع الأجر وإلا فلا؛ لأن ما سبق بينهما يعين جهة الطلب بأجر، جرياً على المعتاد بينهما. وقال محمد: إن كان الصانع معروفاً بهذه الصنعة بالأجر، فالقول قوله؛ لأنه لما فتح الحانوت لأجل أخذ الأجور جرى فعله مجرى التنصيص على الأجر، أخذاً بظاهر الأمور، قال المرغيناني في الهداية ما معناه: والقياس ما قاله أبو حنيفة، لأن المالك منكر. والجواب عن استحسان الصاحبين: أن ظاهر الحال يتمسك به لدفع الحق لا للاستحقاق، والمطلوب هنا إثبات الاستحقاق (١)، وهو لا يكفي في إثباته مجرد التمسك بظاهر الحال أو القرينة، بل لا بد من حجة أقوى كالبينة والإقرار. وقال الشافعية: إذا كان الاختلاف بين المؤجر والمستأجر في دعوى التلف أو التعيب، فالقول قول المستأجر، لأنه أمين، فيصدق بيمينه. وإن كان الاختلاف في دعوى الرد، بأن ادعى المستأجر أنه رد العين المستأجرة إلى المؤجر، وأنكر المؤجر ذلك، فالقول قول المؤجر بيمينه؛ لأن الأصل عدم الرد، والقول قول المنكر بيمينه.

стр. 3752

المبحث السابع - انتهاء عقد الإجارة ١ - تنتهي الإجارة عند الحنفية كما عرفنا في مبحث صفة الإجارة بموت أحد المتعاقدين ؛ لأن الإرث يجري في الموجود المملوك، وبما أن المنافع في الإجارة تحدث شيئاً فشيئاً، فتكون عند موت المورث معدومة، فلا تكون مملوكة له، وما لم يملكه يستحيل توريثه فيحتاج عقد الإجارة للتجديد مع الوارث، حتى يكون العقد قائماً مع المالك. ولو مات الوكيل بالعقد لا تبطل الإجارة؛ لأن العقد لم يقع له، وإنما هو عاقد، ولو ماتت الظئر أو الصبي انتقضت الإجارة لأن كل واحد منهما معقود له. وقال الجمهور: لا ينفسخ عقد الإيجار بموت أحد المتعاقدين؛ لأنه عقد لازم كالبيع، أي أن المستأجر ملك المنافع بالعقد دفعة واحدة ملكاً لازماً فيورث عنه، ولكن تنفسخ الإجارة بموت الظئر أو الصبي لفوات المنفعة بهلاك محلها وهو الظئر، ولتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأنه لا يمكن إقامة غير هذا الصبي مقامه (١). ٢ - تنتهي الإجارة أيضاً بالإقالة ؛ لأن الإجارة معاوضة مال بمال، فكانت محتملة للإقالة كالبيع. ٣ - الإجارة تنقضي بهلاك العين المؤجرة المعينة كالدارأو الدابة المعينة وهلاك المؤجر عليه كالثوب المؤجر للخياطة أو للقصارة لوقوع اليأس عن استيفاء المعقود عليه بعد هلاكه، فلم يكن في بقاء العقد فائدة. فإن كانت الإجارة على دواب بغير أعيانها للحمل أو الركوب، فتسلم المستأجر الدواب، فهلكت لاتبطل الإجارة، وعلى المؤجر أن يأتي بغيرها لتحمل المتاع وليس له أن يفسخ العقد؛ لأن الإجارة

стр. 3753

وقعت على منافع في الذمة، ولم يعجز المؤجر عن وفاء ما التزمه بالعقد، وهو حمل المتاع إلى موضع كذا، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (١). وقال الزيلعي أخذاً برأي الإمام محمد بن الحسن: والأصح أن الإجارة لا تنفسخ في هذ هـ الحالة؛ لأن المنافع قد فاتت على وجه يتصور عودها، وساحة الدار بعد انهدام البناء يتأتى فيها السكنى بنصب فسطاط (خيمة) ونحوها. ويظهر أن هذا الرأي عند الحنفية هو الأصح، أي أن الإجارة لا تنفسخ بالقوة القاهرة، كانهدام الدار كلها، بدليل ما قاله صاحب الدر المختار وأيده ابن عابدين: لو خربت الدار، سقط كل الأجر، ولا تنفسخ به ما لم يفسخها المستأجر، هو الأصح. وأضاف ابن عابدين: وبانهدام الدار كلها للمستأجر الفسخ بغيبة المؤجر، ولا تنفسخ ما لم يفسخ هو الصحيح، لصلاحيتها لنصب الفسطاط. ٤ - تنتهي الإجارة بانقضاء المدة إلا لعذر ؛ لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية، فتنفسخ الإجارة بانتهاء المدة إلا إذا كان هناك عذر بأن انقضت المدة، وفي الأرض زرع لم يستحصد، فإنه يترك إلى أن يستحصد بأجر المثل (٢). وانتهاء الإيجار بانقضاء المدة في الجملة محل اتفاق بين الفقهاء.

стр. 3754

الفَصْلُ الرّابع: الجِعَالَة - أو الوعد بالجائزة - الكلام فيها يتناول تعريفها، ومشروعيتها، وصيغتها، الفرق بينها وبين الإجارة على الأعمال، شروطها، صفة حكمها، الزيادة والنقص في الجُعل، حكم اختلاف العامل ورب المال. تعريف الجعالة: الجعالة أو الجُعْل أو الجعلية لغة: هي ما يجعل للإنسان على فعل شيء أو ما يُعْطاه الإنسان على أمر يفعله. وتسمى عند القانونيين: الوعد بالجائزة (أي المكافأة أو الجُعْل أو الأجر المعين)، فهي عقد أو التزام بإرادة منفردة. وشرعاً: التزام عوض معلوم على عمل معين، أو مجهول، عسر علمه (١). وعرفها المالكية (٢): بأنها الإجارة على منفعة مظنون حصولها. مثل قول القائل: من رد علي دابتي الشاردة، أو متاعي الضائع، أو بنى لي هذا الحائط أو حفر لي هذا البئر حتى يصل إلى الماء، أو خاط لي قميصاً أو ثوباً، فله كذا.

