ولو اعترف المشتري للبائع بالملك، ثم استحق المبيع، فإنه يرجع على البائع بالثمن؛ لأنه اعتراف بظاهر اليد.
ولو استحق المبيع باعتراف المشتري أو بنكوله عن يمين نفي العلم باستحقاق المبيع مع يمين المدعي المردودة، لم يرجع بالثمن على البائع، لتقصيره باعترافه مع شرائه أو بنكوله، وهذا موافق للحنفية.
أما إن استحق المبيع ببينة، أو بتصديق البائع والمشتري للمدعي، رجع المشتري على البائع بالثمن إن كان باقياً، وببدله إن كان تالفاً.
رأي الحنابلة (١):
إذا استحق المبيع رجع المشتري على البائع بالثمن وبما غرمه من أجل بناء أو غرس في أرض؛ لأن البائع غرَّ المشتري ببيعه الأرض مثلاً وأوهمه أنها ملكه، لكن لا يرجع بما أنفق على الحيوان ولا بخراج الأرض؛ لأن المشتري التزم ضمان النفقة باعتبار أن عقد البيع يقتضي النفقة على المبيع ودفع خراجه. ولمستحق الأرض قلع الغراس والبناء، بلا ضمان نقص لموضعه.
وعبارتهم: إذا بنى المشتري على الأرض ثم أخذها المستحق، وهدم البناء، فالأنقاض للمشتري؛ لأنها أعيان ماله، ويرجع بقيمة التالف على البائع؛ لأنه غره، وقيده الشيخ التقي في موضع بما إذا كان عالماً، وإلا فلا تغرير. وهذا الرأي يصلح في الجملة أساساً للتعويض عن الخسارة.
стр. 4272
ثانياً - الاستحقاق في عقد الرهن (استحقاق المرهون): رأي الحنفية (١):
لو استحق بعض المرهون بعد الرهن، ينظر إلى الباقي:
أـ إن كان الباقي بعد الاستحقاق مما يجوز رهنه ابتداء، لا يفسد الرهن فيه.
ب - وإن كان مما لا يجوز رهنه ابتداء، فسد الرهن في الكل، كاستحقاق بعض الرهن شائعاً؛ لأنه لما استحق بعضه تبين أن العقد لم يصح في القدر المستحق، وأنه لم يقع إلا على الباقي، وبما أن الباقي شائع، فيفسد الرهن؛ لأن الشيوع عندهم يمنع صحة الرهن.
رأي المالكية (٢):
إذا استحق بعض الرهن المعين، فإن الباقي يكون رهناً عن جميع الدين.
وأما غير المعين: فيأتي الراهن للمرتهن ببدل البعض المستحق. وإذا استحق كل المرهون: فإن كان قبل قبض الرهن، فيخير المرتهن بين إمضاء العقد بلا رهن، وبين الفسخ. وإن استحق بعد القبض يبقى دينه بلا رهن، إلا أن يغره، فيخير بين الفسخ وعدمه. ومن رهن عقاراً أو حيواناً فاستحق شخص حصته منه، وتركها تحت يد المرتهن، فتلفت، فلا يضمنها المرتهن؛ لأنها باستحقاقها خرجت من الرهينة، وصار المرتهن أميناً فلا يضمن إلا ما بقي.
стр. 4273
رأي الشافعية (١):
إن استحق المرهون المبيع، رجع المشتري على الراهن؛ لأن المبيع له، فكانت العهدة عليه، ويستقر الضمان عليه، لو رجع المشتري على العدل الذي وضع عنده الرهن، إذ يجوز الرجوع عليه لوضع يده عليه.
رأي الحنابلة (٢):
إذا قبض المرتهن الرهن، فوجده مستحقاً، لزمه رده على مالكه، والرهن باطل من أصله. وإن استحق الرهن المبيع، رجع المشتري على الراهن؛ لأن المبيع له، فالعهدة عليه، كما لو باع بنفسه، وحينئذ لا رجوع له على العدل إن أعلمه العدل أنه وكيل.
ثالثاً - الاستحقاق في القسمة (استحقاق المقسوم كله أو بعضه): رأي الحنفية (٣):
إذا استحق العين المقسومة بطلت القسمة في الظاهر، ولكن تبين أنها في الحقيقة لم تصح. ولو استحق شيء منها، فإنها تبطل في القدر المستحق.
رأي المالكية (٤):
أـ إن استحق جل ما بيد أحد المتقاسمين، فإن القسمة تنفسخ، وترجع الشركة كما كانت قبل القسمة.
стр. 4274
ب - وإن استحق نصف أو ثلث من نصيب أحد المتقاسمين، خير المستحق بين التمسك بالباقي ولا يرجع بشيء، وبين رجوعه شريكاً فيما بيد شريكه بنصف قدر ما استحق.
جـ - وإن كان المستحق ربع ما بيد أحد المتقاسمين، فلا خيار له، والقسمة باقية لا تنقض، وليس له إلا الرجوع بنصف قيمة ما استحق من يده، ولا يرجع شريكاً بنصف ما يقابله.
رأي الشافعية (١):
أـ إن استحق بعد القسمة بعض مشاع من المقسوم كثلث أو ربع بطلت القسمة في البعض المستحق، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة والأظهر منهما صحة القسمة وثبوت الخيار، لعدم حصول مقصود القسمة: وهو التمييز، ولظهور انفراد بعض الشركاء بالقسمة.
ب - وإن استحق من النصيبين قدر معين على السواء، بقيت القسمة في الباقي؛ لأن كلاً من الشريكين وصل إلى حقه.
جـ - وإن كان المستحق من النصيبين لم يستو مع الآخر، بأن اختص المستحق بأحد النصيبين أو شملهما، لكنه في أحدهما أكثر من المستحق من نصيب الآخر، بطلت القسمة في الجميع؛ لأن ما بقي لكل واحد ليس قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر، وتعود الإشاعة.
رأي الحنابلة (٢):
أـ إذا تقاسم الشركاء، ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين، بطلت القسمة، لفوات التعديل، أي لم تعدل فيها السهام، فكانت باطلة.
стр. 4275
ب - وإن كان المستحق من الحصتين على السواء، بأن اقتسما أرضاً، فاستحق من حصتهما معاً قطعة معينة على السواء في الحصتين، لم تبطل القسمة فيما بقي من الأرض، كما قرر الشافعية؛ لأن القسمة إفراز حق كل واحد منهما، وقد أفرز، كما لو كان المقسوم عينين، فاستحق إحداهما.
جـ - وإن كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من نصيب الآخر، أو كان ضرره في نصيب أحدهما أكثر من ضرره في نصيب الآخر، كسد طريقه، أو سد مجرى مائه، أو سد محل طريقه ونحوه مما فيه ضرر، بطلت القسمة، لفوات التعديل، كالحالة الأولى.
وكذلك تبطل القسمة إن كان المستحق مشاعاً في نصيبهما؛ لأن الشريك الثالث لم يرض، ولم يحكم عليه بالقسمة.
وتبطل القسمة أيضاً إن كان المستحق مشاعاً في أحد النصيبين، لفوات التعديل.
رابعاً - الاستحقاق في الصلح (استحقاق محل الصلح أو عوض الصلح): رأي الحنفية (١):
أـ إذا صالح على مال (عوض الصلح) ثم استحق من يد المدعي، لم يصح الصلح؛ لأنه تبين أن المصالح عليه (العوض) ليس مملوكاً للمصالح، وهذا شرط لصحة الصلح.
ب - إذا كان الصلح عن إقرار، واستحق بعض المصالح عنه (محل الصلح)
стр. 4276
رجع المدعى عليه بحصة المستحق من العوض؛ لأن هذا الصلح معاوضة مطلقة كالبيع. وإن استحق كل المصالح عنه، رجع بكل المصالح عليه.
جـ - وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار، فاستحق المتنازع فيه، رجع المدعي بالخصومة على المستحق لقيامه مقام المدعى عليه، ورد العوض؛ لأن المدعى عليه ما بذل العوض إلا لدفع الخصومة عن نفسه، فإذا ظهر الاستحقاق ظهر ألا خصومة له، فيبقى في يده غير مشتمل على غرض المدعى عليه، فيسترده، كالمكفول عنه إذا دفع المال إلى الكفيل بغرض دفعه إلى رب الدين (الدائن) ثم أدى الدين بنفسه قبل أداء الكفيل، فإنه يسترده، لعدم اشتماله على تحقيق غرضه.
