← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأهم هذه الآداب ما يأتي: ١ - استقبال القبلة؛ لأنها أشرف الجهات ولأنها حالة أرجى لقبول الدعاء، واعتبره الحنابلة والشافعية سنة، إذ لم يفرقوا بين السنة والأدب. ٢ - الجلوس في مكان مرتفع؛ تحرزاً عن الغسالة. وقال المالكية: يستحب إيقاع الوضوء في محل طاهر بالفعل، وشأنه الطهارة، فيكره الوضوء في بيت الخلاء أو الكنيف (دورة المياه) قبل استعماله (١)، كما يكره الوضوءفي غيره من المواضع المتنجسة بالفعل. ٣ - عدم التكلم بكلام الناس، بلا ضرورة؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور. ٤ - عدم الاستعانة بغيره إلا لعذر؛ كالصب ونحوه (٢)، لأنه الأكثر من فعله ﷺ (٣)، ولأنها نوع من الترفه والتكبر، وذلك لا يليق بالمتعبد، والأجر على قدر النَّصَب، وهي خلاف الأولى، وقيل: تكره. فإن كان ذلك لعذر كمرض فلا بأس، وقد أجازها النبي، بدليل حديث المغيرة بن شعبة: «أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن مُغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح الخفين» (٤)، وقال صفوان بن عَسَّال:

стр. 387

«صببت الماء على النبي ﷺ في السفر والحضر في الوضوء» (١) وقد دل هذان الحديثان على جواز الاستعانة بالغير، وبهما أخذ الحنابلة فقالوا بالإباحة. ٥ - تحريك الخاتم الواسع؛ مبالغة في الغسل، وروي عن أبي رافع: «أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ حرَّك خاتمه» (٢). ويندب أيضاً تحريك الخاتم الضيق إن علم وصول الماء، وإلا فيفرض تحريكه. وقد بينت أنه عند المالكية: لا يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه. ٦ - كون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى لشرفها، والامتخاط باليسرى لامتهانها. ٧ - التوضؤ قبل دخول الوقت مبادرة للطاعة، لغير المعذور. أما المعذور أو المتيمم فلا يندب له تعجيل الطهارة عند الحنفية، ويجب تأخيرها لما بعد دخول الوقت عند الجمهور. ٨ - إدخال الخنصر المبلولة في صماخ الأذنين؛ مبالغة في التنظيف. ٩ - مسح الرقبة بظهر يديه، لا الحلقوم عند الحنفية (٣)؛ لما روي عن ليث عن طلحة بن مُصرِّف عن أبيه عن جده أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القَذَال، وما يليه من مُقَدَّم العنق» (٤).

стр. 388

وقال جمهور الفقهاء: لا يندب مسح الرقبة، بل يكره؛ لأنه من الغلو في الدين. ١٠ - إطالة الغرة والتحجيل: إطالة الغرة: بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه، وغايتها: غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس. والتحجيل: بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب، وغايته استيعاب العضدين والساقين. وهذا مندوب عند الجمهور، لخبر الصحيحين: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل» وخبر مسلم: «أنتم الغُرُّ المحجَّلُون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غُرَّته وتحجيله» (١). وقال المالكية: لا تندب إطالة الغرة: وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء على محل الفرض، بل يكره، لأنه من الغلو في الدين، وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد، ويسمى ذلك أيضاً إطالة الغرة، كما حمل عليه الحديث السابق: «من استطاع منكم أن يطيل غرته» فقد حملوا الإطالة على الدوام، والغرة على الوضوء. فيتلخص أن إطالة الغرة له معنيان: الزيادة على المغسول، وإدامة الوضوء، الأول مكروه، والثاني مطلوب عندهم. ١١ - ترك التنشيف بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند

стр. 389

الشافعية: إبقاء لأثر العبادة، ولأنه ﷺ «بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل، فرده، وجعل يقول بالماء: هكذا، ينفضه» (١). وقال المالكية: المسح بالمنديل جائز، لحديث قيس بن سعد، قال: «زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فأمر له سعد بغُسْل، فوُضع له فاغتسل، ثم ناوله مِلْحفة مصبوغة بزعفران، أو وَرَس، فاشتمل بها» (٢). وعبارة الحنابلة: يباح للمتطهر تنشيف أعضائه (٣)، وتركه أفضل. وهذا هو الراجح. ١٢ - ترك النفض للماء في الأصح عند الشافعية والحنابلة؛ ويكره النفض عند بعض الحنابلة، وخلاف الأولى عند الشافعية، لحديث أبي هريرة: «إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان» (٤)، والأظهر عند الحنابلة أنه لا يكره وفاقاً للأئمة الثلاثة. ١٣ - تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء، لأن الإسراف في الماء مكروه. ١٤ - جعل الإناء المفتوح كالقَصْعة والطَّست عن يمين المتطهر، لأنه أعون في التناول.

стр. 390

١٥ - الإتيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء. قال الحنابلة: وكذا بعد الغسل. وهو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمد ك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إ ليك. ويسن الصلاة والسلام بعد الوضوء على النبي ﷺ ، فيقول: اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد. والنطق بالشهادتين لخبر مسلم وأبي داود وابن ماجه عن عمر مرفوعاً: «مامنكم من أحد يتوضأ فيبلِّغ، أو فيسبغ الوضوء (أي يتمه)، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». وزاد الترمذي على مسلم: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» وزاد فيه أيضاً: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» ورواه أحمد وأبو داود. وروى النسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: «من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقّ ثم طبع بطابَع (خاتم)، فلم يكسر إلى يوم القيامة» أي لم يتطرق إليه إبطال. قال السامري: ويقرأ سورة القدر ثلاثاً. وأما الدعاء عند غسل الأعضاء فلا أصل له في كتب الحديث، كما قال

стр. 391

النووي ﵀. واستحبه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأباحه بعض الشافعية. صفة وضوء النبي ﷺ : أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عثمان بن عفان ﵁: قال حُمْرانُ مولى عثمان: «إن عثمان دعا بإناء (٣)، فأفرغ على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستَنْثَر (٤)، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّثُ (٥) فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٦).

стр. 392

خلاصة المذاهب في سنن الوضوء وآدابه: ١ - مذهب الحنفية (١): أـ سنن الوضوء سبع عشرة: غسل اليدين إلى الرسغين، والتسمية والسواك في ابتداء الوضوء، والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة، والاستنشاق بثلاث غرفات، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، وتخليل الأصابع، وتثليث الغسل، واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، والدلك، والولاء، والنية، والترتيب كما نص الله تعالى في كتابه، والبداءة بالميامن ورؤوس الأصابع ومقدم الرأس. ب - آداب الوضوء خمسة عشر: مسح الرقبة لا الحلقوم، الجلوس في مكان مرتفع، واستقبال القبلة، وعدم الاستعانة بغيره، وعدم التكلم بكلام الناس، والجمع بين نية القلب وفعل اللسان، والدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو، وإدخال خنصره في صماخ أذنيه، وتحريك خاتمه الواسع، والمضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، والامتخاط باليسرى، والتوضؤ قبل دخول الوقت لغير المعذور، والإتيان بالشهادتين بعده، وأن يشرب من فضل الوضوء قائماً، وأن يقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. ومن آدابه قراءة سورة القدر (٢) وصلاة ركعتين في غير وقت الكراهة (٣) ومن الآداب: تعاهد موقية وكعبيه وعرقوبيه وإخمصيه.

