الثالث - أن يبلغ الصغير، وليس له أب ولا وصي، وهو المُهْمل: فهو محمول على الرشد إلا أن يتبين سفهه.
والخلاصة: أن الصبي ذا الأب أو الوصي المختار لا يحتاج رفع الحجر عنه إلى حاكم، ولكن ذو الأب لا يحتاج إلى ترشيد، وذو الوصي يحتاج إلى ترشيد. وأما ذو الوصي المعين من القاضي، فيحتاج لحكم القاضي في رأي ابن جزي، ولايحتاج لإذن القاضي فيما قرره الدردير، وهو الراجح.
وأما الأنثى: فذات الأب لا ينفك الحجر عنها إذا لم يرشدها أبوها إلا بأمور أربعة: بلوغها، وحسن تصرفها، وشهادة العدول بذلك، ودخول الزوج بها. وللأب ترشيدها قبل دخول الزوج بها بأن يقول لها: رشدتك ورفعت الحجر عنك. فيرتفع الحجر عنها وتنفذ تصرفاتها، ولو لم يشهد العدول بصلاح حالها.
وأما ذات الوصي (المختار أو المعين من القاضي): فلا ينفك الحجر عنها إلا بأمور خمسة: البلوغ، وحسن تصرفها، وشهادة البينة بذلك، ودخول الزوج بها، وفك الوصي حجرها بترشيدها، ولا يحتاج في الفك لإذن الحاكم؛ أي أن الأنثى لا تحتاج في رفع الحجر عنها إلى قضاء القاضي.
وعليه يكون مذهب المالكية قريباً من مذهب الجمهور، إذ لا يحتاج رفع الحجر عن الصغير لقضاء القاضي إلا إذا كان الصغير تحت ولاية القاضي، فيحتاج لترشيد القاضي، كما يحتاج ذو الوصي لترشيد الوصي.
والخلاصة: أن ما يرفع الحجر عن الصبي شيئان عند الجمهور غير الشافعية: هما إذن الولي إياه بالتجارة، وبلوغه رشيداً. وعند الشافعية شيء واحد هو البلوغ.
ب - وإن بلغ الصغير غير رشيد، لا تسلم إليه أمواله، بل يحجر عليه بسبب
стр. 4342
السفه، باتفاق المذاهب، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤].
إلا أن أبا حنيفة (١) قال: يستمر الحجر على البالغ غير الرشيد إلى بلوغه خمساً وعشرين سنة، ثم يسلم إليه ماله، ولو لم يرشد؛ لأن في الحجر عليه بعد هذه السن إهداراً لكرامته الإنسانية، ولقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧] وهذا قد بلغ أشده، ويصلح أن يكون جَدَّاً في هذه السن، ولأن المنع عنه للتأديب، ولا يتأدب بعدئذ غالباً، فلا فائدة في المنع، فلزم الدفع إليه.
وقال الصاحبان وباقي الأئمة (٢): إذا بلغ الولد غير رشيد، لا يسلم إليه ماله، ويستمر الحجر عليه، حتى يؤنس رشده، ولو بلغ الستين من عمره، للآية السابقة ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] حيث شرط الله تعالى لدفع أموال اليتامى إليهم شرطين: البلوغ وإيناس الرشد، والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما، ولقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء:٥/ ٤] أي أموالهم.
ثالثاً - البلوغ: يحدث البلوغ إما بالأمارات الطبيعية أو بالسن. أما الأمارات أو العلامات الطبيعية، فاختلفت المذاهب في تعدادها:
فقال الحنفية (٣): يعرف البلوغ في الغلام بالاحتلام، وإنزال المني، وإحبال المرأة. والمراد من الاحتلام هو خروج المني في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره.
стр. 4343
والدليل على كونه علامة البلوغ قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا﴾ [النور:٥٩/ ٢٤] وخبر «رفع القلم عن ثلاثة، منها: عن الصبي حتى يحتلم (١)» وروى أبو داود عن علي بن أبي طالب قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : «لا يُتم بعد الاحتلام».
وإذا تحقق البلوغ بالاحتلام تحقق بالإنزال؛ لأن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة، فعلق الحكم به. وكذا الإحبال؛ لأنه لا يتحقق بدون الإنزال عادة.
ويعرف البلوغ في الأنثى بالحيض لخبر رواه الخمسة إلا النسائي: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٢) أو بالحبل لأن الحمل دليل على إنزال المرأة فيحكم ببلوغها منذ حملت. وأدنى مدة البلوغ للغلام اثنتا عشرة سنة، وللأنثى تسع سنين، وهو المختار عند الحنفية.
فإذا لم يحصل بلوغ طبيعي، ثبت البلوغ بالسن، فمتى بلغ الولد (ذكراً أو أنثى) سن الخامسة عشرة فقد بلغ الحلم على المفتى به، وهو سن المراهقة.
وقال أبو حنيفة: يبلغ الغلام إذا أتم ثماني عشرة سنة، والأنثى سبع عشرة سنة؛ لأنه إنما يقع اليأس عن الاحتلام الذي علق الشرع الحكم به بهذه السن.
ومذهب المالكية (٣): علامات البلوغ الطبيعية سبعة، خمسة منها مشتركة بين
стр. 4344
الجنسين، واثنان مختصان بالأنثى. فالحيض والحبل خاص بالمرأة. وإنزال المني مطلقاً في نوم أو يقظة، وإنبات شعر العانة الخشن، لا الزغب، ونتن الإبط، وفرق أرنبة الأنف، وغلظ الصوت: مشترك بين الذكر والأنثى. ودليل حصول البلوغ بالإنبات: حديث الترمذي عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شَرْخهم، والشرخ: الغلمان الذين لم يُنْبتوا».
فإن لم يظهر شيء مما ذكر، كان بلوغ الصغير بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل: بالدخول فيها.
ومذهب الشافعية (١): يحصل البلوغ إما باستكمال خمس عشرة سنة قمرية، أو بالاحتلام أو بخروج المني وقت إمكانه من ذكر أو أنثى، ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين، أو بنبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته لنحو حلق. وأما نبات شعر الإبط واللحية، فليس دليلاً للبلوغ لندورهما دون خمس عشرة سنة.
ويزيد على المذكور بالنسبة للمرأة: الحيض والحبل.
والخلاصة: أن البلوغ عندهم يحصل بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة، وهي الإنزال (الاحتلام) والإنبات والسن. واثنان تختص بهما المرأة وهما الحيض والحبل.
ودليلهم على تحديد السن بـ ١٥ سنة: خبر ابن عمر: «عُرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت عليه
стр. 4345
يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني، ورآني بلغت (١)».
ومذهب الحنابلة (٢) كالشافعية تماماً.
رابعاً - الرشد: الرشد عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (٣): هو صلاح المال ولو كان فاسقاً، أي توفر الخبرة في إدارة المال واستثماره وحفظه وإصلاحه، وحسن التصرف به، وتمييز النافع من الضار، فلا ينفق ماله في غير مصلحة، ولا يضيعه بالتبذير والإسراف، لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] قال ابن عباس: يعني صلاحاً في أموالهم. فمن كان مصلحاً لماله، فقد وجد منه الرشد، ولم يكن الحجر عليه إلا لحفظ ماله، فكان المؤثر فيه ما أثر في تضييع المال، أو حفظه.
وقال الشافعية (٤): الرشد صلاح الدين والمال، فإصلاح الدين؛ ألا يرتكب من المعاصي ما يسقط به العدالة، وإصلاح المال: أن يكون حافظاً لماله غير مبذر، فلا يفعل محرماً يبطل العدالة: من كبيرة أو إصرار على صغيرة، ولم تغلب طاعاته على معاصيه، ولا يبذر بأن يضيع المال بغبن فاحش (٥) في المعاملة ونحوها، أو
стр. 4346
رميه في بحر، أو إنفاقه في محرم. فإذا بلغ الصغير غير رشيد لاختلال صلاح الدين أو المال، دام الحجر عليه، فيتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل بلوغه.
والأصح عندهم أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير.
ويختبر الولي رشد الصبي في الدين والمال، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء:٤/ ٦] أي اختبروهم. أما في الدين فمشاهدة حاله في العبادات، وتجنب المحظورات، وتوقي الشبهات، ومخالطة أهل الخير.
وأما اختباره في المال فبحسب أمثاله، فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء، والمماكسة فيهما، أي طلب النقصان عما طلبه البائع، وطلب الزيادة على ما يبذله المشتري. ويختبر ولد الزارع بالزراعة، والنفقة على العمال فيها، ويختبر المحترف بما يتعلق بحرفة أبيه وأقاربه. وتختبر المرأة بما يتعلق بالغزل والقطن حفظاً وحياكة وغيرها.
ويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر، قبل البلوغ. وقيل: بعده.
خامساً - ولي المحجور عليه: الولي: هو صاحب السلطة الشرعية التي يتمكن بها صاحبها من التصرف في مال غيره من غير توقف على إجازة أحد. وقد اتفق أئمة المذاهب على أن ولي المحجور عليه صبياً أو غيره في الأموال هو الأب إن كان موجوداً، ولم يكن مجنوناً أو محجوراً عليه، واختلفوا في غير الأب.
قال الحنفية (١): الولي الذي له حق التصرف في مال المحجور عليه: هو
стр. 4347
أبو الصبي، ثم وصيه بعد موته، ثم وصي وصيه، ثم جده (أبو أبيه)، ثم وصي جده، ثم وصي وصيه، ثم الوالي، ثم القاضي أو وصي القاضي. وهذا الترتيب مبني على درجة الشفقة، فشفقة الأب فوق شفقة الكل، وشفقة وصيه فوق شفقة الجد؛ لأنه مرضي الأب ومختاره، وشفقة الجد فوق شفقة القاضي، لوجود القرابة.
وما عدا المذكورمن العَصَبة كالأخ أو العم، أو غيرهما كالأم ووصيها فليس لهم الإشراف على أموال المحجور عليه، ولا يملكون الإذن للقاصر بالتجارة. وهذا الترتيب للأولياء هو في شأن المال، أما في قضايا الزواج فللأولىاء ترتيب آخر.
وقال المالكية (١): الولي على المحجور عليه من صغير أو سفيه لم يطرأ عليه السفه بعد بلوغه (٢): هو الأب الرشيد، ثم لوصيه، ثم للحاكم، فإن لم يكن حاكم فالولاية لجماعة المسلمين. فلا تثبت الولاية المالية للجد والأخ والعم إلا بإيصاء الأب.
وقال الشافعية (٣): ولي الصبي: أبوه، ثم جده، ثم وصي من تأخر موته من الأب أو الجد، ثم القاضي أو نائبه، لخبر «السلطان ولي من لا ولي له» (٤). ولا ولاية لسائر العصبات كالأخ والعم، كما لا ولاية للأم في الأصح: ولا ية مال أو ولاية نكاح. وإني مع هذا الرأي إذ لا أكاد أصدق أن عاطفة وصي الأب غير القريب أولى من الجد، فرابطة الدم والقرابة أشد باعثاً على الرعاية والحفظ والاهتمام بشؤون القصر.
стр. 4348
وقال الحنابلة (١) كالمالكية تماماً: تثبت الولاية على الصبي والمجنون للأب، ثم لوصيه بعده، ثم للحاكم. لكن إن جدد الحجر على الشخص بعد بلوغه، فالولاية عليه للحاكم؛ لأن الحجريفتقر إلى حكم حاكم، وزواله يفتقر إليه، فكذلك النظر في ماله.
سادساً - تصرفات ولي القاصر: اتفق الفقهاء على أن الولي يتصرف وجوباً في مال الصبي القاصر بالمصلحة وعدم الضرر لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧] وقوله سبحانه: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة:٢٢٠/ ٢] كما أنهم اتفقوا على أن الغني لا يأكل من مال اليتيم، وللفقير أن يأكل بالمعروف من غير إسراف؛ لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء:٦/ ٤] وروى الشيخان عن عائشة أنها نزلت في ولي اليتيم إذا كان فقيراً أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. وروي أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال، ولي يتيم، فقال ﵊: «كل من مال يتيمك غير مُسْرف، ولا مُبذِّر، ولا مُتأثِّل مالاً، ولا تقِ مالك بماله» (٢).
وتفصيل المذاهب في تحقيق المصلحة كما يأتي:
قال الحنفية (٣): لا يملك الولي شيئاً من التبرعات من مال الصغير؛ لأن ذلك
стр. 4349
ضرر محض، فلا يقرض ماله ولا يوصي به، ولا يتصدق بماله، ولا يطلق امرأته، ولا يهب شيئاً من ماله من غير عوض، كما ليس له أن يهب بعوض عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الهبة بعوض هبة ابتداء، وإنما تصير معاوضة انتهاء، وهو لا يملك الهبة. وتجوز الهبة بعوض عند محمد لأنها في معنى البيع.
لكن للقاضي إقراض مال اليتيم، لأنه من باب حفظ الدين. وللولي أن يقبل الهبة والصدقة والوصية للصغير، لأن التصرف نفع محض، فيملكه الولي، وقال ﵊: «خير الناس أنفعهم للناس» (١).
وللولي إعارة مال القاصر استحساناً، وإيداعه، ورهنه بدين القاصر؛ لأن التصرف من توابع التجارة، وهو يملكها، كما له أن يرهن مال القاصر بدين للولي نفسه؛ لأن عين المرهون تحت يد المرتهن، إلا أنه إذا هلك يضمن مقدار ما صار مؤدياً منه دين نفسه.
وللولي أن يبيع مال القاصر بأكثر من قيمته، ويشتري له شيئاً بأقل من قيمته لأنه نفع محض له. كما له أن يبيعه بمثل قيمته، وبأقل من قيمته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة. وله أن يشتري له شيئاً بمثل قيمته وبأكثر من قميته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة.
وله أن يؤاجر نفس القاصر وماله بأكثر من أجر مثله، أو بأجر مثله، أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة. وله أن يستأجر للقاصر شيئاً بأقل من أجر المثل أو بأجر المثل، أو بأكثر منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة. وفي حالة إجارة نفس القاصر إذا بلغ، له الخيار: إن شاء أمضاها، وإن شاء أبطلها، دفعاً للإضرار، ولا خيار له في إجارة المال؛ لأن الأب يملك ذلك بحسب المصلحة، وينفذ تصرفه.
стр. 4350
وللولي أن يسافر بمال الصغير، وأن يضارب به، وأن يوكل بالبيع والشراء، والإجارة والاستئجار؛ لأن هذه التصرفات من توابع التجارة، وكل من ملك التجارة، ملك ما هو من توابعها.
وأما بيع عقار القاصر: فيجوز للولي العدل (محمود السيرة بين الناس أو مستور الحال) أن يبيعه بمثل القيمة فأكثر، ولا يجوز بيعه للوصي إلا للضرورة كبيعه لتسديد دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع. وهذا هو المفتى به. وينفذ بيع الوصي بإجازة القاضي، وله رده إذا كان خيراً.
ويجوز للأب أو الجد أن يشتري مال الصغير لنفسه، أو يبيع مال نفسه من الصغير، بمثل قيمته أو بأقل مما يتغابن فيه عادة. ولا يجوز بغبن فاحش. وينفذ البيع إذا أجازه القاضي، وللقاضي نقض البيع إذا رأى ذلك خيراً للصبي.
ولا يجوز الشراء أو البيع للوصي عند محمد. ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف إن كان البيع للوصي أو الشراء منه خيراً لليتيم، وإلا فلا يجوز. وفسرت الخيرية: بأن تزيد السلعة التي يشتريها الوصي بعشرة من أجنبي (غير الصغير) فإنه يلزم أن يشتريها من الصغير بخمسة عشر.
وقال المالكية (١): يتصرف الولي في مال الصغير بالمصلحة، فللأب بيع مال ولده المحجور عليه مطلقاً، عقاراً أو منقولاً، ولا يتعقب بحال، ولا يطلب منه بيان سبب البيع؛ لأن تصرفه محمول على المصلحة. وله أيضاً هبة الثواب (أي بعوض).
أما الوصي فلا يبيع عقار محجوره إلا لسبب يقتضي بيعه، كما ليس له هبة
стр. 4351
الثواب من مال محجوره إلا لضرورة، لأنه إذا هلك الموهوب، لم يلزم إلا قيمته يوم الهلاك، ومن الجائز أن تنقص قيمته يوم الهلاك عن قيمته يوم الهبة، وهذا ضرر باليتيم.
كذلك يبيع الحاكم كالوصي مال المحجور عند الضرورة كالنفقة ووفاء الدين ونحوهما. فيكون هذا المذهب كالحنفية من حيث المبدأ.
وذكر المالكية أحد عشر سبباً لجواز بيع عقار القاصر من وصي أو حاكم للضرورة وهي:
١ - الحاجة البينة للبيع كنفقة أو وفاء دين لا قضاء له إلا من ثمنه.
٢ - الخوف عليه من ظالم يأخذه منه غصباً، أو يعتدي على ريعه ولم يستطع رده.
٣ - المصلحة الظاهرة (الغبطة): بأن يبيعه بزيادة الثلث على ثمن المثل فأكثر.
