← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

واحتمال الفسخ لا يتأتى في الصلح عن القصاص، لأنه مما لا يحتمل الفسخ، فلا حاجة إلى القول بعدم جواز التصرف في بدل الصلح قبل القبض. سادساً - إن الوكيل بالصلح يلتزم ببدل الصلح دون المدعى عليه إذا كان الصلح في معنى المعاوضة، كما إذا تم الصلح على جنس آخر خلاف جنس حق المدعي، لأنه يكون حينئذ جارياً مجرى البيع، وحقوق البيع ترجع إلى الوكيل. وإن كان الصلح في معنى استيفاء عين الحق، كمن له على آخر ألف ليرة، فصالحه على خمس مئة، فيلتزم الوكيل ببدل الصلح إن ضمنه، وإن لم يضمنه لم يلزمه؛ لأنه يكون حينئذ سفيراً بمنزلة الرسول، فلا ترجع إليه حقوق العقد. أما إن ضمنه لزمه بحكم الكفالة لا بحكم العقد. وقد سبق أن أشرت إليه. والخلاصة: أن الصلح كما قال الشافعية إذا كان عن إقرار وجرى على عين غير المدعاة، فهو بيع بلفظ الصلح تثبت فيه أحكامه، كالشفعة، والرد بالعيب، ومنع التصرف قبل القبض، واشتراط التقابض إن اتفق المصالح عنه والمصالح عليه في علة الربا (١). المبحث الرابع - مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان: مبطلات الصلح: يبطل الصلح بأشياء هي ما يأتي (٢): ١ - الإقالة في غير حالة الصلح على القصاص: فلو أقال أحد المتصالحين الآخر انفسخ الصلح؛ لأن فيه معنى معاوضة المال بالمال، فكان محتملاً للفسخ كالبيع ونحوه. أما القصاص: فالصلح فيه إسقاط محض لحق ولي الدم في استيفاء القصاص من القاتل؛ لأنه عفو عن القاتل، فلايحتمل الفسخ كالطلاق ونحوه.

стр. 4237

٢ - لحاق المرتد بدار الحرب أو موته على الردة عند أبي حنيفة: وهذا مبني على القاعدة المقررة عنده: وهي أن تصرفات المرتد موقوفة على العودة إلى الإسلام أو اللحاق بدار الحرب أو الموت، فإن أسلم نفذت تصرفاته، وإن لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه، أو قتل أو مات على الردة بطلت تصرفاته. وعند الصاحبين: تعتبر تصرفات المرتد نافذة. ٣ - الرد بخيار العيب أو الرؤية: لأن الرد يفسخ العقد. ٤ - هلاك أحد المتعاقدين في الصلح على المنافع قبل انقضاء المدة: لأن في الصلح على المنفعة معنى الإجارة، والإجارة تبطل بموت أحد العاقدين. وكذا يبطل الصلح إذا هلك ما وقع الصلح على منفعته. حكم الصلح بعد بطلانه: إذا بطل الصلح يرجع المدعي إلى أصل دعواه إن كان الصلح عن إنكار. ويرجع المدعي على المدعى عليه بالمدعى به لا غيره إن كان الصلح عن إقرار؛ لأنه إذا بطل الصلح، جعل كأن لم يكن، فعاد الأمر على ما كان من قبل. لكن في الصلح عن القصاص: يرجع المدعي على القاتل بالدية دون القصاص، وفي الصلح عن المنفعة، إذا بطل بموت أحد العاقدين ونحوه من المبطلات في أثناء المدة، يرجع المدعي بالمدعى به، بقدر ما لم يُستوف من المنفعة إن كان الصلح عن إقرار. وإن كان عن إنكار المدعي إلى أصل الدعوى في قدر ما لم يستوف من المنفعة (١). الصلح عن التركة (التخارج): يصح الصلح عن حصة الوارث في التركة،

стр. 4238

وتطبق أحكام البيع، ويسمى هذا الصلح مخارجة. والمخارجة: هي عقد يتصالح فيه أحد الورثة على أن يخرج من التركة، فلا يأخذ نصيبه، نظير مال يأخذه من التركة، أو من غيرها. ويختلف الحكم فيما إذا كانت التركة أشياء عينية، أو أشياء نقدية. فإن كانت التركة أشياء عينية كعقار أو عروض تجارية، صح الصلح مهما كان مقدار العوض قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه بيع، وقد صالح عثمان امرأة عبد الرحمن بن عوف ﵃ على ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار. أما إن كانت التركة نقداً ذهباً أو فضة، فيصح الصلح مهما كان العوض إذا كان من جنس غير جنس مال التركة، كإعطاء ذهب بفضة أو بالعكس؛ لأنه بيع الجنس بخلاف الجنس، فلا يعتبر التساوي، ولكن بشرط قبض العوضين في مجلس العقد، لأنه عقد صرف. وإن كانت التركة خليطاً من أشياء عينية ونقدية وهو الغالب فلا بد من أن يكون العوض أكثر من نصيبه في التركة، حتى يتساوى نصيبه بمثله، وتغطي الزيادة الأشياء العينية الأخرى مثل العروض التجارية والعقارات ونحوها، منعاً من الوقوع في الربا، ولا بد من التقابض فيما يقابل نصيبه من الذهب أو الفضة؛ لأن هذا عقد صرف في هذا القدر (١). والخلاصة: أنه يشترط عند الحنفية كون التركة معلومة، ولا يشترط أن يكون التخارج بمقدار الحصة تماماً؛ لأن هذا العقد بيع، والعلم بالمبيع شرط لإمكان التسليم، ولا يلزم كون الثمن مساوياً لقيمة المبيع، لكن يشترط أن يكون المتخارج عالماً بنصيبه من التركة خشية الغرر، ويشترط أيضاً التقابض فيما هو عقد صرف، لعدم الوقوع في الربا.

стр. 4239

الفَصْلُ الرّابع عَشَر: الإِبراء فيه ستة مباحث تشمل تعريف الإبراء ومشروعيته، وأركانه، وشروطه ومحله، وأنواعه، وحكمه. المبحث الأول - تعريف الإبراء ومشروعيته: الإبراء لغة: التنزيه والتخليص والمباعدة عن الشيء. وفقهاً: هو إسقاط شخص حقاً له في ذمة آخر أو قِبَله، كإسقاط الدائن دينه الذي له في ذمة المدين. فإذا لم يكن الحق في ذمة شخص، كحق الشفعة، وحق السكنى الموصى به، فلا يعتبر التنازل عنه أو تركه إبراء، بل هو إسقاط محض، وعليه يكون كل إبراء إسقاطاً، وليس كل إسقاط إبراء. والإبراء وإن تضمن معنى الإسقاط، ففيه معنى آخر وهو التمليك فهو إسقاط من الدين، وتمليك للمدين. وقد رجح كل مذهب أحد المعنيين. الحنفية رجحوا معنى الإسقاط مع بقاء معنى التمليك، ورتبوا عليه عدم صحة الإبراء عن الأعيان؛ لأنه إسقاط، وملكية الأعيان لا تقبل الإسقاط، فلو أسقط أحد ملكيته عن شيء مملوك له، لا تسقط ويبقى ملكاً له، ولا يصح الإبراء عن المبيع؛ لأنه إسقاط، وإسقاط العين لا يصح، والإبراء عن العين المغصوبة لا يكون سبباً لملكها، وإنما يكون إبراء عن ضمانها، وتصير أمانة في يد الغاصب.

стр. 4240

ولكن يصح إبراء الدين الثابت في الذمة كضمان قيمة المغصوب المتلف، ويصح الإبراء عن الدعوى المتعلقة بالأعيان. ولا يصح إقالة الإبراء عن الدين ولا إقالة السلم؛ لأن الإبراء يسقط الدين من الذمة، والساقط لا يعود؛ لأنه معدوم، والمسلم فيه دين سقط. ويعد الإبراء من الدين تبرعاً؛ لأن فيه معنى التمليك، وإن كان في صورة إسقاط. والراجح عند المالكية: كما أبان الدسوقي (١) أن الإبراء نقل للملك فيكون من قبيل الهبة، فيحتاج لقبول. والجديد عند الشافعية (٢): أن الإبراء تمليك المدين ما في ذمته، فيشترط علم الطرفين به إن كان في ضمن معاوضة كخلع، وإلا فيكفي علم المبرئ فقط، والإبراء من المجهول باطل. وقال بعض الشافعية: الأصح أن الإبراء إسقاط. والراجح عند الحنابلة (٣): أن الإبراء إسقاط، ولا مانع يمنع الإنسان من إسقاط بعض حقه أو هبته، فقد كلم النبي ﷺ غرماء جابر ليضعوا عنه. مشروعية الإبراء: الإبراء في الحكم الغالب له مندوب، قال الخطيب الشربيني: الإبراء مطلوب، فوُسِّع فيه بخلاف الضمان (أي الكفالة)؛ لأنه نوع الإحسان والبر والصلة، لتضمنه إسقاط الحق عن المدين، ولو لم يكن معسراً، قال تعالى: ﴿وإن كان ذو عُسْرَة، فَنَظِرة إلى مَيْسرة، وأن تَصدَّقُوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢].

