← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وأجاز المالكية والحنابلة الضمان مع جهالة المكفول له، نحو: أنا ضامن زيداً بالدين الذي عليه للناس. ويستدلون بقوله تعالى: ﴿قالوا: نفقد صُواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ [يوسف:٧٢/ ١٢] لأن المنادي لم يكن مالكاً، وإنما كان نائباً عن يوسف ﵇، فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء بالصواع، وتحمل هو به عن يوسف (١). ثانياً - أن يكون المكفول له حاضراً في مجلس العقد: وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يكن هناك نائب عن المكفول له يقبل الكفالة في المجلس. فلو كفل إنسان لغائب عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز لا تجوز الكفالة عندهما إذا لم يقبل به حاضر في المجلس. دليلهما: أن في الكفالة معنى التمليك، والتمليك لا يحصل إلا بالإيجاب والقبول، فلا بد من توافره لإتمام صيغة العقد. وأما أبو يوسف فعنه روايتان، والقول المتأخر عنه أن الكفالة عن الغائب تجوز؛ لأن معنى الكفالة وهو الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل، فكان إيجابه صالحاً وحده لإتمام العقد، وهذا رأي جمهور الفقهاء القائلين بأن الكفالة تنعقد بالإيجاب وحده. ثالثاً - أن يكون المكفول له عاقلاً: وهذا متفرع على مذهب أبي حنيفة ومحمد في اشتراط الشرط السابق، فلا يصح قبول المجنون والصبي غير المميز، لأنهما ليسا أهلاً لصدور القبول عنهما باعتباره ركناً في العقد. شروط المكفول به: يشترط في المكفول به شروط ثلاثة (٢):

стр. 4027

أولاً - أن يكون المكفول به مضموناً على الأصيل، سواء أكان ديناً أم عيناً أم نفساً أم فعلاً عند الحنفية بشرط أن تكون العين مضمونة بنفسها (١) كالمغصوب والمقبوض بالبيع الفاسد، والمقبوض على سوم الشراء. أما العين التي هي أمانة سواء أكانت غير واجبة التسليم كالودائع ومال الشركات، أم واجبة التسليم كالعارية والمستأجر في يد الأجير أو المضمونة بغيرها، كالمبيع قبل القبض، والرهن، فلا تصح الكفالة بهما؛ لأن العين التي هي أمانة ليست بمضمونة، ولأن المضمون بغيره ليس بمضمون بنفسه. فإذا هلك المبيع قبل القبض لا يجب على البائع شيء، ولكن يسقط الثمن عن المشتري، وإذا هلك الرهن لا يجب على المرتهن شيء ولكن يسقط الدين عن الراهن بقدره. والمراد بالفعل المكفول به: هو فعل التسليم مثل الكفالة بتسليم المبيع والرهن، وتصح الكفالة بالفعل؛ لأن التسليم مضمون على الملتزم به، فالمبيع مضمون التسليم على البائع، والرهن مضمون التسليم على المرتهن في الجملة بعد قضاء الدين. ضمان الأعيان: يتبين من هذا أنه يجوز ضمان الأعيان المضمونة، ولا يصح ضمان الأعيان إذا لم تكن مضمونة على من هي في يده، وهذا رأي جمهور الفقهاء، وأحد قولي الشافعي الراجح في المذهب؛ لأن الأعيان المضمونة مضمونة على من هي في يده، فصح ضمانها كالحقوق الثابتة في الذمة. أما القول الآخر للشافعي فلا يصح ضمان الأعيان؛ لأن الأعيان غير ثابتة في الذمة، والجواب:

стр. 4028

الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها، والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلفها، وهذا مما يصح ضمانه كعهدة المبيع، فإن ضمانها يصح وهو في الحقيقة التزام رد الثمن أو عوضه إن ظهر بالمبيع عيب أو خرج مستحقاً. وظاهر كلام أحمد صحة ضمان الأمانات كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط إن صارت مضمونة على صاحبها إن تعدى فيها. الكفالة بالنفس: وعلى هذا تصح الكفالة بنفس من عليه الحق لأن الكفالة بالنفس (١) كفالة بالفعل: وهو تسليم النفس، وفعل التسليم مضمون على الأصيل، فجازت الكفالة به. وقد أجاز الكفالة بالنفس إذا كانت بسبب المال جمهور الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة، لقوله تعالى: ﴿قال: لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتُنني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف:٦٦/ ١٢] ولقوله ﵊ «الزعيم غارم» وهذا يشمل الكفالة بنوعيها، ولأن ما وجب تسليمه بعقد، وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال، ولأن الكفيل يقدر على تسليم الأصيل بأن يعلم من يطلبه مكانه، فيخلي بينه وبينه، أو يستعين بأعوان القاضي في التسليم. وأما قول الشافعي: «كفالة البدن ضعيفة» فإنه أراد أنها ضعيفة من جهة القياس؛ لأن الشخص الحر لا يدخل تحت اليد، ولا يقدر على تسليمه (٢). هذا هو تحقيق مذهب الشافعي وهو المشهور بخلاف ما تذكره كتب الحنفية.

стр. 4029

إلا أن الشافعية قالوا: المذهب صحة الكفالة بالنفس أو البدن لمن عليه مال أو لمن عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف، والمذهب منعها في حدود الله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة؛ لأنه يسعى في دفعها ما أمكن. وقال الحنابلة والمالكية: لا تصح الكفالة ببدن من عليه حد، سواء أكان حقاً لله تعالى، كحد الزنا والسرقة، أم لآدمي كحد القذف والقصاص. ومن أحكام الكفالة بالنفس: أنه إذا شرط الأصيل في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه، لزم الكفيل إحضار المكفول به إذا طالبه به في الوقت، وفاء بما التزمه كالدين المؤجل إذا حل، فإن أحضره، فبها، وإن لم يحضره، حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حق مستحق عليه. وإن أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته كالمصر، برئ من الكفالة، لأنه أتى بما التزمه. وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي، فسلمه في السوق برئ أيضاً؛ لأن المقصود هو إمكان الخصومة وإثبات الحق، وهذا حاصل متى سلمه في السوق لتعاون الناس معه على إحضاره إلى القاضي. ويلاحظ أن المالكية يمنعون الزوجة من كفالة النفس ما لم يأذن زوجها؛ لأنها قد تحبس أو تخرج لخصومة أو لطلب المضمون، وفي ذلك معرة، وأجازوا ما سموه بضمان الطلب وهو في الحقيقة نوع من كفالة النفس أو الوجه، ولكن بشرط عدم غرم المال إلا إذا فرط في الطلب، فهو التزام طلب المكفول والبحث عنه إن تغيب، وإرشاد صاحب الحق عليه، كأن يقول: أنا كفيل أو حميل بطلبه أو علي طلبه بشرط عدم غرم المال إن لم أجده (١).

стр. 4030

ثانياً - أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل ليكون العقد مفيداً، وذلك في الأموال عند جمهور العلماء. وعليه لا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل (أي لأن النيابة لا تجري في العقوبات)، فلا تفيد الكفالة فائدتها. هذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (١). ودليلهم ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: «لا كفالة في حد» (٢) ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الدرء والإسقاط بالشبهات، فلا يلائمها الاستيثاق، ولأن الحق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول به. ويلاحظ أن عدم جواز الكفالة بالحدود والقصاص معناه عند الحنفية: عدم جواز الإجبار على إعطاء الكفالة، فإن سمحت نفس المدعى عليه وتبرع بإعطاء الكفالة في حالة القصاص والحد الذي فيه حق للعبد وهو حد القذف وحد السرقة، جازت الكفالة بالنفس؛ لأنها كفالة بمضمون على الأصل مقدور الاستيفاء من الكفيل، فتصح كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين. فإن لم يتبرع المدعى عليه وهو الذي توجه عليه الحد أو القصاص، فلا يجبر عند أبي حنيفة على تقديم كفيل بنفسه بإحضاره في مجلس القضاء لإثبات دعوى المدعى عليه؛ لأن الكفالة لا تتلاءم مع الحدود كما عرفنا، وحينئذ يحبسه القاضي حتى تقام عليه البينة أو يستوفى الحد. وقال الصاحبان: يجبر على تقديم كفيل بنفسه في القصاص وفي حد القذف؛ لأن فيهما حق العبد.

