← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

أو بيع فاسد؛ لأن للعامل فيها أجر ما عمل، قلّ أو كثر، فلا ضرر عليه في الفسخ. ومثال التحول إلى الإجارة الفاسدة: اشتراط زيادة شيء معين أو عرض تجاري من صاحب البستان للعامل؛ لأنه يصبح المالك كأنه استأجر العامل على أن يعمل له في بستان بهذه الزيادة وبجزء من ثمرة البستان، وهي إجارة فاسدة توجب الرد لأجرة مثل أجر العامل ويحسب منها تلك الزيادة، ولا شيء للعامل من الثمرة، ولو بعد تمام العمل. فإن كانت الزيادة من العامل للمالك، فقد خرج العاقدان إلى بيع فاسد: هو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، إذ كأن العامل اشترى الجزء المسمى بما دفعه للمالك من الزيادة، وبأجرة عمله، فوجب له أجرة مثله، وأخذ ما دفعه، ولا شيء له من الثمرة. وإن لم يخرج المتعاقدان عن المساقاة لعقد آخر، بأن كان الفساد لضرر، أو لفقد شرط غير الزيادة المتقدمة، أو لوجود مانع، أو بسبب الغرر كالمساقاة على حوائط (بساتين) مختلفة، استمرت المساقاة بمساقاة المثل، كالمساقاة على ثمر بدا صلاحه وآخر لم يبد صلاحه، لاحتواء العقد على بيع ثمر مجهول (وهو الجزء المسمى للعامل) بشيء مجهول (وهو العمل)، وكاشتراط عمل المالك مع العامل بجزء من الثمرة أو مجاناً، وكاشتراط آلة أو دابة للمالك في بستان صغير، لأنه ربما كفاه ذلك، فيصير كأن العامل اشترط جميع العمل على المالك. ويجوز اشتراط الدابة على المالك في بستان كبير. وهذا التفصيل لابن القاسم. وقال ابن الماجشون: ترد إلى إجارة المثل في كل نوع من أنواع الفساد. وقال الشافعية والحنابلة (١): إذا خرج الثمر بعد العمل مستحقاً لغير المساقي المالك، كأن أوصى بثمر الشجر المساقى عليه، أو خرج الشجر مستحقاً، فللعامل

стр. 4587

على من ساقاه أجرة المثل لعمله، لأنه ضيّع عليه منافعه بعوض فاسد، فيرجع ببدلها على المالك، وإذا فسدت المساقاة، فللعامل أجرة مثله مقابل عمله، والثمر كله لصاحب الشجر، لأنه نماء ملكه. وتفسد المساقاة بجهالة نصيب كل واحد من العاقدين، أو اشتراط نصيب مجهول، أو دراهم معلومة، أو كمية معينة من الثمرة، أو شرط اشتراك المالك في العمل، أو عمل العامل في شيء آخر غير الشجر الذي ساقاه عليه. والخلاصة: أنه يجب باتفاق الفقهاء فسخ المساقاة الفاسدة إذا عرف الفساد قبل العمل. فإن شرع العامل بالعمل ثم اطلع على الفساد، يجب له عند الجمهور أجر المثل. كما يجب له الأجر عند المالكية إذا خرج المتعاقدان إلى عقد آخر، وإن لم يخرجا لعقد آخر، استمرت المساقاة بمساقاة المثل. المبحث الرابع - انتهاء المساقاة: تنقضي المساقاة عند الحنفية كالمزارعة بأحد أمور ثلاثة: انتهاء المدة المتفق عليها، موت أحد المتعاقدين، فسخ العقد إما بالإقالة صراحة أو بالأعذار، كما تفسخ الإجارة (١). ومن الأعذار: أن يكون العامل سارقاً معروفاً بالسرقة يخاف منه سرقة الثمر أو الأغصان قبل الإدراك؛ لأنه يلزم صاحب الأرض ضرر لم يلتزمه، فيفسخ به. ومن الأعذار أيضاً: مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل؛ لأن في إلزامه استئجار أجراء، زيادة ضرر عليه، ولم يلتزمه فيجعل عذراً. وفي اعتبار سفر