стр. 4241

المبحث الثاني - ركن الإبراء: ركن الإبراء عند الحنفية: هو الإيجاب فقط الصادر من صاحب الحق المبرئ، الدال دلالة واضحة على ترك حقه والتنازل عنه. باعتبار أن الركن هو جزء الشيء الذي لا يتحقق بدونه. أما بقية عناصر الإبراء من متعاقدين ومحل فهي أطراف العقد، وليست ركناً. أما الجمهور فقالوا: للإبراء أركان أربعة: صاحب الحق المبرئ، والمدين (المبرأ)، والصيغة، والمبرأ منه (محل الإبراء من دين أو عين أو حق) باعتبار أن الركن: هو كل ما يتوقف عليه وجود الشيء، سواء أكان جزءاً داخلاً فيه وهو الإيجاب وحده، أو الإيجاب والقبول معاً، أم خارجاً عنه كالأطراف والمحل. هل يحتاج الإبراء إلى قبول؟ يرى الجمهور غير المالكية (١): أن الإبراء لا يحتاج إلى قبول، فينعقد بمجرد الإيجاب؛ لأنه عند الحنفية والحنابلة إسقاط، والإسقاطات كالطلاق والعتق لا تحتاج إلى قبول، سواء أكان التعبير بلفظ الإبراء أم بلفظ هبة الدين للمدين، وطالب بعض الحنفية بالقبول في هبة الدين للمدين، والمشهور هو الأول. وبالرغم من أن الراجح لدى الشافعية أن الإبراء تمليك المدين ما في ذمته كما بينت، فلا يحتاج إلى القبول؛ لأن المقصود منه الإسقاط. ومثال الإيجاب: أن يقول: أبرأتك من ديني، أو أحللتك منه، أو أسقطته عنك، أو ملكتك إياه، أو تركته لك، ونحو ذلك. نصت المادة ١٥٦١ مجلة: «إذا قال أحد: ليس لي مع فلان نزاع ولا دعوى، أو ليس لي عند فلان حق، أو فرغت

стр. 4242

من دعواي التي هي مع فلان، أو تركتها، أو ما بقي لي عنده، أو استوفيت حقي من فلان بالتمام، يكون قد أبرأه». ويرى المالكية على الراجح: أن الإبراء يحتاج إلى قبول؛ لأنه نقل للملك، كالهبة فلا بد من القبول في هبة الدين، لمن هو عليه؛ لأنه إبراء. ويكون القبول في مجلس العقد بالاتفاق، إلا أن الشافعية (١) اشترطوا القبول لفظاً فوراً فيما لو وكله في إبراء نفسه، ولو من الحاكم. وظاهر المذهب المالكي جواز تأخير القبول عن الإيجاب، وعبارتهم: من سكت عن قبول صدقته زماناً، فله قبولها بعدئذ. واستثنى الحنفية من عدم توقف الإبراء على القبول: الإبراء عن بدلي الصرف، وعن رأس مال السلم، فيتوقف فيهما الإبراء على القبول؛ لأن الإبراء يؤدي إلى تفويت القبض المستحق، وفواته يوجب بطلان العقد، ونقض العقد لا ينفرد به أحد العاقدين، بل لا بد من قبول الطرف الآخر، فإن قبله برئ، وإن لم يقبله لم يبرأ، وإذا تم الإبراء مع القبول انفسخ عقد الصرف والسلم، لعدم تحقق القبض المشروط لصحة كل منهما. أما الإبراء عن المسلم فيه أو عن ثمن المبيع، فيجوز من غير قبول؛ لأن قبض المسلم فيه أو الثمن ليس بشرط، والإبراء عن دين لا يجب قبضه شرعاً إسقاط لحق المبرئ لا غير، فيملك الإبراء من نفسه فقط (٢). رد الإبراء: ذهب الشافعية في الراجح والحنابلة: إلى أن الإبراء يتم بالإيجاب دون حاجة

стр. 4243

إلى قبول، ولا يرتد بالرد من المدين؛ لأنه إسقاط عند الحنابلة، كإسقاط القصاص والشفعة، والمقصود منه الإسقاط عند الشافعية، فيصح الإبراء من الدين ولو رده المدين. وذهب الحنفية والمالكية: إلى أن الإبراء يرتد بالرد، في المجلس أو بعده، مادام لم يحدث منه قبول صريح قبل رده؛ لأن الإبراء عند المالكية يفتقر إلى القبول، ولأن فيه معنى التمليك. ولمراعاة معنى التمليك عند الحنفية وإن كان إسقاطاً (١)، فنظراً لما فيه من معنى التمليك فإنه يرتد بالرد. و الرد المعتبر: هو ما يصدر من المبرأ، أو من وارثه بعد موته. واستثنى الحنفية مسائل أربعاً لا يرتد فيها الإبراء بالرد وهي (٢): ١ و ٢ - الإبراء في الحوالة، والكفالة على الراجح؛ لأن الإبراء فيهما إسقاط محض، ليس فيه تمليك مال، والإسقاط المحض لا يحتمل الرد، لانعدام الساقط وتلاشيه، فلو أبرأ المحال المحال عليه فرده لا يرتد، ولو أبرأ الدائن الكفيل فرده لايرتد. ٣ - إذا تقدم من المبرأ على الإبراء طلب بأن قال للمبرئ: أبرئني، فأبرأه، فردّ، لا يرتد. ٤ - إذا سبق للمبرأ أن قبل الإبراء، فإذا رده بعدئذ لا يرتد. أما المجلة العدلية فقد نصت في المادة ١٥٦٨ على ما يلي بالنسبة للقبول والرد أخذاً برأي الحنفية:

стр. 4244

«لايتوقف الإبراء على القبول، ولكن يكون بالرد مردوداً؛ لأنه إذا أبرأ أحد آخر، فلا يشترط قبوله، ولكن إذا رد الإبراء في ذلك المجلس بقوله: لا أقبل، يكون ذلك الإبراء مردوداً، يعني لا يبقى له حكم، لكن لو رده بعد قبول الإبراء لا يكون الإبراء مردوداً، وأيضاً إذا أبرأ المحال له المحال عليه، أو صاحبُ الطلبِ الكفيل، ورد ذلك المحال عليه أو الكفيل، لا يكون الإبراء مردوداً». المبحث الثالث - شروط الإبراء: هناك شروط في المبرئ، وشروط في المبرأ، وشروط في صيغة الإبراء، وشروط في المبرأ منه (محل الإبراء). أولاً - شروط المبرئ: يشترط في المبرئ ما يلي (١): ١ - أن يكون من أهل التبرع، أي عاقلاً بالغاً راشداً غير محجور لسفه أو لدين؛ لأن الإبراء تبرع من الدائن؛ إذ لا يقابله عوض من المدين. وشرْط عدم الحجر لدين عند الحنفية على المفتى به من رأي الصاحبين بجواز الحجر على المدين هو شرط نفاذ، فإبراء المحجور عليه بسبب الدين صحيح موقوف على إجازة الدائنين، حفاظاً على حقوقهم. ٢ - أن يكون ذا ولاية على الحق المبرأ منه: بأن يكون مالكاً له، أو موكلاً بالإبراء منه، أو وصياً على الدائن. والإجازة اللاحقة عند من يجيز تصرف الفضولي لها حكم الوكالة السابقة.

