وما لا يطرحه الناس مثل الفَلس وما أشبه ذلك. وهذا التعريف مأخوذ عن الإمام الشافعي ﵁ (١).
وبناء على التعريف الأول لا تكون المنافع والحقوق المجردة مالاً ما عدا منفعة العين المؤجرة، وعلى التعريف الثاني تكون المنافع أموالاً متقومة في ذاتها يمكن أن تورث.
والملك: هو اختصاص حاجز شرعاً يسوغ صاحبه التصرف إلا لمانع (٢).
والمال في الحقيقة لله سبحانه: ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن﴾ [المائدة:١٢٠/ ٥] (٣).
وتملك الإنسان للمال مجاز، أي أنه مؤتمن على المال ومستخلف عليه: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ [الحديد:٧/ ٥٧].
قال عروة ﵁: «أشهد أن رسول الله ﷺ قضى: أن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتاً فهوأحق به». ويترتب عليه أن الإنسان ملزم بالتقيد بأوامر الله سبحانه في التملك بحسب ما يريد صاحب الملك. والناس على السواء، لهم حق في تملك خيرات الأرض. والملكية الفردية حق ممنوح من الله تعالى، والمال ليس غاية مقصودة لذاتها، وإنما هو وسيلة للانتفاع بالمنافع وتأمين الحاجيات (٤).
стр. 4447
ومن الجدير بالذكر أنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن أخذ مال غني بغير رضاه وأعطي لفقير، مهما اشتدت الحاجة وبلغت الفاقة، وإنما كان النبي ﷺ يحض المسلمين على البذل، ويرغبهم في العطاء من غير أمر ولا عزيمة، فجاء أبو بكر مرة بماله كله، وجاء عمر بنصف ماله، وجهز عثمان جيش العسرة بجميع ما يلزمه، فقال النبي ﷺ : «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» (١).
تقييد الملكية:
يقول بعض الكاتبين: لما كان المال مال الله، والناس جميعاً عباد الله، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرونها بمال الله هي أيضاً لله، كان من الضروري أن يكون المال - وإن ربط باسم شخص معين - لجميع عباد الله، وينتفع به الجميع، قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة:٢٩/ ٢] وبهذا يكون للمال وظيفة اجتماعية هدفها إسعاد المجتمع وقضاء حاجياته ومصالحه، وتكون الملكية الشخصية إذن في نظر الإسلام وظيفة اجتماعية (٢).
ويرى أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة أنه لا مانع من وصف الملكية بكونها وظيفة اجتماعية، ولكن يجب أن يعرف أنها بتوظيف الله تعالى، لا بتوظيف الحكام؛ لأن الحكام ليسوا دائماً عادلين (٣).
وفي تقديري أن الإسلام منهج واضح لا غبار عليه، واستعمال هذا التعبير
стр. 4448
المأخوذ من تعاليم الشيوعية أو الاشتراكية الماركسية يزج الإسلام في حمأة المبادئ الماركسية، ويناقض حرية الإنسان الطبيعية الفطرية في التملك، ويضلل الأفكار في فهم حقيقة نظرة الإسلام للملكية، فالملكية الخاصة حق مصون في الإسلام، اللهم إلا في حدود حق الغير ومصلحة المجتمع. فحق الملكية ليس وظيفة اجتماعية تجعل المالك مجرد موظف لصالح الجماعة، وإنما هو ذو وظيفة اجتماعية، كما أنه ذو صفة فردية، إذ لو اعتبر الحق وظيفة اجتماعية، لكان صاحب الحق موظفاً أو مجرد وكيل يعمل لصالح الجماعة، دون نظر إلى مصلحته الخاصة، وهذا في الحقيقة إلغاء لفكرة الحق، ويعتبر إلغاء الملكية مناقضاً للفطرة الإنسانية ومصادماً لمشاعر الإنسان وحبه التملك، وسبباً واضحاً في كبت الطاقات البشرية ونزعة الإبداع والتقدم الذاتي.
وبعبارة أخرى: إن الإسلام لايمنع الملكية الخاصة مطلقاً، ولايطلقها بلا حدود. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤]، ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ [الذاريات:١٩/ ٥١]، ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾ [النحل:٧١/ ١٦]، ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ [المائدة:٥٤/ ٥] ويقول الرسول ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» (١) «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا» (٢)، «لايحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (٣).
стр. 4449
وبناء عليه يحرم التعدي على ملكيات الأفراد مادامت مشروعة، قال ﷺ : «من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين» (١).
وقرر الإسلام عقوبات على السرقة والغصب والسلب والغش، والجباية الظالمة ونحوها، وطالب بضمان الأموال المتلفة. وأما الملكية غير المشروعة فيجوز للدولة التدخل في شأنها لرد الأموال إلى صاحبها، بل إن لها الحق في مصادرتها، سواء أكانت منقولة أم غير منقولة، كما فعل سيدنا عمر في مشاطرة بعض ولاته الذين وردوا عليه من ولايتهم بأموال لم تكن لهم، استجابة لمصلحة عامة: وهو البعد بها عن الشبهات وعن اتخاذها وسيلة للثراء (٢)؛ لأن الملكية مقيدة بالطيبات والمباحات، أما المحرمات التي تجيء عن طريق الرشوة أو الغش أو الربا أو التطفيف في الكيل والميزان أو الاحتكار أو استغلال النفوذ والسلطة، فلا تصلح سبباً مشروعاً للتملك.
وكذلك يحق للدولة التدخل في الملكيات الخاصة المشروعة لتحقيق العدل والمصلحة العامة، سواء في أصل حق الملكية، أو في منع المباح وتملك المباحات قبل الإسلام وبعده إذا أدى استعماله إلى ضرر عام، كما يتضح من مساوئ الملكية الإقطاعية، ومن هنا يحق لولي الأمر العادل أن يفرض قيوداً على الملكية في بداية إنشائها في حال إحياء الموات، فيحددها بمقدار معين، أو ينتزعها من أصحابها مع دفع تعويض عادل عنها (٣) إذا كان ذلك في سبيل المصلحة العامة للمسلمين (٤).
стр. 4450
ومن المقرر عند الفقهاء أن لولي الأمر أن ينهي إباحة الملكية بحظر يصدر منه لمصلحة تقتضيه، فيصبح ما تجاوزه أمراً محظوراً، فإن طاعة ولي الأمر واجبة بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء:٥٩/ ٤] وأولو الأمر في السياسة والحكم: الأمراء والولاة كما روى ابن عباس وأبو هريرة، وقال الطبري: إنه أولى الأقوال بالصواب.
