مالها قياساً على المريض، ويكون تبرعها بزائد عن الثلث نافذاً، حتى يرد الزوج جميعه أو ما شاء منه، على المشهور عند المالكية.
وبناء على هذا المشهور، ينفذ جميع ما تبرعت به، إن لم يعلم الزوج بتبرعها حتى بانت منه بطلاق، أو علم وسكت، أو مات أحدهما.
وللزوج رد جميع ما تبرعت به الزوجة إن تبرعت بزائد على ثلثها، وله إمضاؤه وإنفاذه، وله رد الزائد فقط. ورد الزوج رد إيقاف على المعتمد، ورد إبطال عند أشهب.
وليس للزوجة بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد ما بين التبرعين بنصف عام على المعتمد عندهم.
أما واجبات الزوجة من نفقة أبويها، فلا يحجر عليها فيه، ولو قصدت بالإنفاق ضرر الزوج عند ابن القاسم، خلافاً لما روي عن مالك من رد الثلث إذا قصدت به ضرر الزوج، ولها أن تهب جميع مالها لزوجها، ولا اعتراض عليها في الهبة لأحد. ولها التصرف بعوض في جميع مالها.
ودليل هذا المذهب أخبار منها: «لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها، إذ هو مالك عصمتها» (١).
وقال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة في الراجح عندهم) (٢): للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة، لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم
стр. 4377
رشداً، فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] وهو ظاهر في فك الحجر عنهم، وإطلاقهم في التصرف. وثبت أن النبي ﷺ قال: «يا معشر النساء! تصدقن، ولو من حُليِّكن … » (١)، وأنهن تصدقن، فقبل صدقتهن، ولم يسأل، ولم يستفصل. وهذا الرأي هو الأوجه؛ لأن ذمة المرأة المالية مستقلة عن ذمة الزوج في الإسلام، وهذا من مفاخر الشريعة التي أعطت المرأة أهلية كاملة في التملك والتصرف.
ملحق - هل للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بغير إذنه؟ هناك روايتان عن الإمام أحمد تمثلان أهم آراء السلف إجمالاً (٢):
إحداهما - الجواز وهو الأصح، وهي الرواية الراجحة المشهورة في المذهب؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مُُفْسِدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً» (٣)، ولم تذكر إذناً، إذ العادة السماح، وطيب النفس به، فجرى صريح الإذن، كتقديم الطعام بين يدي الضيفان قام مقام صريح الإذن في أكله.
لكن إن منعها الزوج من التصدق، أو كان الزوج بخيلاً، وتشكُّ في رضاه، فيحرم عليها الصدقة بشيء من ماله حينئذ، كما يحرم على الرجل الصدقة بطعام
стр. 4378
امرأته بغير إذنها؛ لأن العادة لم تجر به. ومن يقوم مقام المرأة كالأخت والخادمة والغلام المتصرف في مال سيده، هو كالزوجة، يجوز له الصدقة بنحو رغيف من مال رب البيت، ما لم يمنع أو يكن بخيلاً، أو يضطرب العرف ويشك في رضاه.
والرواية الثانية - لا يجوز، لما روى أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنفق المرأة شيئاً من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟
قال: ذاك أفضل أموالنا» (١)، ولأنه تبرع بمال غيره، بغير إذنه، فلم يجز للغير وللزوجة.
قال ابن قدامة الحنبلي: والأول أصح؛ لأن الأحاديث فيها (أي في الرواية الأولى) خاصة صحيحة، والخاص يقدم على العام ويبينه، ويعرِّف أن المراد بالعام غير هذه الصورة المخصوصة. وحديث الباهلي ضعيف. ولا يصح قياس المرأة على غيرها؛ لأنه بحكم العادة تتصرف في مال زوجها وتتبسط فيه، وتتصدق منه لحضوره وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي، فصار كأنه قال لها: افعلي هذا.
المطلب العاشر - الحجر على المدين وأثره (التفليس):
أولاً - تعريف التفليس والمفلس: التفليس لغة: النداء على المفلس، وشهره بين الناس بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال. وشرعاً: جعل الحاكم المديون مفلساً بمنعه من التصرف في ماله أو خلع الرجل عن ماله للغرماء.
стр. 4379
والفلس: عدم المال، والمفلس في العرف: من لا مال له. وهو المعدم، وفي الشرع: من لا يفي ماله بدينه، أو الذي أحاط الدين بماله، أو من لزمه من الدين أكثر من ماله الموجود. وسمي مفلساً، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، أو باعتبار ما يؤول من عدم ماله بعد وفاء دينه، أو لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا
يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها (١).
ثانياً - هل يحجر على المدين المفلس؟ قال أبو حنيفة (٢): لا أحجر على المفلس في الدَّين؛ لأن مال الله غاد ورائح، فهو لا يرى الحجر على المدين المفلس، كما لا يرى الحجر على السفيه؛ لأن في الحجر إهداراً لحريته وإنسانيته وأهليته، فذلك أخطر من ضرر خاص يلحق الدائن. فتنفذ تصرفاته، ولا يباع ماله جبراً عنه، وإنما يؤمر بسداد ديونه؛ فإن امتثل فلا يتعرض له بشيء، وإن امتنع عن الأداء، حبس حتى يسدد دينه، أو يبيع ماله بنفسه، وشرع حبسه دفعاً لظلمه؛ لأن قضاء الدين واجب عليه، والمماطلة ظلم. وليس للقاضي أن يبيع ماله جبراً عنه؛ لأنه نوع حجر عليه، وهو لا يجوز عنده. والخلاصة: أن أبا حنيفة قال: ليس للحاكم أن يحجر على المفلس، ولا يبيع ماله بل يحبسه، حتى يؤدي أو يموت في السجن.
والمفتى به عند الحنفية هو قول الصاحبين، وهو قول جمهور الفقهاء: وهو جواز الحجر على المدين المفلس في تصرفاته المالية، حفاظاً على حقوق الدائنين
стр. 4380
وأموالهم من الضياع. بدليل ماروى الدارقطني، والخلال، وصحح الحاكم إسناده: أن النبي ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي ﷺ : ليس لكم إلا ذلك.
واختلفت المذاهب في بعض التفصيلات، منها توقف الحجر على قضاء القاضي ومايتبعه من أمور.
ثالثاً - هل يتوقف الحجر على المدين على قضاء القاضي؟ ١ - مذهب المالكية (١): للمفلس الذي أحاط الدين بماله أحوال ثلاثة:
الحالة الأولى - قبل التفليس أي قبل نزع ماله منه وإعطائه للدائنين: يكون للدائنين الحق في منعه من التصرف في ماله بغير عوض، وإبطال تصرفه، سواء أكان دينهم حالاً أم مؤجلاً. فيمنعونه من التصرفات الضارة بمصلحتهم، كالتبرع والهبة والصدقة والوقف، والكفالة والقرض والإقرار بدين لشخص يتهم بأن إقراره له فراراً من الدين، كولده وزوجه. أما من لايتهم معه، فيعتبر إقراره له. وماعدا المذكور من تصرفات المعاوضة كالبيع والشراء، تنفذ منه.
الحالة الثانية (٢) - ألا يرفع الأمر إلى الحاكم، وإنما يقوم الغرماء على المدين، فيستتر منهم ولايجدونه، فلهم أن يحولوا بينه وبين ماله، ويمنعوه من التبرعات
стр. 4381
والتصرفات المالية بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، ولو بغير محاباة، ومن التزوج، ولهم قسم ماله بالمحاصة، أي بنسبة حصص ديونهم.
