← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

ومحال أو محتال به: وهو نفس الدين الذي للمحال على المحيل، ودين للمحيل على المحال عليه، وصيغة (١). المبحث الثاني - شروط الحوالة: يشترط لصحة الحوالة عند الحنفية شروط تتعلق إما بالصيغة أو بالمحيل، أو بالمحال، أو بالمحال عليه، أو بالمحال به. شروط الصيغة: تنعقد الحوالة بتوافر الإيجاب والقبول أو ما في معناهما كالتوقيع على سند الحوالة والكتابة والإشارة، والإيجاب: أن يقول المحيل: أحلتك على فلان، والقبول: أن يقول المحال: قبلت أو رضيت. ويشترط في الإيجاب والقبول كونهما في مجلس العقد. وأن يكون العقد باتاً، فلا يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الشرط. شروط المحيل: يشترط في المحيل شرطان: أولاً - أن يكون أهلاً للعقد بأن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تصح حوالة المجنون والصبي الذي لا يعقل، لأن العقل شرط لممارسة أي تصرف. ولا تنفذ حوالة الصبي المميز، وإنما تتوقف على إجازة وليه، فالبلوغ إذن شرط نفاذ لا انعقاد. ثانياً - رضا المحيل: فلو كان مكرهاً على الحوالة لا تصح؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات (٢). ووافقهم المالكية والشافعية والحنابلة في هذا الشرط.

стр. 4062

وقال ابن كمال في الإيضاح: وأما رضا المحيل فإنما يشترط للرجوع عليه. شروط المحال: يشترط في المحال شروط ثلاثة: أولاً - أن يكون أهلاً للعقد كالشرط في المحيل بأن يكون عاقلاً؛ لأن قبوله ركن في العقد، وغير العاقل ليس من أهل القبول. وبأن يكون بالغاً وهو شرط نفاذ لا شرط انعقاد كما تبين، فإذا كان المحال غير بالغ، فيحتاج في الحوالة لإجازة وليه. ثانياً - الرضا: فلا تصح الحوالة إذا كان المحال مكرهاً، لما ذكر، ووافقهم المالكية والشافعية في هذا الشرط. ثالثاً - أن يتم قبوله في مجلس الحوالة: وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد، فلو كان المحال غائباً عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز، لا ينفذ عندهما. وعند أبي يوسف: هذا شرط نفاذ. قال الكاساني: والصحيح قولهما؛ لأن قبول المحال أحد أركان الحوالة (١). شروط المحال عليه: يشترط في المحال عليه شروط ثلاثة هي شروط المحال نفسها: أولاً - أن يكون أهلاً للعقد، بأن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تصح الحوالة على الصبي والمجنون، إلا أن البلوغ يعتبر هنا شرط انعقاد، فلا يصح من الصبي قبول الحوالة أصلاً. ثانياً - الرضا: فلو أكره على قبول الحوالة، لا يصح العقد، ولم يشترط المالكية رضا المحال عليه.

стр. 4063

ثالثاً - أن يتم قبوله في مجلس العقد، وهو شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد (١). شروط المحال به: يشترط شرطان في المحال به وهما (٢): أولاً - أن يكون دَيْناً: أي أن يكون هناك دين للمحال على المحيل. فإن لم يكن هناك دين، فيكون العقد وكالة تثبت فيها أحكامها، وليس حوالة. ويترتب عليه أنه لا تصح الحوالة بالأعيان القائمة؛ لأنها لا تثبت في الذمة. ثانياً - أن يكون الدين لازماً: مثل دين القرض فلا تصح الحوالة - في الماضي - على المكاتب ببدل الكتابة؛ لأنه دين غير لازم؛ لأن السيد لا يجب له على عبده دين. وفي الجملة: إن كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به، وهو الدين الحقيقي غير الاحتمالي الذي يعبرون عنه بالدين الصحيح. واشترط كون الدين لازماً هو رأي الجمهور غيرالحنابلة، وأجاز الحنابلة الحوالة بدين الكتابة أو بدين الثمن في مدة الخيار. وأجاز الشافعية كون الدين آيلاً إلى اللزوم بنفسه، كدين الثمن المقترن بخيار في العقد، والصداق قبل الدخول، والأجرة قبل استيفاء المنفعة. وكذلك لا تصح الحوالة إذا كان دين المحيل في ذمة المحال عليه غير لازم كدين صبي وسفيه بغير إذن ولي، فلا تصح الإحالة عليهما لعدم لزوم هذا الدين؛ لأن لولي الصغير والسفيه طرح الدين عنهما وإسقاطه. ومثله أيضاً ثمن سلعة مبيعة بالخيار قبل لزومه؛ لأنه يعد ديناً غير لازم.

стр. 4064

وأما وجوب الدين على المحال عليه للمحيل قبل الحوالة، فليس بشرط عند الحنفية لصحة الحوالة، فإن الحوالة تصح سواء أكان للمحيل على المحال عليه دين أم لم يكن، وسواء أكانت الحوالة مطلقة أم مقيدة. و اشترط المالكية والشافعية (١) في المحال به ثلاثة شروط: الأول - أن يكون الدين المحال به قد حل ّ. الثاني - أن يكون الدين المحال به مساوياً للمحال عليه في الصفة والمقدار، فلا يجوز أن يكون أحدهما أقل أو أكثر أو أدنى أو أعلى؛ لأنه يخرج عن الإحالة إلى البيع، فيدخله الدين بالدين. الثالث - ألا يكون الدينان أو أحدهما طعاماً من سلَم ؛ لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، وهو لا يجوز، فإن كان أحدهما من بيع والآخر من قرض، جاز إذا حل الدين المحال به. نوعا الحوالة عند الحنفية: الحوالة نوعان: مطلقة ومقيدة. المطلقة: أن يحيل شخص غيره بالدين على فلان، ولا يقيده بالدين الذي عليه، ويقبل الرجل المحال عليه. ولم يقل بجوازها غير الحنفية، ووافقهم فيها الشيعة الإمامية والزيدية على الراجح عندهم. والحوالة المطلقة في المذاهب الثلاثة غير الحنفية حيث لا يكون للمدين دين في ذمة المحال عليه تعد كفالة محضة، ولا بد فيها من رضاء الأطراف الثلاثة بها (وهم الدائن والمدين والمحال عليه جميعاً).

стр. 4065

و المقيدة: أن يحيله ويقيده بالدين الذي له عليه. وهذه هي الحوالة الجائزة باتفاق العلماء (١). وكلا النوعين جائز لقوله ﵊: «من أحيل على مليء فليتبع» إلا أن الحوالة المطلقة تختلف عن الحوالة المقيدة في بعض الأحكام كما يأتي (٢): ١ - إذا كانت الحوالة مطلقة ولم يكن للمحيل على المحال عليه دين، فإن المحال يطالب المحال عليه بدين الحوالة فقط. وإن كان له عليه دين، ولم يقيد الحوالة به بأن لم يقل: (أحيله عليك بما لي عليك) أو (على أن تعطيه مما عليك) وقبل المحال عليه، فإن المحال عليه يطالب بدينين: دين الحوالة ودين المحيل، فالمحال يطالب بدين الحوالة، والمحيل يطالب بالدين الذي له عليه، كما إذا كان عند رجل ألف ليرة وديعة، فأحال شخصاً عليه بألف ليرة، ولم يقيده بالألف الوديعة، فقبله، فللمحيل أن يأخذ الوديعة، وعلى المحال عليه أداء الألف بالحوالة. فأما إذا قيد الحوالة بالدين الذي له عليه، فليس للمحيل أن يطالبه بالأداء إليه؛ لأنه قيد الحوالة بهذا الدين، فيقيد به، أي يتعلق به حق المحال، ويكون هذا الدين، بمنزلة الرهن عنده، وإن لم يكن رهناً حقيقة، فإذا أدى المال تقع المقاصة بين المحال عليه والمحيل.