ومن أمثلة تدخل ولي الأمر في الملكية: ما روي محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين أنه قال: «كان لسمرة بن جندب نخل في حائط (أي بستان) رجل من الأنصار، وكان يدخل هو وأهله فيؤذيه، فشكا الأنصاري ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله لصاحب النخل: بعه، فأبى، فقال الرسول: فاقطعه، فأبى، فقال: فهبه ولك مثله في الجنة، فأبى، فالتفت الرسول إليه وقال: أنت مضار، ثم التفت إلى الأنصاري، وقال: اذهب فاقلع نخله» (١) ففي هذه الحادثة ما يدل على أن النبي ﷺ لم يحترم الملكية المعتدية، وهو القائل في القضاء في حقوق الارتفاق: «لا ضرر ولا ضرار» (٢)، وروى أبو هريرة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» (٣). وشرع الإسلام حق الشفعة على الملكية، دفعاً للضرر وإقراراً لقاعدة المصلحة.
ومن الأمثلة أيضاً: ما روى الإمام مالك في الموطأ: وهو أن رجلاً اسمه
стр. 4451
الضحاك بن خليفة ساق خليجاً (١) من العريض (واد في المدينة)، وأراد أن يمر به في أرض محمد بن مَسْلَمة، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: «لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخراً، وهو لا يضرك؟ فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك» (٢) ففي هذا ما يدل على أنه لا يكفي الامتناع من الضرر، بل يجب على المسلم في ملكه أن يقوم بما ينفع غيره ما دام لا ضرر عليه فيه.
ويمكن أن يعتبر مسوغاً لتنظيم الملكية أو تقييدها - بناء على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وعملاً بقانون المصلحة العامة وبمبدأ سد الذرائع - كون صاحبها مانعاً لحقوق الله تعالى أو اتخاذها طريقاً للتسلط والظلم والطغيان، أو التبذير والإسراف وتبديد الأموال والوقوع في حمأة الرذيلة والفساد، أو إشعال نار الفتنة والاضطرابات بين الناس، أو الاحتكارات والتلاعب بأسعار الأشياء، ومحاولة تهريب الأموال إلى خارج البلاد، أو دفع ضرر فقر ألم بفئة من الناس، أو لإهدار الأموال المجموعة من الربا (٣)، على شرط أن يكون إجراء استثنائياً مرهوناً بوقت الحاجة لا تشريعاً دائماً، وبشرط ألا يهتدم رأس المال من أصله.
قيود الملكية:
قيود الملكية ثلاثة: أولها - أن تكون في دائرة منع الضرر. ثانيها - ليس كل
стр. 4452
شيء قابلاً للتملك الفردي. ثالثها - للجماعة أو للدولة حقوق مفروضة على الملكية الخاصة.
القيد الأول - منع الإضرار بالآخرين: إن الحقوق المقررة على الملكية أساسها أمران:
١ - منع ضرر الغير؛ لأن كل حق في الإسلام مقيد بمنع الضرر.
٢ - نفع الغير إن لم يكن ثمة ضرر لا حق به (١).
و الضرر أربعة أقسام عند العلماء (٢):
١ - الضرر المؤكد الوقوع: وهو أن يترتب على تصرف المالك في ملكه ضرر مؤكد بغيره عند استعمال حقه المأذون فيه. وحكمه أنه إذا تمكن صاحب الحق من استعمال ملكه دون إضرار بغيره، فيمنع من الضرر؛ لأنه يتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع الضرر العام. وإذا كان الضرر خاصاً بالآحاد، فيكون حق صاحب الحق أولى بالاعتبار.
٢ - الضرر الغالب وقوعه: وهو أن يكون الضرر كثير الوقوع عند القيام بالفعل، وهذه الحال تلحق بسابقتها: وهي المقطوع فيها بوقوع الضرر؛ لأن غلبة الظن تقوم مقام اليقين في الأحكام العملية.
٣ - الضرر الكثير غير الغالب: وهو أن يكون ترتب المفسدة على الفعل كثيراً في ذاته إذا وقع، ولكن لا يغلب على الظن وقوعه.
стр. 4453
وفيه اختلف الفقهاء، فالمالكية والحنابلة يرون العمل بقاعدة «دفع المضار مقدم على جلب المصالح» واحتمال وقوع الضرر كاف لمنع الفعل. والحنفية والشافعية يرون أن الفعل مشروع في أصله، واحتمال الضرر لا يصلح دليلاً على الضرر المتوقع، فلا يمنع حق لمجرد احتمال الضرر.
٤ - الضرر القليل: وهو أن يكون الضرر المترتب على استعمال الحق المأذون فيه نادر الوقوع، أو كان في ذاته قليلاً، وهو لا يلتفت إليه لقلته، إذ العبرة بأصل الحق الثابت، فلا يعدل عنه إلا لعارض الضرر الكثير بالغير.
القيد الثاني - منع الملكية الخاصة في بعض الحالات:
ليست كل الأموال قابلة للتملك الفردي، فهناك أنواع ثلاثة من المال لا تقبل الملكية الفردية وإنما هي مملوكة للجماعة (١)، وما عداها من المرافق الخاصة كالمزروعات والمصنوعات، يجوز للأفراد تملكها والتصرف فيها. وتلك الأنواع هي ما يأتي:
النوع الأول: الأموال ذات النفع العام كالمساجد والمدارس والطرقات والأنهار والأوقاف الخيرية ونحوها من المنافع العامة التي لا تؤدي غايتها إلا إذا كانت للجماعة.
النوع الثاني: الأموال الموجودة بخلق الله تعالى، كالمعادن والنفط والأحجار والماء والكلأ والنار، فهذه الأشياء لم يوجدها البشر وإنما هي مخلوقة بخلق الله تعالى. وكون المعادن كلها مملوكة للدولة وتستخدم من أجل المرافق العامة هو الحق
стр. 4454
وهو الرأي الراجح عند المالكية، وهو رأي الحنابلة في المعادن الظاهرة أو السائلة: وهي التي يحصل عليها من غير مؤنة ينتابها الناس، كالملح والماء والكبريت والنفط والكحل والياقوت ونحوها. أما المعادن الجامدة فتملك بملك الأرض التي هي
فيها (١).
وأما الحنفية فعندهم تفصيلات تعرف في كتبهم، ولكنهم يقرون أن للدولة فيها حظاً كبيراً. ويظهر رأي الحنابلة في قول ابن قدامة الحنبلي: «وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة: وهي التي يوصل ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والمومياء (٢) والنفط والكحل والبرام (٣) والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين؛ لأن فيها ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم» (٤).
النوع الثالث: الأموال التي تؤول ملكيتها للدولة من الأفراد أو يكون للدولة عليها الولاية.