الحالة الثالثة (١) - حكم الحاكم بتفليسه، أي بخلع ماله لغرمائه، وهو نزع ماله منه وإعطائه للدائنين، لعجزه عن قضاء مالزمه من الديون.
ولاتتحقق هذه الحالة إلا بطلب الدائنين (الغرماء) جميعهم أو بعضهم، وأن يكون الدين حالاً، فلا يصح تفليسه بدين مؤجل، وأن يكون الدين زائداً على ماله ومتى فلسه الحاكم اشترك الجميع في ماله، من طلب ومن لم يطلب.
ويترتب على تفليسه في هذه الحال أمور أربعة تحقق معنى الحجر عليه وهي: منعه من التبرعات؛ ومن المعاوضات المالية، والزواج بأكثر من زوجة واحدة؛ وقسمة ماله بين الدائنين، وحلول الدين المؤجل، أي يحجر عليه في جميع التصرفات بعوض أو بغير عوض، وللدائنين منعه من سفر التجارة أو غيرها إن حل دينه أو كان يحل بغيبته، كما لهم طلب سجنه، فيحبسه الحاكم استبراء لأمره.
٢ - مذهب الجمهور (غير المالكية) (٢): لايحجر على المدين إلا بقضاء القاضي، فتكون تصرفاته قبل القضاء نافذة. وإذا حجر عليه، فإنه يمنع من جميع التصرفات التي تضر بالدائنين، وهي التبرعات والمعاوضات المالية، والإقرار بالدين في حال الحجر، ويبيع الحاكم ماله، ويقسم ثمنه على الغرماء.
стр. 4382
وشرط الحنفية في المفتى به وهو قول الصاحبين شرطين للحجر على المدين: أن يكون دينه مستغرقاً أمواله أو يزيد عنها، وأن يطلب الغرماء الحجر عليه.
وشرط الشافعية والحنابلة للحجرعلى المدين شرطين أيضاً كالشرطين السابقين: أن تكون عليه ديون حالّة تزيد على ماله، وأن يطلب الغرماء الحجر عليه.
ويصح تزوج المفلس بمهر المثل، وطلاقه وخلعه زوجته ورجعتها واستيفاؤه القصاص، وإسقاط القصاص ولو مجاناً. وله أن يرد المبيع الذي اشتراه قبل الحجر بالعيب أو الإقالة، إن كانت المصلحة في الرد. والأصح عند الشافعية سريان الحجر على مايتملكه المدين بعد الحجر بالاصطياد والهبة، والوصية، والشراء في الذمة، على القول الراجح بجواز هذا الشراء؛ لأن مقصود الحجر وصول الحقوق إلى أهلها، وهو لايختص بالمال الموجود وقت الحجر.
وينفق على المدين من ماله وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه؛ لأن حاجته الأصلية مقدمة على حق الغرماء.
الفرق بين حجر المدين وحجر السفيه: فرَق الحنفية (١) بين الحجر بالدين والحجر بالسفه من وجوه، منها:
١ - أن حجر السفيه لمعنى في نفسه، وهو سوء اختياره، لا لحق الغرماء، أما الحجر للدين فهو لمصلحة الدائنين، ويحتاج كلاهما لحكم القضاء.
٢ - أن المحجور بالدين لو أقر حالة الحجر ينفذ إقراره بعد زوال الحجر ولو فيما سيحدث له من مال، والمحجور بالسفه لا يجوز إقراره بالدين، لا حال
стр. 4383
الحجر، ولا بعده، ولا في المال القائم، ولا الحادث. وهذان الوجهان مقرران أيضاً عند الشافعية والحنابلة والمالكية.
وحجر الفلس أقوى من حجر المرض بدليل أن المريض يتصرف في مرض الموت في ثلث ماله، ولا تتعلق حقوق الورثة بماله إلا بعد الموت. أما حجر الفلس فتتعلق حقوق الغرماء بعين مال المدين في الحال كالمرهون (١).
رابعاً - سفر المدين المفلس: للفقهاء في منع المدين من السفر رأيان متقاربان:
فقال الحنفية والشافعية (٢): ليس للدائنين منع المدين من السفر قبل حلول الأجل، سواء أكان الأجل بعيداً أم قريباً؛ لأنه لا حق لهم في مطالبة حلول الأجل. فإذا حل الأجل لهم منعه من المضي في سفره حتى يوفي دينه.
وقال المالكية (٣): للدائن منع المدين من سفر لتجارة أو غيرها إن حل أجل الدين، أو كان يحل في أثناء غيبته، مطلقاً أي ولو لم يكن الدين محيطاً بمال المدين، إذا لم يوكل من يوفي عنه دينه، أو لم يضمنه موسر.
فإن كان الدين مؤجلاً، أو لا يحل أثناء الغيبة في السفر، ليس للدائن منعه من السفر.
ويتفق الحنابلة (٤) مع المالكية بالقول: للدائن منع المدين الذي أراد سفراً طويلاً فوق مسافة القصر، إن حل الدين قبل عودته من السفر. وليس له منعه إن كان
стр. 4384
الدين لا يحل إلا بعد عودته من سفره. لكنهم قالوا: إن كان سفره لجهاد، فله منعه إلا بضمين (كفيل) أو رهن؛ لأنه سفر يتعرض فيه للشهادة، وذهاب النفس، فلا يأمن فوات الحق.
والخلاصة: أن الرأي الأول للحنفية والشافعية: ليس للدائن المنع من السفر ولا المطالبة بكفيل إذا كان الدين مؤجلاً بحال، سواء أكان الدين يحل قبل العودة من السفر أم بعده، وسواء أكان السفر إلى الجهاد أم إلى غيره؛ لأنه لا يملك المطالبة بالدين، فلم يملك منعه من السفر، ولا المطالبة بكفيل كالسفر الآمن القصير. فإن كان الدين حالاً منع المدين من السفر.
والرأي الثاني للمالكية والحنابلة أكثر تشدداً في حفظ حق الدائن، فله المنع من السفر إذا كان الدين يحل قبل العودة من السفر؛ لأنه سفر يمنع استيفاء الدين في أجله، فملك منعه من السفر إن لم يوثق بكفيل أو رهن كالسفر بعد حلول الحق.
خامساً - أثر الحجر على المفلس أو أحكام الحجر: يترتب على الحجر آثار أو أحكام:
١ - تعلق حق الغرماء بعين ماله، ومنعه من التصرف بماله (١):
يستحب أن يشهد القاضي على حجر المفلس، ليعلم الناس حاله، ويحذروا معاملته، فلا يعاملوه، إلا على بصيرة (٢). فإذا حجر عليه تعلقت ديون الغرماء
стр. 4385
بماله كالرهن، فلا ينفذ تصرفه فيه بما يضرهم؛ لأنه لا ضرر على الغرماء، فتبطل تبرعاته كالهبة والصدقة، ولا يقبل إقراره أصلاً بعد التفليس على ماله باتفاق الفقهاء، لكن قال المالكية: يقبل إقرار المفلس لغير متهم عليه أي أجنبي، ولا يقبل لمتهم عليه كابن وأخ وزوجة، وقبول إقراره يكون في المجلس الذي فلس فيه، أو قام عليه الغرماء أو قريباً منه. ويبطل بيعه وشراؤه ونحوهما من المعاوضات المالية عند الحنابلة، والشافعية في الأظهر، لتعلق حق الغرماء بعين ماله كالمرهون، ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم، فلا يصح تصرفه في ماله ببيع أو غيره مما يناقض مقصود الحجر.
