جـ - وإن كان الكنز في أرض مملوكة: وجب فيه الخمس بلا خلاف، للحديث السابق: «وفي الركاز الخمس». والباقي للمالك ثم لورثته عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: هو للواجد؛ لأنه غنيمة وصل إليها قبل غيره.
د - وإن وجد الكنز في دار الحرب: فإن وجد في أرض غير مملوكة لأحد، فهو للواجد، ولا خمس فيه، لأنه مال أخذه، لا بطريق القهر والغلبة. وإن وجد في أرض مملوكة، ففيه الخمس لبيت المال، والباقي للمالك عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: للواجد؛ لأنه مباح سبقت يده إليه، أي كما هو المقرر في دار الإسلام.
ثالثاً - المستخرج من البحر: كاللؤلؤ والمرجان والعنبر، وكل حلية تستخرج من البحر، لا شيء فيه لبيت المال عند أبي حنيفة ومحمد، وجميعه للواجد، بدليل ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن العنبر، فقال: هو شيء دسره البحر، لا خمس فيه، ولأن يد الكفرة لم تثبت على باطن البحار التي يستخرج منها اللؤلؤ والعنبر، فلم يكن الخارج منها مأخوذاً بطريق القهر لهم، فلا يكون غنيمة، فلا خمس فيه. والعنبر: هو الطيب المعروف.
وعند أبي يوسف: في كل ما خرج من البحر من الحلي والجواهر: الخمس لبيت المال، والباقي لواجده أو مستخرجه، بدليل أن عمر ﵁ كتب لعامل له وجد لؤلؤة بأن فيها الخمس، وبأن الكفار كانوا يملكون الأرض كلها براً وبحراً، فيكون كل ما يصير من أموالهم إلينا غنيمة، وفي الغنائم الخمس بنص القرآن (١). وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع في الظروف الدولية الحاضرة.
стр. 4517
وذكر أبو عبيد أقوالاً مختلفة، منها كما قال أبو حنيفة ومحمد، ومنها قول لعمر وعمر بن عبد العزيز: أن معادن البحر كمعادن البر، فيها الزكاة إذا بلغت نصاباً (١).
المعادن عند المالكية (٢):
المعدن غير الركاز، والركاز هو الكنز، والمعدن: هو ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة بعمل وتصفية. ومذهب المالكية يتفق مع النظرة الحديثة للدول في ملكية المعادن.
أولاً - المعدن: ملكيته، والواجب فيه: أما ملكيته فأنواع ثلاثة:
١) - إن كان في أرض غير مملوكة لأحد: فهو للإمام أي السلطان أو نائبه، يقطعه لمن شاء من المسلمين، انتفاعاً، لا تمليكاً، أو يجعله في بيت المال للمصلحة أو المنفعة العامة، ولا يختص بشيء منه من وجد في أرضه.
٢) - أن يكون في أرض مملوكة لمالك معين: هو للإمام في مشهور المذهب، وقيل: لصاحب الأرض.
٣) - أن يكون في أرض مملوكة لغير معين، كأرض العنوة والصلح: المعتمد أنه للإمام، وقيل: لمن افتتحها.
والخلاصة: أن المعادن الجامدة والسائلة للدولة عند المالكية في مشهور
стр. 4518
المذهب؛ لأن المعادن قد يجدها شرار الناس، فلو لم يكن حكمها للإمام، لأدى الأمر إلى الفتن والهرج.
وأما الواجب في المعدن فهو الزكاة: وهي ربع العشر (١) إن كان نصاباً. فإن كان دون النصاب، فلا شيء فيه. ولا حول في زكاة المعدن، بل يزكى لوقته، كالزرع.
ثانياً - الركاز: وهو الكنز، يختلف حكمه باختلاف الأرض التي وجد فيها. وهي أربعة أنواع:
الأول - أن يوجد في الفيافي، ويكون من دفن (مدفون) الجاهلية، فهو لواجده، وفيه الخمس لبيت المال مطلقاً، ذهباً كان أو غيره، قل أو كثر.
الثاني - أن يوجد في أرض مملوكة: قيل: يكون لواجده، وقيل: يكون لمالك الأرض.
الثالث - أن يوجد في أرض فتحت عنوة: قيل: لواجده، وقيل للذين افتتحوا الأرض.
الرابع - أن يوجد في أرض فتحت صلحاً: قيل: لواجده، وقيل: لأهل الصلح.
وهذا كله ما لم يكن بطابع المسلمين. فإن كان بطابع المسلمين فحكمه حكم اللقطة، يعرّف سنة إذا لم يعلم صاحبه أو وارثه، فإن لم يعرف فمحله هو بيت مال المسلمين.
стр. 4519
والخلاصة: أن في الركاز الخمس لبيت المال، وباقيه لواجده إن لم تكن الأرض مملوكة. فإن كانت مملوكة، فللمالك الأرض الأصلي الذي ملكها بإحياء ثم لوارثه، لا لمالكها الحالي مطلقاً سواء ملكها بشراء أو هبة.
هذا إن علم المالك الأصلي (البائع الأصلي أو الواهب)، وإلا فلقطة.
المعادن عند الشافعية والحنابلة (١):
١) - المعدن غير الركاز عندهم. فالمعدن: هو ما تولد من الأرض، وكان من غير جنسها فهو جزء من الأرض. والركاز: هو دفين الجاهلية أو من تقدم من الكفار. ويفرقون بين نوعين فيها وهي المعادن الظاهرة: وهي ما برزت بلا عمل، ويتوصل إليها بلا مؤنة أي لا تحتاج لعزل عن غيرها، وإنما العمل والجهد في تحصيلها، كالنفط والقار والملح والكبريت.
والمعادن الباطنة: وهي التي تحتاج لاستخراجها إلى عمل ومؤنة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، أي تحتاج لفصلها عن غيرها لاختلاطها بالتراب.
٢) - والمعادن الظاهرة: لا يجوز إقطاعها لأحد من الناس سواء إقطاع تمليك أو إقطاع إرفاق، بل هي للجميع، ينتفعون بها، ولا تملك بإحياء أرض موات، وجدت فيها، عند الشافعية، وفي الأظهر عند الحنابلة؛ لأن هذه الأمور مشتركة بين الناس، مسلمهم وكافرهم كالماء والكلأ، كما في الحديث «الناس شركاء في
стр. 4520
ثلاث: في الماء والكلأ والنار» ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم يملكها من أحيا الأرض بملك الأرض، كالكنز؛ ولأنه ﷺ أقطع رجلاً ملح
مأرب، فقال رجل: يا رسول الله، إنه كالماء العدّ (أي الذي لا ينقطع) قال: فلا، إذن (١).
والمعادن الباطنة: لا يملكها بمجرد الحفر والعمل من كشفها وأحياها في الأظهر عند الشافعية، وظاهر المذهب عند الحنابلة، كالمعدن الظاهر؛ لأن إحياء الأرض الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيا للانتفاع من غير تكرار عمل. وهذا أي حفر المعدن: حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فمجرد الاكتشاف لا يكون سبباً لملك المعادن.
٣) - ومن أحيا أرضاً مواتاً، فملكها بذلك، فظهر فيها معدن باطن كالذهب أو الفضة، ملكه عند الشافعية؛ لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، ومن أجزائها المعدن، بخلاف الركاز أو الكنز، فإنه مودع فيها للنقل عنها. أما المعدن الظاهر، فلا يملك كما عرفنا بالإحياء عند الشافعية؛ لأنه حق للجميع (٢).
وقال الحنابلة (٣): من أحيا أرضاً مواتاً، فملكها، فيملك المعادن الجامدة؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها، وهذا المعدن منها، فدخل في ملكه على سبيل التبعية. وأما المعادن الجارية كالنفط والقار والماء، فأظهر الروايتين عندهم أن محيي الأرض لا يملكها؛ لأن الناس شركاء فيها، لحديث «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (٤).
