الدين ولا في المال الغائب، فلا يتحقق المقصود من الشركة، ولأن المدين ربما لا يدفع الدين، وقد لا يحضر الغائب. وعلى هذا: لو دفع إنسان لآخر ألف درهم، وقال له: أخرج مثلها، واشتر بها وبع، فما ربحت يكون بيننا، فأخرج ألفاً واشترى بها، جاز، وإذن فالمهم هو حضور المال عند الشراء، ولا يشترط عند العقد؛ لأن الشركة تتم بالشراء، فيطلب الحضور عندئذ.
هل يشترط خلط المالين؟ قال الجمهور (وهم الحنفية والمالكية والحنابلة) (١): لا يشترط خلط المالين، لأن الشركة يتحقق معناها بالعقد لا بالمال، ومورد العقد هو العمل، والربح نتيجته والمال تبع، فلا يشترط خلط المال كالمضاربة، ولأن الشركة عقد على التصرف، ففيها معنى الوكالة، والوكالة جائزة في المالين قبل خلطهما، فتجوز الشركة كذلك (٢)، فإن الشركاء إذا صرحوا بأن يشتري أحدهم بهذه الدراهم، والآخر بهذه الدنانير على أن المشترى بينهما صح.
إلا أن المالكية قالوا: إن عدم اشتراط اختلاط المالين لا يعني عزلهما من كل الوجوه، بل لا بد من أن يكون الخلط إما حساً أو حكماً، مثل أن يكون المالان في صندوق واحد، وأيديهما مطلقة عليهما.
стр. 3782
وقال زفر والشافعية والظاهرية والزيدية والإمامية: يشترط خلط المالين بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، ولا بد من كون الخلط قبل العقد، فإن وقع بعده لم يكف في الأصح؛ لأن الشركة تعني الاختلاط، والاختلاط لا يتحقق مع تميز المالين، فلا يتحقق معنى الشركة، ولأن من أحكام الشركة أن الهلاك يكون من المالين، وإذا هلك أحد المالين قبل الخلط يهلك على صاحبه وحده، وهذا ليس من مقتضى الشركة (١).
ويترتب على هذا الخلاف: أن الشركة تصح عند الجمهور إذا كان المالان من جنسين مختلفين كدراهم ودنانير، أو من جنس واحد لكن بصفتين مختلفتين كحنطة جديدة وحنطة عتيقة، أو بيضاء وسوداء، أو بيضاء وحمراء، إذ لا يشترط عندهم خلط المالين.
ولا يصح ذلك عند الشافعية وزفر، لإمكان التمييز وإن كان فيه عسر، لأنه يشترط خلط المالين خلطاً تاماً بحيث يتعذر التمييز بين المالين، وهو لا يتحقق في مختلفي الجنس أو الصفة.
قال ابن رشد المالكي: «والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين أفضل وأتم؛ لأن النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه» (٢).
٢ - أن يكون رأس مال الشركة أثماناً مطلقة (٣) أي نقوداً وهي الدراهم والدنانير في الماضي، والنقود المتداولة الآن. وهذا الشرط عند جمهور العلماء (٤)
стр. 3783
فلا تجوز الشركة في العروض (١) من عقار أو منقول، لأنها ليست من ذوات الأمثال، وإنما هي من ذوات القيمة التي تختلف باختلاف أعيانها، والشركة فيها تؤدي إلى جهالة الربح عند قسمة مال الشركة؛ لأن رأس المال يتكون من قيمة العروض لا عينها، والقيمة مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر والظن، وهو يختلف باختلاف التقويم، فيصير الربح مجهولاً؛ فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة. ثم إن الشركة تتضمن الوكالة، والوكالة لا تصح في العروض، فلو قال شخص لغيره: بع عرضك (أي متاعك أو دارك) على أن يكون ثمنه بيننا، لا يجوز إذ الولاية عليه له وحده دون غيره، أما لو قال: اشتر بألف درهم من مالك على أن ما اشتريته يكون بيننا، وأنا أشتري بألف درهم من مالي على أن ما أشتري يكون بيننا، جاز؛ لأن الشركة تكون في النقود.
وقال الإمام مالك: لا يشترط كون رأس مال الشركة نقداً، وإنما تصح الشركة في الدراهم والدنانير، كما تصح في العروض سواء اتفقا جنساً أو اختلفا، وتكون الشركة في العروض مقدرة بقيمتها، ودليله أن الشركة عقدت رأس مال معلوم، فأشبه النقود (٢).
ويترتب على هذا الشرط عند الحنفية في الرواية الراجحة، وعند الحنابلة: أنه لا تصح الشركة في التبر (أي ما لم يضرب من الذهب والفضة) والنُقرة (أي القطعة المذابة من الذهب أو الفضة) بناء على أنه كالعروض.
أما في الرواية الأخرى عند الحنفية فتجوز الشركة فيه؛ لأنه كالأثمان المطلقة، والمدار على تعامل الناس به، فإذا تعاملوا به فحكمه حكم النقود، وإن لم يتعاملوا
стр. 3784
به فحكمه حكم العروض. وأما الشافعية فقد أجازوا الشركة فيه؛ لأنهم عدوه من المثليات (١).
وأما الفلوس (٢): فلا تجوز الشركة فيها في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف، لأنها إذا كانت كاسدة فهي كالعروض، وإن كانت نافقة (أي رائجة) فهي ليست أثماناً مطلقة عندهما (أي لا تلازمها صفة الثمنية) لأنها تتعين بالتعيين في الجملة، وتصير مبيعاً باصطلاح العاقدين. وإذا لم تكن أثماناً مطلقة لاحتمالها التعيين بالجملة في عقود المعاوضات، لم تصلح رأس مال الشركة كسائر العروض. وهذا هو رأي الشافعية والحنابلة وابن القاسم من المالكية؛ لأنها تنفق مرة وتكسد مرة أخرى فأشبهت العروض.
وقال محمد: يصح أن تكون الفلوس الرائجة رأس مال الشركة؛ لأنها بحسب الأصل عنده تعتبر من الأثمان المطلقة، لأن الثمنية لازمة لها (٣).
وأما الشركة في المثليات التي ليست بأثمان مطلقة من المكيل والموزون والعددي المتقارب كالجوز والبيض: فتصح الشركة فيها عند الشافعية والمالكية؛ لأن الشافعية جعلوا العدديات المتقاربة من المثليات فتصح الشركة فيها على الأظهر عندهم؛ ولأن المكيل أو الموزون إذا اختلط بجنسه ارتفع التمييز بينهما، فأشبه النقدين. وأما المالكية فأجازوا الشركة فيها بحسب قيمتها عند الخلط، لا قيمتها عند البيع، كما في العروض؛ لأن خلط الطعامين مثلاً يجعل من المتعذرفصلهما بخلاف العروض، فإنه يمكن تمييز كل عرض عن غيره (٤).
стр. 3785
وقال الحنابلة: لا تجوز الشركة في ظاهر المذهب في المكيل والموزون والعدديات المتقاربة، كما لا تجوز في سائر العروض (١).
وقال الحنفية والشيعة الإمامية والزيدية: لا تجوز الشركة في المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة قبل الخلط؛ لأنها إنما تتعين بالتعيين إذا كانت عيناً، فكانت كالعروض، فهي ليست أثماناً مطلقة، مع العلم بأن شرط جواز الشركة أن يكون رأس المال مما لا يتعين بالتعيين، فلو قال شخص لغيره: بع حنطتك على أن يكون ثمنها بيننا لم يجز، وأما بعد الخلط: فإن كانت الشركة في جنسين مختلفين كالحنطة والأرز والشعير فلا تجوز، وإن كانت من جنس واحد فلاتصح أيضاً عند أبي يوسف، وإنما تصير شركة أملاك.
وقال أبو حنيفة ومحمد: تصح الشركة فيها بعد الخلط، فيكون مذهب الحنفية قريباً من مذهب الشافعية.
وتظهر فائدة الخلاف عند التساوي في المالين واشتراط التفاضل في الربح، بأن كان المكيل نصفين بين شريكين، ولكنهما شرطا أن يكون الربح أثلاثاً، فخلطاه، واشتريا به، فعلى قول أبي يوسف: يكون الربح بينهما على قدر المالين نصفين. وعلى قول محمد: يكون الربح بحسب ما شرطا.