стр. 4245

والعبرة عند الحنفية والحنابلة في ولاية المبرئ بالواقع لا في الظن، فلو أبرأ عن شيء من مال أبيه ظاناً أنه حي، فتبين حين الإبراء أنه ميت، صح الإبراء؛ لأنه إسقاط، ولأن الشيء المبرأ منه كان مملوكاً له في الواقع، كبيع مال مورثه الميت مع ظن الحياة. وإذا اعتبر الإبراء تمليكاً كما يرى الشافعية في الأصح، لم يصح هذا الإبراء. ٣ - الرضا: يشترط الرضا والاختيار من المبرئ، فلا يصح إبراء المكرَه. التوكيل بالإبراء: يصح التوكيل بالإبراء، بشرط وجود إذن خاص به، ولا يكفي له الإذن بعقد ما. ولا يجوز عند الحنفية للوكيل المأذون بالإبراء توكيل غيره. ويكفي عند الشافعية (١) في صحة الوكالة بالإبراء: علم الموكل بقدر الدين، وإن جهله الوكيل والمديون. ولا يصح عندهم بناء على أن الإبراء تمليك توكيل المدين ليبرئ نفسه، كما لو وكله ليبيع من نفسه، وأما بناء على القول الثاني وهو أن الإبراء إسقاط فيصح توكيل المدين ليبرئ نفسه. الإبراء في مرض الموت: يتفرع عن الشرط الأول ألا يكون المبرئ مريضاً مرض الموت: فإن أبرأ المريض وارثاً، توقف الإبراء على إجازة الورثة، ولو كان الدين أقل من الثلث. وإن أبرأ أجنبياً، والدين يجاوز ثلث التركة، توقف الإبراء في الزائد عن الثلث على إجازة الورثة؛ لأن الإبراء تبرع له حكم الوصية. وإن أبرأ المريض أحد المدينين، وكانت التركة مستغرقة بالديون، لم ينفذ إبراؤه، لتعلق حق الغرماء (٢).

стр. 4246

ثانياً - شروط المبرأ: يشترط باتفاق الفقهاء على المذهب لدى الحنابلة (١) في الطرف المبرأ أن يكون معلوماً معيناً، غير مجهول، ولا مبهم، فلو أبرأ أحد غريميه (مدينيه)، فقال لهما: أبرأت أحدكما، فلا يصح. وكذا لو قال: أبرأت كل مدين لي، أو كل مدين لمورثي، لا يصح كما أن الإقرار ببراءة كل مدين له، لا يصح، إلا إذا قصد مديناً معيناً أو أناساً محصورين. فإذا قال: أبرأت هؤلاء المدينين لي، صح. وعلل الشافعية عدم صحة الإبراء مع جهالة المدين المبرأ بأن الإبراء فيه معنى التمليك، ولا يصح تمليك المجهول، والإبراء تمليك من المبرئ، إسقاط عن المبرأ عنه، فيشترط علم الأول دون الثاني. وقد نصت المجلة (م ١٥٦٧) على هذا الشرط: يلزم أن يكون المبرأون معلومين ومعينين، بناء عليه، لو قال أحد: أبرأت كافة مديونيّ، أو ليس لي عند أحد حق، لا يصح إبراؤه. وأما لو قال: أبرأت أهالي المحلة الفلانية، وكان أهل تلك المحلة معينين، وعبارة عن أشخاص معدودين، فيصح الإبراء. ويصح إبراء المبرأ، سواء أكان مقراً بالحق أم منكراً له، بل ولو حلف المنكر؛ لأن الإبراء عند الجمهور غير المالكية ينعقد بمجرد الإيجاب، ولا يفتقر إلى القبول، ولا حاجة فيه إلى تصديق الغريم.

стр. 4247

ثالثاً - شروط المبرأ منه (محل الإبراء): يشترط في المحل المبرأ منه مايلي (١): ١ - أن يكون عند الشافعية في الجديد معلوماً: فلا يصح الإبراء من المجهول: وهو ما لا تسهل معرفته، ويكون الإبراء من المجهول جنساً أو قدراً أو صفة باطلاً؛ لأن الإبراء تمليك وهو يتوقف على الرضا، ولا يعقل الرضا مع الجهالة. ولو أبرأه من الدراهم التي عليه، ولا يعلم قدرها، برئ من ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع على المعتمد. لكنهم قالوا: طريق الإبراء من المجهول: أنه يذكر عدداً يتحقق أنه يزيد على قدر الدين، كمن لا يعلم، هل له عليه خمسة أو عشرة، فيبرئه من خمسة عشر مثلاً. واستثنوا من بطلان الإبراء من المجهول: الإبراء من إبل الدية فيصح الإبراء منها، وإن كانت مجهولة الصفة؛ لأنها معلومة السن والعدد، فيرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد. واستثنوا أيضاً: ما لو أبرأه بعد موته، فيصح مع الجهل؛ لأنه وصية. ولم يشترط الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) هذا الشرط، وأجازوا الإبراء من المجهول قدراً ووصفاً، ولو لم يتعذر علمه؛ لأنه إسقاط حق أو إسقاط محض كالإعتاق والطلاق، فينفذ مع العلم والجهل، فلو أبرأه من أحد الدينين صح الإبراء، لكن قال الحنابلة: لو كتم المدين الدين عن الدائن خوفاً من أن الدائن

стр. 4248

لو علم الدين، لم يبرئه، وجهله رب الدين، لم تصح البراءة عنه؛ لأن فيه تغريراً للمبرئ، وقد أمكن التحرز عنه. ٢ - ألا يكون المبرأ منه عيناً من الأعيان: لأن العين لا تثبت في الذمة، والإبراء إسقاط، والذي يقبل الإسقاط: ما يشغل الذمم من الحقوق، فيكون الإبراء من الأعيان باطلاً، فلو غصب إنسان كتاباً، لم يصح الإبراء منه. ويصح الإبراء من الديون، ولو كان الدين من الأعيان كالدية من الإبل مثلاً. ويصح الإبراء من الحقوق، كالإبراء عن حق الدعوى، وإبراء الدائن الكفيل من الكفالة، والمحال عليه من الحوالة، إذ البراءة فيهما عن حق الكفالة أو الحوالة. ٣ - أن يكون المبرأ منه موجوداً عند الإبراء: فيبطل الإبراء من الحق قبل وجوده، كأن تبرئ شخصاً مما سيقرضه لك، أو مما سيجب له. وبناء عليه، لم يجز الحنفية إبراء الزوجة زوجها من نفقة مستقبلة، ولا من نفقة العدة قبل أن يطلقها؛ لأن الإبراء إسقاط، وما سيوجد ساقط فعلاً، فلا يقبل إسقاطاً. واستدل الفقهاء لعدم صحة الإبراء من الدين قبل وجوبه، بقوله ﷺ : «لاطلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك» (١) والإبراء في معناهما. رابعاً - شروط صيغة الإبراء: يشترط في صيغة الإبراء وذاته أربعة شروط هي ما يلي (٢):

стр. 4249

١ - أن يكون منجزاً غير معلق بشرط ولا مضاف للمستقبل (١): وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية. فالتنجيز شرط كأن يقول الدائن لمدينه: أبرأتك من ديني؛ لأن في الإبراء معنى التمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق. و التعليق على شرط: إن كان على شرط موجود بالفعل، فهو في حكم المنجز. وإن كان على شرط ملائم، مثل: إن كان لي عليك دين، أو إن مت، فأنت بريء، فهو جائز اتفاقاً، بدليل قول أبي اليسر الصحابي لغريمه: «إن وجدتَ قضاء فاقض، وإلا فأنت في حلّ» ولم ينكر ذلك عليه. ومنه قول الحنفية في الإبراء من الكفالة أو الحوالة: إذا قال الدائن للكفيل: إن وافيتني بالدين غداً، فأنت بريء من الكفالة، فإن وافاه في الغد برأ منها. وإن علق على الموت، صح في رأي الحنفية والحنابلة؛ لأنه يكون حينئذ في معنى الوصية، والوصية بالبراءة من الدين جائزة. وإن علق الإبراء على الشرط المتعارف، لم يجز في مذهب الحنفية، وجاز عند بعض الحنفية. أما إن كان التعليق على غير ما ذكر فلا يجوز عند الجمهور، لما في الإبراء من معنى التمليك، والتمليكات لا تقبل التعليق، والتعليق مشروع في الإسقاطات المحضة. وأجاز المالكية تعليق الإبراء مطلقاً، لما فيه من معنى الإسقاط.