стр. 4521
٤) - ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن، فهوأحق بما ينال منه دون أن يملكه، لقول النبي ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو له» رواه أبو داود.
والخلاصة: أن المعادن الظاهرة للدولة في ظاهر المذهب عند الشافعية والحنابلة. وأما المعادن الباطنة فلا يملكها مكتشفها، وتكون للدولة أيضاً. فإن ظهرت المعادن في أرض أحياها شخص، فيملك المحيي المعدن الباطن عند الشافعية. ويملك عند الحنابلة فقط المعدن الجامد دون السائل.
٥) - أما الواجب في المعدن: فهو ربع العشر، إن كان ذهباً أو فضة فقط عند الشافعية، وكذلك إن كان من غيرهما وبلغت قيمته نصاباً عند الحنابلة.
٦) - وأما الكنز: وهو دفين الجاهلية، فيجب فيه الخمس في بيت المال، والباقي إن وجد بأرض مملوكة، فهو عند الشافعية والحنابلة لمالك الأرض بيمينه إن ادعاه، وإلا فهو لمن ملك منه أي لمن سبقه من المالكين. أما إن وجد في موات أو ملك أحياه، فهو لواجده.
وإن كان الكنز إسلامياً، وعلم مالكه، فهو له، وإلا فهو لقطة. وكذلك إن جهل كونه إسلامياً أم جاهلياً، هو لمالكه إن عرف، وإلا فهو لقطة. وهذا باتفاق الشافعية والحنابلة.
стр. 4522
الفَصْلُ الرّابع: حقوق الارتفاق الكلام فيها في مبحثين:
المبحث الأول - تعريف حق الارتفاق، والفرق بينه وبين حق الانتفاع، ووصفه الفقهي، وأحكامه العامة.
المبحث الثاني - أنواع حقوق الارتفاق.
المبحث الأول - تعريف حق الارتفاق، والفرق بينه وبين حق الانتفاع، ووصفه الفقهي أحكامه العامة:
أولاً - تعريف حق الارتفاق: الارتفاق في اللغة: الانتفاع بالشيء. وشرعاً هو أحد أنواع الملك الناقص (١). وهو حق عيني (٢) قصر على عقار، لمنفعة عقار
стр. 4523
آخر مملوك لغير الأول، أيا كان شخص المالك، كإجراء الماء من أرض الجار، أو تصريف الماء الملوث في مصرف معين، أو المرور في أرض الغير، أو البناء فوق دار غيره (حق التعلي)، سواء أكانت الأرض المرتفق بها مملوكة ملكاً عاماً أم خاصاً، وبقطع النظر عن شخصيةمالك العقار المرتفق، والمرتفق به، ولذا وصف حق الارتفاق بأنه «حق عيني» فلو كان العقاران لمالك واحد، لم يثبت حق الارتفاق.
ثانياً - الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع: كل من هذين الحقين من أنواع الحقوق العينية لا الشخصية، لكن يظل بينهما فروق (١).
١ - إن حق الارتفاق مقرر لعقار. وأما حق الانتفاع فهو مقرر لشخص. فحق المرور من أرض إلى أخرى حق مقرر للأرض الثانية، فينتفع به كل مالك لها، ولا يقتصر الانتفاع به على شخص معين.
أما حق الانتفاع به فإنه خاص بشخص المنتفع، فإذا مات انتهى حقه، سواء أكان ناشئاً بين الأحياء كالإجارة والإعارة، أم بين ميت وحي كالوصية والوقف.
٢ - يكون حق الارتفاق مقرراً دائماً على عقار، ولذا تقل به قيمته عن الأرض الخالية من مثل هذا الحق. أما حق الانتفاع فقد يتعلق بالعقار، كأرض أعيرت، وقد يتعلق بالمنقول مثل كتاب أعير.
٣ - حق الارتفاق دائم لا ينتهي بوقت، فيورث باتفاق المذاهب. أما حق الانتفاع فهو مؤقت ينتهي بموت شخص المنتفع كالموصى له بمنفعة أرض.
стр. 4524
ثالثاً - وصفه الفقهي: حق الارتفاق عند الحنفية ليس مالاً، وإنما هو حق مالي يسوغ لمالكه الانتفاع به. ويترتب على كونه ليس مالاً عند الحنفية (١): أنه لا يجوز بيعه مستقلاً عن الأرض، وإنما يباع تبعاً لها، ولا يجوز هبته أو التصدق به؛ لأنه تمليك، والحقوق المجردة لا تحتمل التمليك. ولا يجوز أيضاً الصلح عليه في دعوى تتعلق بالمال أو الحق في القصاص في النفس وما دونها؛ لأن الصلح في معنى البيع أي المبادلة المالية، والبيع لا يجوز.
ولا يصح جعله مهراً في عقد الزواج؛ لأنه يترتب عليه التمليك، وحق الارتفاق لا يقبل التمليك، وإنما يجب في هذه الحالة مهر المثل.
كما لا يصح جعله بدل الخلع، بأن اختلعت المرأة نفسها عليه؛ لأن بذل العوض تمليك، والارتفاق لا يحتمل التمليك. ويجب على المرأة حينئذ رد المأخوذ من المهر.
ويترتب على كونه حقاً مالياً (٢):
أنه يمكن أن يورث؛ لأن الإرث عند الحنفية يجري في الأموال وفي بعض الحقوق كخيار العيب.
ويصح أن يوصى بالانتفاع به، كالإيصاء لرجل بأن يسقي أرضه مدة معلومة من حق الشرب لفلان. والإيصاء كالإرث يصح في الأموال والحقوق، لكن إذا مات الموصى له تبطل الوصية.
стр. 4525
ويصح بيع الأرض دون حق الارتفاق، ولا يدخل حق الارتفاق كحق الشِرْب مثلاً في بيع الأرض إلا بالنص عليه صراحة، أو بذكر ما يدل عليه، كأن يقول البائع: بعت الأرض بحقوقها أو بمرافقها، أو كل قليل وكثير حولها.
رابعاً - أحكام حق الارتفاق العامة: لحقوق الارتفاق أحكام عامة وخاصة، أما الخاصة فتذكر مع أنواع الارتفاقات وأما الأحكام العامة فمنها ما يأتي:
١ - يجب ألا يؤدي استعمالها إلى الإضرار بالغير عملاً بقاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»، فلا يجوز للمار بأرض غيره إلحاق الأذى بغيره. وليس لمن يسقي أرضه بحق الشرب مثلاً أن يسرف في الماء بحيث يضر بمن تحته من المنتفعين بمجرى الماء.
٢ - إما أن تثبت حقوق الارتفاق على أملاك عامة أو خاصة. أما الأملاك العامة: فمثل الأنهار الكبيرة كالنيل ودجلة والفرات، أو الطرق والمرافق العامة كالقناطر والجسور التي لا تختص بأحد. وحق الارتفاق المقرر عليها ثابت للناس جميعاً، بلا إذن من أحد عند غير أبي حنيفة (١).
وأما الأملاك الخاصة بفرد أو أفراد فلا يثبت حق الارتفاق عليها إلا بإذن المالك.
٣ - وإذا لم يعرف سبب حق الارتفاق، يترك لصاحبه حق الانتفاع به، ويفترض كونه قديماً حادثاً بسبب مشروع عملاً بقاعدة «القديم يترك على قدمه»
стр. 4526
بشرط ألا يكون ضاراً بالغير كالمسيل القذر الذي يلوث ماء بئر الجيران، أو النافذة المنخفضة التي تطل على مقر نساء الجار، فيجب إزالة منشأ الضرر، عملاً بقاعدة أخرى هي قيد في سابقتها وهي: «الضرر لا يكون قديماً» (١).