стр. 4066

٢ - إذا كانت الحوالة مقيدة وظهرت براءة المحال عليه من الدين الذي قيدت به الحوالة، بأن كان الدين ثمن مبيع فاستحق المبيع، تبطل الحوالة؛ لأنه لما قيد الحوالة بالدين فقد تعلق الدين بالحوالة، فإذا ظهر أنه لا دين، فقد ظهر أنه لا حوالة. أما إذا كانت الحوالة مطلقة وظهرت براءة المحال عليه من الدين، فإنها لا تبطل؛ لأن الدين لم يتعلق بالحوالة، وإنما تعلق بالذمة، فلا يظهر أن الحوالة كانت باطلة. ٣ - إذا كانت الحوالة مقيدة ثم مات المحيل قبل أن يؤدي المحال عليه الدين إلى المحال، وكان على المحيل ديون أخرى غير دين المحال، وليس له مال سوى هذا الدين الذي على المحال عليه، فإنه لا يكون المحال أحق به من بين سائر الغرماء (أي الدائنين) عند أئمة الحنفية الثلاثة. وعند زفر: يكون أحق به من بين سائر الغرماء كالرهن. ورد عليه بأن هناك فرقاً بين الحوالة والرهن وهو أن المرتهن يتحمل وحده غرم الرهن، فيختص بغنمه أخذاً بالحديث: «الخراج بالضمان» (١) أي أن الغنم بالغرم، أما المحال فلم يختص بتحمل غرم المال، فلا يكون له الحق في أن يختص بالغنم، وحينئذ يكون له الحق في مقاسمة الغرماء فقط. أما إذا كانت الحوالة مطلقة: فإنه يؤخذ من المحال عليه جميع الدين الذي

стр. 4067

عليه، ويقسم بين غرماء المحيل، ولا يدخل المحال في تلك المقاسمة؛ لأن الحوالة لم تتعلق بالدين، ولأن حق المحال ثبت عند المحال عليه فقط. حوالة الحق: هي نقل الحق من دائن إلى دائن، أو بتعبير آخر: حلول دائن محل دائن بالنسبة إلى المدين. فإذا تبدل دائن بدائن في حق مالي متعلق بالذمة، لا بعين، كانت الحوالة حوالة حق. والدائن فيها هو المحيل، إذ هو يحيل غيره ليستوفي حقه. وهي تقابل حوالة الدين: وهي تبدل المدين بالنسبة إلى الدائن أي تبديل مدين بمدين، والمحيل فيها: هو المدين، إذ هو إنما يحيل على غيره لوفاء دينه. وهي مشروعة باتفاق العلماء كما تقدم. وحوالة الحق جائزة أيضاً باتفاق المذاهب الأربعة، وليس فقط عند غير الحنفية، كما فهم بعض أساتذة الشريعة، والقانون؛ لأن الحوالة المقيدة المشروعة عند الحنفية تتضمن حوالة حق، إذ يكون الإنسان فيها مديناً لشخص ودائناً لآخر، فيحيل دائنه على مدينه، ليقبض الدائن المحال دين المحيل من مدينه المحال عليه، فهي حوالة حق وحوالة دين في وقت واحد. وقد عرفنا أن غير الحنفية لا يجيزون إلا الحوالة المقيدة، فهي الحوالة إطلاقاً، ويشترط في المقيدة عندهم تساوي الدين المحال به والدين المحال عليه في الصفة والمقدار، فإن تساويا جنساً وقدراً صحت الحوالة، وإن اختلفا في شيء مما ذكر لم تصح الحوالة. أما الحوالة المطلقة فهي حوالة دين فقط، إذ يحيل بها المدين دائنه على آخر، فيتبدل فيها المدين، ويبقى الدائن هو نفسه.

стр. 4068

ومن صور حوالة الحق ضمن الحوالة المقيدة: أن يحيل البائع دائنه على المشتري بالثمن. ويحيل المرتهن على الراهن بالدين، وتحيل الزوجة على زوجها بالمهر. ويحيل صاحب الحق في ريع الوقف دائنه على ناظر الوقف في حقه من الغلة بعد حصولها في يد الناظر. ويحيل الغانم حقه في الغنيمة المحرزة على الإمام. ففي كل هذه الأمثلة حل دائن جديد - وهو المحال - محل الدائن الأصلي وهو البائع، أو المرتهن أو الزوجة، أو مستحق غلة الوقف، أو الغانم. ومنشأ اللبس في فهم مذهب الحنفية حول حوالة الحق راجع إلى أن الحنفية لا يرون الحوالة نوعاً من البيع تجري فيها كل أحكامه، بل هي عندهم عقد مستقل شرع لغاية معينة يحتاج إليه التعامل، وليس فرعاً من غيره، ولكن فيه تشابه مع عقود وتصرفات أخرى في بعض النواحي، فالحوالة تشبه البيع (بيع الدين أو الحق) وليست ببيع، وتشبه الكفالة وليست بكفالة، وتشبه قبض الدين وليست قبضاً، وتشبه الوكالة بالقبض أو بالأداء وليست بوكالة، وتشبه ما يسمى بلغة العصر اليوم فتح الاعتماد، وليست به، وفيها بعض سمات التبرع، وبعض سمات المعاوضة إلخ .. وقد أخذت الحوالة أحكاماً متنوعة تتناسب مع تلك المشابهات العديدة فيها. وإذا كان الحنفية لا يجيزون تمليك أو بيع الدين لغير من عليه الدين، فلا يعني أنهم ينكرون حوالة الحق، إذ أن تبدل دائن بدائن، لا يفيد عندهم تمليك الدين لغير من هو عليه؛ لأن مقتضى الحوالة هو نقل الدين أو نقل المطالبة به إلى المحل الجديد، نقلاً مؤقتاً بعدم التوى (أي موت المحال عليه أو إفلاسه أو جحوده الحوالة) لا تمليكه، وإنما يملك المحال ما يقبضه وفاءً به بعد تنفيذ الحوالة بالقبض، وبذلك تكون الحوالة عندهم غير البيع.

стр. 4069

أما غير الحنفية الذين يجيزون حوالة الحق فمستندهم هو إطلاق الترخيص الشرعي الثابت في شأن الحوالة، سواء بعدئذ أكانت بيع دين بدين أم لم يكن. إذ أن هؤلاء مختلفون في مسألة بيع الدين بالدين أو هبته لغير من هو عليه، فالمالكية والشافعية يجيزونه بشروط، مثل شرط قبض العوض أو تعينه في مجلس البيع وأن يكون الدين المبيع غير طعام، وأن يكون الثمن من غير جنس المبيع، وأن يقع البيع لغير خصم المدين، حتى لا يكون في البيع إعنات للمدين بتمكين خصمه منه. فليست حوالة الحق عندهم بيع دين بدين. والحنابلة: لا يجيزونه. والخلاصة: إن الحوالة عند الفقهاء المسلمين ليست بيعاً، وإنما هي عقد خاص، يفترق عن البيع في شرائطه ونتائجه (١). والمالكية والشافعية الذين يجيزون هبة الدين لغير المدين تظهر عندهم حوالة الحق في هذين العقدين بنحو كامل واضح. لكن بشرط تحقيق شروط الهبة كالإذن بالقبض، وشروط بيع الدين. المبحث الثالث - أحكام الحوالة يترتب على الحوالة أحكام (٢): أولاً - براءة المحيل: إذا تمت الحوالة بالقبول برئ المحيل من الدين عند جماهير الفقهاء. ولا تنتقل تأمينات الدين من رهن أو كفالة، بل تنقضي.

стр. 4070

وقال الحسن البصري: لا يبرأ المحيل إلا بالإبراء. وقال زفر من الحنفية: الحوالة لا توجب براءة المحيل، ويبقى الحق في ذمته بعد الحوالة على ما كان عليه قبلها، وقاس الحكم على الكفالة، إذ كل واحد منهما عقد توثق. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحوالة مشتقة من التحويل وهو نقل الحق فكان معنى الانتقال لازماً فيها، والشيء إذا انتقل إلى موضع لا يبقى في المحل الأول، ومعنى التوثق يحصل بسهولة التوصل إلى الحق باختيار الأكثر ملاءة والأحسن قضاء. أما الكفالة: فهي مشتقة من الضم أي ضم ذمة إلى ذمة، فعلق على كل من الكفالة والحوالة مقتضاه، وما دل عليه لفظه؛ لأن أحكام العقود الشرعية تتنزل على وفق المعاني اللغوية (١). واختلف أئمة الحنفية في كيفية النقل الذي يتم بالحوالة: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنها نقل المطالبة والدين جميعاً من ذمة المدين إلى ذمة المحال عليه، ولكن الدين يعود إلى ذمة المدين إذا توي عند المحال عليه (والتوى: هو الموت مفلساً، وجحود الحوالة ولا بينة، وزاد الصاحبان: الإفلاس وهو حي). فلو أبرأ الدائن المحال عليه من الدين، صح الإبراء، ولو أبرأ المدين لا يصح، وقال محمد: إنها نقل المطالبة وحدها دون الدين، فأصل الدين باق في ذمة المحيل. وقد استدل كل منهم بأدلة يظهر منها أن أدلة الفريق الأول أرجح بدليل أنه لو أبرئ