стр. 4250

وأما التقييد بالشرط: فيجوز تقييد الإبراء بشرط صحيح باتفاق المذاهب الأربعة، ولا يصح التقييد بشرط غير صحيح، فإذا أبرأه على أنه بالخيار، صح الإبراء وبطل الشرط، وإذا أبرأه عن كل حق له عليه، شمل حق الخيار، لكن بالنسبة لسقوط الخيار، يصح الإبراء ويبطل الشرط؛ لأن الإبراء دون الهبة في كونه تمليكاً. وأما إضافة الإبراء إلى المستقبل ولو إلى وقت معلوم غير الموت، فلا يصح؛ لأن الأصل في الإبراء هو التنجيز، ولأن الإبراء فيه معنى التمليك، والتمليك لا يحتمل الإضافة للوقت. وأما الإبراء بشرط أداء البعض: آـ فإن صدر مطلقاً عن الشرط: كأن يعترف له بدين في ذمته، فيقول الدائن: قد أبرأتك من نصفه أو ثلثه، فأعطني الباقي، فالإبراء صحيح اتفاقاً؛ لأنه منجز غير معلق ولا مقيد بشرط، والمبرئ متطوع بإسقاط بعض حقه بطيب من نفسه، وقد صح أن النبي ﷺ قال لكعب: «ضع الشطر من دَيْنك» (١). ب - وإن كان الإبراء فيه معلقاً على أداء الباقي، لم يجز عند الجمهور، وجاز عند المالكية، كما تبين في حكم التعليق. جـ - وإن كان الإبراء فيه مقيداً بشرط أداء الباقي، مثل أن يقول: من له على آخر ألف: أبرأتك عن خمس مئة، بشرط أن تعطيني ما بقي، جاز عند الحنفية والمالكية والشافعية؛ لأنه استيفاء البعض، وإبراء عن الباقي. واشترط الشافعية الجمع بين لفظي الإبراء والصلح، ليكون من أنواع الصلح، لكن لا يحتاج لقبول، نظراً للفظ الإبراء.

стр. 4251

ولا يصح الإبراء المقيد بشرط أداء البعض عند الحنابلة؛ لأنه إبراء عن بعض الحق في مقابل بقيته، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض. هذا إذا كان الشرط أداء الباقي، أما إن أبرأه عن البعض بشرط تعجيل الباقي، لم يجز كما أبان الشافعية؛ لأنه يشبه ربا الجاهلية. فإن عجل المدين وفاء بعض الدين بغير شرط، فأخذه منه الدائن، وأبرأه مما بقي، فإنه يصح. ٢ - ألا يتنافى مع الشرع: كالإبراء من شرط التقابض في الصرف، والإبراء من حق السكنى في بيت العدة، والإبراء من حق الولاية على الصغير، فلا يصح؛ لأن كل ما يؤدي إلى تغيير المشروع باطل، ولا يستطيع أحد تغيير حكم الله تعالى. ويشترط أيضاً ألا يؤدي الإبراء إلى ضياع حق الغير، كالإبراء الصادر من الأم المطلَّقة عن حق الحضانة، لأنه حق للصغير وللحاضنة. ٣ - أن يكون للمبرئ ملك سابق في الحق المبرأ منه: لأنه لا يصح تصرف الإنسان في ملك غيره دون إنابة منه، أو فضالة عنه عند من يصحح تصرف الفضولي. وهذا شرط متفق عليه؛ لأن تصرف الفضولي جائز عند القائلين به في حالة الظهور بمظهر المالك، وإلا كان من بيع ما لا يملك، وهو منهي عنه. أما الإبراء بعد سقوط الحق أو وفائه، أي بعد قضاء الدين، فهو صحيح عند الحنفية؛ لأن الساقط بقضائه هو المطالبة، لا أصل الدين، فتسقط مطالبة كل من طرفي الدين للآخر، لانشغال ذمة كل منهما بدين الآخر، وأما الدينان فيتساقطان بطريق المقاصة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها. فإذا أبرأ الدائن المدين بعد وفاء الدين، كان للمدين الرجوع بما أداه، إذا أبرأه براءة إسقاط، أما إذا أبرأه براءة استيفاء فلا رجوع. ويعرف نوع البراءة عند الإطلاق بالعرف. وعليه، لو تبرع إنسان بقضاء

стр. 4252

دين لآخر، ثم أبرأ الدائن المدين على وجه الإسقاط، فللمتبرع أن يرجع على المبرئ بما تبرع به. هذا رأي الحنفية، ووافقهم الحنابلة فيه (١). ٤ - أن يقع الإبراء بعد وجوب الحق المبرأ منه أو وجود سببه: لأن الإبراء إسقاط ما في الذمة، ويكون بعد انشغالها. وقد اتفق الفقهاء على عدم صحة الإبراء قبل وجود السبب، إذ لا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلاً، ويكون الإبراء مجرد وعد، وهو غير ملزم. أما بعد وجود السبب ففيه خلاف: أما الجمهور غير المالكية فاشترطوا كون الإبراء من الدين بعد وجود السبب، فلا يصح الإبراء قبله، للحديث المتقدم: «لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك» والإبراء في معناهما. والأمثلة عند الحنفية: الإبراء عن نفقة الزوجية قبل القضاء بتقديرها، والإبراء عن ثمن ما تشتريه مني غداً، فلا يصح الإبراء في الحالتين، لأنه قبل وجود السبب. ومثل الشافعية بإبراء المفوّضة (٢) عن مهرها قبل التقدير والدخول، والإبراء عن المتعة قبل الطلاق، لعدم الوجوب. واستثنوا صورة يصح فيها الإبراء قبل الوجوب: وهي ما لو حفر بئراً في ملك غيره بلا إذن، وأبرأه المالك من ذلك التصرف أو رضي ببقاء البئر، فإن حافرها يبرأ مما يقع فيها. ولو أبرأ المشتري البائع عن ضمان المبيع إذا تلف قبل القبض، لم يبرأ في الأظهر؛ لأنه أبرأ عما لم يجب. أما المالكية فاختلفوا على قولين في صحة الإبراء قبل وجود السبب، وهو التصرف الذي ينشأ به الحق المبرأ منه، مثل إسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل،

стр. 4253

والقول الراجح أنه يلزمها ذلك أي يصح إبراؤها. ومثل: إسقاط الشفيع شفعته قبل الشراء، في لزومه قولان. ومثل: عفو المجروح عما يؤول إليه الجرح، وكإجازة الوارث الوصية للوارث أو بأكثر من الثلث للأجنبي في مرض الموصي، ونحوهما، فيه قولان. المبحث الرابع - محل الإبراء: محل الإبراء: إما الأعيان، وإما الديون، وإما الحقوق (١): أما الإبراء عن الأعيان: فقد يكون عن دعوى العين أو عن العين نفسها. أما الإبراء عن دعوى العين فيشمله الكلام الآتي عن الإبراء عن الحقوق. وهو صحيح بالاتفاق؛ لأنه إسقاط لحق. وأما الإبراء عن العين نفسها بمعنى إسقاط ملكية الأعيان فهو غير صحيح اتفاقاً؛ لأن الأعيان - كما تبين في شروط محل الإبراء - لا تقبل الإسقاط، فلا يترتب على الإبراء عنها بذاتها أي أثر، فلا يتملكها المبرأ، بل تظل في يد واضع اليد عليها مملوكة له، فالإبراء عن الأعيان بمعنى تمليكها لمن هي في يده لا يصح، ويحق لمن ظفر بها أن يأخذها. وإذا أطلق هذا التعبير أي البراءة عن العين كان المراد منه عند الحنفية والشافعية والحنابلة سقوط حق الادعاء بها بعد الإبراء. وفي بعض كتب الحنفية: يبقى له حق الادعاء بها.

стр. 4254

وعند المالكية: يراد بها سقوط الطلب بقيمة العين إذا فوتها المبرأ، وسقوط الطلب برفع اليد عنها إن كانت قائمة. وهناك أثر آخر عند الحنفية للإبراء عن العين نفسها إذا كانت مضمونة كالدار المغصوبة: وهو سقوط ضمانها، سواء أكانت قائمة أم هالكة، فتصير العين بعد الإبراء عنها أمانة كالوديعة في يد الغاصب. فإذا كانت العين قائمة كان الإبراء عنها إبراء عن ضمانها لو هلكت، فتصبح كالأمانة لا تضمن إلا بالتعدي عليها. وإذا كانت العين هالكة، كان الإبراء عنها إبراء عن قيمتها. وأما الإبراء عن أعيان هي أمانة فلا محل له، ولا وجه للإبراء عنها، إذ لم تلحقه عهدتها، فلا يجوز للقاضي أن يسمع دعواه بها بعد البراءة، فتصح البراءة قضاء، لكن لا تعتبر ديانة بمعنى أنه إذا ظفر بها صاحبها أخذها. وأما الإبراء عن الديون الثابتة في الذمم: فهو صحيح بالاتفاق؛ لأن مدار الإبراء هو إسقاط ما في الذمم. وأما الإبراء عن الحقوق: آـ فإن كان عن الحقوق الخالصة للعبد كالكفالة والحوالة فهو صحيح اتفاقاً. ب - وإن كان عن الحقوق الخالصة لله كحد الزنا، وحد القذف وحد السرقة بعد الرفع للحاكم عند الحنفية والمالكية، فلايصح الإبراء عنها. جـ - وإن كان عن الحقوق التي يغلب فيها حق العبد كالتعزير والقصاص والدية وحق القسم بين الزوجات وحق الانتفاع وحق الفسخ بخيار العيب وغرامة تلف المال، ونحوها من الحقوق الشخصية التي تثبت في الذمم، فيصح الإبراء عنه. ويجوز الإبراء عن دين المدين بعد وفاته بالاتفاق، وهل يرتد بالرد من الوارث؟ فيه خلاف عند الحنفية.