стр. 4031

والخلاصة: أنه لا تجوز الكفالة بنفس الحد أو القصاص بدون نفس من عليه الحد، إذ الحد عقوبة لا تجري فيها النيابة، أما لو كفل بنفس من عليه الحد فتصح الكفالة. وقال الشافعية: المذهب أنه لا تجوز كفالة النفس (أو البدن) في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الخمر والزنا والسرقة، لأنه يسعى في دفعها ما أمكن. وتجوز كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي كقصاص وحد قذف وتعزير؛ لأنها حق لآدمي، فصحت الكفالة، كسائر حقوق الآدميين المالية (١). ويتفرع على هذا الشرط عند الحنفية: أنه تصح الكفالة بالتزام حمولة شيء في ذمة متعهد النقل بوسيلة نقل غير معينة بذاتها كأي سيارة أو دابة لأن المستحق حينئذ مقدور للكفيل. لكن لا تصح الكفالة بالتزام نقل حمل من مكان إلى آخر على سيارة أو دابة معينة بذاتها دون غيرها؛ لأن الكفيل قد يعجز عن الحمولة بتلف وسيلة النقل المخصصة. ثالثاً - أن يكون الدين لازماً صحيحاً: وهو ما لا يسقط إلا بالأداء أو بالإبراء. وهذا الشرط خاص بالكفالة بالمال. ويترتب عليه أنه لا تصح الكفالة ببدل الكتابة، لأنه ليس بدين لازم، أو أنه دين ضعيف؛ لأن للمكاتب إسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز لا بالكسب، فلا معنى للتوثق به، ولا تصح أيضاً الكفالة بما ليس بدين كنفقة الزوجة قبل القضاء بها أو التراضي عليها؛ لأنها لا تصير ديناً إلا بالقضاء أو الرضا (٢).

стр. 4032

قال البغدادي: لو كفل بالنفقة المقررة الماضية صحت الكفالة مع أنها تسقط بدون الأداء أو الإبراء، بموت الكفيل أو المكفول له. وكذا لو كفل بنفقة شهر مستقبل، وقد قرر لها في كل شهر كذا، أو بيوم يأتي وقد قرر لها في كل يوم، فإنها صحيحة (١). ضمان ما لم يجب: لا خلاف في جواز ضمان الدين اللازم في الحال إذا كان معلوماً، أما غير اللازم في الحال فلا خلاف أيضاً في عدم جواز ضمانه إن كان لا يؤول إلى اللزوم، فإن كان يؤول إلى اللزوم في المستقبل كجعل الجعالة، وكقول قائل لآخر: داينْ فلاناً أو بايعه أو عامله، وأنا ضامن، فهو جائز عند الجمهور، بدليل تجويزهم ضمان ما يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وهو أحد وجهين عند الشافعية في ضمان الجعل في الجعالة قبل العمل، والراجح عندهم عدم الجواز، فلا يصح عندهم ضمان ما لم يجب، سواء أجرى سبب وجوبه: كنفقة ما بعد اليوم للزوجة وخادمها، أم لا كضمان ما سيقرضه لفلان؛ لأن الضمان وثيقة بالحق، فلا يسبقه كالشهادة، فيصح بنفقة اليوم للزوجة وما قبله لثبوته، لا بنفقة القريب لمستقبل. ضمان المجهول: لا يشترط في الكفالة بالمال عند جمهور الفقهاء (٢) أن يكون الدين معلوم القدر والصفة والعين، فتصح الكفالة بالمعلوم كقوله: تكفلت عنه بألف، أو بالمجهول كقوله: تكفلت عنه بمالك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع من الضمان؛ لأن الكفالة عقد تبرع مبينة على التوسع، فيحتمل فيها الجهالة بعكس

стр. 4033

البيع، وقد أجمع الفقهاء على صحة ضمان الدَّرَك (١): وهو أن يضمن شخص للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقاً أو معيباً أو ناقصاً إما لرداءته أو لنقص صنجات الوزن التي وزن بها. وصحح الحنفية الكفالة فيما لو قال إنسان لغيره: اسلك هذا الطريق فإن أخذ مالك فأنا ضامن، فأخذ ماله، صح الضمان، والمضمون عنه مجهول، وكذا لو قال: لو غصب مالك فلان أو واحد من هؤلاء القوم فأنا ضامن، صح الضمان (٢). ومذهب الشافعي الجديد: أنه ينبغي أن يكون المضمون به معلوماً جنساً وقدراً وصفةً وعيناً؛ لأن الضمان إثبات مال في الذمة لآدمي بعقد، فلم يجز مع الجهالة، كالثمن في البيع، فلا يصح المجهول ولا غير المعين كأحد الدينين. وأما ضمان الدَّرَك فهو جائز عندهم لحاجة الناس إليه (٣). المبحث الثالث - أحكام الكفالة: للكفالة حكمان (٤):

стр. 4034

أحدهما - ثبوت ولاية مطالبة الكفيل بما على الأصيل. والمطالب به يختلف بحسب محل الكفالة. فإن كانت الكفالة بالدين، فيطالب الكفيل بما على الأصيل بالدين كله إن كان واحداً. فإن كان هناك كفيلان والدين ألف مثلاً، فيطالب كل واحد منهما بخمس مئة إذا لم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه، لأنهما استويا في الكفالة، والمكفول به يحتمل الانقسام، فينقسم عليهما في حق المطالبة. ولو أدى أحدهما لا يرجع على صاحبه؛ لأنه يؤدي عن نفسه، لا عن صاحبه، لكن يرجع على الأصيل بما أدى. وإن كانت الكفالة بالنفس: فيطالب الكفيل بإحضار المكفول بنفسه إن لم يكن غائباً. وإن كان غائباً يؤخر الكفيل إلى مدة يمكنه إحضاره فيها، فإن لم يحضر في المدة ولم يظهر عجزه، للقاضي حبسه إلى أن يظهر عجزه له. فإذا ظهر للقاضي أنه لا يقدر على الإحضار بدلالة الحال، أو بشهادة الشهود أو غيرها، أطلقه من الحبس وأنظره إلى حال القدرة على إحضاره، لأنه بمنزلة المفلس بالنسبة للدين. وإذا أخرجه القاضي فإن الدائنين الغرماء يلازمونه، ولا يحول القاضي بينه وبين الغرماء، ولكن ليس للغرماء أن يمنعوه من أشغاله أو من الكسب وغيره. هذا مذهب الحنفية. وقال الشافعية: يلزم الكفيل بإحضار المكفول إن علم مكانه، فإن جهل مكانه لم يلزم بإحضاره، وإذا ألزم بالإحضار يمهل مدة الذهاب والإياب، فإن مضت تلك المدة ولم يحضره حبس إلى أن يتعذر إحضار المكفول بموت أو جهل بموضعه أو إقامة عند شخص يمنعه من إمكان الوصول إليه (١). وإن كانت الكفالة بالعين، فيطالب الكفيل بتسليم العين إن كانت قائمة وبمثلها أو قيمتها إن كانت هالكة.

стр. 4035

هل يبرأ الأصيل من الدين؟ يلاحظ أنه لا يترتب على الكفالة عند جمهور الفقهاء براءة الأصيل (١)، فيكون الدائن بالخيار بين أن يطالب الأصيل أو يطالب الكفيل إلا إذا كانت الكفالة بشرط براءة الأصيل؛ لأنها حوالة معنى (٢). ولم يجز الشافعية في الأصح عندهم الكفالة بشرط براءة الأصيل؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الضمان. وقال الإمام مالك في أحد قوليه: ليس للدائن أن يطالب الكفيل إلا إذا تعذر مطالبة المكفول عنه؛ لأن الضمان وثيقة، فلا يستوفى الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصيل كالرهن. وقال ابن أبي ليلى وابن شُبْرمة وأبو ثور وابن سيرين والظاهرية والإمامية: إن الكفالة توجب براءة الأصيل، وينتقل الحق إلى ذمة الكفيل، فلا يملك الدائن مطالبة الأصيل أصلاً كما في الحوالة، واحتجوا بقصة ضمان أبي قتادة ﵁ الدينارين عن ميت، فإن الرسول ﷺ قال له: «جزاك الله خيراً وفك رهانك كما فككت رهان أخيك» (٣) فدل هذا على أن المضمون عنه برئ من الضمان. والصحيح هو قول الجمهور؛ لأن الكفالة معناها ضم ذمة إلى ذمة في حق المطالبة أو في حق أصل الدين على الخلاف السابق، والبراءة تنافي الضم، ولأنَّ الكفالة لو كانت مبرئة، لكانت حوالة، وهما متغايران؛ لأن تغاير الأسامي دليل