وقال الحنفية: يصح بيعه بثمن المثل أو بمثل القيمة، وأما إن كان بغبن فيصح البيع موقوفاً على إجازة الدائنين، وبه يكون قصدهم من منعه من التصرف عندهم هو البيع بأقل من ثمن المثل.
وقال المالكية: إن وقع التصرف المالي لم يبطل، بل يوقف على نظر الحاكم والغرماء.
وتصح من المفلس المحجور عليه التصرفات المتعلقة بذمته كالبيع على أساس السلم أو بيع شيء موصوف في الذمة، إذ لا ضرر على الغرماء في ذلك. وتصح منه التصرفات التي لا تتعلق بأمواله كالنكاح والطلاق والخلع والقصاص وإسقاط حق القصاص بمقابل الدية أو العفو مجاناً.
ويصح إقراره بحق أو مال وجب عليه قبل الحجر عليه، ولا يصح إقراره بحقوق تعلقت بماله بعد الحجر عليه بمعاملة أو مطلقاً بأن لم يقيده بمعاملة ولا غيرها (١).
стр. 4386
٢ - حلول الديون المؤجلة، كما تحل الديون بالموت عند الحنفية وفي المشهور عند المالكية (١)، لخراب الذمة في الحالتين، وهو عند المالكية ما لم يشترط المدين عدم حلوله بهما، وما لم يقتل الدائن المدين عمداً، فلا يحل.
وقال الشافعية في الأظهر، والحنابلة في أرجح الروايتين (٢): لا يحل الدين المؤجل بفلس من هو عليه؛ لأن الأجل حق مقصود للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه، ويفترق الفلس عن الموت في أن الميت خربت ذمته وبطلت. وعليه: لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة، ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله. فإن لم يقتسم الغرماء حتى حل الدين، شارك الغرماء، كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته.
٣ - الملازمة والحبس الاحتياطي للمدين:
اختلف الفقهاء في جواز ملازمة المدين، واتفقوا على جواز حبسه بحكم القاضي بشروط معينة.
الملازمة: قال أبو حنيفة وصاحباه (٣): للدائنين أن يلازموا المدين، فيذهبوا معه حيثما ذهب، فإذا رجع إلى بيته، فأذن لهم في الدخول، دخلوا معه، وإلا انتظروه على الباب ليلازموه بعد الخروج، ولكن لا يمنعونه من التصرف والكسب والسفر حال الملازمة، ولا يحبسونه في مكان خاص؛ لأنه حبس، بل يدورون
стр. 4387
معه، ويدور هو حيث شاء؛ لأنه بذلك يتمكن الدائن من حمل المدين على قضاء الدين، ولقوله ﵊: «لصاحب الحق: اليد، واللسان» (١) أراد باليد: الملازمة، وباللسان: التقاضي. ولا تلازم المرأة منعاً من الخلوة بالأجنبية.
وقال زفر والمالكية والشافعية والحنابلة (٢): إذا ثبت إعسار المدين عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته وملازمته، بل يمهل إلى أن يوسر لأنه إذا ثبتت العسرة استحق النَّظِرة إلى الميسرة، كما لو كان الدين مؤجلاً، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة، فنَظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢]. وحديث «لصاحب الحق … » فيه مقال، كما قال ابن المنذر، أو أنه يحمل على الموسر، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» (٣). وهذا القول هو الأرجح.
حبس المدين: المقرر شرعاً أنه يجب على المدين إيفاء ديونه إذا كان موسراً، فإن كان معسراً فيمهل إلى وقت اليسار عملاً بنظرة الميسرة. وإن كان مماطلاً في الوفاء، وله مال يفي بدينه للحال، حبسه الحاكم، لقوله ﷺ : «لَيُّ الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته» (٤). واللي: المطل، والواجد: الغني من الوُجد بمعنى
стр. 4388
القدرة. وعرضه: شِكايته، وعقوبته: حبسه. وبناء عليه يجوز الحبس، ولكن بشروط أوضحها الفقهاء.
قال الحنفية (١): للقاضي أن يحبس المدين رجلاً أو امرأة بدينه في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة إذا كان غنياً، أو اشتبه على القاضي حال يساره وإعساره، ولم يقم عنده حجة على أحدهما، فإذا حبسه شهرين أو ثلاثة أشهر، ولم يظهر له مال في تلك المدة، فإنه يطلق سراحه، وإن أقام البينة على أن لا مال له أي أنه فقير، خلى سبيله، للآية السابقة ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢] ولا يضرب المحبوس بالدين ولا يخوَّف، ولا يغل بقيد، ولا يجرد، ولا يوقف أمام صاحب الدين إهانة له، ولا يؤجر.
و يشترط للحبس شروط ثلاثة: في الدين، والمدين، والدائن:
أولهما - أن يكون الدين حالا ً، فلا يحبس في الدين المؤجل؛ لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين، ولم يوجد ممن دينه مؤجل.
ثانيهما - يشترط في المدين شروط ثلاثة: هي القدرة على وفاء الدين: فلو كان معسراً لا يحبس، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة، فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢].
والمطل: وهو تأخير قضاء الدين، للحديث السابق «مطل الغني ظلم» (٢) فيحبس دفعاً للظلم، وحديث «ليّ الواجد … » والحبس عقوبة، وما لم يظهر منه المطل، لا يحبس لانعدام المطل واللي منه.
стр. 4389
وأن يكون المدين غير الوالدين، فلا يحبس الوالدون وإن علوا، بدين المولودين، وإن سفلوا، لقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان:١٥/ ٣١] ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء:٢٣/ ١٧]، وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان: حبسهما بالدين، لكن يحبس الوالد تعزيراً
بالامتناع عن نفقة ولده الذي عليه نفقته (١)، ويحبس ولي الصغير إذا كان هو المتسبب في تأخير قضاء الدين.
ثالثها - أن يطلب الدائن (صاحب الدين) من القاضي حبس المدين، فما لم يطلب لا يحبس؛ لأن الدين حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، وممارسة الحق بطلبه.
والذي يمنع عنه المحبوس: هو الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والدنيوية، كحضور الجمع والجماعات والأعياد وتشييع الجنائز وعيادة المرضى والزيارة والضيافة، ليكون المنع باعثاً له على قضاء الدين. ولا يمنع من زيارة أقاربه له، ولا من التصرفات الشرعية كالبيع والشراء والهبة والصدقة والإقرار لغيرهم من الغرماء. ولا يمكن المحبوس من الاشتغال بعمله على الصحيح ليضجر قلبه، فينبعث على قضاء دينه.
وقال المالكية (٢): يسجن المدين استبراء لأمره إن جهل حاله، أو ظهرت ملاءته (غناه) بحسب ظاهر حاله، بلبسه فاخر الثياب، وركوبه جيد المواصلات، وكان له خدم من غير أن يعلم حقيقة حاله، حتى يثبت عسره، أو يأتي بكفيل يكفله، فيطلق سراحه.
стр. 4390
فإن وعد غريمه بوفاء الدين، وطلب تأخيره نحو اليومين، أجيب لطلبه، ولا يحبس إن كفله كفيل.
كذلك يؤجل المدين المعلوم الملاءة (الغنى) أو ظاهر الملاءة، إن وعد بالوفاء، وطلب التأخير لبيع أمواله وعروضه التجارية، إن قدم كفيلاً بالمال، وإلا سجن، وليس للحاكم بيع تلك العروض، بخلاف المفلس؛ لأن المفلس منع من التصرف في ماله، وتحبس المرأة عند امرأة أمينة، ويحبس الجد لولد ابنه، ويحبس الولد لأبيه في دين أو غيره، ولا العكس: أي لا يحبس والد بولده.