فالأولى مثل ما يؤول إلى بيت المال كالأموال الضائعة، أو التي لا وارث لها؛ لأن «بيت المال وارث من لا وارث له» والثاني مثل الأراضي الخراجية الزراعية التي آلت إلى المسلمين بالفتح كأراضي الشام ومصر والعراق وفارس وما وراءها تعتبر كالمعادن مملوكة للدولة، وتعتبر اليد القائمة عليها يد اختصاص وانتفاع فقط، لا يد تملك تام أي (للرقبة والمنفعة معاً). وإذا كانت أغلب أراضي المسلمين هي أراضي خراجية، ويد الزراع عليها ليست يد ملك مطلق، فإن لولي الأمر عند الضرورة أن
стр. 4455
ينتزع الأراضي من أيدي واضعي اليد عليها، ويعوضهم عنها إذا اقتضت المصلحة العامة نزعها، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ حمى أرضاً بالمدينة وهو النقيع (موضع معروف بالمدينة) لترعى فيها خيل المسلمين (١) أي أنه جعلها مشاعة لجميع الناس، أي مؤممة للجماعة بتعبير العصر. وحمى عمر ﵁ أرضاً بالرَبذة والشرَف (وهما موضعان بين مكة والمدينة) وجعل كلأهما للمسلمين كافة، فجاءه أهلها يشكون قائلين: «يا أمير المؤمنين، إنها أرضنا، قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها، علام تحميها؟» فأطرق عمر وقال: «المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل في سبيل الله - أي إعداد خيول الجهاد - ما حميت من الأرض شبراً في شبر» وظاهر هذا الأثر أن حمى عمر كان في أرض لأهلها فيها منافع ومرافق بسبب الجوار، ولم يمنعه من حمايتها على أهلها حين دعت إلى ذلك مصلحة عامة (٢)، مثل شركات المياه والكهرباء والنفط وخطوط النقل والبرية والبحرية ونحوها من المرافق الحيوية ذات النفع العام للبلاد.
القيد الثالث - حقوق الجماعة في ملكيات الأفراد:
للجماعة أو للدولة حقوق في أموال وملكيات الأفراد يترتب على أدائها
стр. 4456
تفتيت الثروات الضخمة؛ لأن الإسلام يكره تكديس الأموال واكتنازها وتضخيم الملكيات (١)، فيجب إسهام ذوي الحاجات في أموال الأغنياء تحقيقاً للعدالة الاجتماعية في توزيع الثروات، كما يجب على الأغنياء الإسهام في دعم موارد الخزينة العامة للمحافظة على كيان الأمة. وهذه الحقوق العامة للجماعة في أموال الأغنياء أو الموارد المالية للدولة تتلخص فيما يأتي (٢):
١ - الزكاة: هي تشريع إلزامي في الإسلام يجب على الأغنياء القيام بتنفيذه، وتقوم الدولة بجباية الزكاة من أصحاب رؤوس الأموال، ولها أن تجبرهم على أدائها، فليست الزكاة صدقة ممتهنة، كما فهم بعض الكاتبين في الصحافة الحديثة، كما أنها ليست إذلالاً للفقير، وإنما هي حق مستقيم واجب ديانة وقانوناً، وهي تؤخذ من الأموال النامية المنتجة، وهي أربعة أقسام في عرف المسلمين في الماضي:
أـ النعَم: وهي الإبل والبقر والغنم التي ترعى أغلب العام في عشب مباح، ومقادير المأخوذ منها معروفة في كتب السنة والفقه.
ب - النقدان: الذهب والفضة بنسبة ربع العشر ٥،٢%، ويمثلها في عصرنا الأوراق النقدية.
стр. 4457
جـ - أموال التجارة بنسبة ربع العشر.
د - الزروع والثمار بنسبة العشر فيما يسقى بغير آلة، ونصف العشر إن كانت تسقى بآلة.
٢ - تأمين حاجيات الدفاع عن البلاد: إذا اقتضت حاجات الدفاع عن الأمة أوا لجهاد في سبيل الله بعض الأموال، ولم يكن في الخزينة العامة ما يكفي لسد تلك الحاجة، فعلى الدولة أن تفرض في أموال الناس من الضرائب بقدر ما يندفع به الخطر عملاً بالمصالح المرسلة، وقد نص على ذلك كثير من علماء الإسلام مثل الغزالي والقرافي والشاطبي وابن حزم والعز بن عبد السلام وابن عابدين (١).
٣ - كفاية الفقراء: للدولة أيضاً أن تطالب الأغنياء بإغناء الفقراء، فهي ممثلة لهم، قال ﵊ فيما يرويه علي بن أبي طالب ﵁: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليما» (٢) وقال ﵊ أيضاً «أيما أهل عَرْصة (أي بقعة) أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله ﵎» (٣).
стр. 4458
وقال ﵊ أيضاً: «إن في المال حقاً سوى الزكاة» (١)، وقال سيدنا عمر ﵁: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فرددتها إلى الفقراء». قال ابن حزم (٢) في كتاب المحلى: «فرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائها، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنُّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة» (٣).
٤ - الإنفاق على الأقارب: يجب على الإنسان أن يكفي أقاربه إذ اكانوا محتاجين كالآباء والأجداد والأبناء وفروعهم. وأما الإخوة وفروعهم والأعمام والعمات والأخوال والخالات، فقد اختلفت المذاهب في أمر الإنفاق عليهم، فأوجب الحنفية الإنفاق على كل ذي رحم محرم كالعم والأخ وابن الأخ والعمة والعم والخال، وألزم الحنابلة النفقة لكل قريب وارث بفرض أو تعصيب كالأخ
стр. 4459
والعم وابن العم، ولا تجب لذوي الأرحام كبنت العم والخال والخالة.
٥ - صدقات الفطر: تجب صدقة الفطر على الرجل بالنسبة لمن تلزمه نفقتهم من زوجة وولد وخادم.
٦ - الأضاحي: تجب الأضحية مرة في كل عام عند أبي حنيفة، وهي سنة مؤكدة عند جمهور الأئمة.
٧ - النذور والكفارات: يجب على المسلم أن يفي بنذره إذا نذر أن يتبرع لله بمال، كما يجب عليه الكفارة بإطعام الفقراء والمساكين جزاء لبعض الآثام كالحنث في اليمين والظهار، أو بسبب الإخلال ببعض الواجبات الدينية كالإفطار في رمضان بالنسبة للعاجز أو الذي ينتهك حرمة الصيام بالجماع نهاراً، ونحوه كالواجبات التي تجب أثناء الإحرام بالحج.
وهناك أوجه كثيرة للإنفاق في سبيل الله حث عليها الإسلام، كما أن هناك موارد أخرى لبيت المال كالأوقاف والغنائم، وهو ما يحقق معنى التكافل الاجتماعي في الإسلام.
وهناك أيضاً قيود أخلاقية دينية على الأموال، فينبغي على الدولة ملاحظة المكاسب لمنع الاستغلال واختلال توازن الثروات، مثل تحريم الربا والاحتكار والميسر والغش والتغرير والغبن والتدليس وإنقاص المكيال والميزان ونحوه.
والخلاصة: إن هناك قيوداً كثيرة في الإسلام على حق الملكية الشخصية، منها ما هو قانوني إلزامي، ومنها ما هو أخلاقي ديني يتطلب فهما صحيحاً وتطبيقاً شاملاً لدين الإسلام؛ لأن الإسلام منهج عام شامل للحياة، وكل لا يتجزأ، وتشريعاته حتى العبادات منها يكمل بعضها بعضاً، لمعالجة كل متطلبات الحياة الحديثة وضرورات الاقتصاد المعاصر.