رأي المالكية (١):
أ - استحقاق ما بيد المدعي: من ادعى على شخص بشيء كحصان، فأقر له به، ثم صالحه عنه بشيء معلوم قيمي كثوب، أو مثلي كطن قمح، ثم استحق ذلك المصالح به، فإن المدعي يرجع في عين شيئه الذي أقر به المدعى عليه إن لم يفت، فإن فات ذلك الشيء المقر به، فإن المدعي يرجع في عوضه، أي يرجع بقيمته إن كان قيمياً، أو بمثله إن كان مثلياً.
ب - استحقاق ما بيد المدعى عليه: من ادعى على شخص بحصان مثلاً، وأنه ملكه، فأنكره، ثم صالحه بقيمي، أو مثلي، ودفعه له، ثم استحق الحصان فإن المدعى عليه المنكر يرجع على المدعي بما دفعه له إن لم يفت، أما إن فات، رجع بقيمته إن كان قيمياً، أو بمثله إن كان مثلياً.
وإن استحق ما بيد المدعى عليه في الصلح بإقرار، لا يرجع المقر على المدعي بشيء، لاعترافه أنه ملكه، وأن المستحق أخذه منه ظلماً.
стр. 4277
فمن اشترى سلعة وهو عالم بصحة ملك بائعها، فاستحقت من المشتري، فلا رجوع له على البائع، لعلمه أن المستحق ظالم في أخذها منه.
رأي الشافعية (١):
لو صالح شخص غيره على دار مثلاً على شيء معين، فاستحق الشيء، انفسخ العقد. فإن تعذر الرد بتلف في يده ونحوه، رجع في جزء من الدار بقدر ما نقص من قيمة الشيء، كما لو باع الدار.
رأي الحنابلة (٢):
لو صالح المدعى عليه عن دار بعوض، فبان العوض مستحقاً، رجع المدعي في الدار المصالح عنها؛ لأن الصلح عن إقرار ههنا بيع في الحقيقة، فإذا بان كون العوض مستحقاً، كان البيع فاسداً، فرجع فيما كان له.
وذلك بخلاف الصلح عن القصاص، فإنه ليس بيعاً، فلو صالح عن القصاص بمتاع نفيس، فخرج مستحقاً، رجع بقيمته.
وإن كان الصلح عن إنكار، وظهر العوض مستحقاً، رجع المدعي إلى دعواه قبل الصلح، لتبين بطلانه.
خامساً - الاستحقاق في الإجارة (استحقاق الأجرة أو المأجور): رأي الحنفية (٣):
لو آجر شخص داراً له، ثم استحقت، وأجاز المستحق الإجارة: فإن كانت
стр. 4278
الإجازة قبل استيفاء المنفعة، جازت إجارته، وكانت الأجرة للمالك؛ لأن المعقود عليه قائم. وإن أجاز العقد بعد استيفاء المنفعة، لم تجز إجارته، وكانت الأجرة للعاقد؛ لأن المنافع عند الإجازة كانت معدومة، فلا يبقى العقد بعدئذ.
وإن كانت الإجازة بعد مضي بعض المدة فيما لو آجرها غاصب، فالأجر كله للمالك في قول أبي يوسف. وقال محمد: أجر ما مضى للغاصب، وأجر ما بقي للمالك:
رأي المالكية (١):
إذا أجر الأرض من هي في يده، وهو ذو شبهة، مدة سنين أو شهور مثلاً، وقد مضى بعضها، ثم استحقت الأرض بعد الزرع، فيخير المستحق بين أن يفسخ العقد فيما بقي من مدة الإجارة، وبين أن يجيز ما بقي منها، ولا شيء له فيما مضى من الأجرة؛ لأن ذا الشبهة يفوز بالغلة.
رأي الشافعية (٢):
الظاهر أن استحقاق المأجور مثل تلفه، والإجارة عندهم تنفسخ بانهدام الدار، لفوات المنفعة المعقود عليها قبل قبضها أو استيفائها، كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل قبضه. وتنفسخ أيضاً باستحقاق مأجور معين، لفوات المعقود عليه.
رأي الحنابلة (٣):
إذا وقعت الإجارة على عين، مثل أن يستأجر جملاً للحمل أو للركوب، فخرج مستحقاً، تبينا أن العقد باطل، ولا يلزم المؤجر بالبدل.
стр. 4279
وإذا وقعت الإجارة على عين موصوفة في الذمة، فخرجت مستحقة لم يبطل العقد، ولزمه بدلها؛ لأن المعقود عليه موصوف غير متعين.
سادساً - الاستحقاق في المساقاة والمزارعة: رأي الحنفية (١):
إذا استحق النخيل، يرجع العامل بأجر مثله، إذا كان فيه ثمر وإلا فلا أجر له، فإذا لم تخرج النخيل شيئاً حتى استحقت، لا شيء للعامل؛ لأن في المزارعة لو استحقت الأرض بعد العمل قبل الزراعة لا شيء للمزارع، فكذا هنا.
أما في المزروعة فيرجع العامل بقيمة الزرع، على التفصيل السابق.
رأي المالكية (٢):
ينفسخ عقد المساقاة إذا استحق البستان المساقى عليه إن شاء المستحق، إذ له الخيار بين إبقاء العامل وبين فسخ عقده، لأنه تبين أن العاقد له غير مالك. وإذا فسخ كانت الغلة للمستحق، وعليه دفع أجر المثل للعامل بحساب ما عمل، حتى لايتضرر.
رأي الشافعية (٣):
لو خرج الثمر بعد العمل أو قبله مستحقاً لغير المساقي، كأن أوصى المالك بثمر الشجر المساقى عليه، أو خرج الشجر مستحقاً، فللعامل على المساقي أجرة
стр. 4280
المثل لعمله؛ لأنه فوت منافعه بعوض فاسد، فيرجع ببدلها، وذلك إذا عمل جاهلاً بالحال، فإن علم الحال فلا شيء له.
رأي الحنابلة (١):
إن ساقاه على شجر، فبان مستحقاً بعد العمل، أخذه المستحق وثمرته؛ لأنه عين ماله، ولا حق للعامل في ثمرته؛ لأنه عمل فيها بغير إذن مالكها، ولا أجر له عليه، وله أجر مثله على الغاصب؛ لأنه غرّه واستعمله، فلزمه الأجر.
سابعاً - الاستحقاق في عقد الزواج: ١ - استحقاق الصداق: رأي الحنفية (٢):
إذا استحق المهر المعين قبل التسليم كدار مثلاً، صحت التسمية، ووجب على الزوج قيمة الدار، لتعذر تسليمها بالاستحقاق، ولم يجب مهر المثل.
ولو استحق نصف الدار، خيرت المرأة في النصف الباقي في يدها: إن شاءت ردته بالعيب الفاحش: وهو التشقيص في الأملاك المجتمعة، ورجعت بقيمة الدار، وإن شاءت أمسكته، ورجعت بقيمة نصفها.
ولو طلقها قبل الدخول، كان لها النصف الذي في يدها خاصة.
رأي المالكية (٣):
إذا استحق الصداق من يد المرأة أو وجد به عيب، رجعت بقيمته لا بمهر
стр. 4281
المثل، كما قال الحنفية؛ لأن طريق الزواج المكارمة، فقد ترجع بأضعاف مهر المثل وبعشره.
وقيل في المذهب: ترجع بالمثل، وقيل: ترجع بالأقل من القيمة أو صداق المثل.
رأي الشافعية (١):
إن تزوجها بمغصوب أو بخمر، وجب مهر المثل في الأظهر، لصحة النكاح وفساد التسمية، لعدم كون المغصوب ملكاً للزوج؛ لأنه مستحق لغير الزوج، وعدم كون الخمر مالاً.