стр. 4588

العامل عذراً للفسخ روايتان، الصحيح أنه يوفق بينهما، كما في مرض العامل، فهو عذر إذا شرط عليه عمل نفسه، وغير عذر إذا أطلق العقد عن الشرط. وإذا مات العامل، كان لورثته تعهد الثمر حتى يدرك، وإن كره صاحب الشجر رعاية لمصلحة الجانبين. وإن مات المالك استمر العامل بعمله كما كان، وإن كره ورثة المالك. وإن مات العاقدان، كان الخيار في الاستمرار لورثة العامل، فإن أبى ورثة العامل الاستمرار في العمل، كان الخيار فيه لورثة صاحب الأرض. وإذا انقضت مدة المساقاة ولم ينضج الثمر، بأن كان فجاً، بقيت المساقاة استحساناً لوقت النضوج، ويخير العامل، إن شاء ترك وإن شاء عمل كما في المزارعة، ولكن بدون أجر، أي لا يجب على العامل أن يدفع للمالك أجر حصته إلى أن يدرك الثمر؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره، بخلاف المزارعة، حيث يجب على العامل أجر مثل الأرض؛ لأن الأرض يجوز استئجارها. ويكون العمل كله في المساقاة على العامل، وفي المزارعة على العاقدين، لأنه لما وجب أجر المثل للأرض في المزارعة بعد انتهاء المدة، لم يستحق العمل على العامل، كما كان يستحق عليه قبل انتهائها. وإن أبى العامل العمل، خير المالك أو ورثته بين أمور ثلاثة: إما أن يقتسم الثمر على حسب الشرط، وإما أن يعطي العامل قيمة نصيبه من الثمر، وإما أن ينفق على الثمر حتى يبلغ أو ينضج، ثم يرجع بالنفقة بقدر حصة العامل من الثمر؛ لأنه ليس للعامل إلحاق الضرر بغيره. لكن قال الزيلعي: الرجوع على العامل بالنفقة بنسبة حصته فقط: فيه إشكال، وكان ينبغي أن يرجع عليه بجميع النفقة؛ لأن العامل إنما يستحق بالعمل، وكان العمل كله عليه، فلو رجع عليه بحصته فقط، أدى الرجوع إلى استحقاق العامل بلا عمل في بعض المدة.

стр. 4589

وقال المالكية (١): المساقاة عقد موروث، ولورثة المساقي أن يأتوا بأمين يعمل إن لم يكونوا أمناء، وعلى المالك العمل إن أبى ورثة العامل من العمل من تركته. ولا تنفسخ المساقاة إذا كان العامل لصاً أو ظالماً أو عجز عن العمل، وعلى العامل استئجار من يعمل، أو يستأجر من حظه من الثمر إن لم يكن له شيء؛ لأن المساقاة عندهم عقد لازم، لا يفسخ بالأعذار، فليس لعاقد فسخها بعد العقد، دون الآخر ما لم يتراضيا عليه. وقال الشافعية (٢): لاتنفسخ المساقاة بالأعذار، فلو ثبتت خيانة عامل مثلاً، ضم إليه مشرف إلى أن يتم العمل؛ لأن العمل واجب عليه. فإن لم يتحفظ عن الخيانة بالمشرف، أزيلت يده بالكلية، واستؤجر عليه من مال العامل من يتم العمل، لتعذر استيفاء العمل الواجب عليه منه. وتنتهي المساقاة عند الشافعية بانقضاء المدة، فإذا انقضت المدة كعشر سنين مثلاً، ثم ظهرت ثمرة السنة العاشرة لم يكن للعامل فيها حق؛ لأنها ثمرة حدثت بعد انقضاء العقد. وإذا ظهرت الثمرة، ولم تكتمل، قبل انقضاء المدة كأن صارت طَلْعاً (٣) أو بلحاً، تعلق بها حق العامل؛ لأنها حدثت قبل انقضاء المدة، ويجب على العامل تمام العمل. وتنفسخ المساقاة بموت العامل إذا كانت على عين (ذات) العامل كالأجير المعين، ولا تنفسخ بموت المالك في أثناء المدة، بل يتم العامل العمل ويأخذ نصيبه،