فإن أثبت المدين المجهول الحال، أو ظاهر الملاءة عُسْره بشهادة بيِّنة تشهد أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وحلف كذلك أنه لا مال له، أُنظر لميسرة، فلا يسجن ولا يطالب قبلها، ولا يلزم بتكسب ولا اقتراض لوفاء ما بقي عليه من الدين، ولو كان قادراً عليه؛ لأن الدين إنما تعلق بذمته، فلا يطلب به إلا عند اليسار. ويخرج المجهول الحال من الحبس إن طال حبسه باجتهاد الحاكم بحيث يغلب على الظن أنه لو كان عنده مال، ما صبر على الحبس هذه المدة. وأما ظاهر الملاءة فلا يخرج من الحبس إلا ببينة بعدمه. وأما معلوم الملاءة فيخلد في السجن حتى يؤدي ما عليه أو يأتي بكفيل غارم.
وقال الشافعية والحنابلة (١): على الموسر إن طولب أداء دينه فوراً بحسب الإمكان، فإن امتنع وله مال ظاهر، وهو من جنس الدين، وُفي منه، فإن كان من غير جنس الدين، باع الحاكم جبراً عليه ماله، وإن كان المال في غير محل ولايته، أو أكرهه مع التعزير بحبس أو غيره على البيع، فإن أخفى المدين ماله، وهو
стр. 4391
معلوم، وطلب غريمه حبسه، حبس، وحجر عليه أولاً حتى يظهره. فإن لم ينزجر بالحبس، ورأى الحاكم ضربه أو غيره، فعل ذلك، وإن زاد مجموعه على الحد.
ومن ادعى الإعسار ولم يصدقه الدائن، حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته. فإن ثبت إعساره، وجب إنظاره ولم تجز ملازمته للآية السابقة: ﴿وإن كان ذو عسرة، فنظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢].
وإن ثبتت قدرته على الوفاء، ولم يؤد ديونه، حبسه الحاكم (١)، للحديث السابق: «ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته»، وليس للحاكم إخراج المدين من الحبس حتى يتبين له أمره أنه معسر، فيجب حينئذ إطلاقه، أويبرأ المدين من غريمه بوفاء أو إبراء، أو حوالة، فيطلق سراحه لسقوط الحق عنه، أو يرضى غريمه بإخراجه من الحبس. فإن أصر المدين المليء على الحبس، ولم يوف الدين، باع الحاكم ماله، وقضى دينه.
ولا يجبر كما قال المالكية على الكسب، للحديث السابق: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» كما لا يجبر على قبول الهدية أو الصدقة أو القرض.
٤ - بيع مال المدين المحجور عليه وقسمة ثمنه بين الغرماء: اتفق الفقهاء (٢) على أنه يباع مال المدين المحجور عليه بسبب الفلس، ويقسم ثمنه بين الدائنين الغرماء بالمحاصة أي بنسبة ديونهم، ويندب أن يكون البيع فوراً
стр. 4392
بعد الحجر، لئلا يطول زمن الحجر عليه، ومبادرة لبراءة ذمته، وإيصال الحق إلى ذويه، ولأنه ﷺ لما حجر على معاذ، باع ماله في دينه، وقسم ثمنه بين غرمائه.
فإن كانت الديون من جنس مال المدين، قضاها القاضي بغير أمر المدين، وإن كانت من غير جنس مال المدين، وجب على القاضي بيع المال، وقسمة الثمن بين الدائنين.
ويستحب للحاكم وقت البيع أن يحضر أو وكيله، لفوائد، منها ضبط متاعه، والتعريف بالجيد منه، وتطييب نفسه وإسكان قلبه، وتكثير الرغبة في شرائه، كما يستحب إحضار الغرماء؛ لأن البيع لهم، وربما رغبوا في شيء، فزادوا في ثمنه، ولتطييب قلوبهم، والبعد عن التهمة، وربما وجد أحدهم عين ماله، فأخذه.
ويباع الشيء في عصرنا بالمزاد العلني، ويباع ندباً كل شيء في سوقه، بشرط كون البيع بثمن المثل، حالاً، من نقد البلد.
ويقدم في البيع مايخاف فساده كالفواكه والبقول، ثم ما يتعلق به حق كالمرهون، ثم الحيوان لحاجته إلى النفقة، ولأنه معرض للتلف، ثم المنقول؛ لأنه يخشى ضياعه بسرقة ونحوها، ويقدم الملبوس على النحاس ونحوه، ثم العقار، ويقدم البناء على الأرض. وإنما أخر العقار؛ لأنه يؤمن عليه من الهلاك والسرقة؛ ولأن العقار يعد للاقتناء، فيلحقه ضرر ببيعه، فلا يبيعه إلا عند الضرورة، ويستأنى عند المالكية في بيع العقار نحو شهرين.
ويلاحظ أن أبا حنيفة خلافاً لصاحبيه لم يجز للحاكم بيع عروض المدين وعقاره.
ويترك للمفلس مجموعة كاملة عادية (دَسْت) (١) من ثيابه المحتاج إليها عادة،
стр. 4393
كما يترك له قوت يوم القسمة عند الشافعية لمن تلزمه نفقته، من زوجة وخادم وقريب، وعند الحنفية: ينفق على هؤلاء من مال المدين قبل التفليس ولو بعد الحجر، وعند المالكية: يترك له ما يأكله أياماً، وعند الحنابلة: إلى أن يفرغ من قسمة المال بين الغرماء. فالحنابلة كالشافعية. وتترك له آلة صنعته التي لا بد منها، كما يترك للعالم كتبه التي يحتاج لمراجعتها ومطالعتها. وأجاز المالكية بيع الكتب وثياب الجمعة إن كثرت قيمتها؛ لأن شأن العلم - على حد تعبيرهم - أن يحفظ في القلب، لكن قال العلامة العدوي: إن الحفظ قد ذهب الآن، فلذا أجراها بعضهم على آلة الصانع.
ويترك له مسكنه الذي لا غنى له عن سكناه فيه، وخادمه الذي يحتاج إليه، مما يكون كلاهما صالحين لمثله؛ لأن ذلك مما لا غنى له عنه، فلم يبع في دينه كلباسه وقوته.
لكن الأصح عند الشافعية: أنه يباع مسكنه ومركوبه، ولا يترك له خادمه القابل للبيع في الماضي، لزمانته ومنصبه؛ لأنه يسهل تحصيل المقصود بالكراء.
وقال المالكية: أوجر على المفلس خادمه الذي لا يباع عليه، ويباع ما يباع عليه.
٥ - استرداد الدائن عين ماله الذي وجده في مال المفلس: هذا هو الحكم أو الأثر الخامس من أحكام أو آثار الحجر على المفلس عند الجمهور غير الحنفية.
قال الحنفية (١): من أفلس (أي حكم الحاكم بتفليسه) وعنده متاع لرجل
стр. 4394
بعينه، ابتاعه منه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء، أي أنه لا يكون أحق به من سائر الغرماء، فإن أفلس قبل قبض المتاع، أو بعد القبض بغير إذن بائعه، كان له استرداده، وحبسه بالثمن في حالة ما قبل القبض.
ودليلهم على عدم استحقاق صاحب المتاع عين ماله: أن الإفلاس يوجب في عقد المعاوضة لا في غيره العجز عن تسليم العين، والعقد غير مستحق الفسخ، فلا يثبت حق الفسخ، وإنما المستحق هو الثمن أو الدين الذي هو وصف في الذمة، وبقبض المشتري عين المبيع، تتحقق المبادلة ما بين الدين والعين.