رأي الحنابلة (٢):
إن تزوجها على شيء معين كدار، فظهر مغصوباً أي مستحقاً للغير، فلها قيمته؛ لأن العقد وقع على التسمية المذكورة، فكان لها قيمته، ولأنه رضيت بقيمته، وذلك بخلاف ما لو قال: أصدقتك هذه الدار المغصوبة، فلها مهر المثل؛ لأنها رضيت الزواج بلا شيء، لرضاها بما تعلم أنه لا يقدر على تمليكه إياها، فكان وجود التسمية كعدمها.
وتخير الزوجة فيما إذا بان جزء من الصداق مستحقاً بين أخذ قيمة الشيء كله، أو أخذ الجزء المستحق وقيمة المستحق؛ لأن الشركة عيب، فكان لها الفسخ كغيرها من العيوب.
والخلاصة: إن الجمهور يوجبون في حالة استحقاق المهر المعين القيمة، والشافعية يوجبون مهر المثل.
стр. 4282
٢ - استحقاق بدل الخلع: رأي الحنفية (١):
لو اختلعت المرأة على شيء معين، فاستحق، لزمها قيمته؛ لأنه تعذر تسليمه مع بقاء السبب الموجب لتسليمه.
رأي المالكية (٢):
إذا خالع الرجل زوجته على شيء قيمي معين كثوب، ثم استحق بملك، فترد له قيمته يوم الخلع، أما إن خالعها على شيء مثلي غير معين كقمح، فترد له مثله، وذلك إذا لم يعلم كلاهما بأنه ملك الغير، فإن علما معاً أو علم دونها فلا شيء له، وإن جهلا معاً رجع بالقيمة في القيمي المعين، وبالمثل في الموصوف في الذمة، وإن علمت دونه، فإن كان بدل الخلع معيناً فلا خلع، وإن كان موصوفاً في الذمة، رجع بمثل المستحق.
والمغصوب والمسروق كالمستحق، فيرجع الزوج على امرأته بقيمته إن كان معيناً، وبمثله إن كان موصوفاً.
رأي الشافعية (٣):
لو خالعها على عين معينة كدار، فتلفت قبل القبض، أو خرجت مستحقة، فردها، أو فاتت منها صفة مشروطة، فردها، رجع عليها بمهر المثل. والعوض في يدها كالمهر في يده في أنه مضمون ضمان عقد، وقيل: ضمان يد.
стр. 4283
رأي الحنابلة (١):
إذا خالع الرجل امرأته على عوض معين، فاستحق وبان غير مملوك لها، فالخلع صحيح؛ لأن الخلع معاوضة بالبضع، فلا يفسد بفساد العوض كالنكاح، ولكن يرجع عليها بقيمته.
ثامناً - الاستحقاق في الوصية والوقف (استحقاق الموصى به والموقوف): رأي الحنفية (٢):
أما حكم استحقاق الموصى به فقالوا: من أوصى بأن يباع بيته، ويتصدق بثمنه على المساكين، فباعه الوصي، وقبض الثمن، فاستحق البيت، ضمن الوصي؛ لأنه هو العاقد، فتكون العهدة عليه، وهذه عهدة؛ لأن المشتري منه ما رضي ببذل الثمن إلا ليسلم له المبيع، ولم يسلم، فقد أخذ البائع مال غيره بغير رضاه، فيجب عليه رده لصاحبه، ويرجع الوصي على تركة الميت؛ لأنه عامل له، فيرجع عليه كالوكيل، ويرجع في جميع التركة، بسبب التغرير من الميت، فكان الضمان ديناً على الميت، والدين يقضى من جميع التركة. أما إذا كان البائع هو القاضي أو أمينه فلا ضمان عليه، منعاً من تعطيل القضاء، بسبب الخوف من الغرامة، فتتعطل مصلحة الأمة.
فإن كانت التركة قد هلكت أو لم يكن بها وفاء، لم يرجع الوصي على التركة بشيء، لا على الورثة ولا على المساكين إن كان قد تصدق عليهم؛ لأن البيع لم يقع إلا للميت، فصار كما إذا كان على الميت دين آخر.
стр. 4284
وأما حكم استحقاق الموقوف: فقالوا: لو وقف شيئاً بكامله ثم استحق جزء منه شائعاً، بطل الوقف عند محمد ﵀؛ لأن بالاستحقاق ظهر أن الشيوع كان مقارناً للوقف، كما في الهبة إذا وهب الكل، ثم استحق بعضه، بطلت لمقارنة الشيوع للهبة.
وإذا بطل الوقف في غير المستحق رجع الموقوف إلى الواقف، لو كان حياً، وإلى ورثته إن ظهر الاستحقاق بعد موته.
أما لو كان المستحق جزءاً معيناً، فلم يبطل الوقف في الباقي، لعدم الشيوع، فلهذا جاز في الابتداء أن يقف الباقي فقط.
رأي الشافعية (١):
إن أوصى شخص لآخر بثلث بيت معين مثلاً، فاستحق ثلثاه، فللموصى له الثلث الباقي؛ لأن المقصود نفع الموصى له. وقيل: له ثلث الباقي، وصححه الإسنوي. هذا إن احتمله الثلث، وإلا فله ما يحتمله الثلث.
رأي الحنابلة (٢):
من أوصى لآخر بثلث شيء معين كبيت، فاستحق ثلثاه، فللموصى له ثلث الباقي إن خرج من ثلث التركة، وإلا فله ثلث الثلث إن لم تجز الورثة. وهذا متفق مع تصحيح الإسنوي كما تقدم.
стр. 4285
المبحث الثالث - حكم استحقاق الأضحية والهدي:
و رأي الحنفية (١):
إن اشترى رجل شاة ليضحي بها، فضحى بها، ثم استحقها رجل آخر بالبينة، فإن أخذها المستحق مذبوحة، لا تجزئ أضحية عن واحد منهما، وعلى كل واحد منهما أن يضحي بشاة أخرى ما دام في أيام النحر، وإن مضت أيام النحر، فعلى الذابح أن يتصدق بقيمة شاة وسط، ولا يلزمه التصدق بقيمة الشاة المشتراة؛ لأنه بالاستحقاق تبين أن شراءه إياها للأضحية وعدم شرائه سواء. بخلاف ما إذا اشترى شاة للأضحية، ثم باعها، فإنه يلزمه التصدق بقيمتها؛ لأن شراءه إياها للأضحية قد صح، لوجود الملك، فيجب عليه التصدق بقيمتها.
وإن ترك المستحق الشاة للذابح، وضمنه قيمتها، جاز الذبح، كما إذا اغتصب شاة إنسان كان قد اشتراها للأضحية، فضحاها عن نفسه بغير أمر صاحبها، تجزئ عن الذابح إن ضمنه صاحبها قيمتها حية؛ لأنه ملكها بالضمان من وقت الغصب بأثر رجعي (أي بالاستناد إلى الماضي) فصار ذابحاً شاة هي ملكه، فتجزيه، لكنه يأثم؛ لأن ابتداء فعله وقع محظوراً فتلزمه التوبة والاستغفار. وهذا قول أئمة الحنفية ماعدا زفر.
رأي المالكية (٢):
من اشترى شاة ثم ذبحها، ثم استحقت، فأجاز المستحق البيع، أجزأت لفعله ذلك في شيء ضمنه بالعوض الذي وجب للمستحق.
стр. 4286
رأي الشافعية (١):
إذا صارت الأضحية معينة بأن قال: هذه أضحية، أو نذر أضحية معينة، فقال: (لله علي أن أضحي بهذه البقرة مثلاً) أو (علي أن أضحي بها) ولو لم يقل: لله تعالى، لزمه ذبحها في وقت الأضحية، فإن أتلفت هذه الأضحية المعينة أو المنذورة، لا إن تلفت، وجب عليه بدلها بأن يشتري بقيمتها مثلها ويذبحها في الوقت المطلوب شرعاً، والظاهر لدي أن الاستحقاق مثل الإتلاف. وإن نذر أضحية في ذمته، ثم عين المنذور كهذا البعير، فإن تلفت المعينة عن النذر بقي الأصل في ذمته عليه في الأصح؛ لأن ما التزمه ثبت في الذمة، والمعين وإن زال ملكه عنه، فهو مضمون عليه.
رأي الحنابلة (٢):
إن اشترى أضحية أو هدياً وعينها، ثم بانت مستحقة بعد التعيين، لزمه بدلها، ولو بانت مستحقة قبل التعيين، لم يلزمه بدلها، لعدم صحة التعيين.