٤ - أن يكون موظفاً عليه ضريبة ظالمة، فيباع ليشترى له ما لا توظيف عليه إلا أن يكون الأول أكثر ريعاً.
٥ - أن يكون حصته مع شريك، فيباع ليشترى له عقار مستقل لا شركة فيه تخلصاً من ضرر الشركة.
٦ - أن يكون ريعه قليلاً أو لا ريع له أصلاً، فيباع ليستبدل له ما فيه ريع أكثر.
٧ - أن يكون العقار بين جيران سوء في الدين أو الدنيا، أو لكونه بين جيران ذميين، فيباع ليستبدل به عقار بين جيران صالحين.
стр. 4352
٨ - أن يكون مشتركاً غير قابل القسمة، فيبيع شريكه حصته، فيباع مع بيع شريكه.
٩ - أن يخاف خرابه، ولا مال للمحجور عليه يعمر به إذا خرب، فيباع.
١٠ - أن يخاف خرابه، وله مال يعمر به، ولكن بيعه أولى من تعميره.
١١ - أن يصبح المنزل منفرداً في مكان لانتقال العمارة عنه.
وقال الشافعية (١): يتصرف الولي للقاصر بالمصلحة وجوباً، فيحفظ ماله عن أسباب التلف، ويستثمره ويتجر له في ماله، حتى لا تأكله المؤن من نفقة وغيرها، لقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً، وارزقوهم فيها .. ﴾ [النساء:٥/ ٤] وقوله «فيها» لا «منها» تنبيه على أن الولي ينفق على موليه من ريع ماله بعد تشغيله، لا من عينه. ولقول النبي ﷺ : «من ولي يتيماً، وله مال فليتجر له بماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (٢)، ويبني له داره بأمتن مواد البناء عند الإمكان. ويشتري له العقار إذا حصل من ريعه الكفاية لأنه يبقى وينتفع بغلته، هذا إذا لم يخف جوراً من سلطان أو غيره، أو خراباً للعقار. وله أن يسافر بمال الصبي والمجنون وقت الأمن إذا اقتضت المصلحة السفر به، ولا يشتري له ما يسرع فساده، وإن كان مربحاً.
ولا يبيع عقاره إلا في موضعين: أحدهما لحاجة كنفقة وكسوة بأن لم تف غلة العقار بهما، ولم يجد من يقرضه، أو لم ير المصلحة في الاقتراض، أو خاف خرابه، والثاني - لمصلحة (غبطة) ظاهرة، كأن يرغب فيه شريك أو جار بأكثر من ثمن مثله، وهو يجد مثله ببعضه، أو خيراً منه بكله، أو يكون ثقيل الخراج، أي المغارم والضرائب مع قلة ريعه.
стр. 4353
وله بيع مال القاصر مبادلة بعرض آخر، ونسيئة (مؤجلة) للمصلحة التي يراها فيهما، كأن يكون في الأول ربح، وفي الثاني زيادة لائقة، أو خاف عليه من نهب أو إغارة. وإذا باع نسيئة أشهد على البيع وجوباً وارتهن بالثمن رهناً وافياً به. ويشترط أن يكون المشتري موسراً ثقة، والأجل قصيراً عرفاً، احتياطاً للمحجور عليه، فإن لم يفعل ذلك، ضمن، وبطل البيع على الأصح. ولا يودع ماله، ولا يقرضه من غير حاجة؛ لأنه يخرجه من يده. ويزكي ماله وجوباً، لأن الولي قائم مقام القاصر، وينفق عليه بالمعروف في طعام وكسوة مما لا بد منه، بما يليق به في إعساره ويساره، فإن قتَّر أثم، وإن أسرف أثم وضمن.
فإن ادعى الصغير بعد بلوغه على الأب والجد بيعاً لماله، ولو عقاراً، بلا مصلحة، صدق الأب والجد باليمين؛ لأنهما لا يتهمان لوفور شفقتهما. وإن ادعاه على الوصي أو أمين القاضي، صدق الولد للتهمة في حقهما. وإن أراد الولي أن يبيع مال القاصر بماله: فإن كان أباً أو جداً جاز البيع؛ لأنهما لا يتهمان فيه، لكمال شفقتهما، وإن كان غيرهما لم يجز، لما روي أن النبي ﷺ قال: «لا يشتري الوصي من مال اليتيم» (١) ولأنه متهم بمراعاة مصلحته في بيع مال القاصر من نفسه.
وقال الحنابلة (٢) كالشافعية تقريباً: لا يجوز لولي الصغير والمجنون أن يتصرف في مالهما إلا على وجه الحظ (المصلحة) لهما، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧].
فإن تبرع بهبة أو صدقة، أو حابى بأن اشترى بزيادة، أو باع بنقصان، أو زاد
стр. 4354
على النفقة عليهما بالمعروف، ضمن؛ لأنه مفرط، كتصرفه في مال غيرهما. وللولي الإنفاق عليهما من مالهما بغير إذن الحاكم.
ولايصح للولي أو الوصي أو الحاكم أن يشتري من مال الصغير والمجنون شيئاً لنفسه، أو يبيعهما شيئاً من نفسه، أو يرتهن من مالهما لنفسه؛ لأنها مظنة التهمة، إلا الأب لوفور شفقته، وسعيه في مصلحة ابنه، فلا يفعل إلا ما فيه حظه، بخلاف غيره.
ويجب على الولي إخراج زكاة مالهما من مالهما.
ولايصح إقرار الولي عليهما بمال ولا إتلاف ونحوه؛ لأنه إقرار على الغير.
وللولي السفر بمالهما لتجارة وغيرها في مواضع الأمن وغلبة السلامة؛ لأنه أحظ لهما.
وللولي التجارة بالمال بنفسه ولا أجرة له، والربح كله للمولى عليه؛ لأنه نماء ماله، والتجارة بما لهما أولى من تركها، لقول عمر وغيره: «اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الصدقة». وللولي دفع المال مضاربة إلى أمين يتجر فيه بجزء من الربح، وله إبضاعه أي دفع مالهما إلى من يتجر به، والربح كله للمولى عليه.
وله بيعه نسيئاً لمليِّ، وله قرضه لمصلحة فيهما، بأن يكون الثمن المؤجل أكثر مما يباع به حالاً، وذلك لحاجة سفر أو خوف على المال من نهب أو غرق أو غيرهما، ولو بلا رهن ولا كفيل به. فإن ضاع المال أو تلف بسبب ترك الرهن والكفيل لم يضمن الولي؛ لأن الظاهر السلامة.
وله إيداع مال المولى عليه لثقة، أو قرضه لمليء أمين، لمصلحة فيه؛ لأنه أحفظ له، ولا ضمان على الولي إن تلف لعدم تفريطه. ولا يقرض وصي ولا
стр. 4355
حاكم منه شيئاً لنفسه، كما لا يشتري من نفسه، ولا يبيع لنفسه للتهمة، أما الأب فيجوز له لعدم التهمة، كما تقدم.
وله هبة المال بعوض قدر قيمته فأكثر، أما بدونها فمحاباة لاتصح. وله رهنه عند ثقة لحاجة.
وللولي شراء العقار للمولى عليه ليستغل، وله أيضاً بناؤه بما جرت به عادة أهل بلده.
وله تعليمه الخط والرماية والأدب وما ينفعه، وأداء الأجرة عنه من مال المولى عليه؛ لأنه لمصلحته، وله تسليمه للعمل في صناعة، ومداواته لمصلحة بلا إذن حاكم.
وللولي بيع عقار المولى عليه لمصلحة، ولو لم يحصل زيادة على ثمن مثله. وأنواع المصلحة كثيرة منها:
- الحاجة إلى نفقة أو كسوة أو قضاء دين ونحوها مما لا بد منه للصغير أو المجنون إذا لم يكن لهما ما تندفع به الحاجة سوى المبيع.
- أن يخاف على العقار الهلاك بغرق أو حرق أو خراب، ونحوها.
- أن يكون في بيع العقار صفقة رابحة للقاصر، كأن يباع بزيادة كثيرة على ثمن مثله، ولا يتقيد بالثلث.
- أن يكون العقار في مكان لا ينتفع به، كأن يكون في حي غير عامر، أو قليل النفع، فيبيعه ليشتري له عقاراً في مكان آهل بالسكان، أو أكثر نفعاً.
- أن يرى الولي شيئاً يباع بسعر رخيص، لا يمكن شراؤه إلا ببيع العقار.
стр. 4356
ـ أن يكون العقار في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيه، كسوء الجوار أو غيره. ونحوه مما لا ينحصر مما يكون فيه مصلحة. ولا يباع إلا بثمن المثل.