المبحث الثاني - أنواع حقوق الارتفاق:
حقوق الارتفاق المهمة عند الحنفية تنحصر في ستة: هي حق الشِّرب، والطريق، والمجرى، والمسيل، والتعلي، والجوار، ولا يجوز عند الحنفية إنشاء حقوق ارتفاق أخرى؛ لأن في إنشائها تقييداً للملكية، والأصل فيها ألا تقبل تقييداً، وما قيدت به هو استثناء، لا يتوسع فيه.
ورأي المالكية أنها غير محصورة فيما ذكر، فيجوز إنشاء حقوق ارتفاق أخرى بالإرادة، كأن يلتزم شخص ألا يقيم في ناحية من أرضه بناء أو يغرس شجراً، أو ألا يرتفع إلى ارتفاع معين (٢).
المطلب الأول - حق الشرب:
معناه، أنواع المياه، وحكم ملكية كل نوع، الأحكام العامة للانتفاع بالمياه، كري الأنهار.
أولاً - معنى حق الشرب: الشرب (بكسر الشين) في اللغة: النصيب من الماء، قال صالح ﵇ فيما قصه الله في القرآن: ﴿هذه ناقة لها شِرْب ولكم
стр. 4527
شِرْب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥/ ٢٦]. ويطلق أيضاً على زمن الشرب. ويستعمله الشرعيون في المعنيين. فالشرب في الشرع: النصيب من الماء لسقي الزرع والأشجار. وهذا عند أكثر الفقهاء. وقد يستعمل في نوبة الانتفاع بالماء أو زمن الانتفاع لسقي الشجر أو الزرع.
ويلحق به حق الشفة: وهو حق الشرب (بضم الشين): وهو ما يخص الإنسان والحيوان من الماء لشربه. ويراد به تحقيق حاجة الإنسان إلى الماء لشربه وشرب دوابه.
ثانياً - أنواع المياه بالنسبة لحق الشرب والشفة: المياه تنقسم باعتبار هذين الحقين إلى أنواع أربعة:
الماء المحرز في أوان خاصة، ماء العيون والآبار ونحوها، ماء الأنهار أو الجداول الخاصة، ماء الأنهار العامة.
النوع الأول - الماء المحرز في أوان خاصة: هو ما حازه صاحبه في آنية أو ظروف خاصة كالجرار والصهاريج والحياض والأنابيب، ومنه مياه الشركات في المدن المتخصصة لتأمين ماء الدور. وهذا الماء ملك خاص لمن أحرزه، بالاستيلاء عليه ككل مباح يمتلك بإحرازه. فليس لأحد حق الانتفاع به إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه بيعه أو التصرف به كما يشاء (١)، فقد روي عن النبي ﷺ أنه «نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه» (٢). وخصص حديث المنع من بيع فضل الماء (٣) بالقياس
стр. 4528
على جواز بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب، لحديث الرجل الذي أمره النبي ﷺ بالاحتطاب ليستغني به عن السؤال (١).
وبالرغم من كون هذا الماء مملوكاً لصاحبه، فيجوز للمضطر الذي خاف على نفسه الهلاك من العطش: أن يشرب منه أو يأخذ منه حاجته، ولو بالقوة، ليدفع الهلاك عن نفسه إذا كان فاضلاً عن حاجة صاحبه، بأن كان يكفي لحفظ رمقهما، ولم يجد المضطر ماء آخر، ولكن يجب عليه دفع قيمة الماء؛ لأن «الاضطرار لا يبطل حق الغير» أو أن حل الأخذ للاضطرار لا ينافي الضمان. والأولى أن يقاتله بغير سلاح كالعصا؛ لأنه ارتكب معصية، فكان ذلك كالتعزير له.
النوع الثاني - ماء العيون والآبار والحياض: وهو الذي يستخرجه الشخص لنفسه: وحكمه عند الحنفية (٢): أنه ليس بمملوك لصاحبه، بل هو مباح في نفسه ولصاحبه حق خاص فيه، سواء أكان في أرض مباحة، أو مملوكة؛ لأن الماء في الأصل مباح لجميع الناس، لقوله ﷺ : «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (٣).
وعليه، فإنه يثبت فيه حق الشفة، دون حق الشرب، فالأول لا يختص بشخص دون آخر، فهو لمستحقه، ولغيره من الناس، يأخذون منه حاجتهم لشربهم وشرب دوابهم واستعمالهم المنزلي.
стр. 4529
فإن أبى صاحبه، كان للمحتاج أخذه جبراً، ولو بالقوة، وله أن يقاتله بسلاح؛ لأن الماء في البئر مباح غير مملوك، ولكن يشترط ألا يجد المحتاج ماء آخر قريباً منه.
والدليل لحق المحتاج: أن قوماً سَفْراً وردوا ماء، فطلبوا من أهله السماح لهم بالشرب منه، وبسقي دوابهم التي كادت أن تهلك من العطش، فأبوا، فذكروا ذلك لعمر بن الخطاب ﵁ فقال: «هلا وضعتم فيهم السلاح» (١).
ويلاحظ أن حكم هذين النوعين متشابه تقريباً إلا أن الأول ملك لصاحبه، والثاني غير مملوك، وللمضطر الذي يخاف الضرر على نفسه أن يأخذ الماء الفائض عن الحاجة، ولو بالقوة، لكن في النوع الأول بغير سلاح، وفي الثاني يجوز استخدام السلاح. ويتجلى في هذا النوع صفة حق الارتفاق بنحو أوضح من غيره.
وقال الشافعية في الأصح عندهم (٢): يملك الشخص ماء البئر المحفورة في الأرض الموات للتملك، أو المحفورة في ملك خاص؛ لأنه نماء ملكه، كالثمرة واللبن والشجر النابت في ملكه.
ولا يلزم المالك عند الشافعية بذل مافضل عن حاجته لزرع وشجر، ويجب بذل الفاضل منه عن شربه وشرب ماشيته، وزرعه، لشرب غيره من الآدميين ولماشية غيره، على الصحيح لحرمة الروح، ولخبر الصحيحين: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» أي من حيث إن الماشية إنما ترعى بقرب الماء، فإذا منع من الماء فقد منع من الكلأ، والمراد: هو نفع البئر المباحة، أي ليس لأحد أن يَغلِب عليه، ويمنع الناس منه، حتى يحوزه في إناء ويملكه.
стр. 4530
النوع الثالث - ماء الأنهار الخاصة:
وهو ماء الأنهار أو الجداول الصغيرة الخاصة المملوكة لبعض الناس، وحكمه كالنوع الثاني (١): يثبت لكل أحد فيه حق الشفة، لا حق الشرب، فلكل إنسان الحق في الانتفاع به لنفسه ودوابه وإن لحق به ضرر يسير؛ لأن «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف» ولكن ليس له أن يسقي منه زرعه وشجره، إلا بإذن صاحبه، فلصاحبه أن يمنع الغير من سقي الزرع والأشجار (حق الشرب) لأن له في مائه حقاً خاصاً.
ولا يجوز لصاحبه عند الحنفية بيع حق الشرب منفرداً، بأن باع شرب يوم، أو أكثر؛ لأنه عبارة عن حق الشرب والسقي، والحقوق لا تحتمل عندهم الإفراد بالبيع والشراء. فلو باع الأرض مع الشرب، جاز تبعاً للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعاً لغيره، وإن كان لا يجوز بيعه مستقلاً عن غيره. ولا يدخل الشرب في بيع الأرض - كما ذكرت سابقاً - إلا بالتسمية صراحة، أو بذكر ما يدل عليه، بأن يقول: بعتها بحقوقها أو بمرافقها. لكنهم أجازوا بيع الماء المعلوم القدر المحرز أو المملوك، للشرب، لا للشفة (شرب الإنسان والحيوان).