стр. 4590

لكن إذا ساقى المورث من يرثه ثم مات المورث، فإن المساقاة تنفسخ؛ لأنه أي الوارث لا يكون عاملاً لنفسه. وإذا التزم العامل المساقاة في ذمته، ثم مات قبل تمام العمل، وخلّف تركة، أتم الوارث العمل منها، لأنه حق وجب على مورثه، فيؤدَّى من تركته كغيره من الحقوق. وللوارث أن يتم العمل بنفسه أو بماله، وعلى المالك تمكينه من العمل إن كان الوارث عارفاً بعمل المساقاة أميناً، وإلا استأجر الحاكم من التركة عاملاً كفئاً. فإن لم يخلف العامل تركة، لم يقترض عليه؛ لأن ذمته خربت بالموت. وبه يتبين أن المساقاة في الذمة لا تنتهي عند الشافعية بموت أحد العاقدين، فإذا مات المالك أو العامل، استمر العامل بعمله. ولا تنتهي المساقاة بخيانة العامل ولا بهربه أو حبسه أو مرضه قبل تمام العمل، لكن في حال الخيانة يضم إليه مشرف آخر يراقبه، وفي حال الحبس ونحوه يستأجر عليه الحاكم من يتم العمل على حسابه. وإذا اختلف المالك والعامل في مقدار الثمرة المشروطة لكل منهما، حلف كل منهما يميناً على إثبا ت دعواه ونفي دعوى خصمه، لأن كلاً منهما منكر لدعوى الآخر، فإذا تحالفا انفسخ عقد المساقاة، وكان الثمر كله للمالك، وللعامل أجرة مثله. وقال الحنابلة (١): المساقاة كالمزارعة عقد جائز غير لازم، فيجوز لكل طرف فيها فسخها. فإن فسخت المساقاة بعد ظهور الثمرة، كانت الثمرة بينهما (أي بين المالك والعامل) على حسب الشرط المتفق عليه في العقد. لأنها (أي الثمرة) حدثت على ملكهما.

стр. 4591

ويملك العامل كالمالك حصته من الثمرة بالظهور. ويلزم العامل تمام العمل في المساقاة، كما يلزم المضارب بيع العروض التجارية إذا فسخت المضاربة. وهذا موافق لما قال الشافعية. ولا تنفسخ المساقاة بموت العامل، فإن مات العامل قام وارثه مقامه في الملك والعمل؛ لأنه حق ثبت للمورث وعليه، فكان لوارثه. فإن أبى الوارث أن يأخذ ويعمل، لم يجبر، ويستأجر الحاكم من التركة من يعمل، فإن لم تكن له تركة، أو تعذر الاستئجار منها، بيع من نصيب العامل مايحتاج إليه لتكميل العمل واستؤجر من يعمله. وإن فسخ العامل، أو هرب قبل ظهور الثمرة، فلا شيء له، لأنه قد رضي بإسقاط حقه، مثل عامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح، وعامل الجعالة إذا فسخ قبل تمام عمله. لكن إن فسخ المالك المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعد شروع العامل في العمل، فعليه للعامل أجر مثل عمله، بخلاف المضاربة؛ لأن الربح في المضاربة لا يتولد من المال بنفسه وإنما يتولد من العمل، ولم يحصل بعمله ربح، والثمر في المساقاة متولد من عين الشجرة، وقد عمل العامل على الشجر عملاً مؤثراً في الثمر فكان لعمله تأثير في حصول الثمر وظهوره بعد الفسخ. وإن مات العامل والمساقاة على عينه (ذاته)، أو جنّ، أو حجر عليه لسفه انفسخت المساقاة، كما قال الشافعية. أما لو مات المالك أو جنّ، أو حجر عليه لسفه، فتفسخ المساقاة، خلافاً للشافعية.