стр. 4036

واستدلوا من السنة بقوله ﷺ : «نفس المؤمن معلَّقة بدينه حتى يقضى عنه» (١). وقوله في قصة أبي قتادة: «الآن بردت جلدته» (٢) حين أخبره أنه قضى دينه. وأما صلاة النبي ﷺ على المضمون عنه، فلأنه بالضمان صار له وفاء، وإنما امتنع عن الصلاة على مدين لم يخلف وفاء. وأما قوله: «فك الله رهانك إلخ» فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي ﷺ ، فلما ضمن عنه فكه عن ذلك أو عما في معناه (٣). وهناك فرق بين وضع الكفالة ووضع الغاصب وغاصب الغاصب، فإن للمالك المغصوب منه أن يضمن أيهما شاء، وإذا اختار تضمين أحدهما لا يملك اختيار تضمن الآخر. ووجه الفرق: أن المالك المغصوب منه إذا اختار تضمين الغاصب أو غاصب الغاصب أي إن قضى القاضي عليه فاختياره يتضمن التمليك منه للمضمون، فيبرأ الآخر بالضرورة، بخلاف المطالبة بمقتضى الكفالة، فإنها لا تقتضي التمليك للمضمون؛ لأن مقتضى الكفالة هو الضم، ولا يحصل التمليك فيها، حتى ولو قضى القاضي ما لم توجد حقيقة الاستيفاء. الحكم الثاني للكفالة: هو ثبوت ولاية مطالبة الكفيل الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره في جميع أنواع الكفالات، فإذا كانت الكفالة بدين مثلاً يطالب

стр. 4037

الكفيل المكفول عنه بالخلاص إذا طولب، وإن حبس فله أن يحبس المكفول عنه؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذه التبعة (المسؤولية)، فكان عليه تخليصه منها. أما إذا كانت الكفالة بغير أمر الأصيل فليس للكفيل حق ملازمة الأصيل إذا لوزم، ولا حق الحبس إذا حبس. وإذا قضى الكفيل الدين متبرعاً به، لا ينوي الرجوع به على المكفول عنه، برئ المدين، وأصبح غير ملتزم بالدين، سواء تمت الكفالة والأداء بأمر المكفول عنه وبغير أمره. وليس للكفيل أن يطالب بالمال قبل أن يؤدي هو، وإن كانت الكفالة بأمر الأصيل؛ لأن ولاية المطالبة إنما تثبت بحكم القرض والتمليك، وكل ذلك يقف على الأداء ولم يوجد فلا يكون الرجوع إلا بعد الأداء، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء، فإن له مطالبة الموكل بالثمن بعد الشراء قبل أن يؤدي هو من مال نفسه؛ لأن الثمن هنا يقابل المبيع، وملك المبيع وقع للموكل، فكان الثمن عليه، فيكون للوكيل الحق في أن يطالبه به. وأما في الكفالة فإن حق المطالبة هو بسبب القرض أو التمليك، ولم يوجد بعد. فإذا أدى الكفيل كان له أن يرجع على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره؛ لأن العلاقة بينهما تكون حينئذ علاقة قرض واستقراض، فالأصيل مستقرض والكفيل بأداء المال مقرض، والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه.

стр. 4038

المبحث الرابع - انتهاء الكفالة: أذكر هنا طرق انتهاء الكفالة بإيجاز بحسب كل نوع من أنواعها. فإذا كانت الكفالة بالمال فهي تنتهي بأحد أمرين (١): أولهما - أداء المال إلى الدائن أو ما هو في معنى الأداء، سواء أكان الأداء من الكفيل أم من الأصيل؛ لأن حق المطالبة بالدين طريق إلى الأداء، فإذا وجد فقد حصل المقصود من الكفالة، فينتهي حكم العقد. وتنتهي الكفالة إذا وهب الدائن المال إلى الكفيل أو إلى الأصيل؛ لأن الهبة بمنزلة الأداء. ومثل الهبة التصدق بالدين على الكفيل أو على الأصيل. ومثله أيضاً إذا مات الدائن وورثه الكفيل أو الأصيل؛ لأن بالميراث يملك ما في ذمته، فإن كان الوارث هو الكفيل فقد ملك ما في ذمته، فيرجع على الأصيل، كما لو ملكه بالأداء. وإن كان الوارث هو المكفول عنه برئ الكفيل، كأنه أدى. ثانيهما - الإبراء وهو في معناه: إذا أبرأ الدائن الكفيل أو الأصيل انتهت الكفالة، غير أنه إذا أبرأ الكفيل لا يبرأ الأصيل، وإذا أبرأ الأصيل يبرأ الكفيل؛ لأن الدين على الأصيل لا على الكفيل، فكان إبراء الأصيل إسقاطاً للدين عن ذمته، فيسقط حق المطالبة للكفيل بالضرورة؛ لأنه إذا سقط الأصل سقط الفرع. أما إبراء الكفيل فهو إبراء عن المطالبة لا عن الدين، إذ لا دين عليه وليس من ضرورة إسقاط حق المطالبة عن الكفيل سقوط أصل الدين عن الأصيل، لأنه إذا سقط الفرع لا يسقط الأصل.

стр. 4039

ولو قال الدائن للكفيل أو المدين: (برئت إلي من المال) يبرأ، لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء؛ لأنه جعل نفسه غاية لبراءته (١)، وتلك هي براءة القبض والاستيفاء، ويبرأ الكفيل والأصيل جميعاً؛ لأن استيفاء الدين يوجب براءتهما جميعاً، فيرجع الكفيل على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره. وإذا قال الدائن للكفيل أو للمدين: (برئت من المال) ولم يقل: (إلي) فيبرأ أيضاً عند أبي يوسف مثل الصورة السابقة. فهو إقرار بالقبض؛ لأن البراءة المضافة إلى المال تستعمل في الأداء عرفاً وعادة فتحمل عليه. وعند محمد: يبرأ الكفيل دون الأصيل، مثل قوله: (أبرأتك) لأن البراءة عن المال قد تكون بالأداء، وقد تكون بالإبراء، فلا تحمل على الأداء إلا بدليل زائد، وقد وجد هذا في الصورة السابقة وهي قوله: (إلي) لأن الكلام ينبئ عن معنى الأداء لما ذكر، ولم يوجد هنا. و إذا أحال الكفيل أو المدين الدائن بمال الكفالة على رجل، وقبل المحال، فتنتهي الكفالة؛ لأن الحوالة مبرئة عن الدين والمطالبة جميعاً. وكذلك تنتهي الكفالة بالصلح: بأن يصالح الكفيل الدائن على بعض المدعى به، ويبرأ حينئذ الكفيل والأصيل في حالتين: إحداهما - أن يقول: على أني والمكفول عنه بريئان من الباقي. والثانية - أن يقول: (صالحتك على كذا) مطلقاً عن شرط البراءة.

стр. 4040

ويبرأ الكفيل وحده في حال واحدة وهي أن يقول: (على أني بريء من الباقي) (١). وتنتهي الكفالة أيضاً بفسخ سبب الكفالة أو إبطاله وهو الدين المكفول: كأن يكفل شخص ما في ذمة المشتري من ثمن الشراء، أو يكفل البائع في تسليم المبيع، ثم فسخ عقد البيع، فتنتهي الكفالة حيث لا يوجد دين مكفول ويسقط حق المكفول له في مطالبة الكفيل. وإذا كانت الكفالة بالنفس فإنها تنتهي بثلاثة أمور (٢): الأول - تسليم النفس (٣) إلى المطالب بها في موضع يقدر على إحضاره مجلس القاضي، مثل أن يكون في مصر من الأمصار؛ لأن الكفيل أتى بما التزمه، وحصل المقصود من الكفالة بالنفس: وهو إمكان المحاكمة عند القاضي، وإذا تحقق المقصود تنتهي الكفالة. فإن سلمه في صحراء أو برية، لم يبرأ الكفيل؛ لأنه لا يقدر على المحاكمة فيها، فلم يحصل المقصود. وكذا إذا سلمه في بلد ليس فيها قاض أو أعوان القاضي، كالشرطة مثلاً، لعدم إمكان المحاكمة فيها. وإن سلمه في السوق أو في المصر، فإنه يبرأ؛ لأن المطلوب هو أن يتحقق التسليم في مكان يقدر فيه على إحضاره إلى مجلس القاضي.