стр. 3755

ومنها ما يخصص من المكافآت لأوائل الناجحين، أو المتسابقين فيما يحل فيه السباق، أو ما يلتزمه القائد من مبلغ معين أو سهم من الغنيمة لمن يقتحم حصناً للعدو، أو يسقط عدداً من الطائرات. ومنها الالتزام بمبلغ مالي لطبيب يشفي مريضاً من مرض معين، أو لمعلم يحفِّظ ابنه القرآن. ويمثل لها الفقهاء عادة بحالة رد الدابة الضالة (الضائعة)، والعبد الآبق (الهارب). مشروعية الجعالة: لا تجوز الجعالة عند الحنفية (١) لما فيها من الغَرَر أي جهالة العمل والمدة قياساً على سائر الإجارات التي يشترط لها معلومية العمل والمأجور والأجرة والمدة. وإنما أجازوا فقط استحساناً دفع الجعل لمن يرد العبد الآبق (٢)، ولو بلا شرط، من مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً، ومقدار الجعل أربعون درهماً، تغطية للنفقة في مدة السفر. وإن رده لأقل من ذلك المقدار، فبحسابه، اعتباراً للأقل بالأكثر، فإذا رده مثلاً من مسافة يومين فله ثلثاها، ومن يوم ثلثها، ومن رده من أقل منه، أو وجده في البلد يرضخ له، أي يعطى بنسبة عمله. وسبب استحقاق الجعل: هو أخذ الآبق لصاحبه. فدفع الجعل طريق للمالك لصيانة ماله.

стр. 3756

وتجوز الجعالة شرعاً عند المالكية والشافعية والحنابلة (١)، بدليل قوله تعالى في قصة يوسف مع إخوته: ﴿قالوا: نفقد صُواع الملك (٢)، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ [يوسف:٧٢/ ١٢] أي كفيل. وبدليل ما جاء في السنة من أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة (أم القرآن)، وهو ما رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري: «أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا حياً من أحياء العرب، فلم يُقْروهم (يضيفوهم)، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راقٍ؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيع شاء، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل، فبرأ الرجل، فأتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله ﷺ ، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فضحك، وقال: وما أدراك، إنها رقية؛ خذوها واضربوا لي فيها بسهم» (٣). والمعقول يؤيد ذلك: وهو أن الحاجة تدعو إلى الجعالة، من رد ضالة، وآبق، وعمل لا يقدر عليه صاحبه، فجاز بذل الجعل، كالإجارة والمضاربة، إلا أن جهالة العمل والمدة لا تضر بخلاف الإجارة؛ لأن الجعالة غير لازمة، والإجارة لازمة، وتفتقر إلى تعيين المدة لمعرفة قدر المنفعة، ولأن الجعالة رخصة اتفاقاً لما فيها من الجهالة، وأجيزت لإذن الشارع بها. صيغة الجعالة: الجعالة التزام بإرادة واحدة فلا تتحقق إلا بصيغة (٤) من الجاعل من الصيغ

стр. 3757

السابقة في تعريفها ونحوها، تدل على إذن بالعمل بطلب صريح، بعوض معلوم مقصود عادة ملتزم به، فلو عمل العامل بلا إذن، أو أذن الجاعل لشخص، فعمل غيره، فلا شيء له؛ لأن الأول عمل متبرعاً، والشخص المعين في الحالة الثانية لم يعمل ولا يشترط في الجاعل كونه مالكاً، فيصح لغيره أن يلتزم بجعل ويستحقه العامل الذي رد الشيء. كما لا يشترط قبول العامل، وإن عينه الجاعل؛ لأن الجعالة التزام من جانب واحد، كما أوضحت. ويصح أن تكون الجعالة لواحد معين، أو لغير معين، كما يصح أن يجعل الجاعل للمعين عوضاً ولسائر الناس عوضاً آخر. الفرق بين الجعالة والإجارة على الأعمال: تفترق الجعالة عن الإجارة على عمل معلوم كبناء وخياطة ثوب وحمل شيء إلى موضع معلوم من نواح أربع وهي (١): أولاً - لا يتم استيفاء المنفعة للجاعل إلا بتمام العمل كرد الشارد وبرء المريض. أما في الإجارة فيتم استيفاء المنفعة للمستأجر بمقدار ما عمل الأجير. وبعبارة أخرى: لا تتحقق المنفعة في الجعالة إلا بتمام العمل، أما في الإجارة فتتحقق المنفعة للمستأجر بجزء من العمل. وبناء عليه، لا يستحق العامل في الجعالة شيئاً إلا بتمام العمل. وإذا عمل الأجير في الإجارة بعض العمل استحق من الأجر بحساب (أو مقدار) ما عمل. ثانياً - إن الجعالة عقد يحتمل فيها الغرر، وتجوز جهالة العمل والمدة بخلاف

стр. 3758

الإجارة، فالعمل في الجعالة قد يكون معلوماً، أو مجهولاً غير معلوم، كرد بهيمة ضالة، وحفر بئر حتى يخرج منها الماء، وكما تصح الجعالة على عمل مجهول أو معلوم، تصح جهالة المدة. أما الإجارة فلا بد من أن يكون العمل فيها معلوماً كالخياطة والبناء، والمدة معلومة. وإذا قدرت الإجارة بمدة لزم الأجير العمل في جميع المدة، ولا يلزمه العمل بعدها. أما الجعالة فالمهم فيها إنجاز العمل دون تقيد بالمدة. ثالثاً - لا يجوز اشتراط تقديم الأجرة في الجعالة، بخلاف الإجارة. رابعاً - الجعالة عقد جائز غير لازم، فيجوز فسخه، بخلاف الإجارة، فإنها عقد لازم لا يفسخ. شروط الجعالة: يشترط في الجعالة ما يأتي (١): أولاً - أهلية التعاقد: يشترط عند الشافعية والحنابلة في الجاعل ما لكاً كان أو غيره أن يكون مطلق التصرف (بالغاً عاقلاً رشيداً)، فلا يصح من صبي ومجنون ومحجور سفه. وأما العامل: فإن كان معيناً اشترط فيه أهلية العمل، فلا يصح كونه عاجزاً عن العمل كصغير لا يقدر على العمل؛ لأن منفعته معدومة. وإن كان غير معين مبهماً كفى علمه بإعلان النداء على الجعل. وتصح الجعالة عند المالكية والحنفية من المميز، وأما التكليف فهو شرط لزوم.