стр. 4255

ولا يصح عند الحنفية الإبراء عن الحقوق التي لا تقبل الإسقاط، كحق الرجوع في الهبة، والرجوع في الوصية؛ لأن في جوازه تغييراً للمشروع، وهو غير جائز خلافاً للجمهور في رجوع الهبة. ولا يصح أيضاً الإبراء من خيار رؤية المبيع، ولا من حق الاستحقاق في الوقف، وحق الإرث. وأبحث على التخصيص بعض أحكام الإبراء عن بعض الحقوق لاختصاصها بأحكام خاصة: ١ - الإبراء من نفقة الزوجة: لا يصح بالاتفاق الإبراء من نفقة الزوجة حتى تصبح ديناً قائماً في ذمة زوجها، أما قبل شغل ذمة الزوج بها، فلا يصح إبراء الزوج عنها؛ لأن الإبراء لا يكون إلا من دين قائم موجود. لكن لا تصبح النفقة المستحقة ديناً واجباً عند الحنفية إلا إذا كانت مفروضة بالقضاء أو التراضي عليها. ويصح الإبراء عن النفقة المتجمدة التي سبق فرضها، ويصح الإبراء عن نفقة الشهر بدخول الشهر إذا كانت مفروضة مشاهرة، وعن السنة في بداية السنة إذا فرضت مسانهة، وعن اليوم الأول إن فرضت مياومة. ٢ - المبارأة بين الزوجين: تكون المبارأة بين الزوجين لفسخ الزواج، وإسقاط الحقوق المترتبة عليه، ويترتب عليها عند الحنفية بينونة الزوجة بطلقة بائنة، كالخلع، مثل أن يقول الزوج لزوجته: بارأتك على ألف دينار، فتقول له: قبلت، أو نحوه، والمعنى: خالعتك من الزواج على ألف، وعليها دفع عوض المبارأة.

стр. 4256

٣ - الإبراء عن حق الدعوى: الإبراء عن الدعوى إما عام أو خاص: الإبراء عن الدعوى إبراء عاماً بإسقاط الحق في المخاصمة لا يجوز اتفاقاً؛ لأنه يتناول الموجود وما لم يوجد، والإبراء عما لم يوجد سبب وجوبه باطل. لكن الإبراء العام عن جميع الدعاوى السابقة بين شخصين صحيح، كأن يقول شخص: أبرأت فلاناً من جميع الدعاوى، أو ليس لي عنده حق أبداً (١). والإبراء الخاص عن دعوى معينة صحيح اتفاقاً، ولا تسمع دعواه بعدئذ عن موضوع تلك الدعوى (٢). وقد يحصل الإبراء ضمناً أو تبعاً، وهو الإبراء عن العين، يكون عند الحنفية إبراء عن ضمانها أو دعواها، كما بينا. المبحث الخامس - أنواع الإبراء: لإبراء الإسقاط تقسيمات باعتبارات متعددة، فقد ينقسم بحسب الشمول وعدمه إلى خاص وعام، وقد ينقسم بحسب الزمن إلى ماض ومستقبل، وقد ينقسم بحسب صيغته إلى إبراء إسقاط وإبراء استيفاء. التقسيم الأول - الإبراء من حيث الشمول وعدمه: الإبراء نوعان: عام وخاص (٣).

стр. 4257

أما العام: فهو الإبراء عن كل عين ودين وحق لشخص عند آخر. ويشمل كما أبان الحنفية البراءة عن كل حق، ولو غير مالي كالكفالة بالنفس والقصاص وحد القذف، والبراءة عما هو بدل مالي كالثمن والأجرة، وبدل غير مالي كالمهر وأرش الجناية، وما هو مضمون كالمغصوب، أو أمانة كالوديعة والعارية. وأما الإبراء الخاص: فهو ما يتناول حقاً معيناً، وحكمه: أنه يختص بمحله، فإذا أبرأ عن دين خاص برئ عنه، أو عن دين عام كالإبراء عمَّا لشخص عند آخر، برئ أيضاً. وإذا أبرأ عن دار أو عين أو أمانة برئ. التقسيم الثاني - الإبراء من حيث الزمن والأشخاص: يقتصر أثر الإبراء على ما سبق تاريخه، فلا يشمل ما بعده من ديون أو حقوق، للاتفاق على اشتراط وجود سبب سابق لصحة الإبراء، جاء في فتاوى قاضيخان: «البراءة السابقة لا تعمل في الدين اللاحق». وأما أثر الإبراء على غير المبرأ، كإبراء البائع المشتري من بعض الثمن، فرأى أبو حنيفة ومالك أن الشفيع يستفيد من الإبراء، فيسقط عنه مقدار ما حطه البائع عن المشتري، ويلتحق حط البعض بأصل العقد. ورأى الحنابلة والشافعية أن الإبراء يصح، ولا يستفيد منه سوى المشتري، وأما الشفيع فيدفع الثمن كله أويترك (١). التقسيم الثالث - الإبراء بحسب صيغته: ينقسم الإبراء عند الحنفية (٢) بحسب صيغته إلى إبراء إسقاط وإبراء استيفاء.

стр. 4258

أما براءة الإسقاط: فتسقط الدين عن الذمة، مثل: أسقطت، وحططت، وأبرأت براءة إسقاط، وهي قد تكون بالنسبة للدين كله أو بعضه. وأما براءة الاستيفاء: فهي عبارة عن الإقرار بأنه استوفى حقه وقبضه، مثل: أبرأتك براءة استيفاء، أو قبض، أو أبرأتك عن الاستيفاء. وتفيد عدم جواز المطالبة بالدين بعدئذ. والفرق بينهما بالنسبة للرجوع على الدائن المبرئ: أن المدين المبرأ يرجع بما دفع في براءة الإسقاط، لا في براءة الاستيفاء اتفاقاً، ويتفرع عنه أنه لو علق رجل طلاق امرأته بإبرائها عن المهر، ثم دفعه لها، لا يبطل التعليق، وإذا أبرأته براءة إسقاط وقع الطلاق ورجع عليها بالمهر. وبالنسبة لأثرهما يختص إبراء الإسقاط بالديون؛ لأن العبارة فيه صريحة في إسقاطها، ولا يصح في الأعيان، لعدم صحة إسقاط الأعيان. أما إبراء الاستيفاء: فإنه يكون في الدين والعين جميعاً؛ إذ الإقرار بالوفاء كما يكون في الدين يكون في العين، عن طريق دفعها إلى مالكها. المبحث السادس - حكم الإبراء وحكم الرجوع عنه: حكم الإبراء، أي أثره المترتب عليه إذا صدر مستوفياً شروطه: هو سقوط الحق المبرأ منه بحسب كون الإبراء خاصاً أو عاماً، فإذا كان خاصاً، لم تجز المطالبة بالحق، ولا تسمع دعواه فيما تناوله الإبراء. وإذا كان عاماً شمل جميع الحقوق الموجودة عند صدوره، ولا يشمل ما يحدث بعده من الحقوق. ولا يقبل من المبرئ الرجوع عن الإبراء ولا العدول عنه في رأي الحنفي

стр. 4259

والحنابلة، وفي الراجح عند الشافعية (١)، كما لا يقبل الرجوع بالاتفاق إذا زال الملك عن الموهوب. وكذلك لا يجوز الرجوع عن الإبراء في مذهب المالكية بعد القبول؛ إذ ظاهر المذهب كما عرفنا اشتراط القبول (٢)، كما لا يجوز في الهبة. واستثنى الحنفية (٣) من أثر الإبراء بعدم سماع الدعوى بعده المسائل الآتية: ١ - ادعاء ضمان الدَّرَك في البيع السابق للإبراء: لأنه وإن كان البيع متقدماً على الإبراء ومشمولاً بأثره، فإن ضمان الدرك متأخر عنه. وضمان الدرك: هو التزام سلامة المبيع مما يمكن أن يلحقه ويدركه من حقوق لغير البائع في عينه، وتحمل التبعة عند ظهور حق فيه. ٢ - ظهور شيء من الحقوق للقاصر، لم يكن يعلم به، بعد أن بلغ وأبرأ وصيه إبراءً عاماً، بأن أقر بأنه قبض كامل تركة والده. ٣ - ادعاء الوصي ديناً للميت، بعد أن أقر باستيفاء جميع ماله على الناس. ٤ - ادعاء الوارث ديناً للمورث، بعد إقراره على النحو السابق. وسبب استثناء هذه الصور طروء خفاء يعذر به المبرئ في دعواه مع صدور الإبراء العام منه. ويلاحظ أن سقوط حق الادعاء بسبب الإبراء إنما هو عند الحنفية بالنسبة لأحكام القضاء لا الديانة، فلو ظفر المبرئ بحقه أخذه (٤).