стр. 4041

وإن شرط على الكفيل أن يسلم المكفول بنفسه في مصر معين، فسلمه في مصر آخر، فيبرأ عند أبي حنيفة لوجود القدرة على المحاكمة في المصر المعين. ولا يبرأ عند الصاحبين إلا بتسليمه في المكان المشروط؛ لأن التقييد بالمصر قد يكون لغرض مفيد، كأن يكون له شهود فيما عينه دون غيره. ولو شرط على الكفيل أن يسلم المكفول بنفسه عند الأمير، فسلمه عند القاضي، فإنه يبرأ. الثاني - الإبراء: أي أن يبرئ صاحب الحق الكفيل من الكفالة بالنفس فتنتهي الكفالة؛ لأن مقتضى الكفالة ثبوت حق المطالبة بتسليم النفس، فإذا أسقط حق المطالبة بالإبراء فينتهي الحق ضرورة. ولا يبرأ الأصيل في هذه الحالة؛ لأن الإبراء صدر للكفيل دون الأصيل. فإن صدر الإبراء للأصيل برئا جميعاً. الثالث - موت المكفول بنفسه: إذا مات الأصيل المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة؛ لأنه عجز عن إحضاره، ولأنه سقط الحضور عن الأصيل، فيسقط الإحضار عن الكفيل. وكذلك تنتهي الكفالة إذا مات الكفيل؛ لأنه لم يبق قادراً على تسليم المكفول بنفسه. وأما ماله فلا يصلح لتنفيذ هذا الواجب بخلاف الكفيل بالمال. ولو مات المكفول له فلا تسقط الكفالة بالنفس كما لا تسقط الكفالة بالمال؛ لأن الكفيل ما زال قادراً على تنفيذ واجبه، ويقوم الوصي أو الوارث مقام الميت في المطالبة.

стр. 4042

وأما الكفالة بالأعيان المضمونة بنفسها، فتنتهي بأحد أمرين (١): أحدهما - تسليم العين المضمونة بنفسها إن كانت قائمة، وتسليم مثلها أو قيمتها إن كانت هالكة. الثاني - الإبراء: أي إبراء الكفيل من الكفالة، بأن يقول له: (أبرأتك من الكفالة) فيبرأ؛ لأن الكفالة حقه، فيسقط بإسقاطه كالدين، أو إبراء الأصيل. المبحث الخامس - رجوع الكفيل على الأصيل: الكلام في هذا البحث عن ناحيتين: شرائط الرجوع، وبيان ما يرجع به ومتى يرجع. أما شرائط الرجوع فهي ما يأتي (٢): ١ - أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه أي بإذنه: فإن لم تكن بأمره لم يرجع بما يؤديه؛ لأن الكفيل حينئذ يكون متبرعاً بما أدى، ولو كان له الرجوع لما صلى النبي ﷺ على الميت بضمان أبي قتادة، هذا هو مذهب الحنفية والشافعية (٣). وقال الإمام مالك والإمام أحمد في رواية عنه: لا يشترط أن يكون الضمان بإذن المضمون عنه، لأنه قضاء مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، كما قال ابن قدامة. وأما أبو قتادة فإنه تبرع بالقضاء والضمان، إذ أنه قضى دين الميت قصداً لتبرئة ذمته، ليصلي عليه النبي ﷺ مع علمه بأنه لم يترك وفاء، والمتبرع لا يرجع بشيء (٤).

стр. 4043

٢ - أن تكون الكفالة بإذن صحيح: أي بإذن شخص أهل لصدور الإقرار على نفسه بالدين، فلا يعتبر إذن الصبي المحجور عن التصرفات، وبالتالي لايحق للكفيل الرجوع عليه بما أداه عنه؛ لأن العلاقة علاقة استقراض، واستقراض الصبي لا يتعلق به الضمان. ٣ - إضافة الضمان إلى الأصيل بأن يقول للكفيل: اضمن عني، لأنه إذا لم يضف إلى نفسه، فلا يتحقق معنى الإقراض الذي تقوم عليه العلاقة بين الكفيل والأصيل؛ لأن الكفالة بالنسبة للمكفول عنه استقراض (أي طلب القرض) وبالنسبة للكفيل بعد الأداء إقراض للمكفول عنه ونائب عنه في الأداء إلى المكفول له. أما بالنسبة للمكفول له: فهو تمليك ما في ذمة المكفول عنه من الكفيل بما أخذه من المال، فيرجع عليه بما أقرضه. ٤ - ألا يكون للأصيل على الكفيل دين مثل الدين الذي أداه الكفيل ؛ لأنه إذا أدى الدين، حصلت مقاصة بينهما: ولو وهب صاحب الدين المال للكفيل يرجع على الأصيل؛ لأن الهبة في معنى أداء المال. وإذا وهب الدين إلى الأصيل برئ الكفيل؛ لأن هذا وأداء المال سواء. ولو مات الدائن فورثه الكفيل يرجع على الأصيل، ولو ورثه الأصيل يبرأ الكفيل؛ لأن الإرث من أسباب الملكية، ومتى ملك الأصيل المال برئ، فيبرأ الكفيل. ولو أبرأ الدائن الكفيل لا يرجع على الأصيل؛ لأن الإبراء إسقاط وهو بالنسبة للكفيل إسقاط حق المطالبة لا غير.

стр. 4044

وإذا أبرأ الكفيل الأصيل مما ضمنه عنه بإذنه أو وهبه منه جاز، فلو أدى الكفيل الدين بعدئذ، لا يرجع على الأصيل. ولو قال الدائن للكفيل: (برئت إليَّ من المال) يرجع الكفيل على الأصيل باتفاق الحنفية؛ لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء، باعتبار أن اللفظ يستعمل في الأداء، فيرجع: أي أن هذه البراءة لا تكون إلا بالإيفاء فكان ذلك بمنزلة قوله: (دفعت إليَّ المال أو قبضته منك) وهو إقرار بالقبض. أما إذا قال: (برئت من المال) فهو إقرار بالقبض عند أبي يوسف كأنه قال: (برئت إليَّ من المال) لأنه أقر ببراءة خاصة بالكفيل وهو يكون بفعل صادر عنه، كما إذا قيل: (قمت وقعدت مثلاً) وهذا الفعل هنا هو الإيفاء. وعند محمد: لا يرجع الكفيل على المكفول عنه؛ لأن هذا بمنزلة قوله: (أبرأتك من المال) لأنه يحتمل البراءة بالأداء إليه (أي بالقبض والإبراء) فيثبت القدر الأدنى وهو براءة الكفيل، وأما الزائد عليه (وهو الأداء) ففيه شك، فلا يثبت القبض بالشك، وبالتالي لا يحق للكفيل الرجوع حينئذ على المكفول عنه، وهذا هو الرأي الأرجح عند الحنفية. وأما سبب عدم رجوع الكفيل على المكفول عنه في قول الدائن له: (أبرأتك) فهو أن هذا اللفظ يفيد تخصيص البراءة بالكفيل، ولا يتعدى أثره إلى غيره بإسقاط الدين عن المدين، فلم يكن هذا اللفظ متضمناً إقرار الدائن بإيفاء الدين. والفرق بين هذه الصورة وصورة: (برئت من المال) عند أبي يوسف: هو أن البراءة بالإبراء لا تتحقق بفعل الكفيل بل بفعل الدائن، فلا يكون الفعل حينئذ منسوباً إلى الكفيل (١).

стр. 4045

والخلاصة: أن الراجح عند الحنفية هو أن الكفيل لا يرجع على الأصيل في قول الدائن للكفيل: (برئت) بدون إلي أو (أبرأتك) لأنه إبراء لا إقرار بالقبض. رجوع الكفيل على الأصيل حالة تعدد الكفلاء: إذا كفل رجلان رجلاً بألف ليرة مثلاً، ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه، فأدى أحدهما ما عليه، فلا يرجع على صاحبه بشيء مما أدى؛ لأنه أدى عن نفسه لا عن صاحبه، ولكنه يرجع على الأصيل؛ لأنه كفيل عنه بأمره. فإن كفل واحد منهما عن صاحبه بما عليه، فالقول قول الكفيل فيما أدى أنه من كفالة الكفيل الآخر، أو من كفالة نفسه؛ لأنه لزمه المطالبة بالمال من وجهين: أحدهما - من جهة كفالة نفسه عن الأصيل. والثاني - من جهة الكفالة عن صاحبه. وليس أحد الوجهين أولى من الآخر، فكان له ولاية الأداء عن أيهما شاء. وإذا كفل كل واحد منهما عن صاحبه بما عليه، فما أدى كل واحد منهما، يكون عن نفسه إلى نصف المكفول به: وهو خمس مئة ليرة في مثالنا. ولا يقبل قوله فيه أنه أدى عن شريكه لا عن نفسه، بل يكون عن نفسه إلى هذا القدر، فلا يرجع على شريكه. كما لا يقبل قوله أيضاً حين الأداء أنه يؤدي عن شريكه لا عن نفسه. ولا يرجع على شريكه ما لم يزد المؤدى عن نصف المكفول به وهو خمس مئة في مثالنا، فإن زاد على خمس مئة يرجع بالزيادة إن شاء على شريكه، وإن شاء على الأصيل. وهذه القاعدة تنطبق أيضاً في فروع أخرى منها: لو اشترى رجلان شيئاً بألف