стр. 4592

وفي حالة العذر عند الحنابلة مع عدم الفسخ: إن عجز العامل عن العمل لضعفه مع أمانته، ضم إليه غيره، ولا ينزع من يده، كما قرر الشافعية؛ لأن العمل مستحق عليه، ولا ضرر في بقاء يده عليه، وإن عجز بالكلية، أقام المالك مقامه من يعمل، والأجرة عليه في الحالتين لأن عليه توفية العمل. وتنتهي المساقاة بمضي المدة المتفق عليها إن قدرت مدة عند الحنابلة أي كما قرر باقي المذاهب، لكن إن ساقى المالك إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالباً، فلم تحمل الثمرة تلك السنة، فلا شيء للعامل، كالمضاربة. العقد الثالث - المغارسة أو المناصبة: تعريفها، وحكمها عند الفقهاء: أولا - تعريف المغارسة: هي أن يدفع الرجل أرضه لمن يغرس فيها شجراً (١) وعرفها الشافعية: بأن يسلم إليه أرضاً ليغرسها من عنده، والشجر بينهما (٢). وتسمى عند أهل الشام المناصبة، أو المشاطرة؛ لأن الشجيرة الغرسة تسمى عند العامة نصباً، أي منصوباً، ولأن الناتج يقسم بينهما مناصفة لكل واحد منهما الشطر. ثانياً - حكم المغارسة عند الفقهاء: المغارسة المختلف فيها بين الفقهاء، هي التي يقسم فيها الشجر والأرض نصفين بين المالك والعامل، فمنعها الجمهور وأجازها المالكية بشروط. فإن كان

стр. 4593

الاشتراك فيها في الشجر فقط، فهي جائزة عند الحنفية والحنابلة، ولا تجوز عند المالكية، وممنوعة في الحالتين عند الشافعية، لعدم الحاجة إليها. قال الحنفية (١): من دفع أر ضاً بيضاء (أي لا شجر ولازرع فيها) سنين معلومة، يغرس فيها شجراً، على أن تكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين، لم يجز، لثلاثة أوجه: أولها: لاشتراط الشركة فيما كان موجوداً قبل الشركة، وهو الأرض، لا بعمل العامل، فكان ذلك في معنى قفيز الطحان (٢) المنهي عنه (٣). وقال صاحب الهداية عن هذا الوجه: إنه أصحها، لأنه - كما قال صاحب العناية - نظير من استأجر صباغاً ليصبغ ثوبه، على أن يكون نصف المصبوغ للصباغ، وهو مفسد للعقد، فهو شركة فاسدة. وثاني الأوجه التي عللوا بها الفساد: أن المالك جعل نصف الأرض عوضاً عن جميع الأغراس، ونصف الخسارة عوضاً لعمل العامل، فصار العامل مشترياً نصف الأرض بالغراس المجهول المعدوم عند العقد، فيفسد العقد. وهذا الوجه رجحه ابن عابدين؛ لأن كون المغارسة في معنى (قفيز الطحان) لا يضر، إذ هو جار في معظم مسائل المزارعة والمعاملة (المساقاة)، ولهذا قال الإمام بفسادهما، وترك صاحباه القياس استدلالاً بمعاملة النبي ﷺ أهل خيبر، وهذا هو الأولى، فهو شراء فاسد.

стр. 4594

وثالث الأوجه: أن المالك استأجر أجيراً ليجعل أرضه بستاناً مشجراً بآلات الأجير، على أن يكون له نصف البستان الذي يظهر بعمله، وهو مفسد للعقد؛ لأنها إجارة بأجر مجهول وغرر، فهي إجارة فاسدة. وإذا فسدت المغارسة، كان جميع الثمر والغرس لصاحب الأرض، وللغارس قيمة غرسه يوم الغرس، وأجرة مثله فيما عمل. وحيلة جواز المغارسة عند الحنفية: أن يبيع المالك نصف الأرض بنصف الغراس، ويستأجر رب الأرض العامل ثلاث سنين مثلاً، بشيء قليل، ليعمل في نصيبه. وصحح الحنفية أيضاً - كما في الفتاوى الخانية - كون المغارسة على الاشتراك في الشجر والثمر فقط، دون الأرض. وعبارة الشافعية (١) في حكم المغارسة: لا تصح المغارسة، إذ لا يجوز العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، ولأن الغرس ليس من عمل المساقاة، فضمه إليها يفسده، ويمكن تحقيق المقصود بالإجارة. أما المساقاة في الشجر، فلا يمكن عقد الإجارة عليه، فجوزت المساقاة للحاجة. والغرس الحاصل يكون للعامل، ويكون لرب الأرض أجرة مثلها على العامل، كما أن من زارع على أرض بجزء من الغلة، فعطل بعض الأرض، يلزمه أجرة ما عطل منها.

