غير المعتاد كخروج ريح أو غائط من القبل، أو خروج بول من الدبر، ولا المني بغير لذة معتادة: بأن كان بغير لذة أصلاً، أو لذة غير معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى. أما ما خرج بلذة معتادة من جماع أو لمس أو فكر فموجب للغسل.
ولا ينقض البول أو الغائط أو الريح الخارج من ثقبة فوق المعدة، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا، وينقض الخارج من تحت المعدة إن انسد المخرجان، كما ينقض الوضوء إن انقطع الخروج من المخرج، وصار يبول أو يتغوط من فمه مثلاً.
والأسباب: ثلاثة أنواع: زوال العقل، ولمس البالغ بلذة من تشتهى، ومس البالغ ذكره المتصل به ببطن كفه أو جنبه أو أصبع بلا حائل ولو كان خفيفاً، إلا أن يكون خفيفاً جداً كالعدم. وزوال العقل يكون بجنون أو إغماء أو سكر أو بنوم ثقيل ولو قصر زمنه. والقبلة بالفم تنقض ولو بغير لذة.
والردة والشك في الناقض بعد طُهر معلوم وعكسه: أي الشك في الطهارة بعد تيقن الحدث أو ظنه، كل منهما ناقض للوضوء، ليس بحدث ولا سبب.
٣ - مذهب الشافعية:
نواقض الوضوء أربعة:
الأول - الخارج من أحد السبيلين إلا المني أي مني الشخص نفسه، لأنه أوجب الغسل.
الثاني - زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إلا النوم قاعداً ممكِّناً مقعده من مقره كالأرض، وظهر دابة سائرة، وإن كان مستنداً إلى شيء بحيث لو زال، لسقط.
стр. 422
الثالث - التقاء بشرتي الرجل والمرأة ولو ميتة، عمداً أو سهواً. وينتقض اللامس والملموس، ولا ينقض صغير أو صغيرة لا تشتهى، ولا ينقض شعر وسن وظفر، ومحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أي المحرَّمات بصفة التأبيد، لا المؤقتة كأخت الزوجة فإنها تنقض الوضوء.
الرابع - مس قبل الآدمي، وحلقة دبره، بباطن الكف. ولا ينتقض الممسوس. وينقض فرج الميت والصغير، ومحل الجَبِّ كله لا الثقبة فقط، والذكر المقطوع. ولا ينقض فرج البهيمة، ولا المس برأس الأصابع وما بينها.
٤ - مذهب الحنابلة:
نواقض الوضوء ثمانية أنواع:
أحدها - الخارج من السبيلين، إلا ممن حدثه دائم، فلا يبطل وضوءه، وينقضه ولو كان الخارج ريحاً من قُبُل أنثى أو من ذكر، أو قطناً أو ميلاً أو دهناً أو حقنة أدخل فيهما، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة، أو منياً لرجل أو امرأة استدخلته امرأة في فرجها ثم خرج.
الثاني - خروج النجاسات من بقية البدن: فإن كانت النجاسة غائطاً أو بولاً، نقض ولو قليلاً، من تحت المعدة أو فوقها، انسد المخرجان أم بقيا مفتوحين، وإن كانت النجاسة غير الغائط والبول، كالقيء والدم والقيح ودود الجراح لم ينقض إلا كثيرها: وهوما فحش في نفس كل أحد بحسبه.
الثالث - زوال العقل بجنون ونحوه، أو تغطيته بإغماء أو سكر قليل أو كثير، أو بنوم إلا النوم اليسير عرفاً من جالس وقائم. وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتب كمضطجع.
стр. 423
الرابع - مس ذكر أو قبُل أو دبُر آدمي من نفسه أو غيره، ولو من غير شهوة بيده، ببطن كفه أو بظهره أو بحرفه، غير ظفر، من غير حائل، ولو بأصبع زائدة، ولا ينتقض وضوء ملموس، ولا ينقض مس ذكر بائن (أي مقطوع) ولا مس محله، ولا قُلَفة (وهي الجلدة التي تقطع في الختان) بعد قطعها، ولا مس ذكر زائد؛ لأنه ليس فرجاً، ولا ينقض مس امرأة شفريها، لأن الفرج هو مخرج الحدث، وهو ما بينهما دونهما.
الخامس - مس بشرة الرجل بشرة الأنثى بشهوة، من غير حائل.
ولا ينقض مس طفلة وطفل من دون سَبْع إذا لم يكن بشهوة، وينتقض الوضوء باللمس بشهوة ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً، أو محرماً، أو صغيرة تشتهى وهي بنت سبع فأكثر لقوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [المائدة:٦/ ٥]. ولا ينتقض وضوء الملموس، ولو وجد منه شهوة، ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر، ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا ينقض مس عضو مقطوع لزوال حرمته، ولا مس أمرد ولو بشهوة، لعدم تناول الآية له، ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعاً. ولا ينقض مس خنثى مشكل من رجل أو امرأة ولو بشهوة، ولا ينقض مس الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، ولو بشهوة فيهن.
السادس - غسل الميت أو بعضه، ولو في قميص، ولا ينقض تيمم الميت لتعذر غسل. وغاسل الميت: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء ونحوه.
السابع - أكل لحم الجزور نيئاً وغير نيء.
الثامن - موجبات الغسل كالتقاء الختانين وانتقال المني وإسلام الكافر الأصلي أو المرتد.
стр. 424
المطلب الثامن - وضوء المعذور:
ينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة، فإن كان في حال المرض كان معذوراً.
والمعذور كما عرفه الحنفية: من به سلس بول لايمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو انفلات ريح أو رعاف دائم أو نزف دم جرح، أو استحاضة (١)، وكذا كل ما يخرج بوجع ولو من أذن وثدي وسرة، من دم أو قيح أو صديد، أو ماء الجرح والنفطة، وماء البثرة، والثدي والعين والأذن (٢).
وأحكام وضوء المعذور وصلاته تحتاج لتفصيل بين المذاهب.
١ - مذهب الحنفية (٣):
ضابط المعذور: هو - في ابتداء الأمر - من يستوعب عذره تمام وقت صلاة مفروضة، بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ، ويصلي فيه خالياً عن الحدث، كأن يستمر تقاطر بوله مثلاً من ابتداء الظهر إلى العصر. فإن أصبح متصفاً بهذه الصفة، كفى وجوده في جزء من الوقت ولو مرة، كأن يرى الدم مرة فقط في وقت العصر، بعد استمراره في وقت الظهر، ولا يصبح معافى إلا إذا انقطع عنه وقت صلاة كامل، أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ الأمر: هو استيعابه جميع الوقت.
стр. 425
وشرط دوامه: وجوده في كل وقت بعد ذلك، ولو مرة واحدة، ليعلم بها بقاؤه. وشرط انقطاعه وعدم اتصافه بوصف المعذور: خلو وقت صلاة كامل عنه، كأن ينقطع طوال وقت العصر مثلاً.
وحكمه: أنه يتوضأ لوقت كل فرض، لا لكل فرض ونفل، لقوله ﷺ : «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» (١) ويقاس عليها سائر ذوي الأعذار. ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل، ويبقى وضوءه ما دام باقياً بشرطين: أن يتوضأ لعذره، ولم يطرأ عليه حدث آخر كخروج ريح أو سيلان دم من موضع آخر.
ويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلاة المفروضة فقط، فإن توضأ بعد طلوع الشمس لصلاة العيد، ودخل وقت الظهر، فإن وضوءه لا ينتقض، لأن دخول وقت الظهر ليس ناقضاً، وكذا خروج وقت العيد ليس ناقضاً، لأنه ليس وقت صلاة مفروضة، بل هو وقت مهمل، وصلاة العيد بمننرلة صلاة الضحى، وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل دخول الوقت (وقت الظهر) ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، وأنه يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت لا بدخوله (٢). فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور واستأنف الوضوء لصلاة أخرى عند أئمة الحنفية الثلاثة، وقال زفر: استأنف إذا دخل الوقت.
стр. 426
أما إن توضأ قبل طلوع الشمس، فإنه ينتقض بطلوعها لخروج وقت الفريضة. وكذلك ينتقض وضوءه إن توضأ بعد صلاة الظهر ثم دخل وقت العصر، لخروج وقت الظهر.
وعلى المعذور أن يخفف عذره بالقدر المستطاع، كالحِفَاظ للمستحاضة، والقعود في أثناء الصلاة إن كانت الحركة أو القيام تؤدي إلى السيلان. ويستحب للرجل أن يحتشي إن رابه الشيطان، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به.
ولا يجب على المعذور غسل ما يصيب ثوبه أكثر من قدر الدرهم إذا اعتقد أنه لو غسله تنجس بالسيلان قبل الفراغ من الصلاة. فإن لم يتنجس قبل فراغه من الصلاة، وجب عليه غسله، وهو المختار للفتوى.
٢ - مذهب المالكية (١):
السلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً، ومنه دم الاستحاضة. وذلك إذا لم ينضبط، ولم يقدر على التداوي. فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة لآخره، وإن كان
стр. 427
ينقطع أول الوقت وجب عليه تقديم الصلاة. وإن قدر على التداوي أو التزوج وجب عليه ذلك، واغتفر له زمن التداوي والتزوج.
فلا يكون السلس من طول العزوبة، وإنما من اختلال المزاج، أو من برودة وعلة.
ولا ينتقض الوضوء عند المالكية إن خرج البول والمذي على وجه السلس الملازم: وهو أن يلازمه نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، أو كل الزمن. لكن يندب الوضوء إذا لم يعم الزمن.
وينتقض وضوء السلس: إذا بال البول المعتاد، أو أمذى بلذة معتادة بأن حدث كلما نظر أو تفكر. ويعرف ذلك: بأن البول المعتاد يكثر ويمكن إمساكه، وأن المذي يكون بشهوة.
كما ينتقض وضوء السلس: إن لازمه أقل الزمان.
وإذا لم ينتقض وضوء السلس، فله أن يصلي به ما شاء إلى أن يوجد ناقض غيره، لكن يستحب للسلس والمستحاضة: أن يتوضأ لكل صلاة، ولا يجب عليهما.
٣ - مذهب الحنابلة (١):
لا ينتقض وضوء المبتلى صاحب الحدث الدائم بسلس بول وكثرة مذي ونزف الدم وانفلات ريح ونحوها كالمستحاضة. وذلك إذا دام حدثه، ولم ينقطع زمناً من وقت الصلاة بحيث يسعها مع الطهارة. فإن انقطع حدثه زمناً يسع الصلاة والطهارة، وجب عليه أداء الصلاة فيه.
стр. 428
لكن عليه الوضوء إن خرج منه شيء من حدثه الدائم لكل صلاة، بعد غسل محل الحدث، وشدِّه، والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه، ولا يصح وضوءه إلا بعد دخول وقت الصلاة؛ لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت» (١) وفي لفظ: «توضئي لوقت كل صلاة» (٢) ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم، فإن توضأ قبل دخول الوقت وخرج منه شيء بطلت طهارته.
ويجوز للمستحاضة وغيرها الجمع بين فرضي الصلاتين بوضوء واحد؛ لأن النبي ﷺ «أمر حَمْنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد» (٣) وأمر به سهلة بنت سهيل، ولبقاء وضوئها إلى آخر الوقت، وكالمتيمم وأولى. ولو زال العذر كأن انقطع دم المستحاضة وقتاً يسع الوضوء والصلاة، بطلت الطهارة ويلزم استئنافها؛ لأنه صار بهذا الانقطاع في حكم من حدثه غير دائم.
وكيفية إعداد المعذور للوضوء: هي أن تغسل المستحاضة المحل ثم تحشوه بقطن أو نحوه ليرد الدم. ومن به سلس البول أو كثرة المذي: يعصب رأس ذكره بخرقة ويحترس حسبما يمكنه.
وكذلك يفعل من به ريح أو نزف دم يعصب المحل. فإن كان مما لا يمكن عصبه مثل من به جرح لا يمكن شده، أو باسور، أو ناسور لايتمكن من عصبه، صلى على حسب حاله، كما روي عن عمر ﵁ «أنه حين طعن، صلى وجرحه يثْعَب دماً» أي يتفجر.
وينوي المعذور استباحة الصلاة، ولا يكفيه نية رفع الحدث لأنه دائم الحدث.
стр. 429
٤ - مذهب الشافعية (١):
صاحب السلَس الدائم من بول أو مذي أو غائط أو ريح، والمستحاضة، يغسل الفرج ثم يحشوه إلا إذا كان صائماً، أو تأذت المستحاضة به، فأحرقها الدم فلا يلزم الحشو حينئذ، ثم يعصِب. وكيفية العصب للمستحاضة مثلاً: أن تشد فرجها بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين، تخرج أحدهما من أمامها، والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة.
ثم يتوضأ أو يتيمم عقب ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ووضوء، يفعل كل ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ووضوء، يفعل كل ذلك بعد دخول وقت الصلاة، لأنه طهارة ضرورة، فلا تصح قبل الوقت كالتيمم.
ثم يبادر وجوباً إلى الصلاة تقليلاً للحدث، فلو أخر لمصلحة الصلاة كستر العورة، وأذان وإقامة، وانتظار جماعة، واجتهاد في قبلةوذهاب إلى مسجد، وتحصيل سترة، لم يضر، لأنه لا يعد بذلك مقصراً، وإلا كأن أخر لا لمصلحة الصلاة كأكل وشرب وغزل وحديث، فيضر التأخير على الصحيح، فيبطل الوضوء، وتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع إمكان الاستغناء عنه.
وتجب الطهارة وتجديد العصابة في الأصح، والوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالمتيمم لبقاء الحدث، ويصلي به ما شاء من النوافل فقط، وصلاة الجنازة لها حكم النافلة، لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لكل صلاة» ولو زال العذر وقتاً يسع الوضوء والصلاة، كانقطاع الدم مثلاً، وجب الوضوء، وإزالة ما على الفرج من الدم ونحوه.
стр. 430
وسلس المني: يلزمه الغسل لكل فرض.
ولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلاة، وجب بلا إعادة.
ولا يجوز للسلس: أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله.
وينوي المعذور استباحة الصلاة، لا رفع الحدث لأنه دائم الحدث، لا يرفعه وضوءه، وإنما يبيح له العبادة، كما قال الحنابلة.
وبه يتبين أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في أحكام وضوء المعذور، إلا أن الحنابلة ومثلهم الحنفية قالوا: يجوز بالوضوء الواحد صلاة أكثر من فرض في الوقت؛ لأن الواجب عندهم الوضوء لوقت كل صلاة. ولم يجز الشافعية الصلاة به إلا فرضاً واحداً؛ لأن الواجب عندهم تجديد الوضوء لكل فرض.
