← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

التسبب للحياة النامية، شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بعدم الحياة، وإحياؤها: عمارتها. وشرعاً: الإحياء: إصلاح الأرض الموات بالبناء أو الغرس أو الكِرَاب (١)، أو غير ذلك. والموات: الأرض التي لا عمارة ولا ماء فيها، ولا يملكها ولا ينتفع بها أحد (٢). أو هو عند الحنفية الأرض التي تعذر زرعها لانقطاع الماء عنها، أو لغلبته عليها، غير مملوكة، بعيدة من العامر. أو هو ما سلم عن اختصاص بإحياء أي بسبب إحياء (٣). وحد الموات عند الشافعية: ما لم يكن عامراً، ولا حريماً لعامر، قرب من العامر أو بعد (٤). ومضمون التعاريف: هو أن إحياء الموات في الغالب: يعني استصلاح الأراضي الزراعية أو جعلها صالحة للزراعة، برفع عوائق الزراعة من أحجار وأعشاب منها، واستخراج الماء، وتوفير التربة الصالحة للزراعة، وإقامة الأسوار عليها أو تشييد البناء فيها. والإحياء ورد عن الشارع مطلقاً، وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأنه قد يبين مطلقات الشارع، والذي يحصل به الإحياء في العرف أحد خمسة أسباب: تبييض الأرض، وتنقيتها للزرع، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير الذي لا يطلع من نزله إلا بمطلع، واستخراج الماء (٥).

стр. 4482

مشروعيته: ثبتت شرعية إحياء الموات بالسنة النبوية في أحاديث كثيرة منها: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (١)، «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (٢) «من عمر أرضاً ليست لأحد، فهو أحق بها» (٣) «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له، قال: فخرج الناس يتعادَوْن يتخاطُون» (٤). دلت هذه الأحاديث على إباحة إحياء الأرض الميتة التي لا مالك لها، ولم ينتفع بها أحد، فيحييها الشخص بالسقي، أو الزرع أو الغرس، أو البناء، أو بالتحويط على الأرض بمقدار ما يسمى حائطاً في اللغة. قال عروة: قضى عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه. وتدل الأحاديث أيضاً على أن الشرع رغب في الإحىاء، لحاجة الناس إلى موارد الزراعة، وتعمير الكون، مما يحقق لهم رفاهاً اقتصادياً، ويوفر ثروة عامة كبرى.

стр. 4483

المبحث الثاني - الموات القابل للإحياء: لا تصلح كل أرض للإحياء، وإنما منها ما يقبل الإحياء، ومنها ما لا يقبل. وقد اتفق الفقهاء على أن الأرض التي لم يملكها أحد، ولم يوجد فيها أثر عمارة وانتفاع، تملك بالإحياء. كما اتفقوا على أن الأراضي التي لها مالك معروف بشراء أو عطية، لم ينقطع ملكه، لا يجوز إحياؤها لأحد، غير أصحابها. واختلفوا في أنواع أخرى من الأرض (١): النوع الأول: ما ملك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر (درس) وعاد مواتاً: قال الشافعية والحنابلة (٢): لا يملك بالإحياء؛ لأن الأحاديث التي أجازت الإحياء مقيدة بغير المملوك: «من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد» «ليس لعرق ظالم حق»، ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك. وقال أبو يوسف من الحنفية (٣). يملك بالإحياء، ما لا يعرف له مالك بعينه إذا كان بعيداً من القرية، بحيث إذا وقف إنسان جهوري الصوت في أقصى العمران من دور القرية، فصاح بأعلى صوته، لم يسمع الصوت فيه. وعند محمد: إن ملكت في الإسلام لا تكون مواتاً، وإذا لم يعرف مالكها تكون لجماعة المسلمين. وظاهر الرواية المفتى به: عدم ارتفاق البلدة به كما سيذكر. وقال المالكية (٤): يملك بالإحياء ما اندرس من عمارة الأرض، لعموم

стр. 4484

الحديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له»، ولأن أصل هذه الأرض مباح، فإذا تركت حتى تصير مواتاً، عادت إلى الإباحة. النوع الثاني: ما يوجد فيه آثار ملك قديم من الجاهلية كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوها يملك بالإحياء في المذاهب الأربعة (١)، وهو الأظهر عند الشافعية، إذ لا حرمة لملك الجاهلية، ولقوله ﷺ : «عادِيّ الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم» (٢) أي قديم الخراب بحيث لم يملك في الإسلام. والرأي الثاني للشافعي: أنه لا يملك بالإحياء، لأنه ليس بموات. النوع الثالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معين، أي لم يعرف مالكه: يملك بالإحياء عند الحنفية والمالكية، وفي رواية عن أحمد، لعموم الأخبار الواردة في مشروعية الإحياء، ولأنه أرض موات لا حق فيها لقوم بأعيانهم، فأشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك. وقال الشافعية: هو مال ضائع، أمره إلى الإمام الحاكم في حفظه إلى ظهور مالكه، أو بيعه وحفظ ثمنه واستقراضه على بيت المال، أي لا يملك بالإحياء. والصحيح عند الحنابلة: أنه لا يملك بالإحياء، فلا أثر لإحيائه ويكون فيئاً بمنزلة ما جلا عنه الأعداء خوفاً منا، أي يوزع في سبيل المصالح العامة (٣). والخلاصة: إن الشافعية والحنابلة متفقون على أنه لا يملك بالإحياء، والحنفية والمالكية يقولون بجواز إحيائه.

стр. 4485

توضيح آراء المذاهب في الموات القابل للإحياء: يحسن بيان رأي كل مذهب على حدة فيما يقبل الإحياء. ١ - مذهب الحنفية (١): الأرض الموات: هي أرض خارج البلد، لم تكن ملكاً لأحد، ولا حقاً له خاصاً. ففي داخل البلد لا يكون موات أصلاً، وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها، محتطباً لأهلها، أو مرعى لهم. فلا يجوز إحياء ماقرب من العامر؛ لأنه من مرافقه التابعة له ويترك مرعى لأهل القرية، ومطرحاً لحصائدهم، لتحقق حاجتهم إليها، فلا يكون مواتاً كالطريق والنهر. فالمهم في الأرض غير المملوكة: عدم الارتفاق من أهل البلد، سواء قربت من العامر أم بعدت. وهذا هو ظاهر الرواية وهو قول الأئمة الثلاثة، وهو المفتى به عند الحنفية. ٢ - مذهب المالكية (٢): موات الأرض: ما سلم عن اختصاص بإحياء (أي بسبب إحياء لها بشيء) أو بسبب كونه حريم عمارة كمحتطب أو مرعى لبلد. فإذا اندرست عمارتها من بناء أو غرس أو تفجير ماء ونحوها، لا يزول ملكها عمن أحياها، إلا بإحياء جديد من غيره بعد اندراسها بمدة طويلة يقدرها عرف الناس، فتصبح حينئذ ملكاً للمحيي الثاني. وذلك سواء أكانت الأرض قريبة من العمران أم بعيدة من العمران، إلا أن الأولى يفتقر إحياؤها إلى إذن الحاكم.