سابعاً ـ الإذن للقاصر في التصرفات: الإذن في اللغة: الإعلام، ومنه الأذان؛ لأنه إعلام بوقت الصلاة، قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة:٣/ ٩] أي إعلام. وقال تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج:٢٧/ ٢٢] أي أعلمهم به.
وفي الشرع: الإذن: فك الحجر في التجارة، وإطلاق التصرف، وإسقاط الولي حق المنع من التصرف للقاصر.
واتفق الفقهاء على اختبار المميز في التصرفات، لمعرفة رشده، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء:٦/ ٤] أي اختبروهم. واختباره بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله. فإن كان من أولاد التجار، اختبر بالمماكسة في البيع والشراء، وإن كان من أولاد الزراع اختبر بالزراعة، وإن كان من أولاد أصحاب الحرف اختبر بالحرفة. والمرأة تختبر في شؤون البيت من غزل وطهي طعام وصيانته وشراء لوازم البيت،
ونحوها (١).
واختلفوا في إذن الولي للقاصر بالتجارة وفي أثر الإذن على التصرفات:
١ - فقال الشافعية (٢): لا يجوز الإذن له في التجارة، وإنما يسلم إليه المال، ويمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد عقد الولي؛ لأن تصرفاته وعقوده باطلة لعدم توافر العقل الكافي لتقدير المصلحة في مباشرة التصرف، فلا يثبت له أحكام
стр. 4357
العقلاء قبل وجود مظنةكمال العقل. لكن يختبر السفيه، فإذا ظهر رشده عقد؛ لأنه مكلف.
٢ - وقال الحنفية، والمالكية في المعتمد عندهم، والحنابلة في الرواية الراجحة (١): يجوز للولي المالي الإذن للقاصر في التجارة إذا أنس منه الخبرة، لتدريبه على طرق المكاسب، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء:٦/ ٤] أي اختبروهم لتعلموا رشدهم. وإنما يتحقق الاختبار بتفويض التصرف إليهم في البيع والشراء، ولأن المميز عاقل محجور عليه، فيرتفع حجره بإذن وليه، ويصح تصرفه بهذا الإذن، فلو تصرف بلا إذن لم يصح عند الحنابلة، ولم ينفذ عند المالكية والحنفية. وهذا الرأي هو الأرجح والمعقول، لاتفاقه مع طبيعة التدريب على التصرفات.
والإذن عند الحنفية والمالكية قد يكون صريحاً، مثل أذنت لك في التجارة، أو دلالة، كما لو رآه يبيع ويشتري، فسكت؛ لأن سكوته دليل الرضا، ولو لم يعتبر سكوته، لأدى إلى الإضرار بمن يعاملونه.
وقال الحنابلة وزفر من الحنفية: لا يثبت الإذن بالدلالة، لأن سكوته محتمل للرضا، ولعدم الرضا.
وأما أثر الإذن: فقال الحنفية: الإذن فك الحجر لا توكيل، فيكون عاماً، وإن قيده بنوع خاص، فلا يتوقت ولا يتخصص بنوع ولا بمكان؛ لأنه إسقاط، والإسقاطات لا تقبل التقييد. فإذا أذن الولي في التجارة، نفذت جميع تصرفات
стр. 4358
المأذون التي تحتمل النفع والضرر، فله أن يبيع ويشتري ويضارب ويرهن ويسترهن، ويؤجر ويستأجر. وليس له أن يهب أو يتصدق أو يقرض أو يتكفل، لأن التصرف تبرع، وليس تجارة ولا من مستلزمات التجارة.
ويجوز للمأذون عند أبي حنيفة أن يتصرف بغبن فاحش؛ لأنه أصبح بالإذن كامل الأهلية، ولكامل الأهلية التصرف بشؤون التجارة ولو بغبن فاحش.
وقال الصاحبان: لا يجوز تصرفه بغبن فاحش؛ لأن الزيادة الناجمة عن الغبن بمنزلة التبرع، وهو لا يملكه. وهذا في تقديري أولى لأن هذا التصرف مشتمل على ضرر له، وهو لا يملك التصرف الضار.
و مذهب المالكية في نفاذ تصرفات المأذون في المعاوضات المالية دون التبرعات هو كالحنفية، إلا أنهم قالوا كالصاحبين: لا ينفذ التصرف المشتمل على غبن فاحش.
و مذهب الحنابلة: أن الإذن بمثابة التوكيل، فلا ينفك الحجر بالإذن إلا فيما أذن له فيه وليه فقط، فإذا أذن الولي في التجارة في مئة، لم يصح تصرف المأذون فيما زاد عليها، وإذا أذن في نوع من التجارة، يتقيد فيه فقط؛ لأن تصرفه جاز بالإذن، فيزول الحجر عنه ويتقيد فيما أذن له فيه. لكن المأذون في التجارة من مميز ونحوه كمضارب في البيع، له البيع نسيئة أو بعرض (متاع)، لا كوكيل؛ لأن الغرض هنا الربح كالمضاربة.
ويصح إقرار المميز المأذون بقدر ما أذن له فيه؛ لأن الحجر انفك عنه فيه، وليس له التوكيل فيما أذن له فيه.
أجر الولي على ولايته: إن كان الولي غنياً لم يجز له الأجر على رعايته
стр. 4359
أموال المحجور وتنميتها وتشغيلها، وإن كان فقيراً، وانشغل بهذه الرعاية عن كسبه والتفرغ لشأن نفسه، جاز له أن يأخذ أجراً معتدلاً على رعايته، ويعين الأجر بحسب العرف الشائع، ودليل هذا التفصيل قوله تعالى: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف .. ﴾ [النساء:٦/ ٤].
المطلب الثاني - أثر الحجر في تصرفات المجنون:
المجنون: هو من زال عقله. فإن استمر جنونه في جميع الأوقات، كان جنوناً مُطْبِقاً، وإذا ذهب عقله في وقت، وأفاق في وقت، كان جنونه متقطعاً.
ففي وقت الجنون يكون المجنون كالصبي غير المميز، تنسلب عنه الولايات الثابتة بالشرع كولاية الزواج، أو الثابتة بالتفويض كالإيصاء والقضاء، وتبطل أقواله في الدين والدنيا كالإسلام والمعاملات، لعدم قصده.
فلا تعتبر تبرعاته كالصدقة والهبة، وتبطل جميع عقوده وتصرفاته كالبيع والشراء وإقراراته وطلاقه؛ لأنه فاقد الأهلية. وتعتبر أفعاله كالإحبال وإتلاف مال غيره، فينسب الولد له، ويضمن جنايته على نفس أو طرف أو جرح، فيلتزم بأرش (تعويض) الجناية.
وأما في وقت الإفاقة التامة بحيث يكون المصاب كامل العقل والتمييز فتعتبر تصرفاته صحيحة نافذة. فإن كانت إفاقته غير تامة، بأن كان يعقل بعض الأشياء دون بعض، فتعد تصرفاته كالمميز موقوفة على إجازة وليه إذا كانت محتملة الضرر والنفع، وتبطل إذا كانت ضارة، وتنفذ إذا كانت نافعة. وهذا عند الحنفية والمالكية.
стр. 4360
المطلب الثالث - أثر الحجر في تصرفات المعتوه:
المعتوه: هو من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير لاضطراب عقله، سواء من أصل الخلقة، أو لمرض طارئ.
فإن كان العته شديداً، والمعتوه غير مميز، فهو كالمجنون والصغير غير المميز، تكون تصرفاته كلها باطلة. وقد ألحقت كتب الفقهاء العته بالجنون (١).
وإن كان العته خفيفاً، والمعتوه مميزاً، فتصرفه الضار عند الحنفية والمالكية يكون باطلاً، والنافع يكون صحيحاً، والدائر بين النفع والضرر يكون موقوفاً على إجازة وليه، فهو كالصبي المميز (٢).
المطلب الرابع - أثر الحجر على السفيه:
يحجر على السفيه باتفاق المذاهب، كما يحجر على الصبي والمجنون، والحجر على السفيه هو المفتى به والمختار في المذهب الحنفي.
والسفيه: هو من يبذر ماله، ويصرفه في غير موضعه الصحيح، بما لا يتفق مع الحكمة والشرع. وفسر المالكية (٣) السفه: بصرف المال في معصية كخمر وقمار (اللعب بالدراهم على أن من غلب صاحبه فله من المعلوم كذا، وهو محرم إجماعاً) أو بصرفه في معاملة من بيع أو شراء بغبن فاحش خارج عن العادة بلا
стр. 4361
مصلحة (من غير مبالاة) أو صرفه في شهوات نفسانية على خلاف عادة مثله في مأكله ومشربه وملبوسه ومركوبه ونحوها، أو بإتلافه هَدَراً، كأن يطرحه على الأرض أو يرميه في بحر ونحوه.