стр. 4046

ليرة، وكفل كل واحد منهما عن صاحبه بحصته من الثمن، فما أدى أحدهما يقع عن نفسه، ولا يرجع على شريكه حتى يزيد على النصف. ومنها: أن الشريكين شركة مفاوضة إذا افترقا وعليهما دين، فلصاحب الدين أن يطالب كل واحد منهما، وأيهما أدى شيئاً لا يرجع على شريكه حتى يزيد المؤدى على النصف (١). وأما ما يرجع به الكفيل على الأصيل: فهو أنه يرجع عند الحنفية بما ضمن، لا بما أداه؛ لأنه ملك ما في ذمة الأصيل، فيرجع بما تمت الكفالة عليه. فلو كانت الكفالة على شيء جيد، فأدى ما هو أدون منه، فإنه يرجع على الأصيل بالجيد. وكذلك إذا كفل ديناً نقدياً، فأدى عنه مكيلاً أو موزوناً أو عروض تجارة، فإنه يرجع بما كفل، لا بما أدى. وهذا بخلاف الوكيل بقضاء الدين، فإنه يرجع على الموكل بما أدى لا بالدين، لأنه بالأداء ما ملك الدين، بل أقرض ما أداه الموكل، فيرجع عليه بما أقرضه. أما في حالة الصلح على بعض الدين فإنه يرجع بما صالح به، لا بكل الدين، لأنه بأداء البعض لم يملك ما في ذمة الأصيل وهو كل الدين، إذ لا يمكن اعتبار الصلح تمليكاً؛ لأنه يؤدي إلى الربا (٢). وقال المالكية والشافعية في الأصح عندهم: يرجع الكفيل بما غرم (أي بما أدى فعلاً) لأنه هو الشيء الذي بذله. وكذلك في حالة الصلح أو الإبراء من بعض

стр. 4047

الدين يرجع الكفيل بما أدى عند الشافعية، وبالأقل من الدين وقيمة الشيء المصالح به عند المالكية (١). وقال الحنابلة: يرجع الكفيل على الأصيل بأقل الأمرين مما قضى أو قدر الدين؛ لأنه إن كان الأقل هو الدين، فالزائد لم يكن واجباً، فهو متبرع بأدائه. وإن كان المقضي أقل فإنما يرجع بما غرم (٢)، فيكون مذهبهم كالمالكية والشافعية. متى يرجع الكفيل على الأصيل؟ ليس للكفيل أن يطالب الأصيل (المكفول عنه) بالمال الذي كفله عنه قبل أن يؤديه عنه؛ لأنه لا يملكه قبل الأداء، بخلاف الوكيل بالشراء، حيث يرجع قبل الأداء كما بان سابقاً؛ لأنه بمنزلة البائع. فإن لوزم الكفيل بالمال المكفول به، كان له أن يلازم الأصيل المكفول عنه. وإن حبس به، كان له أن يحبسه، حتى يخلصه؛ لأنه لم يلحقه من السوء ما لحقه، إلا بسببه، فيجازى بمثله (٣). ملحق - أخذ الأجر على الكفالة في الوقت الحاضر: الكفالة عقد تبرع، وطاعة يثاب عليها الكفيل؛ لأنها تعاون على الخير، وللكفيل الرجوع على المكفول عنه بما تحمله من مسؤولية الضمان إذا دفعه لصالح الجهة المكفول لها. والأولى تتم تبرعاً بدون مقابل، فذلك أبعد عن الشبهة. ولو قام المكفول له بتقديم شيء من المال للكفيل هبة أو هدية، جاز، جزاء المعروف

стр. 4048

الذي أسداه له الكفيل. لكن إن شرط الكفيل تقديم مقابل أو أجر على كفالته، وتعذر على المكفول عنه تحقيق مصلحته من طريق المحسنين المتبرعين، جاز دفع الأجر للضرورة أو الحاجة العامة، لما يترتب على عدم الدفع من تعطيل المصالح كالسفر للخارج للدراسة أو للارتزاق، أو لتأجيل الجندية ونحوها، وأساس القول بالجواز فيه: أن الفقهاء أجازوا دفع الأجر للحاجة لأداء القربات والطاعة من تعليم قرآن وممارسة الشعائر الدينية، كما أنهم أجازوا دفع شيء من المال على سبيل الرشوة للوصل إلى الحق أو دفع الظلم، أو الدفع لعدو لدرء خطره وضرره عن البلاد. والمكفول عنه يحقق بالكفالة منفعة له تتعين الكفالة المأجورة سبيلاً إليها، لكن يجب عدم الاستغلال أو المغالاة في اشتراط المقابل، مراعاة لأصل مشروعية الكفالة وهو التبرع. كما يمكن اعتبار الأجر لمكاتب الكفالات مقابل الأتعاب في إنجاز معاملة الكفالة. الاعتماد المستندي: الاعتماد المستندي يستعمل في تمويل التجارة الخارجية، وهو تعهد كتابي صادر من مصرف بناء على طلب مستورد لصالح مورد، يتعهد فيه المصرف بدفع المبالغ التي يستحقها المورد ثمناً لسلع يصدرها للمستورد طالب فتح الاعتماد، متى قدم المورد المستندات المتعلقة بالسلع، والشحن، على أن تكون هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد. وحكم الاعتماد المستندي المغطى غطاء كلياً يكون المصرف فيه وكيلاً عن فاتح الاعتماد، وإن كان كفيلاً بالنسبة للمصدِّر الذي يعتبر مكفولاً له، وللمصرف أن يأخذ عمولة أو أجراً عن وكالته، لا عن كفالته. أما في الاعتماد غير المغطى كلياً أو جزئياً، فالمصرف كفيل، وفاتح الاعتماد غير المغطى مكفول عنه، فإذا أخذ المصرف عمولة مقابل المبلغ المكفول به، لا مقابل

стр. 4049

العمل الذي يقوم به، فقد أخذ أجراً مقابل الكفالة ذاتها، وهو لا يجوز (١). وينطبق حكم الكفالة على خطابات الضمان (٢) التي تصدرها البنوك إذا كان الخطاب غير مغطى من العميل، والحكم الشرعي أنه لا يجوز للبنك أخذ الأجر على هذا العمل؛ لأنه أجر على الكفالة. أما إذا كان الخطاب مغطى بالغطاء النقدي من العميل ولو غطاءً جزئياً لا كلياً، فيجوز للبنك أخذ مقابل إصدار الخطاب وما يقترن به من العمل على أساس الوكالة، ومن المعلوم أنه يجوز أخذ الأجر على الوكالة، ولا يجوز أخذ الأجر على الكفالة، ويكون أجر الوكالة - كما جاء في المؤتمر الأول للمصارف الإسلامية في دبي - مراعى فيه حجم التكاليف التي يتحملها المصرف في سبيل أدائه لما يقترن بإصدار خطاب الضمان من أعمال يقوم بها المصرف بحسب العرف المصرفي. وتشمل هذه الأعمال بوجه خاص تجميع المعلومات، ودراسة المشروع الذي سيعطى بخصوصه خطاب الضمان، كما يشمل ما يعهد به العميل إلى المصرف من خدمات مصرفية تتعلق بهذا المشروع، مثل تحصيل المستحقات من أصحاب المشروع. ويجوز للمصرف أخذ مقابل الخدمات والمصاريف في الضمان غير المغطى.