стр. 4260

وقال الشافعية (١): الإبراء في الدنيا إبراء في الآخرة. وللمالكية قولان (٢)، الظاهر منهما أن الإبراء مطلقاً يشمل أحكام الدنيا والآخرة، فلا يؤاخذ المولى أحداً بحق جحده، وأبرأه صاحبه منه. والقول الآخر: لا تسقط عنه مطالبة الله في الآخرة بحق خصمه. سماع الدعوى بعد الإبراء العام: لا تسمع الدعوى بعد الإبراء، كما تقدم، ولكن فصَّل الحنفية (٣) في الموضوع، فقالوا: إن كان الإبراء العام عن الدين، فلا تسمع الدعوى بعده إلا عن دين حادث بعد الإبراء. وإن كان الإبراء عن عين: فلا تسمع الدعوى بعده إن كان المدعى عليه منكراً كون العين للمدعي؛ لأن الإبراء من المدعى موافقة على الإنكار. أما إن كان المدعى عليه مقراً بأن العين للمدعي، لكنه تمسك بإبراء المدعي، فإن كانت العين قائمة تسمع الدعوى بعد الإبراء عنها، وإن كانت هالكة، كان الإبراء عن ضمانها، فلا تسمع الدعوى بها بعد الإبراء كالدين. أثر الإقرار بعد الإبراء: لا يعتبر - كما أبان الحنفية والمالكية (٤) - الإقرار بالدين بعد صدور الإبراء العام من الدين إبراء عاماً؛ لأن الدين قد سقط بالإبراء، والساقط لا يعود.

стр. 4261

الإبراء بعوض: الإبراء بعوض عند الحنفية (١): هو صلح بمال. وأجاز الشافعية (٢) بذل العوض في الإبراء، كأن يعطيه متاعاً مثلاً مقابل الإبراء عما عليه من الدين، فيملك الدائن العوض المبذول له، ويبرأ المدين. لكن لو أعطاه بعض الدين على أن يبرئه من الباقي، فليس العطاء تعويضاً، وإنما هو من الدائن قبض بعض حقه، ويظل الباقي في ذمة المدين، ويبطل الإبراء عند الجمهور غير المالكية، كما تقدم في شروط الصيغة.

стр. 4262

الفَصْلُ الخامِس عَشر: الاستِحقاق الكلام فيه يتناول تعريفه، وحكمه المترتب عليه من فسخ ورجوع، وحكم الاستحقاق في عقود البيع والمقايضة والرهن والقسمة والصلح، والإجارة، والمساقاة والمزارعة، والزواج بالنسبة للصداق وبدل الخلع، والوصية، والوقف، وحكم استحقاق الأضحية والهدي، وفيه ثلاثة مباحث: الأول - التعريف والحكم، والثاني - أثر الاستحقاق في طائفة من العقود، والثالث - حكم استحقاق الأضحية والهدي. المبحث الأول - تعريف الاستحقاق وحكمه المترتب عليه: الاستحقاق لغة: طلب الحق، فالسين والتاء للطلب، لكن في المصباح: استحق فلان الأمر: استوجبه، فالأمر مستَحق (اسم مفعول) ومنه خرج المبيع مستحقاً، فصار المعنى الشرعي موافقاً للمعنى اللغوي. وفقهاً: ظهور كون الشيء حقاً واجباً للغير. وبعبارة أخرى: الاستحقاق: هو أن يدعي شخص ملكية شيء، ويثبت دعواه، ويقضي له القاضي بملكيته، وانتزاعه من يد حائزة. وعرفه المالكية بقولهم: هو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله.

стр. 4263

و الاستحقاق بالنسبة لفسخ العقد نوعان (١): ١ - مبطل للملك بالكلية: بحيث لا يبقى لأحد عليه غير المدعي حق التملك، كالعتق والحرية الأصلية. و حكمه: أنه يوجب فسخ العقد بلا حاجة لحكم القاضي، ولكل واحد من الباعة الرجوع على بائعه بالثمن، فلو أقام العبد بيِّنة أنه حر الأصل، أو أنه كان عبداً لفلان فأعتقه، فلكل واحد وإن لم يرجع عليه أن يرجع على بائعه قبل القضاء عليه، ويرجع هو أيضاً على بائعه. ٢ - وناقل للملك من شخص إلى آخر، وهذا هو الغالب: كأن ادعى زيد على خالد أن ما في يده من المتاع ملك له، وبرهن على ادعائه. وحكمه: أنه لا يوجب فسخ العقد؛ لأنه لا يوجب بطلان ملك المشتري، وإنما يتوقف على إجازة المستحق أو فسخه، والصحيح عند الحنفية أن العقد لا ينفسخ ما لم يرجع المشتري على بائعه بالثمن، ويفسخ العقد في الأصح من ظاهر الرواية بالفسخ أي بالتراضي، لا بمجرد القضاء بالاستحقاق. وليس لأحد من المشترين أن يرجع على بائعه بالثمن، ما لم يُرجع عليه، لئلا يجتمع الثمنان في ملك واحد، أي فليس للمشتري الأوسط أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري الأخير. والحكم بالاستحقاق يشمل ذا اليد فيؤخذ المدعى به من يده، ويشمل أيضاً كل من تلقى ذو اليد الملك منه. قال صاحب الدر: الحكم بالاستحقاق حكم على ذي اليد، وعلى من تلقى ذو اليد الملك منه، ولو كان مورثه، ويتعدى الأمر إلى بقية الورثة.

стр. 4264

إثبات المستحق حقه: يرجع المشتري على البائع بالثمن إذا ثبت الاستحقاق ببينة المستحق؛ لأنها حجة متعدية تظهر في حق كافة الناس، ولا تصير حجة معتبرة إلا بقضاء القاضي، حتى ينفذ قضاؤه في حق الكافة بماله من ولا ية عامة. أما إذا ثبت الاستحقاق بإقرار المشتري أو وكيله بالخصومة، أو بنكُولهما، فلا رجوع؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره، لعدم ولايته عليه (١). تناقض الادعاءات: التناقض في الدعوى (٢): أي التدافع في الكلام، يمنع دعوى الملك لعين أو منفعة، إذا كان الكلام الأول قد أثبت حقاً لشخص معين، كأن ادعى شخص على آخر أنه أخوه، وطالبه بالنفقة، فقال المدعى عليه: ليس هو بأخي، ثم مات المدعي عن تركة، فجاء المدعى عليه يطلب ميراثه، فإن قال: هو أخي، لم يقبل، للتناقض. أما إذا لم يثبت الكلام الأول لآخر حقاً، لم يمنع دعوى الملك، لقول المدعي: لا حق لي على أحد من أهل بلدة كذا، ثم ادعى شيئاً على أحد منهم، تصح دعواه. ولا يمنع التناقض أيضاً دعوى ما خفي سببه كالنسب والطلاق، والحرية، كما إذا اشترى ثوباً في شيء مغلَّف، ثم زعم أنه له، ولم يعرّفه، تقبل دعواه. ومثال النسب: لو باع عبداً مثلاً، ثم باعه المشتري لآخر، ثم ادعى البائع الأول أنه ابنه، تقبل دعواه، ويبطل الشراء الأول والثاني؛ لأن النسب يبتنى على العلوق، فيخفى عليه، فيعذر في التناقض.