стр. 4486

٣ - مذهب الشافعية (١): حد الموات: ما لم يكون عامراً، ولا حريماً لعامر قرب من العامر أو بعد. أو هو الأرض التي لم تعمرّ قط في بلاد الإسلام. ولا يملك بالإحياء حريم معمور: وهو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع، مثل مرتكض الخيل ومناخ الإبل ومطرح الرماد ونحوها. ٤ - مذهب الحنابلة (٢): الموات: هو الأرض التي ليس لها مالك، ولا بها ماء، ولا عمارة، ولا ينتفع بها. أو هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم: مسلم كان أو كافر. لكن لا يجوز إحياء ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه من طرقه ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته، والمتعلق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مائها، والحد الفاصل بين القريب والبعيد يتحدد بالعرف. والخلاصة: إن المذاهب متقاربة في أصلها ومختلفة في بعض الشروط والقيود. المبحث الثالث - كيفية الإحياء وطرقه: إحياء الأرض الموات: يكون باستصلاحها للزراعة بحسب عرف الناس وعاداتهم، كما قرر الشافعية، لكن للمذاهب آراء في الموضوع. قال الحنفية (٣): إصلاح الأرض الموات يكون بالبناء أو الغرس أو الكراب (قلبها للحرث)، أو إقامة المسنّاة (السد: وهو ما يبنى ليرد ماء السيل، والمراد هنا

стр. 4487

الجسر)، أو شق النهر، أو إلقاء البذور، أو السقاية مع حفر الأنهار، أو التحويط والتسنيم بحيث يعصم الماء؛ لأنه من جملة البناء. وعن محمد: أن المحيي لو حفر النهر، ولم يسق الأرض أو فعل العكس، يكون فعله تحجيراً لا إحياء. وقال المالكية (١): الإحياء يكون بالبناء والغرس والزراعة والحرث وإجراء المياه فيها وغيرها من أحد أمور سبعة هي: الأول: بتفجير ماء لبئر أو عين، فيملك به، وكذا تملك الأرض التي تزرع به. والثاني: بإزالة الماء منها حيث كانت الأرض غامرة بالماء. والثالث: ببناء أرض. والرابع: بسبب غرس الشجر فيها. والخامس: بسبب تحريك أرض بحرثها ونحوه (الحراثة). والسادس: يكون بسبب قطع شجر بها بنية وضع يده عليها. والسابع: بسب كسر حجرها مع تسوية الأرض. وقال الشافعية (٢): الإحياء الذي يملك به: يختلف بحسب الغرض المقصود من الأرض، ويرجع فيه إلى العرف، والعرف يمثل المصلحة عادة؛ لأن الشرع أطلقه، ولا حد له في اللغة، فيرجع فيه إلى العرف كالقبض في المبيع والموهوب، والحرز في السرقة: وهو في كل شيء بحسبه، والضابط: التهيئة للمقصود.

стр. 4488

فإن أراد إحياء الموات مسكناً، اشترط فيه تحويط البقعة بآجر أو لبن أو قصب بحسب عادة ذلك المكان. والمعتمد أنه لا يكتفى بالتحويط من غير بناء، بل لا بد من البناء، ويشترط سقف بعض الأرض ليتهيأ للسكنى، وتعليق (نصب) باب؛ لأن العادة في المنازل أن يكون لها أبواب، ولا تصلح الأرض للسكنى بما دون ذلك (أي بالبناء والسقف وتركيب باب). وإن أراد إحياء الموات زريبة دواب أو نحوها، كحظيرة لجمع ثماروغلات وغيرها، فيكتفى بالتحويط بالبناء بحسب العادة، ولا يشترط سقف شيء؛ لأن العادة فيها عدمه. ولا بد فيه من تركيب باب على الأرجح مع البناء أو التحويط بالبناء. وإن أراد إحياء الموات مزرعة، فيطلب جمع التراب حولها، وتسوية الأرض، وترتيب ماء لها بشق ساقية من نهر، أو بحفر بئر أو قناة أو نحوها، إن لم يكفها المطر المعتاد. ولا تشترط الزراعة فعلاً في الأصح، لأنه استيفاء منفعة الأرض، وهو خارج عن الإحياء، كما لا يعتبر في إحياء الدار سكناها. والخلاصة: أنه بالتحويط وتسوية الأرض وإيجاد الماء. وإن أراد إحياء الموات بستاناً، فيشترط جمع التراب حول الأر ض كالمزرعة، والتحويط حيث جرت العادة به عملاً بها، وتهيئة ماء كما تقرر في المزرعة. ويشترط أيضاً في البستان غرس البعض على المذهب. فهذا الإحياء يكون بالتحويط وتسوية الأرض وإيجاد الماء والغرس. وقال الحنابلة (١): إحياء الأرض: أن يحوط عليها حائطاً منيعاً، سواء أرادها

стр. 4489

للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو الخشب أو غيرها، لقوله ﷺ : «من أحاط حائطاً على أرض، فهي له» (١)، ولأن الحائط حاجز منيع، فكان إحياء. وكالحائط: إجراء ماء للأرض من نهر أو بئر إن كانت لا تزرع إلا به، أو حفر بئر فيها ينبع منها الماء، فإن لم يخرج الماء فهو كالمحتجر الشارع في الإحياء. ومثل الحائط: أن يغرس فيها شجراً، أو أن يمنع عن الموات ما لا يمكن زرعها إلا بحبسه عنها كأرض البطائح (٢). وفي الجملة: الإحياء يكون إما بالتحويط المنيع أو إيجاد الماء أو غرس الشجر. ولا يحصل الإحياء بمجرد الحرث والزرع؛ لأنه لا يراد للبقاء بخلاف الغرس، كما لا يحصل الإحياء أيضاً بخندق يجعله حول الأرض التي يريد إحياءها ولا بشوك وشبهه يحوطها به، ويكون تحجراً. هل يحصل الإحياء بالتحجير؟ التحجير أو التحويط: هو الإعلام بوضع الأحجار حول الأرض، أي وضع سور من الأحجار والأشواك ونحوها على جوانب الأرض، وقد اتفق الفقهاء على عدم صلاحيته للإحياء، لكن المتحجر يكون أحق بها من غيره. قال الحنفية (٣): إن حجر شخص الأرض، لا يملكها بالتحجير؟ لأنه ليس بإحياء في الصحيح؛ لأن الإحياء جعلها صالحة للزراعة، والتحجير للإعلام مشتق

стр. 4490

من الحجر: وهو المنع للغير بوضع علامة من حجر، أو بحصاد ما فيها من الحشيش والشوك ونفيه عنها وجعله حولها، أو بإحراق ما فيها من الشوك وغيره، وكل ذلك لا يفيد الملك، فبقيت مباحة على حالها. لكن المتحجر أولى بها من غيره، ولا تؤخذ منه إلى ثلاث سنين، فإذا لم يعمرها فيها، أخذها الحاكم منه، ودفعها إلى غيرها. والتقدير بثلاث سنين مأخوذ من قول عمر ﵁: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق» (١) لكن هذا حكم ديانة، أما قضاء: فإذا أحياها غيره قبل مضيها، ملكها لتحقق سبب الملك منه، دون الأول أي المتحجر. وقال المالكية (٢): لا يكون الإحياء بتحويط (تحجير) للأرض بنحو خط عليها، ولا رعي كلأ بها، ولا حفر بئر ماشية أو شرب بها، إلا أن يبين الملكية حين حفر البئر، فإن بينها فإحياء. وقرر الشافعية والحنابلة (٣) أنه: إن تحجر مواتاً، وهو أن يشرع في إحيائه، ولم يتمه، أو أعلم على بقعة بنصب أحجار، أو غرز خشباً فيها، أو نصب أسلاكاً شائكة، أو حاطها بحائط صغير لم يملكها بما ذكر؛ لأن الملك بالإحياء، وليس هذا إحياء. لكن يصير أحق الناس به لحديث أبي داود: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به».