стр. 4050

تطبيقات على الكفالات المعاصرة أولاً - أهم أنواع الكفالات التجارية: عرف الفقهاء أنواعاً مهمة من الكفالات التجارية التي تشبه في جوهرها الكفالات المصرفية أهمها ما يلي: ١ - ضمان الدرك أو ضمان العهدة: وهو كما تقدم ضمان الثمن للبائع، وضمان المبيع للمشتري. ٢ - ضمان السوق: وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر من الديون، وما يقبضه من الأعيان المضمونة، وهو ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول. وقد أجازه الجمهور وأبطله الشافعي (١). ودليل جوازه قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف:٧٢/ ١٢]. وصرح صاحب الفتاوى الحامدية بجوازه (٢). نصت مجلة الأحكام الشرعية (م ١٠٩٤) على هذا النوع: «يصح ضمان السوق، مثلاً: لو ضمن ما يلزم التاجر أو مايبقى عليه للتجار أو ما يقبض من الأعيان المضمونة، صح الضمان». ٣ - ضمان نقص الصنجة أو المكيال أو الذراع: وهو كما تقدم وكما هو واضح: التعهد بضمان نقص أدوات الكيل أو الوزن أو المساحة كالذراع ونحوه. جاء في مجلة الأحكام الشرعية (م ١٠٩١): «يصح ضمان نقص الصنجة أو المكيال أو الذراع، مثلاً، لو اشترى موزوناً فشك في نقص الصنجة، أو مكيلاً فشك في نقص المكيال أو مذروعاً، فشك في نقص الذراع فضمن شخص النقص صح ضمانه، فيرجع المشتري بما نقص والقول له بيمينه».

стр. 4051

وهذه الأنواع الثلاثة ضمان مجرد: وهو عقد تبرع خالص لا أجر له، بخلاف أنظمة المصارف الربوية. ثانياً - الاعتمادات المستندية: الاعتماد المستندي: تعهد كتابي من المصرف لصالح مورِّد، يتعهد فيه المصرف بدفع ثمن السلع المصدرة لمستورد طالب فتح الاعتماد، متى قدم المورد مستندات السلع والشحن، على أن تكون هذه المستندات مطابقة لشروط الاعتماد. ويستعمل في تمويل التجارة الخارجية (١). و حكمه حكم خطاب الضمان: إن كان مغطى غطاء كلياً، كان المصرف وكيلاً عن فاتح الاعتماد، وله أن يأخذ عمولة أو أجراً عن وكالته. وإن كان غير مغطى كلياً أو جزئياً، كان المصرف كفيلاً، وفاتح الاعتماد مكفول عنه، فلا يجوز للمصرف أخذ أجر مقابل الكفالة ذاتها، وإنما مقابل الإجراءات والمصاريف الإدارية فقط. وإذا كان الغطاء جزئياً لاستيراد سلعة معينة، فإن البنك يصبح شريكاً لفاتح الاعتماد في الكسب أو الخسارة بنسبة معينة هي ٢% مثلاً، وليس كفالة مجردة. ثالثاً - التأمين التجاري ذو القسط الثابت: يسمى هذا التأمين أيضاً بالضمان، ومنه شركة الضمان السورية، وذلك حتى يلتبس بالكفالة ويوهم الناس بمشروعيته، وربما أدخل تحت كفالة المجهول وضمان ما لم يجب.

стр. 4052

و تعريفه قانونا ً: هو عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّن له (المستأمن) أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال، أو إيراداً مرتباً، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث، أو تحقق خطر مبين في العقد، وذلك في مقابل قسط، أو أية دفعة أخرى يؤديها المؤمَّن له إلى المؤمِّن. فهو كما يتبين عقد من العقود الاحتمالية ومن عقود المعاوضات المالية، وليس العوض تبرعاً من المؤمِّن. والعقود الاحتمالية داخلة تحت فئة عقود الغرر ؛ إذ لايعرف وقت العقد مقدار ما يعطي كل من العاقدين أو يأخذ، فقد يدفع المستأمن قسطاً واحداً من الأقساط، ثم يقع الحادث، وقد يدفع جميع الأقساط، ولا يقع الحادث (١). وهو بهذه الأوصاف غير جائز شرعاً لاشتماله على الغرر والربا. أما الغرر: فواضح فيه؛ لأنه من عقود الغرر: وهي العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه، وقد ثبت «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر» (٢). ويقاس على البيع عقود المعاوضات المالية، فيؤثر الغرر فيها، كما يؤثر في عقد البيع. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان (عقود الغرر) لأن التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع أو غير معروف وقوعه، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين. والغرر في التأمين كثير لا يسير ولا متوسط؛ لأن من أركان التأمين: الخطر، والخطر حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين. والمؤمَّن له (المستأمن) لا يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطاً واحداً، ويقع الخطر، فيستحق جميع ما التزم به المؤمِّن، وقد يدفع جميع الأقساط، ولا يقع الخطر، فلا يأخذ شيئاً.

стр. 4053

وكذلك حال المؤمِّن، لا يعرف عند العقد مقدار ما يأخذ أو ما يعطي، وإن كان يستطيع إلى حد كبير معرفة كل ذلك بالنسبة لجميع المؤمن لهم، بالاستعانة بقواعد الإحصاء الدقيق. وبالرغم من ذلك لا تنتفي مع هذه القواعد صفة الاحتمال والغرر والغبن في الظروف العادية؛ لأن انتفاء الغرر بالنسبة للمؤمِّن وحده لا يكفي لانتفاء الغرر عن عقد التأمين، فلا بد من انتفائه بالنسبة للمستأمن أيضاً. وليس الأمان بالنسبة للمستأمن هو محل العقد، وإنما هو الباعث على عقد التأمين، ولو كان هو محل العقد، لكان عقد التأمين باطلاً؛ لأن المحل يلزم أن يكون ممكناً غير مستحيل، والأمان يستحيل الالتزام به. وأما الربا: فمن المؤكد أن عوض التأمين ناشئ من مصدر مشبوه، لأن كل شركات التأمين تستثمر أموالها في الربا، وقد تعطي المستأمن (المؤمن له) في التأمين على الحياة جزءاً من الفائدة، والربا حرام قطعاً. ثم إن الربا واضح بين العاقدين: المؤمِّن والمستأمن؛ لأنه لا تعادل ولا مساواة بين أقساط التأمين وعوض التأمين، فما تدفعه الشركة قد يكون أقل أو أكثر، أو مساوياً للأقساط، وهذا نادر، والدفع متأخر في المستقبل، فإن كان التعويض أكثر من الأقساط، كان فيه ربا فضل وربا نسيئة، وإن كان مساوياً ففيه ربا نسيئة، وكلاهما حرام. وكان ابن عابدين المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ أول من اعتبر عقد التأمين البحري غير مشروع، قال بعد بيان ما يسمى سوكرة وتضمين الحربي ما هلك في المركب: «والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله؛ لأن هذا التزام ما لايلزم» (١).

стр. 4054

وتأيد هذا بما قرره المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة عام (١٣٩٦ هـ/١٩٧٦ م) وكذا مجمع الفقه في جدة عام ١٤٠٦ هـ/١٩٨٥ م من عدم مشروعية التأمين التجاري. وقال ابن نجيم المصري (١): الغرور لا يوجب الرجوع، فلو قال: اسلك هذا الطريق، فإنه آمن، فسلكه فأخذه اللصوص، أو كل هذا الطعام، فإنه ليس بمسموم، فأكله فمات فلا ضمان. ثم استثنى من ذلك ثلاث حالات، منها إذا كان الغرور بالشرط، كما لو زوجه امرأةً على أنها حرة، ثم استحقت، فإنه يرجع على المخبر بما غرمه للمستحق من قيمة الولد. أما التأمين التعاوني بين فئة من الناس، فهو جائز شرعاً؛ لأنه عقد من عقود التبرعات، ومن قبيل التعاون المطلوب شرعاً على البر والخير؛ لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس، لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أياً كان نوع الضرر من حريق أو غرق أو سرقة أو حادث سيارة أو بسبب حوادث العمل أو موت حيوان ونحو ذلك، ولأنه لا يهدف إلى تحقيق الأرباح، كما تفعل شركات التأمين ذات القسط الثابت. وقد أجاز مؤتمر علماء المسلمين الثاني في القاهرة عام (١٣٨٥ هـ/١٩٦٥ م) ومؤتمر علماء المسلمين السابع عام (١٣٩٢ هـ/١٩٧٢ م) كلاً من التأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني، وهو ما قرره المجمع الفقهي في مكة المكرمة عام (١٣٩٨ هـ/١٩٧٨ م) ومجمع الفقه الإسلامي في جدة في قراره رقم ٩ عام ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٥ م.