стр. 4265

ومثال الطلاق: إذا قاسمت المرأة ورثة زوجها، وقد أقروا بالزوجية كباراً، ثم برهنوا على أن زوجها كان طلقها في حال صحته ثلاثاً، رجعوا عليها بما أخذت. ومثال الحرية: أن يبرهن البائع أو المشتري أن البائع حرر العبد المبيع قبل بيعه، يقبل قوله؛ إذ التناقض متحمل في العتق. المبحث الثاني - حكم الاستحقاق في طائفة من العقود: أولاً - الاستحقاق في عقد البيع والمقايضة: أما أثر الاستحقاق في المقايضة: فلو استحق بدل المبيع، كأن اشترى داراً بسيارة ثم استحقت السيارة، وأخذت الدار بالشفعة، بطلت الشفعة، ويأخذ البائع الدار من الشفيع، لبطلان البيع؛ لأن الاستحقاق في بيع المقايضة، يبطل البيع (١). وأما أثر الاستحقاق في البيع، ففيه تفصيل وآراء: رأي الحنفية (٢): ١ - استحقاق بعض المبيع: أـ إن استحق بعض المعقود عليه قبل القبض، ولم يجز المستحق، بطل العقد في القدر المستحق؛ لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع، ولم توجد الإجازة من المالك، فبطل، وللمشتري الخيار في الباقي: إن شاء رضي به بحصته

стр. 4266

من الثمن، وإن شاء رده سواء أحدث عيباً في الباقي أم لا، وسواء استحق الجزء المقبوض أو غيره؛ لأنه إذا لم يرض المستحق، فقد تفرقت الصفقة على المشتري قبل تمام العقد، والتفرق يوجب الخيار، فكذا هذا. ب - وإن كان الاستحقاق بعد قبض البعض دون البعض أو بعد قبض الكل، بطل البيع في القدر المستحق. ثم ينظر في حالة قبض الكل: إن كان استحقاق ما استحق يوجب العيب في الباقي، بأن كان المعقود عليه شيئاً واحداً كالدار والسيارة والدابة ونحوها، فالمشتري بالخيار في الباقي: إن شاء رضي بحصته من الثمن، وإن شاء رد؛ لأن الشركة في الأعيان عيب. وإن كان استحقاق ما استحق لا يوجب عيباً في الباقي، بأن كان المعقود عليه شيئين كالدابتين أو كمية من المثليات من مكيل كالقمح أو موزون كالزيت، فاستحقت إحداهما، فإنه يلزم المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأنه لا ضرر في تبعيضه، فلم يكن له خيار الرد. والخلاصة: أنه في حال استحقاق بعض المبيع تتفرق الصفقة على المشتري الأخير، فيثبت للمشتري خيار تفرق الصفقة، فإن شاء احتفظ بباقي المبيع، وإن شاء فسخ العقد فيه ورده للبائع، إلا إذا كان استحقاق البعض قد وقع بعد قبض المشتري جميع المبيع، ولم تضر المبيع التجزئة، فلا يثبت للمشتري حينئذ خيار تفرق الصفقة باستحقاق البعض، بل يلتزم بالباقي بحصته من الثمن. ٢ - استحقاق المبيع كله: إن أثبت المستحق ملكية المبيع كله بالبينة، فقضي له به، لا ينفسخ البيع، بل

стр. 4267

يصبح متوقفاً على إجازة المستحق: فإن أجاز البيع بقي المبيع للمشتري، ويأخذ المستحق الثمن من البائع، ويصبح البائع كوكيل عنه بالبيع؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. وإن لم يجز المستحق البيع، بل اختارأخذ المبيع، ينفسخ البيع السابق بالفسخ أي بالتراضي عليه في ظاهر الرواية، ويكون البائع ملتزماً للمشتري برد الثمن. لكن إن كان الاستحقاق لموقوف أثبت المتولي وقفيته، فإن البيع ينفسخ حتماً، إذ ليس لأحد أن يجيز بيع الوقف. شروط الرجوع بالثمن: يشترط لرجوع المشتري على البائع بالثمن بعد استحقاق المبيع شروط ثلاثة (١): ١ - أن يكون الاستحقاق ناقلاً لملك البائع: بأن يدعي المستحق ملكاً مطلقاً أو من تاريخ أقدم من تاريخ الشراء، فإن ادعى المستحق الملك منذ شهر، وكان شراء المشتري من سنة مثلاً، فلا رجوع له على بائعه؛ لأن الاستحقاق حدث على ملك المشتري لا على ملك البائع. ٢ - ألا يتصالح المشتري والمستحق على أن يدفع المستحق إلى المشتري بعض الثمن ويأخذ المبيع ؛ لأن المشتري عندئذ يكون قد أبطل حق رجوعه على البائع بهذا الصلح أما إن تم الصلح على ترك المبيع للمشتري مقابل شيء يدفعه المشتري للمستحق، فلا يسقط حق الرجوع.

стр. 4268

٣ - ألا يكون البائع قد أبرأ المشتري عن الثمن قبل الاستحقاق: فلو كان قد أبرأه عنه، فلا رجوع للمشتري عليه بشيء؛ لأنه لم يدفع شيئاً. شرط سماع دعوى الاستحقاق قبل قبض المبيع: لا تسمع دعوى الاستحقاق على المبيع قبل قبضه، حتى يحضر البائع والمشتري عند القاضي للحكم عليهما؛ لأن الملك للمشتري، واليد للبائع، والمدعي يدعيهما، فشرط حضورهما للقضاء عليهما. أما إذا رفعت دعوى استحقاق المبيع بعد قبض المشتري، فيطلب حضور المشتري فقط، ولا يشترط حضور البائع، لكن يحق للمشتري طلب إدخاله في المحاكمة بصفة شخص ثالث، لما له من علاقة بحق الرجوع (١). وأما زوائد المبيع كالولد: فإن أثبت المستحق حقه بالبينة أخذها؛ لأن البينة حجة مطلقة في حق جميع الناس، ولكن بشرط القضاء بها، وإن كان الإثبات بمجرد إقرار المشتري له بها أو بالنكول لأنه في حكم الإقرار، فلا يستحق أخذها؛ لأن الإقرار حجة على المقر فقط (٢). ٣ - استحقاق احتباس المبيع: إذا ظهر أن المبيع مستحق الاحتباس لغير البائع بسبب كونه مرهوناً (إشارة رهن) أو مأجوراً، وثبت الاستحقاق بالبينة، ففيه تفصيل: أـ إن أجاز المرتهن أو المستأجر البيع، انفسخ الرهن والإجارة، ويصبح ثمن المبيع رهناً مكان البيع، وللمرتهن حبس المبيع حتى يقبض الثمن، وللمستأجر

стр. 4269

حبس المبيع حتى تعاد إليه الأجرة عن المدة الباقية من الإجارة لو كانت مدفوعة (١). ب - وإن لم يجز المرتهن أو المستأجر البيع، ليس له فسخه، بل يبقى المبيع في يده، ويخير المشتري بين أن ينتظر فكاك الرهن وانتهاء مدة الإجارة، أو يفسخ البيع، ويسترد الثمن المدفوع. رأي المالكية (٢): إذا استحق إنسان شيئاً من يد آخر وأثبت حقه بما تثبت به الأشياء في الشرع، فلا يخلو من أن يستحق من الشيء أقله، أو كله أو جله. فإن كان المستحق أقل الشيء: فيرجع على المشتري بقيمة ما استحق من يده، وليس له أن يرجع بالجميع. وإ ن كان المستحق كل الشيء أو جله: فإن كان لم يتغير أخذه المستحق، ورجع المشتري على البائع بالثمن. وإن تغير تغيراً يوجب اختلاف قيمته، رجع بقيمته يوم الشراء. وإن تغير الشيء بزيادة: فإن كانت الزيادة من ذات الشيء، أخذها المستحق، مثل أن تسمن الدابة أو يكبر نتاجها. وإن كانت الزيادة من قبل المشتري المستحق منه، كأن يبني في الدار بناء، فتستحق من يده، فيخير المستحق بين أن يدفع قيمة الزيادة ويأخذ ما استحقه، وبين أن يدفع إليه المشتري قيمة ما استحق، أو يكونا شريكين: هذا بقدر قيمة ما استحق من يده، وهذا بقدر قيمة ما بنى أو ما غرس، وهو قضاء عمر بن الخطاب.