стр. 4491

فلو أحياه آخر ملكه. فإن لم يتم إحياء المتحجر، وطالت المدة عرفاً، كنحو ثلاث سنين، قيل له: إما أن تحييه فتملكه، أو تتركه لمن يحييه، إن حصل متشوف للإحياء؛ لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم، فلم يمكّن من الإحياء، فإن طلب المتحجر المهلة لعذر، أمهل شهرين أو ثلاثة أو أقل، على ما يراه الحاكم لأنه يسير. وإن لم يكن له عذر، فلا يمهل، فهم تقريباً كالحنفية. المبحث الرابع - شروط الإحياء: هناك شروط في المحيي، والأرض المحياة، وإجراء الإحياء. المطلب الأول - شروط المحيي: المحيي: هو الذي يباشر الإحياء الذي هو من أسباب الاختصاص أو التملك، ويجوز إحياء كل من يملك المال؛ لأنه فعل بملك به كالاصطياد. ولا يشترط عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) (١) كون المحيي مسلماً، فلا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء، لعموم قول النبي ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة، فهي له»، ولأن الإحياء أحد أسباب التمليك، فاشترك فيه المسلم والذمي، كسائر أسباب الملكية. واشترط الشافعية (٢) في المحيي أن يكون مسلماً، ولا يملك الذمي إحياء الأرض الموات، وإن أذن له فيه الإمام؛ لأن الإحياء استعلاء، وهو ممتنع عليهم بدار الإسلام. فلو أحيا ذمي أرضاً، نزعت منه ولا أجرة عليه، فلو نزعها منه مسلم وأحياها، ملكها، وإن لم يأذن له الإمام، إذ لا أثر لفعل الذمي.

стр. 4492

المطلب الثاني - شروط الأرض المحياة: يشترط في الأرض المحياة شروط تتعلق بملكيتها والارتفاق بها ومكانها، وهي ما يأتي: ١ - ألا تكون ملكاً لأحد، مسلم أو ذمي، وليست من اختصاص أحد. وهذا معنى قول الفقهاء: أن تكون الأرض عادياً (أي قديم الخراب بحيث لم يملك في الإسلام، لا مالك لها في الإسلام، فكأنها خربت من عهد عاد). وهذا الشرط متفق عليه فقهاً (١). ٢ - ألا تكون مرتفقاً بها أي مستعمله ارتفاقاً لأهل البلدة، قريباً أو بعيداً، كمحتطب ومرعى، وناد (مجلس يجتمعون فيه للتحدث)، ومرتكض خيل، ومُناخ إبل، ومطرح رماد، وحريم بئر، وشوارع وطرقات، ونحوها. وهو شرط متفق عليه أيضاً بين المذاهب في الأرجح عند بعضها كالحنفية (٢). ٣ - أن تكون الأرض عند الشافعية في بلاد الإسلام: فإن كانت في دار الحرب فللمسلم إحياؤها إن كانت مما لا يمنعها أهلها عن المسلمين، فإذا منعوها أو دفعوا المسلمين عنها، فلا يملكها المسلم بالاستيلاء (٣). ولا فرق عند الجمهور غير الشافعية بين دار الحرب ودار الإسلام لعموم الأخيار، ولأن عامر دار الحرب إنما يملك بالقهر والغلبة كسائر أموالهم (٤).

стр. 4493

المطلب الثالث - شروط الإحياء الذي يثبت به الملك: يشترط في الإحياء الذي يثبت به الملك شرطان في بعض الآراء: ١ - أن يكون الإحياء عند أبي حنيفة (١) بإذن الحاكم، لحديث: «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه» (٢)، فإذا لم يأذن لم تطب نفسه به، ولأن هذه الأراضي كانت في أيدي الكفرة، ثم صارت في أيدي المسلمين، فهي فيء، والإمام هو المختص بتوزيع الفيء، كالغنائم، ومثل إعطاء السَّلَب للقاتل في قوله ﵊: «من قتل قتيلاً فله سَلَبه» (٣) فهذا تصرف من الرسول ﷺ بطريق الإمامة والسياسة، لا بطريق الشرع والنبوة. وقال المالكية (٤): إذا كانت الأرض قريبة من العمران، افتقر إحياؤها إلى إذن الإمام، بخلاف البعيدة من العمران، وأن يكون فيها الإذن لمسلم، فلا يأذن الإمام لذمي على المشهور في إحياء الأرض القريبة من العمران، ولا يجوز للذمي إحياء الأرض في جزيرة العرب: مكة والمدينة وما والاها. وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة (٥): من أحيا أرضاً مواتاً، تملكها، وإن لم يأذن له فيها الإمام، اكتفاء بإذن رسول الله ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» الصادر بطريق الشرع والنبوة، ولأنه مال مباح كالاحتطاب والاصطياد، سبقت

стр. 4494

إليه يد المحيي، فيملكه. ويؤيده حديث البخاري عن عائشة: «من عَمَر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها» فظاهره أنه لا يشترط إذن الإمام. لكن يستحب استئذانه. خروجاً من الخلاف. ٢ - يشترط عند الحنفية في حالة التحجير: أن يتم الإحياء خلال مدة أقصاها ثلاث سنين. فإذا لم يعمرها فيها أخذها الحاكم منه، ودفعها إلى غيره؛ لأن البدء أو الشروع في استصلاحها يتطلب تعميرها، فيحصل النفع للمسلمين بدفع العشر أو الخراج، فإذا لم يحصل المقصود، فلا فائدة في تركها في يده (١). والتقدير بثلاث سنين مأخوذ - كما عرفنا - من قول عمررضي الله عنه: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق» (٢). وهذه مدة معقولة لاستصلاح الأراضي وتدبير مصالحها. لكن هذا الحكم من طريق الديانة، أما من طريق القضاء، فلو أحياها غيره قبل مضي تلك المدة، ملكها لتحقق سبب الملك منه، دون الأول. ومذهب الشافعية والحنابلة كالحنفية تقريباً. المبحث الخامس - أحكام إحياء الموات: يترتب على إحياء الأرض تملكها، وفرض ضريبة العشر أو الخراج عليها، وعدم تملك حريم المعمور، وتملك حريم الموات.

стр. 4495

المطلب الأول - تملك الأرض المحياة: هل يثبت بإحياء الموات ملك الاستغلال (حق الانتفاع)، أو ملك الرقبة (ذات الأرض) ملكية مطلقة تشمل حق التصرف والاستعمال والاستغلال؟ قال الفقيه أبو القاسم أحمد البلخي ﵀: إن الذي يثبت بإحياء الموات هو حق الاستغلال لا حق الملكية، قياساً على من جلس في موضع مباح، فإن له الانتفاع، فإذا قام عنه، وأعرض، بطل حقه (١). وقال عامة الفقهاء: الثابت بالإحياء هو حق الملكية المطلقة، استدلالاً بنص الحديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» فإنه أضاف الحق للمحيي بلام التمليك في قوله «فهي له» وملكه لا يزول بالترك (٢). وهذا هو الحق العيني للمحيي. وبناء عليه نص الحنفية: أنه لو ترك المحيي الأرض بعد الإحياء، وزرعها غيره، فالأول أحق بها في الأصح (٣). المطلب الثاني - وظيفة الأرض المحياة: الحق الثاني في الأرض المحياة هو للدولة، لكن هل الواجب المفروض على تلك الأرض أو الوظيفة: هو العشر أو الخراج؟ قال أبو يوسف: إن أحياها مسلم، فإن كانت تلك الأرض من الأراضي العشرية فالواجب فيها العشر، وإن كانت من حيّز الأراضي الخراجية فالواجب فيها الخراج.