وجه قول أبي يوسف: هو أنه متمشٍ مع الأصل الذي بنى عليه الحنفية عدم جوازالشركة في المكيلات والموزونات ونحوها قبل الخلط: وهو أنها ليست أثماناً مطلقة على كل حال، بل قد تكون تارة ثمناً، وتارة مبيعاً؛ لأنها تتعين بالتعيين في الجملة فكانت كالفلوس، وشرط جواز الشركة ألا يكون رأس المال مما يتعين بالتعيين.
стр. 3786
ووجه قول محمد: هو أن معنى الوكالة التي تتضمنها الشركة ثابت في هذه الأشياء بعد الخلط، فأشبهت الدراهم والدنانير، بخلاف ما قبل الخلط؛ لأن الوكالة التي هي من مقتضيات الشركة لا تصح في هذه الأشياء قبل الخلط.
والحيلة عند أبي يوسف في جواز الشركة بهذه الأشياء: أن يخلط المالان حتى تصير شركة ملك بينهما، ثم يعقدا عليهما عقد الشركة (١).
ثالثاً - الشروط الخاصة بشركة المفاوضة: اشترط الحنفية شروطاً خاصة بشركة المفاوضة وهي (٢):
١ - أن يكون لكل من الشريكين أهلية الوكالة والكفالة: بأن يكونا حرين بالغين عاقلين راشدين؛ لأن من أحكام المفاوضة أن ما يلزم أحدهما من الحقوق والواجبات فيما يتجران فيه يلزم الآخر، ويكون كل واحد منهما فيما وجب على صاحبه بمنزلة الكفيل عنه، كما أنه يكون كل واحد منهما فيما وجب لصاحبه بمنزلة الوكيل.
٢ - المساواة في رأس المال قدراً وقيمة ابتداء وانتهاء، في الرواية المشهورة: فلو كان المالان متفاضلين قدراً لم تكن مفاوضة؛ لأن المفاوضة تنبئ عن المساواة فلابد من اعتبار المساواة فيها ما أمكن. وإذا كان المالان متفاضلين قيمة في الرواية المشهورة، كأن تفاضل النقدان في قيمة الصرف لم تجز المفاوضة؛ لأن زيادة القيمة بمنزلة زيادة في الوزن، فلا تثبت المساواة التي هي من مقتضى العقد.
стр. 3787
٣ - أن يكون كل ما يصلح أن يكون رأس مال للشركة لأحد المتفاوضين داخلاً في الشركة (١): فإن لم يكن داخلاً في الشركة لم تكن مفاوضة؛ لأن ذلك يتنافى مع مبدأ المساواة. أما ما لا تصلح فيه المفاوضة كالعروض والعقارات والديون والأموال الغائبة، فلا تلزم المشاركة فيه كالتفاضل في الزوجات والأولاد.
ولا تشترط المجانسة في المال ما دامت القيمة متحدة خلافاً للزيدية. وعليه إذا كان رأس مال أحدهما ذهباً ورأس مال الآخر فضة، وهما متساويان قيمة، صحت المفاوضة على أشهر الروايتين. كذلك لا يشترط كما ذكر اختلاط المالين خلافاً لزفر.
٤ - المساواة في الربح في المفاوضة: فإن شرطا التفاضل في الربح لم تكن مفاوضة لعدم المساواة.
٥ - أن تكون المفاوضة في جميع التجارات المباحة: فلا يختص أحد الشريكين بتجارة دون شريكه؛ لأن في الاختصاص إبطالاً لمعنى المفاوضة: وهو المساواة. وعلى هذا: يفهم سبب اشتراط أبي حنيفة ومحمد أن تكون المفاوضة بين مسلمين، فلا تصح بين مسلم وكافر؛ لأن الكافر الذمي مثلاً يختص بتجارة لا تجوز للمسلم: وهي تجارة الخمر والخنزير.
وقال أبو يوسف: تجوز المفاوضة بين مسلم وكافر، لاستوائهما في أهلية الوكالة والكفالة.
стр. 3788
٦ - أن تكون الشركة بلفظ المفاوضة: لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إلا لفظ المفاوضة أو عبارة أخرى تقوم مقامها.
هذه هي شروط شركة المفاوضة، فإذا فقد شرط منها انقلبت الشركة عناناً؛ لأن شركة العنان
لا تتطلب هذه الشروط (١).
فلا يشترط في شركة العنان أهلية الكفالة، فتصح ممن لا تصح منه الكفالة، كالصبي المأذون بالتجارة، ولا المساواة في رأس المال، فتجوز مع تفاضل الشريكين في رأس المال، وأن يكون لأحدهما مال آخر لم يدخل في عقد الشركة.
ولا يشترط أن تكون في عموم التجارات، فتجوز أن تكون عامة أو خاصة ببعض أنواع التجارة كالحبوب والأقمشة والحديد ونحوها، كما أنها تجوز بين المسلم والذمي؛ لأنه لا تشترط المساواة في شركة العنان.
كما لا يشترط التساوي في الربح، فيجوز تفاضلهما وتساويهما فيه.
قال أستاذ نا الشيخ علي الخفيف: والواقع أن شركة المفاوضة على ما ذهب إليه الحنفية والزيدية لا تعد شركة واقعية، وليس لوجودها بقاء إذا ما وجدت، فإن اشتراط تساوي أموال الشركاء في القيمة، وعدم اختصاص كل شريك بمال يصلح أن يكون رأس مال للشركة في جميع مراحل وجودها لا يبقي عليها زمناً طويلاً. فإن استمرار كل شريك على ما كان له من نقود عند تكوينها وعدم زيادتها بعد ذلك، أمر يكاد أن يكون أمراً عسيراً (٢).
стр. 3789
رابعاً - شروط شركة الأعمال: إذا كانت شركة الأعمال مفاوضة، فيشترط فيها شرائط المفاوضة السابق ذكرها، مثل أهلية الكفالة، والتساوي في الأجر، ومراعاة لفظ المفاوضة.
أما إذا كانت الشركة عناناً، فلا يشترط لها شيء من شروط المفاوضة وإنما تشترط أهلية الوكالة فقط. قال أبو حنيفة: ما تجوز فيه الوكالة تجوز فيه الشركة، ومالا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة.
وإذا احتاجت الصنعة إلى استعمال آلة، فاستعملها أحد الشريكين فلا يؤثر ذلك في ثبوت الشركة، وهذا بشرط ألا يكون من عمله إجارتها لغيره. أما إذا أجرها فإن أجرتها تكون له خاصة، لا مشتركة، لأنها مقابل استعمال آلة مملوكة له، فكانت مختصة به. وبناء عليه تفسد الشركة بين رجلين لأحدهما بغل وللآخر بعير على أن يؤجرهما، كما سيذكر في بحث الشركة الفاسدة، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة (١).
خامساً - شروط شركة الوجوه: إذا كانت شركة الوجوه مفاوضة، فيشترط أن يكون الشريكان من أهل الكفالة، وأن يلتزم كل منهما بنصف ثمن الشيء المشترى، وأن يكون المشترى بينهما نصفين، وأن يكون الربح بينهما نصفين، وأن يتلفظا بلفظ المفاوضة؛ لأن هذه الشركة قائمة على المساواة التامة بين الشريكين.
وأما إذا كانت الشركة عناناً، فلا تشترط الشروط المذكورة في المفاوضة، فيصح تفاضلهما في الشيء المشترى، ويكون التزامهما بثمن المشترى على قدر
стр. 3790
ملكيهما، كما يكون الربح بينهما على قدر تحملهما ثمن المشترى، فإذا شرط لأحدهما زيادة ربح على حصته يكون الشرط باطلاً؛ لأن الربح يتقدر بقدر ضمانهما ثمن المشترى (١).
المطلب الثالث - أحكام شركة العقود شركة العقود إما أن تكون صحيحة أو فاسدة.
فإن كانت فاسدة: وهي التي اختل فيها شرط من شرائط الصحة السابق ذكرها، فلا تفيد شيئاً مما سيذكر في أحكام الشركة (٢) الصحيحة.
وفي الجملة قال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن فسدت الشركة يقتسمان الربح على قدر رأس أموالهما، ويرجع كل شريك على الآخر بأجرة عمله في ماله؛ لأن المسمى يسقط في العقد الفاسد (٣).
وأما الشركة الصحيحة: وهي التي استوفت شروط صحتها، فيعرف حكمها بحسب كل نوع من أنواع الشركة، كما يتبين مما يأتي.
أولاً - أحكام شركة العنان في الأموال: ١ - شرط العمل: يجوز في شركة العنان أن يشترط الشريكان العمل عليهما أو على أحدهما دون الآخر، كأن يشترط على أن يبيعا ويشتريا على أن ما رزق الله من التجارة فهو بينهما على شرط كذا، أو أن يبيع ويشتري أحدهما دون الآخر.