كذلك أجاز المالكية والشافعية والحنابلة بيع الماء المملوك مستقلاً عن الأرض، ولكن يستحب لصاحبه أن يبذله بغير ثمن. ولا يجبر على بذله، إلا أن يكون قوم اشتد بهم العطش فخافوا الموت، فيجب عليه سقيهم (حق الشفة) فإن منعهم، فلهم أن يقاتلوه على منعه.
стр. 4531
وصرح الشافعية بأنه يشترط في بيع الماء تقديره بكيل أو وزن، لا بريّ الماشية أو الزرع (١).
النوع الرابع - ماء الأنهار العامة:
وهو الذي يجري في مجار عامة غير مملوكة لأحد، وإنما هي للجماعة، مثل النيل ودجلة والفرات ونحوها من الأنهار العظيمة.
وحكمه (٢): أنه لا ملك لأحد في هذه الأنهار، لا في الماء ولا في المجرى، بل هو حق للجماعة كلها، فلكل واحد حق الانتفاع بها، بالشفة (سقي نفسه ودوابه) والشرب (سقي زروعه وأشجاره)، وشق الجداول منها، ونصب الآلات عليها لجر الماء لأرضه، ونحوها من وسائل الانتفاع بالماء، وليس للحاكم منع أحد من الانتفاع بكل الوجوه، إذا لم يضر الفعل بالنهر أو بالغير أو بالجماعة. كما هو الحكم المقرر بالانتفاع في الطرق أو المرافق العامة.
فإذا أضر، فلكل واحد من المسلمين منعه أو الحد من تصرفه لإزالة الضرر؛ لأنه حق لعامة المسلمين، وإباحة التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر، كالانتفاع بالمرافق العامة، إذ لا ضرر ولا ضرار. والدليل على كون هذه الأنهار غير مملوكة لأحد، وإنما الحق فيها مشاع للجميع: هو قوله ﵊:
стр. 4532
«الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» (١) وفي رواية «والملح» وشركة الناس فيها شركة إباحة، لا شركة ملك، لعدم إحرازها، فهم سواء في الانتفاع بها ومنها الماء العام، فيثبت لهم حق الشرب.
ثالثاً - الأحكام العامة لحق الشرب أو الانتفاع بالمياه: للانتفاع بالمياه أحكام عامة أهمها ما يأتي (٢):
١ - المحافظة على حافة البئر أو العين أو النهر (مجرى الماء مطلقاً): فإن لم يفعل كان لصاحب المجرى منعه من الانتفاع، دفعاً للضرر عنه، عملاً بالحديث النبوي: «لا ضرر ولا ضرار». ومن الضرر تسرب الماء إلى أرض الجار على وجه غير معتاد، وعليه الضمان إذا كان متعدياً. قال الحنفية: ولا يضمن من ملأ أرضه ماء، فنزت أرض جاره أو غرقت، أي في حال السقي المعتاد الذي تتحمله الأرض عادة، لأنه متسبب غير متعد، فإن كان السقي غير معتاد، ضمن وعليه الفتوى (٣).
٢ - يجب على المنتفع إمرار الماء من طريق عام إن وجد، فإن لم يوجد، كان على صاحب الطريق الخاص الإذن بإمرار الماء، أو إخراج حاجته من الماء، لقول
стр. 4533
عمر ﵁ لمحمد بن مَسْلَمة حينما شكاه الضحاك بن خليفة الذي أراد إمرار ماء من أرض ابن مَسْلمة: «والله، ليمرَّن به، ولو على بطنك» (١).
٣ - حق الشرب يورث، وتصح الوصية بالانتفاع به، حتى عند الحنفية، الذين يرون عدم توارث الحقوق والمنافع إلا ما استثني، ويجوز بيعه تبعاً للأرض، لامستقلاً منفرداً عنها عند الحنفية، كما أوضحت سابقاً؛ لأنه مجهول الكمية، وبيع المجهول لا يصح لما فيه من الضرر أو الظلم، ولأن الحقوق عند الحنفية ليست بمال متقوم في ظاهر الرواية، فلا تقبل الإفراد بالبيع أو الهبة أو الإجارة أو التصدق بها (٢).
والأولى الأخذ برأي غير الحنفية القائلين بجواز التصرف في الحقوق والمنافع؛ لأنها أموال متقومة، في عرف الناس.
٤ - إذا كان الماء مملوكاً لشخص واحد، كان له حق الانتفاع به كيفما شاء، فإن كان الماء لجماعة مشتركة أو أناس كثيرين، وزع بينهم بالعدل، إما بالمناوبة الزمانية (المهايأة): بأن يستقل واحد بالماء في زمن معين. وإما بالكوى، أي بفتحات جانبية للماء إلى المزارع والجداول، بما يتناسب ومساحة أرض كل منتفع بهذا الماء. وهذا رأي الشافعية أيضاً (٣). ومقتضى العدل في التوزيع: أنه إذا كان نهر بين قوم، واختصموا في الشرب، كان الشرب بينهم على قدر مساحة أراضيهم، كما بينت؛ لأن المقصود هو الانتفاع بسقي الأراضي، فيقدر حقهم بقدرها، بخلاف الطريق؛
стр. 4534
لأن المقصود منه هو المرور، وهو لا يختلف قدره سعة وضيقاً، ولا عبرة لسعة الدار وضيقها؛ لأن المقصود الاستطراق.
كما أن مقتضى العدل أيضاً أن يتم تغيير التوزيع برضا الجميع، فليس لمشترك بلا رضاهم أن يشق جدولاً من النهر، أو ينصب عليه رحى، أو آلة نزح، أو جسراً، أو يوسع فم النهر، أو أن يقسم بالأيام بعد أن كانت القسمة بالفتحات أو أن يسوق نصيبه إلى أرض أخرى ليس لها فيه شرب؛ لأن القديم يترك على قدمه لظهور الحق فيه، ولأنه يمنع الضرر بالآخرين، وفي التوسعة وغيرها إضرار بهم (١).
٥ - يصح رفع دعوى الشِرْب بغير أرض استحساناً عند الحنفية (٢)؛ لأن الشرب مرغوب فيه، منتفع به، ويمكن أن يملك بغير أرض بالإرث، أو الوصية، ولأنه قد تباع الأرض دون الشرب فيبقى الشرب وحده، فإذا استولى عليه غيره، كان له أن يدفع الظلم عن نفسه، بإثبات حقه بالبينة.
٦ - ينتفع الناس بماء الأمطار أو السيول أو النهر الصغير الذي يزدحم الناس فيه: بأن يبدأ بالأعلى، فيسقي أرضه، حتى يصل إلى الكعب (النهاية)، ثم يرسله إلى من يليه، فيسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه، فيفعل كذلك، وهلم جرا إلى آخره (٣)، لحديث عبادة: «أن النبي ﷺ قضى في شرب النخل من السيل: أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين،
стр. 4535
ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط، أو يفنى الماء» (١). وروى عبد الله بن الزبير: «أن الزبير ورجلاً من الأنصار تنازعا في شراج الحرة (٢) التي يسقى بها النخل، فقال الأنصاري للزبير: سرِّح الماء، فأبى الزبير، فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ، فقال: يا زبير، اسق أرضك، إلى أن يبلغ الجدر» (٣) أي الجدار قال الزبير: فوالله، إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه: ﴿فلا، وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء:٦٥/ ٤].
وروى مالك في الموطأ أيضاً عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ قال في سيل مهزور ومذينب: «يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل» (٤).
رابعاً - كري الأنهار التي يكون منها الشرب: الكري: إخراج الطين من أرض النهر، وحفره، وإصلاح ضفتيه. ويلحق به إصلاح الجسور ونحوها.
стр. 4536
و مؤنة الكري أي نفقته بحسب نوع النهر، والأنهار أنواع ثلاثة (١):
الأول: النهر العام غير المملوك لأحد، كالفرات والنيل: نفقة كريه وإصلاحه من بيت مال المسلمين، من الخراج والجزية، دون العشور والصدقات؛ لأنه للمصلحة العامة، فيختص بنفقته بيت المال، عملاً بالحديث النبوي: «الخراج بالضمان» (٢).