стр. 4071

المحيل من الدين أو وهب الدين له لا يصح التصرف؛ لأن الدين انتقل إلى ذمة المحال عليه، وفرغت ذمة المحيل من الدين، وبدليل أن الحوالة يترتب عليها النقل؛ لأنها مشتقة من التحويل وهو النقل، فتقتضي نقل ما أضيفت إليه وهو الدين، لا المطالبة فقط. وعند زفر كما تقدم: لا ينتقل الدين ولا المطالبة إلى ذمة المحال عليه، بل تضم ذمة المحال عليه إلى ذمة المدين في المطالبة فيكون المحال عليه كفيلاً للمدين. ثانياً - ثبوت ولاية المطالبة للمحال على المحال عليه بدين في ذمته ؛ لأن الحوالة اقتضت النقل إلى ذمة المحال عليه بدين في ذمته، وهو نقل الدين والمطالبة جميعاً كما رجحت. ثالثاً - ثبوت حق الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحال، فكلما لازمه المحال، فله أن يلازم المحيل ليتخلص من ملازمة المحال، وإذا حبسه له أن يحبسه إذا كانت الحوالة بأمر المحيل، ولم يكن على المحال عليه دين يماثله للمحيل، أي أن الحوالة مطلقة. أما إذا كانت الحوالة بغير أمره، أو كانت بأمره ولكن للمحيل على المحال عليه دين مثله، أي أن الحوالة مقيدة، فليس للمحال عليه أن يلازم المحيل إذا لوزم، ولا أن يحبسه إذا حبس. المبحث الرابع - انتهاء الحوالة تنتهي الحوالة بأمور (١): ١ - فسخ الحوالة: إذا فسخت الحوالة يعود الحق للمحال في أن يطالب المحيل. والفسخ في اصطلاح الفقهاء: هو إنهاء العقد قبل أن يبلغ غايته.

стр. 4072

٢ - أن يتوى (١) حق المحال بموت أو إفلاس أو غيره: وهو مذهب الحنفية بدليل ما روي عن سيدنا عثمان ﵁ أنه قال في المحال عليه: «إذا مات مفلساً عاد الدين إلى ذمة المحيل»، ولأن الحوالة مقيدة بسلامة حق المحال له، لأنه هو المقصود، فصار كوصف السلامة في المبيع. والتوى عند أبي حنيفة بأحد أمرين: إما أن يموت المحال عليه مفلساً أو أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة للمحال؛ لأن العجز عن الوصول إلى الحق يتحقق بكل واحد منهما، وهو التوى في الحقيقة. وقال الصاحبان: يتحقق التوى بوجه ثالث: وهو أن يفلس المحال عليه حال حياته، ويقضي القاضي بإفلاسه حال حياته. وهذا مبني على قاعدة أخرى مختلف فيها بين الإمام وصاحبيه: وهي أن القاضي يقضي بالإفلاس حال الحياة عندهما، وعنده: لا يقضي به لأن مال الله غاد ورائح. وإذا تحقق التوى يرجع صاحب الدين على المحيل. وقال الحنابلة والشافعية والمالكية: إذا تمت الحوالة وانتقل الحق ورضي المحال، لم يعد الحق إلى المحيل أبداً، سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غيرها. فلو كان المحال عليه مفلساً عند الحوالة، وجهله المحال، فلا رجوع له على المحيل؛ لأنه مقصر بترك البحث، فأشبه من اشترى شيئاً هو مغبون فيه، فإن شرط المحال يسار المحال عليه، فبان معسراً، رجع على المحيل عند الحنابلة والمالكية، لقول النبي ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» (٢).

стр. 4073

والمالكية قالوا أيضاً: لكن يرجع المحال على المحيل إذا غرره بأن أحاله على معدم مفلس. ودليل هؤلاء في الجملة أن جد سعيد بن المسيب: «كان له على علي ﵁ دين، فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فقال: اخترت علينا، أبعدك الله» فأبعده بمجرد الحوالة، ولم يخبره أن له الرجوع، ولأن الحوالة تقتضي البراءة من الدين، وقد حصلت مطلقة عن شرط سلامة الحق، فتفيد البراءة مطلقاً. وأما حديث عثمان (الذي استدل به الحنفية) فلم يصح، ولو صح كان قول علي مخالفاً له (١). ٣ - أداء المحال عليه المال إلى المحال: وهذا أمر بدهي، فإذا أدى المحال عليه المال انتهت الحوالة، إذ أن حكمها قد انتهى. ٤ - أن يموت المحال ويرث المحالُ عليه مالَ الحوالة ؛ لأن الإرث من أسباب الملك، فيملك المحال عليه الدين في هذه الحال. وتنتهي الحوالة المقيدة عند أبي حنيفة وصاحبيه، خلافاً لبقية الفقهاء، بموت المحيل لدخول المال الذي قيدت به الحوالة في تركة المحيل. ٥ - أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبل الهبة. ٦ - أن يتصدق المحال على المحال عليه، ويقبل الصدقة؛ لأن الهبة والصدقة في معنى الإرث أو الأداء. ٧ - أن يبرئ المحال المحال عليه.

стр. 4074

المبحث الخامس - رجوع المحال عليه على المحيل الكلام هنا في موضعين: شرائط الرجوع، وبيان ما يرجع به. أما شرائط الرجوع فهي ما يأتي: ١ - أن تكون الحوالة بأمر المحيل: فإن كانت بغير أمره لا يرجع مثل أن يقول رجل للدائن: إن لك على فلان كذا وكذا من الدين، فاحتل بها علي، فرضي بذلك، جازت الحوالة. ولكنه إذا أدى المحال عليه المال لا يرجع على المحيل؛ لأنه سيكون حينئذ متبرعاً، ولم يحصل معنى التمليك للدين من المحال للمحال عليه، فلا يحق له الرجوع. ٢ - أداء مال الحوالة أو ما هو في معنى الأداء كالهبة والصدقة إذا قبل المحال عليه، وكذا إذا ورث المحال عليه المحال؛ لأن الإرث من أسباب الملك، فإذا ورثه فقد ملك الشيء الموروث، فكان له حق الرجوع. ولو أبرئ المحال عليه من الدين لا يرجع على المحيل؛ لأن الإبراء إسقاط حقه، فلم يملك المحال عليه شيئاً فلا يرجع. ٣ - ألا يكون للمحيل على المحال عليه دين مماثل للدين الذي أحيل به المحال. فإن كان هناك دين وقعت المقاصة بينهما (١). وأما ما يرجع به المحال عليه على المحيل: فهو أنه يرجع بالمحال به، لا بالمؤدى، كالكفيل، فلو أدى عروضاً مكان النقود، فإنه يرجع على المحيل بالنقود؛

стр. 4075

لأن الرجوع يحق له بحكم ما تم له من الملك، وأنه يملك دين الحوالة، لا المؤدى، وذلك بخلاف الوكيل بقضاء الدين كما ذكر في الكفالة. اختلاف المحيل مع المحال: لو قبض المحال مال الحوالة ثم اختلف مع المحيل، فقال المحيل: لم يكن لك علي شيء، وإنما أنت وكيلي في القبض، والمقبوض لي، وقال المحال: لا، بل أحلتني بألف مثلاً كانت لي عليك، فحينئذ القول قول المحيل مع يمينه؛ لأن المحال يدعي عليه ديناً، والمحيل ينكر، والقول قول المنكر عند عدم البينة مع يمينه (١). السفاتج: هي كما بينت في بحث القرض جمع سُفْتَجة: وهي الورقة. وهي أن يدفع امرؤ إلى تاجر مبلغاً قرضاً ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر ليستفيد به سقوط خطر الطريق. وهذا مكروه تحريماً عند الحنفية؛ لأنه في الحقيقة قرض استفاد به المقرض أمن خطر الطريق. وهو نوع من النفع المستفاد على حساب القرض، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قرض جر نفعاً (٢). كراهة هذا التصرف ناشئة عما إذا كان أمن خطر الطريق مشروطاً. فإذا تم القرض دون أن يشترط المقرض في عقد القرض دفع المال في بلد آخر بالحوالة ونحوها، جاز القرض. ويجوز أيضاً إذا دفع المال إليه أمانة لتسليمها في بلد آخر (٣).