стр. 393

٢ - مذهب المالكية (١): أ - سنن الوضوء ثمان: غسل اليدين مرة إلى الكوعين أولاً قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة، والاستنشاق بثلاث غرفات لكل منهما ومبالغة فيهما للمفطر، ولا بد لهذه السنن الثلاث من نية بأن ينوي بها سنن الوضوء، أو ينوي عند غسل يديه أداء الوضوء، والاستنثار (دفع الماء من الأنف)، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما مرة واحدة، وتجديد الماء لهما، ورد مسح الرأس إن بقي بيده بلل من أثر المسح الواجب لرأسه، وترتيب فرائضه الأربعة بتقديم غسل الوجه على اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فإن قدم فرضاً على موضعه المشروع له، أعاده وحده مرة ولا يعيد ما بعده. والمعتمد في ترك سنة ندب الإعادة دون ما بعدها، سواء طال الترك أو لا، لكن من ترك فرضاً من فرائض الوضوء أو الغسل غير النية، أو ترك لمعة (بقعة) أتى به وبما بعده من الأعضاء إن لم يطل الترك، فإن طال بطل كل الفرض لعدم الموالاة الواجبة. ب - فضائل الوضوء عشر: أي خصاله وأفعاله التي يثاب عليها ولا يعاقب على تركها: إيقاع الوضوء موضع طاهر بالفعل وشأنه الطهارة، واستقبال القبلة، والتسمية بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم الله، وتقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء (٢)، وتقديم اليد أو الرجل اليمنى على اليسرى، وجعل الإناء المفتوح

стр. 394

كالقصعة والطست لجهة اليد اليمنى، والبدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو، والغسلة الثانية والثالثة في السنن والفرائض حتى في الرِّجْل، وترتيب السنن مع بعضها أو مع الفرائض، واستياك ولو بأصْبُع. ٣ - مذهب الشافعية (١): سنن الوضوء حوالي ثلاثين: السواك عرضاً بكل خشن لا أصبُعه في الأصح لغير صائم بعد الزوال، والتسمية مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين (٢)، والتلفظ بالنية واستصحابها، وغسل الكفين: فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في مائع أو ماء قليل قبل غسلهما ثلاث مرات، والمضمضة، والاستنشاق، والأفضل - في الأظهر كما رجح النووي خلافاً للرافعي - الجمع بينهما بثلاث غرفات يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق بباقيها، والمبالغة فيهما لغير الصائم، وتثليث كل من الغسل والمسح والتخليل والدلك والسواك (٣)، ومسح جميع رأسه أو بعضه ويتم على العمامة، ثم مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وصماخيه بماء جديد. وتخليل اللحية الكثة وأصابع اليدين بالتشبيك وأصابع الرجلين بخنصر اليسرى من أسفل خنصر الرجل اليمنى إلى خنصر اليسرى، والتتابع (الموالاة) والتيامن، وإطالة غرته وتحجيله، وترك النفض والاستعانة بالصب إلا لعذر والتنشيف في الأصح، وتحريك الخاتم (٤)، والبداءة بأعلى الوجه، والبداءة في اليد

стр. 395

والرجل بالأصابع (١)، ودلك العضو، ومسح المأقين (طرفي العين مما يلي الأنف) (٢) واستقبال القبلة، ووضع الإناء في حالة الاغتراف فيه عن يمينه إن كان واسعاً، فإن صب منه وضعه عن يساره، وألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ (٦٧٥ غم). وألا يتكلم في جميع وضوئه إلا لمصلحة، ولا يلطم وجهه بالماء، ولا يمسح الرقبة، وأن يقول بعده: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، ويسن أن يقول بعده: وصلى الله وسلم على محمد وآل محمد، ويقرأ سورة القدر، ويصلي ركعتين. ٤ - مذهب الحنابلة (٣): جملة سنن الوضوء حوالي عشرين: استقبال القبلة، والسواك عند المضمضة، وغسل الكفين ثلاثاً لغير قائم من نوم ليل، ويجب ذلك للمستيقظ ليلاً، والبداءة قبل الوجه بالمضمضة، ثم الاستنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، والمبالغة في سائرالأعضاء لصائم وغيره، والاستنثار باليسار، وتخليل أصابع اليدين والرجلين، وتخليل شعر اللحية الكثيفة في الوجه، والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم الليل، وبين الأذنين، ومسح الأذنين بعد الرأس بماء جديد، ومجاوزة موضع الفرض، والغسلة الثانية والثالثة، وتقديم النية على مسنونات الوضوء، واستصحاب ذكرها إلى آخر الوضوء، وغسل باطن الشعور الكثيفة في

стр. 396

الوجه غير اللحية، وأن يزيد في ماء الوجه؛ لأن فيه غضوناً وشعوراً، ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه، وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونة، ويباح للمتطهر تنشيف أعضائه وتركه أفضل، ووضع الإناء الواسع عن يمينه ليغترف منه، وترك نفض الماء، ولا يكره فعله في الأظهر وفاقاً للأئمة الثلاثة، والدعاء (السابق عند الشافعية) عقب فراغه من الوضوء بعد رفع بصره إلى السماء (١)، وكذا يدعو به بعد الغسل. المطلب السادس - مكروهات الوضوء: المكروه عند الحنفية نوعان: مكروه تحريماً: وهو ما كان إلى الحرام أقرب، وتركه واجب. وهو المراد عندهم حالة الإطلاق. ومكروه تنزيهاً: وهو ما كان تركه أولى من فعله، أي خلاف الأولى. وكثيراً ما يطلقونه. وعلى هذا إذا ذكروا مكروهاً فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهياً ظنياً يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف عن التحريم إلى الندب. وإن لم يكن الدليل نهياً بل كان مفيداً للترك غير الجازم، فهي تنزيهية. ولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة، ويراد بها عندهم التنزيهية. ويكره للمتوضئ (٢) ضد ما يستحب من الآداب (٣) وأهمها ما يأتي:

стр. 397

١ - الإسراف في صب الماء: بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو ما يزيد عن الكفاية. وهذا إذا كان الماء مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ، فإن كان موقوفاً على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد، فالإسراف فيه حرام. ودليل الكراهة: ما أخرج ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ مرَّ بسعد، وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار» ومن الإسراف: الزيادة على الثلاث في الغسلات وعلى المرة الواحدة في المسح عند الجمهور غير الشافعية لحديث عمرو بن شعيب السابق: «فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وتعدى وظلم» (١). والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاث من أعمال الوضوء، فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم. وذكر ابن عابدين: أن الكراهة مطلقاً تنزيهية، فإن زاد للنظافة أو للطمأنينة ونحوها فلا كراهة. وكذا يكره تنزيهاً التقتير بجعل الغسل مثل المسح: (وهو أن يكون تقاطر الماء عن العضو المغسول غير ظاهر) لأن السنة إسباغ الوضوء، والتقتير ينافيه. ٢ - لطم الوجه أو غيره بالماء: والكراهة تنزيهية؛ لأنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه، وتركه أولى، وهو أيضاً خلاف التؤدة والوقار، فالنهي عنه من الآداب. ٣ - التكلم بكلام الناس: والكراهة تنزيهية؛ لأنه يشغله عن الأدعية. وعند الشافعية: خلاف الأولى.