стр. 4460
البَابُ الثَّاني: توابِعُ الملكيَّة
ويشمل اثني عشر فصلاً:
стр. 4461
الفَصْلُ الأوَّل: أحكامُ الأراضِي
الأراضي الخاضعة للسلطة الإسلامية إما جديدة آلت إلى المسلمين بالاستيلاء أو الفتح، وإما قديمة استقر بها المسلمون. وأبحث هذين النوعين على النحو التالي:
أولاً - أحكام الأراضي المستولى عليها بالفتح.
ثانياً - أحكام الأراضي المستقرة في داخل الدولة.
وأبدأ بالنوع الأول.
أولاً - أحكام الأراضي المستولى عليها بالفتح:
الأراضي التي استولى عليها المسلمون تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أرض ملكت عَنْوة وقهراً، وأرض ملكت عفواً لجلاء أهلها عنها، وأرض استولي عليها صلحاً.
١ - الأراضي التي فتحت عنوة:
تنتقل ملكية الأراضي إلى الفاتحين بمجرد الاستيلاء عليها عند المالكية على المشهور، والحنابلة والشيعة الإمامية والزيدية؛ لأنها مال زال عنه ملك المحاربين بالاستيلاء عليه، فصار كالمباح تسبق إليه اليد، فيتم تملكه بإحرازه.
стр. 4462
وعند الشافعية: تملك الأراضي والمنقولات بالاستيلاء والقسمة بالتراضي أو اختيار تملكها.
وعند الحنفية: لاتنتقل ملكية الأراضي إلا بالضم إلى دار الإسلام أو حيازتها فعلاً، وجعلها جزءاً من دار الإسلام.
وموات الأرض التي فتحت عنوة أو صلحاً لايملك إلا بالإحياء بالاتفاق (١).
واختلف الفقهاء في حكم مالك هذه الأرض بعد الاستيلاء عليها:
فذهب جمهور الصحابة والشافعية والظاهرية (٢): إلى أنه تنتقل ملكية هذه الأراضي من أصحابها إلى المسلمين، كالغنائم، الخمس لمن ذكرتهم آية الغنائم: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول .. ﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] والغنائم: ماأخذ من أموال أهل الحرب عنوة بطريق القهر والغلبة.
والأربعة الأخماس الباقية للغانمين. فإن طابت بتركها نفوس الغانمين بعوض أو غيره، وقفها ولي الأمر على مصالح المسلمين.
وقال المالكية في المشهور عندهم، والإمامية (٣): تصبح هذه الأراضي وقفاً على المسلمين، بمجرد الحيازة، دون أن تحتاج إلى وقف الإمام، ولا تكون ملكاً
стр. 4463
لأحد، ويصرف خراجها (١) في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغيرها من سبل الخير، إلا أن يرى ولي الأمر في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة.
وقال الحنابلة في أظهر الروايات عن أحمد (٢): إن الإمام يفعل ما يراه الأصلح من قسمتها ووقفها، نظير خراج دائم يقرر عليها كالأجرة، وتكون أرضاً عشرية خراجية، العشر على المستغل، والخراج على رقبة الأرض.
وقال الحنفية والزيدية (٣): الإمام بالخيار، إن شاء قسمها بين المسلمين، كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، وإن شاء أقر أهلها عليها، ووضع على رؤوسهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، فتكون أرض خراج، وأهلها أهل ذمة. قال ابن عابدين: القسمة بين الغانمين أولى عند حاجتهم، وتركها بيد أهلها أولى عند عدم الحاجة لتكون عدة للمسلمين في المستقبل.
الأدلة:
يتضح مما سبق أن الفقهاء متفقون على جواز قسمة الغنائم بين الغانمين، لعموم قوله تعالى ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .. ﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] أي أن خمس الغنيمة لمن ذكرتهم الآية، أو للدولة، والأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين من
стр. 4464
غير خلاف بين الأئمة، بدليل إسناد الحق في الغنيمة للغانمين في قوله تعالى: ﴿غنمتم﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] أسنده إليهم إسناد الملك إلى مالكه.
وبدليل ما بينته السنة بقوله ﷺ وفعله، أما قوله فمثل: «أيما قرية أتيتموها وأقمتم بها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله، فإن خمسها لله ورسوله، ثم هي لكم» (١)، فالمراد بالقرية الأولى: الفيء، ويصرف مصارفه، والمراد بالقرية الثانية: ما أخذ عنوة، فيكون غنيمة يخرج منه الخمس، وباقيه للغانمين، وهو معنى قوله: «ثم هي لكم» أي باقيها.
وأما ما فعله ﵊: فالثابت عنه أنه قسم خيبر بين الغانمين بعد أن فتحت عنوة أي قهراً لا صلحاً، وقسم أيضاً أموال بني قريظة وبني النضير (٢) كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد.
وأما المدينة ففتحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها فأقرت بحالها. وأما مكة ففتحها الرسول ﷺ عنوة، ولم يقسمها.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس ببّاناً (٣)، ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم، يقتسمونها» (٤)، فكان رأي عمر أن يترك الأرض ولا يقسمها.
стр. 4465
هل القسمة ملزمة للإمام أو له الخيار في أمور أخرى؟ أـ قال الشافعية والظاهرية: يجب قسمة الأراضي بين الغانمين، كسائر الأموال، عملاً بمقتضى القرآن والسنة، إذ لا فرق بين العقار والمنقول، وعموم آية الغنائم: ﴿واعلموا أنما غنمتم … ﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] بوجوب القسمة يتفق مع فعله ﷺ الذي يجري مجرى البيان للمجمل، فضلاً عن العام (١).
وأما آية الحشر: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم .. ﴾ [الحشر:٦/ ٥٩] فهي في الفيء (أي الأموال الآيلة للمسلمين بدون قتال) على ما هو الظاهر منها.
وإذا لم يقسم الإمام الأرض، فعليه أن يستطيب الغانمين، كما استطاب رسول الله ﷺ أنفس الغانمين يوم حنين ممن صار في يديه سبي هوازن، وكما فعل في خيبر وبني قريظة (٢)، وكما استطاب عمر بن الخطاب الغانمين بعد فتح سواد العراق بعوض أو بغيره، فصارت الأرض وقفاً أي فيئاً للمصالح العامة بعد أن كانت غنيمة، فقد أعطى عمر جريراً البَجَلي عوضاً من سهمه، وأعطى امرأة بجلية عوضاً من سهم أبيها؛ لأن حق الغانمين قد ثبت في الغنيمة بعد الفتح بالاستيلاء، فلا يملك الإمام إبطال هذا الحق بترك الأرض في أيدي أهلها كالمنقول، ومن لم يطب نفساً منهم فهو أحق بحقه (٣).