стр. 4076

الفَصْلُ الثَّاني عَشَر: الرَّهن خطة البحث: الكلام عن عقد الرهن في المباحث السبعة التالية: المبحث الأول - تعريف الرهن ومشروعيته وركنه وعناصره وأحواله. المبحث الثاني - شروط الرهن: (شروط العاقدين، والصيغة، والمرهون به، والمرهون، وشروط تمام الرهن، قبض الرهن، ما يجوز ارتهانه، وما لا يجوز، وما يتفرع عن القبض وغيره من الشروط). المبحث الثالث - أحكام الرهن أو آثاره الرهن الصحيح والرهن الفاسد المبحث الرابع - نماء الرهن أو زوائده المبحث الخامس - الزيادة في الرهن والدين المبحث السادس - انتهاء الرهن وحالاته المبحث السابع - اختلاف الراهن والمرتهن

стр. 4077

المبحث الأول - تعريف الرهن ومشروعيته وركنه وعناصره وأحواله: تعريف الرهن: الرهن لغة: إما الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن أي راكد، وحالة راهنة: أي ثابتة. وإما الحبس واللزوم، قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر:٣٨/ ٧٤] أي محبوسة. والظاهر أن في الحبس معنى الدوام والثبوت، فأحد المعنيين تطور للمعنى الآخر، والظاهر أن المعنى الأول هو الحبس؛ لأنه المعنى المادي. وعلى كل حال، فالمعنى الشرعي ذو صلة بالمعنى اللغوي، وقد يطلق الرهن لغة على الشيء المرهون: وهو ما جعل وثيقة للدين، من باب تسمية المفعول بالمصدر. وعقد الرهن شرعاً (١): حبس شيء بحق يمكن استيفاؤه منه، أي جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين بحيث يمكن أخذ الدين كله أو بعضه من تلك العين. أو هو عقد وثيقة بمال، أي عقد على أخذ وثيقة بمال، لا بذمة شخص، فامتاز عن الكفالة؛ لأن التوثق بها إنما يكون بذمة الكفيل، لا بمال يقبضه الدائن، ومعنى «وثيقة» أي متوثق بها، فقد توثق الدين وصار مضموناً محكماً بالعين المرهونة، وكون الوثيقة ذات قيمة مالية لإخراج العين النجسة والمتنجسة بنجاسة لا يمكن إزالتها، فإنها لا يجوز أن تكون وثيقة للدين. وعرفه الشافعية (٢) بقولهم: جعل عين وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه. وقولهم «جعل عين» يفيد عدم جواز رهن المنافع؛ لأنها تتلف فلا يحصل بها استيثاق.

стр. 4078

وعرفه الحنابلة (١) بأنه: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه. وعرفه المالكية (٢): بأنه شيء متموَّل يؤخذ من مالكه، توثقاً به، في دين لازم، أو صار إلى اللزوم، أي أنه تعاقد على أخذ شيء من الأموال عيناً كالعقار والحيوان والعروض (السلع)، أو منفعة، على أن تكون المنفعة معينة بزمن أو عمل، وعلى أن تحسب من الدَّين. ولا بد من أن يكون الدين لازماً كثمن مبيع، أو بدل قرض، أو قيمة متلف، أو صائراً إلى اللزوم، كأخذ رهن من صانع أو مستعير، خوفاً من ادعاء ضياع، فيكون الرهن في القيمة على ما يلزم. وليس المراد من الأخذ عند المالكية: التسليم الفعلي؛ لأن التسليم بالفعل ليس شرطاً عندهم في انعقاد الرهن، ولا في صحته، ولا في لزومه، بل ينعقد ويصح ويلزم بالصيغة أي بمجرد الإيجاب والقبول، ثم يطلب المرتهن أخذه. صفة الرهن العامة: والرهن عقد من عقود التبرع؛ لأن ما أعطاه الراهن للمرتهن غير مقابل بشيء (٣)، وهو من العقود العينية: وهي التي لا تعتبر تامة الالتزام إلا إذا حصل تسليم العين المعقود عليها، وهذه العقود خمسة: الهبة، والإعارة، والإيداع، والقرض، والرهن. والسبب في اشتراط القبض لتمامها: هو أنها تبرع، والقاعدة تقول: «لا يتم التبرع إلا بالقبض» فيعتبر العقد فيها عديم الأثر قبل القبض، والتنفيذ هو المولد لآثار العقد. مشروعيته وحكمه: الرهن مشروع بالقرآن والسنة والإجماع. أما القرآن:

стр. 4079

فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢]. والرهن باتفاق الفقهاء جائز في الحضر والسفر، خلافاً لمجاهد والظاهرية (١)، لإطلاق مشروعيته في السنة، وذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، لكون الكاتب في الماضي غير متوافر في السفر غالباً، ولا يشترط أيضاً عدم وجود الكاتب، لثبوت جوازه في السنة مطلقاً. والآية أرادت إرشاد الناس إلى وثيقة ميسَّرة لهم عند فقدان كاتب يكتب لهم الدين. وأما السنة: فروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً، ورهنه درعاً من حديد» (٢) وعن أنس قال: «رهن رسول الله ﷺ درعاً عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيراً لأهله» (٣). وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» (٤). وعن أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: «لا يَغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غُرْمة» (٥) وغلق الرهن: استحقاق المرتهن إياه، لعجز الراهن عن فكاكه، أي لا ينفك ملك الرهن عن صاحبه، ولا يستحقه المرتهن، إذا

стр. 4080

لم يفتكه في الوقت المشروط. وفي هذا رد على ما كان في الجاهلية، من أن المرتهن كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المعيّن، فأبطله الشارع. والحكمة من تشريع الرهن توثيق الديون، فكما أن الكفالة توثق الدين شخصياً، يوثق الرهن الدين مالياً، تسهيلاً للقروض. والرهن يفيد الدائن بإعطائه حق الامتياز أو الأفضيلة على سائر الدائنين الغرماء. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الرهن. أما الكفالة أو الكتابة أو الإشهاد فلا تُحقق بنحو مؤكد مصلحة الدائن؛ لأن الرهن وثيقة بالدين في يد المرتهن مقابل حقه، ويتمكن من استيفاء دينه منه ببيعه بإذن القاضي أو بإذن مالكه الراهن. ويحقق الرهن أيضاً مصلحة الراهن بالحصول على الدين أي النقد، أو بتأجيل الثمن بدفع متاع يكون رهناً، فيكون الرهن محققاً مصلحة الطرفين. و حكم الرهن التكليفي شرعا ً: أنه جائز غير واجب بالاتفاق؛ لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب، كما لم تجب الكفالة. وقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢] أمر إرشاد للمؤمنين، لا إيجاب عليهم، بدليل قوله تعالى عقبه: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢]، ولأنه تعالى أمر به عند عدم وجود الكاتب، وبما أن الكتابة غير واجبة، بدليل: ﴿فإن أمن … ﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢] فكذلك بدلها (١). ركن الرهن وعناصره: للرهن عناصر أربعة: هي الراهن، والمرتهن، والمرهون، والمرهون به. فالراهن: معطي الرهن، والمرتهن: آخذه، والمرهون أو الرهن: ما أعطي من المال وثيقة للدين، والمرهون به هو الدين.

стр. 4081

وركن الرهن عند الحنفية (١): هو الإيجاب والقبول، من الراهن والمرتهن، كسائر العقود، ولكن لا يتم ولا يلزم إلا بالقبض أي التخلية أو النقل كأن يقول الراهن: رهنتك هذا الشيء بما لك علي من الدين، أو هذا الشيء رهن بدينك، ونحوه. ويقول المرتهن: ارتهنت أو قبلت، أو رضيت ونحوه. ولا يشترط لفظ «الرهن» فلو اشترى شيئاً بدراهم، وسلم إلى البائع شيئاً، وقال له: أمسكه، حتى أعطيك الثمن، انعقد الرهن؛ لأن العبرة في العقود للمعاني. وقال غير الحنفية (٢): للرهن أركان أربعة: صيغة، وعاقد، ومرهون، ومرهون به. وهكذا الخلاف في قضية الركن بين الحنفية وغيرهم في كل العقود، فالركن عند الجمهور أوسع منه عند الحنفية، فإن الركن عند الحنفية: ما كان جزءاً من شيء، وتوقف وجوده عليه؛ لأن من الأجزاء ما يتوقف عليها الوجود، ومنها مالايتوقف عليها الوجود. أما الركن عند الجمهور: فهو ما توقف عليه وجود الشيء، ولا يمكن تصوره إلا به، سواء أكان جزءاً منه، أم لا. فالعاقد ركن، إذ لايتصور عقد بدون عاقد، وإن لم يكن جزءاً من العقد، أما العاقد عند الحنفية، فيعد من شروط العقد. أحوال الرهن: للرهن المتفق عليه أحوال ثلاثة (٣):