стр. 398

٤ - الاستعانة بالغير بلا عذر: لحديث ابن عباس السابق: «كان النبي ﷺ لا يكل طهوره إلى أحد … » (١). وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة في الوضوء، لكن قد حمل ذلك على حالة العذر، ولأن الضرورات تبيح المحظورات. ٥ - التوضؤ في موضع نجس: لئلا يتنجس منه، وزاد الحنفية: التوضؤ بفضل ماء المرأة، أو في المسجد إلاّ في إناء أوفي موضع أعد لذلك خشية تلويث المسجد بآثار الماء. وقال الحنابلة (٢): تكره إراقة ماء الوضوء وماء الغسل في المسجد، أوفي مكان يداس فيه كالطريق تنزيهاً لماء الوضوء؛ لأن له حرمة وأنه أثر عبادة. ويباح الوضوءوالغسل في المسجد اذا لم يؤذ به أحداً ولم يؤذ المسجد؛ لأن المنفصل منه طاهر. ٦ - مسح الرقبة بالماء: عند الجمهور غير الحنفية؛ لأنه غلو في الدين وتشديد. قال الشافعية: ولا يسن مسح الرقبة إذ لم يثبت فيه شيء، قال النووي: بل هو بدعة. وكذلك قال المالكية: إنه بدعة مكروهة (٣). ٧ - مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه. ٨ - ترك سنة من سنن الوضوء، السابق بيانها في المذاهب. قال الحنابلة مثلاً: يكره لكل أحد أن ينتثر وينقي أنفه ووسخه ودرنه ويخلع نعله ويتناول الشيء من يد غيره، ونحو ذلك بيمينه، مع القدرة على ذلك بيساره، مطلقاً (٤).

стр. 399

٩ - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به: قال الحنابلة في المشهور عن أحمد (١): يكره ولا يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خَلَت به (استقلت)، فإن اشترك الرجل معها فلابأس. بدليل «أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (٢) لأن جماعة من الصحابة كرهوا ذلك، فقالوا: إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه. وقال أكثر العلماء: يجوز الوضوء به للرجال والنساء، لما روى مسلم في صحيحه وأحمد عن ابن عباس، قال: «كان النبي ﷺ يغتسل بفضل وضوء ميمونة» (٣) وقالت ميمونة: «اغتسلت من جفنة (٤)، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي ﷺ يغتسل، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: الماء ليس عليه جنابة» (٥) ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل كفضل الرجل. وهذا هو الأصح، ويحمل النهي على الكراهة التنزيهية بقرينة أحاديث الجواز. ١٠ - الماء الساخن والماء المشمس: قال الشافعية: يكره تنزيهاً التطهير بماء شديد السخونة وشديد البرودة، والمشمس في جهة حارة في إناء منطبع (أي ممتد تحت المطرقة من حديد ونحاس) في بدن دون ثوب، لناحية طبية لأنه يورث البرص ظناً، ولم يحرم لندرة ترتبه عليه. وتزول الكراهة بالتبريد.

стр. 400

المطلب السابع - نواقض الوضوء: النواقض جمع ناقضة وناقض، والنقض: إذا أضيف إلى الأجسام كنقض الحائط: يراد به إبطال تأليفها. وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء: يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها، والمعنى الثاني هو المراد هنا، فمعنى ناقض الوضوء: إخراجه عن إفادة المقصود منه، كاستباحة الصلاة بالوضوء. والنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة حكمه متفق على الكثير منها، مختلف في بعضها. وهي عند الحنفية اثنا عشر ناقضاً، والمالكية: ثلاثة أنواع، والشافعية: خمسة أشياء، والحنابلة: ثمانية أنواع، وهي ما يأتي (١): ١ - كل خارج من أحد السبيلين: معتاد كبول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي (٢) أو مني، أو غير معتاد: كدودة وحصاة ودم قليلاً كان الخارج أو كثيراً، لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة:٦/ ٥]، كناية عن الحدث من بول أو غائط، ولقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاء أو ضراط» (٣) وقوله ﵇: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» (٤)، ولأن الخارج غير المعتاد

стр. 401

خارج من السبيل، فأشبه المذي، ولأنه لا يخلو من بَلَّة تتعلق به، فينتقض الوضوء بها، وقد أمر النبي ﷺ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، ودمها خارج غير معتاد (١). واستثنى الحنفيةفي الأصح: ريح القبل فهو غير ناقض؛ لأنه اختلاج لا ريح، وإن كان ريحاً فهو لا نجاسة فيه. وغير الحنفية لم يستثنوا ذلك، للحديث السابق «أو ريح» فهو شامل للريح من القبل. والحق أنه كما قال ابن قدامة في المغني: «لا نعلم لهذا الريح وجوداً ولا نعلم وجوده في حق أحد». واستثنى المالكية الخارج غير المعتاد من المخرج في حالة الصحة، كالدم والقيح والحصى والدود، والريح أو الغائط من القبل، والبول من الدبر، والمني بغير لذة معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى، فلا ينقض حتى ولو كان مع الحصى والدود أذى (أي بول أو غائط) بخلاف غيرهما، فلو خرج مع الدم والقيح أذى انتقض الوضوء (٢). وكذا لا ينتقض الوضوء إن خرج شيء من ثقب إلا إذا كان تحت المعدة وانسد المخرجان المعتادان، فلا ينقض الوضوء بول أو غائط أو ريح من ثقبة فوق المعدة، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا، أما الخارج من ثقبة تحت المعدة، فإنه ينقض بشرط انسداد المخرجين لأنه صار بمنزلة الخارج من المخرجين نفسهما. ولا ينتقض الوضوء عندهم بخروج شيء من السَّلَس الذي يلازم صاحبه

стр. 402

نصف الزمن فأكثر، وإلا نقض. والسلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً. ودم الاستحاضة من السلس. وهذا في غير المستحاضة إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوي، فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت أو أوله، وجب عليه الصلاة حينئذ، وإن قدر على التداوي وجب عليه التداوي. واستثنى الشافعية: مني الشخص نفسه، فإنه لا ينقض؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل. لكن ينتقض الوضوء عندهم بالخارج من مخرج انفتح دون المعدة، وانسد المخرج المعتاد لأنه صار هو المخرج المعتاد، أي كما قال المالكية. فإن لم ينسد المخرج المعتاد فالأصح أنه لا ينقض، سواء أكان المخرج تحت المعدة أم فوقها. واستثنى الحنابلة: صاحب الحدث الدائم، لا يبطل وضوءه بالحدث الدائم قليلاً كان الخارج أو كثيراً، نادراً كان أو معتاداً للحرج والمشقة. أما غير صاحب الحدث الدائم فينقض ما خرج منه من بول أو غائط، قليلاً كان أو كثيراً، من تحت المعدة أو فوقها، سواء أكان السبيلان مفتوحين أم مسدودين لعموم الآية والحديث السابق. وأضاف الحنابلة: أنه لو احتمل المتوضئ في قُبُل أو دُبُر قطناً أو ميلاً، ثم خرج ولو بلا بلل، نقض، وكذا لو قطر في إحليله دهناً أو غيره من المائعات ثم خرج نقض، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة نقض. ٢ - الولادة من غير رؤية دم، والصحيح عند الحنفية قول الصاحبين أن المرأة لا تكون حينئذ نفساء لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد، وإنما عليها الوضوء للرطوبة. وقال أبو حنيفة: عليها الغسل احتياطاً لعدم خلوه عن قليل دم غالباً.