стр. 4496

وقال محمد: إن أحياها بماء العشر كماء المطر أو الأنهار الكبيرة فهي عشرية، وإن أحياها بماء الخراج، كالماء المأخوذ من نهر حفره غير المسلمين فهي خراجية. وهذا الرأي هو ما مشى عليه صاحب الهداية. والأراضي العشرية خمسة أنواع: ١ - أرض العرب. ٢ - كل أرض أسلم أهلها عليها طوعاً. ٣ - الأراضي التي فتحت عنوة وقهراً وقسمت بين الغانمين. ٤ - المسلم إذا اتخذ داره بستاناً أو كرماً. ٥ - المسلم إذا أحيا الأراضي الميتة بإذن الإمام وهي من توابع الأراضي العشرية، أو تسقى بماء العشر، وهو ماء السماء وماء العيون المستنبط من الأراضي العشرية. والأراضي الخراجية: ١ - سواد العراق كلها، وكل أرض فتحت عنوة وقهر اً وتركت على أيدي أربابها، ومنَّ عليهم الإمام، فإنه يضع الجزية على أعناقهم إذا لم يسلموا، والخراج على أراضيهم إذا أسلموا أو لم يسلموا. وهذا عند الحنفية. ٢ - وكذلك إذا جلاهم الإمام ونقل إليها آخرين. ٣ - والمسلم أو الذمي إذا أحيا أرضاً ميتة، وهي تسقى بماء الخراج، والذمي إذا اتخذ داره بستاناً (١).

стр. 4497

وقال الحنابلة: لا خراج على من أحيا موات الأرض المفتوحة عنوة، كأرض مصر والشام والعراق. أما إن أحياها ذمي فهي خراجية مطلقاً بالاتفاق (١). المطلب الثالث - القيد الوارد على ملكية المحيي والملكية الإضافية - الحريم: الحريم: هو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور، أو ما يحتاج إليه لمصلحة العامر من المرافق، كحريم البئر، وفناء الدار، والطريق، ومسيل الماء ومرافق القرية مثل ناد (مجلس الاجتماع) ومحتطب ومرعى ومرتكض الخيل ومناخ الإبل، ومطرح الرماد، ونحوها. ولا يجوز باتفاق الفقهاء (٢) إحياء حريم الأر اضي العامرة قبل الإحياء؛ لأنه تابع للعامر، فلا يملك؛ لأنّا لو جوزنا إحياءها أبطلنا الملك في العامر على أهله. ولا يجوز أيضاً بالإحياء تملك ما بين العامر من الرحاب والشوارع ومقاعد الأسواق؛ لأن المذكور ليس من الموات، وإنما من جملة العامر، ولأنّا لو جوزنا التملك ضيقنا على الناس في أملاكهم وطرقهم. والخلاصة: أن كل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه. ومن جهة أخرى للمحيي ملكية إضافية قررها الشارع: وهو حريم الأرض التي أحياها، فله بالإحياء ما يحتاج إليه من المرافق كفناء الدار (الساحة أمام الدار وما امتد من جوانبها) ومسيل وحريم البئر، وله أن يمنع غيره منه.

стр. 4498

والكلام عن الحريم في أصل مشروعيته، ومقداره. مشروعية الحريم: الأصل في مشروعية الحريم: أن النبي ﷺ جعل للبئر حريماً (١). وللعين حريم بالإجماع، لأنه ﵊ جعل لكل أرض حريماً (٢). مقدار الحريم: للفقهاء تقديرات متقاربة للحريم. مذهب الحنفية (٣): ١ - حريم العين الجارية: الأصح أن حريمها خمس مئة ذراع من كل جانب والذراع ست قبضات، كل قبضة أربع أصابع، وهو من المرفق إلى الأنامل. لقول الزهري: «وحريم العين خمس مئة ذراع، من كل ناحية» وبناء عليه يمنع غير صاحب الحريم من الحفر ونحوه في مسافة الحريم، لأنه ملك له، فله تضمين المعتدي أو ردم الحفرة. ٢ - وحريم البئر: يختلف بين بئر العطَن (العطن: مُناخ الإبل حول البئر)، وبئر العطن (هي التي ينزح منها الماء باليد) وبين بئر الناضح: (وهي التي ينزح منها الماء بالبعير ونحوه).

стр. 4499

وحريم بئر العطن: أربعون ذراعاً من كل جانب باتفاق الحنفية، كما دلت بعض الروايات لكنها غريبة أي لم تثبت، كما قال الزيلعي (١). وحريم بئر الناضح أربعون ذراعاً كبئر العطن عند أبي حنيفة، عملاً بحاجة الناس. وعند الصاحبين: ستون ذراعاً لما روي: «وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً» والصحيح: أن حريمها على قدر الحاجة من كل الجوانب. بشرط أن يحفرها في موات بإذن الإمام أو في ملكه، فلو حفر في ملك الغير لا يستحق الحريم. ٣ - حريم القناة: وهي مجرى الماء تحت الأرض. ولم يقدر حريمها بشيء يمكن ضبطه، فحريمها بقدر ما يصلحها لإلقاء الطين ونحوه. وعن محمد: أنها بمنزلة البئر في استحقاق الحريم، وقيل بآراء أخرى، أولاها عندي: أن لها حريماً مفوضاً إلى رأي الإمام؛ لأنه لا نص في الشرع. ٤ - حريم النهر: اختلف فيه الحنفية. فعن أبي حنيفة: لا حريم للنهر في ملك الغير. وقال الصاحبان: له حريم من الجانبين؛ لأن استحقاق الحريم للحاجة، وصاحب النهر يحتاج إليه كصاحب البئر والعين، إذ أنه يحتاج إلى المشي على حافتي النهر، كما يحتاج إلى موضع لإلقاء الطين عليه عند كري النهر. ثم اختلف الصاحبان في تقديره. فقال أبو يوسف: قدر نصف بطن النهر من كل جانب، أي نصف العرض. وقال محمد: قدر جميع بطن النهر من كل جانب، أي عرض النهر. واتفق الحنفية أن للنهر حريماً بقدر ما يحتاج إليه لإلقاء الطين ونحوه، فيما لو أحياه في أرض موات. وعليه من كان له نهر في أرض غيره، فليس له حريمه عند أبي حنيفة

стр. 4500

بمجرد دعواه أنه له؛ لأن الظاهر لا يشهد له، بل لصاحب الأرض؛ لأنه من جنس أرضه، والقول لمن يشهد له الظاهر، إلا أن يقيم البينة على ذلك؛ لأنها لإثبات خلاف الظاهر. وقال الصاحبان: له مسنّاة (١) يمشي عليها، ويلقي عليها طينه؛ لأن النهر لابد له من ذلك. فكان الظاهر أنه له. وثمرة الخلاف: أن ولاية الغرس لصاحب الأرض عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين: لصاحب النهر. قال الزيلعي: والصحيح أن هذا الحريم لصاحب النهر، ما لم يفحش. ٥ - حريم الشجر: حريم الشجر الذي يغرس في الأرض الموات: خمسة أذرع من كل جانب، حتى لا يملك غيره أن يغرس شجراً في حريمه؛ لأنه يحتاج إلى الحريم لجذاذ ثمره، وللوضع فيه. وقد جعل النبي ﷺ حريم الشجرة خمسة أذرع (٢). ومقدار الحريم عند المالكية (٣): ما يأتي: حريم البئر: ما يتصل بها من الأرض التي حولها، فهو يختلف بقدر كبر البئر وصغرها وشدة الأرض ورخاوتها. ويشمل باطن الأرض. فلا يحق لآخر حفر بئر ينشف ماءها أو يذهبه، أو يغيره بطرح نجاسة يصل إليها وسخها، كما يشمل ظاهر الأرض كالبناء والغرس.