واتفق الجمهور (غير المالكية) على وجوب تجديد وضوء المعذور، وقال المالكية باستحباب الوضوء فقط. والوضوء يكون بعد دخول الوقت عند الشافعية والحنابلة، وفي غير صلاة الظهر عند الحنفية، أما صلاة الظهر فيجوز تقديم الوضوء لها على دخول الوقت، لسبقها بوقت مُهْمل.
المطلب التاسع - ما يحرم بالحدث الأصغر أو ما يمنع منه غير المتوضئ:
يحرم بالحدث الأصغر ثلاثة أمور: الصلاة ونحوها، والطواف، ومس المصحف وتوابعه، على تفصيل بين المذاهب (١).
١ - الصلاة ونحوها: يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلاة فرضاً أو
стр. 431
نفلاً، ونحوها، كسجود التلاوة، وسجود الشكر، وخطبة الجمعة، وصلاة الجنازة. لقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (١) «لا صلاة لمن لا وضوء له … » (٢).
٢ - الطواف بالبيت الحرام فرضاً أو نفلاً ؛ لأنه صلاة، لقوله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» (٣).
إلا أن الحنفية جعلوا الطهارة للطواف واجباً لا شرطاً في صحته، فيصح مع الكراهة التحريمية الطواف محدثاً؛ لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة بنص الحديث السابق، ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقة، فلكونه طوافاً حقيقة يحكم بالجواز، ولكونه شبيهاً بالصلاة يحكم بالكراهة.
٣ - مس المصحف كله أو بعضه ولو آية: والمحرم هو لمس الآية ولو بغير أعضاء الطهارة لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة:٧٩/ ٥٦]، أي المتطهرون، وهو خبر بمعنى النهي، ولقوله ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر» (٤)، ولأن تعظيم القرآن واجب، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلَّها الحدث.
стр. 432
واتفق الفقهاء على أن غير المتوضئ يجوز له تلاوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه، كما أجازوا للصبي لمس القرآن للتعلم؛ لأنه غير مكلف، والأفضل التوضؤ.
وقد حرم المالكية والشافعية مس القرآن بالحدث الأصغر ولو بحائل أو عود، وأجاز الحنفية والحنابلة مسّه بحائل أو عود طاهرين.
وهذه عبارات الفقهاء:
قال الحنفية: يحرم مس المصحف كله أو بعضه أي مس المكتوب منه، ولو آية على نقود (درهم ونحوه) أو جدار، كما يحرم مس غلاف المصحف المتصل به، لأنه تبع له، فكان مسه مساً للقرآن، ولا يحرم مس الغلاف المنفصل عن القرآن كالكيس والصندوق، ويجوز مسه بنحو عود أو قلم أو غلاف منفصل عنه، ويكره لمسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس، والحائل كالخريطة في الصحيح، والمقصود بالخريطة: هو الوعاء من جلد أو غيره تُشرَج على ما فيها.
ولا يجوز لغير المسلم مس المصحف ويجوز له تعلمه وتعلم الفقه ونحوه، ويجوز للصبي مس القرآن أو لوح منه للضرورة من أجل التعلم والحفظ. ولا تحرم كتابة آية على ورقة، لأن المحرم هو مس المكتوب باليد، أما القلم فهو واسطة منفصلة، كالثوب المنفصل الذي يمس به القرآن؛ لأن المفتى به جواز مس المصحف بغلاف منفصل أو بصُرة.
ولا يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر، ويكره المس إن كان القرآن أكثر من التفسير أو مساوياً له.
ولا مانع من مس بقية الكتب الشرعية من فقه وحديث وتوحيد بغير وضوء، والمستحب له ألا يفعل. كما لا مانع من لمس الكتب السماوية الأخرى المبدلة،
стр. 433
لكن يكره قراءة توراة وإنجيل وزبور؛ لأن الكل كلام الله، وما بدل منها غير معين.
ويجوز قربان المرأة في بيت فيه مصحف مستور، ويكره وضع المصحف تحت رأسه إلا للحفظ. ويكره لف شيء في ورق فيه فقه ونحوه من علوم الشرع. ويدفن المصحف كالمسلم إذا صار بحال لا يقرأ فيه، ولا بأس أن تدفن كتب الشرع، أوتلقى في ماء جارٍ، أو تحرق، والأول أحسن. ويجوز محو بعض الكتابة ولو قرآناً بالريق، ويجوز حمل الحجب المشتملة على آيات قرآنية ودخول الخلاء بها ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلاف منفصل عنها كالمشمع ونحوه.
وقال المالكية: يمنع المحدث حدثاً أصغر من مس مصحف أو جزئه، أو كَتْبِه، أو حمله ولو بعلاقة أو ثوب أو وسادة، أو كرسي تحته، ولو كان المس بحائل أو عود، أو كان الحمل مع أمتعة أخرى غير مقصودة بالحمل. أما إن قصد حمل الأمتعة وفيها قرآن تابع لها كصندوق ونحوه، فيجوز الحمل، أي إن قصد المصحف فقط أو قصده مع الأمتعة حرم الحمل، وإن قصد الأمتعة بالحمل جاز.
ويجوز المس والحمل لمعلم ومتعلم بالغ، وإن كان حائضاً أو نفساء، لعدم قدرتهما على إزالة المانع، ولايجوز ذلك للجنب لقدرته على إزالة المانع بالغسل أو التيمم.
كما يجوز للمسلم لا للكافر المس والحمل بحِرْز ساتر واقٍ، ولو لجنب أو حائض، ولو مصحفاً كاملاً. ويباح مس التفسير وحمله والمطالعة فيه للمحدث ولو كان جنباً، لأن المقصود من التفسيرمعاني القرآن، لا تلاوته.
وقال الشافعية: يحرم حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه، وجلده، المتصل به (لا المنفصل عنه)، ووعائه (خريطته) (١) وعلاقته، وصندوقه، وما كتب
стр. 434
من الألواح لدارس قرآن، ولو بخرقة، أو بحائل. ويحل حمل القرآن في أمتعة لا بقصده، وحمل التفسير الأكثر منه، أما إذا كانا متساويين أو كان القرآن أكثر فلا يجوز، ويجوز حمل كتب العلم الأخرى غير التفسير المشتملة على آيات قرآنية.
ويباح قلب ورقه بعود. ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة.
ويجوز حمل التمائم، وما على النقد، وما على الثياب المطرزة بالآيات القرآنية ككسوة الكعبة لأنه لم يقصد به القرآن.
ويجوز للمحدث كتابة القرآن بدون مس.
ويحرم وضع شيء على المصحف كخبز وملح؛ لأن فيه إزراء وامتهاناً له. ويحرم تصغير المصحف والسورة لما فيه من ايهام النقص، وإن قصد به التعظيم.
وقال الحنابلة: يحرم مس المصحف ولو آية منه، بشيء من جسده، ويجوز مسه بحائل أو عود طاهرين، وحمله بعلاقة أو وعاء، ولو كان المصحف مقصوداً بالحمل، وكتابته ولو لذمي من غير مس، وحمله بحرز ساتر طاهر.
ولا يجوز لولي الصبي تمكينه من مس المصحف أو لوح الدرس القرآني ولو للحفظ أو التعلم، ما دام الصبي محدثاً، أي أن حرمة مس القرآن إلا بطهارة تشمل عندهم الصبي.
ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها وإن كان فيها آيات من القرآن، بدليل «أن النبي ﷺ كتب إلى قيصر كتاباً فيه آية» (١). يجوز في أرجح الوجهين: مس الدراهم المكتوب عليها القرآن، والثوب المرقوم بالقرآن، لأنها لا تسمى قرآناً، ولأن في الاحتراز منها مشقة، فأشبهت ألواح الصبيان على أحد الوجهين.
стр. 435
وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء، تيمم وجاز مسه.
ويمنع الكافر (الذمي أو غيره) من مس القرآن ومن قراءته ومن تملكه ويمنع المسلم من تمليكه له، ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم، ويحرم توسد المصحف والوزن به والاتكاء عليه أو على كتب العلم التي فيها القرآن. فإن لم يكن فيها القرآن، كره توسدها والوزن بها والاتكاء عليها، إلا إن خاف عليها سرقة، فلا بأس أن يتوسدها للحاجة.
ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم» (١).
والخلاصة: أنه وقع الإجماع ما عدا داود أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمس المصحف. وأما المحدث حدثاً أصغر فلم تدل الأدلة قطعاً على منعه من مس القرآن، لكن أكثر الفقهاء على أنه لا يجوز له. وأجاز ابن عباس والزيدية له مس المصحف (٢). والظاهر أن المراد من آية ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة:٧٩/ ٥٦] هو اللوح المحفوظ، والمطهرون: الملائكة، فإن لم يكن ظاهراً فهو احتمال، كاحتمال أن المراد من كلمة (طاهر) في الحديث «لا يمس القرآن إلا طاهر»: هو المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة.
ويجوز للمحدث عند الجمهور غير المالكية كتابة المصحف أو بعض آيات منه، وإن لم يكن بقصد التعليم والتعلم، بشرط ألا يحمله الكاتب المحدث أو يمسه أثناء كتابته، وإلا حرم.
стр. 436
وحرَّم المالكية على المعتمد كتابةالقرآن أو بعض منه للمحدث كحمله ومسَّه.
ويجوز عند الجمهور غير الحنابلة للصبيان كتابة القرآن ومسّه بقصد التعليم والتعلم للضرورة أو الحاجة ودفعاً للمشقة.
وأجاز المالكية للحائض والنفساء قراءة القرآن وحمله ومسّه أثناء التعليم والتعلم للضرورة، كما أجازوا لهما القراءة في غير حال التعلم إذا كان يسيراً كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين وآيات الرُّقية للتداوي بقصد الاستشفاء بالقرآن.
المبحث الثاني - السواك:
تعريفه، حكمه، كيفيته، فوائده.
أولاً - تعريف السواك: السواك لغة: الدلك وآلته. وشرعاً: استعمال عود أو نحوه كأشنان وصابون، في الأسنان وما حولها، ليذهب الصفرة وغيرها عنها.
ثانياً - حكمه: السواك من سنن الفطرة (أي من السُّنَّة أو من الدين)، لأنه سبب لتطهير الفم وموجب لرضا الله على فاعله، قال ﵇: «السواك مَطْهرة للفم، مَرْضاة للرب» (١) وهو يدل على مطلق شرعيته دون تخصيص بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فهو مسنون في كل وقت. وهو من السنن المؤكدة، وليس بواجب في حال من الأحوال، لقوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل
стр. 437
صلاة» وفي رواية لأحمد: «لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» (١) وللبخاري تعليقاً بصيغة الجزم - وتعليقاته هكذا صحيحة -: «لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» قال بعض الفقهاء: اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث الشارع ومواظبته عليه، وترغيبه وندبه إليه.
وحكمه عند الفقهاء: أنه سنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضة، ومن فضائل الوضوء قبل المضمضة عند المالكية، لقوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (٢) إلاأنه إذا نسيه عند المضمضة في الوضوء فيندب للصلاة. وهو لدى الشافعية والحنابلة سنة مستحبة عند كل صلاة، لحديث أبي هريرة السابق برواية الجماعة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وسنة أيضاً عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضمضة ولتغير الفم أو الأسنان، بنوم أو أكل أو جوع أو سكوت طويل أو كلام كثير، لحديث حذيفة: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (٣) أي يدلكه بالسواك، وقيس بالنوم غيره بجامع التغير.
وكما أنه يتأكد للصلاة ولتغير الفم واصفرار الأسنان، يتأكد أيضاً لقراءة قرآن، أو حديث شرعي، ولعلم شرعي، ولذكر الله تعالى، ولنوم ويقظة، ولدخول منزله، وعند الاحتضار (٤)، وفي السحَر، وللأكل، وبعد الوتر،
стр. 438
وللصائم قبل الظهر (١). وأضاف الشافعية: ويسن التخلل قبل السواك وبعده ومن آثار الطعام.
وأدلة ذلك: ما روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن عائشة: «كان النبي ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك» وروى ابن ماجه عن أبي أمامة: «إني لأستاك، حتى لقد خشيت أن أُحفي مقادم فمي» (٢) وعن عائشة: «كان رسول الله ﷺ لا يرقد من ليل أو نهار، فيستيقظ، إلا تسوك، قبل أن يتوضأ» (٣)، ولأن النوم والأكل ونحوهما يغير رائحة الفم، والسواك مشروع لإزالة رائحته وتطييبه.
ويكره عند الشافعية والحنابلة السواك للصائم بعد الزوال أي من وقت صلاة الظهر إلى أن تغرب الشمس، لخبر الصحيحين: «لخُلوف (٤) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه، فكرهت إزالته، وتزول الكراهة بالغروب؛ لأنه ليس بصائم الآن، واختصاصه بما بعد الزوال لأن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ.
ولا يكره عند المالكية والحنفية السواك للصائم مطلقاً لعموم الأحاديث السابقة الدالة على استحباب السواك، وقول النبي ﷺ : «من خير خصال الصائم السواك» (٥) وقال ربيعة بن عامر: «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك،
стр. 439
وهو صائم» (١) قال الشوكاني: الحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره، وهو مذهب جمهور الأئمة.
ثالثاً - كيفيته وأداته: يستاك الشخص بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن، عرضاً في الأسنان (أي ظاهراً وباطناً) من ثناياه إلى أضراسه، ويذهب إلى الوسط ثم الأيسر، وطولاً في اللسان، لحديث عائشة أن النبي ﷺ «كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطُهوره، وفي شأنه كله» (٢) ولخبر «إذا استكتم فاستاكوا عرضاً» (٣)، ويجزئ الاستياك في الأسنان طولاً، لكن مع الكراهة؛ لأنه قد يدمي اللثة، ويفسد لحم الأسنان.
أما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولاً، كما ذكره ابن دقيق العيد مستدلاً بخبر في سنن أبي داود (٤).
وقال الحنابلة: يبدأ من أضراس الجانب الأيمن بيساره. ويحصل الاستياك بعود ليِّن من نخل أو غيره، ينقي الفم، ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه كالأراك والفرشاة، والأفضل أن يكون من أراك، ثم من النخل، ثم ذو الريح الطيب ثم اليابس المندى بالماء، ثم العود. ولا يكره بسواك الغير إذا أذن وإلا حرم، روى أبو داود عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يستنُّ، وعنده رجلان،
стр. 440
أحدهما أكبر من الآخر، فأُوحي إليه في فضل السواك (أن كبِّر) أعط السواك أكبرهما».