стр. 403

٣ - الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد (١): ناقض بشرط سيلانه عند الحنفية إلى موضع يلحقه حكم التطهير وهو ظاهر الجسد: أي يجب تطهيره في الجملة، ولو ندباً كسيلان الدم داخل الأنف. والسيلان: أن يتجاوز موضع خروجه بأن يعلو على رأس الجرح ثم ينحدر إلى أسفل، فليس في النقطة والنقطتين وضوء، وليس في أثر الدم بسبب عض شيء أو استياك وضوء. كما لا وضوء من دم يخرج من موضع لا يلحقه حكم التطهير كالخارج من جرح في العين أو في الأذن أو الثدي أوالسرة، ثم يسيل إلى الجانب الآخر منها. وبشرط كونه كثيراً عند الحنابلة، والكثير: ما كان فاحشاً بحسب كل إنسان، أي أنه يراعى حالة الجسم نحافة وضخامة، فلو خرج دم من نحيف مثلاً وكان كثيراً بالنسبة إلى جسده، نقض، وإلا فلا، لقول ابن عباس: «الفاحش: ما فحش في قلبك». ودليل الحنفية: قوله ﷺ : «الوضوء من كل دم سائل» (٢) وقوله ﵇: «من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف، وليتوضأ، وليبن - يكمل - على صلاته ما لم يتكلم» (٣) وقوله أيضاً: «ليس في القطرة ولا في القطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً» (٤).

стр. 404

ودليل الحنابلة حديث فاطمة بنت أبي حبيش السابق عند الترمذي: «إنه دم عرق، فتوضئي لكل صلاة» ولأن الدم ونحوه نجاسة خارجة من البدن، فأشبه الخارج من السبيل. وأما كون القليل من ذلك لا ينقض، فلمفهوم قول ابن عباس: في الدم: «إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة» وعصر ابن عمر بثرة، فخرج الدم، فصلى ولم يتوضأ، وابن أبي أوفى عصر دملاً، وغيرهما (١). وقرر المالكية والشافعية: عدم نقض الوضوء بالدم ونحوه، بدليل حديث أنس، قال: «واحتجم رسول الله ﷺ ، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه» (٢). وحديث عباد بن بشر: «أنه أصيب بسهام، وهو يصلي، فاستمر في صلاته» (٣) ويبعد ألا يطلع النبي ﷺ على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت. ٤ - القيء: الخلاف فيه كالخلاف في الدم ونحوه من الخارج من غير السبيلين، على اتجاهين: الأول - للحنفية والحنابلة: أنه ينقض الوضوء، إذا كان بملء الفم عند الحنفية: وهو ما لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف، على الأصح. وإذا كان كثيراً فاحشاً عند الحنابلة: وهو ما فحش في نفس كل أحد بحسبه.

стр. 405

والقيء سواء أكان طعاماً أم ماء أم عَلَقًا (المراد به هنا الدم المتجمد الخارج من المعدة) أم مِرَّة (الصفراء). ولا ينقض البلغم من معدة أو صدر أو رأس، كالبصاق والنخامة، لأنها طاهرة تخلق من البدن. ولا ينقض الجشاء وهو الريح الذي يخرج من فم الرجل. ودليلهم: حديث عائشة المتقدم: «من أصابه قيء أو رعاف أو قَلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليَبْن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم» (١). والقلس: هو ما خرج من العلق ملء الفم أو دونه، وليس بقيء، وإن عاد فهو القيء. وحديث أبي الدرداء: «أن النبي ﷺ قاء، فتوضأ، فلقيت ثوبانَ في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال: صدق، أنا صببت له وَضُوءه» (٢). والخلاصة: أن القيء ناقض للوضوء عند هؤلاء بقيود ثلاثة: كونه من المعدة، وكونه ملء الفم أو كثيراً، وكونه دفعة واحدة. الاتجاه الثاني - للمالكية والشافعية: أنه لا ينقض الوضوء بالقيء؛ لأنه ﵊ قاء فلم يتوضأ (٣)، وفي حديث ثوبان قال: «قلت: يا رسول الله، هل يجب الوضوء من القيء؟ قال: لو كان واجباً، لوجدته في كتاب الله» ولأنه خارج من غير المخرج، مع بقاء المخرج، فلم ينقض الطهارة كالبصاق. وأجابوا عن حديث أبي الدرداء بأن المراد بالوضوء: غسل اليدين.

стр. 406

والظاهر لي: أن الخارج من غير السبيلين كالدم والقيء ينقض الوضوء إذا كان كثيراً فاحشاً أي كما قال الحنابلة، قياساً على الخارج النجس من السبيلين، إذ في الأحاديث كلها كلام، ولا تخلو من ضعف. ٥ - غيبة العقل أو زواله بالمخدرات أو المسكرات، أو بالإغماء أو الجنون، أو الصرع، أو بالنوم: هذا السبب وما بعده من لمس المرأة المشتهاة، ومس الذكر أو القبل أو الدبر، قد يترتب عليه غالباً خروج شيء من أحد السبيلين، فيكون ناقضاً للوضوء، لأن زائل العقل لا يشعر بحال، والنوم يذهب معه الحس، والجنون والإغماء ونحوهما أشد تأثيراً من النوم. والدليل على أن النوم الثقيل أو غير اليسير ناقض للوضوء: قوله ﷺ من حديث علي: «العين وِكاء السَّهِ، فمن نام فليتوضأ» (١) وحديث معاوية «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء» (٢) والحديثان يدلان على أن النوم مظِنَّة للنقض، لا أنه بنفسه ناقض. وقد اختلف الفقهاء على آراء في كون النوم ناقضاً للوضوء، ذكرها النووي في شرح مسلم (١/ ٧٣) أختار منها رأيين متقاربين لا يختلفان إلا في بيان مدى عمق النوم الذي يعد دليلاً على خروج الريح، وهما ما يأتي: الرأي الأول - للحنفية والشافعية: أن النوم الناقض للوضوء هو الذي لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض، أو النوم مضطجعاً أو متكئاً أو منكباً على شيء؛

стр. 407

لأن الاضطجاع ونحوه سبب لاسترخاء المفاصل. فإن نام قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض كأرض وظهر دابة سائرة، لم ينتقض وضوءه. فإن كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط، ولم يكن ممكناً مقعده من الأرض، انتقض وضوءه عند الحنفية؛ لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من الاستناد، ولم ينتقض عند الشافعية إذا كان ممكناً مقعده من الأرض، للأمن حينئذ من خروج شيء، فالحكم في المذهبين إذن واحد. ولا ينتقض الوضوء عند الحنفية بالنوم حالة القيام والركوع والسجود في الصلاة وغيرها؛ لأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط، فلم يتم الاسترخاء. ودليلهم: أحاديث، منها حديث ابن عباس: «ليس على من نام ساجداً وضوء، حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله» (١) وفي لفظ «لاوضوء على من نام قاعداً، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً فإن من نام مضطجعاً استرخت مفاصله» (٢) وفي رواية للبيهقي: «لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه». ومنها حديث أنس: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء، فينامون قعوداً، ثم يصلون، ولا يتوضؤون» (٣) وهويدل على أن يسير النوم لا ينقض الوضوء.