стр. 4287
الفَصْلُ السَّادس عَشَر: المقاصّة وفيه مباحث أربعة تشمل: معنى المقاصة ومشروعيتها، ومحلها، وأنواعها وأحكامها (١).
المبحث الأول - معنى المقاصة ومشروعيتها:
المقاصة لغة: المساواة، وفقهاً عرفها ابن جزي (٢) بأنها اقتطاع دين من دين، وفيها متاركة ومعاوضة وحوالة. وعرفها الدردير (٣) بقوله: هي إسقاط مالَكَ من دين على غريمك في نظير ما لَه ُ عليك بشروط. وهذا تعريف يشمل المقاصة الاتفاقية والمقاصة التي يطلبها أحد الطرفين وإن أبى الآخر. وعرفها الحنابلة بأن يستوي الدينان جنساً وصفة وحلولاً وأجلاً وقدراً.
وعرفها ابن القيم بقوله: المقاصة: سقوط أحد الدَّيْنين بمثله جنساً وصفة (٤). فإذا كان لخالد دينار عند محمد، ولمحمد دينار عند خالد، تلاقى الدينان قصاصاً، وسقط حق أحدهما في مطالبة الآخر.
стр. 4288
والمقاصة مشروعة بالاتفاق بين المذاهب لحديث ابن عمر قال: «أتيت النبي ﷺ ، فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها، ما لم تفترقا، وبينكما شيء» (١) فقوله: لا بأس فيه دليل على جواز الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة بغيره. وقال البابرتي في العناية (٢): إن هذا الحديث يدل على المقاصة استحساناً، وهي المقاصة بين الدين والعين؛ لأن قبض نفس الدين لا يتصور؛ لأنه عبارة عن مال حكمي في الذمة، والدين لا يتعين بالتعيين، فكان قبضه بقبض بدله، وهو قبض العين. أما القياس فيقتضي ألا تقع المقاصة بين الدين والعين، لعدم المجانسة.
والعقل يقضي بجواز المقاصة؛ لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكن قضاء الديون بها، ولا يمكن أن تقضى بسواها. وذكر الشافعية والحنابلة أن التقاص يحصل بنفس ثبوت الدينين، ولا حاجة إلى الرضا؛ لأن مطالبة أحدهما الآخر بمثل ما عليه عبث ولا فائدة (٣).
المبحث الثاني - محل المقاصة:
الأصل في المقاصة أن تقع بين دينين، بأن يكون للمدين دين آخر على دائنه، فيتقاص الدينان، فلا تقع المقاصة بين عين وعين ولا بين دين وعين.
ولكن صرح الحنفية بحصول المقاصة بين الدين والعين. كما تبين، فمن
стр. 4289
اشترى ديناراً بعشرة دراهم هي دين له على بائع الدينار، وقبض الدينار، وقعت المقاصة بنفس العقد.
والحقيقة أن هذه المقاصة وقعت بين دينين من جنس واحد، لا بين دين وعين من جنسين؛ لأن مشتري الدينار لما قبضه، كان قبضه قبض ضمان بالثمن الذي اتفقا عليه وهو العشرة، فثبت بالقبض في ذمته مثلها للبائع، فالتقى الدينان قصاصا، وإن كان الظاهر يوهم أن المقاصة وقعت بين دين وعين من جنسين مختلفين. فهذه الصورة وأمثالها من باب مقاصة الدينين. ويمكن القول بأن المقاصة الجبرية لا تكون إلا في دينين (١).
أما المقاصة الرضائية أو الاتفاقية بين صاحبي الحقين فإنها جائزة بين دين وعين.
المبحث الثالث - أنواع المقاصة:
المقاصة إما جائزة أو غير جائزة. والجائزة إما جبرية أو اختيارية (اتفاقية).
أولاً - المقاصة الجبرية وشروطها: المقاصة الجبرية: هي التي تحدث بنفسها بين دينين متماثلين جنساً وصفة وقدراً وحلولاً وتأجيلاً، ولا تتوقف على تراضي الطرفين ولا على طلب أحدهما. مثل أن يقترض شخص من آخر نقوداً أو شيئاً يثبت ديناً في الذمة كالمثليات، ثم يبيع المقترض لدائنه متاعاً بثمن معجل من جنس الدين الذي عليه، فتقع المقاصة بين هذين الدينين، بمجرد ثبوت الدين الثاني، جبراً على الطرفين، ولا تتوقف على تراضيهما ولا على طلب من أحدهما.
стр. 4290
وهي جائزة عند الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (١) إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع. ولم يجز المالكية (٢) المقاصة الجبرية إلا بناء على طلب أو اتفاق، وأكثر التعريفات عندهم كانت للمقاصة الاتفاقية.
شروط المقاصة الجبرية:
يشترط في المقاصة الجبرية أربعة شروط (٣):
١ - تلاقي الحقين أو الدينين: وهو اجتماعهما في حيِّز واحد أي اجتماعهما لشخص باعتبارين، بأن يكون الشخص دائناً لأحدهما ومديناً بالنسبة للآخر، فلا تتحقق المقاصة إلا إذا كان كل من المتقاصين دائناً ومديناً معاً.
مثاله: لو كان للمشتري على الموكل دين تقع المقاصة لتلاقي الدينين، ولا تقع المقاصة في دين على ولي أو وصي نظير دين المولى عليه لعدم تلاقي الحقين، وتقع المقاصة بين دين لحاضنة الصغير ودين عليها، ولا تقع المقاصة بين الدائن ومدين غريمه، لعدم التلاقي بين هذين الدينين. ولا تجتمع المقاصة الجبرية مع الحوالة؛ لأن الحوالة عند الجمهور تنقل الدين من ذمة المدين إلى ذمة المحال عليه، فإذا ثبت للمدين على دائنه مثل دينه وقعت المقاصة جبراً، ولا يبقى عليه دين يحيل به دائنه على آخر، وإذا ثبت للمدين هذا الدين بعد الحوالة، لا تقع المقاصة لعدم التلاقي، فإن دائنه لم يبق دائناً له، وصار دائناً للمحال عليه.
стр. 4291
٢ - تماثل الدينين (١): باتحادهما جنساً ونوعاً وصفة وحلولاً وأجلاً. فإذا كان الدينان من جنسين، أو متفاوتين في الوصف، أو مؤجلين، أو أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، لم تقع المقاصة عند الحنفية، وقال المالكية: تصح المقاصة عند اختلاف الجنسين، كأن يكون أحد الدينين عيناً (ذهباً أو فضة) والآخر طعاماً أو عرضاً، أو يكون أحدهما عرضاً والآخر طعاماً، والعرض: ما ليس عيناً (نقداً) ولا طعاماً.
ومن المعلوم أن صنف كل من الدراهم والدنانير جنسان مختلفان عند الحنفية في ظاهر الرواية وعند الشافعية والحنابلة، لكن في المقاصة تعتبر جنساً واحداً استحساناً في رأي بعض مشايخ الحنفية، جاء في الفتاوى الظهيرية: إذا اختلف الجنس وتقاصا، كما لو كان له عليه مئة درهم، وللمديون مئة دينار عليه، فإذا تقاصا تصير الدراهم قصاصاً بمئة من قيمة الدنانير، ويبقى لصاحب الدنانير على صاحب الدراهم ما بقي منها.
وبما أن الأوراق النقدية حلت محل الفلوس الرائجة، فالنقود في زماننا بناء على رأي بعض مشايخ الحنفية تعد جنساً واحداً في المقاصة، عملاً بالعرف في التعامل، والمراعى فيها القيمة لا ذات النقد بخصوصه.
أما عند الشافعية والحنابلة فتعتبر النقود الورقية أجناساً مستقلة بناء على أن صنف الدنانير والدراهم عندهم جنسان، فلا تقع المقاصة بين دينين أحدهما دنانير والآخر دراهم لاختلاف الجنس.
стр. 4292
أما تماثل الدينين في الصفات فهو شرط عند الحنفية والحنابلة،. ويعنون بذلك الصفات التي يكون لاختلافها اختلاف في القيمة والانتفاع.