ب - وقال المالكية في المشهور عندهم والإمامية (٤): تصبح الأرض وقفاً بمجرد الاستيلاء عليها، أي كأثر طبيعي لازم دون حاجة لصيغة الإمام، ولا لتطيب
стр. 4466
أنفس المجاهدين، محتجين بفعل عمر، حيث وقف الأراضي التي افتتحها كمصر والشام والعراق. جـ - وقال الحنفية والحنابلة: إن الأصل المقرر أن يكون للإمام الخيار في الأراضي، فله أن يقسمها، وله أن يتركها وقفاً، وعمر ﵁ قد استعمل حقه، فقرر أن تكون وقفاً، أي ملكاً للجماعة الإسلامية بأن تكون ملكية الرقبة للدولة، وملكية المنفعة فقط لأهلها القائمين عليها.
أدلة القائلين بإعطاء الخيار للإمام في وقف الأرض:
استدل هؤلاء، وهي في الواقع أدلة لعمر بما يأتي:
١ - إن آية الأنفال: ﴿واعلموا أنما غنمتم .. ﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] وآيات الحشر: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم .. ﴾ [الحشر:٦/ ٥٩] واردة في موضوع واحد، ولكن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال، أي أنه بعد أن كانت الثانية شاملة للأرض والمنقول، خصصتها آية الحشر بما عدا الأرض. أما الأرض فقد أعطت آية الحشر الحق للإمام في أن يتصرف بما يجده من المصلحة: إما أن يقف الأرض، أو يقرها في أيدي أهلها ويضع عليها الخراج؛ لأن آية الأنفال توجب التخميس وآية الحشر توجب القسمة بين المسلمين جميعاً دون التخميس، وبذلك يجمع بين الآيتين (١)، والجمع بين الأدلة عند كثير من الأصوليين مقدم على القول بالنسخ، أي بنسخ آية الحشر لآية الأنفال، كما قال بعضهم (٢).
стр. 4467
والرسول ﵊ قد عمل بآية الأنفال، وعمر قد عمل بآية الفيء، وليس فعل النبي ﷺ براد لفعل عمر؛ لأن فعل الرسول إما على سبيل الإباحة لجهالة صفة الفعل منه، وإما على سبيل الوجوب فهو واجب مخير، بدليل الآية التي استنبط منها عمر خصلة الواجب الأخرى (١)، قال عمر: فاستوعبت هذه الآية (آية الحشر) الناس إلى يوم القيامة (٢)، وقال أيضاً: «والله ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال أعطي منه أو منع، حتى راعٍ بعدن» (٣).
وبناء عليه شملت آية الحشر جميع المؤمنين، وشَّركت آخرهم بأولهم في الاستحقاق. ولا سبيل إليه إلا بعدم قسمة الأرض، وهو معنى وقفها عند المالكية. وليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض، كما هو عمل الأمة، وقد أجمع العلماء على أنها تورث، والوقف لا يورث، إلى آخر ما هنالك من فروق (٤).
٢ - ترك رسول الله ﷺ قرى لم يقسمها، وقد ظهر على مكة عنوة (٥)، وفيها أموال، فلم يقسمها، وظهر على قريظة والنضير، وعلى غير دار من دور العرب، فلم يقسم شيئاً من الأرض غير خيبر. فكان الإمام بالخيار: إن قسم كما قسم رسول الله ﷺ فحسن، وإن ترك كما ترك رسول الله غير خيبر فحسن (٦).
стр. 4468
٣ - إجماع الصحابة ﵃، على ما ارتآه عمر، حينما فتح سواد العراق، فقد ترك الأراضي في أيدي أهلها، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، بمحضر من الصحابة محتجاً بآيات الحشر السابق ذكرها، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعاً منهم. ومن خالف منهم في مبدأ الأمر كبلال وسلمان، عاد فوافق بعدئذ (١).
٤ - المعقول: إذا قسمت بين الغانمين الأرض المفتوحة التي كادت تشمل معظم العالم في أوج الفتوحات الإسلامية، فماذا يبقى لمن يأتي بعدهم؟
ومن أين تجد خزانة الدولة نفقاتها لإنفاقها في المصالح العامة للمسلمين؟
لهذا قال عمر، بعد أن تلا آيات الفيء في سورة الحشر: «قد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء، ودمه في وجهه».
وقال أيضاً: «أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلتزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام، كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر، لا بد لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟» فقالوا جميعاً: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت (٢).
وإذا قسمت الأرض بين الغانمين واشتغلوا بالزراعة، وتركوا الجهاد، فسرعان ما تضعف الأمة الإسلامية، وتصبح نهبة للطامعين؛ بل إن في ذلك أمراً مهماً
стр. 4469
بالنسبة للاقتصاد العام، حيث يحافظ على الإنتاج، لو تركت الأرض في أيدي أهلها لطول خبرتهم بها، وتمرنهم على شؤون الزراعة، بخلاف العرب الذين لم يكونوا يألفون حياة الزراعة والاستقرار في المدينة.
يتلخص من هذه الأدلة: أنه قد حصل بدلالة الآية وإجماع السلف والسنة تخيير الإمام في قسمة الأرضين، أو تركها ملكاً لأهلها، ووضع الخراج عليها.
وأرجح اعتبار الفيء والغنيمة بمعنى واحد: وهو كل ما جاء من العدو، كما تقضي اللغة، فيخير الإمام بكل منهما على حدة بين القسمة وعدمها على وفق مقتضيات المصلحة العامة كما رأى عمر ﵁.
٢ - الأرض التي جلا عنها أهلها خوفا ً:
هذا النوع الثاني من الأرضين هو المعروف لدى الفقهاء بالفيء: وهو المال الذي حصل من الحربيين بلا قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كالجزية والعشور التجارية (١).
وحكمها: أنها تنتقل ملكيتها إلى بيت المال بالاستيلاء عليها، وتصير أملاك دولة، وعبر عنها الفقهاء بأنها تصير وقفاً، أي ملكاً للأمة الإسلامية بمجرد الاستيلاء عليها، ويضع الإمام عليها خراجاً يؤخذ كأجرة ممن يعامل عليها من مسلم أو معاهد. وصيرورتها وقفاً لأنها ليست غنيمة، فكان حكمها حكم الفيء يكون للمسلمين كلهم. ولم يختلف في هذا فقهاؤنا بالنسبة للعقار، إلا أن
стр. 4470
الشافعية والحنابلة في قول عندهم ذكروا أن وقفها يحتاج إلى صيغة من الإمام، لتصبح هذه الأرض وقفاً، والراجح خلافه (١).
أما المنقول في الفيء: فيوقف أيضاً عند الجمهور، ويصرف لمصالح المسلمين، أي الأمر فيه للإمام يفعل ما يراه مصلحة. ويخمس عند الشافعية المنقول كالغنيمة؛ لأن آية الفيء؛ ﴿ما أفاء الله على رسوله .. ﴾ [الحشر:٦/ ٥٩] مطلقة، وآية الغنيمة: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء … ﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] مقيدة، فحمل المطلق على المقيد، جمعاً بينهما لاتحاد الحكم، فإن الحكم واحد، وهو رجوع المال من الحربيين للمسلمين، وإن اختلف السبب بالقتال وعدمه (٢).
غير أن مذهب الجمهور في هذا أصح، ودليلهم ما روى أنس بن مالك عن عمر، قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكُراع (الخيول) والسلاح عُدَّة في سبيل الله (٣).