стр. 3791
٢ - توزيع الربح: وأما الربح فيكون على قدر رأس المال متساوياً أو متفاضلاً، فإن كان رأس المال متساوياً بينهما (أي مناصفة) يكون الربح بينهما متساوياً، سواء شرط العمل عليهما أو على أحدهما؛ لأن استحقاق الربح عند الحنفية إما بالمال أو بالعمل أو بالتزام الضمان (١)، وقد وجد التساوي في رأس المال، فينبغي التساوي في الربح.
ويصح أيضاً عند الحنفية ما عدا زفر أن يتفاضل الشريكان في الربح حالة التساوي في رأس المال، بشرط أن يكون العمل عليهما أو على الذي شرط له زيادة الربح؛ لأن الربح كما قالوا يستحق إما بالمال أو بالعمل أو بالضمان، وزيادة الربح في هذه الحالة كانت بسبب زيادة العمل؛ لأنه قد يكون أحد الشريكين أحذق وأهدى وأكثر عملاً وأقوى، فيستحق زيادة ربح على حساب شريكه، لحديث: «الربح على ما شرطا، والوضعية على قدر المالين» (٢).
وإن شرط العمل على أقلهما ربحاً، فلا تجوز الشركة؛ لأنه شرط لأحد الشريكين زيادة ربح بغير عمل ولا ضمان، والربح لا يستحق إلا بمال أو عمل أو ضمان. وكذلك لا تصح الشركة إذا شرط جميع الربح لأحد الشريكين، ويلاحظ أنه ليس المراد بالعمل وجوده، وإنما يكفي شرط العمل (٣).
стр. 3792
ورأي الحنابلة والزيدية كالحنفية: يجوز أن يتفاضل الشريكان في الربح (١). وأم االخسارة فهي على قدر رأس المال باتفاق المذاهب.
وقال المالكية والشافعية والظاهرية والإمامية وزفر من الحنفية: يشترط لصحة شركة العنان أن يكون الربح والخسران على قدر المالين، أي نسبتهما؛ لأن الربح نماء مالهما والخسران نقصان ما لهما، فكانا على قدر المالين، أي أن الربح يشبه الخسران، فكما أنه لو اشترط أحد الشريكين أن يتحمل فقط جزءاً من الخسران لم يجز، كذلك إذا اشترط جزءاً من الربح زائداً عن رأس ماله لا يجوز، فكان الربح والخسران تابعين للمال. ويترتب عليه أنه لو شرط الشريكان التفاضل في الربح والخسران مع تساوي المالين، أو التساوي في الربح أو الخسران مع تفاضل المالين لم يصح العقد؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الشركة، فلم يصح، كما لو شرط أن يكون الربح لأحدهما (٢).
٣ - هلاك مال الشركة: قال الحنفية والشافعية: إذا هلك مال الشركة أو أحد المالين قبل الشراء وقبل الخلط، بطلت الشركة؛ لأن المعقود عليه في عقد الشركة هو المال، وقد تعينت الشركة فيه، وإذا هلك المعقود عليه يبطل العقد، كما في البيع. هذا إذا هلك المالان. وأما بطلان العقد حال هلاك أحد المالين، فلأن الشريك الذي لم يهلك ماله، ما رضي بشركة صاحبه في ماله إلا ليشركه في ماله، فإذا فات المقصود لم يكون راضياً بشركته، فيبطل العقد لعدم فائدته، وأي مال هلك يهلك من مال صاحبه. وهذا بخلاف ما بعد الخلط حيث يهلك على الشركة.
стр. 3793
وإن اشترى أحد الشريكين بماله، وهلك مال الآخر بعد الشراء، فيكون ما اشتراه بينهما؛ لأنه اشتراه حالة قيام الشركة، فيصبح مملوكاً للشريكين، فهلاك المال بعدئذ لا يغير حكم المالك، وإذا وقع المشترى على الشركة يرجع الشريك على شريكه بحصته من الثمن، لأنه اشترى نصفه بوكالته، ونقد الثمن من مال نفسه (١).
وقال المالكية والحنابلة: تنشأ الشركة بمجرد العقد ويصير به رأس المال مشتركاً بين الشركاء. فإذا هلك أحد المالين قبل الخلط أو قبل التصرف يهلك على حساب الشركاء (٢).
٤ - التصرف بمال الشركة: لكل واحد من شريكي العنان أن يبيع مال الشركة؛ لأنهما بعقد الشركة أذن كل واحد لصاحبه ببيع مال الشركة، ولأن الشركة تتضمن الوكالة، فيصير كل واحد من الشريكين وكيلاً عن صاحبه بالبيع.
ولكل شريك أن يبيع مال الشركة بالنقد والنسيئة (أي بالدفع حالاً أو مؤجلاً) لأنه وجد الإذن بالبيع مطلقاً بمقتضى الشركة، ولأن الشركة تنعقد على عادة التجار، ومن عادتهم البيع نقداً ونسيئة.
ولا يجوز البيع نسيئة عند الشافعية. وعند الحنابلة فيه روايتان، أرجحهما أنه يجوز البيع نسيئة (٣).
وللشريك أن يبيع بقليل الثمن وكثيره إلا بما لا يتغابن الناس في مثله؛ لأن المقصود من العقد وهو الاسترباح لا يحصل به، فكان مستثنى من العقد دلالة.
стр. 3794
وللشريك أيضاً أن يشتري بالنقد وبالنسيئة إذا كان في يده نقود (دراهم أو دنانير) أو مكيل أو موزون، فاشترى بالدراهم والدنانير شيئاً نسيئة، أو اشترى بالمكيل أو الموزون شيئاً نسيئة؛ لأن الشريك وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك الشراء بالنسىئة، ولأنه يمكنه حينئذ وفاء الثمن مما تحت يده من هذا المال في الحال.
فإن لم يكن في يده دراهم ولا دنانير، وصار رأس مال الشركة كله أعياناً وأمتعة، فاشترى بدراهم أو بدنانير شيئاً نسيئة، فيكون المشترى له خاصة دون شريكه؛ لأنه لو صح في حق شريكه صار مستديناً على مال الشركة، والشريك لايملك الاستدانة على مال الشركة من غير أن يؤذن له بها، كالشريك المضارب؛ لأنه يصير رأس مال الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه، فلا يجوز من غير رضاه (١).
وأذكر هنا أهم أنواع التصرفات:
آـ إبضاع مال الشركة وإيداعه: للشريك أن يبضع (٢) مال الشركة؛ لأن الشركة تنعقد على عادة التجار، والإبضاع من عاداتهم، ولأن له أن يستأجر على العمل في البضاعة بأجر، فيكون الإبضاع أولى، إذ أن من يملك الأعلى يملك الأدنى، وللشريك أيضاً أن يودع مال الشركة؛ لأن الإيداع من عادة التجار، ومن ضرورات التجارة أيضاً.
стр. 3795
وخالف الشافعية في ذلك، وللحنابلة في جواز الإبضاع روايتان.
ب - المضاربة بمال الشركة: وللشريك أن يدفع المال إلى شخص للمضاربة فيه، وهو ظاهر الرواية عند الحنفية والأصح؛ لأن الشريك يملك أن يستأجر أجيراً يعمل في مال الشركة، فلأن يملك الدفع مضاربة أولى؛ لأن الأجير يستحق الأجر، سواء حصل في الشركة ربح أم لم يحصل، والمضارب لا يستحق شيئاً بعمله إلا إذا كان في المضاربة ربح، فلما ملك الاستئجار فلأن يملك الدفع مضاربة أولى.
جـ - التوكيل بالبيع وبالشراء: وللشريك أن يوكل بالبيع؛ لأن التوكيل دون المضاربة، كما له أن يوكل بالشراء؛ لأن التوكيل بالبيع والشراء من أعمال التجارات، إذ التاجر لا يمكنه مباشرة جميع التصرفات بنفسه، فيحتاج إلى التوكيل، فكان التوكيل من ضرورات التجارة.
د - الرهن والارتهان: وله بإذن شريكه أن يرهن متاعاً من الشركة بدين وجب بعقد مارسه وهو الشراء، وأن يرتهن بما باعه؛ لأن الرهن إيفاء الدين، والارتهان استيفاؤه، وأنه يملك الإيفاء والاستيفاء (١).
هـ - الحوالة بثمن البضاعة: وله أن يقبل الحوالة بالثمن وأن يحيل؛ لأن الحوالة من أعمال التجارة؛ لأن التاجر يحتاج إليها لاختلاف الناس في الغنى والإعسار، فكانت الحوالة وسيلة إلى الاستيفاء، فكانت في معنى الرهن في التوثق للاستيفاء.