стр. 4082

الأولى - أن يقع مع العقد المنشئ للدين: كأن يشترط البائع على المشتري بثمن مؤجل إلى المستقبل في مدة معينة تسليم رهن بالثمن. وهذا صحيح باتفاق المذاهب، لأن الحاجة داعية إليه. الثانية - أن يقع بعد الحق أو نشوء الدين: وهو صحيح أيضاً بالاتفاق؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به كالضمان (الكفالة). وآية ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:٢٨٣/ ٢] تشير إليه؛ لأن الرهن بدل عن الكتابة، والكتابة بعد وجوب الحق. الثالثة - أن يقع قبل نشوء الحق: مثل: رهنتك متاعي هذا بمئة تقرضنيها: يصح عند المالكية والحنفية؛ لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها قبل وجوبه، كالكفالة وهذا هو المعقول. ولا يصح عند الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب؛ لأن الوثيقة بالحق لا تلزم قبله، كالشهادة، ولأن الرهن تابع للحق، فلا يسبقه. المبحث الثاني - شروط الرهن: للرهن شروط انعقاد، وشروط صحة، وشرط لزوم وهو القبض. المطلب الأول - شروط العاقدين: يشترط في عاقدي الرهن (الراهن والمرتهن) ما يأتي (١): الأهلية: الأهلية عند الحنفية والمالكية: هي أهلية البيع، فكل من يصح بيعه يصح رهنه؛ لأن الرهن تصرف مالي كالبيع، فوجب أن يراعى في عاقديه ما يراعى

стр. 4083

في عاقدي البيع. فيشترط في عاقدي الرهن: العقل أو التمييز، فلا يجوز الرهن والارتهان من المجنون والصبي غير المميز أو الذي لا يعقل. ولا يشترط البلوغ، فيجوز الرهن من الصبي المأذون في التجارة؛ لأن ذلك من توابع التجارة. ويصح رهن الصبي المميز والسفيه، موقوفاً على إجازة وليه. والأهلية عند الشافعية والحنابلة تتمثل في أهلية البيع والتبرع، فيصح الرهن ممن يصح بيعه وتبرعه؛ لأن الرهن تبرع غير واجب، فلا يصح من مستكره، ولا من صبي غير بالغ، ولا مجنون، ولا سفيه، ولا مفلس، ولا يصح من ولي أباً أو جداً أو وصي أو حاكم إلا لضرورة أو مصلحة ظاهرة للقاصر، مثال الضرورة: أن يرهن على ما يقترض لحاجة المؤنة (القوت)، ليوفي مما ينتظر من غلة، أو حلول دين، أو رواج متاع كاسد (بائر)، أو أن يرتهن ما يقرضه أو يبيعه مؤجلاً لضرورة نهب أو نحوه. ومثال المصلحة (أو الغبطة) الظاهرة للقاصر: أن يرهن ما يساوي مئة على ثمن ما اشتراه بمئة نسيئة مؤجلة، وهو يساوي مئتين حالّتين. وأن يرتهن على ثمن ما يبيعه نسيئة بمصلحة ظاهرة. وإذا رهن الولي أو الوصي: فلا يرهن إلا من أمين غير خائن، موسر، وأن يشهد على الرهن، وأن يكون الأجل قصيراً عرفاً. فإن فقد شرط من هذه الشروط، لم يجز الرهن (١). ولا يصح للولي أو الوصي أن يرهن مال موليه لدين عليهما لأجنبي، إذ ليس فيه مصلحة المولى عليه. وعبر الحنابلة عن هذا الحكم بشرطين: أن يكون عند ثقة، وأن يكون للقاصر

стр. 4084

فيه حظ أي حاجة إلى نفقة أو كسوة أو إصلاح عقاره المتهدم أو رعاية بهائمه (١). وللأب أن يرهن من نفسه لولده، ولنفسه من ولده، والجد كالأب عند الشافعية لوفور شفقتهما. رهن الولي والوصي مال الصغير عند الحنفية: هنا أمور ثلاثة: رهن مال الصغير بدين للصغير، أو بدين للولي، وموقف الصغير من الرهن بعد البلوغ (٢). وقد عرفنا قبله مباشرة حكم رهن مال القاصر عند غير الحنفية. ١ - رهن مال الصغير أو المجنون بدين لهما: للولي أو الوصي أو القيم أن يرهن مال القاصر (صبي أو مجنون ونحوهما) لدين للقاصر استدين من أجل كسوته وطعامه، أو بسبب الاتجار في ماله؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة، والتجارة تثمير لمال القاصر، والرهن إيفاء للحق، فيجوز. وإذا كان الأب أو الجد هو الدائن للقاصر أو كان كل من الدائن والمدين تحت ولايته، جاز له أن يتولى طرفي العقد، فيكون راهناً بالنيابة عن موليه، ومرتهناً بالنسبة إلى نفسه، في الحالة الأولى. وراهناً عن أحد مولييه، ومرتهناً بالنسبة إلى الآخر، في الحالة الثانية، لأنه لوفور شفقته، نزل منزلة شخصين، وقامت عبارته مقام عبارتين، كما في بيعه مال القاصر لنفسه.

стр. 4085

ولا يجوز ذلك للحاكم، ولا للوصي، لقصور شفقتهما بالنسبة للأب، ولأن كليهما وكيل محض، والأصل أن الشخص الواحد لا يتولى طرفي العقد، سواء في البيع أو الرهن ونحوهما. ٢ - رهن مال القاصر بدين للولي: الاستحسان عند أبي حنيفة ومحمد: يقتضي أن يجوز للأب أو الجد أو الوصي أن يرهن مال موليه بدين نفسه عند دائنه؛ لأن للولي أو الوصي إيداع مال موليه، والرهن أولى من الإيداع؛ لأن الوديع أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، والمرتهن يضمن الرهن إن هلك، ولو بلا تعدٍ ولا تقصير. والقياس وهو رأي أبي يوسف وزفر: ألا يجوز للولي أو الوصي رهن مال القاصر بدين لهما؛ لأنهما لا يملكان إيفاء دينهما بأموال موليهما، وفي إقدامهما على رهن مال موليهما إيفاء لدينهما حكماً، فيمنع، كالإيفاء حقيقة. وإذا جاز الرهن عملاً بمقتضى الاستحسان، ثم هلك عند الدائن، يضمن الولي للمولى عليه الأقل من قيمة الرهن ومن الدين، دون زيادة عليه، أما الوصي فيضمن قيمة الرهن في جميع الأحوال؛ لأن للأب أو الجد أن ينتفع بمال الصغير، وليس للوصي الحق في الانتفاع. وللولي أباً أو جداً رهن ماله بدين عليه للصغير عند ولده الصغير، ويحبسه الولي لأجل الصغير، ولا يجوز هذا الرهن للوصي. كما يجوز للولي عكس المذكور: وهو أن يرهن عنده مال الصغير بدين عليه؛ لأنه لوفور شفقته جعل كشخصين، وتقوم عبارته مقام عبارتين أي عبارتي الإيجاب والقبول، كشرائه مال طفله. ولا يجوز هذا الرهن للوصي، لأنه وكيل

стр. 4086

محض، فلا يتولى طرفي العقد في رهن ولا بيع ونحوهما مما يتطلب وجود عاقدين في عقود ذات حقوق متباينة. ٣ - موقف الصغير من الرهن بعد البلوغ: إذا بلغ الصغير أو زال عارض الحجر، فوجد مالاً له مرهوناً، فليس له إبطال الرهن، أو استرداده حتى يقضى الدين؛ لأن تصرف الولي بالرهن وقع نافذاً لازماً، وصدر ممن له ولاية إصداره، سواء أكان الرهن بدين على الصغير، أم بدين على الولي نفسه، أم بدين عليهما معاً. فإن قضي الدين عن الولي نفسه من مال الصغير المرهون أو هلك المرهون قبل أن يفتكه الراهن، كان للصغير بعد بلوغه حق الرجوع طبعاً في مال الولي، والمطالبة بتسديد حقه؛ لأنه مضطر إلى إحياء ملكه، والمحافظة على حقوقه سواء أكان الولي حياً أم ميتاً، ويكون في هذه الحالة مثل من أعار متاعه لآخر، ليرهنه المستعير بدين عليه لشخص ثالث، فللمعير أن يفتك - عند الضرورة - رهنه، بدفع دين المستعير، ويرجع بما أوفى من الدين على المستعير. تعدد أطراف الرهن: قد يتعدد الراهن أو المرتهن، كما لو رهن رجلان بدين عليهما رهناً عند آخر، أو يرهن رجل شيئاً بدين عليه عند رجلين، يصح الرهن في الحالتين لعدم الشيوع المانع من صحة الرهن عند الحنفية (١)؛ لأنه في حالة تعدد الراهن يحصل قبض المرهون من المرتهن بدون إشاعة، فصار كرهن الواحد من الواحد، وفي حالة تعدد المرتهن أضيف الرهن إلى جميع العين المرهونة بصفقة واحدة، ومقتضى الرهن (أو