стр. 408

ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «من نام جالساً فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء» (١). وروى مالك عن ابن عمر أنه كان ينام جالساً، ثم يصلي ولا يتوضأ. وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أنه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد، حتى غَطَّ أو نفخ، ثم قام يصلي، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت؟ قال: «إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» (٢). قال الكمال بن الهمام: وأنت إذا تأملت فيما أوردناه لم ينزل عندك الحديث عن درجة الحسن (٣). الرأي الثاني - للمالكية والحنابلة: أن النوم اليسير أو الخفيف لا ينقض، والنوم الثقيل ينقض. وعبارة المالكية: النوم الثقيل ولو قَصُر زمنه ناقض للوضوء، أما النوم الخفيف ولو طال زمنه فلا ينقض. والثقيل: ما لا يشعر صاحبه بالأصوات، أو بسقوط شيء بيده، أو سيلان ريقه ونحو ذلك، فإن شعر بذلك فنوم خفيف. ودليلهم حديث أنس المتقدم: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة، حتى تخفُق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون». وحديث ابن عباس، قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي، فجعلني عن شقه الأيمن، فجعلت إذا

стр. 409

أغفَيت، يأخذ بشحمة أذُني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة» (١) في هذين الحديثين دلالة واضحة على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء. وعبارة الحنابلة: النوم في جميع أحواله ناقض للوضوء إلا النوم اليسير عرفاً من جالس أو قائم، لحديثي أنس وابن عباس السابقين. والصحيح أنه لا حد للنوم القليل، وإنما مرجعه إلى ما جرت به العادة، فسقوط المتمكن وغيره ينقض الوضوء. فإن نام وشك، هل نومه كثير أو يسير؟ اعتبر طاهراً لتيقنه الطهارة، وشكه في نقضها، وإن رأى رؤيا فهو نوم كثير. وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتَب (٢) كمضطجع. ومن لم يُغْلب على عقله، لم ينقض وضوءه؛ لأن النوم: الغلبة على العقل، ولأن الناقض زوال العقل، ومتى كان العقل ثابتاً، وحسه غير زائل، مثل من يسمع ما يقال عنده، ويفهمه، لم ينتقض وضوءه. والخلاصة: أن النوم مضطجعاً في الصلاة أو في غيرها غير ممكن مقعدته ناقض للوضوء بلا خلاف بين الفقهاء، وأن زوال العقل بأي سبب من إغماء أو جنون أو سكر ناقض للوضوء قياساً على النوم، وهو الحق. ٦ - لمس المرأة: ينتقض الوضوء عند الحنفية بلمس المرأة في حالة المباشرة الفاحشة، وعند المالكية والحنابلة بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة في حال اللذة أو الشهوة. وعند الشافعية: بمجرد التقاء بشرتي الرجل والمرأة، اللامس والملموس، ولو بدون شهوة.

стр. 410

وتفصيل آراء المذاهب فيما يأتي: قال الحنفية: ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة: وهي التقاء الفرجين مع انتشار العضو بلا حائل يمنع حرارة الجسد، أو هي أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم ير بللاً. وقال المالكية: ينتقض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به عادة - من ذكر أو أنثى - ولو كان الملموس غير بالغ، سواء كان اللمس لزوجته أو أجنبية أو محرماً، أو كان اللمس لظفر أو شعر، أو من فوق حائل كثوب، وسواء كان الحائل خفيفاً يحس اللامس معه بطراوة البدن، أو كان كثيفاً، وسواء كان اللمس بين الرجال أو بين النساء. فاللمس بلذة ناقض، وكذا القبلة بالفم تنقض الوضوء مطلقاً، ولو بدون لذة؛ لأنها مظنة اللذة، أما القبلة في غير الفم فتنقض وضوء المقبِّل والمقبَّل إن كانا بالغين، أو البالغ منهما إن قبل من يشتهي، إن وجدت اللذة، ولو وقعت بإكراه أو استغفال. فالنقض باللمس مشروط بشروط ثلاثة: أن يكون اللامس بالغاً، وأن يكون الملموس ممن يشتهى عادة، وأن يقصد اللامس اللذة أو يجدها. ولا ينقض الوضوء بلذة من نظر أو فكر ولو حدث انتصاب (إنعاظ) ما لم يلتذ بالفعل، ولا بلمس صغيرة لا تشتهى، أو بهيمة أو رجل ملتحي، إذ الشأن عدم التلذذ به عادة إذا كملت لحيته. وقال الحنابلة في المشهور: ينقض الوضوء بلمس بشرة النساء بشهوة من غير حائل، وكان الملموس مشتهى عادة غير طفلة وطفل، ولو كان الملموس ميتاً، أو عجوزاً، أو مَحْرماً، أو صغيرة تشتهى: وهي بنت سبع سنين فأكثر، فلا فرق بين الأجنبية وذات المحرم والكبيرة والصغيرة.

стр. 411

ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن، ولا مس عضو مقطوع لزوال حرمته، ولا مس أمرد ولو بشهوة، ولا مس خنثى مشكل، ولا ينقض مس الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ولو بشهوة. وإذا لم ينقض الوضوء بمس أنثى، فإنه يستحب. والخلاصة: أن هذه المذاهب الثلاثة (الجمهور): لا ينتقض الوضوء لديها بمجرد التلامس العادي بين الرجل والمرأة. الأدلة: واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وحقيقة اللمس: ملاقاة البشرتين، أما الحنفية فأخذوا بما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن ﵄: أن المراد من اللمس الجماع، وبما قال ابن السكيت: أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء، تقول العرب: لمست المرأة أي جامعتها، فيجب المصير في الآية إلى إرادة المجاز: وهو أن اللمس يراد به الجماع، لوجود القرينة وهي حديث عائشة الذي سيأتي. وأما المالكية والحنبلية الذين قيدوا اللمس الناقض بما إذا كان لشهوة: فجمعوا بين الآية والأخبار الآتية عن عائشة وغيرها. ٢ - حديث عائشة: «أن النبي ﷺ كان يُقبِّل بعض أزواجه، ثم يصلِّي ولا يتوضأ» (١).