فإن لم يكن في بيت المال شيء، أجبر الحاكم الناس على إصلاح النهر، إن امتنعوا عنه، دفعاً للضرر، وتحقيقاً للمصلحة العامة. قال عمر في مثله: «لو تركتم، لبعتم أولادكم».
وتفرض مؤنة الإصلاح على الأغنياء الموسرين الذين لا يطيقون الإصلاح بأنفسهم، كما هو الشأن في تجهيز الجيوش. ويكلف القادرون على العمل بأنفسهم، وتكون نفقتهم على الأغنياء.
الثاني: النهر العام المملوك لأهله الداخل في المقاسم، ويمكن قسمته، ويشترك به جماعة هم أصحاب النهر، فهو عام من وجه، وخاص من وجه: نفقة إصلاحه على أهله؛ لأن الحق لهم والمنفعة تعود إليهم على الخصوص، فعليهم إصلاحه لأن الغنم بالغرم. ومن أبى منهم يجبر على الإنفاق، دفعاً للضرر العام الذي يلحق بقية الشركاء.
стр. 4537
والمملوك: بأن دخل في المقاسم: عام وخاص (١). والخاص هو النوع الثالث: هو ما يشترك فيه فئة محصورة. والعام: هو المملوك لجماعة غير محصورة.
الثالث: النهر المملوك، لأّهله الخاص بفئة محدودة: نفقة إصلاحه على أهله أيضاً؛ لأن نفعه عائد إليهم. لكن إن امتنع جميعهم عن الإصلاح، لم يجبرهم الحاكم، كالممتنع عن عمارة أرضه وداره. فإن امتنع بعضهم دون الآخرين، فقيل: يجبر الآبي؛ لأن النفع للكل، وقيل: لا يجبر؛ لأن في إجباره إضراراً به. ويمكن دفع الضرر عن شركائه برجوعهم عليه بحصته من النفقة، إذا تم الإصلاح بأمر القاضي.
واختلف في كيفية الكري على الشركاء، إذا احتاج النهر في مسيله إلى إصلاح منطقة ليست في أعلاه: فقال أبو حنيفة: مؤنة كري النهر المشترك على الشركاء من أعلاه، فإذا جازوا أرض رجل منهم دون حاجة إلى الكري، برئ من مؤنة الكري؛ لأن المقصد من الكري الانتفاع بالسقي، وقد حصل لصاحب الأعلى، فلا يلزمه نفع غيره.
وقال الصاحبان: الكري على الشركاء جميعهم، من أوله إلى آخره، بحصص الشرب والأراضي؛ لأن لصاحب الأعلى حقاً في الأسفل، لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه. وهذا الرأي هو المعقول في تقديري.
стр. 4538
واتفق أئمة الحنفية على أن الإصلاح إذا كان من أعلى النهر، فمؤنة إصلاحه على الشركاء جميعاً، لتوقف انتفاعهم به على إصلاحه.
المطلب الثاني - حق الشفة:
يلحق حق الشفة بحق الشرب، وتكاد تكون أحكامه ما واحدة مع بعض الفوارق البسيطة:
معنى حق الشفة: هو حق الانتفاع بالماء لشرب الإنسان والاستعمال المنزلي من طبخ وغسل ونحوهما، ولسقي البهائم بالشفاه لدفع العطش ونحوه. أو هو حاجة الإنسان إلى الماء لشربه أو لشرب دوابه ولانتفاعه المنزلي (١).
وأحكامه تختلف بحسب نوع الماء. والمياه أربعة أقسام (٢):
الأول - ماء البحار: لكل واحد من الناس فيها حق الشفة وسقي الأراضي، والانتفاع بها بأي وجه؛ لأنها غير مملوكة، والانتفاع بماء البحر كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء.
الثاني - ماء الأنهار العظيمة كالفرات ودجلة والنيل، وسيحون وجيحون ونحوها: للناس فيه الشفة مطلقاً، وحق سقي الأراضي؛ لأنها مباحة في الأصل لكل إنسان شرباً وسقياً، ما لم يضر بالجماعة؛ لأن دفع الضرر عنهم واجب، ولأن الانتفاع بالمباح إنما يجوز إذا لم يضر بأحد، كتخريب النهر أو كسر ضفته، فتغرق القرى والأراضي.
стр. 4539
الثالث - ماء الأنهار الصغيرة المملوكة الخاصة بقوم محصورين وهو المسمى عند الفقهاء «ماء المقاسم»: حق الشفة ثابت فيه، للضرورة، ولأن الأصل في الماء اشتراك الناس فيه، لقوله ﵊: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ والنار» ولأن استصحاب الماء إلى كل مكان أمر متعذر، والناس بحاجة إليه، فلو منعوا منه، وقعوا في حرج عظيم.
لكن إذا كان ماء النهر أو البئر المملوك لجماعة في أرض مملوكة: فلصاحب الأرض أن يمنع من يريد الشفة من الدخول في ملكه، إذا كان يجد ماء بقربه (١).
فإن لم يجد يقال له: إما أن تخرج الماء إليه، أو تتركه، بشرط ألا يضر النهر أو البئر كأن يكسر ضفته أي جانبه؛ لأن للمضطر أو المحتاج حق الشفة في ماء النهر أو البئر أو الحوض عند الحاجة.
فلو منعه صاحب الأرض، وهو أو دابته في حالة عطش، كان له أن يقاتله بالسلاح ليأخذ قدر ما يدفع عن نفسه الهلاك، لقوله عمر السابق: «هلا وضعتم فيهم السلاح؟» ولأنه قصد إتلافه بمنع الشفة عنه، وهو حقه؛ لأن ماء البئر أو النهر ونحوهما مباح غير مملوك.
والأصح أن للناس الأخذ من هذا الماء ونقله للوضوء وغسل الثياب؛ لأن منعه من الدناءة، قال ﵊: «إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها» (٢).
والأصح أن لصاحب الماء منع من أراد الأخذ منه لسقي الشجر أو الخضر في داره، بحمله بالجرار ونحوها إلا بإذنه.
стр. 4540
كذلك إذا كانت الشفة تأتي على الماء كله، بأن كان جدولاً صغيراً، والمواشي الواردة عليه كثيرة، فقال أكثر الفقهاء منهم الحنفية: للمالك حق المنع، لأنه يلحقه ضرر به، كسقي الأرض.
الرابع - الماء المحرز في الأواني: مملوك لصاحبه بالإحراز، فلا يحق لغيره الانتفاع به إلا بإذن صاحبه، لا شرباً ولا سقياً ولا غيره.
لكن للمضطر الذي يخاف على نفسه من الهلاك بسبب العطش، ولم يجد سوى هذا الماء المحرز: أن يأخذ هذا الماء من صاحبه، ولو بالقوة، لكن بغير سلاح إذا كان الماء فاضلاً عن حاجة صاحبه، كما تبين في حق الشرب.
المطلب الثالث - حق المجرى:
تعريفه، وأحكامه.
تعريف حق المجرى: هو حق صاحب الأرض البعيدة عن مجرى الماء، في إجراء الماء إلى أرضه لسقيها. وقد يكون المجرى نفسه مملوكاً لصاحب المجرى، أو لصاحب الأرض التي هو فيها وهو الكثير، أو لهما معاً، أو مشتركاً بين كثيرين.
أحكامه: المبدأ العام في الشرع أنه ليس لصاحب الأرض منع جاره من إمرار الماء في أرضه، عملاً بقول عمر المتقدم، لمن منع جاره من إرسال الماء في أرضه: «والله ليمرن به، ولو على بطنك».