ويحصل أيضاً بالإصبع عند عدم السواك في رأي الحنفية والمالكية، قال علي ﵁: التشويص بالمُسبِّحة والإبهام سواك، وروى البيهقي وغيره من حديث أنس يرفعه: «يجزي من السواك الأصابع» (١) وروى الطبراني عن عائشة ﵂، قلت: يا رسول الله، الرجل يذهب فوه، يستاك؟ قال: نعم، قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل أصبعه في فيه، فيدلكه» (٢).
ولا يحصل السواك بالإصبع في الأصح عند الشافعية، والحنابلة، كما لايحصل بخرقة عند الحنابلة، ويصح بكل خشن عند الشافعية؛ لأن استعمال الإصبع لا يسمى استياكاً، ولم يرد الشرع به، ولا يتحقق به الإنقاء الحاصل بالعود.
ويغسل السواك بالماء بعد استعماله ليزيل ما عليه، قالت عائشة: «كان نبي الله ﷺ يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه» (٣).
ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الريحان ولا الأعواد الذكية الرائحة؛ لأنها تضر بلحم الفم، ولايحصل الإنقاء بها، ولم يرد بها الشرع، قال النبي ﷺ :
стр. 441
«لا تخللوا بعود الريحان، ولا الرمان، فإنهما يحركان عرق الجذام». (١)
ولا يستاك أيضاً بقصب الشعير ولا بعود الحلفاء ونحوهما من كل ما يضر أو يجرح؛ ولأنهما يورثان الأكلة أو البرص.
ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله، لئلا يتضرر منه.
ويقول إذا استاك: (اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي) (٢).
وقال بعض الشافعية: وينوي به الإتيان بالسنة.
ولا يكره السواك في المسجد، لعدم الدليل الخاص بالكراهة.
ويكره أن يزيد طول السواك على شبر، في البيهقي عن جابر قال: «كان موضع سواك رسول الله ﷺ موضع القلم من أذن الكاتب».
رابعاً - فوائد السواك: ذكر العلماء من فوائد السواك: أنه يطهر الفم، ويرضي الرب، ويبيض الأسنان، ويطيب النكهة، ويسوِّي الظهر، ويشد اللثة، ويبطئ الشيب، ويصفي الخلقة، ويذكي الفطنة، ويضاعف الأجر، ويسهل النزع، ويذكّر الشهادة عند الموت (٣). ونحو ذلك، مما يصل إلى بضع وثلاثين فضيلة، نظمها الحافظ ابن حجر (٤).
стр. 442
ويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر الأسنان، والقَلَح (الطبقة الصفراء على الأسنان)، والتهابات اللثة والفم، ومنع الاختلاطات العصبية والعينية والتنفسية والهضمية، بل ومنع ضعف الذاكرة وبلادة الذهن، وشراسة الأخلاق.
ما يلحق بالسواك من سنن العادات الحسنة (سنن الفطرة):
ورد في السنة النبوية أحاديث تبين مجموعة حسنة من الآداب أو السنن الدينية المرتبطة بنظافة أجزاء الإنسان من أشعار وأظفار ونحوها، يحسن ذكرها كما وردت، ثم تشرح وتوضح على طريقة الفقهاء.
ومن أهم هذه الأحاديث اثنان: الأول ذكر فيه خمس خصال من الفطرة، والثاني ذكر فيه عشر خصال:
سنن الفطرة الخمس:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار» (١).
والاستحداد: هو حلق العانة، وهو سنة بالاتفاق، ويكون بالحلق، والقص، والنتف، والنورة (الكلس). قال النووي: والأفضل الحلق. والمراد بالعانة: الشعر النابت حول فرج الرجل، أو فرج المرأة.
والخِتَان: قطع جميع الجلدة التي تغطي حشفة ذكر الرجل، حتي ينكشف جميع الحشفة. وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج. ويسمى ختان الرجل إعذاراً، وختان المرأة: خفضاً، فالخفض للنساء كالختان للرجال.
стр. 443
ويستحب أن يكون في اليوم السابع من الولادة، والأظهر أنه يحسب يوم الولادة. وهو سنة للرجل، مكرمة للمرأة عند الحنفية والمالكية، لحديث: «الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء» (١).
وواجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والأنثى، لقوله ﷺ لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (٢) ولخبر أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أسلم فليختتن» (٣) وفي حديث آخر لأبي هريرة: «اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقَدُّوم» (٤) أي آلة النجارة، ولأنه من شعار المسلمين، فكان واجباً كسائر شعاراتهم.
والدليل على أنه مكرمة لا واجب للنساء عند الحنابلة: حديث: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء» وحديث «أشمِّي ولا تنهكي» (٥) وفي حديث أم عطية: «إذا خَفَضْتِ فأشِمِّي».
وقص الشارب: هو سنة بالاتفاق. والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه، أو يوليه غيره، لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة.
والمراد به عند الشافعية والمالكية: التقصير بأن يؤخذ من الشارب حتى يبدو
стр. 444
أطراف الشفة، وهو معنى الحديث «احْفُوا الشوارب وأرْخوا اللحى، خالفوا المجوس» (١) أو «جزوا الشوارب».
ويراد به عند الحنفية: الاستئصال، لظاهر الحديث السابق: «احفوا وانهَكُوا».
ويخير عند الحنابلة بين القص والإحفاء، والحف أولى نصاً.
أما إرخاء أو إعفاء اللحية: فهو تركها وعدم التعرض لها بتغيير، وقد حرم المالكية والحنابلة حلقها، ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ولا أخذ ما تحت حلقه، لفعل ابن عمر (٢).
ويكره حلقها تحريماً عند الحنفية، ويكره تنزيهاً عند الشافعية، فقد ذكر النووي في شرح مسلم عشر خصال مكروهة في اللحية، منها حلقها، إلا إذا نبت للمرأة لحية، فيستحب لها حلقها.
ونتف الإبط: هو سنة بالاتفاق أيضاً.
وتقليم الأظافر: هو سنة بالاتفاق أيضاً.
ويستحب في كل ما سبق البدء بالجانب الأيمن، لحديث التيامن المتقدم، وفيه: «كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله».
стр. 445
خصال الفطرة العشر:
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء يعني الاستنجاء، قال الراوي مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة» (١) وقال النووي عن العاشرة: لعلها الختان، وهو أولى.
وقد سبق بيان هذه الخصال في الحديث السابق وفي سنن الوضوء، أما غسل البراجم: فهو سنة مستقلة ليست بواجبة، والبراجم: عقد الأصابع ومعاطفها كلها. قال العلماء: ويلحق بالبراجم: ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ، فيزيله بالمسح ونحوه.
وأما انتقاص الماء فهو الاستنجاء، وفي رواية: الانتضاح: وهو نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس.
آراء الفقهاء في خصال الفطرة:
بناء على ما ورد في الحديثين السابقين وغيرهما قال الفقهاء (٢):
١ - الطيب والظفر والكحل: يسن الادهان في بدن وشعر غِبَّاً: يوماً فيوماً، والاكتحال وتراً في كل عين قبل النوم، والوتر: ثلاثة في العين اليمنى،
стр. 446
وثلاثة في اليسرى، وتقليم الأظافر بادئاً - كما يرى الشافعية - بسبابة يده اليمنى إلى الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليسرى إلى الإبهام. ويستحب سل رؤوس الأصابع بعد قص الأظافر تكميلاً للنظافة، وينبغي دفن الشعر والأظافر وإن رمى به فلا بأس. وقطع الظفر بالأسنان مكروه يورث البرص.