стр. 3759

ثانياً - كون الجعل (أو الأجرة) مالاً معلوماً. فإن كان الجعل مجهولاً فسد العقد لجهالة العوض، مثل من وجد سيارتي فله ثوب، أو أرضيه، ونحوه، ويكون للواجد (الرادّ) أجرة مثله، كالإجارة الفاسدة. وإن كان الجعل حراماً كخمر أو مغصوب، فسد العقد أيضاً لنجاسة عين الخمر، وعدم القدرة على تسليم المغصوب. ثالثاً - أن تكون المنفعة معلومة حقيقة، مباحاً الانتفاع بها شرعاً، فلا تجوز الجعالة على إخراج الجن من شخص، ولا على حل سحر مثلاً، لأنه يتعذر معرفة كون الجن خرج أم لا، أو انحل السحر أم لا. كما لا تجوز الجعالة على ما يحرم نفعه كالغناء والزمر والنواح وسائر المحرمات. والقاعدة في ذلك (١): أن كل ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة، جاز أخذ العوض عليه في الجعالة، ومالا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة، لا يجوز أخذ الجعل عليه، لقوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة:٢/ ٥] وأضاف المالكية: «كل ما جاز فيه الجعل كحفر الآبار في فلاة، جازت فيه الإجارة، لا العكس، فليس كل ما جازت فيه الإجارة، جاز فيه الجعل» مثل بيع سلع (٢) وخدمة شهر، وحفر بئر بملك، تصح فيه الإجارة دون الجعالة، فالإجارة أعم، من ناحية المحل المعقود عليه. والسبب في عدم صحة الجعالة فيما ذكر: أن الجعالة تكون فيما لا يحصل للجاعل نفع إلا بتمام العمل، وهذه الأمور يبقى فيها للجاعل منفعة إذا لم يتم العامل العمل.

стр. 3760

وأما أعمال العبادة البدنية التي لا يتعدى نفعها غير فاعلها كالصلاة والصيام ونحوهما من القربات الدينية، فلا يجوز أخذ الجعل عليه. وما يتعدى نفعه لغير فاعله كالأذان وتعليم الفقه والقرآن والقضاء والإفتاء فيجوز أخذ الجعل عليه، لحديث أبي سعيد السابق في الرقية بالفاتحة. والمشهور عند المالكية أنه لا بد من تحقيق منفعة مقصودة للجاعل، فمن جعل ديناراً لمن يصعد جبلاً مثلاً، لا لشيء يأتي به، لا يصح التزامه ولا جعالته. واشترط الشافعية في العمل: أن يكون فيه كلفة، وإلا فلا يستحق شيئاً؛ لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بعوض. رابعاً - اشترط المالكية ألا يحدد للجعالة أجل، وقال غيرهم: يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل، مثل من خاط لي هذا الثوب في يوم فله كذا، فإن أتى به في المدة استحق الجعل، ولم يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا يلزمه شيء له، وذلك بخلاف الإجارة. وأضاف بعض المالكية (القاضي عبد الوهاب خلافاً لابن رشد) شرطاً خامساً: وهو أن تكون الجعالة في العمل اليسير، ولو كان متعدداً كإبل كثيرة شردت. واشترط المالكية كما تقدم عدم شرط النقد للجعل، فإن شرط النقد يفسدها؛ لأنه سلف جر نفعاً بطريق الاحتمال، وأما تعجيل الجعل بلا شرط فلا يفسدها. صفة حكم الجعالة ووقت استحقاق الجعل: اتفق الفقهاء القائلون بجواز الجعالة (١) على أنها بخلاف الإجارة عقد جائز

стр. 3761

غير لازم، فيجوز لكل من الجاعل والعامل فسخها، لكنهم اختلفوا في وقت جواز الفسخ. فقال المالكية: يجوز الفسخ قبل الشروع في العمل، ويلزم الجاعل دون العامل بالشروع في العمل. أما العامل المجعول له فلا يلزم بشيء قبل العمل أو بعده أو بعد الشروع فيه. وقال الشافعية والحنابلة: يجوز الفسخ في أي وقت شاء الجاعل والمجعول له المعين، كسائر العقود الجائزة مثل الشركة والوكالة، قبل تمام العمل. فإن فسخ العقد من المالك أو العامل المعين قبل الشروع في العمل، أو فسخ العامل بعد الشروع في العمل، فلا شيء له في الحالتين، لأنه في الأولى لم يعمل شيئاً، وفي الثانية لم يتحقق غرض المالك. أما إن فسخ المالك بعد الشروع في العمل، فعليه للعامل أجرة مثل عمله في الأصح عند الشافعية، لأنه عمل بعوض، ولم يسلم له أجرة عمله، كما لو فسخ رب المال المضاربة بعد الشروع في العمل ويستحق العامل الجعل أو الأجر المعين بإتمام العمل، فإن فسخ العامل قبل الفراغ من العمل، لم يستحق شيئاً (١). وإن حدد المالك مكاناً لرد المتاع المفقود، فرده العامل من مكان أقرب منه، فله قسطه من الجعل، كما يرى الشافعية (٢). ولو اشترك اثنان في رد المتاع، اشتركا في الجعل، لحصول الرد منهما (٣). وإذا رد العامل الشيء المجعول عليه فليس له حبسه لقبض الجعل، كما لا

стр. 3762

يحبسه لاستيفاء ما أنفقه عليه بإذن المالك؛ لأن استحقاق الجعل بتسليم الشيء، ولا حبس قبل الاستحقاق (١). ولا يستحق العامل الجُعْل إلا بإذن صاحب العمل، وبالفراغ من العمل، فإذا عمل عامل بدون إذن صاحب العمل لم يستحق شيئاً، وإذا لم يفرغ العامل من العمل كشفاء المريض، وتعلم القراءة والكتابة، لم يستحق الجعل. الزيادة والنقص في الجعل: يرى الشافعية والحنابلة (٢) أنه يجوز للمالك الجاعل أن يزيد أو ينقص من الجعل؛ لأن الجعالة عقد جائز غير لازم، فجاز فيه ذلك كالمضاربة، إلا أن الشافعية أجازوا ذلك قبل الفراغ من العمل، سواء أكان قبل الشروع، أم بعده، كأن يقول: من رد متاعي الفلاني فله عشرة، ثم يقول: فله خمسة، أو بالعكس. وتظهر فائدة ذلك بعد الشروع في العمل، فتجب حينئذ أجرة المثل، لأن هذا التعديل بالزيادة أو النقص فسخ للإعلان السابق، والفسخ من المالك يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل؛ وقيد الحنابلة هذا التعديل بما قبل الشروع في العمل، فيجوز ويعمل به. حكم اختلاف المالك والعامل: إذا حدث اختلاف بين المالك والعامل فأيهما يصدق بيمينه؟ في الأمر تفصيل (٣): إن اختلفا في أصل اشتراط الجعل بأن أنكره أحدهما، فيصدق المنكر بيمينه، كأن يقول العامل: شرطت لي جعلاً، وأنكر المالك، صدق المالك بيمينه؛