فقوله: «كانت للنبي ﷺ خاصة» يؤيد مذهب الجمهور في أنه لا يخمس الفيء، إذ من المعروف أن فدَك والعوالي (أموال بني النضير في المدينة) (٤) كانت للرسول ﷺ خاصة، ولمن بعده من الأئمة، لقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم .. ﴾ [الحشر:٦/ ٥٩] ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله
стр. 4471
وللرسول﴾ [الحشر:٥٩/ ٧] أراد أن الفيء لا يقسم كالغنائم، بدليل قوله تعالى: ﴿كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر:٦/ ٥٩].
وإذا أراد الإمام تفريق الفيء بين المسلمين اتخذ ديواناً يحفظهم ويرتبهم، ويجعل العطاء على حسب ما يتيسر له شهرياً أو غيره (١).
٣ - الأرض التي فتحت صلحا ً:
يتحدد حكم هذا النوع من الأراضي بموجب عقد الصلح، فهو إما أن يقع الصلح على أن تكون الأرض للمسلمين، وإما أن يقع على أن تكون الأرض لأصحابها كأرض اليمن والحيرة.
ففي الحالة الأولى: تصبح الأرض وقفاً للمسلمين، كأرض العنوة، وتعتبر من بلاد الإسلام، كالأرض التي جلا عنها أهلها؛ لأن النبي ﷺ فتح خيبر، وصالح أهلها على أن يعمروا أرضها، ولهم نصف ثمرتها، فكانت للمسلمين دونهم. قال ابن عمر ﵄: «عامل النبي ﷺ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» (٢)، وصالح النبي بني النضير على أن يجليهم من المدينة، ولهم ما أقلت الإبل من المتعة والأموال إلا الحلقة (السلاح) وكانت مما أفاء الله على رسوله (٣).
ويوضع على هذه الأرض الخراج، ويكون تابعاً لها، فإذا اشترى مسلم
стр. 4472
بعضاً منها، ظل ملتزماً بضريبة الخراج؛ لأنه يعتبر أجرة في نظير الانتفاع بالأرض، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء (١).
وفي الحالة الثانية: تكون الأرض ملكاً لأهلها بموجب الصلح، باتفاق الفقهاء، ويلتزم المسلمون بتنفيذ شروط الصلح كاملة، ما دام هؤلاء قائمين على الصلح، ولكن يوضع الخراج على الأرض يؤدونه عنها، ويكون لبيت المال (٢)، وهذا الخراج يعتبر في حكم الجزية، فمتى أسلموا سقط عنهم عند الجمهور والشيعة الإمامية (٣)، بدليل ما كتب عمر بن عبد العزيز لعماله: ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض.
أما عند الحنفية والشيعة الزيدية: فلا يسقط؛ لأن الخراج عندهم فيه معنى المؤنة ومعنى العقوبة، ولذا يبقى على المسلم ولا يبتدأ به (٤).
وتعبر دار هؤلاء المصالحين دار عهد أو صلح عند الشافعية وبعض الحنابلة (٥)، وعند الجمهور: تعتبر الدار بالصلح دار إسلام، ويصير أهلها أهل ذمة تؤخذ منهم الجزية.
стр. 4473
ثانياً - أحكام الأراضي في داخل الدولة: الأراضي نوعان: أرض مملوكة وأرض مباحة. والمملوكة نوعان: عامرة وخراب، والمباحة نوعان أيضاً: نوع هو من مرافق البلد للاحتطاب ورعي المواشي، ونوع ليس من مرافقها وهو الأرض الموات أو ما يسمى الآن أملاك الدولة العامة، والمقصود بالأرض العامرة: هي التي ينتفع بها من سكنى أو زراعة أو غيرها. وأما الأرض الخراب: فهي المعروفة بالأرض المملوكة الغامرة: وهي التي انقطع ماؤها أو لم تستغل بسكنى أو استثمار أو غيرهما. وسنعطي هنا فكرة إجمالية عن حكم كل أرض.
١ - حكم الأرض المملوكة العامرة: هو أنه لا يجوز لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن صاحبها.
٢ - حكم الأرض الخراب التي انقطع ماؤها: هذه الأرض ملك لصاحبها، وإن طال الزمان على خرابها، حتى إنه يجوز له بيعها وهبتها وإجارتها وتورث عنه إذا مات. . . . هذا إذا عرف صاحبها، فإن لم يعرف، فحكمها حكم اللقطة.
وأما الكلأ (١) الذي ينبت في أرض مملوكة فهو مباح للناس غير مملوك لأحد، إلا إذا قطعه صاحب الأ رض، لقوله ﵊: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (٢) فإذا قطع الكلأ صاحب الأرض وأحرزه صار مملوكاً له؛ لأنه استولى على مال مباح غير مملوك فيملكه كالماء المحرز في الأواني
стр. 4474
والظروف وسائر المباحات، قال ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» (١).
والمروج غير المملوكة، والآجام (٢) غير المملوكة، والسمك وسائر المباحات كالطير، تعتبر في حكم الكلأ.
وأما الحطب والقصب في الأجمة المملوكة: فليس لأحد أن يقطعها إلا بإذن المالك؛ لأن ذلك مملوك لصاحب الأجمة ينبت على ملكه، وإن لم يوجد منه الإنبات أصلاً؛ لأن ملك القصب والحطب مقصود من ملك الأجمة، فيملك بملكها، بخلاف الكلأ، فإنه غير مقصود، وإنما المقصود زراعة الأرض (٣).
وإذا كان الكلأ مستنبتاً في أرض مملوكة، بفعل صاحبها وسقيه، كان ملكاً خاصاً له.
٣ - حكم الأرض الموات: الأرض الموات كما عرفنا نوعان: أحدهما: ما كان من مرافق أهل بلدة تستعمل مرعى للمواشي ومحتطباً لهم أو مقبرة لموتاهم أو ملعباً لصغارهم، سواء أكانت داخل البلدة أم خارجها، فيكون حقاً لهم لا مواتاً، فلا يجوز للإمام أن يقطعه لأحد، لما يترتب عليه من الإضرار بأهل البلدة، ولكن ينتفع بالحطب والقصب الذي في هذه الأرض من قبل أهل البلدة وغيرهم، وليس لهم أن يمنعوها عن غيرهم؛ لأنها ليست مملوكة لهم.
والحد الفاصل فيما يعتبر قريباً من البلدة: هو المكان الذي يسمع فيه الرجل
стр. 4475
صوت الشخص الذي يناديه من آخر أرض مملوكة، فإذا لم يسمع الصوت، فهو موات لا يتبع تلك البلدة. ومثل أرض القرية: أرض الملح والقار (١) والنفط ونحوها مما لا يستغني عنه المسلمون، فهي لا تعد أرض موات، فلا يجوز إقطاعها لأحد، وإنما تكون حقاً لجماعة المسلمين.
والثاني: ما لا يكون تبعاً لقرية من القرى أو مدينة وهو الموات في اصطلاح الفقهاء.