стр. 4087

موجبه) حبس المرهون بالدين، والحبس لا يتجزأ، فصار الرهن محبوساً بكل من المرتهنين. وذلك بخلاف هبة الواحد لاثنين لا تجوز عند أبي حنيفة؛ لأن المقصود من الهبة هو التملك، والشيء الواحد الموهوب لا يتصور كونه ملكاً لكل من الموهوب لهما على سبيل الكمال والاستقلال، فلا بد من قسمة الموهوب ليتصور تملك الموهوب له للموهوب. وأحكام الحالتين كما يأتي: في حالة تعدد الراهنين: يصح الرهن بكل الدين، وللمرتهن حبس المرهون حتى يستوفي كل الدين من الراهنين. فإذا أدى أحد الراهنين ما عليه من الدين، لم يكن له أن يقبض شيئاً من الرهن؛ لأن فيه تفريق الصفقة على المرتهن في الإمساك. ويرى الشافعية أنه إذا وفى أحد الراهنين ما عليه من الدين، انفك من الرهن بمقدار نصيبه أو قسطه، ولا يبقى الشيء كله رهناً حتى يفك الراهن الآخر حصته. في حالة تعدد المرتهنين: يعتبر المرهون كله أيضاً رهناً محبوساً عند كل واحد منهما بدينه، لحمل الراهن على وفاء الدين، ما دام الرهن قائماً. فإن قضى الراهن أحد المرتهنين دينه، كانت العين المرهونة كلها رهناً في يد الآخر، حتى يستوفي دينه؛ لأن العين كلها رهن في يد كل منهما بلا تفرق أو تجزئة. وكيفية حبس المرهون عند المرتهنين: هو أنه إذا كان المرهون مما يقبل التجزؤ، فعلى كل واحد من المرتهنين حبس النصف، فلو سلم أحدهما كل المرهون للآخر، ضمنه عند أبي حنيفة، خلافاً للصاحبين. وأما إذا كان المرهون مما لا يتجزأ،

стр. 4088

فيحبسه المرتهنان على طريق المهايأة (١)، فإن تهايآ، كان كل واحد منهما في نَوْبته كالعَدْل في حق الآخر. ويرى الشافعية أنه إذا وفى الراهن دين أحد المرتهنين، انفك من المرهون قسطه الذي يقابله من الدين. أما إن تعددت العين المرهونة كرهن سيارتين مقابل دين مقداره مئتا ألف، ثم وفى المدين بعض الدين الذي يقابل إحدى السيارتين، فإن كان رهن السيارتين مقابل الدين بلا تفريق، لم يكن له الحق بقبض سيارة حتى يوفّي الدين كله. وإن كان رهن السيارتين مفرقاً بأن قال: كل سيارة بمئة ألف، كان له الحق بقبضها؛ لأن العقد صار في حكم عقدين حين عين حصة كل من المرهونين. وإذا هلك المرهون، صار كل واحد من المرتهنين مستوفياً حصة دينه من المرهون؛ لأن الاستيفاء يتجزأ. وفي حالة الهلاك هذه لو قضى الراهن دين أحدهما، استرد ما قضاه من الدين؛ لأن ارتهان كل منهما باق، حتى يعود الرهن إلى الراهن؛ لأن كل مرتهن كالعدل بالنسبة للمرتهن الآخر في حالة عدم قابلية تجزئة المرهون. المطلب الثاني - شروط الصيغة: اشترط الحنفية (٢) في صيغة الرهن ألا يكون معلقاً بشرط، ولا مضافاً إلى زمن مستقبل؛ لأن عقد الرهن يشبه عقد البيع من ناحية كونه سبيلاً إلى إيفاء الدين واستيفائه، فلا يقبل التعليق بشرط، والإضافة للمستقبل، وإذا علق الرهن أو أضيف، كان فاسداً كالبيع (٣).

стр. 4089

وإذا اقترن الرهن بالشرط الفاسد أو الباطل، صح الرهن، وبطل الشرط؛ لأن الرهن ليس من عقود المعاوضات المالية. جاء في الزيادات والبزازية: والرهن لا يبطل بالشروط الفاسدة؛ لأنه تبرع بمنزلة الهبة، إذ لا يستوجب الراهن على المرتهن شيئاً، بتمليكه حبس الرهن عنده. ولكن جاء في البدائع (١): أن الرهن تبطله الشروط الفاسدة كالبيع، بخلاف الهبة. والأصح في تقديري هو رواية البزازية والزيادات؛ لأن الرهن ليس من المعاوضات، فيصح الرهن وإن سقط الدين بهلاكه، جاء في الهداية: الرهن عقد تبرع، لأنه لا يستوجب بمقابلته شيئاً على المرتهن (٢). والشرط المشروط في الرهن عند غير الحنفية إما صحيح أو فاسد، والفاسد إما مفسد للعقد، وإما لاغٍ باطل وحده والعقد صحيح، على تفصيل فيما يأتي. قال الشافعية (٣): الشروط المشروطة في الرهن ثلاثة أنواع: ١ - الشرط الصحيح: وهو أن يشترط في الرهن ما يقتضيه كتقدم وفاء المرتهن عند تزاحم الغرماء، ليستوفي منه دينه، مفضلاً على بقية الدائنين، أو أن يشرط فيه مصلحة للعقد ولا يترتب عليه جهالة، كالإشهاد به، فيصح العقد والشرط، كالبيع. ٢ - الشرط الباطل أو اللغو: وهو أن يشرط فيه مالا مصلحة فيه ولا غرض، كأن لا يأكل الحيوان المرهون كذا، فيبطل الشرط، ويصح العقد.

стр. 4090

٣ - الشرط المفسد للعقد: وهو أن يشرط ما يضر المرتهن، كشرط ألا يبيعه بعد حلول أجل وفاء الدين إلا بعد شهر، أو ألا يباع بأكثر من ثمن المثل، أو أن يشرط ما يضر الراهن وينفع المرتهن، كشرط منفعة غير مقدرة بمدة للمرتهن ولا بأجر عليها، أو إعطاء المرتهن زوائد الرهن، فيبطل الشرط للجهل بها ولعدمها حين الاشتراط ولحديث: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (١)، ويبطل العقد في الأظهر، لمخالفة الشرط مقتضى العقد، كالشرط الذي يضر المرتهن. وكذلك يفسد الشرط والعقد إذا شرط جعل زوائد الرهن كالصوف والثمرة والولد مرهونة؛ لأنها معدومة حين الاشتراط ومجهولة. والظاهر أن الرهن يفسد أيضاً بتعليقه أو إضافته للمستقبل. وبه يتبين أن الشرط الفاسد: هو ما كان ضاراً بأحد العاقدين، أو كان فيه جهالة. والأظهر أنه متى فسد الشرط، فسد العقد. وقال المالكية (٢): يصح الشرط الذي لا يتنافى مع مقتضى العقد، ولا يؤول إلى حرام، أما ما يتنافى مع مقتضى العقد، فهو شرط فاسد، مبطل للرهن، كأن يشترط في الرهن أن يكون تحت يد الراهن، لا يقبضه المرتهن، أو ألا يباع المرهون في الدين عند حلول الأجل، أو ألا يباع الرهن إلا بما يرضى به الراهن من الثمن. وأما الشرط الحرام الممنوع الفاسخ للعقد: فهو أن يرهن الرجل رهناً، على أنه لو جاء بحقه عند أجله، وإلا فالرهن له، فهذا فاسخ للعقد، لقوله ﷺ : «لا يَغْلَقِ الرهن» (٣).