стр. 3763

لأن الأصل عدم اشتراط الجعل. وإن اختلفا في نوع العمل كرد السيارة الضائعة أو المتاع الضائع، أو اختلفا فيمن قام بالعمل، يصدق صاحب العمل بيمينه، لأن العامل يدعي شيئاً والأصل عدمه، فيصدق المنكر بيمينه. وكذلك يصدق المنكر إن اختلفا في سعي العامل، بأن قال المالك: لم ترده، وإنما رجع بنفسه، يصدق المالك؛ لأن الأصل عدم الرد. وإن اختلفا في قدر الجعل أوفي قدر المسافة أو المكان المحدد لوجود الضائع فقال المالكية والشافعية: تحالف الطرفان (١)، وفسخ العقد، ووجب أجرة المثل، كما لو اختلفا في عقد الإجارة. وقال الحنابلة: القول قول المالك بيمينه؛ لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه، ولأن القول قوله في أصل العوض، فكذلك في قدره، كرب المال في المضاربة، ولأنه منكر لما يدعيه العامل زيادة عما يعترف به، والأصل براءته منه. ويحتمل أن يتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن، والأجير والمستأجر إذا اختلفا في قدر الأجر. فإن تحالفا فسخ العقد ووجب أجر المثل. أوجه الاختلاف بين الجعالة والإجارة: تختلف الجعالة عن الإجارة من خمسة وجوه هي: ١ - تصح الجعالة مع عامل غير معين، ولا تصح الإجارة مع مجهول. ٢ - تجوز الجعالة على عمل مجهول، أما الإجارة فلا تصح إلا على عمل معلوم.

стр. 3764

٣ - لا يشترط في الجعالة قبول العامل لأنها تصرف بإرادة منفردة، أما الإجارة فلا بد من قبول الأجير القائم بالعمل لأنها عقد بإرادتين. ٤ - الجعالة عقد جائز غير لازم، أما الإجارة فهي عقد لازم، لا يفسخها أحد العاقدين إلا برضا الآخر. ٥ - لا يستحق الجعل في الجعالة إلا بالفراغ من العمل، ولو شرط تعجيله فسدت، وفي الإجارة يجوز اشتراط تعجيل الأجرة.

стр. 3765

الفَصْلُ الخامِسُ: الشَّرِكَات ويتضمن مبحثين - الأول: شركات الأموال، والثاني - شركة المضاربة المبحث الأول - شركات الأموال: تمهيد في تعريف الشركة ومشروعيتها: الشركة لغة: هي الاختلاط أي خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يمتازان عن بعضهما. ثم أطلقت عند الجمهور على العقد الخاص بها، وإن لم يوجد اختلاط النصيبين؛ لأن العقد سبب الخلط (١). واختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الشركة اصطلاحاً، فقال المالكية: هي إذن في التصرف لهما مع أنفسهما أي أن يأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في أن يتصرف في مال لهما مع إبقاء حق التصرف لكل منهما (٢). وقال الحنابلة: الشركة: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف (٣).

стр. 3766

وقال الشافعية: الشركة: ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع (١). وقال الحنفية: الشركة: عبارة عن عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح (٢). وهو أولى التعاريف لأنه يعبر عن حقيقة الشركة في أنها عقد، أما التعاريف الأخرى فهي بالنظر إلى هدف الشركة وأثرها أو النتيجة المترتبة عليها. مشروعية الشركة: ثبتت مشروعية الشركة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء:١٢/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿وإنَّ كثيراً من الخُلَطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم﴾ [ص:٢٤/ ٣٨] والخلطاء: هم الشركاء. وأما السنة: ففي الحديث القدسي فيما يروى عن أبي هريرة رفعه إلى النبي ﷺ قال: إن الله يقول: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده (٣) والمعنى: أنا معهما بالحفظ والإعانة، أمدهما بالمعونة في أموالهما وأنزل البركة في تجارتهما، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما. وقد بعث رسول الله ﷺ ، والناس يتعاملون بالشركة فأقرهم عليها، كما

стр. 3767

ثبت في أحاديث كثيرة (١) وقال ﵊: «يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» (٢). والمسلمون أجمعوا على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها (٣)، ولذا سيكون الكلام عن الشركة بأنواعها. و حكمة مشروعيتها: تمكين الناس من التعاون في استثمار أموالهم وتنميتها وإقامة المشاريع الكبرى الصناعية والتجارية والزراعية التي يتعذر على الواحد الاستقلال بالقيام بها. أقسام الشركة: الشركة قسمان: شركة أملاك، وهي الشركات الإجبارية في القوانين الوضعية، وشركة عقود، وهي الشركات الاختيارية في القوانين. شركة الأملاك: هي أن يتملك شخصان فأكثر عيناً من غير عقد الشركة، وهي نوعان (٤): ١ - شركة اختيار: وهي التي تنشأ بفعل الشريكين، مثل أن يشتريا شيئاً أو يوهب لهما شيء أو يوصى لهما بشيء، فيقبلا، فيصير المشترى والموهوب والموصى به مشتركاً بينهما شركة ملك. ٢ - شركة جبر: وهي التي تثبت لشخصين فأكثر بغير فعلهما، كأن يرث اثنان شيئاً، فيكون الموروث مشتركاً بينهما شركة ملك.

стр. 3768

وحكم هذه الشركة بنوعيها: هو أن كل واحد من الشريكين كأنه أجنبي في نصيب صاحبه، فلا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه، إذ لا ولاية لأحدهما في نصيب الآخر (١). شركة العقود: هي عبارة عن العقد الواقع بين اثنين فأكثر للاشتراك في مال وربحه (٢)، وهو تعريف الحنفية السابق. وهي أنواع خمسة عند الحنابلة: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه، والمضاربة. وقسمها الحنفية إلى ستة أنواع: وهي شركة الأموال، وشركة الأعمال، وشركة الوجوه. وكل نوع من هذه الأنواع إما مفاوضة وإما عنان (٣). وفي الجملة فإن الشركة عند فقهاء الأمصار ومنهم المالكية والشافعية أربعة أنواع: شركة العنان، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه (٤). واتفق العلماء على أن شركة العنان جائزة صحيحة. وأما الأنواع الأخرى فقد اختلفوا في مشروعيتها: فالشافعية والظاهرية والإمامية يجعلون كل الشركات باطلة ما عدا شركة العنان وشركة المضاربة. والحنابلة أجازوا كل الشركات ما عدا شركة المفاوضة. والمالكية أجازوا كل الشركات ما عدا شركة الوجوه، وماعدا شركة المفاوضة بالمعنى المذكور عند الحنفية.