وقد اختلفت المذاهب في تعريفه وفي أحكامه.
١ - مذهب الحنفية (١): السفه: هو تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل، ولو في الخير، كأن يصرفه في بناء المساجد ونحوها. والتبذير كالإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفات لا لغرض، أو لغرض لا يعده العقلاء المتدينون غرضاً كدفع المال إلى المغنين، والغبن في التجارات من غير محمدة (٢).
والسفيه: الخفيف العقل، المتلف لماله فيما لا غرض له فيه، ولا مصلحة. وحكمه مختلف فيه، فقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر العاقل البالغ بسبب السفه والدَّيْن والفسق والغفلة. فلا يحجر على السفيه ويظل تصرفه في ماله جائزاً، وإن كان مبذراً مفسداً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة؛ لأن في سلب ولايته على ماله إهدار آدميته، وإلحاقه بالبهائم، وهو أشد ضرراً من التبذير، فلا يتحمل الضرر الأعلى لدفع الأدنى. قال تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ [النساء:٢/ ٤] والمراد به بعد البلوغ (٣).
لكن إذا بلغ الغلام غير رشيد لإصلاح ماله، لم يسلم إليه ماله في أوائل بلوغه، حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة. وإن تصرف في ماله بعد البلوغ قبل أن
стр. 4362
يبلغ تلك السن، نفذ تصرفه، لوجود الأهلية، وإذا بلغ خمساً وعشرين سنة، سلِّم إليه ماله، وإن لم يؤنس منه الرشد؛ لأن المنع عنه للتأديب، ولا يتأدب بعد هذه السن غالباً، فقد يصير جَدَّاً في هذه السن، فلا فائدة في المنع. وهذا كله غير المفتى به.
وقال الصاحبان: يحجر على السفيه والمديون والمغفل، ولا يحجر على الفاسق. وبقولهما يفتى صيانة لمال السفيه والمغفل، ورعاية لمصلحة الدائنين الغرماء. ودليل الصاحبين وأئمة المذاهب الأخرى على جواز الحجر على السفيه: قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ [النساء:٥/ ٤] فقد نهى الله الأولياء عن إعطاء السفهاء أموالهم، مما يدل على منعهم من التصرف، إذ لو أبيح لهم التصرف، لأمكنهم إتلاف أموالهم، وهي في يد أوليائهم، فلا يكون لمنع المال عنهم فائدة. وقال النبي ﷺ فيما يرويه الطبراني بإسناد صحيح: «خذوا على يد سفهائكم».
ثم إن في الحجر على السفيه رعاية لمصلحته، ودفع الضرر عنه بحفظ ماله وعدم وقوعه في الحاجة والفقر، كما أن فيه رعاية المصلحة العامة بدفع الضرر عن الناس الذين يعاملونه، حتى لا يصبح الشخص عالة على المجتمع، ومنعاً من إلحاق الضرر بالأموال، ودفع الضرر واجب شرعاً لقوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار» (١).
وبناء على قول الصاحبين المفتى به: حكم السفيه المحجور عليه كحكم الصبي المميز، في التصرفات التي تحتمل الفسخ كالبيع والشراء، تصح موقوفة
стр. 4363
على إجازة القيم عليه. فإن باع بعد الحجر لم ينفذ بيعه، وإن كان في بيعه مصلحة، أجازه الحاكم.
أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ كالزواج والطلاق، فتصح منه، فإن تزوج امرأة أو أربع نسوة، جاز نكاحه؛ لأنه من حوائجه الأصلية، ولأنه لا يبطله الهزل. ثم إن سمى لها مقدار مهر مثلها، وإن زاد على مهر المثل، بطل الزائد؛ لأنه لا ضرورة فيه. ولو طلقها قبل الدخول، وجب نصف المهر المسمى.
وتصح وصيته بمقدار الثلث من ماله، بشرط أن تكون الوصية لجهة خيرية كالإنفاق على الفقراء، أو بناء المساجد أو المشافي أو المدارس؛ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد وفاته.
ويجوز إقراره على نفسه بالحدود والقصاص، ولا يصح إقراره بالمال بعد الحجر عليه.
وتجب عليه نفقة أولاده وزوجته ومن تجب عليه نفقته من ذوي أرحامه، وتخرج زكاة ماله؛ لأن السفه لا يبطل حقوق الناس.
وتصح منه عباداته، ومنها الحج المفروض عليه، لكن لا يسلم القاضي النفقة إليه، وإنما يسلمها إلى ثقة من الحجاج، ينفقها عليه في طريق الحج، كيلا يتلفها في غير الحج.
ويلاحظ أنه لا يثبت الحجر على السفيه أو المدين إلا بقضاء القاضي، بخلاف الصغر والجنون والعته.
٢ - مذهب المالكية (١): السفيه هو المبذر لماله إما لإنفاقه باتباعه لشهوته،
стр. 4364
وإما لقلة معرفة بمصالحه وإن كان صالحاً في دينه. والسفه: صرف المال في غير ما يراد له شرعاً. والحجر على السفيه من حقوق الأب إذا كان السفه قريباً من البلوغ كالصبي، فإن كان طروء السفه بعد البلوغ بأكثر من عام، فلا بد من حكم الحاكم بالحجر عليه.
وحكم تصرفاته ما يأتي: ينفذ على الراجح قبل الحجر تصرف السفيه الذكر البالغ الذي لا ولي له ولا قيِّم عليه (ويسمى المُهْمَل) المحقق السفه، بدون إجازة من أحد، ولو تصرف بغير عوض، سواء أكان سفهه أصلياً (أي حدث قبل البلوغ) غير طارئ، أم طرأ بعد أن بلغ رشيداً.
أما غير محقق السفه أي مجهوله فتصرفه نافذ اتفاقاً. وأما الصبي السفيه والأنثى البالغة السفيهة المُهْمَلان (أي لا ولي لهما) فترد تصرفاتهما، إلى أن يبلغ الصبي، وإلى أن تعنس الأنثى وتقعد عن المحيض وهو سن الأربعين أو من خمسين إلى ستين، أو تمضي سنة بعد دخول الزوج بها.
وتصح وصية السفيه المحجور، وتنفذ، كما ينفذ طلاق زوجته وخلعه لها، ولا تلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية، ولا شيء من المعروف. ويصح إقراره بموجب عقوبة من حد أو قصاص.
وأما تصرف السفيه المحجور بعوض، فهو موقوف على نظر وليه، أي أن حكم تصرفه كحكم تصرف الصبي المميز، المتقدم. ويتصرف الولي على المحجور وجوباً بالمصلحة العائدة على محجوره حالاً أو مآلاً، فله ترك شفعة وقصاص، ولا يعفو عن عمد أو خطأ مجَّاناً بلا أخذ مال، لما فيه من عدم المصلحة.
стр. 4365
٣ - مذهب الشافعية (١): السفه: تبذير (٢) المال، وسوء التصرف، بأن يُضيِّع المال باحتمال غبن فاحش في المعاملة ونحوها، أو يرمي المال وإن قل في بحر أو نار، أو نحوه، أو ينفقه في محرَّم ولو معصية صغيرة، لما فيه من قلة الدين. والأصح أن صرف المال، وإن كثر، في الصدقة وباقي وجوه الخير، والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله، ليس بتبذير؛ لأن له في الصرف في الخير غرضاً وهو الثواب، فإنه لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف، ولأن المال يتخذ لينتفع به ويلتذ.
ولا بد في الحجر على السفيه من حكم القاضي عليه، لا غيره من أب أو جد لأنه محل اجتهاد، ويسن أن يشهد القاضي على حجر السفيه، ليتجنب في المعاملة. ولو عاد رشيداً لا يرتفع الحجر عنه إلا برفع القاضي له، كما لا يثبت إلا به.
وولي السفيه: هو القاضي، إذ ولاية الأب ونحوه قد زالت، فيشرف عليه من له النظر العام.
وأما تصرفاته: فيصح بإذن الولي نكاحه. ويصح طلاقه ورجعته وخلعه زوجته بمثل المهر وبدونه، وظهاره وإيلاؤه، ونفيه النسب لما ولدته زوجته بلعان، واستلحاقه نسب ولد منه.
ولا يصح تصرفه المالي في الأصح ولو بإذن الولي؛ لأن عبارته مسلوبة، كما لو أذن لصبي فلا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء ولا هبة، فلو اشترى
стр. 4366
أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه فلا ضمان عليه، ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر عليه أو بعده، كالصبي. كما لا يصح إقراره بإتلاف المال أو جناية توجب المال في الأظهر، كدين المعاملة. ويصح إقراره بالحد والقصاص، لعدم تعلقهما بالمال، ولبعد التهمة. وتقطع يده لو كان الحد سرقة. ولا يلزمه المال لو عفا مستحق القصاص؛ لأن المال ثبت باختيار غيره، لا بإقراره.