وقال الجمهور غير الحنفية (١): إذا فلس الحاكم رجلاً، فأصاب أحد الغرماء عين ماله (أو
سلعته التي باعها إياه بعينها)، كان له حق فسخ البيع وأخذ سلعته؛ لأنه عجز المشتري عن إيفاء الثمن، فيوجب ذلك حق الفسخ، كعجز البائع عن تسليم المبيع، ولأنه يجوز فسخ العقد لتعذر العوض كالمسلم فيه إذا تعذر، ولأن النبي ﷺ قال فيما يرويه أبو هريرة: «من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره» (٢).
وقال الحنفية: إنه معارض بما روى الخصاف بإسناده: أن النبي ﷺ قال: «أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه، فهو أسوة غرمائه» وتأويل حديث أبي هريرة: أن المشتري كان قبضه بشرط الخيار للبائع.
والحقيقة أن رأي الجمهور أقوى لصحة حديث أبي هريرة الذي لا يعارضه
стр. 4395
غيره، ولبعد تأويل الحنفية السابق، إ ذ لا حاجة للحديث في حالة وجود الخيار للبائع بفسخ البيع، فهذا أمر مقرر عام يشمل المفلس وغيره. وأبعد منه تأويلهم الحديث على ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة؛ لأن نص الحديث مقيد بحالة الإفلاس.
وهناك أمور تتعلق برجوع صاحب المتاع أو المال على المفلس أهمها ما يأتي:
أولاً - هل خيار الرجوع على الفور أو على التراخي؟ للشافعية والحنابلة رأيان (١): أصحهما أن خيار الرجوع على الفور، كخيار العيب بجامع دفع الضرر، فتأخير الخيار يفضي إلى الضرر بالغرماء، لإفضائه إلى تأخير حقوقهم.
ثانياً - حق الرجوع في كل المعاوضات: قال الشافعية (٢): لصاحب المال الرجوع في سائر المعاوضات المحضة كالبيع والإجارة والقرض والسلم، لعموم حديث أبي هريرة السابق، فإذا أجره داراً بأجرة حالَّة، لم يقبضها حتى حجر عليه، فله الرجوع في الدار بالفسخ، تنزيلاً للمنفعة منزلة العين في البيع، ولو سلمه دراهم قرضاً، أو رأس مال سلم حالَّ أو مؤجل، فحل أجل تسليم المسلم فيه، ثم حجر عليه، والدراهم باقية بالشروط الآتية، فله الرجوع فيها بالفسخ.
أما غير المعاوضات كالهبة، والمعاوضات غير المحضة كالنكاح والصلح عن دم العمد، فلا يجوز الرجوع فيها.
ثالثاً - شروط الرجوع: يشترط للرجوع في البيع عند الشافعية شروط (٣):
стр. 4396
(١) - كون الثمن حالاً عند الرجوع، لا مؤجلاً؛ لأن المؤجل لايطالب به.
(٢) - أن يتعذر حصول الثمن بالإفلاس. فلو انتفى الإفلاس، وامتنع المدين من دفع الثمن مع يساره، أو هرب، أو مات مليئاً وامتنع الوارث من التسليم، فلا فسخ في الأصح؛ لأن التوصل إلى أخذه بالحكم ممكن.
ولو عرض الغرماء فداء المال بدفع ثمنه له، لم يلزمه قبوله، وله الفسخ عند الشافعية والحنابلة لما في الفداء من المنة، ولتعلق حقه بعين ماله. وقال المالكية: ليس له حينئذ حق الرجوع؛ لأن الرجوع لتلافي النقص في الثمن، فإذا بذل له الثمن كاملاً، لم يكن له الرجوع، كما لو زال العيب من المعيب (١).
(٣) - كون المبيع باقياً في ملك المشتري: فلو زال (فات) ملكه حساً كالموت أو حكماً كالوقف والبيع والهبة، فلا رجوع، لخروجه عن ملكه بالفوات.
تبين من هذه الشروط وما ذكر قبلها أن شروط الرجوع عند الشافعية تسعة (٢):
الأول - كونه في المعاوضة المحضة كالبيع.
الثاني - أن يرجع عقب العلم بالحجر.
الثالث - أن يكون رجوعه بقوله: فسخت البيع ونحوه، بدون حاجة لحكم حاكم.
الرابع - أن يكون عوضه غير مقبوض، فإن قبض شيئاً منه ثبت الرجوع فيما يقابل الباقي.
стр. 4397
الخامس - أن يكون عدم استيفاء العوض لأجل الإفلاس.
السادس - كون العوض ديناً، فإن كان عيناً قدم بها على الغرماء.
السابع - حلول الدين.
الثامن - كون المال المبيع باقياً في ملك المفلس.
التاسع - ألا يتعلق بالمال حق لازم، كرهن صادر من المشتري للشيء.
وقال الحنابلة (١): إنما يستحق البائع الرجوع في السلعة بخمس شرائط، وزاد في كشاف القناع شرطين آخرين:
أحدها - أن تكون السلعة باقية بعينها، لم يتلف بعضها، فإن تلف جزء منها كتلف ثمرة الشجر المثمر، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء. وقال المالكية والشافعية: يجوز الرجوع في الباقي، ويساهم مع الغرماء بحصة التالف. وهذا هو الشرط الثامن عند الشافعية.
ثانيها - ألا يكون المبيع زاد زيادة متصلة كالسمن والكبر. وقال المالكية والشافعية: إنها لا تمنع.
ثالثها - ألا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً، فإن كان قد قبض بعض ثمنها سقط الرجوع، وهذا هو الشرط الرابع عند الشافعية، فالمذهبان متفقان عليه. وقال المالكية: صاحب السلعة مخير: إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء ساهم مع الغرماء ولم يرجع.
رابعها - ألا يكون تعلق بها حق الغير، فإن رهنها المشتري، أو وهبها، لم
стр. 4398
يملك البائع الرجوع، كما لو باعها. وهذا هو الشرط التاسع عند الشافعية، ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنابلة والمالكية.
خامسها - أن يكون المفلس حياً، فإن مات، فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت، فحجر عليه، ثم مات، أو مات، فتبين فلسه. وهذا رأي المالكية أيضاً، لحديث أبي بكر بن عبد
الرحمن: «فإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء» (١) وقال الشافعية: له الفسخ، واسترجاع العين، عملاً بحديث أبي هريرة السابق.
سادسها - كون السلعة لم يزل ملك المشتري عنها ببيع أو هبة أو وقف ونحوه.
سابعها - أن يكون البائع حياً إلى وقت الرجوع.
وأما شروط رجوع البائع على المفلس في عين ماله عند المالكية فهي ثلاثة (٢):
أولها - ألا يفديه غرماؤه بثمنه الذي على المفلس، فإن فدوه بمالهم أو بمال المفلس، أو ضمنوا له الثمن وهم ثقات، أو أعطوه كفيلاً ثقة، لم يأخذه.
ثانيها - أن يمكن أخذه واستيفاؤه، فإن لم يمكن أخذه كبضع الزوجة (الاستمتاع بها) فلا يرجع، فالزوجة إذا أفلس زوجها وطلبت صداقها، ساهمت مع الغرماء؛ إذ لا يمكن رجوعها في البضع، ولها الفسخ قبل الدخول إذا أفلس حينئذ (٣).