واشترط الحنفية أن يكون الدينان حالّين، فإذا كانا مؤجلين أو كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، حتى وإن كان أجلهما واحداً، لم تقع المقاصة الجبرية.
واشترط الشافعية والحنابلة اتفاق الدينين في الحلول وفي قدر الأجل، فإذا كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، أو كانا مؤجلين واختلف أجلهما، لم تقع المقاصة. أما لو كانا مؤجلين لأجل واحد، فتقع المقاصة في رأي الحنابلة وفي الأصح عند الشافعية.
أما المالكية فقالوا: تجوز المقاصة إن حل الدينان معاً، ولم تجز إن لم يحلا أو حل أحدهما دون الآخر إن اختلف الجنس بأن كان أحدهما ذهباً والآخر فضة، فإن كانا ذهبين أو فضتين، جازت المقاصة إذا كان أجل الدينين قد حل، فإن لم يحل أجلهما أو حل أجل الواحد منهما دون الآخر ففيه قولان، والمشهور الجواز بناء على أن المقاصة متاركة تبرأ بها الذمم، ونظراً إلى بُعْد التهمة. هذا إذا كان الدينان من النقد. فإن كان الدينان طعاماً: فإن كانا من قرض، جازت المقاصة، سواء حل الأجل أم لم يحل. وإن كانا من بيع، لم تجز المقاصة، سواء حل الأجل أم لم يحل؛ لأنه من بيع الطعام قبل قبضه. وإن كان الدينان عرضين فتجوز المقاصة إذا اتفقا في الجنس والصفة سواء حل الأجل أم لم يحل.
واشترط الفقهاء أيضاً اتفاق الدينين في الجودة والرداءة، فإن كان هناك تفاوت فيهما لم تقع المقاصة.
واشترط الحنفية تماثل الدينين في القوة والضعف، فدين النفقة للزوجة لا يقع
стр. 4293
قصاصاً بدين للزوج عليها إلا بالتراضي، بخلاف سائر الديون؛ لأن دين النفقة أدنى.
أما المالكية والشافعية والحنابلة فلم يشترطوا التماثل في القوة.
واشترط الحنفية والشافعية والحنابلة أيضاً التماثل في الرواج والكساد والرخص والغلاء، فلا تقع المقاصة بنفسها إذا كان أحد الدينين من الدراهم الصحيحة، والآخر من الدراهم الغلة: وهي التي يقبلها التجار، ويردها بيت المال، لا لأنها زائفة، بل لأنها مكونة من قطع، وهي التي تسمى مكسرة أو مقطعة (١).
اختلاف السببين: ليس من شرط المقاصة في الدينين أن يكون سببا الدينين من نوع واحد، كأن يكون سبب أحدهما القرض والآخر ثمن مبيع أو أجرة، فإن كان أحدهما من قرض والآخر ثمن مبيع، وقعت المقاصة، وإن اختلف السبب.
وليس من شرط المقاصة في الدينين أن يكون سبب كل منهما جائزاً غير محظور، فلو كان سبب أحدهما جائزاً كالبيع، والآخر محظوراً كالغصب أو كان السببان محظورين كالاستهلاك، وقعت المقاصة، ولا أثر لعدم مشروعية السبب في منع المقاصة، بعد توفر السبب: وهو ثبوت الدين في الذمة بحيث صار كغيره من الديون التي يجب الوفاء بها.
٣ - انتفاء الضرر: يشترط في المقاصة الجبرية ألا يترتب على وقوعها ضرر لأحد، فإذا ترتب عليها ضرر لأحد الطرفين أو لغيرهما، لم تقع المقاصة. قال الحنابلة (٢): من عليها
стр. 4294
دين من جنس واجب نفقتها، لم يحتسب به عليها من نفقتها مع عسرتها؛ لأن قضاء الدين إنما يكون بما فضل عن النفقة ونحوها، أي أن المقاصة الجبرية بين دين نفقة المرأة ودين عليها لا تقع في حالة الإعسار؛ لأن النفقة مقدمة على وفاء الدين. وهذا ضرر للمدين.
وتجهيز الميت مقدم على الدين كالنفقة، فمن باع شيئاً من التركة لدائن الميت من جنس دينه، لم تقع المقاصة، مراعاة لحق الميت ودفعاً للضرر، وهذا ضرر للمدين.
والدين الموثق بالرهن مقدم على غيره من الديون العادية في استيفاء الدين من الرهن، فلو باع الراهن المرهون لدائن غير مرتهن، ليوفي دين المرتهن، وكان الثمن مثل الدين الذي للمشتري عليه، لم تقع المقاصة. وهذا ضرر لمن تعلق حقه بالعين.
وكما أن ضرر المدين نفسه، وضرر من تعلق حقه بالعين يمنع من المقاصة، كذلك يمنع منها تعلق حق باقي الغرماء، فللقاضي عند الجمهور غير أبي حنيفة أن يحجر على المدين المفلس بطلب غرمائه، وله أن يمنعه من البيع بأقل من ثمن المثل، ومن التصرف والإقرار، حتى لا يضر بالغرماء.
والخلاصة: إذا تعلق بأحد الدينين حق الغير لا تجوز المقاصة. مثال تعلق حق أحد الدينين: أن يبيع الرهن لإيفاء دين الدائن غير المرتهن، ومثال تعلق حق الغرماء: أن يبيع المفلس بعض غرمائه بثمن في الذمة من جنس دينه.
فلا مقاصة في الحالتين، لتعلق حق المرتهن بالمال في الأولى، ولتعلق حق باقي الغرماء في المبيع في الثانية.
стр. 4295
حق الدائن طالب البيع:
إن باع المدين (المحجور عليه) شيئاً لإيفاء دين دائن، وكان المشتري دائناً للمدين البائع بدين من نوع الثمن، وقعت المقاصة جبراً بين دين البائع ودين المشتري؛ لأن هذا المدين غير محجور عليه وتصرف المدين غير المحجور عليه نافذ، ولا حرج على المدين في أن يوفي بعض دائنيه دون البعض الآخر، ولا مانع يمنع المدين المحجور عليه من بيع المال المحجوز، ولا من وقوع المقاصة بثمنه مع المشتري إذا كان غير الدائن طالب البيع الذي حجز له بدينه.
٤ - ألا يترتب على المقاصة محظور ديني:
يشترط في المقاصة الجبرية أخيراً ألا يترتب عليها محظور ديني، كالافتراق قبل قبض رأس مال السلم، والتصرف في المسلم فيه قبل قبضه، وعدم التقابض في مجلس الصرف وفي الربويات التي يجب أن تكون يداً بيد، والتصرف على قاعدة «ضع وتعجل» عند الجمهور ونحو ذلك من المحظورات الشرعية.
ثانياً - المقاصة الاتفاقية:
هي التي تتم بتراضي الطرفين ما لم يترتب على ذلك محظور شرعي، سواء اتحد جنس الدينين أم لم يتحد، اتفقت الأوصاف أم اختلفت، وسواء أكان أحد الحقين ديناً والآخر عيناً.
ثالثاً - المقاصة غير الجائزة:
لا تجوز المقاصة إذا تخلف شرط من شروطها، ومنها أن يترتب على وقوعها مخالفة حكم شرعي، ويظهر هذا في بعض مسائل الصرف، وفي رأس مال السلم، وفي المسلم فيه، وفيما إذا وجدت شبهة الربا، ولو تراضيا.
стр. 4296
١ - الصرف (١):
إذا وقعت المقاصة بين ديني المتصارفين بعد انتهاء مجلس عقد الصرف، كانت المقاصة باطلة؛ لأن عقد الصرف يقع باطلاً ولا يثبت به دين، فتبطل المقاصة لعدم قيام الدين في ذمة أحد المتقاصين.
وفيما عدا ذلك تكون المقاصة صحيحة، سواء أكانت بدين سابق، أم بدين لاحق، أم بدين ثبت للمدين على دائنه في المجلس من طريق قبض مضمون.