والدليل لما سبق بالترتيب: أنه ﵇ «نهى عن الترجل إلا غِبَّاً» (١). وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه «كان يكتحل بالإثْمِد (حجر للكحل معروف)، كل ليلة، قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال» (٢).
وتقليم الأظفار من سنن الفطرة، في الحديثين السابقين. والمرأة تتطيب في بيتها، وتمنع من الطيب في غير بيتها لأنه يؤدي إلى الفتنة والفساد. قال الحنفية: قلم الأظفار سنة إلا في دار الحرب فإن تركها مندوب إليه.
٢ - الانتعال وإطالة الثياب: يكره بلا عذر المشي في نعل واحد للنهي الصحيح عنه، ولئلا يختل توازنه ومشيه، كما يكره الانتعال قائماً للنهي الصحيح عنه، ولأنه يخشى منه السقوط.
ويكره إطالة العَذَبة (طرف العمامة) والثوب والإزار عن الكعبين، لا للخيلاء، وإلا حرم. ولا يكره إرسال العَذَبة ولا عدمه، كما لا يكره للمرأة إرسال ثوبها على الأرض ذراعاً.
стр. 447
٣ - الختان: سنة عند الحنفية والمالكية: واجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والأنثى، كما بينا في شرح الحديث السابق. ويجب للذكر والأنثى في رأي الحنابلة عند البلوغ ما لم يخف على نفسه، لقول ابن عباس: «وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» (١).
والختان في الصغر أفضل منه عند التمييز، لأنه أسرع برءاً.
ويكره الختان قبل اليوم السابع من الولادة.
ويجوز أن يختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه، لأنه قد روي أن إبراهيم ﵇ ختن نفسه.
٤ - الشعر: يسن الامتشاط غِبّاً كالادهان، ويفعله كل يوم لحاجة لخبر أبي قتادة عند النسائي. واللحية كالرأس في ذلك.
ويسن قص الشارب وإعفاء اللحية ونتف الإبط، لأنها من خصال الفطرة في الحديث السابق. ويكون ذلك مع تقليم الأظفار وحلق العانة يوم الجمعة، وقيل: يوم الخميس، وقيل: يخير. ويدفن الشعر والظفر والدم، لما ثبت عن النبي ﷺ (٢).
ويفعل ما ذكر كل أسبوع، لأن النبي ﷺ «كان يأخذ أظفاره وشاربه كل
стр. 448
جمعة» (١) فالأفضل أن يقلم أظفاره ويحفي شاربه ويحلق عانته وينظف بدنه بالاغتسال في كل أسبوع مرة.
ويكره ترك التقليم، والحلق لشعر الرأس والعانة، والنتف فوق أربعين يوماً، ويستحب حلق الرأس في كل جمعة، ويكره القزَع وهو أن يحلق البعض ويترك البعض قطعاً مقدار ثلاثة أصابع، وعن أبي حنيفة: يكره أن يحلق قفاه إلا عند الحجامة. وحلق الشعر وقص الأظفار حال الجنابة مكروه.
وكان هديه ﷺ في حلق رأسه: تركه كله أو حلقه كله، ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه. ويسن أن يغسله ويسرحه متيامناً لحديث «من كان له شعر فليكرمه» (٢) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الأمصار على إباحة الحلق، أي حلق الذكر رأسه ولو لغير نسك وحاجة.
ويكره نتف الشيب، لحديث «نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشيب، وقال: إنه نور الإسلام» (٣). ويكره أيضاً نتف اللحية إيثاراً للمردودة، ويكره القَزَع: وهو حلق بعض الرأس - كما تقدم - للنهي عنه، ويكره حلق القفا منفرداً عن الرأس إذا لم يحتج إليه لحجامة أو غيرها - كما تقدم -، لأنه من فعل المجوس. ويخضب الشيب بحمرة أو صفرة، اتباعاً للسنة (٤)، ويكره أو يحرم بسواد إلا في حالة الحرب لإرهاب الكفار.
وللمرأة المزوجة أن تخضب يديها ورجليها بالحنَّاء إن أحب ذلك زوجها.
стр. 449
ويكره للمرأة حلق رأسها وقصه تماماً من غير عذر، قال عكرمة: «نهى النبي ﷺ أن تحلق المرأة رأسها» (١)، فإن كان ثَمَّ عذر كقروح لم يكره. ويحرم حلقها رأسها لمصيبة كلطم خد وشق ثوب ويجوز للمرأة قص شعرها لما دون الأذن، حتى لاتتشبه بالرجال، ولها التجمل لزوجها أو للنساء بمختلف أنواع التسريحات، ما لم تقصد التشبه بالكافرة أو الساقطة.
٥ - التزين: لا بأس بالنظر في المرآة، ويقول حينئذ: (اللهم كما حسَّنت خَلْقي، فحسِّن خُلُقي، وحرِّمْ وجهي على النار) (٢).
ويكره ثقب أذن صبي، لا بنت نصاً، لحاجتها للتزين بخلافه.
ويحرم نمص (وهو نتف الشعر من الوجه)، ووَشْر (أي برد الأسنان لتحدد وتفلج وتحسن)، ووشْم (وهو غرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم ثم حشوه كحلاً أو نيلة ليخضر أو يزرق بسبب الدم الحاصل بغرز الإبرة)، ووصل شعر بشعر، لقوله ﷺ : «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله» (٣) أي الفاعلة، والمفعول بها ذلك بأمرها، واللعنة
стр. 450
على الشيء تدل على تحريمه؛ لأن فاعل المباح لا تجوز لعنته. وعلى هذا فلا يجوز وصل شعر المرأة بشعر آخر لهذا الحديث، وأما وصله بغير الشعر: فإن كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس به، لأن الحاجة داعية إليه، ولا يمكن التحرز منه، كذلك لا يحرم في الأصح ما يزيد عن الحاجة إن كان فيه مصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة. وقال مالك: الوصل ممنوع بكل شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، لحديث جابر: «أن النبي ﷺ زجر أن تصل المرأة برأسها شيئاً» (١).
وقد فصل الشافعية والحنابلة في موضوع وصل الشعر، فقالوا: إن وصلت المرأة شعرها بشعر آدمي، فهو حرام بلا خلاف، سواء أكان شعر رجل أم امرأة، وسواء أكان شعر قريب محرم أم زوج أم غيرهما لعموم الأدلة، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه.
وإن وصلته بشعر غير آدمي: فإن كان شعراً نجساً، وهو عندهم: شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضاً للحديث، ولأنه حمل نجاسة في صلاتها وغيرها عمداً. وهاتان الحالتان يستوي فيهما المرأة المزوجة وغيرها من النساء، والرجال. لكن الأوجه عند الشافعية أنه يجوز التنميص بإذن الزوج؛ لأن له غرضاً في تزيينها له، وقد أذن لها فيه (٢).
وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي: فإن لم يكن لها زوج فالوصل حرام أيضاً، وإن كان لها زوج يجوز لها في الأصح بإذن الزوج، وإلافهو حرام.
وأما نتف الشعر (النَّمْص) فهو حرام مطلقاً، إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب، فلا يحرم إزالتها، بل يستحب، كما قال النووي وغيره.