وليس لصاحب الأرض أيضاً أن ينقل المجرى من مكانه إلا برضا أصحاب الحق فيه، ولهم الحق في ترميمه، ومنع تسرب الماء منه، وتعميقه، وتقوية جانبيه. كما أن لصاحب الأرض مطالبتهم بإصلاحه، حتى لا يتسرب الماء منه، فيتلف مزروعاته.
стр. 4541
وإذا كان المجرى مشتركاً بين جماعة، فليس لأحدهم سده إلا برضا الجميع على أن يسده كل واحد في نوبته. فإن منعوه من سده، كان له رفع الماء إلى أرضه بآلة (١)، ودليل اشتراط رضا الجميع بسد المجرى هو قاعدة: «يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام».
وحق المجرى إن كان قديماً في أرض الغير يترك على حاله (٢)، عملاً بقاعدة: «القديم يترك على قدمه» ولا يُزال، إلا إذا كان فيه ضرر على صاحب الأرض، عملاً بقاعدة: «الضرر لا يكون قديماً».
وإن أريد إحداث مجرى جديد: فإن كان في طريق عام، أنشئ بإذن السلطة، لمنع الضرر وتحقيق المصلحة العامة.
وإن كان في أرض مملوكة لغيره، أحدث بإذن المالك، ولكن ليس للمالك المنع من إحداثه، ما لم يلحق به ضرر بسببه، عملاً بقول عمر السابق: «والله ليمرن به ولو على بطنك» (٣).
стр. 4542
المطلب الرابع - حق المسيل:
تعريفه، وأحكامه.
حق المسيل: هو حق تصريف الماء الزائد عن الحاجة، أو غير الصالح، إلى المصارف والمجاري العامة، بواسطة مجرى سطحي أو أنبوب مستور، سواء من أرض أو دار أو مصنع.
و الفرق بينه وبين حق المجرى: هو أن حق المجرى لجلب الماء الصالح للأرض، وحق المسيل لتصريف الماء غير الصالح عن الأرض أو الدار ونحوها.
والمسيل قد يكون مملوكاً للمنتفع به، أو لصاحب الأرض التي يمر فيها، وقد يكون في مرفق عام.
وإذا تعينت أرض الجار لإحداث المسيل، لم يجز لمالكها المعارضة أو الممانعة فيه، إلا إذا ترتب عليه ضرر بيّن. ويظل هذا الحق قائماً، وإن تغيرت صفة الأرض المقرر لها، كأن كانت أرضاً زراعية، فصارت منزلاً أو مصنعاً مثلاً.
وإذا كان حق المسيل قديماً، بقي على حاله، ما لم يكن ضاراً بالمصلحة العامة أو الخاصة، فيجب حينئذ إزالته؛ لأن «الضرر يزال»، ولا يحتج بتقادم الضرر؛ لأن «الضرر لا يكون قديماً».
وتجب نفقات إصلاح المسيل، على المنتفع به، إذا كان في ملكه، أو في ملك غيره. فإن كان في أرض عامة، فنفقة الإصلاح على بيت المال (١).
المطلب الخامس - حق المرور:
تعريفه، وأحكامه.
стр. 4543
حق المرور: هو حق أن يصل الإنسان إلى ملكه، داراً أو أرضاً، بطريق يمر فيه، سواء أكان من طريق عام، أم من طريق خاص مملوك له أو لغيره، أو لهما معاً.
و حكمه يختلف بحسب نوع الطريق:
١ - فإن كان الطريق عاماً: فلكل إنسان حق الانتفاع به، لأنه من المباحات، سواء بالمرور، أو بفتح نافذة أو طريق فرعي عليه، أو إنشاء شرفة ونحوها، وله إيقاف الدواب أو السيارات أو إنشاء مركز للبيع والشراء. ولا يتقيد إلا بشرطين (١):
الأول: السلامة، وعدم الإضرار بالآخرين، إذ لا ضرر ولا ضرار (٢).
الثاني: الإذن فيه من الحاكم.
فإن أضر المار أو المنتفع بالآخرين، كأن أعاق المرور، منع. وإن لم يترتب على فعله ضرر، جاز بشرط إذن الحاكم عند أبي حنيفة، ولا يشترط الإذن عند الصاحبين، على ما سأبيّن في حق التعلي. كذلك لا يشترط إذن الإمام عند الشافعية والحنابلة (٣) كقوله ﵊: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به».
وقال المالكية (٤): من بنى في طريق المسلمين أو أضاف شيئاً من الطريق إلى ملكه، منع منه باتفاق.
стр. 4544
وقال الشافعية (١): الطريق النافذ أي الشارع لا يتصرف فيه بما يضر المارّة في مرورهم فيه؛ لأن الحق فيه للمسلمين كافة، فلا يشرع فيه جَناح أي روشن، ولا ساباط (أي سقيفة على حائطين والطريق بينهما) يضر الناس كلٌ منهما.
٢ - وأما إن كان الطريق خاصاً: فحق الانتفاع به مقصور على صاحبه أو أهله أو المشتركين فيه، فليس لغيرهم أن يفتح عليه باباً أو نافذة إلا منهم، ولكل الناس حق المرور فيه عند زحمة الطريق العام، وليس لأصحابه سده أو إزالته، احتراماً لحق العامة فيه.
كذلك ليس لأحد من أصحاب الحق في الطريق الخاص الارتفاق به على غير الوجه المعروف إلا بإذن الشركاء كلهم، حتى المشتري من أحدهم بعد الإذن، كإحداث غرفة، أو بناء شرفة، أو ميزاب ونحوه (٢).
المطلب السادس - حق التعلي:
تعريفه، وحكم تصرف المالك الأعلى أو الأسفل في ملكه.
حق التعلي: هو حق القرار الدائم أو الاستناد لصاحب الطبقة العليا، على الطبقة السفلى، والانتفاع بسقوفها، مثل الملكية المشتركة للطوابق الحديثة.
وهذا حق دائم ثابت لصاحب العلو، على حساب السفل، فيكون للعلو حق البقاء والقرار على ذلك السفل، دون أن يتملك عند الحنفية سقفه، فلا يزول الحق بهدمه، أو انهدام السفل، أو هما معاً، ويظل هذا الحق قائماً، يجري فيه التوارث.
стр. 4545
وقال المالكية (١): السقف الذي بين الطابقين لصاحب السفل، وعليه إصلاحه وبناؤه إن انهدم، ولصاحب العلو الجلوس عليه، أي كما قال الحنفية.
وقال الشافعية (٢): السقف مشترك بين صاحب العلو والسفل كالجدار بين ملكين، لاشتراكهما في الانتفاع به، فإنه ساتر لصاحب السفل وأرض لصاحب العلو، فلصاحب العلو الاستناد إليه، وليس لأحدهما دق وتد أو فتح كوة ونحوه مما يضايق إلا بإذن الآخر. ولصاحب العلو الانتفاع بالسقف بحسب العادة، وإذا انهدم المشترك بين اثنين ليس لأحدهما إجبار الآخر على العمارة؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، والممتنع يتضرر بتكليف العمارة.
ولا يباع حق التعلي عند الحنفية استقلالاً، فبيعه غير صحيح، لأنه ليس بمال.
وقال غير الحنفية: يجوز بيعه استقلالاً؛ لأن الحقوق أموال عندهم. وهذا هو المعقول والأصح فقهاً وعرفاً وعملاً.
واختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في مدى حق التصرف لكل من صاحب العلو وصاحب السفل (٣):
فقال أبو حنيفة: الأصل في تصرفات المالك في ملكه، إذا تعلق به حق الغير: الحظر؛ لأنه تصرف في محل تعلق به حق محترم للغير، فليس للجار التصرف في ملكه من غير رضا صاحب الحق، وإن لم يضره هذا التصرف.
стр. 4546
وبناء عليه: ليس لصاحب السفل أن يحدث في بنائه أي تغير، كدق وتد، أو فتح نافذة، أو رفع جدار، إلا برضا صاحب العلو، وإن لم يضر به. وليس لصاحب العلو زيادة بناء يوهن السفل.