وـ الالتزام بحقوق العقد: كل ما يتعلق بحقوق العقد من القبض وتسليم
стр. 3796
المبيع والخصومة (١) يلتزم بها الشريك الذي مارس العقد دون شريكه، فلو باع أحدهما شيئاً لم يكن للآخر أن يقبض شيئاً من الثمن، وكذلك كل دين لزم إنساناً بعقد مارسه أحدهما ليس للآخر قبضه، وللمدين أن يمتنع عن دفعه إليه؛ لأن القبض من حقوق العقد، وهي متعلقة بالعاقد، وليس لأحد الشريكين أن يخاصم في أمر صدر من شريكه كبيع أو إدانة؛ لأن الخصومة من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد. ولو اشترى أحدهما شيئاً لا يطالب الآخر بالثمن، وليس للشريك قبض المبيع لما ذكر.
ز - السفر بمال الشركة: أما السفر بمال الشركة فيجوز عند أبي حنيفة ومحمد في أصح الروايات والمالكية والحنابلة؛ لأن الإذن بالتصرف يثبت بمقتضى الشركة، والشركة صدرت مطلقة عن المكان، والمطلق يجري على إطلاقه إلا لدليل. وعند أبي يوسف والشافعي: لا يجوز له السفر إلا بإذن شريكه، لأن السفر له خطر، فلا يجوز في ملك الغير إلا بإذنه.
ح - التبرع بمال الشركة أو الإقراض: ليس لأحد الشريكين أن يهب شيئاً من مال الشركة؛ لأن الهبة تبرع، وهو لا يملك التبرع على شريكه، كما ليس له أن يقرض شيئاً من مال الشركة؛ لأن القرض لا عوض له في الحال، فهو بمثابة التبرع، وهو لا يملك التبرع على شريكه (٢).
وخلاصة كلام الشافعية: أن الشريك يتصرف بلا ضرر كالوكيل، فلا يبيع
стр. 3797
نسيئة بسبب الغرر، ولا بغير نقد البلد، ولا بغبن فاحش ولا يسافر بالمال ولا ببعضه بغير إذن؛ لأن الشركة في الحقيقة توكيل وتوكل.
ثانياً - أحكام شركة المفاوضة في الأموال: إن كل ما ذكرمن الأحكام مما يجوز لأحد شريكي العنان أن يفعله، يجوز لأحد شريكي المفاوضة أن يفعله، وإذا فعله فهو جائز على شريكه؛ لأن المفاوضة أخص من العنان، وكذلك كل ما كان شرطاً لصحة العنان فهو شرط لصحة المفاوضة، وكل ما فسدت به شركة العنان تفسد به شركة المفاوضة؛ لأن المفاوضة عنان وزيادة.
أما الأحكام الخاصة بشركةالمفاوضة فهي ما يأتي (١):
١ - الإقرار بالدين:
يختص شريك المفاوضة بأنه يجوز إقراره بالدين على نفسه وعلى شريكه ويطالب المقر له أيهما شاء؛ لأن كل واحد منهما كفيل عن الآخر فيلزم المقر بإقراره ويلزم شريكه بكفالته. وكذلك يختص بجواز الرهن والارتهان على شريكه بدون إذن شريكه، خلافاً لما هو مقرر في شركة العنان.
٢ - الالتزام بديون التجارة وما في معناها:
ويختص أيضاً بأن كل ما وجب على كل واحد منهما من دين التجارة أو ما في معنى التجارة يجب على الآخر تحقيقاً للمساواة بينهما، وذلك كالالتزمات الثابتة بسبب عقود التجارة كثمن المبيع في البيع الصحيح، وقيمته في البيع الفاسد،
стр. 3798
وأجرة الشيء المأجور، أو ما في معنى التجارة كضمان الشيء المغصوب، وضمان الودائع والعواري (١) بسبب مخالفة طلب المودع في كيفية الحفظ، وضمان الاستهلاكات والإجارات والرهن والارتهان.
والسبب في التزام كل شريك بدين التجارة: هو أنه دين بسبب الشركة؛ لأن من مقتضيات عقد الشركة وجود البيع أو التجارة، وكل شريك منها كفيل عن صاحبه فيما يلزمه بسبب الشركة. وأما ضمان الغصب فلأنه في معنى ضمان التجارة، لأن تقرر الضمان فيه يفيد تملك الشيء المضمون، فكان في معنى ضمان البيع. وأما المخالفة في الودائع والعواري والإجارات ونحوها فضمانها في معنى ضمان الغصب، لأنه من باب التعدي على مال الغير بغير إذن مالكه.
٣ - الالتزام بالكفالة المالية:
ويلتزم كل شريك بما يقوم به أحدهما من كفالة مالية عن شخص أجنبي عند أبي حنيفة؛ لأن الكفالة وإن كانت تبرعاً في مبدأ الأمر، فهي في النتيجة معاوضة لوجود معنى التمليك والتملك بين الكفيل والمكفول عنه، فيرجع الكفيل عن المكفول عنه بما كفل إذا كانت الكفالة بطلب منه.
وقال الصاحبان: الكفالة لا تلزم الشريك، لأنه تبرع بدليل أنها لا تصح من الصبي، وتعتبر من ثلث التركة فقط إذا صدرت من الكفيل في حالة مرضه.
٤ - المطالبة بحقوق عقد البيع والشراء:
ويطالب كل شريك بكل ما يتعلق بحقوق عقد البيع والشراء، فلو اشترى أحد الشريكين شيئاً يطالب الآخر بالثمن، كما يطالب المشتري نفسه، وله أن
стр. 3799
يقبض المبيع كما للمشتري نفسه، وله أن يرد المبيع على البائع إذا وجد فيه عيباً، وله حق المطالبة بالثمن عند استحقاق المبيع لغير البائع، وله إقامة البينة عند حصول منازعة على شيء، كما له أن يحلف الطرف المتنازع معه في حالة إنكاره العيب على عدم علمه به.
٥ - ضمان الجناية على الإنسان والمهر ونحوه والنفقة ونفقات المنزل:
أما أرش (١) الجنايات على الآدمي، والمهر، والنفقة، وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، فلا يؤاخذ بها الشريك؛ لأن هذه الديون بدل عما لا يصح الاشتراك فيه، فلا يلزم إلا المباشر لسببها؛ لأن كل واحد لم يلتزم عن صاحبه بالعقد إلا بديون التجارة، وهذه الأشياء ليست متعلقة بالتجارة ولا بما في معنى التجارة، لعدم وجود معنى معاوضة المال بالمال.
وكذلك كل ما يشتريه أحد الشريكين من طعام لأهله أو كسوة أو ما لا بد منه، ويشمل شراء بيت للسكنى، واستئجار للسكنى أو للركوب لحاجته كالحج وغيره، فهو كله جائز، وهو له خاصة استحساناً للضرورة؛ لأن ذلك مما لا بد منه، فكان مستثنى من المفاوضة، لأن المعلوم بدلالة الحال كالمشروط بالمقال. لكن للبائع أن يطالب بثمن المشتريات أي شريك شاء، وإن وقع المشترى للذي اشتراه خاصة، لأن هذا ما يجوز فيه الاشتراك، وكل واحد من الشريكين كفيل عن الآخر ببدل ما يجوز فيه الاشتراك، إلا أنهم قالوا: إن الشريك يرجع على شريكه بما أدى بقدر حصته؛ لأنه قضى ديناً عليه من مال مشترك بينهما لا على وجه التبرع بإذنه دلالة.
ومقتضى القياس أن يكون ما اشتراه أحد الشريكين من الطعام والكسوة
стр. 3800
والإدام لأهله مشتركاً بينهما؛ لأن هذه من عقود التجارة، فكانت من جنس ما يتناوله عقد الشركة.
ثالثاً - أحكام شركة الوجوه: الشريكان في شركة الوجوه مفاوضة أوعناناً فيما يجب لهما وما يجب عليهما وما يجوز فيه فعل أحدهما على شريكه ومالا يجوز: هما بمنزلة شريكي العنان والمفاوضة في الأموال. فإذا أطلقا الشركة بينهما كانت شركة عنان؛ لأن الشركة المطلقة تقتضي العنان.
وإذا اشتركا بوجوههما شركة مفاوضة فيجوز؛ لأنهما ضما إلى الوكالة المطلقة الكفالة، وهو جائز، إلا أنه لا بد من التساوي فيما يتبايعانه؛ لأن المفاوضة تمنع من التفاضل (١).