стр. 4501

و حريم الدار: مدخلها ومخرجها، ومواضع مضابطها، وشبهها، مما يرتفق أهلها به من مطرح تراب، ومصب ميزاب لدار. وحريم الفدان (١): حواشيه، ومدخله ومخرجه. و حريم القرية: موضع محتطبها ومرعاها. و حريم الشجر: ما فيه مصلحة عرفاً، فلصاحبها منع من أراد إحداث شيء بقربها يضرّ بها، من بناء أو غرس أو حفر بئر ونحوها. وعند الشافعية (٢): يرجع في تقدير الحريم إلى العرف، حتى إن المنصوص عليه مراعى فيه العرف والحاجة. والحريم كما تقدم: هو ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور، وإن حصل أصل الانتفاع بدونه. ف حريم القرية المحياة: النادي (وهو المجلس الذي يجتمعون فيه ويتحدثون)، ومرتكض الخيل، ومناخ الإبل، ومطرح الرماد ونحوها كمراح غنم ومسيل ماء وملعب صبيان. و حريم البئر المحفورة في الموات: موقف النازح منها (وهو القائم على رأس البئر ليستقي) (٣) والحوض (وهو ما يصب النازح فيه ما يخرجه من البئر)، والدولاب، ومجتمع الماء (الذي يطرح فيه من الحوض لسقي الماشية والزرع)، ومتردد النازح من الدابة إن استقى بها، أو الآدمي. و حريم بئر الشرب: موضع المستقي منها.

стр. 4502

و حريم النهر: هو ملقى الطين وما يخرج منه بحسب العرف في الموضع. بدليل حديث عبد الله بن مغفل السابق أن النبي ﷺ قال: «من احتفر بئراً، فله أربعون ذراعاً حولها، عطناً لماشيته». و حريم الدار المبنية في الموات: مطرح رماد وكناسة وثلج، وممر في صوب الباب (جهته). و حريم آبار القناة: ما لو حفر فيه (أي في الحريم) نقص ماؤها، أو خيف عليها الانهيار، والدار المحفوفة بدور لا حريم لها. ويتصرف كل واحد في ملكه على العادة، فإن تعدى ضمن. ويجوز إحياء موات الحرم المكي، كما يملك عامره بالبيع وغيره، دون عرفات ومزدلفة ومنى، لا يجوز إحياؤها لتعلق الوقوف بعرفات، وأداء شعائر الحج فيها وفي غيرها، كالحقوق العامة من الطرق ومصلى العيد في الصحراء، وموارد الماء. و مذهب الحنابلة (١) ما يأتي: البئر العاديّة (بتشديد الياء نسبة إلى عاد) (٢): هي القديمة التي انطمت وذهب ماؤها، فجدد حفرها وعمارتها، أو انقطع ماؤها، فاستخرجه المحيي الذي يملكها ويملك حريمها. وحريمها: خمسون ذراعاً من كل جانب. و البئر غير العادية (البئر البديء): حريمها على النصف من حريم العادية، وهو خمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب. والدليل ما روى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب قال: «السنة في

стр. 4503

حريم القليب - البئر العادية: خمسون ذراعاً، وحريم البديء: خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم بئر الزرع ثلاث مئة ذراع». و حريم عين وقناة من موات حولها: خمس مئة ذراع، أي ذراع اليد؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق. و حريم نهر من حافتيه: ما يحتاج النهر إليه، لطرح كرايته (أي ما يلقى منه طلباً لسرعة جريه) وما يضر صاحبه، بتملكه عليه، وإن كثر، وكذا ما يرتفق بدخوله؛ لأنه من مصالحه. و حريم شجرة: قدر مد أغصانها. وحريم النخل: بقدر مد جريدها، لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم: «اختصم إلى النبي ﷺ في حريم نخلة، فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت، فكانت سبعة أذرع، أو خمسة أذرع، فقضى بذلك». و حريم أرض زراعة: قدر ما يحتاجه زارعها لسقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها ونحوه، كمصرف مائها عند الاستغناء عنه، لأن كل المذكور من مرافقها. و حريم الدار: مطرح تراب وكناسة وثلج وماء وميزاب، وممر إلى بابها؛ لأن هذا كله مما يرتفق بها ساكنها. ولا حريم لدار محفوفة بملك الغير من كل جانب؛ لأن الحريم من المرافق، ولا يرتفق بملك غيره؛ لأن مالكه أحق به، ويتصرف كل واحد منهم في ملكه وينتفع بحسب ما جرت به العادة، فإن تعدى العادة، منع التعدي، عملاً بالعادة. وبناء عليه: لو حفر رجل بئراً في أرضه، فأدى إلى نضوب ماء بئر الجار، وجب سد ماء البئر، عند الحنابلة. ولا شيء عليه عند الحنفية؛ لأن الماء الموجود تحت الأرض غير مملوك لأحد، وهذا منصوص عليه في المجلة (م ١٢٨٨).

стр. 4504

الفَصْلُ الثَّالث: أحكام المعادن والحِمى والإقطاع فيه مبحثان: الأول - الحمى. الثاني - الإقطاع، ويتضمن أحكام المعادن المبحث الأول - الحمى: معناه وأصله، مشروعيته، ما حماه النبي ﷺ أو إمام غيره. أولاً - أصل الحمى ومعناه: أصل الحمى عند العرب في الجاهلية: أن الرئيس منهم كان إذا نزل بأرض مخصبة، استعوى كلباً، على مكان عال، فحيث انتهى إليه صوته من كل جانب، حماه لنفسه، فلا يرعى فيه غيره، ويرعى هو مع غيره. وهذا لا يجوز شرعاً، فقد نهى عنه النبي ﷺ لما فيه من التضييق على الناس، ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق. والحمى بمعنى المحمي، مصدر يراد به اسم المفعول، أو المراد به الحماية والتحجير. ومعناه شرعاً. أن يحمي الإمام أرضاً من الموات، فيمنع الناس من رعي ما فيها من الكلأ، ليختص بها دونهم، لمصلحة المسلمين، لا لنفسه. وعرف

стр. 4505

المالكية الحمى الشرعي بقولهم: أن يحمي الإمام مكاناً خاصاً لحاجة غيره (١). ثانياً - مشروعيته: لا يجوز لأحد أن يحمي مواتاً ليمنع إحياء الموات، ورعي ما فيه من الكلأ، لما روى الصعب بن جَثَّامة: أن النبي ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» (٢). ويجوز باتفاق المذاهب في الصحيح عند الشافعية للإمام أن يحمي لخيل المجاهدين ونَعَم (٣) الجزية، وإبل الصدقة، والماشية الضعيفة، بدليل أن النبي ﷺ حمى النقيع (٤) للخيل - خيل المسلمين (٥). ويؤيده ما روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، قال: أتى أعرابي من أهل نجد عمر ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الإسلام، فعلام تحميها؟ فأطرق عمر ﵁، وجعل ينفخ، ويفتِل شاربه، وكان إذا كرِه أمراً، فتل شاربه ونفخ، فلما رأى الأعرابي مابه، جعل يردد ذلك، فقال عمر: «المال مال الله، والعباد عباد الله، فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله (أي لخيل الجهاد) ماحميت من الأرض شبراً في شبر» (٦).