وحكمه في العبادة الواجبة مطلقاً، والمندوبة البدنية كالرشيد، لاجتماع الشرائط فيه. أما المندوبة المالية كصدقة التطوع، فليس هو فيها كالرشيد. لكن لا يفرق الزكاة بنفسه؛ لأنه ولاية وتصرف مالي، لكن لو أذن له الولي، وعين له المدفوع إليه، صح صرفه، كالصبي المميز، بشرط أن يكون تصرفه بحضرة الولي أو نائبه، لأنه قد يتلف المال إذا خلا به، أو يدّعي صرفه كاذباً.
ويصح نذره في الذمة بالمال، لا بعين ماله. وإذا أحرم بحج مفروض (أصلي أو قضاء أو منذور قبل الحجر)، أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه، كما قال الحنفية. وإن أحرم حال الحجر بتطوع من حج أو عمرة، أو بنذر بعد الحجر، وزادت مؤنة سفره عن نفقته المعتادة في أثناء الإقامة (أو الحضر)، فللولي منعه من الإتمام، أو الإتيان به، صيانة لماله، والمذهب أنه يكون كمُحْصَر (ممنوع من إكمال الحج)، فيتحلل؛ لأنه ممنوع من المضي، ويتحلل بالصوم؛ لأنه ممنوع من المال. لكن لو كان له في طريقه كسب، قدرَ زيادة المُؤنة، لم يجز منعه؛ لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن.
٤ - مذهب الحنابلة (١): السفيه: هو الذي لا يحسن التصرف.
стр. 4367
ولا بد للحجر عليه - كما قال سائر الأئمة - من حكم الحاكم، كما أن رفع الحجر عنه لا بد له من الحكم؛ لأنه حجر ثبت بحكمه، فلم يزل إلا به، كالمدين المفلس.
ومن حجر عليه الحاكم استحب له إظهاره والإشهاد على الحجر عليه، لتجتنب معاملته، كما قال الشافعية، ومن عامله بعدئذ فهو المتلف لماله.
وولي السفيه: هو الأب، أو وصيه بعده، أو الحاكم عند عدمهما، إن كان محجوراً عليه صغيراً، واستديم الحجر عليه لسفهه. وإن جدد الحجر عليه بعد بلوغه، لم ينظر في ماله إلا الحاكم؛ لأن الحجر وإزالته يفتقر إلى حكم الحاكم، فكذلك النظر في ماله.
وأما تصرفاته: فيصح نكاحه بإذن وليه وبغير إذنه، كما قال الحنفية، إن احتاج إليه؛ لأنه في هذه الحالة مصلحة محضة، ويتقيد بمهر المثل فلا يزيد عليه؛ لأن الزيادة تبرع، وليس السفيه من أهله. فإن لم يكن السفيه محتاجاً إلى التزوج، لا يصح تزوجه إلا بإذن وليه؛ لأنه تصرف يجب به مال، فلم يصح بغير إذن وليه كالشراء.
ويصح طلاقه؛ لأن الطلاق ليس بتصرف في المال، كما يصح خلعه زوجته؛ لأنه إذا صح الطلاق من دون دفع مال منه، فالخلع الذي يجلب له المال أولى، لكن لا يدفع العوض إليه. وهو متفق عليه فقهاً، كما لا حظنا.
ويصح ظهاره وإيلاؤه ولعانه ونفي النسب باللعان عن السفيه، وإقراره بنسب ولد منه.
وتصح وصيته، كما قال سائر الفقهاء، لأنها محض مصلحته، لأنها تقرب إلى الله تعالى بماله، بعد استغنائه عنه.
стр. 4368
ويصح إقراره بما يوجب حداً أو قصاصاً، كما قال سائر الفقهاء، كالزنا والسرقة والشرب والقذف والقتل العمد أو قطع اليد وما أشبهها. وإذا أقر بما يوجب القصاص، فعفا المقر له على مال، فالصواب: أنه لا يجب المال الذي عفا عليه في الحال، كما قال الشافعية؛ لأن السفيه والمقر له قد يتواطآن على العفو، بل يجب إذا انفك الحجر عنه.
ولا يصح إقراره بدين، أو بما يوجب الدين كجناية الخطأ، وشبه العمد وإتلاف المال وغصبه وسرقته، ولا يلزمه ما أقر به في حال حجره؛ لأنه محجور عليه لمصلحته، لكن الظاهر من قول الحنابلة: أنه يلزمه ما أقرَّ به بعد فك الحجر عنه.
والحكم في السفيه كالحكم في الصبي والمجنون في وجوب الضمان بإتلاف مال الغير بغير إذنه، كما قال سائر الفقهاء.
ولا تصح تبرعاته، كالهبة والوقف، كما قال بقية الفقهاء؛ لأن التبرع ضرر محض، وليس السفيه من أهله، حفظاً لماله. ولا تصح شركة السفيه ولا حوالته ولا الحوالة عليه، ولا كفالته لغيره، لأن المذكور تصرف مالي، فلم يصح منه كالبيع والشراء.
ولا تصح تصرفاته من بيع وشراء بغير إذن وليه، فتكون باطلة؛ لأنه محجور عليه لحفظ ماله عليه. فإن أذن ولي السفيه له بالبيع والشراء، فهل يصح منه؟. على وجهين:
أحدهما - يصح لأنه عقد معاوضة، فملكه بالإذن كالنكاح، ويظهر أن هذا هو الأرجح عندهم.
стр. 4369
والثاني - لا يصح؛ لأن الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرفه، فإذا أذن له، فقد أذن فيما لا مصلحة فيه، فلم يصح. وقد عرفنا أن هذا الوجه هو الأصح عند الشافعية.
ويلتزم السفيه بواجباته الشرعية كنفقة زوجته وخادمه ومن تلزمه نفقته، وتجب عليه الفرائض الدينية المتعلقة بالأموال، كالزكاة، لكن لا يباشر توزيعها بنفسه، بل يفرقها وليه، كسائر تصرفاته المالية. ويصح منه نذر كل عبادة بدنية كالحج والصيام والصلاة؛ لأنه غير محجور عليه في بدنه. ولا يصح منه نذر عبادة مالية كصدقة وأضحية لأنه تصرف في مال.
وإن أحرم السفيه بحج فرض، صح إحرامه به، كسائر عباداته، وتدفع النفقة من ماله إلى ثقة، ينفق عليه في الطريق، حتى يعود، كما قال باقي الفقهاء. وإن كان الحج الذي أحرم به تطوعاً، وكانت نفقته في السفر كنفقته في الحضر، أو كانت نفقته في السفر أزيد، لكن يكتسب السفيه الزائد في سفره، لم يمنعه وليه من إتمام الحج؛ لأنه وجب بالشروع. فإن كانت نفقة السفر أزيد، ولم يكتسبها فلوليه تحليله من الإحرام بحج النفل، لما عليه من الضرر فيه، ويتحلل بالصيام أي صيام عشرة أيام، كالمعسر إذا أحصر، كما قال الشافعية.
وحكم تصرف ولي السفيه، كحكم تصرف ولي الصغير والمجنون مقيد بتحقيق المصلحة للمولى عليه.
والخلاصة: أن تصرفات السفيه بالبيع والشراء ونحوهما موقوفة على إجازة وليه عند الحنفية والمالكية، وباطلة ولو بإذن الولي عند الشافعية، وباطلة بغير إذن الولي، وتصح وتنفذ بإذنه عند الحنابلة على الراجح.
стр. 4370
المطلب الخامس - أثر الحجر على المغفل:
المغفل أو ذو الغفلة: هو من يغبن في البيوع، ولا يهتدي إلى التصرفات الرابحة في بيعه وشرائه، لقلة خبرته وسلامة قلبه. ويختلف عن السفيه بأنه ليس بمفسد لماله، ولا بمتابع هواه، ولا يقصد الإفساد. والسفيه عكسه، مفسد قصداً لماله، متابع لهواه. والمغفل ليس هو المعتوه؛ يخلط في كلامه.
ولا يحجر على المغفل عند أبي حنيفة، ويحجر عليه عند الصاحبين، ويفتى بقولهما، وهو رأي باقي الفقهاء، رعاية لمصلحته وحكم تصرفاته كالسفيه (١).