ويلاحظ أن الحنابلة وإن أجازوا شركة الوجوه إلا أنهم قصروها على ما إذا كانت الشركة شركة عنان، أما إذا كانت الشركة شركة مفاوضة فلا تجوز عندهم مطلقاً، لأنها عقد لم يرد الشرع بمثله، لما فيه من الغرر، فلم يصح كبيع الغرر. ووجه الغرر كما تقدم: أنه يلزم كل واحد ما لزم الآخر، وقد يلزمه شيء لا يقدر على القيام به.
رابعاً - أحكام شركة الأعمال: أـ إذا كانت شركة الأعمال مفاوضة: بأن ذكر لفظ المفاوضة أو ما هو في معنى المفاوضة، فيلزم كل شريك بما لزم صاحبه بسبب هذه الشركة، ويطالب به،
стр. 3801
ويجوز إقرار أحد الشريكين بالدين كثمن صابون أو أشنان أو أجر أجير أو حانوت على نفسه، وعلى شريكه، وللمقر له أن يطالب بالدين أي شريك شاء؛ لأن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فيلزم المقر بمقتضى
إقراره، والشريك بسبب كفالته (١).
ومثال شركة المفاوضة في الأعمال: أن يشترك صانعان مثلاً في أن يتقبل كل منهما الأعمال، وأن يضمنا جميعاً العمل على التساوي، وأن يتساويا في الربح والخسارة (أي الوضيعة)، وأن يكون كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه فيما لزمه بسبب هذه الشركة.
ب- وإذا كانت شركة الأعمال عنانا ً: فما يتقبله كل شريك من العمل يلزمه ويلزم شريكه (٢)، وهي تشبه شركة المفاوضة بالنسبة لضمان العمل استحساناً، فلصاحب العمل أن يطالب بالعمل أيهما شاء لوجوبه على كل واحد منهما، كما أنه لكل شريك أن يطالب صاحب العمل بكل الأجرة لأنه قد لزمه كل العمل، فكان له المطالبة بكل الأجرة، ويبرأ صاحب العمل بالدفع إلى أي شريك شاء.
وأما القياس: فلا يحق لصاحب العمل أن يطالب بالعمل أي شريك شاء، كما أنه ليس للشريك الذي لم يتقبل العمل أن يطالب صاحب العمل بالأجرة، ووجه القياس ظاهر: وهو أن هذه الشركة هي شركة عنان، لا شركة مفاوضة، وحكم شركة العنان: أن ما يلزم كل شريك بعقده لا يطالب به الآخر.
ووجه الاستحسان: أن هذه الشركة تقتضي وجوب العمل على كل واحد
стр. 3802
من الشريكين، وإذا كانت كذلك كانت مقتضية وجوب ضمان العمل (١)، فكانت في معنى المفاوضة بالنسبة لوجوب الضمان عن الشريك الآخر، ولكنها ليست مفاوضة حقيقية، بدليل أن غير هذين الشيئين (وهما مطالبة كل واحد منهما بالعمل واقتضاء البدل) تطبق عليه أحكام شركة العنان. فإذا أقر أحد الشريكين بدين كثمن صابون أو أشنان صار مستهلكاً، وأقر بأجر أجير أو حانوت بعد مضي مدة الإجارة، فلا يصدق إقراره على صاحبه إلا بإقراره بنفسه أو بالبينة؛ لأن نفاذ الإقرار على الآخر من مقتضيات المفاوضة ولم ينصا عليها. أما إذا كان المشتري لم يستهلك أو المدة لم تمض، فإنه يلزمهما الدين بإقرار أحدهما، مما يدل على أنه ليس لهذه الشركة حكم المفاوضة من جميع الأوجه، وإنما من ناحية حق وجوب العمل فقط، فيكون كل شريك كفيلاً عن الآخر فيما تقبله من عمل. وهذا مذهب الحنابلة أيضاً (٢).
وأما الزيدية فإن هذه الشركة تتضمن عندهم التوكيل لا الكفالة على أصح القولين عندهم.
جـ - اقتسام الربح في هذه الشركة: أما اقتسام الربح في هذه الشركة فيكون بحسب الضمان لا بالعمل حقيقة، فإذا عمل أحد الشريكين دون الآخر بأن مرض أو سافر فالأجر بينهما بحسب ما شرطا؛ لأن الأجر في هذه الشركة إنما يستحق بضمان العمل لا بالعمل فعلاً؛ لأن العمل قد يكون من نفس الشريك، وقد يكون من غيره كالخياط إذا استعان برجل على الخياطة، فإنه يستحق الأجر، وإن لم يعمل لوجود ضمان العمل منه، ويكفي اشتراط العمل عليهما.
стр. 3803
ويجوز في هذه الشركة شرط التفاضل في الكسب إذا شرط التفاضل في ضمان العمل، بأن شرط لأحدهما ثلثي الكسب وهو الأجر، وللآخر الثلث، وشرطا العمل عليهما أيضاً، سواء عمل الذي شرط له الزيادة في الكسب أم لم يعمل؛ لأن استحقاق الأجرة في هذه الشركة بالضمان لا بالعمل.
وإذا كان استحقاق أصل الأجر بأصل ضمان العمل لا بالعمل في الواقع، كان استحقاق زيادة الأجر بزيادة الضمان لا بزيادة العمل، فلو كان عمل الذي شرط له الأجر القليل أكثر جاز؛ لأن الربح بقدر ضمان العمل لا بحقيقة العمل.
د - اقتسام الخسارة في هذه الشركة: وأما الوضيعة (١)، فهي أيضاً على قدر الضمان، حتى إنه لو شرط الشريكان أن ما يتقبلانه من أعمال: ثلثاه على أحدهما، وثلثه على الآخر، والخسارة بينهما نصفان، كان هذا الشرط العائد للخسارة باطلاً، والشركة جائزة على ما شرطا على كل واحد منهما من ضمان العمل؛ لأن الربح إذا انقسم على قدر الضمان، كانت الوضيعة على قدر الضمان أيضاً.
ولو جنت يد أحدهما فالضمان عليهما جميعاً؛ لأن ضمان الجناية مبني على ضمان العمل، وهذا قد ضمناه جميعاً (٢).
стр. 3804
المطلب الرابع - صفة عقد الشركة ويد الشريك:
أولاً - حكم لزوم الشركة: يرى جمهور الفقهاء أن عقد الشركة عقد جائز غير لازم (١)، فيجوز لكل شريك أن يفسخ العقد، إلا أن من شروط جواز الفسخ: أن يكون بعلم الشريك الآخر؛ لأن الفسخ من غير علم الشريك إضرار به، ولهذا لم يصح عزل الوكيل من غير علمه، وبما أن الشركة تتضمن الوكالة وعلم الوكيل بالعزل شرط جواز العزل، فيشترط العلم في الوكالة التي تضمنتها الشركة.
وكون الشركة عقداً غير لازم عند المالكية هو كما ذكر ابن رشد في بداية المجتهد وفي المقدمات. لكن جاء في مختصر خليل وشراحه أن المذهب المشهور لزومها بالعقد، حصل خلط بين أموال الشركاء أم لا. وقال ابن عبد السلام: المذهب لزومها بالعقد، ولا يتوقف ذلك على الشروع فيها بالتصرف. وهذا رأي سحنون من فقهاء المالكية، ورجح بعضهم أنها تلزم بالشروع بالتصرف أو العمل، وهو رأي ابن القاسم وابن الحاجب. والخلاصة: إن الشركة في المذهب المعتمد لدى المالكية عقد لازم، وهو الذي استظهره الحطاب إذا كانت شركة أموال. أما شركة الأعمال فلا تلزم بالعقد بل بالعمل.
ثانياً - يد الشريك يد أمانة: اتفق الفقهاء على أن يد الشريك في المال يد أمانة كالوديعة، لأنه قبض المال
стр. 3805
بإذن صاحبه، لا لأجل أن يدفع ثمنه كما في المقبوض على سوم الشراء، فإنه مقبوض لأجل أن يدفع الثمن، ولا لأجل التوثق به كما في الرهن، فإنه مقبوض لأجل التوثق بدينه، وبناء عليه فإنه إذا هلك المال في يد الشريك من غير تفريط لم يضمن؛ لأنه نائب عن شريكه في الحفظ والتصرف، فكان الهالك في يده كالهالك في يد شريكه. ويقبل قوله بيمينه في مقدار الربح والخسران وضياع بعض المال أو كله، ولو من غير تجارة. ويضمن بالتعدي أو التقصير، كما في سائر الأمانات (١).