стр. 4091

والخلاصة أن الشرط عند المالكية نوعان: صحيح وفاسد. ومذهب الحنابلة (١) كالمالكية: قالوا: الشرط في الرهن نوعان: شرط صحيح، وشرط فاسد. الصحيح: ما كان فيه مصلحة للعقد، ولايتنافى مع مقتضاه، ولا يؤول إلى حرمة يكرهها الشرع، مثل أن يشترط في الرهن أن يكون عند عدل، أو عدلين، أو أكثر، أو أن يبيعه العدل عند حلول أجل الدين أو الحق. والفاسد: هو ما ينافي مقتضى العقد، مثل ألا يباع الرهن عند حلول أجل الحق، أو لا يستوفى الدين من ثمنه، أولا يباع إذا ما خيف تلفه، أو أن يباع بأي ثمن كان، أو ألا يباع إلا بما يرضى به الراهن. فهذه كلها شروط فاسدة، لمنافاتها مقتضى عقد الرهن؛ لأنها شروط تحول دون الوفاء بالدين عادة، وذلك يتنافى مع الغرض المقصود من الرهن. ومن الشروط الفاسدة: أن يشترط الخيار للراهن نفسه، أو ألا يكون الرهن لازماً في حقه، أو توقيت الرهن، أو أن يكون الرهن يوماً، ويوماً لا يكون، أو كون الرهن في يد الراهن، أوأن ينتفع به، أو أن ينتفع به المرتهن، أو يكون مضموناً عليه، أو أنه متى حل أجل الحق ولم يوفه الراهن، فالرهن للمرتهن بالدين أو فهو مبيع بالدين، ولا يصح الرهن معلقاً بشرط كالبيع، أي أنه فاسد. وهل يفسد الرهن بالشرط الفاسد عند الحنابلة؛ فيه آراء عندهم. قال القاضي أبو يعلى: يحتمل أن يفسد الرهن بهذا الاشتراط؛ لأن العاقد إنما بذل ملكه، ورضي بالرهن على هذا الشرط، فإذا لم يسلم له، لم يصح العقد لعدم الرضا به بدونه.

стр. 4092

وقيل: إن شرط الرهن مؤقتاً، أو رهنه يوماً، ويوماً لا، فسد الرهن، وإن شرط غيرذلك من الشروط الفاسدة، فعلى وجهين: قيل: يفسد الرهن، وقيل: لا يفسد، وأيد أبو الخطاب عدم فساده؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يغلق الرهن» وقد قاله في رهن شرط فيه شرط فاسد، ولم يحكم بفساده، ولأن الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط، فمع بطلانه أولى أن يرضى به. وقيل: ما ينقص حق المرتهن يبطله وجهاً واحداً، وما لا، فعلى وجهين، والمعتمد عندهم كما جاء في مجلة الأحكام الشرعية (م ٩٦٢): «لايفسد عقد الرهن بفساد الشرط، وإنما يلغو الشرط فقط». المطلب الثالث - شروط المرهون به: المرهون به: هو الحق الذي أعطي به الرهن. و يشترط فيه عند الحنفية ما يأتي: الشرط الأول - أن يكون حقاً واجب التسليم إلى صاحبه: لأنه إذا لم يكن واجب التسليم، فلا محل لأن يعطى به رهن لتوثيقه، إذ لا إلزام على المطالب بالحق حتى يستوجب التوثق به (١). وعبر الحنفية عن هذا الشرط بقولهم: أن يكون ديناً مضموناً (٢)، أي أن

стр. 4093

يكون الدين واجب التسليم على الراهن، وعبارتنا أوضح؛ لأن الحق المرهون به: إما أن يكون ديناً، وإما أن يكون عيناً واجبة التسليم. أولاً - إن كان ديناً، جاز الرهن به، أياً كان سبب هذا الدين، قرضاً أو بيعاً، أو إتلافاً أو غصباً؛ لأن الديون واجبة الوفاء، فكان الرهن بها رهناً بحق واجب التسليم إلى صاحبه. وسواء في هذا أن يكون الدين مما يجوز استبداله قبل قبضه، أو مما لا يجوز استبداله قبل قبضه، كرأس مال السلم، وبدل الصرف، والمسلم فيه. وهذا عند أئمة الحنفية الثلاثة. وقال زفر: لا يجوز الرهن بما لا يصح الاستبدال فيه قبل القبض؛ لأن سقوط الدين بهلاك الرهن إذا هلك، إنما يكون نتيجة لاستبداله بما وجب في ذمة المرتهن بذلك الهلاك، بمعنى أن عين الرهن صارت بدلاً عن الدين الذي رهنت به، واستبدال هذه الديون لا يصح، كما تبين في بحث السلم، فلو جاز الرهن بهذه الديون، لزم منه استبدال هذه الديون قبل قبضها، إذا هلك الرهن، وهو لا يجوز شرعاً. ولا يقال في هذه الحال: إن سقوط الدين، كان بطريق الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء لايتحقق إلا عند اتحاد الرهن والدين جنساً، والغالب أن يكونا مختلفي الجنس. فيختص جواز الرهن بدين يمكن استبداله. ودليل جمهور الحنفية: أن سقوط الدين دائماً عند هلاك الرهن، إنما هو بطريق الاستيفاء، لا بطريق الاستبدال. ويكفي في تحقق الاستيفاء وجود المجانسة في المالية، إذ أن الاستيفاء يتم بمالية الرهن، لا بصورته، والأموال كلها من ناحية المالية جنس واحد. وقد يسقط اعتبار المجانسة من حيث الصورة، ويكتفي

стр. 4094

بالمجانسة المالية للحاجة والضرورة، كما في إتلاف مالا مثل له من جنسه (١)، وقد تحققت الحاجة والضرورة في الرهن، لحاجة الناس إلى توثيق ديونهم في جميع الأحوال (٢). وأما غير الحنفية (٣): فروي عن الإمام أحمد روايتان في دين المسلم، رواية بالجواز، ورواية بعدم الجواز. وعلى الرواية الأولى: إذا كان الرهن بالمسلم فيه، ثم تقايلا السلم أو فسخ العقد، بطل الرهن، لزوال الدين الذي رهن به. وعلى المسلم إليه رد رأس مال السلم في الحال إلى رب السلم (المسلم). وقال مالك والشافعية: لا يجوز الرهن في بدل الصرف ورأس مال السلم المتعلق بالذمة؛ لأنه يشترط التقابض في مجلس العقد. ويجوز أخذ الرهن في المسلم فيه؛ لأنه دين، والآية أجازت الرهن في المداينة. ثانياً - وإن كان المرهون به عيناً، ففيه تفصيل: إن كانت العين أمانة كالوديعة والعارية والمأجور ومال الشركة والمضاربة

стр. 4095

فلايجوز الرهن بها بالاتفاق؛ لأن قبض الرهن مضمون، فلا بد من أن يقابله مضمون، أي لا رهن إلا بمضمون، ليصبح القبض موصلاً إلى الاستيفاء. و إن كانت العين مضمونة بنفسها: وهي التي يجب ضمان مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل كالمغصوب في يد الغاصب، والمقبوض على سوم الشراء، والمهر في يد الزوج، وبدل الخلع في يد الزوجة، وبدل الصلح عن دم العمد، فيجوز الرهن بها عند الحنفية، وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى يسترد العين المرهون بها. وإن هلك الرهن في يد المرتهن قبل استرداد العين، وهي قائمة باقية، يقال للراهن: سلِّم العين إلى المرتهن، وخذ منه الأقل من قيمة الرهن، ومن قيمة العين؛ لأن المرهون مضمون بالأقل المذكور. وأجاز المالكية والحنابلة (١) كالحنفية كون المرهون به عيناً مضمونة بنفسها. وقال الشافعية (٢) لا يصح الرهن بالعين التي هي أمانة أو مضمونة لاشتراطهم كون المرهون به ديناً؛ لأنه تعالى ذكر الرهن في المداينة، فلا يثبت في غيرها؛ ولأن هذه العين لا تستوفى من ثمن المرهون، وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع (٣). وأما إن كانت العين مضمونة بغيرها: كالمبيع في يد البائع، فإنه مضمون بغيره، وهو الثمن، فلو هلك المبيع في يد البائع، سقط الثمن عن المشتري، فلا يصح الرهن به، في رواية النوادر عن أبي حنيفة؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء، ولا يتحقق معنى الاستيفاء في المضمون بغيره، إذ لو هلك الرهن في يد المشتري، لا يصير مستوفياً شيئاً بهلاك الرهن.