стр. 4270

وإن تغير الشيء بنقصان: فإن كان من غير سبب المستحق من يده، فلا شيء على المستحق منه. وإن كان بسبب من المستحق منه كأن يهدم الدار، ويبيع أنقاضها، ثم تستحق منه، فيرجع المستحق على المستحق منه بثمن ما باع من الأنقاض. رأي الشافعية (١): إذا استحق بعض المبيع دون البعض الآخر ففيه خيار تفرق الصفقة، والأظهر من القولين عندهم في تفريق الصفقة تجزئة البيع، وإعطاء كل جزء من المبيع حكمه، فيصح البيع فيما يأخذه المشتري، ويبطل في المستحق، ويرجع المشتري على البائع بحصة المستحق من الثمن. وأما إذا استحق المبيع كله، فيرجع المشتري بالثمن كله على البائع، سواء علم بالاستحقاق حال العقد، أم لم يعلم؛ لأنه أزيلت يده عن المبيع بسبب كان في يد البائع، وينفسخ البيع. ولو خرج المبيع مستحقا قبل القبض، فلم يقبضه المشتري، لم يكن للمستحق مطالبة المشتري به، لعدم قبضه له حقيقة، وكذا لو باعه قبل نقله، فنقله المشتري الثاني، فليس للمستحق مطالبة المشتري الأول، لعدم قبضه له حقيقة. وإن وضع البائع المبيع بين يدي المشتري، فخرج مستحقاً، لم يضمنه المشتري، أي لم يطالب ببدله؛ لأن الوضع بين يدي المشتري يكون قبضاً في البيع الصحيح دون الفاسد، وكذا تخلية الدار ونحوها إنما تكون قبضاً في الصحيح دون الفاسد.

стр. 4271

ولو اعترف المشتري للبائع بالملك، ثم استحق المبيع، فإنه يرجع على البائع بالثمن؛ لأنه اعتراف بظاهر اليد. ولو استحق المبيع باعتراف المشتري أو بنكوله عن يمين نفي العلم باستحقاق المبيع مع يمين المدعي المردودة، لم يرجع بالثمن على البائع، لتقصيره باعترافه مع شرائه أو بنكوله، وهذا موافق للحنفية. أما إن استحق المبيع ببينة، أو بتصديق البائع والمشتري للمدعي، رجع المشتري على البائع بالثمن إن كان باقياً، وببدله إن كان تالفاً. رأي الحنابلة (١): إذا استحق المبيع رجع المشتري على البائع بالثمن وبما غرمه من أجل بناء أو غرس في أرض؛ لأن البائع غرَّ المشتري ببيعه الأرض مثلاً وأوهمه أنها ملكه، لكن لا يرجع بما أنفق على الحيوان ولا بخراج الأرض؛ لأن المشتري التزم ضمان النفقة باعتبار أن عقد البيع يقتضي النفقة على المبيع ودفع خراجه. ولمستحق الأرض قلع الغراس والبناء، بلا ضمان نقص لموضعه. وعبارتهم: إذا بنى المشتري على الأرض ثم أخذها المستحق، وهدم البناء، فالأنقاض للمشتري؛ لأنها أعيان ماله، ويرجع بقيمة التالف على البائع؛ لأنه غره، وقيده الشيخ التقي في موضع بما إذا كان عالماً، وإلا فلا تغرير. وهذا الرأي يصلح في الجملة أساساً للتعويض عن الخسارة.

стр. 4272

ثانياً - الاستحقاق في عقد الرهن (استحقاق المرهون): رأي الحنفية (١): لو استحق بعض المرهون بعد الرهن، ينظر إلى الباقي: أـ إن كان الباقي بعد الاستحقاق مما يجوز رهنه ابتداء، لا يفسد الرهن فيه. ب - وإن كان مما لا يجوز رهنه ابتداء، فسد الرهن في الكل، كاستحقاق بعض الرهن شائعاً؛ لأنه لما استحق بعضه تبين أن العقد لم يصح في القدر المستحق، وأنه لم يقع إلا على الباقي، وبما أن الباقي شائع، فيفسد الرهن؛ لأن الشيوع عندهم يمنع صحة الرهن. رأي المالكية (٢): إذا استحق بعض الرهن المعين، فإن الباقي يكون رهناً عن جميع الدين. وأما غير المعين: فيأتي الراهن للمرتهن ببدل البعض المستحق. وإذا استحق كل المرهون: فإن كان قبل قبض الرهن، فيخير المرتهن بين إمضاء العقد بلا رهن، وبين الفسخ. وإن استحق بعد القبض يبقى دينه بلا رهن، إلا أن يغره، فيخير بين الفسخ وعدمه. ومن رهن عقاراً أو حيواناً فاستحق شخص حصته منه، وتركها تحت يد المرتهن، فتلفت، فلا يضمنها المرتهن؛ لأنها باستحقاقها خرجت من الرهينة، وصار المرتهن أميناً فلا يضمن إلا ما بقي.

стр. 4273

رأي الشافعية (١): إن استحق المرهون المبيع، رجع المشتري على الراهن؛ لأن المبيع له، فكانت العهدة عليه، ويستقر الضمان عليه، لو رجع المشتري على العدل الذي وضع عنده الرهن، إذ يجوز الرجوع عليه لوضع يده عليه. رأي الحنابلة (٢): إذا قبض المرتهن الرهن، فوجده مستحقاً، لزمه رده على مالكه، والرهن باطل من أصله. وإن استحق الرهن المبيع، رجع المشتري على الراهن؛ لأن المبيع له، فالعهدة عليه، كما لو باع بنفسه، وحينئذ لا رجوع له على العدل إن أعلمه العدل أنه وكيل. ثالثاً - الاستحقاق في القسمة (استحقاق المقسوم كله أو بعضه): رأي الحنفية (٣): إذا استحق العين المقسومة بطلت القسمة في الظاهر، ولكن تبين أنها في الحقيقة لم تصح. ولو استحق شيء منها، فإنها تبطل في القدر المستحق. رأي المالكية (٤): أـ إن استحق جل ما بيد أحد المتقاسمين، فإن القسمة تنفسخ، وترجع الشركة كما كانت قبل القسمة.

стр. 4274

ب - وإن استحق نصف أو ثلث من نصيب أحد المتقاسمين، خير المستحق بين التمسك بالباقي ولا يرجع بشيء، وبين رجوعه شريكاً فيما بيد شريكه بنصف قدر ما استحق. جـ - وإن كان المستحق ربع ما بيد أحد المتقاسمين، فلا خيار له، والقسمة باقية لا تنقض، وليس له إلا الرجوع بنصف قيمة ما استحق من يده، ولا يرجع شريكاً بنصف ما يقابله. رأي الشافعية (١): أـ إن استحق بعد القسمة بعض مشاع من المقسوم كثلث أو ربع بطلت القسمة في البعض المستحق، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة والأظهر منهما صحة القسمة وثبوت الخيار، لعدم حصول مقصود القسمة: وهو التمييز، ولظهور انفراد بعض الشركاء بالقسمة. ب - وإن استحق من النصيبين قدر معين على السواء، بقيت القسمة في الباقي؛ لأن كلاً من الشريكين وصل إلى حقه. جـ - وإن كان المستحق من النصيبين لم يستو مع الآخر، بأن اختص المستحق بأحد النصيبين أو شملهما، لكنه في أحدهما أكثر من المستحق من نصيب الآخر، بطلت القسمة في الجميع؛ لأن ما بقي لكل واحد ليس قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر، وتعود الإشاعة. رأي الحنابلة (٢): أـ إذا تقاسم الشركاء، ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين، بطلت القسمة، لفوات التعديل، أي لم تعدل فيها السهام، فكانت باطلة.

стр. 4275

ب - وإن كان المستحق من الحصتين على السواء، بأن اقتسما أرضاً، فاستحق من حصتهما معاً قطعة معينة على السواء في الحصتين، لم تبطل القسمة فيما بقي من الأرض، كما قرر الشافعية؛ لأن القسمة إفراز حق كل واحد منهما، وقد أفرز، كما لو كان المقسوم عينين، فاستحق إحداهما. جـ - وإن كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من نصيب الآخر، أو كان ضرره في نصيب أحدهما أكثر من ضرره في نصيب الآخر، كسد طريقه، أو سد مجرى مائه، أو سد محل طريقه ونحوه مما فيه ضرر، بطلت القسمة، لفوات التعديل، كالحالة الأولى. وكذلك تبطل القسمة إن كان المستحق مشاعاً في نصيبهما؛ لأن الشريك الثالث لم يرض، ولم يحكم عليه بالقسمة. وتبطل القسمة أيضاً إن كان المستحق مشاعاً في أحد النصيبين، لفوات التعديل. رابعاً - الاستحقاق في الصلح (استحقاق محل الصلح أو عوض الصلح): رأي الحنفية (١): أـ إذا صالح على مال (عوض الصلح) ثم استحق من يد المدعي، لم يصح الصلح؛ لأنه تبين أن المصالح عليه (العوض) ليس مملوكاً للمصالح، وهذا شرط لصحة الصلح. ب - إذا كان الصلح عن إقرار، واستحق بعض المصالح عنه (محل الصلح)
следующие страницы →