стр. 412

٣ - حديث عائشة أيضاً، قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليُصلّي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجْله» (١) فيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، والظاهر أن مسها برجله كانَ من غير حائل. ٤ - حديث عائشة أيضاً، قالت: «فَقَدْتُ رسول الله ﷺ ليلةً من الفراش، فالتمسته، فوضعت يدي على باطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، كما أثنيت على نفسك» (٢) وهو يدل على أن اللمس غير موجب للنقض. وقال الشافعية: ينقض الوضوء بلمس الرجل المرأة الأجنبية غير المحرم، ولو ميتة، من غير حائل بينهما، ينقض اللامس والملموس، ولو عجوزاً شوهاء أو شيخاً هرماً، ولو بغير قصد، ولا ينقض شعر وسن وظفر، أو لمس مع حائل. والمراد بالرجل والمرأة: ذكر وأنثى بلغا حد الشهوة عرفاً، أي عند أرباب الطباع السليمة، والمراد بالمَحْرم: من حرم نكاحها لأجل نسب أو رضاع أو مصاهرة، فلا ينقض صغير أو صغيرة لا يشتهى أحدهما عرفاً غالباً لذوي الطباع السليمة، فلا يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر، لاختلافه باختلاف الصغار والصغيرات، لانتفاء مظنة الشهوة. ولا ينقض مَحْرم بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة كأم الزوجة لانتفاء مظنة الشهوة. وسبب النقض: أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر.

стр. 413

ودليلهم: العمل بحقيقة معنى الملامسة في اللغة في الآية: ﴿أو لامستم النساء﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وهو الجس باليد، أو ملاقاة البشرتين، أو لمس اليد، بدليل قراءة: ﴿أو لمستم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع. وأما حديث عائشة في التقبيل فهو ضعيف، ومرسل. وأما حديث عائشة في لمسها لقدمه ﷺ فمؤول بأن اللمس يحتمل أنه كان بحائل، أو أنه خاص بالنبي. لكن في هذا التأويل تكلف ومخالفة للظاهر. ويبدو لي أن اللمس العارض أو الطارئ، أو الذي لا لذة أو لا شهوة فيه غير ناقض للوضوء، وأما اللمس الذي يصحبه الشهوة فهو ناقض، وهذا في تقديري أرجح الآراء. ٧ - مس الفرج - القُبُل أو الدبر: لا ينتقض الوضوء عند الحنفية بمس الفرج، وينتقض به عند الجمهور، على تفصيل آتٍ، قال الحنفية: لا ينتقض الوضوء بمس الفرج أو الذكر، لحديث طَلْق بن علي: «الرجل يمس ذكره، أعليه وضوء؟ فقال ﷺ : إنما هو بَضْعة منك، أو مضغة منك» (١). ولما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃: أنهم لم يجعلوا مس الذكر حدثاً، حتى قال علي ﵁: لا أبالي مسسته، أو أرنبة أنفي.

стр. 414

وقال المالكية: ينقض الوضوء بمس الذكر، لا بمس الدبر، فيعد مس الذكر المتصل ناقضاً، لا المقطوع، سواء مسَّه من أي جزء منه، التذ أم لا، إذا مسه عمداً أو سهواً من غير حائل ببطن الكف أو جنبه، أو ببطن أصبع وبجنبه، لا بظهره، ولو كان الأصبع زائداً على الخمسة إن كان له إحساس ويتصرف به كغيره من الأصابع، وذلك إذا كان بالغاً، أما مس الصبي ذكره فلا ينقض، أي أن المراد مس البالغ ذكره بباطن الكف والأصابع. ولا ينقض مس حلقة الدبر، أو الأنثيين (الخِصيتين)، ولا مس امرأة فرجها، ولو ألطفت: أي أدخلت أصبعاً أو أكثر من أصابعها في فرجها. ولا ينقض مس ذكر صبي أو كبير غيره. ودليلهم: الاقتصار على حديث: «من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ» (١) وحديث «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه سِتْر، فقد وجب عليه الوضوء» (٢). وقال الشافعية والحنابلة: ينتقض الوضوء بمس فرج الآدمي (الذكر والدبر وقبُل المرأة) من نفسه أو غيره، صغيراً أو كبيراً، حياً أو ميتاً، وقياس الدبر على الذكر هو مذهب الشافعي الجديد، بشرط كونه بباطن الكف (أي الراحة مع بطون الأصابع) فلا ينقض بظاهر الكف وحرفه ورؤوس الأصابع وما بينها بعد التحامل اليسير، أي أن الناقض هو ما يستتر عند وضع إحدى الراحتين على الأخرى مع

стр. 415

تحامل يسير، وفي الإبهامين يضع باطن أحدهما على باطن الآخر. فلو كان التحامل كثيراً كثر غير الناقض، وقل الناقض. وفي هذا يتفق الشافعية مع مذهب المالكية؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه. ولا فرق عند الحنابلة بين بطن الكف وظهره، بدليل حديث الإفضاء المتقدم: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، ليس بينهما سترة، فليتوضأ» وظاهر كفه من يده، والإفضاء: اللمس من غير حائل. ودليل الشافعية والحنابلة مجموع الحديثين السابقين: حديث بُسْرة بنت صفوان وأم حبيبة: «من مس ذكره فليتوضأ» وفي لفظـ «من مس فرجه فليتوضأ» وحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، فقد وجب عليه الوضوء» وفي لفظ «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه .. » والفرج: يشمل القبُل والدبُر، ولأن الدبر أحد الفرجين، فأشبه الذكر. والنقض بمس المرأة قبلها لعموم حديث بسرة وأم حبيبة: «من مس فرجه فليتوضأ» ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (١). والراجح عندي مذهب الجمهور غير الحنفية؛ لأن حديث طلق بن علي ضعيف أو منسوخ، ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون. ٨ - القهقهة في الصلاة: تنقض الوضوء عند الحنفية دون غيرهم، إذا كان

стр. 416

المصلي بالغاً، عمداً أو سهواً، زجراً وعقوبة للمصلي، لمنافاتها مناجاة الله تعالى، فلا تبطل صلاة الصبي، لأنه ليس من أهل الزجر. والقهقهة: ما يكون مسموعاً لجيرانه. أما الضحك: فهو ما يسمعه هو دون جيرانه، والأول يبطل الصلاة والوضوء، والثاني يبطل الصلاة فقط. أما التبسم: وهو ما لا صوت فيه، ولو بدت به الأسنان، فلا يبطل شيئاً. ودليلهم: حديث: «ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضوء جميعاً» (١). ولا ينتقض الوضوء عند الجمهور (غير الحنفية) بالقهقهة؛ لأنها لا توجب الوضوء خارج الصلاة، فلا توجبه داخلها كالعطاس والسعال. وردوا الحديث السابق لكونه مرسلاً، ولمخالفته للأصول: وهو أن يكون شيء ينقض الطهارة في الصلاة، ولا ينقضها في غير الصلاة (٢). وأرجح رأي الجمهور لعدم ثبوت حديث الحنفية. ٩ - أكل لحم الإبل: ينتقض الوضوء عند الحنابلة دون غيرهم بأكل لحم الإبل، على كل حال، نيئاً ومطبوخاً، عالماً كان أو جاهلاً. بدليل ما روي البراء بن عازب قال: «سئل رسول الله ﷺ عن لحوم الإبل؟ فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: لا يتوضأ منها» (٣) وروى أسيد بن حضير حديث:

стр. 417

«توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم» (١). وعلق الحنابلة على ذلك بقولهم: إن وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبُّد لا يعقل معناه، فلا يتعدى إلى غيره، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها ومرق لحمها وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها وكرشها ونحوه. وقال الجمهور غير الحنابلة؛ لا ينقض الوضوء بأكل لحم الجزور، لما رواه جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار» (٢) ولأنه مأكول كسائر المأكولات. والراجح لدي رأي الجمهور؛ لأن جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول اتفقوا على سقوط الأمر بإيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار، إذ صح عندهم أنه عمل الخلفاء الأربعة، بل إن الحنابلة أنفسهم أخذوا بحديث الجمهور وقالوا: لانقض بأكل ما مسته النار. ١٠ - غسل الميت: ينتقض الوضوء عند أكثر الحنابلة بغسل الميت (٣) أو بعضه، سواء أكان المغسول صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كافراً، لما روي عن ابن عمر وابن عباس، وأبي هريرة، فقد روي عن ابن عمر وابن عباس «أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء» وقال أبو هريرة: «أقل ما فيه الوضوء»، ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن تقع يده على فرج الميت. وقال أكثر الفقهاء وهو الصحيح: لاوضوء من غسل الميت، إذ لم يرد فيه نص شرعي، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولأنه غسل آدمي، فأشبه غسل الحي.

стр. 418

وما أحسن ما ذكره ابن رشد عن النواقض الثلاثة الأخيرة، فقال: شذ أبو حنيفة فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل أبي العالية … الخ وشذ قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت، وفيه أثر ضعيف: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) وذهب قوم من أهل الحديث: أحمد وإسحاق وطائفة غيرهم: أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور، لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه ﵊ (١). ١١ - الشك في الوضوء: قال المالكية في المشهور من المذهب: من تيقن الطهارة أو ظنها، ثم شك في الحدث، فعليه الوضوء، وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة فعليه الوضوء؛ لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين. وقال الجمهور غير المالكية وهو الأولى: لا ينتقض الوضوء بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين، وهو الطهارة الأولى، والحدث في الثانية، لحديث عبد الله بن زيد قال: «شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (٢)، ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما، كالبينتين إذا تعارضتا، تساقطتا، ويرجع إلى اليقين. وبناء عليه قرر الفقهاء قاعدة عامة وهي: (اليقين لا يزول بالشك). ١٢ - ما يوجب الغسل: قال الحنابلة: ينتقض الوضوء بكل ما يوجب الغسل غير الموت، فإنه يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء. ومن موجبات

стр. 419

الغسل: التقاء الختانين، وانتقال المني، وإسلام الكافر أصلياً كان أو مرتداً، فإذا عاد المرتد إلى الإسلام، وجب عليه الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء. وينتقض الوضوء بالردة، لأنهامحبطة للعمل ومنه الوضوء والغسل. وهذا يوافق رأي المالكية، ولا ينتقض الوضوء بالردة عند الحنفية والشافعية. تعليق على النواقض: هذه النواقض مشتركة بين الماسح على الخفين وغيره. وهناك نواقض خاصة، كبطلان طهارة المسح على الخفين ونحوهما من الجوارب بانتهاء مُدَّته وبخلع حائله، وكانتقاض طهارة المستحاضة ونحوها كسلس البول بخروج الوقت، وطهارة المتيمم بوجود الماء ونحوها، تبحث في مباحثها الخاصة بها. ولا نقض بكلام محرَّم، كالكذب والغيبة والقذف والسب ونحوها، بل يستحب الوضوء منه، ولا نقض بإزالة شعر وأخذ ظفر ونحوهما. خلاصة نواقض الوضوء في المذاهب: ١ - مذهب الحنفية: ينقض الوضوء اثنا عشر شيئاً: ما خرج من السبيلين إلا ريح القبل في الأصح، وولادة من غيررؤية دم، ونجاسة سائلة من غير السبيلين كدم وقيح وقيء طعام أو ماء أو عَلَق (دم متجمد من المعدة)، أو مِرَّة (صفراء) إذا ملأ الفم: وهو مالا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف على الأصح، ويجمع متفرق القيء إذا اتحد سببه (١)، وينقضه دم غلب على البزاق أو ساواه، ونوم مضطجعاً، أو متكئاً أو

стр. 420

مستنداً إلى شيء لوأزيل لسقط (أي نوم لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض)، وارتفاع مقعدة نائم على الأرض قبل انتباهه، وإن لم يسقط على الأرض، وإغماء، وجنون، وسكر، وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود، ولو تعمد الخروج بها من الصلاة، ومس فرج بذكر منتصب بلا حائل. ولا ينقض الوضوء عشرة أشياء: دم لم يسل عن محله، وسقوط لحم من غير سيلان دم، وخروج دودة من جرح وأذن وأنف، ومس ذكر، ومس امرأة، وقيء لا يملأ الفم، وقيء بلغم ولو كثيراً، وتمايل نائم احتمل زوال مقعدته، ونوم متمكن ولو مستنداً إلى شيء، لو أزيل سقط، ونوم مُصَلٍّ ولو راكعاً أو ساجداً. ٢ - مذهب المالكية: النواقض ثلاثة: الأحداث، والأسباب، والارتداد والشك. والأحداث: هي الخارج المعتاد من السبيلين وهي ثمانية أشياء: البول، والغائط، والريح بصوت وبغير صوت، والودي (وهو ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول)، والمذي (وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ)، والهادي (وهو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها)، ودم الاستحاضة ونحوه: وهو سلس البول إن خرج أحياناً: بأن لم يلازم الخروج نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، فإن لازم نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر فلا ينقض، ومني الرجل الخارج من فرج المرأة بعد أن اغتسلت (١). ولا ينقض الخارج غير المعتاد كالدم والقيح والحصى والدود، ولا الخارج من

стр. 421

غير المعتاد كخروج ريح أو غائط من القبل، أو خروج بول من الدبر، ولا المني بغير لذة معتادة: بأن كان بغير لذة أصلاً، أو لذة غير معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى. أما ما خرج بلذة معتادة من جماع أو لمس أو فكر فموجب للغسل. ولا ينقض البول أو الغائط أو الريح الخارج من ثقبة فوق المعدة، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا، وينقض الخارج من تحت المعدة إن انسد المخرجان، كما ينقض الوضوء إن انقطع الخروج من المخرج، وصار يبول أو يتغوط من فمه مثلاً. والأسباب: ثلاثة أنواع: زوال العقل، ولمس البالغ بلذة من تشتهى، ومس البالغ ذكره المتصل به ببطن كفه أو جنبه أو أصبع بلا حائل ولو كان خفيفاً، إلا أن يكون خفيفاً جداً كالعدم. وزوال العقل يكون بجنون أو إغماء أو سكر أو بنوم ثقيل ولو قصر زمنه. والقبلة بالفم تنقض ولو بغير لذة. والردة والشك في الناقض بعد طُهر معلوم وعكسه: أي الشك في الطهارة بعد تيقن الحدث أو ظنه، كل منهما ناقض للوضوء، ليس بحدث ولا سبب. ٣ - مذهب الشافعية: نواقض الوضوء أربعة: الأول - الخارج من أحد السبيلين إلا المني أي مني الشخص نفسه، لأنه أوجب الغسل. الثاني - زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إلا النوم قاعداً ممكِّناً مقعده من مقره كالأرض، وظهر دابة سائرة، وإن كان مستنداً إلى شيء بحيث لو زال، لسقط.