стр. 4096

وفي ظاهر الرواية: إنه يصح الرهن بالمبيع قبل القبض؛ لأنه مضمون، وللمشتري أن يحبس المرهون حتى يقبض المبيع؛ لأن الاستيفاء المطلوب يتحقق من حيث المعنى؛ لأن المبيع قبل قبضه، إن لم يكن مضموناً بقيمته، مضمون بالثمن، ويعد سقوط الثمن عن المشتري بهلاك المبيع قبل تسليمه إليه، كالعوض عنه، فيصير المشتري مستوفياً مالية المبيع. و بناء على اشتراط كون المرهون به حقاً واجب التسليم إلى صاحبه يتفرع ما يأت: ١ - الرهن على نقود بعينها: لو تزوج شخص امرأة على نقود بعينها، أو اشترى شيئاً بنقود بعينها، فأعطى بها رهناً، لم يجز الرهن عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين، وجاز عند زفر؛ لأن النقود تتعين عنده بالتعيين. ٢ - الرهن بالدين الموعود به أو بما سيقرضه المرتهن للراهن: مقتضى هذا الشرط ألا يصح الرهن بالدين الموعود به، أو بما سيقرضه المرتهن للراهن؛ لأن الدين لا وجود له عند عقد الرهن، حتى يكون واجب التسليم. ولكن الحنفية والمالكية: أجازوا الرهن بالدين الموعود به الذي سيقرض في المستقبل، استحساناً لحاجة الناس إليه (١)، أما إذا ارتهن المرتهن بما يثبت له على الراهن في المستقبل بدون وعد فلا يجوز، ولا يصح الرهن عند الشافعية، والحنابلة في ظاهر المذهب (٢) بما سيقرضه، أي بدين مستقبل؛ لأنه ليس بحق ثابت في الذمة عند عقد الرهن، وقد شرع الرهن عند ثبوت الدين، لا عند الوعد به.

стр. 4097

٣ - الرهن بالدَّرَك (١): أي بما يدرك المبيع من استحقاق، كأن باع شخص شيئاً وقبض الثمن، وسلم المبيع إلى المشتري، فخاف المشتري الاستحقاق، فأخذ بالثمن من البائع رهناً قبل الدَّرَك: لا يجوز هذا الرهن وإن جاز ضمانه (كفالته)؛ لأن استحقاق الشيء المبيع قد يتحقق وقد لا يتحقق، فكان الرهن به رهناً بما لا يجب فيه التسليم حالاً، بل وبما لا وجود له في الحال، وربما في المستقبل. وأما الكفالة بالدرك فجائزة؛ لأن الكفالة التزام وضمان المطالبة، ويصح التزام الأفعال وضمانها في المستقبل، كالنذور. قال الحنفية: الرهن بالدرك باطل، والكفالة بالدرك جائزة (٢). أما الرهن فهو لاستيفاء الديون، وإذا لم يثبت الدين، فكيف يستوفى؟ فلا استيفاء قبل ثبوت الدين أو وجوبه، والاستيفاء فيه معنى المعاوضة، والمعاوضات والتمليكات لا يصح أن تضاف إلى المستقبل، لما في الإضافة من الخطر والغرر، والرهن بالدرك من هذا القبيل. فكأن الراهن البائع يقول للمرتهن المشتري: إن ظهر مستحق، فهذا الشيء رهن، تستوفي منه عوض الثمن. والفرق بين حالة الدرك والدين الموعود: أن الأول معدوم، والثاني كالموجود أي على وشك الثبوت، وقد صحح الحنفية الثاني للحاجة، كما تقدم. الشرط الثاني - أن يمكن استيفاء الدين من المرهون به: فإن لم يمكن الاستيفاء منه، لم يصح الرهن؛ لأن الارتهان استيفاء، فإذا انتفى الاستيفاء، انتفى الرهن والغرض منه (٣). وعليه فلا يصح الرهن بما يأتي:

стр. 4098

١ - القصاص بالنفس أو ما دونها، لا يجوز الرهن به؛ لأنه لا يمكن أو يتعذر استيفاء القصاص من المرهون. لكن يجوز الرهن بأرش (تعويض) الجناية؛ لأن استيفاء الأرش من الرهن ممكن. ٢ - الكفالة بالنفس أي إحضار شخص إلى مجلس القضاء ونحوه: لا يجوز الرهن بها؛ لأن المكفول به لا يحتمل استيفاؤه من الرهن. مثل أن يكفل زيد نفس خالد، على أنه إن لم يواف به إلى سنة، فعليه الألف الذي عليه. ثم قدم خالد رهناً بالمال إلى سنة، فالرهن باطل، لأنه لم يجب المال بعد على خالد، ولأن استيفاء المكفول به (وهو تسليم نفس من عليه الحق) من الرهن غير ممكن. ٣ - الشفعة: أي لا يجوز أخذ الرهن من المشتري الذي وجب عليه تسليم المبيع من أجل الشفعة، فلا يصح للشفيع أن يقول للمشتري: أعطني رهناً بالدار المشفوعة؛ لأن حق الشفعة لا يمكن استيفاؤه من الرهن، فلم يصح الرهن به. كما أن الشفعة ليست بمضمونة (واجبة التسليم) على المشتري، بدليل أنه لو هلك العقار المشفوع فيه، لا يجب عليه شيء. ٤ - أجرة على فعل محرم: كأجر النائحة أو المغنية، أو الراقصة، كأن استأجرها شخص، وأعطاها بالأجرة رهناً، لا يصح الرهن، لعدم صحة الإجارة، فلا تجب الأجرة، فكان الرهن بشيء غير مضمون لعدم مقابلته بشيء مضمون، فلم يصح الرهن. كما لا يصح الرهن بالمنفعة الثابتة في الذمة التي يلتزم بها الأجير المشترك، إذ لا يمكن استيفاء المنفعة من المال. الشرط الثالث - أن يكون الحق المرهون به معلوما ً: فلا يصح الرهن بحق مجهول، فلو أعطاه رهناً بأحد دينين له، دون أن يعينه، لم يصح الرهن.

стр. 4099

و اشترط الشافعية والحنابلة (١) في المرهون به شروطاً ثلاثة: ١ - أن يكون ديناً ثابتاً واجباً كقرض وقيمة متلف، أو منفعة كالعمل في إجارة الذمة كالأجير المشترك الذي استؤجر لخياطة ثوب وبناء دار، وحمل معلوم إلى موضع معين، لإمكان استيفاء المنفعة ببيع المرهون وتحصيلها من ثمنه، فإذا لم يقم الأجير بفعل المنفعة المستأجر عليها، بيع الرهن، واستؤجر منه من يعمل العمل المأجور عليه، وذلك خلافاً للحنفية، أما إجارة العين فلا يصح الرهن بها، لتعذر استيفاء المرهون به من غيرالمعين، وإن بيع المرهون. ويترتب على اشتراط الدين ألا يصح الرهن عند الشافعية بالأعيان المستعارة أو المغصوبة. وأجاز الحنابلة أخذ الرهن على عين مضمونة كالمغصوب والعاريّة، والمقبوض على سوم الشراء، والمقبوض بعقد فاسد، لأنهم قالوا: يصح الرهن بكل دين واجب أو مآله إلى الوجوب، كثمن في مدة الخيار. ولا يصح عند الشافعية والحنابلة الرهن بدين لم يثبت بعد، وهو الدين الموعود به خلافاً للحنفية. ولا فرق في الدين بين أن يكون مستقراً، كدين القرض، وثمن المبيع المقبوض، أوغير مستقر، كثمن المبيع قبل قبضه، والأجرة قبل الانتفاع في إجارة العين، والصداق قبل الدخول. أما الأجرة في إجارة الذمة فلا يصح الرهن بها لعدم لزومها في الذمة، إذ يلزم قبضها في مجلس العقد قبل التفرق، فهي كرأس مال السلم.

стр. 4100

٢ - أن يكون الدين لازماً في الحال أو آيلاً إلى اللزوم: فيصح الرهن بالثمن بعد لزوم البيع، كما يصح أثناء مدة الخيار قبل لزوم العقد؛ لأن العقد آيل إلى اللزوم بعد انتهاء مدة الخيار. ولا يصح الرهن بدين أونجوم الكتابة، ولا بجعل الجعالة قبل الفراغ من العمل، لعدم لزوم الدين؛ لأن للعبد المكاتب، أو المجعول له أن يفسخ العقد متى شاء، فيتنافى ذلك مع معنى الرهن: وهو التوثق. ٣ - أن يكون الدين معلوماً أو معيناً قدره وصفته للعاقدين: فلو جهلاه أو جهله أحدهما، أو رهن بأحد الدينين، لم يصح الرهن. وأما المالكية (١) فقالوا: يصح الرهن في المرهون فيه: وهو جميع الحقوق من بيع أو سلف أوغيرهما، إلا بدل الصرف ورأس مال السلم. واشترطوا في المرهون فيه أن يكون ديناً فلا يصح الرهن بالأمانة من وديعة أو مضاربة، وأن يكون في الذمة فلا يصح الرهن بالمعين ومنفعته (٢)، وأن يكون لازماً أو آيلاً للزوم، فلا يصح الرهن في نجوم الكتابة. المطلب الرابع - شروط المال المرهون: المرهون: مال حبس لدى المرتهن لاستيفاء الحق الذي رهن به. فإذا كان المرهون من جنس الحق، أخذ الحق منه، وإن كان من غير جنسه بيع واستوفي الحق
следующие страницы →