بدء الحجر على السفيه والمغفل ونهايته:
قال محمد بن الحسن، وابن القاسم المالكي (٢): يثبت الحجر على السفيه والمغفل من وقت ظهور أمارات السفه أو الغفلة، ويزول بزوالهما، دون توقف على قرار القاضي بالحجر؛ لأن المسبب يدور مع سببه وجوداً وعدماً.
وبناء عليه، لا تصح ولا تنفذ تصرفاتهما بمجرد ظهور الأمارات المذكورة، ويكون محجوراً عليهما ولو قبل صدور قرار القاضي.
وقال أبو يوسف (ورأيه هو الراجح عند الحنفية) وجمهور الفقهاء (٣): لايثبت الحجر على
السفيه وذي الغفلة، ولا يرفع إلا بقرار القاضي بثبوته أو رفعه؛ لأن كلاً من السفه والغفلة ليس أمراً محسوساً كالجنون والعته، وإنما يستدل عليه
стр. 4371
بالتصرفات الحاصلة من السفيه والمغفل، وهذه أمور تقديرية اجتهادية، تختلف باختلاف وجهات النظر، فلا بد من حكم القاضي للتثبت من الأمر ورفع الخلاف، ومنعاً من تغرير المتعاملين معهما، وعدم إضرارهم بهما؛ لأنهم لا يعلمون أمرهما إلا بقرار الحجر عليهما.
ويترتب على هذا الرأي الراجح لدي لضبطه وعدم إضرار أحد أو تغريره نفاذ تصرفات السفيه والمغفل قبل الحجر القضائي عليهما، فينفذ مثلاً ما باعه أحدهما قبل حجر القاضي.
المطلب السادس - الحجر على الفاسق:
اتفقت المذاهب الأربعة في الأصح عند الشافعية (١): على أنه لا يحجر على الفاسق بسبب الفسق وحده دون تبذير ماله، فلو فسق السفيه مثلاً ولم يبذر: أي مع صلاح تصرفه في ماله بعد بلوغه رشيداً، لم يحجر عليه؛ لأن الفاسق أهل للولاية على نفسه وأولاده، ولأن الحجر شُرع لدفع الإسراف والتبذير، وهو مصلح لماله، ولأن السلف لم يحجروا على الفسقة.
والفسق الأصلي بأن بلغ فاسقاً، والطارئ بعد البلوغ: سواء في عدم جواز الحجر على صاحبه.
ملاحظة حول الحجر على الغائب:
قال الحنفية خلافاً لمبدئهم في عدم جواز القضاء على الغائب (٢): يصح الحجر على الغائب، لكن لا ينحجر ما لم يعلم بالحجر.
стр. 4372
المطلب السابع - الحجر للمصلحة العامة:
صرح الحنفية (١) بأنه يجوز الحجر للمصلحة العامة؛ لأنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام أو يدفع الضرر الأعلى بالأدنى، فيحجر (أي يمنع) على الطبيب الجاهل، و المفتي الماجن، و المُكاري المفلس. وذلك بأن يسقي المتطبب الناس دواء مهلكاً، أو لا يقدر على إزالة ضرر دواء اشتد تأثيره على المرضى.
والمفتي الماجن: بأن يعلم العوام الحيل الباطلة، كتعليم الارتداد لتبين المرأة من زوجها، أو لتسقط عنها الزكاة، ولا يبالي بما يفعل من تحليل الحرام، وتحريم الحلال؛ أو أن يفتي عن جهل.
والمُكَارِي المفلس: وهو الذي يتقبل الكراء، ويؤجر وسائل النقل من إبل أو سيارات مثلاً، وليست عنده تلك الوسائل، كما أنه لا مال له، ليشتري بها الوسائل، ويعتمد الناس عليه، ويدفعون الكراء إليه، ويصرف هو ما أخذه منهم في حاجته، فإذا جاء موعد النقل، يختفي عن الأنظار، فتذهب أموال الناس، وتتعطل مصالحهم. وبكلمة موجزة: المكاري المفلس: هو متعهد النقل بدون إمكانات، فهو محتال نصاب.
فيحجر على هؤلاء وأمثالهم؛ لأن دفع الضرر العام واجب، وإن كان فيه إلحاق الضرر الخاص ومصادمة الحريات. والحجر في هذه الحالات عقوبة مناسبة لزجرهم ودرء المفاسد عن الناس، لهذا روي عن أبي حنيفة أنه كان لا يجري الحجر إلا على هؤلاء الثلاثة؛ لأن الطبيب يضر الأبدان، والمفتي يضر الأديان، والمكاري يضرّ الأموال.
стр. 4373
لكن ليس المراد بالحجر عليهم هو حقيقة الحجر: وهوالمنع الشرعي الذي يمنع نفوذ التصرف؛ لأن المفتي لو أفتى بعد الحجر، وأصاب، جاز، وكذا الطبيب لو باع الأدوية، نفذ بيعه، فدل على أن المراد هو المنع الحسي أي يمنع هؤلاء الثلاثة عن عملهم حساً؛ لأن المنع من العمل من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بسبب أن الطبيب الجاهل يفسد أبدان الناس، والمفتي الماجن يفسد دين المسلمين، والمكاري المفلس يفسد أموال الناس، ويلحق ضرراً بهم.
المطلب الثامن - الحجر على المريض مرض الموت:
مرض الموت: هو الذي يغلب بسببه الموت بحسب رأي الأطباء، أو يحدث منه الموت، ولو لم يحصل الموت به غالباً، أي أن المدار على كثرة الموت من المرض، ولو لم يكن غالباً (١).
وعرفته مجلة الأحكام العدلية (م ١٥٩٥) بأنه المرض الذي يعجز الرجل أو المرأة عن ممارسة أعمالهما المعتادة، ويتصل به الموت قبل مضي سنة من بدئه، إذا لم يكن في حالة تزايد أو تغير، فإن كان يتزايد، اعتبر مرض موت من تاريخ اشتداده أو تغيره، ولو دام أكثر من سنة. ويقال لصاحبه: المريض، ويقابله: الصحيح وهو من ليس في حال مرض الموت، ولو كان مريضاً بمرض آخر. ويعد المرض الذي صح منه المريض كالصحة، والمقعد والمفلوج والمسلول إذا تطاول زمن المرض ولم يقعده في الفراش كالصحيح.
وبناء عليه قال المالكية (٢): المريض نوعان: مريض لايخاف عليه الموت غالباً كالأبرص والمجذوم والأرمد، وغيرهم، فلا حجر عليه أصلاً.
стр. 4374
ومريض يخاف عليه في العادة كالُحمَّى القوية والسُّل وذات الجنب وشبهها. وفي رأيي أن تقدير خطر الموت عائد لظروف تقدم الطب في كل عصر. فإذا كان السل مثلاً مرضاً خطيراً في الماضي، فقد أصبح في عصرنا غير خطير بعد اكتشاف عصيات السل؛ وعلاجه المناسب له.
واتفق أئمة المذاهب (١) على جواز الحجر على مريض الموت لحق الورثة. وصرح المالكية أنه يلحق به: من يخاف عليه الموت كالمقاتل في صف القتال، والمحبوس للقتل، أو المحكوم بالإعدام، والحامل إذا بلغت ستة أشهر، ودخلت في السابع ولو بيوم. واختلف في راكب البحر وقت الهول بشدة ريح أو غيرها، والأصح أنه لايعتبر كمريض الموت.
والذي يحجر به على مريض الموت: هو تبرعاته فقط فيما زاد عن ثلث تركته، حيث لا دين، فيحجر على المريض في تبرع كهبة وصدقة ووصية ووقف وبيع محاباة، وبيع مشتمل على غبن، فيما يزيد عن ثلث ماله، أي أن حكم تبرعاته كحكم وصيته، تنفذ من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة في الزائد عن الثلث. فإن برئ من مرضه، صح تبرعه. وهذا رأي الحنفية والشافعية والحنابلة. فإن استغرقت الديون جميع تركته حجر عليه جميع تصرفاته دون نظر إلى الثلث رعاية لحقوق الدائنين الغرماء.
وقال المالكية: لاينفذ من الثلث تبرع المريض في الحال أو لا ينجز للمتبرع له إلا إذا كان المال المتبرع منه مأموناً أي لايخشى تغيره وهو العقار كدار وأرض
стр. 4375
وشجر، فإن كان المال غير مأمون فلا ينفذ وإنما يوقف ولو بدون الثلث حتى يظهر حاله من موت أو حياة.
ويمنع عند المالكية تصرف المريض فيما زاد على قدر الحاجة من الأكل والشرب والكسوة والتداوي، كما يمنع من الزواج بما زاد على الثلث.
ولايمنع من تصرفات المعاوضات المالية كبيع وشراء وقرض وقراض (مضاربة) ومساقاة وإجارة، إلا إن كان فيها محاباة.