стр. 422

الثالث - التقاء بشرتي الرجل والمرأة ولو ميتة، عمداً أو سهواً. وينتقض اللامس والملموس، ولا ينقض صغير أو صغيرة لا تشتهى، ولا ينقض شعر وسن وظفر، ومحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أي المحرَّمات بصفة التأبيد، لا المؤقتة كأخت الزوجة فإنها تنقض الوضوء. الرابع - مس قبل الآدمي، وحلقة دبره، بباطن الكف. ولا ينتقض الممسوس. وينقض فرج الميت والصغير، ومحل الجَبِّ كله لا الثقبة فقط، والذكر المقطوع. ولا ينقض فرج البهيمة، ولا المس برأس الأصابع وما بينها. ٤ - مذهب الحنابلة: نواقض الوضوء ثمانية أنواع: أحدها - الخارج من السبيلين، إلا ممن حدثه دائم، فلا يبطل وضوءه، وينقضه ولو كان الخارج ريحاً من قُبُل أنثى أو من ذكر، أو قطناً أو ميلاً أو دهناً أو حقنة أدخل فيهما، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة، أو منياً لرجل أو امرأة استدخلته امرأة في فرجها ثم خرج. الثاني - خروج النجاسات من بقية البدن: فإن كانت النجاسة غائطاً أو بولاً، نقض ولو قليلاً، من تحت المعدة أو فوقها، انسد المخرجان أم بقيا مفتوحين، وإن كانت النجاسة غير الغائط والبول، كالقيء والدم والقيح ودود الجراح لم ينقض إلا كثيرها: وهوما فحش في نفس كل أحد بحسبه. الثالث - زوال العقل بجنون ونحوه، أو تغطيته بإغماء أو سكر قليل أو كثير، أو بنوم إلا النوم اليسير عرفاً من جالس وقائم. وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتب كمضطجع.

стр. 423

الرابع - مس ذكر أو قبُل أو دبُر آدمي من نفسه أو غيره، ولو من غير شهوة بيده، ببطن كفه أو بظهره أو بحرفه، غير ظفر، من غير حائل، ولو بأصبع زائدة، ولا ينتقض وضوء ملموس، ولا ينقض مس ذكر بائن (أي مقطوع) ولا مس محله، ولا قُلَفة (وهي الجلدة التي تقطع في الختان) بعد قطعها، ولا مس ذكر زائد؛ لأنه ليس فرجاً، ولا ينقض مس امرأة شفريها، لأن الفرج هو مخرج الحدث، وهو ما بينهما دونهما. الخامس - مس بشرة الرجل بشرة الأنثى بشهوة، من غير حائل. ولا ينقض مس طفلة وطفل من دون سَبْع إذا لم يكن بشهوة، وينتقض الوضوء باللمس بشهوة ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً، أو محرماً، أو صغيرة تشتهى وهي بنت سبع فأكثر لقوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [المائدة:٦/ ٥]. ولا ينتقض وضوء الملموس، ولو وجد منه شهوة، ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر، ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا ينقض مس عضو مقطوع لزوال حرمته، ولا مس أمرد ولو بشهوة، لعدم تناول الآية له، ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعاً. ولا ينقض مس خنثى مشكل من رجل أو امرأة ولو بشهوة، ولا ينقض مس الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، ولو بشهوة فيهن. السادس - غسل الميت أو بعضه، ولو في قميص، ولا ينقض تيمم الميت لتعذر غسل. وغاسل الميت: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء ونحوه. السابع - أكل لحم الجزور نيئاً وغير نيء. الثامن - موجبات الغسل كالتقاء الختانين وانتقال المني وإسلام الكافر الأصلي أو المرتد.

стр. 424

المطلب الثامن - وضوء المعذور: ينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة، فإن كان في حال المرض كان معذوراً. والمعذور كما عرفه الحنفية: من به سلس بول لايمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو انفلات ريح أو رعاف دائم أو نزف دم جرح، أو استحاضة (١)، وكذا كل ما يخرج بوجع ولو من أذن وثدي وسرة، من دم أو قيح أو صديد، أو ماء الجرح والنفطة، وماء البثرة، والثدي والعين والأذن (٢). وأحكام وضوء المعذور وصلاته تحتاج لتفصيل بين المذاهب. ١ - مذهب الحنفية (٣): ضابط المعذور: هو - في ابتداء الأمر - من يستوعب عذره تمام وقت صلاة مفروضة، بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ، ويصلي فيه خالياً عن الحدث، كأن يستمر تقاطر بوله مثلاً من ابتداء الظهر إلى العصر. فإن أصبح متصفاً بهذه الصفة، كفى وجوده في جزء من الوقت ولو مرة، كأن يرى الدم مرة فقط في وقت العصر، بعد استمراره في وقت الظهر، ولا يصبح معافى إلا إذا انقطع عنه وقت صلاة كامل، أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ الأمر: هو استيعابه جميع الوقت.

стр. 425

وشرط دوامه: وجوده في كل وقت بعد ذلك، ولو مرة واحدة، ليعلم بها بقاؤه. وشرط انقطاعه وعدم اتصافه بوصف المعذور: خلو وقت صلاة كامل عنه، كأن ينقطع طوال وقت العصر مثلاً. وحكمه: أنه يتوضأ لوقت كل فرض، لا لكل فرض ونفل، لقوله ﷺ : «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» (١) ويقاس عليها سائر ذوي الأعذار. ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل، ويبقى وضوءه ما دام باقياً بشرطين: أن يتوضأ لعذره، ولم يطرأ عليه حدث آخر كخروج ريح أو سيلان دم من موضع آخر. ويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلاة المفروضة فقط، فإن توضأ بعد طلوع الشمس لصلاة العيد، ودخل وقت الظهر، فإن وضوءه لا ينتقض، لأن دخول وقت الظهر ليس ناقضاً، وكذا خروج وقت العيد ليس ناقضاً، لأنه ليس وقت صلاة مفروضة، بل هو وقت مهمل، وصلاة العيد بمننرلة صلاة الضحى، وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل دخول الوقت (وقت الظهر) ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، وأنه يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت لا بدخوله (٢). فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور واستأنف الوضوء لصلاة أخرى عند أئمة الحنفية الثلاثة، وقال زفر: استأنف إذا دخل الوقت.
следующие страницы →