والموات: هو ما لا يملكه أحد ولا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه أو لغلبة الماء عليه وما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة: بأن غلبت عليه الرمال مثلاً، ولا يكون مملوكاً لمسلم أو ذمي، وأن يكون في رأي أبي يوسف بعيداً عن القرية بحيث إذا وقف إنسان في طرف الدور، فصاح، لا يسمع الصوت من كان فيه.
إلا أن هذا الشرط الأخير لا يعتبر في ظاهر الرواية، وإنما يكفي عدم ارتفاق أهل القرية به، وإن كان قريباً منهم وهو المفتى به عند الحنفية. فإذا كانت الأرض مملوكة لأحد لم تكن مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها فهي لقطة يتصرف بها الإمام.
وإحياء الأرض. معناه إصلاحها ببناء أو غرس أو سقي أو تفجير ماء أو حرث بحيث تصبح الأرض منتفعاً بها (٢).
أما لو وضع حول الأرض أحجاراً أو تراباً أو حاطها بحائط صغير، وجعل ذلك حداً، فإنه لا يملكها؛ لأن هذا ليس
стр. 4476
بإحياء للأرض، وإنما يصير متحجراً، ويكون أحق بها من غيره باتفاق الأئمة (١)، لقول النبي ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به». وقوله ﵊ أيضاً «منى مُناخٌ لمن سبق» (٢).
ومن حجر أرضاً ولم يعمرها ثلاث سنين أخذها الإمام ودفعها إلى غيره؛ لأن التحجير كما قلنا ليس بإحياء، وإنما هو إعلام بوضع الأحجار حول الأرض. وإعطاء المحتجر الحق في ترك الأرض له مدة ثلاث سنين مأخوذ من قول عمر ﵁: «ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق» (٣)، ولأن هذه المدة يحتاج إليها لتهيئة الأمور والاستعداد لإتمام الأحياء.
هل يحتاج إحياء الموات إلى إذن الحاكم؟: اختلف العلماء في ذلك، فقال أبو حنيفة والمالكية (٤): يحتاج إحياء الموات إلى إذن الإمام أو نائبه، لقوله ﷺ : «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» (٥) فإذا لم يأذن لم تطب نفسه به، فلا يتملكه.
стр. 4477
وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة (١): يجوز تملك الأرض بالإحياء، وإن لم يأذن الإمام فيه، لقوله ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (٢) فهذا الحديث أثبت الملك للمحيي من غير اشتراط إذن الإمام، ولأن إحياء الأرض مباح استولى عليه المحيي، فيملكه بدون إذن الإمام، كما لو أخذ إنسان صيداً أو حشَّ كلأ.
هل للبئر أو النهر في أرض الموات حريم (٣)؟ إذا حفر الرجل بئراً في برية أو حفر نهراً في أرض موات، فيعتبر الحفر إحياء للأرض، ولكن هل للبئر أو للنهر حريم؟
اتفق الفقهاء على أن للبئر والنهر حريماً لا يجوز للآخرين التعدي عليه بإحياء الأرض مثلاً فيه؛ لأن الرسول ﵊ جعل للبئر حريماً كما سيبين، إلا أنهم اختلفوا في مقدار حريم البئر. واتفق الحنفية على أن حريم العين خمس مئة ذراع من كل جانب، لقوله ﷺ : «العين خمس مئة ذراع، و حريم بئر العطن أربعون ذراعاً» (٤).
وأما حريم البئر والنهر ففيه خلاف: قال الحنفية: حريم بئر العطَن (٥):
стр. 4478
أربعون ذراعاً لقوله ﷺ : «من حفر بئراً فله مما حولها أربعون ذراعاً عطناً (١) لماشيته (٢)».
وأما حريم بئر الناضح (٣): فعند أبي حنيفة: أربعون ذراعاً، عملاً بإطلاق الحديث السابق، ولأن حاجة الناضح تتحقق بأربعين ذراعاً من كل جانب كحاجة بئر العطن.
وعند الصاحبين: حريم بئر الناضح ستون ذر اعاً عملاً بالحديث السابق: «حريم العين خمس مئة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعاً، وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً» ولأنه قد يحتاج لهذه المسافة لتسيير الدابة للاستقاء.
وأما حريم النهر: فاختلف في تقديره أبو يوسف ومحمد. وقال أبو يوسف، ورأيه هو المفتى به: يقدر بنصف أرض النهر من كل جانب. وقال محمد: يقدر بقدر عرض النهر من كل جانب (٤).
و فائدة تملك الحريم: هي أن من أراد أن يحفر فيه بئراً أو ينتفع به بشيء، فإنه يمنع منه، ولمالك الحريم ردم البئر التي تحفر، أو تضمين الحافر النقصان، ثم يردمه بنفسه.
стр. 4479
وقال المالكية: إن ما يضر بالماء حريم لكل بئر، ويزاد عليه بالنسبة لبئر الماشية والشِّرب: ما لا يضايق الوارد الذي يشرب من هذه البئر (١).
وقال الشافعية: حريم البئر المحفورة في أرض الموات: هو بقدر ما يقف فيه النازح منها على رأس البئر ليستقي إن كانت البئر للشرب، وقدر ما يمر فيه الثيران إن كانت للسقي.
وحريم النهر عند الشافعية: هو ملقى الطين وما يخرج منه من الرواسب، ويرجع فيه إلى أهل العرف في الموضع (٢). واستدلوا بالحديث السابق: «من حفر بئراً فله مما حولها أربعون ذراعاً .. » وبحديث مرسل عن سعيد بن المسيب: «حريم البئر البديء - أي المستحدث - خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم البئر العادية - أي القديمة - خمسون ذراعاً، وحريم بئر الزرع ثلاث مئة ذراع» (٣).
وقال الحنابلة: حريم البئر المستحدث خمسة وعشرون ذراعاً حواليها، وحريم البئر القديم خمسون ذراعاً، بدليل حديث ابن المسيب السابق (٤). وسيأتي في بحث إحياء الموات تفصيل الكلام في الحريم.
стр. 4480
الفَصْلُ الثَّاني: إحياء الموَات (استصلاح الأراضي والبناء فيها) خطة البحث:
الكلام في هذا الموضوع يشمل ما يأتي:
المبحث الأول - تعريف إحياء الموات ومشروعيته والترغيب فيه.
المبحث الثاني - ما يقبل الإحياء من الموات.
المبحث الثالث - كيفية الإحياء وطرقه - التحجير.
المبحث الرابع - شروطه.
المبحث الخامس - أحكامه - تملك الأرض ومقدار ما يملك (الحريم).
المبحث الأول - تعريف إحياء الموات ومشروعيته والترغيب فيه شرعا ً:
تعريف إحياء الموات: الإحياء لغة: جعل الشيء حياً، أي ذا قوة حساسة أو نامية. والموات: ما لا روح فيه، أو الأرض التي لا مالك لها، أو الأرض الخراب الدارسة غير العامرة، وبإيجاز: هو الأرض التي لم تعمر، والمراد بإحياء الموات:
стр. 4481
التسبب للحياة النامية، شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بعدم الحياة، وإحياؤها: عمارتها.