стр. 4506

قال مالك: بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين من الظهر، وقال مرة: من الخيل. وقال البخاري: بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى شرَف والرّبذة (١). وعن أسلم مولى عمر: أن عمر استعمل مولى له، يدعى «هُنيّاً» على الحمى، وقال له: يا هُنَي، اضمم جَنَاحك على المسلمين (٢)، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصُّرَيمة (٣)، ورب الغُنَيمة، وإياك ونَعمَ ابن عوف، ونعم ابن عفان (٤)، فإنهما إن تهلك ماشيتهما، يرجعان إلى نخل وزرع. ورب الصريمة ورب الغنيمة، إن تهلك ماشيتهما، يأتيني ببينة يقول: يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا، لا أبالك (٥)، فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والورِق. وأيم الله، إنهم ليَروْن أني قد ظلمتهم، إنها لبلادُهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شيئاً (٦).

стр. 4507

قال ابن قدامة (١): وهذا إجماع من الصحابة، ولأن ماكان لمصالح المسلمين، قامت الأئمة فيه مقام رسول الله ﷺ ، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال. «ما أطعم الله لنبي طُعْمة، إلا جعلها طعمة لمن بعده» رواه أحمد. وأجاز المالكية (٢) الحمى الشرعي بشروط أربعة، هي: ١ - حاجة المسلمين إليه: فلا يحمي الإمام أو نائبه لنفسه، ولا لغيره عند عدم الحاجة. ٢ - أن يكون المحمي قليلاً، لا كثيراً. والقليل: ما لا يضيق فيه على الناس والكثير: ما ضيق فيه على الناس. ٣ - أن يكون المحمي في مكان عفا، أي خالياً من البناء والغرس. ٤ - أن يكون الغرض من الحمى تحقيق مصلحة عامة الناس، مثل الجهاد ونحوه، أي لترعى فيه دواب الحرب أو الصدقة أو ضعفة المسلمين. ونائب الإمام مثل الإمام، وإن لم يأذن له الإمام، بخلاف الإقطاع، فليس لنائب السلطان إقطاع إلا بإذن؛ لأن الإقطاع يحصل به التمليك، فلا بد فيه من الإذن، بخلاف الحمى. ثالثاً - حكم ما حماه النبي ﷺ أو إمام غيره (٣): ليس لأحد نقضه، ولا تغييره، مع بقاء الحاجة إليه، لأنه كالمنصوص عليه، ومن أحيا منه شيئاً لم يملكه.

стр. 4508

وإن زالت الحاجة إليه، ففيه عند الشافعية والحنابلة وجهان: أحدهما - يجوز لأنه زال السبب. والثاني - لا يجوز، لأن ما حكم به رسول الله ﷺ نص، فلا يجوز نقضه بالاجتهاد. وإن حمى إمام آخر بعد النبي، فغيّره هو، أو غيره من الأئمة: جاز. وإن أحياه إنسان بعد الإمام ففيه قولان عند الشافعية والحنابلة: أحدهما - لا يملكه، كما لا يملك ما حماه رسول الله ﷺ ، ولأن اجتهاد الإمام لايجوز نقضه. والثاني - يملك؛ لأن حمى الإمام اجتهاد، وملك الأرض بالإحياء نص، والنص يقدم على الاجتهاد. المبحث الثاني - الإقطاع: تعريفه، مشروعيته، أنواعه وحكم كل نوع. أولاً - تعريف الإقطاع: هو جعل بعض الأراضي الموات مختصة ببعض الأشخاص - سواء أكان ذلك معدناً، أم أرضاً، فيصير ذلك البعض أولى به من غيره، بشرط أن يكون من الموات الذي لا يختص به أحد. أو هو تسويغ الإمام من مال الله شيئاً لمن يراه أهلاً له. وأكثر ما يستعمل في الأرض: وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه، إما بأن يملكه، فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة (١).

стр. 4509

ثانياً - مشروعيته: يجوز للإمام أن يقطع موات الأرض لمن يملكه بالإحياء، لما روى وائل بن حُجر: «أن النبي ﷺ أقطعه أرضاً بحضرموت، وبعث معاوية ليقطعها إياه» (١)، وروى ابن عمر: «أن النبي ﷺ أقطع الزبير حُضْر فرسه (٢)، وأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: أقطعوه، حيث بلغ السوط» (٣). وروى عمرو بن شعيب أن النبي ﷺ أقطع ناساً من جهينة أو مزينة أرضاً (٤). وروي أن أبا بكر أقطع الزبير: وأقطع عمر علياً، وأقطع عثمان ﵃ خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ : الزبير، وسعد، وابن مسعود، وخباباً، وأسامة بن زيد، ﵃. ويروى عن نافع أبي عبد الله: أنه قال لعمر: إن قَبلنا أرضاً بالبصرة، ليست من أرض الخراج، ولا تضر بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعنيها، أتخذ فيها قصيلا (٥) لخيلي فافعل. قال: فكتب عمر إلى أبي موسى: إن كانت كما يقول، فاقطعها إياه (٦). ويجوز أيضاً إقطاع المعادن للاستغلال، لا ملك الرقبة (عين الشيء)، لما روى ابن عباس قال: «أقطع رسول الله ﷺ بلال بن الحارث المزني معادن القَبَليّة (٧)، جَلْسيها وغَوْريّها وحيث يصلح الزرع من قُدْس (٨)، ولم يعطه حق مسلم (٩)».

стр. 4510

ثالثاً - أنواع الإقطاع: الإقطاع ثلاثة أقسام: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال، وإقطاع إرفاق. وإقطاع التمليك ينقسم إلى موات، وعامر، ومعادن. وإقطاع الاستغلال نوعان: عشر، وخراج. ١ - حكم إقطاع الموات: أما إقطاع الموات: فيجوز باتفاق المذاهب للإمام إقطاع موات لمن يحييه، فيؤدي إلى عمارة البلاد، لأنه ﷺ كما تقدم - أقطع بلال ابن الحارث العقيق، وأقطع وائل بن حجر أرضاً، وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان جمعاً من الصحابة. فإن أقطع الإمام أرضاً لشخص، ملكها عند المالكية (١) وإن لم يعمرها بشيء، فله بيعها وهبتها، وتورث عنه. وليس هو من الإحياء، بل هو تمليك مجرد. ولا يملك الموات بالإقطاع عند الجمهور (٢) (غير المالكية)، لأنه لو ملكه ما جاز استرجاعه، بل يصير المقطع كالمتحجر الشارع في الإحياء، فيكون أحق به إذا أحياه في خلال مدة، أقصاها عند الحنفية ثلاث سنين، لقول عمر: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق».