стр. 4399
ثالثها - أن يبقى عين المال على حاله، دون أن يتغير أو ينتقل عما كان عليه حين البيع، فإن تغير، ساهم صاحب المال مع الغرماء، فلا يرجع إن طحنت الحنطة أو بذرت أو قليت أو عجنت أو خبزت، أو جعل الزُّبْد سمناً، أو فصل القماش ثوباً، أو قطع الجلد نعالاً أو ذبح الحيوان، أو تتمر الرطب (جعله تمراً)، أو خلط الشيء بغير مثله، ولم يتيسر تمييزه، كخلط عسل بسمن أو زيت، أو قمح جيد بعفن أو مسوس، أو زيت بنوع آخر من الزيوت.
فإن خلط الشيء بمثله، أو دبغ الجلد، أو صبغ الثوب، أو نسج الغزل، أو تعيب الشيء بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي وعاد لهيئته الأولى، فلصاحبه حق الرجوع وأخذ الشيء.
فإن استمر العيب، ولم يعد الشيء لهيئته الأولى، فله أخذه ومشاركة الغرماء بنسبة النقص، أو تركه ومشاركة الغرماء بجميع الثمن.
رابعاً - زيادة المبيع عند المشتري المفلس: إذا زاد المبيع في يد المفلس فهل لصاحبه حق الرجوع؟
للزيادة حالات:
الحالة الأولى - الزيادة المتصلة: كالسمن والكبر، وتعلم الصناعة أو الكتابة أو القرآن ونحوها، لا تمنع الرجوع عند المالكية إلا أن يعطيه الغرماء ثمن المبيع، وعند الشافعية، وفي رواية عن أحمد. وتمنع الرجوع في رأي الخرقي الحنبلي، ويظهر أنه الرأي الراجح عند الحنابلة لاتفاق كتبهم عليه (١).
стр. 4400
الحالة الثانية - الزيادة المنفصلة: كالثمرة والولد الحادثين بعد البيع في يد المشتري، لا تمنع الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة، ويرجع البائع في الأصل، دون الزيادة، فإنها تكون للمشتري؛ لأن الشارع إنما أثبت لصاحب المال الرجوع في المبيع ذاته، فيقتصر عليه (١).
الحالة الثالثة - الزيادة بسبب الصبغ: إذا اشترى رجل من آخر قماشاً فصبغه بصباغ ما، ثم أفلس، لم يمنع الصبغ باتفاق المذاهب الثلاثة من رجوع البائع بأصل القماش؛ لأن له حق الرجوع بعين ماله. ويكون المفلس شريكاً لصاحب القماش بما زاد في قيمته، وتكون الزيادة له (٢).
وفي احتمال آخر عند الحنابلة: ألا يكون له الرجوع إذا زادت القيمة، لأنه اتصل بالمبيع زيادة للمفلس، فمنعت الرجوع كالسمن.
الحالة الرابعة - الزيادة بالبناء أو الغرس أو الزراعة:
قال المالكية (٣): من وجد ماله بعينه عند المفلس، وقد أحدث زيادة، مثل أن تكون أرضاً فبناها أو غرسها، امتنع عليه الرجوع، ويساهم مع الغرماء في ماله.
وقال الشافعية والحنابلة (٤): لو اختار البائع الرجوع في الأرض بعد بناء المشتري أو غرس أشجار فيها، فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها من البناء
стр. 4401
والغرس، فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم لا يعدوهم، فإذا تم التفريغ فللبائع الرجوع في أرضه؛ لأنه وجد متاعه بعينه، ويجب تسوية الحفر وغرامة أرش النقص من مال المفلس إن نقصت بالقلع، وإن امتنعوا عن التفريغ، لم يجبروا، قيل: وللبائع الرجوع في الأرض، ويتملك البناء والغراس بقيمته، وله أن يقلع ويضمن أرش النقص؛ لأن مال المفلس مبيع كله، والضرر يندفع بكل واحد من الأمرين، كالزيادة بالصبغ.
والأرجح عند الشافعية والحنابلة: أنه ليس للبائع الرجوع في الأرض، ويبقى البناء والغراس للمفلس، لما في الرجوع من ضرر بالمفلس المشتري والغرماء، والضرر لا يزال بالضرر، فالرجوع إنما شرع لدفع الضرر، فلا يزال ضرر البائع بضرر المفلس والغرماء. وحينئذ يساهم البائع مع الغرماء بالثمن. وبه اتفقت المذاهب الثلاثة على عدم الرجوع في هذه الحالة.
فإن زرع المشتري الأرض، ثم أفلس، فيجوز للبائع عند الشافعية (١) الرجوع في الأرض؛ لأنه وجد عين ماله مشغولاً بما ينقل، كما لو كان المبيع داراً، وفيها متاع للمشتري. وحينئذ إن استحصد الزرع، وجب نقله، وإن لم يستحصد، جاز تركه إلى أوان الحصاد، من غير أجرة؛ لأن المشتري زرع في أرضه، فإذا زال الملك، جاز ترك الزرع إلى أوان الحصاد، من غير أجرة، كما لو زرع أرضه، ثم باع الأرض.
خامساً - تغيير المبيع بطحن الحنطة أو غزل الصوف ونحوهما: إن اشترى شخص حنطة فطحنها، أو زرعها، أو دقيقاً فخبزه، أو زيتاً فعمله صابوناً، أو ثوباً قماشاً فقطعه قميصاً، أو غزلاً فنسجه ثوباً، أو خشباً فنجّره أبواباً،
стр. 4402
أو شريطاً فعمله إبراً، أو شيئاً عمل به ما أزال اسمه، ثم أفلس، سقط حق الرجوع للبائع باتفاق المذاهب الثلاثة على الأظهر عند الشافعية إن زادت القيمة. فإن لم تزد القيمة رجع البائع، ولا شيء للمفلس (١).
سادساً - خلط المبيع بغيره: إذا اشترى شخص زيتاً فخلطه بزيت آخر، أو قمحاً فخلطه بما لا يمكن تمييزه منه، سقط حق الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة. لكن قال المالكية: إن خلط الشيء بمثله، فله حق الرجوع، وقال الشافعية: إن خلط المبيع بمثله أو دونه، فللبائع أخذ قدر المبيع من المخلوط، وإن خلطه بأجود منه، فلا رجوع في المخلوط في الأظهر، بل يضارب مع الغرماء بالثمن (٢).
سابعاً - نقص المبيع: إذا نقصت مالية المبيع لذهاب صفة مع بقاء عينه، أو لعيب، كهزال، أو مرض، أو بلى ثوب، لم يمنع الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة؛ لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله، لكن البائع عند الشافعية والحنابلة يتخير بين أخذه ناقصاً بجميع حقه، وبين أن يساهم مع الغرماء بجميع الثمن؛ لأن الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من هزال أو غيره، فيصير كنقصه بسبب تغير الأسعار.
ويتخير البائع عند المالكية بين أخذه ومشاركة الغرماء بنسبة النقص، أو تركه
стр. 4403
ومشاركة الغرماء بجميع الثمن. وهو مذهب الشافعية أيضاً فيما إذا كان إتلاف بعض الشيء من أجنبي (١).
المبحث الثالث - رفع الحجر عن المحجورين:
من المقرر شرعاً أن الحكم يدور مع سببه أو علته وجوداً أو عدماً، وبما أن الحجر كان لسبب، فإذا زال سبب الحجر، زال مسببه الذي بني عليه، وهو الحجر، وقد بينت الحكم في بحث أثر الحجر في المحجورين وأوجزه هنا.