أـ إذا تصارف شخصان بدين سابق أضافا العقد إليه، جاز، كما إذا كان لرجل على آخر عشرة دراهم، فباعه هذا المدين ديناراً بالدراهم العشرة التي هي عليه دين؛ لأنه بإضافة العقد إلى هذا الدين، تقع المقاصة بالعقد نفسه بلا توقف على إرادة العاقدين لها، ووجه الجواز: أنه جعل ثمن الدينار دراهم لا يجب قبضها ولا تعيينها بالقبض، وهو جائز إجماعاً؛ لأن التعيين بالقبض للاحتراز عن ربا النسيئة، ولا ربا في دين سقط، إنما الربا في دين يقع الخطر في عاقبته (أي احتمال القبض وعدمه) ولذا لو تصارفا دراهم ديناً بدنانير ديناً، صح لفوات الخطر.
ب - إذا باع المدين بالعشرة التي لدائنه ديناراً بعشرة مطلقة عن التقييد بدين عليه، ودفع له الدينار، وتقاصا العشرة الثمن بالعشرة الدين، جاز استحساناً (٢)؛ لأنه بالتقابض انفسخ العقد الأول، وانعقد صرف آخر مضاف إلى الدين؛ لأنهما لما غيّرا موجب العقد، فقد فسخاه إلى آخر اقتضاه، كما لو جدد البيع بأكثر من
стр. 4297
الثمن الأول، أي أن المقاصة تتضمن فسخ العقد الأول، ويكون الفسخ ثابتاً اقتضاء. وهاتان الحالتان مقاصة في دين سابق.
جـ - إذا كان الدين لاحقاً للصرف، كما لو باع ديناراً لآخر بعشرة دراهم، وباع مشتري الدينار لبائعه ثوباً بعشرة دراهم في مجلس الصرف، وسلم الثوب، ثم تقاصا العشرة بالعشرة في المجلس، جازت المقاصة في أصح الروايتين؛ لأن العقد الأول ينفسخ اقتضاء، لما قصدا إلى المقاصة.
د - إذا حصل الصرف ببيع عين بدين مطلق، ثم ثبت للمدين على دائنه دين في المجلس من طريق قبض مضمون، وقعت المقاصة جبراً من غير حاجة إلى تراض، كما لو استقرض الدائن من المدين مثل الثمن أو غصبه منه؛ لأن القبض قد تحقق.
ويلاحظ أنه في جميع هذه الحالات ما عدا الصورة الأولى لا بد من وقوع المقاصة قبل انتهاء مجلس عقد الصرف، فإذا انتهى المجلس بطلت المقاصة لبطلان الصرف كما تبين.
٢ - المقاصة برأس مال السلم: اتفق الحنفية - على ما عليه عامة الكتب عدا البدائع - والشافعية والحنابلة (١) على أنه لا تجوز المقاصة برأس مال السلم مع دين آخر مطلقاً، سواء وجب الدين بعقد متقدم أو متأخر عن عقد السلم، ولو تراضيا عليها؛ لأن المقاصة تصرف في دين السلم قبل قبضه، وهو غير صحيح، إذ يشترط قبض جميع رأس مال السلم في مجلس العقد.
стр. 4298
٣ - المقاصة بالمسلم فيه: لا تجوز المقاصة أيضاً بالمسلم فيه كما أبان محمد في كتابه «الأصل» (١) فمن أسلم إلى رجل في مد حنطة، ثم أسلم الآخر إليه في مد حنطة، وأجلهما واحد، وصفتهما واحدة أو مختلفة، فلا تصح المقاصة بينهما؛ لأنه بيع ما لم يقبض، فكل منهما لم يقبض شيئاً من مد الحنطة، وإنما أخذ به ديناً عليه، ولايجوز أن يأخذ إلا رأس ماله أو سلمه الذي أسلم فيه.
فإن كان أولهما سلماً والآخر قرضاً، لا يصير أحدهما قصاصاً في الحال؛ لأن المقاصة عبارة عن المساواة، ولا مساواة بينهما؛ لأن أحدهما معجل، والآخر مؤجل، والمعجل خير من المؤجل، فإن حل أجل السلم، كان أحدهما قصاصاً بالآخر.
وإن كان الأول منهما قرضاً والآخر سلماً، فلا مقاصة بينهما، وإن تراضيا على المقاصة.
٤ - رأس مال السلم بعد الإقالة: حكم رأس مال السلم إذا حصلت فيه إقالة كحكم المسلم فيه، وبما أنه لا تجوز المقاصة في المسلم فيه؛ لأنه مبيع منقول لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، لا تجوز المقاصة في رأس مال السلم بعد الإقالة، فإن تقايلا السلم، لم يكن له أن يشتري من المسلم إليه برأس المال شيئاً حتى يقبضه كله (٢)، لقوله ﵊:
стр. 4299
«لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك» (١) أي عند الفسخ، ولأنه أخذ شبهاً بالمبيع، فلا يحل التصرف فيه قبل قبضه.
٥ - شبهة الربا: اتفق الأئمة على تحريم ما فيه شبهة الربا، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا حرام، وعملاً بمبدأ سد الذرائع المتفق عليه بين الأئمة، وإن اختلفوا في مداه وتطبيقاته. فإذا أدت المقاصة إلى شيء من الربا، كانت غير جائزة.
ومن أمثلتها في بيوع الآجال كما ذكر المالكية (٢): باع له عشرة أرادب من الطعام بعشرة دراهم أي إلى أجل، وبعد أن غاب على الطعام وانتفع به، باع لبائعه عشرين أردباً من نوع ما اشتراه بعشرة دراهم، وتقاصا العشرة بالعشرة، لم يجز؛ لأنه أسلفه عشرة أرادب انتفع بها، ثم رد إليه عشرين أردباً، والثمن بالثمن ملغى؛ لأنه مقاصة، فهو قرض جر نفعاً.
المبحث الرابع - أحكام المقاصة:
يراد بالحكم هنا الأثر المترتب على الشيء أو مقتضاه.
مقتضى المقاصة (٣): هو الإسقاط، لكنه ليس إسقاطاً محضاً، وإنما هو إسقاط فيه معنى الوفاء، أي إسقاط بعوض، والعوض هو إسقاط فيه معنى.
стр. 4300
الوفاء، أي إسقاط بعوض، والعوض هو إسقاط الآخر حقه، كما هو الحال في الطلاق على الإبراء، فكل من الطلاق والإبراء إسقاط، وكل منهما في مقابلة الآخر، فتكون المقاصة إسقاطاً فيها معنى المعاوضة، قال المالكية: إن المقصود من المقاصة: المعاوضة والإبراء. وقال الحنفية: إن في المقاصة وفاء، بل الوفاء في نظرهم لا يكون إلا من طريق المقاصة.
وهو إسقاط يقع جبراً، حتى في المقاصة التي لا تكون إلا عن تراض في رأي الحنفية.
ولكن ما الذي يسقط بالمقاصة؟ أهو نفس الدين أو المطالبة به؟ قال الجمهور غير الحنفية: إن المقاصة تسقط الدينين إن كانا متساويين، وتسقط مقدار الأقل منهما إن كانا متفاضلين، فيسقط من الأكثر بقدر الأقل إن تفاوتا قدراً، وتبرأ الذمم بها براءة إسقاط، لا براءة مطالبة فحسب.
ويرى الحنفية أن المقاصة لا تسقط أصل الدين، وإنما تسقط المطالبة به فقط، أما الدين فيبقى شاغلاً للذمة، وإن لم تصح المطالبة به، فهو أشبه بالحق الذي لا تسمع الدعوى به للتقادم، ويترتب عليه أنه يصح الإبراء من الدين بعد المقاصة براءة إسقاط، وتصح هبته، ويصح الحط منه، ويرجع من تبرع بقضاء دين عن إنسان على من أداه له إذا أبرأه غريمه منه، بعد هذا، براءة إسقاط. وهذا في الواقع رأي غريب تأباه العدالة، فمن أدى دينه إلى غريمه أو قاصه فيه، لا يفهم منه إلا أنه قام بما يلغي تبعته، ويطهر ذمته، لا أنه يسعى إلى دفع المطالبة فقط.