стр. 4511

ولا ينبغي للإمام أن يقطع من الموات إلا ما قدر المقطع على إحيائه؛ لأن في إقطاعه أكثر من هذا القدر تضييقاً على الناس في حق مشترك بينهم، مما لا فائدة فيه، فيدخل به الضرر على المسلمين. فإن أقطع الإمام أحداً أكثر من القدر الذي يمكن إحياؤه، ثم تبين عجزه عن عمارته أو إحيائه استرجعه الإمام منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ماعجز عن عمارته، من العقيق الذي أقطعه إياه رسول الله ﷺ . وهذا هو المراد بالمصلحة التي يجوز الإقطاع لأجلها؛ لأن الحكم يدور مع علته. وللإمام عند الحنابلة إقطاع غير موات تمليكاً، وانتفاعاً للمصلحة (١). ويجوز الإقطاع من مال الخراج، كما يجوز من مال الجزية (٢). وقال المالكية (٣): لا يقطع الإمام معمور أرض العنوة كأرض مصر والشام والعراق، أي الصالحة لزرع الحب ملكاً؛ لأنها وقف عندهم، بل يقطعها إمتاعاً وانتفاعاً. وأما ما لا يصلح لزرع الحب، وإن صلح لغرس الشجر، وليس من العقار، فإنه من الموات، يقطعه ملكاً وانتفاعاً. وأما أرض الصلح فلا يقطعها الإمام لأحد مطلقاً؛ لأنها مملوكة لأربابها. ٢ - حكم إقطاع العامر وهو إقطاع الإرفاق: قال الشافعية والحنابلة (٤): يجوز إقطاع ما بين العامر من الرحاب للمساجد ونحوها، ومقاعد الأسواق، والطرق الواسعة، إقطاع انتفاع، ولا يملكه المقطع وإنما ينتفع به ما لم يضيق على

стр. 4512

الناس أو يضر بالمارة، فمن أقطع شيئاً مما ذكر صار أحق بالجلوس في الموضع؛ لأن للإمام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه ثبتت يده عليه بالإقطاع، فلم يكن لغيره أن يقعد فيه، بمنزلة السابق إليه من غير إقطاع، إلا في فارق واحد: وهو أن السابق لشيء إذا انتقل عنه بنقل متاعه منه، زال استحقاقه، لزوال المعنى الذي استحق به. وفي الإقطاع لا يزول استحقاقه سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل، جلس فيه أو تركه؛ لأنه استحق بإقطاع الإمام، فلا يزول حقه بترك الجلوس فيه. وللجالس في الرحاب أو الطرق أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من حصير وكساء للحاجة إليه، وليس له بناء شيء في الطريق، ولا في رحبة المسجد، لما فيه من التضييق. وليس للجالس بطريق واسع الجلوس بحيث يمنع جاره رؤية المتعاملين معه، أو يضيق على جاره في كيل أو وزن أو أخذ أو عطاء، لحديث «لا ضرر ولا ضرار». ٣ - حكم إقطاع المعادن وملكيتها: تعريف المعادن، والفرق بينها وبين الرّكاز أو الكنز، وأنواعها، وحكم ملكيتها وإقطاعها في المذاهب. المستخرج من الأرض بالبحث والتنقيب: إما معدن، أو ركاز أو كنز. تعريف المعادن: المعادن أو الفلزات: هي ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخلقة، كالذهب والفضة، والنحاس والحديد والرصاص. والرّكاز أو الكنز: هو المال المدفون في الأرض بفعل صاحبه، أو بأثر حادث إلهي، كزلزال أو رياح عاتية، أدى إلى طمر بلد مع ما فيها من ثروات.

стр. 4513

والفرق بين المعدن والركاز: أن المعدن جزء من الأرض، وأن الركاز ليس جزءاً من الأرض، وإنما هو دفين مودع فيها، بفعل الإنسان (١). أنواع المعادن: المعادن عند الحنفية أنواع (٢): ١) - ما يقبل الطرق والسحب، فيعمل منه الصفائح والحلي والأسلاك، أو ما يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية - بتعبير الفقهاء، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ونحوها. ٢) - مالا يقبل الطرق والسحب أو ما لا يذوب بالإذابة، كالماس والياقوت والبلور والعقيق والفيروز والكحل والزرنيخ، ونحوها. ٣) - المعادن السائلة أو المائعة، كالنفط والقار ونحوها من الزيوت المعدنية. وقسم الشافعية والحنابلة (٣) المعادن قسمين: ظاهرة وباطنة. أـ فالظاهرة: هي البارزة غير المختلطة بالأرض، التي لا تحتاج إلى مشقة في استخراجها أو الوصول إليها، كالنفط والقار (الزفت) والملح والكحل والكبريت. ب - والباطنة: هي التي تحتاج إلى جهد وعمل لاستخراجها، كالذهب والحديد والنحاس والرصاص. حكم المعادن عند الحنفية (٤): لا تكون أرض المعادن، كأرض الملح والقار والنفط ونحوها مما لا يستغني

стр. 4514

عنها المسلمون أو الأمة، أرض موات. فلا يجوز للإمام أن يقطعها لأحد؛ لأنها حق لعامة المسلمين، وفي الإقطاع إبطال حقهم، وهو لا يجوز (١). و حكم ملكيتها وزكاتها فيما يأتي: لا يقول الحنفية بالتفرقة في مقدار الزكاة بين المعدن والكنز، والركاز يشمل الاثنين وكلاهما من البّر، وهناك معادن البحر. أولاً - المعدن: أـ إن كان في أرض غير مملوكةفي دار الإسلام، وكان مما يقبل الطرق والسحب، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، قليلاً أو كثيراً: يكون فيه الخمس لبيت المال كالواجب في الغنيمة، والباقي وهو الأربعة الأخماس لمن عثر عليه، كائناً من كان إلا الحربي المستأمن، فإنه يسترد منه الكل. ودليلهم: قوله ﷺ : «وفي الركاز الخمس» (٢) والركاز: اسم للمعدن حقيقة، ويطلق على الكنز مجازاً؛ لأن العرب تقول: أركز الرجل: إذا أصاب ركازاً، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن (٣). وروى أبو يوسف عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «في الركاز الخمس، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ قال: الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت» (٤) فدل النص عندهم على أن الركاز يطلق على المعدن، فالمعدن ركاز، وعلى المال المدفون. ب - وإن كان المعدن مما لا يقبل الطرق والسحب، كالماس والياقوت وسائر الأحجار الكريمة، فلا خمس فيه، ويكون كله للواجد؛ لأنه من جنس الأرض، كالتراب والأحجار العادية، إلا أنها مضيئة، ولا خمس في الحجر.

стр. 4515

جـ - وإن كان المعدن مائعاً كالنفط والقير: فلا شيء فيه لبيت المال، وكله لمن وجده؛ لأنه كالماء، ولا يقصد بالاستيلاء، فلا يعتبر كالغنائم، التي يجب فيها الخمس. أما الزئبق: ففيه الخمس؛ لأنه ينطبع مع غيره، وإن كان مما لا ينطبع بنفسه، فأشبه الفضة. د - وإن وجد المعدن في أرض مملوكة لبعض الناس، أو دار أو منزل أو حانوت، فلا خوف عند الحنفية في أن الأربعة الأخماس لصاحب الملك، وإن وجده غيره في أرضه؛ لأن المعدن من توابع الأرض، لأنه من أجزائها التي خلق فيها. وأما الخمس فهو لبيت المال إذا كان الموجود مما يقبل الطرق والسحب عند الصاحبين، للحديث المتقدم: «وفي الركاز الخمس» من غير تفصيل بين الأرض المملوكة وغيرها. وعند أبي حنيفة: لا خمس فيه، على من وجده في أرضه أو داره. ثانياً - الكنز: أـ إن كان إسلامياً، بأن وجد عليه علامة الإسلام، كالمصحف والدراهم المكتوب عليها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ووجد في أرض غير مملوكة، كالجبال والمغاور ونحوها، كان بمنزلة اللقطة، فيجب على واجده التعريف به، ثم الانتفاع به إن كان فقيراً، والتصدق به إن كان غنياً. ب - وإن كان غير إسلامي، بأن وجد عليه علامة الجاهلية أو الرومان أو الفرس، كان لبيت المال الخمس، والباقي وهو الأربعة الأخماس للواجد، بلا خلاف عندهم.