فإن مات المريض، نفذ تصرفه من التبرعات في ثلث ماله. وإن عاش، نفذ تصرفه من رأس ماله كله.
وقال الحنفية: تنفذ تصرفات المريض الضرورية الخاصة بشخصه وأسرته دون إجازة أحد، وهي النفقات الضرورية اللازمة للطعام والكسوة والسكنى له، ولمن تلزمه نفقته، أو اللازمة للعلاج كأجر الطبيب وثمن الدواء وأجور العملية الجراحية. وله الزواج، لأنه قد يحتاج إلى من يخدمه أو يؤنسه، بشرط كون المهر في حدود مهر المثل، والزائد عنه تبرع في حكم الوصية.
وللمريض أن يقر بدين لأجنبي أو لوار ث، فإن كان لأجنبي غير وارث فهو صحيح نافذ دون حاجة لإجازة الورثة، لكن يقدم عليه دين الصحة.
المطلب التاسع - الحجر على الزوجة:
قال المالكية وفي رواية عن أحمد (١): يحجر على المرأة المتزوجة الحرة الرشيدة لصالح زوجها في التصرف بغير عوض كالهبة والكفالة فيما زاد على ثلث
стр. 4376
مالها قياساً على المريض، ويكون تبرعها بزائد عن الثلث نافذاً، حتى يرد الزوج جميعه أو ما شاء منه، على المشهور عند المالكية.
وبناء على هذا المشهور، ينفذ جميع ما تبرعت به، إن لم يعلم الزوج بتبرعها حتى بانت منه بطلاق، أو علم وسكت، أو مات أحدهما.
وللزوج رد جميع ما تبرعت به الزوجة إن تبرعت بزائد على ثلثها، وله إمضاؤه وإنفاذه، وله رد الزائد فقط. ورد الزوج رد إيقاف على المعتمد، ورد إبطال عند أشهب.
وليس للزوجة بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد ما بين التبرعين بنصف عام على المعتمد عندهم.
أما واجبات الزوجة من نفقة أبويها، فلا يحجر عليها فيه، ولو قصدت بالإنفاق ضرر الزوج عند ابن القاسم، خلافاً لما روي عن مالك من رد الثلث إذا قصدت به ضرر الزوج، ولها أن تهب جميع مالها لزوجها، ولا اعتراض عليها في الهبة لأحد. ولها التصرف بعوض في جميع مالها.
ودليل هذا المذهب أخبار منها: «لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها، إذ هو مالك عصمتها» (١).
وقال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة في الراجح عندهم) (٢): للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة، لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم
стр. 4377
رشداً، فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦/ ٤] وهو ظاهر في فك الحجر عنهم، وإطلاقهم في التصرف. وثبت أن النبي ﷺ قال: «يا معشر النساء! تصدقن، ولو من حُليِّكن … » (١)، وأنهن تصدقن، فقبل صدقتهن، ولم يسأل، ولم يستفصل. وهذا الرأي هو الأوجه؛ لأن ذمة المرأة المالية مستقلة عن ذمة الزوج في الإسلام، وهذا من مفاخر الشريعة التي أعطت المرأة أهلية كاملة في التملك والتصرف.
ملحق - هل للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بغير إذنه؟ هناك روايتان عن الإمام أحمد تمثلان أهم آراء السلف إجمالاً (٢):
إحداهما - الجواز وهو الأصح، وهي الرواية الراجحة المشهورة في المذهب؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مُُفْسِدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً» (٣)، ولم تذكر إذناً، إذ العادة السماح، وطيب النفس به، فجرى صريح الإذن، كتقديم الطعام بين يدي الضيفان قام مقام صريح الإذن في أكله.
لكن إن منعها الزوج من التصدق، أو كان الزوج بخيلاً، وتشكُّ في رضاه، فيحرم عليها الصدقة بشيء من ماله حينئذ، كما يحرم على الرجل الصدقة بطعام
стр. 4378
امرأته بغير إذنها؛ لأن العادة لم تجر به. ومن يقوم مقام المرأة كالأخت والخادمة والغلام المتصرف في مال سيده، هو كالزوجة، يجوز له الصدقة بنحو رغيف من مال رب البيت، ما لم يمنع أو يكن بخيلاً، أو يضطرب العرف ويشك في رضاه.
والرواية الثانية - لا يجوز، لما روى أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنفق المرأة شيئاً من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟
قال: ذاك أفضل أموالنا» (١)، ولأنه تبرع بمال غيره، بغير إذنه، فلم يجز للغير وللزوجة.
قال ابن قدامة الحنبلي: والأول أصح؛ لأن الأحاديث فيها (أي في الرواية الأولى) خاصة صحيحة، والخاص يقدم على العام ويبينه، ويعرِّف أن المراد بالعام غير هذه الصورة المخصوصة. وحديث الباهلي ضعيف. ولا يصح قياس المرأة على غيرها؛ لأنه بحكم العادة تتصرف في مال زوجها وتتبسط فيه، وتتصدق منه لحضوره وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي، فصار كأنه قال لها: افعلي هذا.
المطلب العاشر - الحجر على المدين وأثره (التفليس):
أولاً - تعريف التفليس والمفلس: التفليس لغة: النداء على المفلس، وشهره بين الناس بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال. وشرعاً: جعل الحاكم المديون مفلساً بمنعه من التصرف في ماله أو خلع الرجل عن ماله للغرماء.
стр. 4379
والفلس: عدم المال، والمفلس في العرف: من لا مال له. وهو المعدم، وفي الشرع: من لا يفي ماله بدينه، أو الذي أحاط الدين بماله، أو من لزمه من الدين أكثر من ماله الموجود. وسمي مفلساً، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، أو باعتبار ما يؤول من عدم ماله بعد وفاء دينه، أو لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا
يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها (١).
ثانياً - هل يحجر على المدين المفلس؟ قال أبو حنيفة (٢): لا أحجر على المفلس في الدَّين؛ لأن مال الله غاد ورائح، فهو لا يرى الحجر على المدين المفلس، كما لا يرى الحجر على السفيه؛ لأن في الحجر إهداراً لحريته وإنسانيته وأهليته، فذلك أخطر من ضرر خاص يلحق الدائن. فتنفذ تصرفاته، ولا يباع ماله جبراً عنه، وإنما يؤمر بسداد ديونه؛ فإن امتثل فلا يتعرض له بشيء، وإن امتنع عن الأداء، حبس حتى يسدد دينه، أو يبيع ماله بنفسه، وشرع حبسه دفعاً لظلمه؛ لأن قضاء الدين واجب عليه، والمماطلة ظلم. وليس للقاضي أن يبيع ماله جبراً عنه؛ لأنه نوع حجر عليه، وهو لا يجوز عنده. والخلاصة: أن أبا حنيفة قال: ليس للحاكم أن يحجر على المفلس، ولا يبيع ماله بل يحبسه، حتى يؤدي أو يموت في السجن.
والمفتى به عند الحنفية هو قول الصاحبين، وهو قول جمهور الفقهاء: وهو جواز الحجر على المدين المفلس في تصرفاته المالية، حفاظاً على حقوق الدائنين
стр. 4380
وأموالهم من الضياع. بدليل ماروى الدارقطني، والخلال، وصحح الحاكم إسناده: أن النبي ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله في دين كان عليه، وقسمه بين غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، فقال لهم النبي ﷺ : ليس لكم إلا ذلك.
واختلفت المذاهب في بعض التفصيلات، منها توقف الحجر على قضاء القاضي ومايتبعه من أمور.
ثالثاً - هل يتوقف الحجر على المدين على قضاء القاضي؟ ١ - مذهب المالكية (١): للمفلس الذي أحاط الدين بماله أحوال ثلاثة:
الحالة الأولى - قبل التفليس أي قبل نزع ماله منه وإعطائه للدائنين: يكون للدائنين الحق في منعه من التصرف في ماله بغير عوض، وإبطال تصرفه، سواء أكان دينهم حالاً أم مؤجلاً. فيمنعونه من التصرفات الضارة بمصلحتهم، كالتبرع والهبة والصدقة والوقف، والكفالة والقرض والإقرار بدين لشخص يتهم بأن إقراره له فراراً من الدين، كولده وزوجه. أما من لايتهم معه، فيعتبر إقراره له. وماعدا المذكور من تصرفات المعاوضة كالبيع والشراء، تنفذ منه.
الحالة الثانية (٢) - ألا يرفع الأمر إلى الحاكم، وإنما يقوم الغرماء على المدين، فيستتر منهم ولايجدونه، فلهم أن يحولوا بينه وبين ماله، ويمنعوه من التبرعات