стр. 4055

والخلاصة: لا يجوز التأمين التجاري لاشتماله على الربا والغرر، وليس هو من باب الكفالة سواء كفالة المجهول وضمان ما لم يجب؛ لأن الكفالة تبرع، والتأمين عقد معاوضة احتمالي. ويجوز التأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني لقيامه على التبرع، والتعاون على البر والخير والإحسان المحض من غير معاوضة. رابعاً - كفالات الإقامة والسفر: عرفنا أن الكفالة عقد تبرع وطاعة يثاب عليها الكفيل؛ لأنها تعاون على الخير، وللكفيل أن يرجع على المكفول عنه بما تحمله من مسؤولية الضمان إذا دفعه لصالح الجهة المكفول لها. والكفالة مشروعة سواء كانت كفالة بالمال (أو الدين) أو كفالة بالنفس. ومن المعروف أن دول الخليج تشترط تقديم كفيل بالنفس والمال على العمال وأرباب العمل الذين يمارسون أعمالهم فيها، ويلتزم الكفيل من أجل منح هؤلاء الإقامة في هذه البلاد التي يعملون فيها تقديم الأجنبي للسلطات المختصة لترحيله عند انتهاء إقامته أو إلغائها، أو صدور قرار بإبعاده، مع سداده نفقات الترحيل. كما يلتزم بجميع الديون والالتزامات التي تترتب في ذمة مكفوله الأجنبي خلال مدة إقامته في البلاد، إذا لم يف بها، ولم تكن له أموال ظاهرة يمكن التنفيذ عليها. كما توجب قوانين بعض الدول تقديم كفيل بالنفس والمال عند السماح لبعض رعاياها بالسفر للخارج من أجل العمل أو الدراسة أو تأجيل خدمة العلم (الجندية) ونحوها، ويلتزم الكفيل بدفع مبلغ من المال إذا لم يقدم المكفول بنفسه للدولة حال مطالبة السلطات الحكومية بإحضاره.

стр. 4056

وحكم هذين النوعين من الكفالة: كفالة الإقامة والسفر للخارج: أن الكفالة بالرغم من كونها عقد تبرع، يجوز بموجبها للكفيل أخذ مقابل عمله وجهده فقط، وله الرجوع بما يغرم، وما زاد عن هذا فهو سحت حرام (١)، بل هو ظلم وغبن فاحش إذا تجاوز الكفيل هذه الحدود المشروعة، بأن طالب المكفول بتقديم نسبة من أرباح العمل، أو بأقساط شهرية دورية، دون أن يقدم الكفيل لمكفوله أي عمل، أو يتحمل أي جهد، أو يؤدي عنه أي نفقة. وقد نصت المادة (١٠٩٨) من قانون المعاملات المدنية في دولة الإمارات، المستمد من الفقه الإسلامي على ما يلي: «لا يجوز للكفيل أن يأخذ عوضاً عن كفالته، فإن أخذ عوضاً عنها وجب عليه رده لصاحبه، وتسقط عنه الكفالة إن أخذه من الدائن أو من المدين أو من أجنبي بعلم من الدائن، فإن أخذه بدون علم منه لزمته الكفالة مع رد العوض». وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة: وإنما منع أخذ الضامن عوضاً عن ضمانه؛ لأن الدين إن دفعه المدين، كان أخذ الضامن للعوض من أكل أموال الناس بالباطل. وإن دفعه الضامن ثم رجع به على المدين، كان دفعه للدين وأخذه من المدين سلفاً للمدين بزيادة، وهي العوض الذي أخذه، وهذا ممنوع. والخلاصة: يجوز أخذ الأجر على كفالة الإقامة أو السفر إذا كانت مقابل عمل وجهد فقط أو بسبب غرم الكفيل، وما زاد على ذلك فهو مال حرام.

стр. 4057

الفَصْلُ الحادي عَشَر: الحَوالَة خطة الموضوع: الكلام عن عقد الحوالة في المباحث الآتية: المبحث الأول - تعريف الحوالة و مشروعيتها وركنها وصيغتها. المبحث الثاني - شروط الحوالة. المبحث الثالث - أحكام الحوالة. المبحث الرابع - انتهاء الحوالة. المبحث الخامس - رجوع المحال عليه على المحيل. وأبدأ الكلام عن: المبحث الأول - تعريف الحوالة ومشروعيتها وركنها وصيغتها: تعريف الحوالة: الحوالة في اللغة: الانتقال، يقال: حال عن العهد: أي انتقل عنه وتغير. وفي الاصطلاح عند الحنفية: نقل المطالبة من ذمة المدين إلى ذمة الملتزم، بخلاف الكفالة، فإنها ضم في المطالبة لا نقل، فلا يطالب المدين بعد الحوالة بالاتفاق. وهل ينتقل الدين أو لا؟ اختلف أئمة الحنفية فيه، والصحيح أنه ينتقل كما سيأتي بيانه. لذا عرف صاحب العناية الحوالة بقوله: الحوالة في

стр. 4058

اصطلاح الفقهاء: تحويل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة المحال عليه على سبيل التوثق به (١). وعرفها غير الحنفية بأنها عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة (٢). مشروعيتها: الحوالة بالدين جائزة بالسنة والإجماع استثناء من منع التصرف في الدين بالدين. أما السنة فقوله ﷺ : «مَطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء (٣) فليتَّبع» (٤): أي فليحتل، كما رواه البيهقي. وفي رواية الطبراني في معجمه الوسط: «ومن أحيل على مليء فليتبع» وفي رواية أحمد وابن أبي شيبة: «ومن أحيل على مليء فليحتل» وقد يروى: «فإذا أحيل». وجمهور العلماء على أن الأمر المذكور أمر استحباب فلا يجب قبول الحوالة. وقال داود وأحمد: الأمر للوجوب، فيجب على المحال قبول الحوالة (٥).

стр. 4059

وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة (١). فهي عقد جائزفي الديون دون الأعيان؛ لأنها تنبئ عن النقل، والتحويل يكون في الدين لا في العين، أي أن النقل الحكمي لا يكون في العين فلا تصح فيها الحوالة. ركن الحوالة: ركن الحوالة عند الحنفية: الإيجاب من المحيل، والقبول من المحال والمحال عليه، بألفاظ مخصوصة هي صيغة الحوالة. فالإيجاب: أن يقول المحيل للدائن: أحلتك على فلان. والقبول من المحال والمحال عليه: أن يقول كل واحد منهما: قبلت أو رضيت أو نحوهما. والسبب في أنه لا بد من رضا المحال عليه عند الحنفية: هو أن الحوالة تصرف على المحال عليه بنقل الحق إلى ذمته، فلا يتم إلا بقبوله ورضاه، إذ أنه الذي يلزمه الدين، ولا لزوم إلا بالتزامه، وكونه مديناً للمحيل لا يمنع من تغير صفة الالتزام؛ لأن الناس يتفاوتون في اقتضاء الدين سهولة ويسراً، أو صعوبة وعسراً. وأما رضا المحال: فلا بد منه؛ لأن الدين حقه، وهو في ذمة المحيل، والدين هو الذي ينتقل بالحوالة، والذمم متفاوتة في حسن القضاء والمطل، فلا بد من رضاه، وإلا لزم الضرر بإلزامه اتباع من لا يوافيه. وأما المحيل فقد شرط القدوري رضاه؛ لأن ذوي المروءات قد يأنفون بتحمل غيرهم ما عليهم من الدين، وذكر في الزيادات وهو الرأي المختار عند بعضهم: أن الحوالة تصح بدون رضاه؛ لأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، والمحيل لا يتضرر به بل فيه نفعه (٢).