وقال الصاحبان: الأصل في تصرف الجار الإباحة؛ لأنه تصرف في ملكه، والملك يقتضي إطلاق التصرف، كما يشاء المالك، إلا إذا لحق بسببه ضرر بالغير، فيمنع حينئذ المالك منه، وبناء عليه: لصاحب السفل أو الطابق الأدنى أن يصنع ما لا يضر بالبناء الأعلى.
وهذا الرأي هو المعقول، والأصح في تقديري، وهو الاستحسان المفتى به عند الحنفية (١).
المطلب السابع - حق الجوار:
تعريفه، ومدى صلاحية الجار أو حق الجار بالتصرف في ملكه.
حق الجوار: المراد به هو حق الجوار الجانبي: وهو الناشئ عن تلاصق الحدود وتجاورها، ويكون لكل من الجارين الحق في الارتفاق بعقار جاره، على ألا يلحق به ضرراً بيناً فاحشاً.
والامتناع عما يؤذي الجار واجب ديانة، لقوله ﷺ : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٢) أي غوائله وشروره، ومع ذلك للفقهاء آراء قضائية في منع الضرر بالجار (٣):
стр. 4547
فقال أبو حنيفة بمقتضى القياس: والشافعية والظاهرية: لصاحب الملك أن يفعل في ملكه ما يشاء، وهو مطلق التصرف في خالص ملكه، وإن ألحق الضرر بغيره، فله فتح ما شاء من النوافذ، وهدم ما شاء من الجدران، وحفر ما رأى من الآبار، وإنشاء ما يشاء من المصانع، واتخاذ ما أراد من السكنى أو المتجر.
لكن في الجدار المشترك: قال الشافعية في الجديد (١): ليس لأحد الشريكين وضع جذوعه عليه بغير إذن شريكه، وليس له أن يدق وتداً أو يفتح كوَّة أو نحوهما مما يضايق فيه عادة إلا بإذن شريكه، ولا أن يستند إليه ويسند متاعاً لا يضر، وله ولغيره مثل هذا الانتفاع في جدار الأجنبي؛ لأنه لا ضرر على المالك، فلا يضايق فيه، بل له الانتفاع، ولو منعه المالك.
وقال الصاحبان بمقتضى الاستحسان الذي أخذت به المجلة: يتقيد استعمال مالك العقار وتصرفه بما لا يؤدي إلى ضرر بيّن فاحش بجاره، ولقوله ﵊: «لا ضرر ولا ضرار». وهذا هو المفتى به عند الحنفية.
والضرر البين الفاحش: ما يكون سبباً لهدم أو سقوط بناء الجار، أو ما يوهن البناء، أو ما يؤذي الجار أذىً بالغاً على وجه دائم، أو ما يؤدي إلى سلخ حق الانتفاع بالكلية: وهو ما يمنع من الحوائج الأصلية، كأن يحول داره إلى فرن أو مصنع للحديد أو مطحنة للحبوب، أو حمام أو تنور أو يبني جداراً يمنع به النور عن جاره.
فإن فعل شيئاً مما ذكر، منع منه، وأمر بإزالته، وكان ضامناً ما يترتب عليه من تلف بدار جاره، سواء أكان بالمباشرة أم بالتسبب.
стр. 4548
وقال المالكية والحنابلة (١): يتقيد استعمال المالك بألا يضر بالآخرين، ولو بالنية والقصد، فإ لم تكن له مصلحة ظاهرة في التصرف، أو لم يقصد سوى الإضرار بالآخرين، منع منه؛ لأن المسلم ممنوع من قصد الإضرار.
لكن المشهور عند المالكية أن الشخص لا يمنع إذا أراد أن يعلي بنياناً يمنع جاره الضوء والشمس، ويمنع إذا أراد أن يبني بنياناً يمنع الهواء. واتفق المالكية على منع أنواع من الضرر المحدث، هي: فتح كوة أو طاقة يكشف منها على جاره، فيؤمر بسدها أو سترها، وأن يبني شخص في داره فرناً أو حماماً أو كير حداد، أو صائغ، مما يضر بجاره دخانه، فيمنع منه إلا إن احتال في إزالة الدخان. وأن يصرف ماءه على دار جاره أو على سقفه، أو يجري في داره ماء، فيضر بحيطان جاره. ومن طرق تجنب الضرر: كاتم الصوت وعازل الحرارة، وصفاية الدخان.
والخلاصة: أن الاتجاه الأقوى في الفقه الإسلامي يجيز للمالك أن يتصرف في ملكه بما لا ضرر فيه على الجار، أما ما بان ضرره الفاحش، أو أشكل فيه الحال، فإنه ممنوع.
وإذا كان الشيء قديماً قبل الجوار، يظل قائماً، ما لم يكن فيه ضرر بالجار الجديد.
стр. 4549
الفَصْلُ الخامِس: عقود استثمار الأرض: المزارعة والمساقاة والمغارسَة العقد الأول - المزارعة أو المخابرة تعريفها، ومشروعيتها، وركنها وصفة العقد، وشرائطها، وأنواعها أو أحوالها، وحكمها وانتهاؤها وحالات فسخها، وفيها مباحث خمسة:
المبحث الأول - تعريف المزارعة ومشروعيتها وركنها وصفة العقد:
أولاً - تعريف المزارعة: المزارعة لغة: مفاعلة من الزرع: وهو الإنبات. وشرعاً: عقد على الزرع ببعض الخارج (١). وعرفها المالكية: بأنها الشركة في الزرع (٢). وعرفها الحنابلة بأنها: دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها، والزرع بينهما (٣).
وتسمى أيضاً المخابرة (من الخَبار: وهي الأرض اللينة)، والمحاقلة،
стр. 4550
ويسميها أهل العراق: القَراح. ووصف الشافعية (١) المخابرة بأنها: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من العامل. والمزارعة: هي المخابرة، ولكن البذر فيها يكون من المالك.
والخلاصة: المزارعة عقد استثمار أرض زراعية بين صاحب الأرض، وآخر يعمل في استثمارها، على أن يكون المحصول مشتركاً بينهما بالحصص التي يتفقان عليها.
ثانياً - مشروعيتها: لم يجز أبو حنيفة وزفر المزارعة، وقالا: هي فاسدة، وبعبارة أخرى: المزارعة بالثلث والربع في رأيهما باطلة (٢). وكذلك لم يجز الشافعي المزارعة، وإنما تجوز عند الشافعية فقط تبعاً للمساقاة للحاجة، فلو كان بين النخل بياض صحت المزارعة عليه مع المساقاة على النخل بشرط اتحاد العامل، وعسر إفراد النخل بالسقي، والبياض بالعمارة: وهي الزراعة لانتفاع النخل بسقي الأرض وتقليبها. والأصح أنه يشترط: ألا يفصل العاقدان بين العقدين وإنما يؤتى بهما على الاتصال، وألا يقدم المزارعة على المساقاة، لأنها تابعة، والتابع لا يقدم على متبوعه. ولا تجوز المخابرة عند الشافعية تبعاً للمساقاة، لعدم ورود مشروعيتها (٣). ودليل أبي حنيفة وزفر والشافعي على عدم مشروعية المزارعة أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة (٤): وهي المزارعة. ولأن أجر المزارع: وهو مما تخرجه
стр. 4551
الأرض إما معدوم لعدم وجوده عند العقد، أو مجهول لجهالة مقدار ما تخرجه الأرض، وقد لا تخرج شيئاً، وكل من الجهالة وانعدام محل العقد مفسد عقد الإجارة.
وأما معاملة النبي ﷺ أهل خيبر - كما سيأتي - فكان خراج مقاسمة (١) كثلث أو ربع غلة الأرض، بطريق المن والصلح، وهو جائز.