يرتفع الحجر عن السفيه إذا ظهر رشده وأمارات حرصه على ماله، ولكن لا بد في الراجح عند الفقهاء، خلافاً لمحمد بن الحسن وابن القاسم كما تبين في السفه، من قرار القاضي برفع الحجر؛ لأن ما ثبت بحكم القاضي لا يزول إلا بحكم آخر. كذلك يرفع الحجر عن المغفل إذا ظهرت خبرته، واهتدى إلى حسن التصرف، عن طريق حكم القاضي، على الخلاف السابق في السفيه.
ويرفع الحجر عن المجنون بدون حكم القاضي باتفاق إذا شفي وعاد إليه عقله. ومثله المعتوه إذا اكتملت قواه العقلية وزال تخبطه في الكلام.
وأما الصغير: فإن كان غير مميز فيرفع الحجر عن بعض تصرفاته عند الحنفية والمالكية بإتمام سن السابعة. وإن كان مميزاً فيرفع الحجر عنه شيئان (٢):
أحدهما - عند الجمهور غير الشافعية: وهو إذن الولي إياه بالتجارة، والإذن بالتجارة يزيل الحجر عن التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع. وعند الشافعية: لايزول الحجر عن المميز ولو بالإذن بالتجارة.
стр. 4404
الثاني - بلوغه عاقلاً رشيداً من غير حاجة إلى ترشيد ولي أو حكم من القاضي عند الجمهور غير المالكية.
وقال المالكية: الصغير ذو الأب: يزول الحجر عنه ببلوغه رشيداً بغير حكم الحاكم. فإن كان عليه وصي من الأب، فيزول حجره بترشيد منه من غير إذن الحاكم، وإن كان وصيه من القاضي، فيزول حجره بترشيده، بإذن القاضي في رأي ابن جزي المالكي، وأما ما ذكره الدردير في الشرح الكبير والصغير فلا يحتاج الوصي مطلقاً في ترشيده إلى إذن القاضي، وما ذكره الدردير أرجح. والترشيد: أن يقول الوصي أمام العدول: اشهدوا أني فككت الحجر عن فلان، وأطلقت له التصرف، لما قام عندي من رشده وحسن تصرفه.
وللقاضي ترشيد المحجور إذا ثبت عنده رشده، سواء كان بوصي أو بغير وصي.
والأنثى تظل في ولاية أبيها في مشهور المذهب حتى تتزوج ويدخل بها زوجها، ويؤنس رشدها، أو يشهد العدول بحفظ مالها، أو يرشدها أبوها قبل الدخول أو بعده، أو وصيها المختار بعد الدخول. وليس لوصي القاضي ترشيدها مطلقاً إلا بشهادة البينة برشدها، كما ذكر في بحث حجر الصغير.
وأما المفلس إذا قسم ماله بين الغرماء، فهل ينفك عنه الحجر بالقسمة، أو يحتاج إلى حكم القاضي بفك الحجر؟
ذكر الشافعية والحنابلة (١) فيه وجهين:
أحدهما - يزول الحجر، بقسمة مال المفلس؟ لأن المعنى الذي لأجله حجر عليه قد زال، فزال الحجر تبعاً له، كزوال حجر المجنون لزوال جنونه.
стр. 4405
والثاني - لا يزول إلا بحكم الحاكم؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فلم يزل إلا بالحاكم، كالحجر على المبذر. ويختلف حكمه عن المجنون؛ لأن حجره ثبت بنفسه فزال بزواله.
وفي تقديري: أنه ينبغي أن يتضمن حكم القاضي بحجر المفلس تحديد غاية معينة للحجر، وهي أن يتم تصفية أموال المفلس، فإذا تحقق الهدف، زال أثر الحجر تلقائياً بدون حاجة لحكم القاضي.
المبحث الرابع - تعلق الدين بالتركة:
ههنا أمور ثلاثة:
١ - هل تحل الديون المؤجلة بالموت؟ يرى جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب في رواية عن أحمد (١) أن الديون المؤجلة تحل بالموت، كما تحل عند الحنفية والمالكية خلافاً لغيرهم بالتفليس. قال الزهري: مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات (٢). وحجتهم أن الله ﵎ لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين. وفي رواية أخرى عن أحمد: لايحل الدين المؤجل بالموت أو الجنون إن وثق الورثة الدين برهن يحرز أو كفيل مليء.
وإذا لم يحل الدين بالموت، فلا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت، أو الورثة، أو يتعلق بالمال: لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا في ذمة الورثة؛ لأنهم لم يلتزموا الدين، ولا رضي صاحب الدين بذممهم، وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعلق بأعيان أموال التركة، أو تأجيله؛ لأنه ضرر بالميت، وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه. أما إضرار الميت فلأن ذمته تظل
стр. 4406
مشغولة بالدين حتى يوفى عنه لحديث: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (١). وأما إضرار صاحب الدين (الدائن) فيتأخر حقه، وقد تتلف العين، فيسقط حقه، وأما إضرار الوراثة فإنهم لا ينتفعون بأعيان التركة ولا يتصرفون فيها.
ولأن الموت ما جعل مبطلاً للحقوق، وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبي ﷺ : «من ترك حقاً أو مالاً فلورثته» (٢).
٢ - كيفية تعلق الدين بالتركة: يرى أغلب العلماء (٣) أن الدين يبقى في ذمة الميت كما كان، ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه، أو كتعلق الدين بالمرهون؛ لأنه أحوط للميت، إذ يمتنع على الورثة تصرفهم بأموال التركة قبل قضاء الديون. والأصح عند الشافعية أن يستوي الدين المستغرق وغيره في رهن التركة، فلا ينفذ تصرف الوارث في شيء منها.
وبناء عليه لو باع رجل سلعة ثم مات المشتري قبل أداء الثمن، يكون البائع أحق بسلعته عند الشافعية، كما في حال الإفلاس. ودليلهم رواية ابن أبي ذئب بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق به».
وقال الحنابلة والحنفية والمالكية (٤): صاحب المتاع أسوة الغرماء بدليل رواية
стр. 4407
أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ومعناها «أيما رجل مات أو أفلس، فوجد بعض غرمائه ماله بعينه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء».
٣ - هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة؟ هناك رأيان عند الشافعية والحنابلة (١)، الصحيح منهما: أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث؛ لأن تعلقه بها لا يزيد على تعلق حق المرتهن بالمرهون، وحق الدائن بمال المفلس، وحق المجني عليه بمال الجاني، وهو كله لا يزيل الملك في حق الراهن والمفلس والجاني، فلا يمنع تعلق الدين بالتركة من نقل الملك إلى الورثة.
فلو تصرف الورثة بالتركة ببيع أو غيره، صح تصرفهم، ولزمهم أداء الدين، فإن تعذر وفاؤه فسخ تصرفهم. وتكون زوائد التركة كالنتاج أو الولد أو الولد من حق الورثة؛ لأنها حدثت في ملكهم. ولو تصرف الوارث ولم يكن هناك دين، ثم طرأ دين برد مبيع معيب، فيظل التصرف في الأصح نافذاً، لكن إن لم يقض الدين، فسخ تصرفه، ليصل المستحق إلى حقه.
ولا خلاف في أن للوارث إمساك عين التركةوقضاء الدين من ماله؛ لأنه خليفة المورث، والمورث كان له ما ذكر.
وإذا قسم مال الميت أو مال المفلس بين الغرماء، ثم ظهر غريم آخر، رجع على الغرماء، وشاركهم فيما أخذوه على قدر دينه؛ لأن القسمة كانت بحكم الظاهر أنه لا غريم له غيرهم، فإذا بان خلاف الظاهر، وجب نقض القسمة.