стр. 4060

وقال الحنابلة والظاهرية: يشترط رضا المحيل فقط، وأما المحال والمحال عليه فيلزمهما قبول الحوالة؛ لأن الأمر في الحديث عندهم للوجوب كما عرفنا، ولايعتبر رضاهما (١)، بعكس الحنفية تماماً، واكتفى الحنابلة باشتراط علم المحال به والمحال عليه. والسبب في عدم اشتراط رضا المحال عليه هو أن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل. وقال المالكية في المشهور عندهم والشافعية في الأصح عندهم: يشترط لصحة الحوالة رضاالمحيل والمحال فقط؛ لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء، فلا يلزم بجهة معينة، وحق المحال في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم تتفاوت في الأداء والقضاء. وأما المحال فلا يجب عليه الرضا بالحوالة؛ لأن الأمر في الحديث الوارد بمشروعية الحوالة للاستحباب، فلا يلزم المحال قبول الإحالة. ولايشترط رضا المحال عليه؛ لأنه محل الحق والتصرف، ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره، والأمر هو مجرد تفويض بالقبض، فلا يعتبر رضا من عليه، كما لو وكل إنسان غيره بقبض دينه، ويخالف المحال عليه المحال بأن الحق له فلا ينقل بغير رضاه كالبائع، أما المحال عليه فالحق عليه، فلا يعتبر رضاه، كالشيء المبيع (٢). يفهم مما سبق أن للحوالة عند الجمهور غير الحنفية أركاناً أو عناصر ستة تقوم عليها وهي: محيل وهو المدين، ومحال ويسمى أيضاً محتالاً وحويلاً وهو رب الدين أو الدائن، ومحال عليه أو محتال عليه وهو الذي التزم الدين للمحال،

стр. 4061

ومحال أو محتال به: وهو نفس الدين الذي للمحال على المحيل، ودين للمحيل على المحال عليه، وصيغة (١). المبحث الثاني - شروط الحوالة: يشترط لصحة الحوالة عند الحنفية شروط تتعلق إما بالصيغة أو بالمحيل، أو بالمحال، أو بالمحال عليه، أو بالمحال به. شروط الصيغة: تنعقد الحوالة بتوافر الإيجاب والقبول أو ما في معناهما كالتوقيع على سند الحوالة والكتابة والإشارة، والإيجاب: أن يقول المحيل: أحلتك على فلان، والقبول: أن يقول المحال: قبلت أو رضيت. ويشترط في الإيجاب والقبول كونهما في مجلس العقد. وأن يكون العقد باتاً، فلا يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الشرط. شروط المحيل: يشترط في المحيل شرطان: أولاً - أن يكون أهلاً للعقد بأن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تصح حوالة المجنون والصبي الذي لا يعقل، لأن العقل شرط لممارسة أي تصرف. ولا تنفذ حوالة الصبي المميز، وإنما تتوقف على إجازة وليه، فالبلوغ إذن شرط نفاذ لا انعقاد. ثانياً - رضا المحيل: فلو كان مكرهاً على الحوالة لا تصح؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات (٢). ووافقهم المالكية والشافعية والحنابلة في هذا الشرط.

стр. 4062

وقال ابن كمال في الإيضاح: وأما رضا المحيل فإنما يشترط للرجوع عليه. شروط المحال: يشترط في المحال شروط ثلاثة: أولاً - أن يكون أهلاً للعقد كالشرط في المحيل بأن يكون عاقلاً؛ لأن قبوله ركن في العقد، وغير العاقل ليس من أهل القبول. وبأن يكون بالغاً وهو شرط نفاذ لا شرط انعقاد كما تبين، فإذا كان المحال غير بالغ، فيحتاج في الحوالة لإجازة وليه. ثانياً - الرضا: فلا تصح الحوالة إذا كان المحال مكرهاً، لما ذكر، ووافقهم المالكية والشافعية في هذا الشرط. ثالثاً - أن يتم قبوله في مجلس الحوالة: وهذا شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد، فلو كان المحال غائباً عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز، لا ينفذ عندهما. وعند أبي يوسف: هذا شرط نفاذ. قال الكاساني: والصحيح قولهما؛ لأن قبول المحال أحد أركان الحوالة (١). شروط المحال عليه: يشترط في المحال عليه شروط ثلاثة هي شروط المحال نفسها: أولاً - أن يكون أهلاً للعقد، بأن يكون عاقلاً بالغاً، فلا تصح الحوالة على الصبي والمجنون، إلا أن البلوغ يعتبر هنا شرط انعقاد، فلا يصح من الصبي قبول الحوالة أصلاً. ثانياً - الرضا: فلو أكره على قبول الحوالة، لا يصح العقد، ولم يشترط المالكية رضا المحال عليه.

стр. 4063

ثالثاً - أن يتم قبوله في مجلس العقد، وهو شرط انعقاد عند أبي حنيفة ومحمد (١). شروط المحال به: يشترط شرطان في المحال به وهما (٢): أولاً - أن يكون دَيْناً: أي أن يكون هناك دين للمحال على المحيل. فإن لم يكن هناك دين، فيكون العقد وكالة تثبت فيها أحكامها، وليس حوالة. ويترتب عليه أنه لا تصح الحوالة بالأعيان القائمة؛ لأنها لا تثبت في الذمة. ثانياً - أن يكون الدين لازماً: مثل دين القرض فلا تصح الحوالة - في الماضي - على المكاتب ببدل الكتابة؛ لأنه دين غير لازم؛ لأن السيد لا يجب له على عبده دين. وفي الجملة: إن كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به، وهو الدين الحقيقي غير الاحتمالي الذي يعبرون عنه بالدين الصحيح. واشترط كون الدين لازماً هو رأي الجمهور غيرالحنابلة، وأجاز الحنابلة الحوالة بدين الكتابة أو بدين الثمن في مدة الخيار. وأجاز الشافعية كون الدين آيلاً إلى اللزوم بنفسه، كدين الثمن المقترن بخيار في العقد، والصداق قبل الدخول، والأجرة قبل استيفاء المنفعة. وكذلك لا تصح الحوالة إذا كان دين المحيل في ذمة المحال عليه غير لازم كدين صبي وسفيه بغير إذن ولي، فلا تصح الإحالة عليهما لعدم لزوم هذا الدين؛ لأن لولي الصغير والسفيه طرح الدين عنهما وإسقاطه. ومثله أيضاً ثمن سلعة مبيعة بالخيار قبل لزومه؛ لأنه يعد ديناً غير لازم.

стр. 4064

وأما وجوب الدين على المحال عليه للمحيل قبل الحوالة، فليس بشرط عند الحنفية لصحة الحوالة، فإن الحوالة تصح سواء أكان للمحيل على المحال عليه دين أم لم يكن، وسواء أكانت الحوالة مطلقة أم مقيدة. و اشترط المالكية والشافعية (١) في المحال به ثلاثة شروط: الأول - أن يكون الدين المحال به قد حل ّ. الثاني - أن يكون الدين المحال به مساوياً للمحال عليه في الصفة والمقدار، فلا يجوز أن يكون أحدهما أقل أو أكثر أو أدنى أو أعلى؛ لأنه يخرج عن الإحالة إلى البيع، فيدخله الدين بالدين. الثالث - ألا يكون الدينان أو أحدهما طعاماً من سلَم ؛ لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، وهو لا يجوز، فإن كان أحدهما من بيع والآخر من قرض، جاز إذا حل الدين المحال به. نوعا الحوالة عند الحنفية: الحوالة نوعان: مطلقة ومقيدة. المطلقة: أن يحيل شخص غيره بالدين على فلان، ولا يقيده بالدين الذي عليه، ويقبل الرجل المحال عليه. ولم يقل بجوازها غير الحنفية، ووافقهم فيها الشيعة الإمامية والزيدية على الراجح عندهم. والحوالة المطلقة في المذاهب الثلاثة غير الحنفية حيث لا يكون للمدين دين في ذمة المحال عليه تعد كفالة محضة، ولا بد فيها من رضاء الأطراف الثلاثة بها (وهم الدائن والمدين والمحال عليه جميعاً).

стр. 4065

و المقيدة: أن يحيله ويقيده بالدين الذي له عليه. وهذه هي الحوالة الجائزة باتفاق العلماء (١). وكلا النوعين جائز لقوله ﵊: «من أحيل على مليء فليتبع» إلا أن الحوالة المطلقة تختلف عن الحوالة المقيدة في بعض الأحكام كما يأتي (٢): ١ - إذا كانت الحوالة مطلقة ولم يكن للمحيل على المحال عليه دين، فإن المحال يطالب المحال عليه بدين الحوالة فقط. وإن كان له عليه دين، ولم يقيد الحوالة به بأن لم يقل: (أحيله عليك بما لي عليك) أو (على أن تعطيه مما عليك) وقبل المحال عليه، فإن المحال عليه يطالب بدينين: دين الحوالة ودين المحيل، فالمحال يطالب بدين الحوالة، والمحيل يطالب بالدين الذي له عليه، كما إذا كان عند رجل ألف ليرة وديعة، فأحال شخصاً عليه بألف ليرة، ولم يقيده بالألف الوديعة، فقبله، فللمحيل أن يأخذ الوديعة، وعلى المحال عليه أداء الألف بالحوالة. فأما إذا قيد الحوالة بالدين الذي له عليه، فليس للمحيل أن يطالبه بالأداء إليه؛ لأنه قيد الحوالة بهذا الدين، فيقيد به، أي يتعلق به حق المحال، ويكون هذا الدين، بمنزلة الرهن عنده، وإن لم يكن رهناً حقيقة، فإذا أدى المال تقع المقاصة بين المحال عليه والمحيل.
следующие страницы →