стр. 3769

وأما الحنفية والزيدية فأجازوا كل هذه الشركات دون استثناء إذا توافرت شروط معينة. وسأبحث شركة العقود وفقاً لمنهج الحنفية في التقسيم، في المطالب الآتية. وأما شركة المضاربة فأخصص مبحثاً مستقلاً لها. خطة الموضوع: المطلب الأول - كيفية انعقاد شركات العقود. المطلب الثاني - شرائط شركة العقود. المطلب الثالث - أحكام شركة العقود. المطلب الرابع - صفة عقد الشركة ويد الشريك. المطلب الخامس - مبطلات عقد الشركة. المطلب السادس - الشركة الفاسدة. المطلب الأول - كيفية انعقاد شركات العقود ركن شركة العقود عند الحنفية: الإيجاب والقبول: وهو أن يقول أحد الشريكين للآخر: شاركتك في كذا وكذا، ويقول الآخر: قبلت وهي ثلاثة أنواع: شركة أموال، وشركة وجوه، وشركة أعمال أو صنايع (١). وسأذكر تعاريف كل نوع منها. وأركان الشركة عند الجمهور ثلاثة: عاقدان ومعقود عليه وصيغة.

стр. 3770

أولاً - تعريف شركة الأموال: وهي أن يشترك اثنان في مال، فيقولا: اشتركنا فيه على أن نبيع ونشتري معاً، أو أطلقا (أي لم يحددا البيع أو الشراء)، على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على شرط كذا، أو يقول أحدهما ذلك، ويقول الآخر: قبلت. وهي إما مفاوضة أو عنان. ١ - شركة العنان (١): وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما (٢)، وهي جائزة بالإجماع كما ذكر ابن المنذر (٣). وإنما اختلف في بعض شروطها، كما اختلف في علة تسميتها، فقيل: سميت بالعنان؛ لأن الأصل في الشريكين أن يتساويا في المال والتصرف، كالفارسين إذا سوَّيا بين فرسيهما وتساويا في السير، فإن عناني فرسيهما يكونان سواء. وشركة العنان: اتفاق الرجلين على الاشتراك في شيء معلوم من مالهما، وانفراد كل بباقي ماله، فهما متساويان فيما يشتركان فيه. وقال الفراء: هي مشتقة من عَنَّ الشيء: إذا عرض، يقال: عنَّت لي حاجة: إذا عرضت، فسميت الشركة عناناً؛ لأن كل واحد منهما عنَّ له أن يشارك صاحبه، أو أنها تقع على حسب ما يعن لهما في كل التجارات أو في بعضها. قال السبكي: المشهور أنها مأخوذة من

стр. 3771

عنان الدابة وهو ما تقاد به، كأن كل واحد من الشريكين أخذ بعنان صاحبه، لا يطلقه يتصرف حيث شاء (١). وهذا النوع من الشركات هو السائد بين الناس (٢)؛ لأن شركة العنان لا يشترط فيها المساواة لا في المال ولافي التصرف، فيجوز أن يكون مال أحد الشريكين أكثر من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة والآخر غير مسؤول، وهي من أجله ليس فيها كفالة، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات، أما تصرفات شريكه فهوغير مسؤول عنها، ويجوز مع ذلك أن يتساويا في الربح أو يختلفا، فيوزع الربح بينهما حسب الشرط الذي اتفقا عليه، أما الخسارة فتكون بنسبة رأس المال فحسب، عملاً بقاعدة: «الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين». ٢ - شركة المفاوضة: المفاوضة في اللغة. وسمي هذا النوع من الشركة مفاوضة لا عتبار المساواة في رأس المال والربح وفي القدرة على التصرف وغيرها، قال في الهداية: لأنها شركة عامة في جميع التجارات، يفوض كل واحد من الشريكين أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق. وقيل: هي من التفويض؛ لأن كل واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه على كل حال في غيبته وحضوره. وقال المالكية والشافعية: سميت مفاوضة من تفاوض الرجلان في الحديث: شرعا فيه جميعاً.

стр. 3772

وهي في الاصطلاح: أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في عمل بشرط أن يكونا متساويين في رأس مالهما وتصرفهما ودينهما أي (ملتهما)، ويكون كل واحد منهما كفيلاً عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع، أي أن كل شريك ملزم بما ألزم شريكه الآخر من حقوق ما يتجران فيه، وما يجب لكل واحد منهما يجب للآخر، أي أنهما متضامنان في الحقوق والواجبات المتعلقة بما يتاجران فيه، ويكون كل واحد منهما فيما يجب لصاحبه بمنزلة الوكيل له، وفيما يجب عليه بمنزلة الكفيل عنه. فهما يتساويان في رأس المال وفي الربح، فلا يصح أن يكون أحدهما أكثر مالاً من الآخر، كأن يملك أحدهما ألف دينار والآخر خمس مئة، ولو لم يكن المبلغ مستعملاً في التجارة، أي أنه لا يجوز أن يبقيا شيئاً من جنس مال الشركة إلا ويدخلانه في الشركة. ويشترط التساوي في التصرف فلا تصح بين صبي وبالغ، ولا بين مسلم وكافر (١)، ولا يصح أن يكون تصرف أحدهما أكثر من تصرف الآخر. فإذا تحققت المساواة الكاملة انعقدت الشركة، وكان كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه وكفيلاً عنه يطالب بما يعقده صاحبه، ويسأل عن جميع تصرفاته. فإذا اختل شرط من هذه الشروط، أو تملك أحد الشريكين مالاً يصلح أن يكون رأس مال لشركة العقد، تحولت الشركة إلى شركة عنان، لعدم تحقق المساواة (٢). وعلى هذا فإن هذه الشركة تتطلب الاشتراك بين الشريكين في كل ما لهما من الحقوق كإرث نقدي وركاز ولقطة، وما عليهما من الواجبات التي يلتزم بها كل

стр. 3773

واحد من دين بسبب التجارة واستقراض وضمان غصب وقيمة متلف وأرش (١) جناية على الدابة أو الثوب مثلاً ونحوها من مغارم الأموال (٢) في قول أبي حنيفة ومحمد (٣). وبعبارة أخرى: تنعقد شركة المفاوضة على أساس الاشتراك فيما يملكه كل شريك من مال يصح أن يكون رأس مال للشركة وهو النقود الحاضرة، مع تساوي جميع الشركاء في الربح وفي رأس المال، وعلى أن يعمل كل شريك في مال صاحبه مستبداً برأيه. فإذا اختص أحد الشركاء فيها بملك مال يصلح أن يكون رأس مال لشركة العقد كالنقود لا تكون شركة مفاوضة، وإن عقدت بلفظها، لانعدام المساواة في المال، ولكن إذا اختص أحدهم بملك عَرْض أو دين على إنسان، أو بملك عقار لم يؤثر المملوك في صحتها؛ لأن كل ذلك لا يصلح أن تعقد عليه الشركة، فكان كاختصاص الشريك فيها بالزوجة (٤). فإذا استحق الشريك مالاً من إرث ونحوه، تفسد المفاوضة إذا كان المال نقوداً دراهم أو دنانير وتم قبضه فعلاً، أما إذا قبض عروضاً أو عقاراً فلا تفسد المفاوضة. وقد أجاز الحنفية والزيدية هذه الشركة لقوله ﵊: «إذا