стр. 4595

وعبارة الحنابلة (١): إن دفع المالك للعامل على أن الأرض والشجر بينهما، فالمعاملة فاسدة وجهاً واحداً، لأنه شرط اشتراكهما في الأصل (الأرض والشجر) ففسد، كما لو دفع إليه الشجر أو النخل، ليكون الأصل والثمرة بينهما، أو شرط في المزارعة كون الأرض والزرع بينهما، وحينئذ يكون للعامل أجر المثل. لكن إن ساقاه على شجر يغرسه، ويعمل فيه حتى يحمل، ويكون للعامل جزء من الثمرة معلوم، صح؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر، ونصيبه يقل. هذه أقوال الجمهور (المذاهب الثلاثة) المانعة من صحة المغارسة، حفاظاً على حقوق العاقدين، ولكثرة الجهالة الناجمة عن انتظار نمو الشجر، وللاشتراك في الأصل، كاشتراك الشريكين في رأس المال في شركة المضاربة، ولأن الغرس ليس من أعمال المساقاة، على النحو المشروع في السنة النبوية، كما لا تصح المساقاة على صغار الشجر إلى مدة لا يحمل فيها غالباً. وقال المالكية (٢): العمل لإنماء الشجر يتم إما بالإجارة: وهو أن يغرس العامل للمالك بأجرة معلومة، وإما بالجعالة: وهو أن يغرس له شجراً على أن يكون له نصيب فيما ينبت، وإما بالمغارسة. و تصح المغارسة (وهو أن يغرس العامل على أن يكون له نصيب من الشجر والثمر ومن الأرض) بخمسة شروط، وهي: ١ - أن يغرس العامل في الأرض أشجاراً ثابتة الأصول، دون الزرع والمقاثي والبقول.

стр. 4596

٢ - أن تتفق أصناف الشجر، أو تتقارب، في مدة إطعامها (إثمارها) فإن اختلفت اختلافاً بيناً، لم يجز. ٣ - ألا يكون أجلها إلى سنين كثيرة، فإن حدد لها أجل إلى ما فوق الإطعام (إنتاج الثمرة)، لم يجز، وإن كان دون الإطعام، جاز، وإن كان إلى الإطعام، فقولان. ٤ - أن يكون للعامل حظه من الأرض والشجر، فإن كان له حظه من أحدهما خاصة، لم يجز، إلا إن جعل له مع الشجر مواضعها على الأرض، دون سائر الأرض. ٥ - ألا تكون المغارسة في أرض محبسة (موقوفة) لأن المغارسة كالبيع. ويلاحظ أنه يمنع في المغارسة والمساقاة والمزارعة عند المالكية شيئان: الأول - أن يشترط أحدهما لنفسه شيئاً دون الآخر، إلا اليسير. الثاني - اشتراط السلف أو السلَم، كأن يقول له: أسلفت إليك في مئة دينار أن تغرس الغرس أو يأمره بقلعه. والخلاصة: أن المغارسة تصح إذا كان للعامل جزء معين من الثمرة فقط، كالمساقاة، كما ذكر الحنابلة، وتصح المغارسة أيضاً إذا غرس العامل غرساً على أن تكون الأغراس والثمار بينهما كما أبان الحنفية، ويمكن تصحيح المغارسة على الاشتراك في الأرض والشجر معاً، بواسطة عقدي البيع والإجارة، كأن يبيع المالك نصف الأرض بنصف الغراس، ويستأجر المالك العامل مدة كثلاث سنين مثلاً، بشيء يسير ليعمل في نصيبه، كما ذكر الحنفية. وصحح المالكية المغارسة بشروط، وأبطلها الشافعية لعدم الحاجة إليها.