وشرعاً: الإحياء: إصلاح الأرض الموات بالبناء أو الغرس أو الكِرَاب (١)، أو غير ذلك. والموات: الأرض التي لا عمارة ولا ماء فيها، ولا يملكها ولا ينتفع بها أحد (٢). أو هو عند الحنفية الأرض التي تعذر زرعها لانقطاع الماء عنها، أو لغلبته عليها، غير مملوكة، بعيدة من العامر. أو هو ما سلم عن اختصاص بإحياء أي بسبب إحياء (٣).
وحد الموات عند الشافعية: ما لم يكن عامراً، ولا حريماً لعامر، قرب من العامر أو بعد (٤).
ومضمون التعاريف: هو أن إحياء الموات في الغالب: يعني استصلاح الأراضي الزراعية أو جعلها صالحة للزراعة، برفع عوائق الزراعة من أحجار وأعشاب منها، واستخراج الماء، وتوفير التربة الصالحة للزراعة، وإقامة الأسوار عليها أو تشييد البناء فيها.
والإحياء ورد عن الشارع مطلقاً، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأنه قد يبين مطلقات الشارع، والذي يحصل به الإحياء في العرف أحد خمسة أسباب: تبييض الأرض، وتنقيتها للزرع، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع، واستخراج الماء (٥).
стр. 4482
مشروعيته: ثبتت شرعية إحياء الموات بالسنة النبوية في أحاديث كثيرة منها:
«من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (١)، «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (٢) «من عمر أرضاً ليست لأحد، فهو أحق بها» (٣) «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له، قال: فخرج الناس يتعادَوْن يتخاطُون» (٤).
دلت هذه الأحاديث على إباحة إحياء الأرض الميتة التي لا مالك لها، ولم ينتفع بها أحد، فيحييها الشخص بالسقي، أو الزرع أو الغرس، أو البناء، أو بالتحويط على الأرض بمقدار ما يسمى حائطاً في اللغة. قال عروة: قضى عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه.
وتدل الأحاديث أيضاً على أن الشرع رغب في الإحىاء، لحاجة الناس إلى موارد الزراعة، وتعمير الكون، مما يحقق لهم رفاهاً اقتصادياً، ويوفر ثروة عامة كبرى.
стр. 4483
المبحث الثاني - الموات القابل للإحياء:
لا تصلح كل أرض للإحياء، وإنما منها ما يقبل الإحياء، ومنها ما لا يقبل. وقد اتفق الفقهاء على أن الأرض التي لم يملكها أحد، ولم يوجد فيها أثر عمارة وانتفاع، تملك بالإحياء.
كما اتفقوا على أن الأراضي التي لها مالك معروف بشراء أو عطية، لم ينقطع ملكه، لا يجوز إحياؤها لأحد، غير أصحابها.
واختلفوا في أنواع أخرى من الأرض (١):
النوع الأول: ما ملك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر (درس) وعاد مواتاً:
قال الشافعية والحنابلة (٢): لا يملك بالإحياء؛ لأن الأحاديث التي أجازت الإحياء مقيدة بغير المملوك: «من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد» «ليس لعرق ظالم حق»، ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك.
وقال أبو يوسف من الحنفية (٣). يملك بالإحياء، ما لا يعرف له مالك بعينه إذا كان بعيداً من القرية، بحيث إذا وقف إنسان جهوري الصوت في أقصى العمران من دور القرية، فصاح بأعلى صوته، لم يسمع الصوت فيه. وعند محمد: إن ملكت في الإسلام لا تكون مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها تكون لجماعة المسلمين. وظاهر الرواية المفتى به: عدم ارتفاق البلدة به كما سيذكر.
وقال المالكية (٤): يملك بالإحياء ما اندرس من عمارة الأرض، لعموم
стр. 4484
الحديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له»، ولأن أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتاً، عادت إلى الإباحة.
النوع الثاني: ما يوجد فيه آثار ملك قديم من الجاهلية كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوها يملك بالإحياء في المذاهب الأربعة (١)، وهو الأظهر عند الشافعية، إذ لا حرمة لملك الجاهلية، ولقوله ﷺ : «عادِيّ الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم» (٢) أي قديم الخراب بحيث لم يملك في الإسلام.
والرأي الثاني للشافعي: أنه لا يملك بالإحياء، لأنه ليس بموات.
النوع الثالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معين، أي لم يعرف مالكه: يملك بالإحياء عند الحنفية والمالكية، وفي رواية عن أحمد، لعموم الأخبار الواردة في مشروعية الإحياء، ولأنه أرض موات لا حق فيها لقوم بأعيانهم، فأشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك.
وقال الشافعية: هو مال ضائع، أمره إلى الإمام الحاكم في حفظه إلى ظهور مالكه، أو بيعه وحفظ ثمنه واستقراضه على بيت المال، أي لا يملك بالإحياء.
والصحيح عند الحنابلة: أنه لا يملك بالإحياء، فلا أثر لإحيائه ويكون فيئاً بمنزلة ما جلا عنه الأعداء خوفاً منا، أي يوزع في سبيل المصالح العامة (٣).
والخلاصة: إن الشافعية والحنابلة متفقون على أنه لا يملك بالإحياء، والحنفية والمالكية يقولون بجواز إحيائه.
стр. 4485
توضيح آراء المذاهب في الموات القابل للإحياء:
يحسن بيان رأي كل مذهب على حدة فيما يقبل الإحياء.
١ - مذهب الحنفية (١): الأرض الموات: هي أرض خارج البلد، لم تكن ملكاً لأحد، ولا حقاً له خاصاً. ففي داخل البلد لا يكون موات أصلاً، وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها، محتطباً لأهلها، أو مرعى لهم. فلا يجوز إحياء ماقرب من العامر؛ لأنه من مرافقه التابعة له ويترك مرعى لأهل القرية، ومطرحاً لحصائدهم، لتحقق حاجتهم إليها، فلا يكون مواتاً كالطريق والنهر.
فالمهم في الأرض غير المملوكة: عدم الارتفاق من أهل البلد، سواء قربت من العامر أم بعدت. وهذا هو ظاهر الرواية وهو قول الأئمة الثلاثة، وهو المفتى به عند الحنفية.
٢ - مذهب المالكية (٢): موات الأرض: ما سلم عن اختصاص بإحياء (أي بسبب إحياء لها بشيء) أو بسبب كونه حريم عمارة كمحتطب أو مرعى لبلد. فإذا اندرست عمارتها من بناء أو غرس أو تفجير ماء ونحوها، لا يزول ملكها عمن أحياها، إلا بإحياء جديد من غيره بعد اندراسها بمدة طويلة يقدرها عرف الناس، فتصبح حينئذ ملكاً للمحيي الثاني.
وذلك سواء أكانت الأرض قريبة من العمران أم بعيدة من العمران، إلا أن الأولى يفتقر إحياؤها إلى إذن الحاكم.