стр. 451
والتحريم المذكور في الحديث إذا كان لقصد التحسين، لا لداء وعلة، فإنه ليس بمحرم. والمحرم فقط هو نتف الشعر من الوجه، وللمرأة حلق الوجه وحفه نصاً، ولها تحسين شعرها وتحميره ونحوه من كل ما فيه تزيين للزوج، ولها التحذيف، أي إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة، ويكره ذلك، كما يكره حف الوجه للرجل.
وينبني على ذلك أنه يحرم قلع سن أو إصبع زائدة أو عضو زائد؛ لأنه من تغيير خلق الله، قال القاضي عياض: إلا أن تكون هذه الزوائد مؤلمة ويتضرر بها، فلا بأس بنزعها، واستثنى الطبري ما يحصل به الضرر والأذية، كالسن الزائدة أو الطويلة التي تعوق في الأكل أو الأصبع الزائدة التي تؤذي أو تؤلم، سواء للمرأة أو للرجل (١).
ويكره كسب الماشطة ككسب الحمامي، ويحرم على النساء التشبه بالمردان، كما يحرم على المردان التشبه بالنساء.
ويكره كما تقدم نتف الشيب من المحل الذي لا يطلب منه إزالة شعره، لخبر الترمذي وحسنه: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم يوم القيامة».
٦ - تغطية الإناء: يسن تخمير الإناء أي تغطيته، ولو بعود، لحديث: «أوك سِقاك، واذكر اسم الله، وخمِّر إناءك، واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه عوداً» (٢) وحكمة وضع العود: أن يعتاد تخميره ولا ينساه، وربما كان سبباً لرد دبيب بحباله، أو بمروره عليه. ويسن مع ذكر اسم الله إيكاء السقاء (ربط فم وعاء الماء) إذا أمسى، للخبر السابق.
стр. 452
٧ - النوم: يسن إغلاق الباب وإطفاء المصباح عند الرقاد، وإطفاء الجمر عند الرقاد مع ذكر اسم الله، للحديث السابق. وينفض الفراش عند إرادة النوم، ويسن وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ويجعل وجهه نحو القبلة على جنبه الأيمن، ويتوب إلى الله تعالى، ويقول ما ورد: (باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لي، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
ويستحب قراءة سورة السجدة (آلم)، وسورة الملك (تبارك)، وروى الإمام أحمد والترمذي والخلا ل عن جابر أنه ﷺ كان يفعل ذلك أي الدعاء والقراءة. ويستحب أيضاً قراءة آخر سورة البقرة: ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة:٢٨٥/ ٢] وآية الكرسي والمعوذتين وسورة الإخلاص، وإذا استيقظ من النوم نظر في السماء وقرأ آخر آل عمران: ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ [آل عمران:١٩٠/ ٣].
ويكره النوم على سطح ليس عليه حاجز، لنهيه ﵇ (١)، وخشية أن يتدحرج، فيسقط عنه.
ويكره نومه على بطنه وعلى قفاه (٢)، إن خاف انكشاف عورته.
ويكره النوم بعد العصر لحديث: «من نام بعد العصر، فاختل عقله، فلا يلومن إلا نفسه» (٣)، والنوم بعد الفجر، لأنه وقت قسْم الأرزاق، كما ثبت في السنة، والنوم تحت السماء متجرداً من ثيابه مع ستر العورة فقط، والنوم بين قوم
стр. 453
مستيقظين؛ لأنه خلاف المروءة، والنوم وحده لحديث «نهى عن الوحدة، وأن يبيت الرجل وحده» (١)، كما يكره السفر وحده، لخبر «الواحد شيطان» (٢).
والنوم والجلوس بين الظل والشمس، لنهيه ﵇ عنه (٣)، وفي الخبر: أنه مجلس الشيطان.
ويكره ركوب البحر عند هيجانه؛ لأنه مخاطرة.
وتستحب القائلة (٤) أو القيلولة: أي الاستراحةوسط النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، شتاء أو صيفاً.
ويقرأ عند الميت (يس) لحديث عند أبي داود وغيره، ويقرأ عند المريض الفاتحة والإخلاص والمعوذتين مع النفخ في اليدين ويمسحه بهما، كما ثبت في الصحيحين، ويقرأ الكهف يوم الجمعة وليلتها.
وسيأتي في بحث الحظر والإباحة مزيد بيان لأحوال الإنسان وعاداته في اللبس واستعمال الأواني والنظر واللمس واللهو والطعام والشراب.
المبحث الثالث - المسح على الخفين معناه ومشروعيته، كيفيته ومحله، وشروطه، مدته، مبطلاته، المسح على العمامة، المسح على الجوارب، المسح على الجبائر.
أولاً - معنى المسح على الخفين ومشروعيته: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين في الوضوء، ومعناه لغة: إمرار
стр. 454
اليد على الشيء. وشرعاً: إصابة اليد المبتلة بالماء (البِلَّة) لخف مخصوص في موضع مخصوص، وفي زمن مخصوص، والخف شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه. والموضع المخصوص: ظاهر الخفين لا باطنهما، والزمن المخصوص: هو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر (١). ولم يحدد المالكية مدة للمسح كما سيأتي بيانه، كما أن الإمامية حال تجويزه للضرورة لم يقدروا مدة المسح بيوم ولا ثلاثة أيام.
وصفة المسح: أنه شرع رخصة، وهو جائز في المذاهب الأربعة في السفر والحضر، للرجال والنساء (٢)، تيسيراً على المسلمين، وبخاصة في وقت الشتاء والبرد، وفي السفر، ولأصحاب الأعمال الدائمة كالجنود والشرطة والطلاب المواظبين على العمل في الجامعات ونحوهم.
وقد ثبتت مشروعيته بالسنة النبوية في طائفة من الأحاديث منها:
١ - حديث علي ﵁ قال: «لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» وقال علي أيضاً: «جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم» (٣).
٢ - حديث المغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ (٤)، فتوضأ، فأهويت
стр. 455
لأنزع خفيه، فقال: دعهما،
فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما» (١).
٣ - حديث صفوان بن عَسَّال، قال: أمرنا، يعني النبي ﷺ أن نمسح على الخفين، إذا نحن أدخلناهما على طُهْر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول، ولا نخلعهما إلا من جنابة» (٢).
٤ - حديث جرير، أنه بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: «نعم رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه» (٣). ومن المعروف أن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة التي فيها آية الوضوء.
قال النووي في شرح مسلم: وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة. وصرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة المبشرون بالجنة. وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة. وقال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين (٤) والقول بالمسح قول أمير المؤمنين علي ﵁ وسعد بن أبي وقاص وبلال وحذيفة وبريدة وخزيمة بن ثابت وسلمان وجرير البجلي وغيرهم.
وقد أنكر الشيعة الإمامية والزيدية والإباضية والخوارج مشروعية المسح على
стр. 456
الخفين (١)، والأدق أن يقال: إن الإمامية لا يجيزون المسح مع الاختيار، ويجيزونه للضرورة عند الخوف والتَّقية، أما الخوارج فلا يجوز عندهم ولو لضرورة.
والواجب في المسح عند الحنفية (٢): هو قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، على ظاهر مقدم كل رجل، مرة واحدة، اعتباراً لآلة المسح، فلا يصح على باطن القدم، ولاعقبه، ولا جوانبه وساقه. ولا يسن تكراره ولا مسح أسفله لأنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع.
واستدلوا على رأيهم بأدلة لا تخلو من مناقشة، بل هي واهية، منها:
١ - إنه منسوخ بآية الوضوء في سورة المائدة التي لم يذكر فيها المسح على الخفين، وإنما قال تعالى: ﴿وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ [المائدة:٦/ ٥] فعينت الآية مباشرة الرجلين بالماء.
روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: سبق الكتاب الخفين، وقال ابن عباس: ما مسح رسول الله ﷺ بعد المائدة. ورد: بأن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق، فإن كان المسح على الخفين ثابتاً قبل نزولها، فورودها بغسل الرجلين، أو مسحهما على رأي الإمامية دون التعرض للمسح، لا يوجب نسخ المسح على الخفين. وإن كان المسح غير ثابت قبل نزولها فلا نسخ قطعاً. ثم إن إسلام جرير راوي الحديث السابق كان بعد نزول المائدة كما بينا، وقد رأى الرسول ﵇ يمسح على خفيه، ومن شرط النسخ تأخر الناسخ.
والخلاصة: أن آية الوضوء نزلت في غزوة المُرَيسيع، ومسحهصلّى الله عليه وسلم في غزوة تبوك (١)، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟!
وأما قول علي فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة، فهو منقطع، كذا ما روي عن
стр. 457
ابن عباس، مع أنه مخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح، وعارض حديثهماما هو أصح منهما، وهو حديث جرير البجلي.
٢ - الأخبار الواردة بمسح الخفين نسخت بآية المائدة التي ذكر فيها الوضوء.
والجواب: أن الآية عامة مطلقاً باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه، فتكون أحاديث الخفين مخصِّصة أو مقيدة، فلا نسخ، وتلك الأحاديث متواترة كما بينت، فتصلح مخصصة بالاتفاق، أي أن قوله تعالى ﴿وأرجلكم﴾ [المائدة:٦/ ٥] مطلق قيدته أحاديث المسح على الخف، أو عام خصصته تلك الأحاديث.
٣ - لم يذكر المسح على الخفين في أحاديث الوضوء، وإنما فيها كلها الأمر بغسل الرجلين، دون ذكر المسح، وفيها بعد غسل الرجلين: (لا يقبل الله الصلاة من دونه) وقوله ﵇ لمن لم يغسل عقبه: «ويل للأعقاب من النار».
والجواب: أن غاية ما اشتملت عليه الأحاديث الأمر بالغسل، دون حصر ولا قصر ينفي مشروعية غيره، ولو كان فيها ما يدل على الغسل فقط، لكانت مخصصة بأحاديث المسح المتواترة. وأما لفظ (لا يقبل الله الصلاة بدونه) فلم يثبت من وجه يعتد به. وأما حديث «ويل للأعقاب من النار» فهو وعيد لمن مسح رجليه، ولم يغسلهما، ولم يرد في المسح على الخفين.
وهو لا يشمل المسح على الخفين، لأنه يدع رجله كلها، ولا يدع العقب فقط. ثم إن أحاديث المسح مخصصة للماسح من ذلك الوعيد.
ويمكن أن يقال: قد ثبت في آية المائدة قراءة بالجر لأرجلكم عطفاً على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين كما بينت السنة، ويتم ثبوت المسح بالسنة والكتاب، وهو أحسن الوجوه التي توجه به قراءة الجر.
стр. 458
ثانياً - كيفية المسح على الخفين ومحله: كيفيته: الابتداء من أصابع القدم خطوطاً بأصابع اليد إلى الساق.
والواجب في المسح عند الحنفية (١): هو قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، على ظاهر مقدم كل رجل، مرة واحدة، اعتباراً لآلة المسح، فلا يصح على باطن القدم، ولاعقبه، ولا جوانبه وساقه. ولا يسن تكراره ولا مسح أسفله لأنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع.
والواجب عند المالكية (٢): مسح جميع أعلى الخف، ويستحب أسفله أيضاً. وعند الشافعية (٣): يكفي مُسمَّى مسح، كمسح الرأس، في محل الفرض وهو ظاهر الخف، لا أسفله وحرفه وعقبه؛ لأن المسح ورد مطلقاً، ولم يصح فيه تقدير شيء معين، فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه اسم المسح، كإمرار يد أو عود ونحوهما، أي يجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح، ويسن مسح أعلاه وأسفلِه وعقبه خطوطاً، كما قال المالكية.
وعند الحنابلة (٤): المجزئ في المسح: أن يمسح أكثر مقدم ظاهر الخف، خطوطاً بالأصابع، ولا يسن مسح أسفل الخف ولا عقبه، كما قال الحنفية. ودليلهم: أن لفظ المسح ورد مطلقاً، وفسره النبي ﷺ بفعله، فيجب الرجوع إلى تفسيره، وقد فسر المسح في حديث المغيرة بن شعبة - فيما يرويه الخلاّل بإسناده - قال: «ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع
стр. 459
يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين».
والخلاصة: أن الواجب هو مسح جميع ظاهر الخف عند المالكية، كسائر أعضاء الوضوء، وبمقدار ثلاث أصابع من اليد عند الحنفية كمسح الرأس في الوضوء، ومسح أكثر أعلى الخف عند الحنابلة لحديث المغيرة: «رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخفين» (١)
والواجب عند الشافعية: أقل ما يطلق عليه اسم المسح؛ لأن ما ورد في الشرع مطلقاً يتحقق بأي حالة من حالاته، والراجح تحقيق مدلول المسح على الخف، كالراجح في المسح بالرأس في الوضوء.
وسبب الاختلاف في مسح باطن الخف تعارض أثرين (٢):
أحدهما - حديث المغيرة بن شعبة، وفيه أنه ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله (٣)، وبه أخذ المالكية والشافعية.
والثاني - حديث علي السابق: «لو كان الدين يؤخذ بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» وبه أخذ الحنفية والحنابلة.
والفريق الأول: جمع بين الحديثين، فحمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب.
والفريق الثاني: ذهب مذهب الترجيح، فرجح حديث علي على حديث المغيرة، لأنه أرجح سنداً، ولأن المسح على الخف شرع مخالفاً للقياس، فيقتصر فيه على النحو الذي ورد به الشرع.
стр. 460
والثاني هو الأرجح في تقديري، وإن قال ابن رشد: والأسد في هذه المسألة هو مالك.
والخلاصة: أن محل المسح على الخف هو ظاهره وأعلاه ولا يمسح باطنه وأسفله عند الحنفية والحنابلة، ومحله المفروض عند المالكية والشافعية: هو أعلى الخف ويسن مسح أسفله معه.
سنة المسح: تبين مما ذكر أن للفقهاء رأيين في سنة المسح: قال الحنفية والحنابلة: يمسح خطوطاً بالأصابع بادئاً من ناحية الأصابع إلى الساق، لحديث المغيرة ﵁: «أن النبي ﷺ مسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح إلى أعلاه مسحة واحدة» (١).
فإن بدأ في المسح من ساقه إلى أصابعه، أجزأه.
ويسن مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليد اليسرى، لحديث المغيرة السابق.
وقال المالكية والشافعية: صفة المسح المندوبة: أن يضع باطن كف يده على أطراف أصابع رجله اليمنى، ويضع باطن كف يده اليسرى تحت أصابع رجليه (عند المالكية) وتحت العقب (عند الشافعية)، ثم يمر يديه إلى آخر قدمه، أي أنه يندب عندهم مسح أعلى الخف مع أسفله معاً، ولا يسن استيعابه بالمسح، ويكره تكراره وغسله؛ لأن ذلك مفسد للخف، ولو فعل ذلك أجزأه.