وإن كانت العين خيراً من الدين وتفضله؛ لأن الدين على خطر التوى والضياع، فهذا يظهر في دين يبقى دائماً، لا في دين ثابت يوفيه صاحبه بالعين،
стр. 4301
فينقضي بحصول هذا الوفاء. وإذا قلنا بأن الوفاء يثبت به دين في ذمة المستوفي، ووجد إذ ذاك دينان متماثلان متلاقيان، فلم لا يسقط أصل الدين، وتسقط المطالبة به وحدها (١)؟
نقض المقاصة: إذا تمت المقاصة على وجه صحيح، لا يمكن نقضها لا بالفسخ ولا بغيره، إذ أن الساقط لا يعود، فمتى سقط الدين وتلاشى لا يمكن النقض.
لكن قد يطرأ بعد وقوع المقاصة الصحيحة ما يجعل أحد الدائنين لا حق له في استيفاء كل الدين الذي وقعت فيه المقاصة، فتنقض بالقدر الذي لا حق له في استيفائه، كما أنه يطرأ بعد وقوعها ما يقتضي زوال أحد الدينين، فتنقض من أجل ذلك.
مثال الحالة الأولى: إذا كان على رجل ألف دينار قرضاً، ثم باع المقترض لمقرضه في حال الصحة عيناً كسجادة مثلاً بألف دينار مؤجلة، ثم مرض المقترض، وحل الأجل، وعليه ديون، وقعت المقاصة.
فإن مات وعليه ديون، كان الغرماء أسوة المشتري فيما عليه من الثمن. ومعنى هذا أن المقاصة وقعت في حياته بكل الثمن، إذ لا يمكن للغرماء الاعتراض عليه في حياته، لعدم تبين أنه في حالة مرض موت، فإذا مات في مرضه هذا، تبين أن حق الغرماء متعلق بماله من وقت ثبوت سببه وهو مرض الموت، فلا يكون للمشتري أن يستوفي من دينه إلا بقدر ما يصيبه مع الغرماء، وتبطل المقاصة التي وقعت صحيحة في حياة المريض، بالقدر الذي زاد على حصة المشتري.
ومثال الحالة الثانية: إذا كان على الوكيل دين للمشتري، يصير الثمن قصاصاً. فإذا لم يسلم الوكيل ما باع حتى هلك المبيع في يده، بطلت المقاصة؛ لأن المبيع لما هلك قبل التسليم، انفسخ البيع من الأصل، وصار كأن لم يكن.
стр. 4302
الفَصْلُ السّابع عشر: الإكْرَاه خطة الموضوع:
الكلام عن الإكراه (١) في المباحث الأربعة التالية:
المبحث الأول - حقيقة الإكراه ونوعاه.
المبحث الثاني - شروط الإكراه.
المبحث الثالث - أثر الإكراه في التصرفات الحسية.
المبحث الرابع - أثر الإكراه في التصرفات الشرعية.
وبحثها على الترتيب المذكور.
المبحث الأول - حقيقة الإكراه ونوعاه:
حقيقة الإكراه: الإكراه لغة: حمل الغير على أمر لا يرضاه قهراً. وهذا ينافي المحبة والرضا، ولذا اقترن الحب والإكراه في قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ [البقرة:٢١٦/ ٢].
وهو في اصطلاح الفقهاء: حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار
стр. 4303
مباشرته، لو ترك ونفسه. وقد عرفه السرخسي في المبسوط بأنه: «فعل يفعله الإنسان بغيره، فينتفي به رضاه، أو يزول به اختياره».
والمقصود بالرضا: هو الارتياح إلى فعل الشيء والرغبة به.
والمقصود بالاختيار: هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس.
نوعا الإكراه: الإكراه عند الحنفية نوعان: إكراه ملجئ أو كامل، وإكراه غير ملجئ أو قاصر.
و الإكراه الملجئ: هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، وهو بأن يهدده بما يلحق به ضرراً في نفسه، أو في عضو من أعضائه. وحكمه: أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار، مثاله التهديد بالقتل أو التخويف بقطع عضو أو بضربٍ مبرِّح (أي شديد) متوال يخاف منه إتلاف النفس أو العضو، سواء قل الضرب أم كثر.
و الإكراه غير الملجئ أو الناقص: هو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو، كالتخويف بالحبس أو القيد، أو الضرب اليسير الذي لا يخاف منه التلف، أو بإتلاف بعض المال. وحكمه: أنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار (١).
وهناك نوع ثالث عند الحنفية وهو الإكراه الأدبي: وهو الذي يعدم تمام الرضا، ولا يعدم الاختيار، كالتهديد بحبس أحد الأصول أو الفروع، أو الأخ أو الأخت، أو نحوهم. وحكمه أنه إكراه شرعي استحساناً لا قياساً، كما قرر الكمال بن الهمام من الحنفية، ويترتب عليه عدم نفاذ التصرفات المكره عليها (٢).
стр. 4304
ويرى الشافعي أن الإكراه نوع واحد وهو الإكراه الملجئ، وأما غير الملجئ فلا يسمى إكراهاً. قال الشافعية: يحصل الإكراه بتخويف بمحذور كضرب شديد وحبس طويل وإتلاف مال. ويختلف أثره باختلاف أحوال الناس، فلا يحصل الإكراه بالتخويف بالعقوبة الآجلة كقوله: لأضربنك غداً، ولا بالتخويف بالمستحق كقوله لمن عليه قصاص: افعل كذا وإلا اقتصصت منك. وشرط الإكراه: قدرة المُكْرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب عاجلاً ظلماً، وعجز المستكره عن دفعه بهرب أو غيره وظن أنه إن امتنع من فعل ما أكره عليه حقق المهدد به. ولا ينفذ تصرف المستكره بغير حق، لكن يقتص منه بمباشرته جناية القتل ونحوه (١).
المبحث الثاني - شروط الإكراه:
يشترط لتحقق الإكراه أحد عشر شرطاً، وهي ما يأتي:
الأول - أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، وإلا كان هذياناً، وبناء عليه كان أبو حنيفة يقول: لا إكراه إلا من السلطان؛ لأن غير السلطان لا يتمكن من تحقيق ما هدد به.
وقال الصاحبان والأئمة الثلاثة: يتحقق الإكراه من السلطان وغيره؛ لأن إلحاق الضرر بالغير يمكن أن يتحقق من كل متسلط.
وهذا الاختلاف بين الإمام وصاحبيه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان، فقد أفتى الإمام بحسب زمانه، ثم تغير الحال في زمان الصاحبين،
стр. 4305
فتغيرت الفتوى على حسب الحال. قال البغدادي: الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطاناً كان أو غيره (١).
الثاني - أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سينفذ تهديده لو لم يحقق ما أكره عليه، وأنه عاجز عن التخلص من التهديد بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة.
الثالث - أن يكون الأمر المكَره به متضمناً إتلاف نفس أو عضو أو مال أو متضمناً أذى بعض الناس الذين يهمه أمرهم، كالتهديد بحبس الزوجة، أو الوالدين، أو يلحق به غماً يعدم الرضا بحسب حاله، فمن الناس من يغتم بكلام خشن، ومنهم من لا يغتم إلا بالضرب المبرح.
الرابع - أن يكون المستكره ممتنعاً عن الفعل الذي أكره عليه قبل الإكراه: إما لحقه كبيع ماله، أو لحق شخص آخر كإتلاف مال الغير، أو لحق الشرع كشرب الخمر والزنا.
الخامس - أن يكون المهدد به أشد خطراً على المستكره مما أكره عليه، فلو هدد إنسان بصفع وجهه إن لم يتلف ماله أو مال الغير، وكان صفع الوجه بالنسبة إليه أقل خطراً من إتلاف المال، فلا يعد هذا إكراهاً.
السادس - أن يترتب على فعل المكره به الخلاص من المهدد به: فلو قال إنسان لآخر: (اقتل نفسك، وإلا قتلتك) لا يعد هذا إكراهاً عند الجمهور، والراجح عند الحنابلة؛ لأنه لا يترتب على قتل النفس الخلاص مما هدد به، فلا يصح حينئذ للمستكره أن يقدم على ما أكره عليه.
السابع - أن يكون المهدد به عاجلا ً: فلو كان آجلاً لم يتحقق الإكراه؛ لأن
стр. 4306
التأجيل مظنة التخلص مما هدد به بالاستغاثة والاحتماء بالسلطات العامة. وهذا شرط عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة. وقال المالكية: لا يشترط أن يكون المهدد به عاجلاً، وإنما الشرط أن يكون الخوف حاَّلاً. وهذا هو الأرجح في تقديري.