المطلب الخامس - مبطلات عقد الشركة:
هناك مبطلات تعم كل الشركات، ومبطلات تخص بعضها دون بعض.
فأما المبطلات التي تعم الشركات كلها فهي (٢):
١ - فسخ الشركة من أحد الشريكين، لأنها عقد جائز غير لازم عند الجمهور، كما عرفنا، فكان محتملاً للفسخ. ولا تنفسخ عند المالكية إلا باتفاق الطرفين على الفسخ؛ لأنها عقد لازم عندهم. قال الحنابلة: من قال من الشركاء: عزلت شريكي، ولو لم ينض (٣) المال انعزل، ويتصرف المعزول في قدر نصيبه. ولو قال: فسخت الشركة: انعزلا، فلا يتصرف كل شريك إلا في قدر نصيبه.
стр. 3806
٢ - موت أحد الشريكين: إذا مات أحد الشريكين انفسخت الشركة لبطلان الملك، وزوال أهلية التصرف بالموت، سواء علم الشريك الآخر بالموت أو لم يعلم؛ لأن كل شريك وكيل عن صاحبه، وموت الموكل يكون عزلاً للوكيل علم به أو لم يعلم؛ لأن الموت عزل حكمي.
٣ - ارتداد أحد الشريكين ولحوقه بدار الحرب، لأن ذلك بمنزلة الموت.
٤ - جنون الشريك جنوناً مطبقاً ؛ لأن بالجنون يخرج الوكيل عن الوكالة، وقد عرفنا أن الشركة تتضمن الوكالة. والإغماء مثل الجنون، ويقدر إطباق الجنون بشهر أو بنصف حول على الخلاف عند الحنفية.
وأما المبطلات التي تخص بعض الشركات دون بعض فهي (١):
١ - هلاك مال الشركة كله أو مال أحد الشريكين قبل القيام بشراء شيء في شركة الأموال، سواء أكان المالان من جنسين أم من جنس واحد قبل خلط المالين. والسبب فيه هو أن المعقود عليه في عقد الشركة هو المال، والمال في الشركة يتعين بالتعيين (٢)، وبهلاك المعقود عليه يبطل العقد كما في عقد البيع. هذا إذا هلك مال الشركة.
стр. 3807
أما إذا هلك أحد مالي الشريكين فتبطل الشركة أيضاً؛ لأن الشريك لم يرض بشركة صاحبه إلا ليشركه في ماله، فإذا هلك ماله لم يكن راضياً بشركته عند عقد الشركة، فيبطل العقد لعدم فائدته. ويهلك المال حينئذ على ذمة صاحبه، لأنه إذا كان المال في يده، فالأمر ظاهر، وإذا كان في يد صاحبه فإنه أمانة في يده كما عرفنا.
فإن حصل الهلاك لمال شريك بعد خلطه بمال الشريك الآخر، فإنه يهلك على الشركة؛ لأنه لا يتميز عن غيره، فيجعل الهلاك من المالين. وكذلك إن اشترى أحد الشريكين بماله، وهلك مال الآخر بعد الشراء قبل أن يشتري به شيئاً، فإن المشترى يكون بين الشريكين بحسب ما شرطا؛ لأن تملك الشيء المشترى حيث حدث أي (بالشراء) حدث مشتركاً بينهما لقيام الشركة وقت الشراء، فلا يتغير حكم الشركة بهلاك مال الآخر بعدئذ.
ثم الشركة الواقعة في هذا الشيء المشترى بعد هلاك مال الآخر شركة عقد عند الإمام محمد خلافاً للحسن بن زياد، فإنها شركة ملك عنده، فلا ينعقد بيع أحدهما إلافي نصيبه؛ لأن شركة العقد بطلت بهلاك المال كما لو هلك قبل الشراء بمال الآخر، ولم يبق إلا حكم الشراء وهو الملك، فكانت شركتهما في المتاع شركة ملك.
وعلى قول محمد وهو الراجح: يجوز لأي منهما بيع كل المتاع، وينفذ بيعه، لأن الشركة قد تمت في المشترى، فلا تنتقض بهلاك المال بعد تمامها، كما لو كان الهلاك بعد الشراء بالمالين جميعاً.
وإذا وقع الشيء المشترى على الشركة فيرجع المشتري على صاحبه بحصته من الثمن؛ لأنه اشترى نصفه له بوكالته، ونقد الثمن من ماله نفسه، فيرجع عليه بحسابه.
стр. 3808
وإن هلك مال أحد الشريكين ثم اشترى الآخر بماله الذي في يده ينظر: إن صرحا بالوكالة في عقد الشركة بأن نصا في العقد على أن (ما اشتراه كل منهما بماله هذا يكون مشتركاً بيننا) فالمشترى بينهما على ما شرطا؛ لأن الشركة إن بطلت فالوكالة المصرح بها قائمة، فتكون شركة ملك.
وإن لم يصرحا بالوكالة في العقد وذكرا مجرد الشركة، كان المشترى للذي اشتراه خاصة؛ لأن الشركة لما بطلت بطل ما في ضمنها من الوكالة (١).
٢ - عدم تحقق المساواة بين رأسي المال في شركة المفاوضة بعد وجودها في ابتداء العقد ؛ لأن وجود المساواة بين المالين في ابتداء العقد شرط في انعقاد هذا العقد على الصحة، فيكون بقاء تلك المساواة شرطاً لبقاء هذه الشركة منعقدة؛ لأنها شركة مفاوضة، سواء في ابتداء العقد أم في أثناء بقائه.
ويترتب على هذا إذا انعقدت شركة المفاوضة، وكان رأس المال متساوياً بين الشريكين، ثم ورث أحدهما مالاً تصح فيه الشركة من الدراهم والدنانير، وصار المبلغ في يده، فتبطل المفاوضة لبطلان المساواة التي هي معنى العقد.
وكذا لو ازداد أحد المالين على الآخر قبل الشراء، بأن كان أحدهما دراهم، والآخر دنانير، فزادت قيمة أحدهما قبل الشراء، بطلت المفاوضة.
المطلب السادس - الشركة الفاسدة عند الحنفية:
عرفنا حكم الشركة الفاسدة، وأذكر هنا أنواع الشركة الفاسدة عند الحنفية وهي:
стр. 3809
أولاً - الاشتراك في أعمال جميع المباحات التي تملك بالأخذ، مثل الاصطياد والاحتطاب والاحتشاش، والاستقاء، واجتناء الثمر، وحفر الأرض لاستخراج المعادن.
فإن اشترك اثنان في تلك الأعمال على أن ما أصابا من المباح فهو بينهما، فالشركة فاسدة عند الحنفية، ولكل واحد منهما ما أخذه؛ لأن الشركة تتضمن معنى الوكالة، والتوكيل في أخذ المال المباح باطل؛ لأن أمر الموكل بأخذه غير صحيح، لعدم ملكه وولايته، والوكيل يملك أخذ المباح بدون توكيل، فلا يصلح الوكيل نائباً عن الموكل في المباح؛ لأن التوكيل إثبات ولاية لم تكن ثابتة للوكيل، وهذا غير متحقق ههنا، فإذا لم تثبت الوكالة لم تثبت الشركة.
وإذا كانت الشركة في المباحات فاسدة، فيثبت الملك لكل واحد منهما بالأخذ، وإحراز المباح، ثم ينظر:
آـ إن أخذاه جميعاً معاً، فهو بينهما نصفان، لاستوائهما في سبب الاستحقاق، فيستويان في الاستحقاق.
ب - وإن أخذ كل واحد منهما شيئاً من المذكور على الانفراد، كان المأخوذ ملكاً له؛ لأن سبب ثبوت الملك في المباحات هو الأخذ والاستيلاء، وكل واحد منهما انفرد بالأخذ والاستيلاء فينفرد بالملك.
جـ - وإن أخذ كل واحد منهما شيئاً على الانفراد، ثم خلطاه، وباعاه: فإن كان مما يكال أو يوزن يقسم الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن الذي لكل واحد منهما. وإن كان مما لا يكال ولا يوزن، قسم الثمن بينهما بالقيمة، فيأخذ كل واحد منهما بقيمة الذي له؛ لأن المكيل والموزون من الأشياء المتماثلة، فتمكن قسمة الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن، أما غير المكيل والموزون من الأشياء المتفاوتة، فلا تمكن قسمة الثمن بينهما بحسب العين، فيقسم بحسب القيمة.
стр. 3810
وإن لم يعلم الكيل والوزن والقيمة، يصدق كل واحد منهما فيما يدعيه إلى النصف من المأخوذ، مع اليمين على دعوى صاحبه. فإن ادعى أكثر من النصف لا يقبل قوله إلا ببينة.
د - وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله، بأن قلعه أحدهما وجمعه الآخر، أو قلعه وجمعه أحدهما وحمله الآخر، فكله للعامل وللمعين أجر المثل بالغاً ما بلغ عند محمد؛ لأن المسمى مجهول، إذ لم يدر أي نوع من الحطب يصيبان، وأي قدر منه يجمعان، ولا يدريان أيضاً هل يصيبان شيئاً أو لا، والرضا بالمجهول لغو، فسقط اعتبار رضاه بالنصف للجهالة، وصار مستوفياً منافعه بعقد فاسد، فله أجر مثله بالغاً ما بلغ.
وقال أبو يوسف: له أجر مثله على ألا يجاوز به نصف المسمى أو قيمته أي (نصف الشيء الذي أعانه فيه أو قيمته)؛ لأنه رضي بنصف مجموع ما سيأخذانه. وقاس حكمه على سائر الإجارات الفاسدة؛ لأنه لا يزاد على المسمى هناك، كذا الأمر هنا، والجامع بينهما: أنه رضي بأن لا يكون له زيادة على المسمى، فلا يستحق الزيادة، وصار حكمه كمن قال لرجل: (بع هذا الثوب على أن لك نصف ثمنه فباعه) كان له أجر المثل لا يجاوز به نصف الثمن (١).
ويرى الجمهور في الأظهر عند الشافعية صحة الشركة في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاستقاء وما يؤخذ من الجبال والمعادن وشبهه من المباحات، لجواز التوكيل بها، فيحصل الملك للموكل إذا قصده الوكيل به؛ لأن
стр. 3811
تملك المباحات أحد أسباب الملك، فأشبه الشراء، كما يقول الشافعية (١).
ثانياً - من أنواع الشركات الفاسدة أن يكون لأحد الشريكين بغل وللآخر حمار مثلاً، فيشترك اثنان على أن يؤجر الدابتين، فما رزق الله من شيء يكون بينهما، فأجراهما جميعاً بأجر معلوم وحمل معلوم، فهذه الشركة فاسدة؛ لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة، والوكالة على هذا الوجه لا تصح؛ لأن كل واحد منهما في المعنى موكل لصاحبه بأن يؤجر دابته ليكون نصف الأجر له، وهذا التوكيل باطل، كما إذا قال الرجل: (آجر بعيرك على أن أجره بيننا) فإن التوكيل فاسد، فكذا الشركة؛ لأن الوكالة والشركة يشتركان في معنى واحد: وهو أن التوكيل إنما يكون فيما لا يملك الوكيل مباشرته قبل التوكيل، وللمالك أن يبيع دابته ويؤجرها قبل التوكيل. فإذا لم يؤجرا دابتيهما، ولكنهما تقبلا حمولة معلومة ببدل معلوم، فحملا الحمولة عليهما، فالأجر على حسب الشرط؛ لأن الشركة حينئذ صحيحة، إذ أن الحمل صار مضموناً عليها بالعقد بمنزلة أي عمل يتقبلانه.
غير أنه إذا فسدت الشركة فالإجارة صحيحة، لوقوعها على منافع معلومة ببدل معلوم، فيقسمان ما أخذا من الأجر على قدر مثل أجر البغل وأجر الحمار (٢).
وهناك مثال آخر: وهو أن يكون لاثنين سيارتان، فلا يصح لصاحبي هاتين السيارتين الاشتراك من أجل قسمة الربح الناتج من الحمولة من طريق إجارة السيارتين للناس؛ لأن كل واحد يختص بثمرة ما يملكه.
стр. 3812
ولم يجز الشافعية (١) أيضاً هذه الشركة؛ لأنها تقوم على منافع أشياء متميزة، وعلى كل شريك لصاحبه أجرة مثل ماله.
ثالثاً - من أنواع الشركة الفاسدة أن يدفع شخص إلى رجل دابة ليؤجرها على أن الأجر بينهما، فتكون الشركة فاسدة، والأجر كله أي (الربح) لصاحب الدابة؛ لأن المدفوع إليه هو وكيله في إجارتها، وإجارة الوكيل كإجارة الموكل. ومثله إيجار السفينة أو الدار.
وسبب الفساد: هو أن العقد ورد على ملك الغير بإذنه، وإذا فسد العقد وجب للذي أجرها أي (العامل) أجر المثل؛ لأنه ابتغى عن منافع الدابة عوضاً، ولم ينل العوض لفساد العقد، فكان له أجر مثله.
رابعاً - من أنواع الشركة الفاسدة أيضاً أن يشتري رجل شيئاً، فيقول له آخر: «أشركني فيه» فهذا بمنزلة البيع والشراء بمثل ما اشترى في النصف، فإن تم ذلك قبل أن يقبض المشتري الأول المبيع لم يجز الإشراك، لأن الإشراك والتولية كما عرفنا في عقود البيع لا يجوزان قبل القبض، ويكون العقد فاسداً؛ لأنه بيع لمبيع منقول قبل القبض، وهو لا يجوز كما عرفنا سابقاً.
وإن كان ذلك بعد القبض جاز، ويُلْزِم ُالمشتري الشريك نصف الثمن، فإن كان الشريك لا يعلم بمقدار الثمن فهو بالخيار إذا علم: إن شاء أخذ حصته من المبيع وإن شاء ترك.
ولو اشترى رجلان فرساً فأشركا فيها رجلاً بعد القبض فمقتضى القياس: أن يكون للشريك النصف؛ لأن كل واحد منهما لو أشركه في نصيبه على الانفراد استحق نصفه، فكذا إذا أشركاه جميعاً معاً.
стр. 3813
ومقتضى الاستحسان: أن يكون للشريك الثلث؛ لأن الشركة تقتضي المساواة، فإذا قالا للرجل: (أشركناك في الفر س) فكأنهما قالا: (شاركناك).
فإن أشركه أحدهما في نصيبه ونصيب صاحبه، فأجاز شريكه قوله كان للشريك الجديد النصف، وللأولين النصف، لأنه لما أجاز شريكه في نصيبه صار نصف نصيبه له، وقد أشركه في نصيب نفسه هذا، فيكون مجموع ما استحقه الشريك الجديد هو النصف، وبقي لكل واحد منهما الربع.
وكل شركة فاسدة يقسم الربح فيها على قدر رأس المال، ويبطل شرط التفاضل (١) كما عرفنا في حكم الشركة.
المبحث الثاني - شركة المضاربة:
المضاربة أو القراض أو المعاملة من أنواع الشركات. وهي في لغة أهل العراق تسمى مضاربة وفي لغة أهل الحجاز تسمى قراضاً، وهو مشتق من القرض وهو القطع؛ لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها ويعطيه قطعة من الربح، أو مشتق من المقارضة: وهي المساواة لتساويهما في استحقاق الربح، أو لأن المال من المالك والعمل من العامل، وهي لهذا تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال.
وأهل العراق يسمون القراض مضاربة؛ لأن كلاً من العاقدين يضرب بسهم في الربح، ولأن العامل يحتاج إلى السفر، والسفر يسمى ضرباً في الأرض (٢).
стр. 3814
والكلام عن هذا العقد في المطالب الخمسة الآتية:
المطلب الأول - تعريف المضاربة ومشروعيتها وركنها وصفة عقدها.
المطلب الثاني - شرائط المضاربة.
المطلب الثالث - أحكام المضاربة.
المطلب الرابع - حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب.
المطلب الخامس - مبطلات المضاربة.
المطلب الأول - تعريف المضاربة ومشروعيتها وركنها ونوعاها وصفة عقدها:
تعريف المضاربة: المضاربة: هي أن يدفع المالك إلى العامل مالاً ليتجر فيه، ويكون الربح مشتركاً بينهما بحسب ما شرطا (١). وأما الخسارة فهي على رب المال وحده، ولا يتحمل العامل المضارب من الخسران شيئاً وإنما هو يخسر عمله وجهده. وعرفها صاحب الكنز بقوله: هي شركة بمال من جانب، وعمل من جانب.
ومحترزات التعريف الأول: هي أنه بكلمة (يدفع): تبين أن المضاربة لاتصح على منفعة كسكنى الدار، وأنها لا تصح على دين، سواء أكان على العامل أم على غيره. وبكلمة (الربح مشتركاً) تبين أن الوكيل ليس مضارباً. والسبب في اشتراك العاقدين في الربح: هو أن رب المال يستحق الربح بسبب ماله؛ لأنه نماء ماله، والمضارب يستحقه باعتبار عمله الذي هو سبب وجود الربح.