стр. 4516

جـ - وإن كان الكنز في أرض مملوكة: وجب فيه الخمس بلا خلاف، للحديث السابق: «وفي الركاز الخمس». والباقي للمالك ثم لورثته عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: هو للواجد؛ لأنه غنيمة وصل إليها قبل غيره. د - وإن وجد الكنز في دار الحرب: فإن وجد في أرض غير مملوكة لأحد، فهو للواجد، ولا خمس فيه، لأنه مال أخذه، لا بطريق القهر والغلبة. وإن وجد في أرض مملوكة، ففيه الخمس لبيت المال، والباقي للمالك عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: للواجد؛ لأنه مباح سبقت يده إليه، أي كما هو المقرر في دار الإسلام. ثالثاً - المستخرج من البحر: كاللؤلؤ والمرجان والعنبر، وكل حلية تستخرج من البحر، لا شيء فيه لبيت المال عند أبي حنيفة ومحمد، وجميعه للواجد، بدليل ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن العنبر، فقال: هو شيء دسره البحر، لا خمس فيه، ولأن يد الكفرة لم تثبت على باطن البحار التي يستخرج منها اللؤلؤ والعنبر، فلم يكن الخارج منها مأخوذاً بطريق القهر لهم، فلا يكون غنيمة، فلا خمس فيه. والعنبر: هو الطيب المعروف. وعند أبي يوسف: في كل ما خرج من البحر من الحلي والجواهر: الخمس لبيت المال، والباقي لواجده أو مستخرجه، بدليل أن عمر ﵁ كتب لعامل له وجد لؤلؤة بأن فيها الخمس، وبأن الكفار كانوا يملكون الأرض كلها براً وبحراً، فيكون كل ما يصير من أموالهم إلينا غنيمة، وفي الغنائم الخمس بنص القرآن (١). وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع في الظروف الدولية الحاضرة.

стр. 4517

وذكر أبو عبيد أقوالاً مختلفة، منها كما قال أبو حنيفة ومحمد، ومنها قول لعمر وعمر بن عبد العزيز: أن معادن البحر كمعادن البر، فيها الزكاة إذا بلغت نصاباً (١). المعادن عند المالكية (٢): المعدن غير الركاز، والركاز هو الكنز، والمعدن: هو ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة بعمل وتصفية. ومذهب المالكية يتفق مع النظرة الحديثة للدول في ملكية المعادن. أولاً - المعدن: ملكيته، والواجب فيه: أما ملكيته فأنواع ثلاثة: ١) - إن كان في أرض غير مملوكة لأحد: فهو للإمام أي السلطان أو نائبه، يقطعه لمن شاء من المسلمين، انتفاعاً، لا تمليكاً، أو يجعله في بيت المال للمصلحة أو المنفعة العامة، ولا يختص بشيء منه من وجد في أرضه. ٢) - أن يكون في أرض مملوكة لمالك معين: هو للإمام في مشهور المذهب، وقيل: لصاحب الأرض. ٣) - أن يكون في أرض مملوكة لغير معين، كأرض العنوة والصلح: المعتمد أنه للإمام، وقيل: لمن افتتحها. والخلاصة: أن المعادن الجامدة والسائلة للدولة عند المالكية في مشهور

стр. 4518

المذهب؛ لأن المعادن قد يجدها شرار الناس، فلو لم يكن حكمها للإمام، لأدى الأمر إلى الفتن والهرج. وأما الواجب في المعدن فهو الزكاة: وهي ربع العشر (١) إن كان نصاباً. فإن كان دون النصاب، فلا شيء فيه. ولا حول في زكاة المعدن، بل يزكى لوقته، كالزرع. ثانياً - الركاز: وهو الكنز، يختلف حكمه باختلاف الأرض التي وجد فيها. وهي أربعة أنواع: الأول - أن يوجد في الفيافي، ويكون من دفن (مدفون) الجاهلية، فهو لواجده، وفيه الخمس لبيت المال مطلقاً، ذهباً كان أو غيره، قل أو كثر. الثاني - أن يوجد في أرض مملوكة: قيل: يكون لواجده، وقيل: يكون لمالك الأرض. الثالث - أن يوجد في أرض فتحت عنوة: قيل: لواجده، وقيل للذين افتتحوا الأرض. الرابع - أن يوجد في أرض فتحت صلحاً: قيل: لواجده، وقيل: لأهل الصلح. وهذا كله ما لم يكن بطابع المسلمين. فإن كان بطابع المسلمين فحكمه حكم اللقطة، يعرّف سنة إذا لم يعلم صاحبه أو وارثه، فإن لم يعرف فمحله هو بيت مال المسلمين.

стр. 4519

والخلاصة: أن في الركاز الخمس لبيت المال، وباقيه لواجده إن لم تكن الأرض مملوكة. فإن كانت مملوكة، فللمالك الأرض الأصلي الذي ملكها بإحياء ثم لوارثه، لا لمالكها الحالي مطلقاً سواء ملكها بشراء أو هبة. هذا إن علم المالك الأصلي (البائع الأصلي أو الواهب)، وإلا فلقطة. المعادن عند الشافعية والحنابلة (١): ١) - المعدن غير الركاز عندهم. فالمعدن: هو ما تولد من الأرض، وكان من غير جنسها فهو جزء من الأرض. والركاز: هو دفين الجاهلية أو من تقدم من الكفار. ويفرقون بين نوعين فيها وهي المعادن الظاهرة: وهي ما برزت بلا عمل، ويتوصل إليها بلا مؤنة أي لا تحتاج لعزل عن غيرها، وإنما العمل والجهد في تحصيلها، كالنفط والقار والملح والكبريت. والمعادن الباطنة: وهي التي تحتاج لاستخراجها إلى عمل ومؤنة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، أي تحتاج لفصلها عن غيرها لاختلاطها بالتراب. ٢) - والمعادن الظاهرة: لا يجوز إقطاعها لأحد من الناس سواء إقطاع تمليك أو إقطاع إرفاق، بل هي للجميع، ينتفعون بها، ولا تملك بإحياء أرض موات، وجدت فيها، عند الشافعية، وفي الأظهر عند الحنابلة؛ لأن هذه الأمور مشتركة بين الناس، مسلمهم وكافرهم كالماء والكلأ، كما في الحديث «الناس شركاء في

стр. 4520

ثلاث: في الماء والكلأ والنار» ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم يملكها من أحيا الأرض بملك الأرض، كالكنز؛ ولأنه ﷺ أقطع رجلاً ملح مأرب، فقال رجل: يا رسول الله، إنه كالماء العدّ (أي الذي لا ينقطع) قال: فلا، إذن (١). والمعادن الباطنة: لا يملكها بمجرد الحفر والعمل من كشفها وأحياها في الأظهر عند الشافعية، وظاهر المذهب عند الحنابلة، كالمعدن الظاهر؛ لأن إحياء الأرض الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيا للانتفاع من غير تكرار عمل. وهذا أي حفر المعدن: حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فمجرد الاكتشاف لا يكون سبباً لملك المعادن. ٣) - ومن أحيا أرضاً مواتاً، فملكها بذلك، فظهر فيها معدن باطن كالذهب أو الفضة، ملكه عند الشافعية؛ لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، ومن أجزائها المعدن، بخلاف الركاز أو الكنز، فإنه مودع فيها للنقل عنها. أما المعدن الظاهر، فلا يملك كما عرفنا بالإحياء عند الشافعية؛ لأنه حق للجميع (٢). وقال الحنابلة (٣): من أحيا أرضاً مواتاً، فملكها، فيملك المعادن الجامدة؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها، وهذا المعدن منها، فدخل في ملكه على سبيل التبعية. وأما المعادن الجارية كالنفط والقار والماء، فأظهر الروايتين عندهم أن محيي الأرض لا يملكها؛ لأن الناس شركاء فيها، لحديث «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (٤).
следующие страницы →