стр. 3774

تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة»، «فاوضوا فإنه أعظم للبركة» (١) ولأن الناس يتعاملون بها في سائر الأعصار من غير نكير من أحد. وأما الجهالة الحاصلة فيها وهي أنها تتضمن الوكالة بشراء مجهول الجنس، والكفالة بمجهول، فإنها متحملة، لأنها تثبت تبعاً، والتصرف قد يصح تبعاً ولا يصح مقصوداً، كما هو الحال في المضاربة، فإنها تتضمن الوكالة بشراء مجهول الجنس. وأما المالكية: فأجازوا شركة المفاوضة بغير هذا المعنى الذي ذكره الحنفية: وهو أن تعقد الشركة على أن يكون كل شريك مطلق التصرف في رأس المال استقلالاً، دون حاجة إلى أخذ رأي شركائه، حاضرين أم غائبين، بيعاً وشراء وأخذاً وعطاء وكراء واستكراء، وضماناً وتوكيلاً وكفالة وقراضاً وتبرعاً وغيرها مما تحتاج إليه التجارة من تصرف. ويلزم كل شريك بكل ما يعمله شريكه. ولا تكون إلا فيما تم العقد عليه من أموالهم، دون ما ينفرد به كل منهم من مال لم يدخله في الشركة. أما إذا عقدت الشركة على ألا يستبد (ينفرد) أحد الشركاء بالتصرف في رأس المال، وليس له إلا أن يعمل مع شركائه جميعاً، فإنها حينئذ تسمى عندهم شركة عنان (٢). وعلى هذا فشركة المفاوضة بمفهومها عند المالكية، لا خلاف فيها عند الفقهاء.

стр. 3775

أما شركة المفاوضة بالمعنى الذي ذكره الحنفية والزيدية، فلا يجيزها الشافعية والحنابلة وجمهور الفقهاء، لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، ولأن تحقق المساواة بالمعنى المطلوب في هذه الشركة أمر عسير، ولأن فيها غرراً كثيراً وجهالة لما فيها من الوكالة بالمجهول والكفالة به، فلم تصح كبيع الغرر. وبيان وجه الغرر فيه: هو أنه يلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به، ولهذا قال الشافعي ﵁: «إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدنيا» وأما الحديث السابق فهو غير معروف، ولا رواه أصحاب السنن؛ بل إنه ليس فيه ما يدل على أنه أراد هذا العقد، فيحتمل أنه أراد المفاوضة في الحديث، ولهذا روي فيه: «ولا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان» (١). والواقع أن شركة المفاوضة بالمعنى المذكور عند الحنفية غير متيسرة الوجود، إن لم تكن متعذرة التحقيق (٢). ثانياً - تعريف شركة الوجوه أو الشركة على الذمم: هي أن يشترك وجيهان عند الناس، من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن يشتريا في ذممهما بالنسيئة (أي بمؤجل)، ويبيعا بالنقد، بما لهما من وجاهة عند

стр. 3776

الناس، فيقولا: اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة ونبيع بالنقد، على أن ما رزق الله سبحانه من ربح أي (من فرق الأثمان)، فهو بيننا على شرط كذا. وسمي هذا النوع شركة الوجوه، لأنه لا يباع بالنسيئة إلا لوجيه من الناس عادة. وهي معروفة بالشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال. وهي جائزة عند الحنفية والحنابلة والزيدية، لأنها شركة عقد تتضمن توكيل كل شريك صاحبه في البيع والشراء، وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بالشراء على أن يكون المشترى بينهما صحيح، فكذلك الشركة التي تتضمن ذلك. هذا بالإضافة إلى أن الناس تعاملوا بها في سائر الأعصار من غير إنكار من أحد. والخلاصة: أن ما اتفقا عليه يعد عملاً من الأعمال، فيجوز أن تنعقد عليه الشركة (١). وقال المالكية والشافعية والظاهرية والإمامية والليث وأبو سليمان وأبو ثور: إن هذه الشركة باطلة؛ لأن الشركة تتعلق بالمال أو بالعمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة (٢)، فلا يوجد مال مشترك بين الشركاء، مع ما فيها من الغرر إذ إن كل شريك يعاوض صاحبه بكسب غير محدد بصناعة، أو بعمل مخصوص، فلم يكن الربح نماء للمال، ولا مقابلاً للعمل، فلايستحق. وبناء على الرأي الأول يصح تباين الشريكين في حصتهما في ملكية الشيء المشترى، فيصح أن يكون لأحدهما النصف أو أكثر من النصف، لحديث الرسول ﵇: «المسلمون على شروطهم». وأما الربح فيكون بينهما على قدر

стр. 3777

الحصة في الملك، ولا يجوز أن يزيد أحدهما على ربح حصته شيئاً؛ لأن الربح في هذه الشركة يستحق بقدر ضمان ثمن السلع المشتراة (١) بالمال والعمل، والضمان يكون بقدر الحصة في الملك، فيكون الربح بقدر ذلك، فإن زاد الربح على مقدار الضمان، زاد بلا مقابل وهو لا يجوز. وأما الخسارة: فهي على قدر ضمان كل من الشركاء اتفاقاً. ثالثاً - تعريف شركة الأعمال أو الأبدان: وهي أن يشترك اثنان على أن يتقبلا في ذمتهما عملاً من الأعمال، ويكون الكسب بينهما كالخياطة والحدادة والصباغة ونحوها، فيقولا: اشتركنا على أن نعمل فيه على ما رزق الله من أجرة، فهو بيننا على شرط كذا، وهي المعروفة بشركة الحمالين وسائر المحترفة كالخياطين والنجارين والدلاّلين (السماسرة) ليكون بينهما كسبهما متساوياً أو متفاوتاً، سواء اتحدت حرفتهما كنجار ونجار، أو اختلفت كخياط ونجار. وتسمى شركة الصنايع وشركة التقبل وشركة الأبدان وشركة الأعمال. وهي اليوم شائعة في ورشة الحدادة أو النجارة ونحوهما، وتعتبر شركة التنقيب عن النفط وشركة التفريغ والشحن ونحوها من شركات الأعمال. وهي جائزة عند المالكية والحنفية والحنابلة والزيدية؛ لأن المقصود منها تحصيل الربح، وهو ممكن بالتوكيل، وقد تعامل الناس بها ولأن الشركة تكون بالمال، أو بالعمل كما في المضاربة، وهذا هنا عمل من الأعمال (٢). وقال ابن مسعود:

стр. 3778

«اشتركت أنا وعمار وسعد يوم بدر، فأصاب سعد أسيرين. ولم أصب أنا وعمار شيئاً، فلم ينكر النبي ﷺ علينا» (١). فهذه شركة فيما يصيبون من سلَب في الحرب. إلا أن المالكية يشترطون لصحة هذه الشركة اتحاد الصنعة وإن كان العمل بمكانين، فتجوز بين محترفي صنعة واحدة، ولا تجوز بين مختلفي الصنائع إلا إذا كان عَمَلا الشريكين متلازمين، بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر كنساج وغزال. ويشترطون أيضاً لها الاتفاق في العقد على اقتسام الربح بقدر عمل كل من الشريكين، ولا يضر التبرع بعد ذلك، وتفسد الشركة إن شرطا التفاوت في الربح، ويكفي فيه التقارب عرفاً بين الربح والعمل، ولا يضر التفاوت اليسير في العمل مع كون الربح بينهما بالسوية. ويرى الحنابلة جواز هذه الشركة حتى في المباحات كالحطب والحشيش ونحوهما، فتجوز عندهم فيما يشترك فيه الشريكان بأبدانهما من مباح كالاحتشاش والاصطياد والتلصص على دار الحرب، وأخذ سلَب قتلى الحرب، إلا أنهم قالوا: لا تصح شركة الدلالين. وقال الشافعية والإمامية وزفر من الحنفية: هي شركة باطلة؛ لأن الشركة تختص عندهم بالأموال لا بالأعمال (٢)؛ لأن العمل لا ينضبط، فكان فيه غرر

стр. 3779

وعدم انضباط، إذ لا يدري أحدهما أن صاحبه يكسب أم لا، وربما قام أحد الشريكين بالعمل كله دون أن يقوم غيره بشيء، فيكون في ذلك غبن حين يتقاسم الشريكان ثمار العمل، ولأن كل واحد منهما متميز عن الآخر ببدنه ومنافعه، فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في الاحتطاب والاصطياد وسائر المباحات، فإن ذلك لا يجوز حتى عند الحنفية؛ لأن الشركة مقتضاها الوكالة، ولا تصح الوكالة في تملك المباح، لأنه يملك بالاستيلاء (١). المطلب الثاني - شرائط شركة العقود اشترط علماء الحنفية شروطاً في شركات العقود، منها ما هو عام لكل أنواع شركة العقود، ومنها ما هو خاص. أولاً - الشروط العامة في شركات العقود: يشترط لصحة شركات العقود شرائط هي (٢): ١ - قابلية الوكالة: وهي أن يكون التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلاً للوكالة (٣)؛ لأن من حكم الشركة: ثبوت الاشتراك في الربح المستفاد بالتجارة، ولا يصير المستفاد بالتجارة مشتركاً بينهما، إلا أن يكون كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه في بعض أموال الشركة، وعاملاً لنفسه في البعض الآخر. وبناء عليه

стр. 3780

تتطلب الشركة أن يأذن كل شريك لصاحبه في التصرف بالشراء والبيع وتقبل الأعمال، والوكيل هو المتصرف بإذن غيره. وبما أن الشركة على اختلاف أنواعها تتضمن معنى التوكيل، أي وكالة كل شريك عن صاحبه، فيشترط في الشركة قابلية الوكالة، وأن يكون كل شريك أهلاً للوكالة والتوكيل. ومالا يجوز التوكيل فيه عند الحنفية خلافاً للجمهور: هو الاستيلاء على المباحات. ٢ - أن يكون الربح معلوم القدر بجزء محدد: أي بحيث تكون حصة كل شريك من الربح نسبة معلومة منه، كخمسه أو ثلثه أو عشرة في المئة، فإن كان الربح مجهولاً تفسد الشركة؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالة المعقود عليه تستوجب فساد العقد. ٣ - أن يكون الربح جزءاً شائعاً في الجملة لا معيناً: فإن عينا ربحاً معيناً لأحدهما كعشرة أو مئة، كانت الشركة فاسدة؛ لأن العقد يقتضي تحقق الاشتراك في الربح، ومن الجائز ألا يتحقق الربح إلا في القدر المعين لأحد الشريكين، فكان التعيين منافياً لمقتضى عقد الشركة. ثانياً - الشروط الخاصة بعقود شركات الأموال: يشترط في شركات الأموال شروط خاصة بها، سواء أكانت الشركة عناناً أم مفاوضة، وهي (١): ١ - أن يكون رأس مال الشركة عيناً حاضرة، إما عند العقد أو عند الشراء، وهو رأي جمهور الفقهاء: فلا يجوز أن يكون رأس المال ديناً ولا مالاً غائباً؛ لأن المقصود من الشركة الربح، وهو يتم بواسطة التصرف، والتصرف لا يمكن في

стр. 3781

الدين ولا في المال الغائب، فلا يتحقق المقصود من الشركة، ولأن المدين ربما لا يدفع الدين، وقد لا يحضر الغائب. وعلى هذا: لو دفع إنسان لآخر ألف درهم، وقال له: أخرج مثلها، واشتر بها وبع، فما ربحت يكون بيننا، فأخرج ألفاً واشترى بها، جاز، وإذن فالمهم هو حضور المال عند الشراء، ولا يشترط عند العقد؛ لأن الشركة تتم بالشراء، فيطلب الحضور عندئذ. هل يشترط خلط المالين؟ قال الجمهور (وهم الحنفية والمالكية والحنابلة) (١): لا يشترط خلط المالين، لأن الشركة يتحقق معناها بالعقد لا بالمال، ومورد العقد هو العمل، والربح نتيجته والمال تبع، فلا يشترط خلط المال كالمضاربة، ولأن الشركة عقد على التصرف، ففيها معنى الوكالة، والوكالة جائزة في المالين قبل خلطهما، فتجوز الشركة كذلك (٢)، فإن الشركاء إذا صرحوا بأن يشتري أحدهم بهذه الدراهم، والآخر بهذه الدنانير على أن المشترى بينهما صح. إلا أن المالكية قالوا: إن عدم اشتراط اختلاط المالين لا يعني عزلهما من كل الوجوه، بل لا بد من أن يكون الخلط إما حساً أو حكماً، مثل أن يكون المالان في صندوق واحد، وأيديهما مطلقة عليهما.