стр. 3815
وعليه إذا شرط جميع الربح لرب المال كان العقد مباضعة، ولو شرط جميعه للمضارب كان قرضاً.
مشروعية المضاربة: اتفق أئمة المذاهب على جواز المضاربة بأدلة من القرآن والسنة والإجماع والقياس، إلا أنها مستثناة من الغرر والإجارة المجهولة.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل:٢٠/ ٧٣] والمضارب: يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله ، وقوله سبحانه: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ [الجمعة:١٠/ ٦٢]. فهذه الآيات بعمومها تتناول إطلاق العمل في المال بالمضاربة.
وأما السنة: فما روى ابن عباس ﵄ أنه قال: «كان سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولايشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله ﷺ ، فأجازه» (١)، وروى ابن ماجه عن صهيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع» (٢).
وأما الإجماع: فما روي عن جماعة من الصحابة أنهم دفعوا مال اليتيم مضاربة (٣) ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعاً، وروي أن عبد الله وعبيد الله ابني
стр. 3816
عمر بن الخطاب ﵄ خرجا في جيش العراق، فلما قفلا مرا على عامل لعمر: وهو أبو موسى الأشعري، فرحب بهما وسهل، وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكما، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة، وتوفران رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما ربحه.
فقالا: وددنا، ففعل، فكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا وربحا، فقال عمر: أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟ فقال: لا. فقال عمر: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما!! فأدّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: يا أمير المؤمنين، لو هلك المال ضمناه. فقال: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضاً (أي لو عملت بحكم المضاربة: وهو أن يجعل لهما النصف، ولبيت المال النصف) فرضي عمر، وأخذ رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال (١). وأثبت ابن تيمية مشروعية المضاربة بالإجماع القائم على النص، فإن المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش، فإن الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله ﷺ قد سافر بمال غيره قبل النبوة، كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله ﷺ ، وكان أصحابه يسافرون بمال غيره مضاربة، ولم ينه عن ذلك، والسنة: قوله وفعله وإقراره، فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة (٢).
стр. 3817
وأما القياس: فالمضاربة قيست على المساقاة لحاجة الناس إليها، لأن الناس بين غني وفقير، والإنسان قد يكون له مال، لكنه لا يهتدي إلى أوجه التصرف والتجارة به، وهناك من لا مال له، لكنه مهتد في التصرفات، فكان في تشريع هذا العقد تحقيق للحاجتين، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم (١).
وحكمة مشروعية المضاربة: تمكين الناس من تنمية الأموال وتحقيق التعاون بينهم، وضم الخبرات والمهارات إلى رؤوس الأموال لتحقيق أطيب الثمرات.
ركن المضاربة وألفاظها ونوعاها: ركن عقد المضاربة عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، بألفاظ تدل عليهما.
فألفاظ الإيجاب: هي لفظ المضاربة والمقارضة والمعاملة، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ بأن يقول رب المال: (خذ هذا المال مضاربة على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة).
وكذا إذا قال: مقارضة أو معاملة، أو قال (خذ هذا المال واعمل به على أن مارزق الله من شيء فهو بيننا على كذا) ولم يزد على هذا فهو جائز، لأنه أتى بلفظ يؤدي معنى هذا العقد، والعبرة في العقود لمعانيها، لا لصور الألفاظ.
وألفاظ القبول: هي أن يقول العامل المضارب: أخذت، أو رضيت أو قبلت، ونحوها. وإذا توافر الإيجاب والقبول انعقد العقد (٢).
стр. 3818
وأركان المضاربة عند الجمهور ثلاثة: عاقدان (مالك وعامل) ومعقود عليه (رأس المال، والعمل والربح)، وصيغة (إيجاب وقبول) وعدها الشافعية خمسة: مال وعمل وربح (١) وصيغة وعاقدان.
نوعاها: المضاربة نوعان: مطلقة ومقيدة (٢):
ف المطلقة: هي أن يدفع شخص المال إلى آخر بدون قيد، ويقول: «دفعت هذا المال إلىك مضاربة على أن الربح بيننا كذا مناصفة أو أثلاثاً، ونحو ذلك» أو هي أن يدفع المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله.
و المقيدة: هي أن يعين شيئاً من ذلك أو أن يدفع إلى آخر ألف دينار مثلاً مضاربة على أن يعمل بها في بلدة معينة، أو في بضاعة معينة، أو في وقت معين، أو لا يبيع ولا يشتري إلا من شخص معين. وهذان النوعان الأخيران (حالة التأقيت وتخصيص شخص) جائزان عند أبي حنيفة وأحمد، وغير جائزين عند مالك والشافعي. وكذلك يجوز إضافتها إلى المستقبل عند الأولين ولا يجوز عند الآخرين كأن يقول رب المال: ضارب بهذا المال ابتداء من الشهر الآتي. وأما تعليق المضاربة على شرط كما إذا قال صاحب المال: إذا جاءك فلان بالدين الذي لي في ذمته (ومقداره ألف دينار) وسلمك إياه فضارب به، فقد أجازه الحنابلة والزيدية ولم يجزه الحنفية والمالكية والشافعية؛ لأن المضاربة تفيد تمليك جزء من الربح، والتمليك لا يقبل التعليق (٣).
стр. 3819
ويشترط في المضاربة عند الشافعية والمالكية أن تكون مطلقة، فلا تصح مقيدة بنوع معين من التجارة، ولا بشخص معين، ولا ببلد معين. ولا يشترط تعيين مدة فيها، فإن عينت مدة لا يتمكن فيها العامل من المتاجرة، فسدت الشركة، وإن عينت مدة يتمكن فيها من التجارة، ثم منع العامل من الشراء، ولم يمنع من البيع، صح ذلك لتمكنه من الربح بالبيع.
صفة عقد المضاربة:
اتفق العلماء على أن عقد المضاربة قبل شروع العامل في العمل غير لازم، وأنه لكل من المتعاقدين فسخه. واختلفوا فيما إذا شرع العامل في المضاربة، فقال الإمام مالك: هو عقد لازم بالشروع، وهوعقد يورث، فإن المضارب إذا كان له بنون أمناء كانوا في المضاربة أو القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين. وإن شرع العامل لا يفسخ العقد حتى ينض المال أي يتحول نقوداً لا عروضاً.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: العقد غير لازم، ولكل من العاقدين الفسخ إذا شاء، وليس هو عقداً يورث.
ومرجع الخلاف بين الفريقين: أن الإمام مالك جعل العقد لازماً بعد الشروع في العمل لما يترتب على الفسخ من ضرر، فكان من العقود الموروثة. وأما الفريق الثاني فقد شبهوا الشروع في العمل بما قبل الشروع في العمل؛ لأن المضاربة تصرف في مال الغير بإذنه، فيملك كل واحد من العاقدين فسخ العقد، كما في الوديعة والوكالة (١).
стр. 3820
ولكن الحنفية ومن وافقهم اشترطوا لصحة الفسخ وانتهاء المضاربة علم المتعاقد الآخر بالفسخ، كما في سائر أنواع الشركات، وأن يكون عند الحنفية رأس المال ناضاً أي نقوداً (١) وقت الفسخ، فإن كان من العروض من عقار أو منقول، لم يصح الفسخ عندهم.
وقال الشافعية والحنابلة: إذا انفسخت المضاربة ورأس المال عروض، فاتفق المتعاقدان على بيعه أو قسمته جاز؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما. وإن طلب العامل البيع، وأبى رب المال، أجبر رب المال على البيع؛ لأن حق العامل في الربح، وهو لا يحصل إلا بالبيع (٢).
تعدد المضارب: قال المالكية (٣): إذا تعدد عامل القراض، فإن الربح يوزع عليهم على قدر العمل كشركاء الأبدان، أي فيأخذ كل منهما من الربح بقدر عمله، فلا يجوز أن يتساويا في العمل، ويختلفا في الربح، أو بالعكس، بل الربح على قدر العمل على المشهور.
حكم الشركات القانونية الحديثة: إن شركات الأشخاص التجارية في القانون الوضعي وهي شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة تعتبر جميعها في الجملة من قبيل شركة المضاربة في الفقه الإسلامي مع اختلاف بعض الأحكام بين القانون والشريعة حسبما تقتضيه مصلحة الناس وطبيعة التطور. ففي شركة التضامن حيث يكون المال من جميع الشركاء، والعمل من بعضهم، يكون العامل مضارباً في مال غيره. وفي شركة التوصية البسيطة حيث