ومع هذا قال كثير من فقهاء الشافعية بمشروعية المزارعة استقلالاً، بدليل معاملة النبي ﷺ أهل خيبر، واعتبروا المخابرة في معنى المزارعة.
وقال صاحبا أبي حنيفة (أبو يوسف ومحمد)، ومالك وأحمد وداود الظاهري، وهو رأي جمهور الفقهاء: المزارعة جائزة، بدليل أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع (٢). ولأنها عقد شركة بين المال والعمل، فتجوز كالمضاربة، لدفع الحاجة، فصاحب المال قد لا يحسن الزراعة، والعامل يتقنها، فيتحقق بتعاونهما الخير والإنتاج والاستثمار. والعمل والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين، لحاجة الناس إليهم ولتعاملهم. وهذا هو الراجح. وهي تشبه الشركة والإجارة، فهي مشاركة في الناتج بين صاحب الأرض والمزارع بنسبة متفق عليها كالنصف أو الثلث للمزارع. وهي كالإجارة عن طريق المشاركة في استغلال الأرض، والأجرة فيها حصة معينة من المحصول. لكنها تتميز عن الشركة بأن نصيب المالك فيها حصة من نفس المحصول الناتج من الأرض، وليس من صافي الأرباح.
стр. 4552
وتتميز عن إيجار الأرض الزراعية بأن تكون الأجرة جزءاً من محصول الأرض المؤجرة كالربع أو الثلث أو النصف، فإن كانت الأجرة مقداراً معيناً من المحصول كطن قمح أو أرز، فلا يكون العقد مزارعة، ولكنه إيجار عادي للأرض.
ثالثاً - ركن المزارعة وصفة العقد: ركن المزارعة عند الحنفية: الإيجاب والقبول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل: دفعت إليك هذه الأرض مزارعة بكذا، ويقول العامل: قبلت، أو رضيت، أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجدا تم العقد بينهما (١).
أطرافها ثلاثة: صاحب الأرض أو المالك، والعامل أو المزارع، ومحل العقد، المتردد بين أن يكون منفعة الأرض أو عمل العامل. وهي عند الحنفية: عقد إجارة ابتداء، شركة انتهاء، فإن كان البذر من العامل فالمعقود عليه منفعة الأرض، وإن كان من صاحب الأرض فالمعقود عليه منفعة العامل.
وقال الحنابلة (٢): ولا تفتقر المزارعة والمساقاة إلى القبول لفظاً، بل يكفي الشروع في العمل قبولاً، كالوكيل.
وأما صفة المزارعة: فهي عند الحنفية كبقية الشركات عقد غير لازم. وقال المالكية (٣): وتلزم بالبذر ونحوه أي بإلقاء الحب على الأرض لينبت، أو بوضع الزريعة في الأرض مما لا بذر لحبه كالبصل ونحوه. والمعتمد عند المالكية أن شركات الأموال تلزم بالصيغة.
стр. 4553
وقال الحنابلة (١): المزارعة والمساقاة عقدان غير لازمين، لكل طرف فسخهما، ويبطل العقد بموت أحد المتعاقدين.
المبحث الثاني - شرائط المزارعة:
اشترط الصاحبان من الحنفية (٢) في المزارعة شرائط: في العاقد، وفي الزرع والمزروع، وفي الخارج من الزرع، وفي الأرض المزروعة، وفي محل العقد، وفي آلة الزراعة، وفي مدة المزارعة.
شروط العاقد: يشترط شرطان عامان في العقود.
أـ أن يكون العاقد عاقلاً (مميزاً): فلا تصح مزارعة المجنون والصبي غير المميز؛ لأن العقل شرط أهلية التصرفات.
وأما البلوغ فليس بشرط لجواز المزارعة عند الحنفية، فتجوز مزارعة الصبي المأذون، كالإجارة. والمزارعة استئجار ببعض الناتج. واشترط الشافعية والحنابلة البلوغ لصحة المزارعة كغيرها من العقود.
٢ - ألا يكون مرتداً - في رأي أبي حنيفة - لأن تصرفات المرتد موقوفة عنده، فلا تصح للحال. ولا يشترط هذا الشرط عند الصاحبين، فتعتبر مزارعة المرتد نافذة للحال.
أما المرتدة فتصح مزارعتها باتفاق الحنفية.
стр. 4554
شرط الزرع: أن يكون معلوماً، بأن يبين ما يزرع؛ لأن حال المزروع يختلف باختلاف الزرع، بالزيادة والنقصان، فرب زرع يزيد في الأرض، وآخر ينقصها. ومقتضى الاستحسان: أن بيان ما يزرع في الأرض ليس بشرط، إذ نص على المزارعة، فإن ما يزرع مفوض للعامل.
شرط المزروع: أن يكون قابلاً لعمل الزراعة: وهو أن يؤثر فيه العمل بالزيادة بحسب العادة.
شروط الخارج الناتج من الزرع: تشترط شروط إذا لم تتحقق فسد العقد وهي:
١ - أن يكون معلوماً في العقد؛ لأنه بمثابة الأجرة وجهالتها تفسد الإجارة.
٢ - أن يكون مشتركاً بين العاقدين: فلو شرط تخصصه بأحدهما فسد العقد.
٣ - أن يكون الناتج معلوم القدر كالنصف والثلث والربع ونحوه؛ لأن ترك التقدير يؤدي إلى الجهالة المفضية إلى المنازعة.
٤ - أن يكون الناتج جزءاً مشاعاً بين العاقدين، فلو شرط لأحدهما مقدار معلوم كأربعة أمداد أو بقدر البذر، لم يصح العقد، لجواز ألا ينتج إلا ذلك القدر.
ولا يصح أيضاً اشتراط كون الناتج على السواقي أو الجداول لأحدهما، لاحتمال ألا ينبت الزرع إلا في ذلك الموضع.
ولا يصح أيضاً اشتراط كون التبن لأحدهما، وللآخر الحب؛ لأن الزرع قد تصيبه آفة، فلا ينعقد الحب، ولا يخرج إلا التبن.
стр. 4555
واشترط المالكية تساوي العاقدين في قسمة الناتج، وأجاز الشافعية والحنابلة كالحنفية تفاوت العاقدين في الخارج الناتج.
شروط الأرض المزروعة: يشترط في الأرض المزروعة ما يأتي:
١ - أن تكون صالحة للزراعة: فلو كانت سبخة أو نزة، لا يجوز العقد؛ لأن المزارعة عقد استئجار ببعض الناتج، والسبخة والنزة لا تجوز إجارتها، فلا تجوز مزارعتها.
٢ - أن تكون معلومة: فإن كانت مجهولة لا تصح المزارعة؛ لأنها تؤدي إلى المنازعة.
٣ - التخلية بين الأرض والعامل، فتسلم إلى العامل مخلاة: وهو أن يوجد من صاحب الأرض التخلية بين الأرض وبين العامل، فلو شرط العمل على رب الأرض أو عليهما معاً، لا تصح المزارعة، لانعدام التخلية.
شرط محل العقد: أن يكون المعقود عليه في المزارعة مقصوداً بحسب العرف والشرع: أي من الأعمال الزراعية عرفاً وشرعاً، من حيث إنها إجارة أحد أمرين: إما منفعة عمل العامل: بأن كان البذر من صاحب الأرض. وإما منفعة الأرض: بأن كان البذر من العامل.
وإذا اجتمع الأمران في الاستئجار، فسدت المزارعة، وتفسد إذا كان العمل غير زراعي كقطع الأحجار ونقلها ورصف جوانب الطرقات مثلاً بالحجارة؛ لأنها ليست من أعمال المزارعة.
شرط آلة الزراعة: أن تكون الآلة من دابة أو آلة حديثة أمراً تابعاً في العقد، لا مقصوداً، فإن جعلت أمراً مقصوداً، فسدت المزارعة.