الثامن - ألا يخالف المستكره المكره بفعل غير ما أكره عليه أو بالزيادة عليه، أو بالنقصان عنه، فإن خالفه في هذه الأحوال الثلاثة، كان طائعاً فيما أتى به، فلا يكون مستكرهاً. وهذا رأي الشافعية والمالكية.
فلو أكره إنسان شخصاً على طلاق امرأته، فباع داره، أو أكره على طلقة واحدة رجعية، فطلقها ثلاثاً، أو أكرهه على طلاق امرأته ثلاثاً، فطلقها واحدة، فهذه الصور الثلاث نافذة عندهم؛ لأنها ليست من الإكراه في شيء.
وقال الحنفية والحنابلة: المخالفة بالنقصان، بأن أتى الشخص أنقص مما أكره عليه، تجعل الشخص مكرهاً غير مختار، أما في حالة الزيادة أو فعل غير المكره عليه فلا تجعله مكرهاً، وإنما يكون مختاراً، كما قال الشافعية والمالكية.
التاسع - اشترط الشافعية أن يكون المكره عليه معينا ً بأن يكون شيئاً واحداً، فلو أكره إنسان على طلاق زوجته (فلانة) عد هذا إكراهاً، أما لو أكره على طلاق إحدى امرأتيه، أو على قتل زيد أو عمرو، فلا يعد هذا إكراهاً.
ولم يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة هذا الشرط، فلو أكره رجل على أن يطلق إحدى امرأتيه، فطلق واحدة كان مكرَهاً، وهو الرأي الأرجح لدي.
العاشر - ألا يكون المهدد به حقاً للمكره يتوصل به إلى ما ليس حقاً له ولا واجباً: فإذا كان المكره به حقاً للمكره يتوصل به إلى ما ليس حقاً له ولا واجباً
стр. 4307
كتهديد الزوج زوجته بطلاقها إن لم تبرئه من دينها، فلا يكون إكراهاً، وقال بعضهم: يعتبر إكراهاً لأن الزوج سلطان زوجته، فيتحقق منه الإكراه.
وهذا الشرط عند المتأخرين من الشافعية، ويوافقهم الحنفية فيه. أما الإمام أحمد فلم يشترط هذا الشرط، فالإكراه يتحقق عنده، ولو كان المهدد به حقاً للمكره (١). وهذا هو المعقول.
الحادي عشر - ألا يكون المكره عليه مستحقاً على المستكره: كتهديد المفلس المحجور عليه ببيع ماله، وتهديد القاتل عمداً بالقصاص، وتهديد المولي (حالف يمين الإيلاء) بالتطليق عليه، فكل هذا ليس بإكراه، لأن الأمر المهدَّد به مستَحَق على المستكره.
والخلاصة: اتفق الشافعية والحنابلة على شروط ثلاثة للإكراه هي:
أولاً - قدرة المكره على تحقيق ما هدد به بسلطان أو تغلب كاللص ونحوه.
وثانياً - عجز المستكره عن دفع الإكراه بهرب أو غيره، وأن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ماطلبه.
وثالثاً - أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً كالقتل والضرب الشديد، والقيد والحبس الطويلين، وإتلاف مال ونحوه. أما الشتم أو السب فليس بإكراه.
واشترط الشافعية أيضاً أن يكون الإكراه بغير حق.
стр. 4308
المبحث الثالث - أثر الإكراه في التصرفات الحسية (أي الفعلية أو الوقائع المادية):
الذي يقع عليه الإكراه من الفعل أو الترك: إما أن يكون من الأمور الحسية أو من الأمور الشرعية، والمكره به في كل منهما: إما معين أو مخير فيه.
أما التصرفات الحسية المعينة فيتعلق بها حكمان: أحدهما بالنسبة للآخرة، والثاني بالنسبة للدنيا.
أما أحكام الآخرة في التصرفات الحسية المكره عليها، فتختلف بحسب نوع التصرف، وأنواع التصرف الحسي ثلاثة: مباح، ومرخص فيه، وحرام.
١ - التصرف الحسي المباح بالإكراه: هو أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر، وحكمه أنه يختلف بحسب نوع الإكراه: فإن كان الإكراه ملجئاً أو تاماً كالتخويف بالقتل أو قطع العضو ونحوه، فتباح هذه الأفعال؛ لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة، فقال سبحانه ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام:١١٩/ ٦] فلو امتنع المستكره عن تناولها حتى قتل يؤاخذ به؛ لأن امتناعه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والله تعالى يقول: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥/ ٢].
وإن كان الإكراه ناقصاً كالتهديد بالحبس والضرب اليسير، فلا يباح الإقدام عليها، ولا يرخص فيها أيضاً، حتى إنه يأثم بالإقدام عليها؛ لأنه يجب عليه تقديم حق الله تعالى على حق نفسه (١).
والخلاصة: أن هذه التصرفات لاتباح إلا بالإكراه الملجئ.
стр. 4309
٢ - التصرف الحسي المرخص بالإكراه: هو كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، أو سب النبي محمد ﷺ ، أو الصلاة إلى الصليب، أو إتلاف مال المسلم، فهذه الأمور لا تباح، ولكن يرخص فعلها عند الإكراه التام، وإن امتنع المستكره عن فعلها حتى قتل، كان مثاباً ثواب الجهاد؛ لأن تحريمها لم يسقط عن فاعلها. وأما وإن كان الإكراه ناقصاً، فلا يرخص فيها أصلاً، ويحكم بكفر فاعلها، وإن كان قلبه مطمئناً بالإيمان، وهذا مذهب الحنفية والمالكية. وعليه، لا يرخص بهذا التصرف إلا في حالة الإكراه الملجئ.
ورخص الشافعية والحنابلة والظاهرية التلفظ بالكفر عند الإكراه الناقص؛ لأن الكثير من حوادث الإكراه على الكفر في بدء الإسلام كانت إكراهاً ناقصاً، فهذا هو الراجح إذن من الرأيين.
والترخيص بإجراء كلمة الكفر عند الإكراه التام ثابت بقوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [النحل:١٦/ ١٠٦]. وهذا هو مذهب الجمهور والظاهرية.
أما المالكية: فلا يبيحون إجراء كلمة الكفر على اللسان إلا في الإكراه على القتل فقط، أما الإكراه بقطع عضو، فلا يعتبرونه مبيحاً لإجراء كلمة الكفر على اللسان.
ويلاحظ أن الامتناع عن الكفر أفضل، بدليل ما روي أن مسيلمة الكذاب أخذ اثنين من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ قال: وأنت أيضاً، فخلى سبيله. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: كما تقول في؟ قال: أنا أصم، لا
стр. 4310
أسمع، فأعاد عليه ثلاث مرات، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئاً له» (١).
وأما الترخيص بسبِّ النبي ﷺ عند الإكراه، فهو جائز لما روي أن عمار بن ياسر ﵄، لما أكرهه الكفار على سبِّ محمد ﷺ ، رجع إلى رسول الله ﷺ فقال له: ما وراءك يا عمار؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركوني حتى نلت منك، فقال له الرسول ﷺ : «إن عادوا فعد» (٢).
ولو امتنع المستكره عن سب النبي حتى مات كان مأجوراً، بدليل ما روي من قصة خبيب، فقد أخذه المشركون وباعوه من أهل مكة، فأخذوا يعذبونه على أن يذكر آلهتهم بخير، ويسب محمداً، فلم يسب إلا آلهتهم، ولم يذكر محمداً إلا بخير، ولما يئسوا من كفره، أجمعوا على قتله، فسألهم أن يصلي ركعتين، فأوجز في صلاته حتى لا يظنوا أنه يخشى الموت، ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليموت وهو ساجد، فأبوا عليه ذلك، فرفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، فاقرأ رسول الله مني السلام، ثم قال: اللهم أحص هؤلاء عدداً، واجعلهم بدَد َا َ، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
فلما قتلوه وصلبوه، تحول وجهه نحو القبلة، فقال فيه الرسول ﷺ : «هو سيد الشهداء، وهو رفيقي في الجنة» (٣).