стр. 3782

وقال زفر والشافعية والظاهرية والزيدية والإمامية: يشترط خلط المالين بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، ولا بد من كون الخلط قبل العقد، فإن وقع بعده لم يكف في الأصح؛ لأن الشركة تعني الاختلاط، والاختلاط لا يتحقق مع تميز المالين، فلا يتحقق معنى الشركة، ولأن من أحكام الشركة أن الهلاك يكون من المالين، وإذا هلك أحد المالين قبل الخلط يهلك على صاحبه وحده، وهذا ليس من مقتضى الشركة (١). ويترتب على هذا الخلاف: أن الشركة تصح عند الجمهور إذا كان المالان من جنسين مختلفين كدراهم ودنانير، أو من جنس واحد لكن بصفتين مختلفتين كحنطة جديدة وحنطة عتيقة، أو بيضاء وسوداء، أو بيضاء وحمراء، إذ لا يشترط عندهم خلط المالين. ولا يصح ذلك عند الشافعية وزفر، لإمكان التمييز وإن كان فيه عسر، لأنه يشترط خلط المالين خلطاً تاماً بحيث يتعذر التمييز بين المالين، وهو لا يتحقق في مختلفي الجنس أو الصفة. قال ابن رشد المالكي: «والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم؛ لأن النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه» (٢). ٢ - أن يكون رأس مال الشركة أثماناً مطلقة (٣) أي نقوداً وهي الدراهم والدنانير في الماضي، والنقود المتداولة الآن. وهذا الشرط عند جمهور العلماء (٤)

стр. 3783

فلا تجوز الشركة في العروض (١) من عقار أو منقول، لأنها ليست من ذوات الأمثال، وإنما هي من ذوات القيمة التي تختلف باختلاف أعيانها، والشركة فيها تؤدي إلى جهالة الربح عند قسمة مال الشركة؛ لأن رأس المال يتكون من قيمة العروض لا عينها، والقيمة مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر والظن، وهو يختلف باختلاف التقويم، فيصير الربح مجهولاً؛ فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة. ثم إن الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة لا تصح في العروض، فلو قال شخص لغيره: بع عرضك (أي متاعك أو دارك) على أن يكون ثمنه بيننا، لا يجوز إذ الولاية عليه له وحده دون غيره، أما لو قال: اشتر بألف درهم من مالك على أن ما اشتريته يكون بيننا، وأنا أشتري بألف درهم من مالي على أن ما أشتري يكون بيننا، جاز؛ لأن الشركة تكون في النقود. وقال الإمام مالك: لا يشترط كون رأس مال الشركة نقداً، وإنما تصح الشركة في الدراهم والدنانير، كما تصح في العروض سواء اتفقا جنساً أو اختلفا، وتكون الشركة في العروض مقدرة بقيمتها، ودليله أن الشركة عقدت رأس مال معلوم، فأشبه النقود (٢). ويترتب على هذا الشرط عند الحنفية في الرواية الراجحة، وعند الحنابلة: أنه لا تصح الشركة في التبر (أي ما لم يضرب من الذهب والفضة) والنُقرة (أي القطعة المذابة من الذهب أو الفضة) بناء على أنه كالعروض. أما في الرواية الأخرى عند الحنفية فتجوز الشركة فيه؛ لأنه كالأثمان المطلقة، والمدار على تعامل الناس به، فإذا تعاملوا به فحكمه حكم النقود، وإن لم يتعاملوا

стр. 3784

به فحكمه حكم العروض. وأما الشافعية فقد أجازوا الشركة فيه؛ لأنهم عدوه من المثليات (١). وأما الفلوس (٢): فلا تجوز الشركة فيها في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنها إذا كانت كاسدة فهي كالعروض، وإن كانت نافقة (أي رائجة) فهي ليست أثماناً مطلقة عندهما (أي لا تلازمها صفة الثمنية) لأنها تتعين بالتعيين في الجملة، وتصير مبيعاً باصطلاح العاقدين. وإذا لم تكن أثماناً مطلقة لاحتمالها التعيين بالجملة في عقود المعاوضات، لم تصلح رأس مال الشركة كسائر العروض. وهذا هو رأي الشافعية والحنابلة وابن القاسم من المالكية؛ لأنها تنفق مرة وتكسد مرة أخرى فأشبهت العروض. وقال محمد: يصح أن تكون الفلوس الرائجة رأس مال الشركة؛ لأنها بحسب الأصل عنده تعتبر من الأثمان المطلقة، لأن الثمنية لازمة لها (٣). وأما الشركة في المثليات التي ليست بأثمان مطلقة من المكيل والموزون والعددي المتقارب كالجوز والبيض: فتصح الشركة فيها عند الشافعية والمالكية؛ لأن الشافعية جعلوا العدديات المتقاربة من المثليات فتصح الشركة فيها على الأظهر عندهم؛ ولأن المكيل أو الموزون إذا اختلط بجنسه ارتفع التمييز بينهما، فأشبه النقدين. وأما المالكية فأجازوا الشركة فيها بحسب قيمتها عند الخلط، لا قيمتها عند البيع، كما في العروض؛ لأن خلط الطعامين مثلاً يجعل من المتعذرفصلهما بخلاف العروض، فإنه يمكن تمييز كل عرض عن غيره (٤).

стр. 3785

وقال الحنابلة: لا تجوز الشركة في ظاهر المذهب في المكيل والموزون والعدديات المتقاربة، كما لا تجوز في سائر العروض (١). وقال الحنفية والشيعة الإمامية والزيدية: لا تجوز الشركة في المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة قبل الخلط؛ لأنها إنما تتعين بالتعيين إذا كانت عيناً، فكانت كالعروض، فهي ليست أثماناً مطلقة، مع العلم بأن شرط جواز الشركة أن يكون رأس المال مما لا يتعين بالتعيين، فلو قال شخص لغيره: بع حنطتك على أن يكون ثمنها بيننا لم يجز، وأما بعد الخلط: فإن كانت الشركة في جنسين مختلفين كالحنطة والأرز والشعير فلا تجوز، وإن كانت من جنس واحد فلاتصح أيضاً عند أبي يوسف، وإنما تصير شركة أملاك. وقال أبو حنيفة ومحمد: تصح الشركة فيها بعد الخلط، فيكون مذهب الحنفية قريباً من مذهب الشافعية. وتظهر فائدة الخلاف عند التساوي في المالين واشتراط التفاضل في الربح، بأن كان المكيل نصفين بين شريكين، ولكنهما شرطا أن يكون الربح أثلاثاً، فخلطاه، واشتريا به، فعلى قول أبي يوسف: يكون الربح بينهما على قدر المالين نصفين. وعلى قول محمد: يكون الربح بحسب ما شرطا. وجه قول أبي يوسف: هو أنه متمشٍ مع الأصل الذي بنى عليه الحنفية عدم جوازالشركة في المكيلات والموزونات ونحوها قبل الخلط: وهو أنها ليست أثماناً مطلقة على كل حال، بل قد تكون تارة ثمناً، وتارة مبيعاً؛ لأنها تتعين بالتعيين في الجملة فكانت كالفلوس، وشرط جواز الشركة ألا يكون رأس المال مما يتعين بالتعيين.
следующие страницы →