стр. 4408
والرأي الثاني المرجوح: أن الدين يمنع نقل التركة إلى الورثة لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصِي بها أو دين﴾ [النساء:١١/ ٤] أي من بعد إعطاء وصية أو إيفاء دين إن وجد، فجعل التركة للوارث من بعد الدين والوصية، فلا يثبت لهم الملك قبلهما. فلو تصرف الورثة لم يصح تصرفهم؛ لأنهم تصرفوا في غير ملكهم إلا أن يأذن الغرماء لهم.
стр. 4409
القسْمُ الرَّابع: المِلْكيّة وَتوابعُها
يتضمن هذا القسم بحث الملكية في بابين: الباب الأول - الملكية، وفيها تمهيد وستة فصول هي:
الفصل الأول - تعريف الملكية والملك.
الفصل الثاني - قابلية المال للتملك وعدمها.
الفصل الثالث - أنواع الملك.
الفصل الرابع - أنواع الملك الناقص.
الفصل الخامس - أسباب الملك التام.
الفصل السادس - طبيعة الملك أو هل الملكية الخاصة في تشريع الإسلام مطلقة أو مقيدة؟
وأما الباب الثاني: فهو توابع الملكية، وبحثها في اثني عشر فصلاً، أذكرها بعد التمهيد التالي:
стр. 4410
تمهيد
إن الملكية وخصائصها من أخطر ما يقوم عليه النظام الاقتصادي في الماضي والحاضر، وهي محور الخلاف بين النظامين العالميين المعاصرين: النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، لذا كان بحث الملكية وتوابعها من القضايا المهمة التي تشغل بال العالم.
وسيجد الباحث أن هناك كثيراً من أوجه الالتقاء والشبه بين الأنظمة الحالية في أهدافها السامية وبين النظام الإسلامي في تنظيم الملكية، على نحو يحقق مصلحة الفرد والجماعة، أو مصلحة الشعب والدولة، وبذلك انحلت عقدة الصراع على قضية الملكية بما كفله الإسلام من صون مبدأ التملك، ولكن مع تقييده بقيود شديدة ومتعددة لتحقيق مصلحة الجماعة، وتطويقه بوازع الدين الحارس الأمين لكل مصلحة عامة، والدافع القوي للمساهمة في دعم الصالح العام.
كما سيجد الباحث مع ملاحظة اختلاف وجهات النظر الفقهية: أن الأموال العامة كالنفط والمعادن هي حق للجماعة ممثلة بالدولة، كما أن كثيراً من الأحكام الفقهية القديمة مأخوذ به فعلاً في التقنينات الوضعية الحديثة، سواء في ميدان العقود أم في حال الاعتداء على الأموال، وضمان المتلفات على أساس من العدالة والمساواة بين الضرر والتعويض، ورعاية حق الملكية، والدفاع عن المقدسات من نفس ومال وعرض. وهو كله دليل على سمو المبادئ الإسلامية وعدالتها في التطبيق. والله الموفق إلى سواء السبيل.
стр. 4411
هذا وقد سبق في النظريات الفقهية بحث الملكية: تعريفها، أسبابها، أنواعها، ولا بأس من إعادة بحثها هنا بنحو أشمل، مع بحث طبيعة الملكية أو هل الملكية الفردية في الإسلام مطلقة أو مقيدة؟ ثم أذكر ما يتعلق بها، وهو ما يأتي في الفصول الاثنتي عشرة الآتية، وهي موضوع الباب الثاني.
الفصل الأول - أحكام الأراضي.
الفصل الثاني - إحياء الموات.
الفصل الثالث - أحكام المعادن والحمى والإقطاع.
الفصل الرابع - حقوق الارتفاق.
الفصل الخامس - عقود استثمار الأرض - المزارعة، المساقاة، المغارسة.
الفصل السادس - اتفاق القسمة.
الفصل السابع - الغصب والإتلاف.
الفصل الثامن - دفع الصائل.
الفصل التاسع - اللقطة واللقيط.
الفصل العاشر - المفقود.
الفصل الحادي عشر - المسابقة والمناضلة.
الفصل الثاني عشر - الشفعة.
ملحق - معالم النظام الاقتصادي في الإسلام.
стр. 4412
البَابُ الأوَّل: الملكيّة وخَصَائِصها وفيه ستة فصول يأتي بحثها تباعاً وهي ما يأتي:
стр. 4413
الفَصْلُ الأوَّل: تعريف الملكيَّة والمُلْك الملكية أو الملك: علاقة بين الإنسان والمال أقرها الشرع (١) تجعله مختصاً به، ويتصرف فيه بكل التصرفات ما لم يوجد مانع من التصرف.
والملك كما يطلق على هذه العلاقة، يطلق أيضاً على الشيء المملوك، تقول: هذا الشيء ملكي أي مملوك لي. وهذا المعنى هو المقصود في تعريف المجلة (م ١٢٥) للملك: بأنه ما ملكه الإنسان، سواء أكان أعياناً أم منافع. وبهذا المعنى يفهم قول الحنفية: إن المنافع والحقوق ملك وليست بمال.
وبناء عليه فالملك أعم من المال عندهم.
والملك في اللغة: هو حيازة الإنسان للمال والاستبداد به، أي الانفراد بالتصرف فيه. وقد عرف الفقهاء الملك بتعاريف متقاربة مضمونها واحد (٢)، ولعل أفضلها هو ما يأتي:
الملك: اختصاص بالشيء يمنع الغير منه، ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع شرعي.
стр. 4414
فإذا حاز الشخص مالاً بطريق مشروع أصبح مختصاً به، واختصاصه به يمكنه من الانتفاع به والتصرف فيه إلا إذا وجد مانع شرعي يمنع من ذلك كالجنون أو العته أو السفه أو الصغر ونحوها. كما أن اختصاصه به يمنع الغير من الانتفاع به أو التصرف فيه إلا إذا وجد مسوغ شرعي يبيح له ذلك كولاية أو وصاية أو وكالة.
وتصرف الولي والوصي أو الوكيل لم يثبت له ابتداء، وإنما بطريق النيابة الشرعية عن غيره، فيكون القاصر أو المجنون ونحوهما هو المالك، إلا أنه ممنوع من التصرف بسبب نقص أهليته أو فقدانها، ويعود له الحق بالتصرف عند زوال المانع أو العارض.
стр. 4415
الفَصْلُ الثَّاني: قابليَّة المال للتّملك وعدمها المال في الأصل قابل بطبيعته للتملك، لكن قد يعرض له عارض يجعله غير قابل في كل الأحوال أو في بعضها للتملك، فيتنوع المال بالنسبة لقابليته للتملك إلى ثلاثة أنواع:
١ - ما لا يقبل التمليك ولا التملك بحال: وهو ما خصص للنفع العام كالطرق العامة والجسور والحصون والسكك الحديدية والأنهار والمتاحف والمكتبات العامة والحدائق العامة ونحوها. فهذه الأشياء غير قابلة للتملك لتخصيصها للمنافع العامة. فإذا زالت عنها تلك الصفة عادت لحالتها الأصلية، وهي قابلية التملك، فالطريق إذا استغني عنه أو ألغي جاز تملكه.
٢ - ما لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي: كالأموال الموقوفة وأملاك بيت المال، أي الأموال الحرة في عرف القانونيين. فالمال الموقوف لا يباع ولا يوهب إلا إذا تهدم أو أصبحت نفقاته أكثر من إيراده، فيجوز للمحكمة الإذن باستبداله (١).