стр. 4597

الفَصْلُ السّادس: اتّفاق القسمة وفيه نوعان: الأول - في قسمة الأعيان، والثاني - في قسمة المنافع (المهايأة) وكل منهما يرد على الأموال المشتركة. النَّوع الأوَّل: قسمة الأعيان أو الرّقاب تسمى قسمة الأعيان أي الذوات قسمة رقاب أيضاً. وفيه ستة مباحث: المبحث الأول - تعريف القسمة ومشروعيتها وركنها وصفتها. المبحث الثاني - أنواع القسمة. المبحث الثالث - شروط القسمة. المبحث الرابع - كيفية القسمة. المبحث الخامس - القاسم. المبحث السادس - أحكام القسمة.

стр. 4598

المبحث الأول - تعريف القسمة ومشروعيتها وركنها وصفتها: أولاً - تعريف القسمة: القسمة لغة: هي إفراز النصيب، أو التفريق. وشرعاً لها تعاريف متقاربة عند الفقهاء، فقال الحنفية: القسمة: جمع نصيب شائع في مكان معيّن، أو مخصوص (١)، وعرفتها المادة (١١١٤) مجلة بقولها: «القسمة: هي تعيين الحصة الشائعة، يعني إفراز الحصص بعضها من بعض بمقياس ما كالذرع والوزن والكيل» أو هي عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض، ومبادلة بعض ببعض؛ لأن نصيب كل شريك أو ملكه منتشر في جميع أجزاء الشيء المقسوم، فإذا حدثت القسمة، وقع في حصته جزء مملوك له، وجزء مملوك لصاحبه شائعاً في كل الأجزاء، فتتم المبادلة بين الشريكين بتنازل كل واحد منهما عن نصف نصيبه بعوض: وهو نصف نصيب صاحبه (٢). ومعنى المبادلة أي (أخذ عوض حقه) واضح في القسمة الرضائية، أما القسمة الجبرية فتحدث بناء على طلب الشريكين للقاضي، يتضمن رضاهما بالمبادلة. فالقسمة تتضمن معنى المبادلة؛ لأن ما يؤول لأحدهما، بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه، فهو يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في نصيب صاحبه، فكان ذلك مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه، والإفراز هو الظاهر في المكيلات والموزونات لعدم التفاوت، والمبادلة هي الظاهر في غير المكيل والموزون للتفاوت، ويجوز الإجبار على المبادلة كما في بيع مال المدين. وعرف المالكية القسمة بما يقارب تعريف الحنفية، فقالوا: هي تعيين نصيب

стр. 4599

كل شريك في مشاع (عقار أو غيره)، ولو كان التعيين باختصاص تصرف فيما عين له، مع بقاءالشركة في الذات، وهذا التعريف يشمل عندهم أنواع القسمة الثلاثة: قسمة المهايأة، وقسمة المراضاة، وقسمة القرعة (١). وعرفها الشافعية والحنابلة (٢) بأوضح تعريف في تقديري، فقالوا: القسمة: تمييز بعض الأنصباء عن بعض، وإفرازها عنها، بتجزئة الأنصباء بالكيل أو غيره. ثانياً - مشروعية القسمة: أجمع العلماء على جواز القسمة لثبوت شرعيتها في القرآن والسنة: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر﴾ [القمر:٢٨/ ٥٤] يدل على جواز قسمة المهايأة، وقوله سبحانه: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء:٨/ ٤] الوارد في قسمة التركة، وقوله سبحانه في قسمة الغنائم: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول .. ﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] ولا يعلم هذا الخمس عن الأربعة الأخماس المستحقة للغانمين إلا بالقسمة. وأما السنة: فقد قسم النبي ﷺ غنائم خيبر وحنين بين الغانمين، وقسم المواريث (٣)، مما يدل على الإباحة. ويؤيده حاجة الناس إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف المستقل في حصته، وليتخلص من سوء المشاركة، وكثرة الأيدي (٤).

стр. 4600

ثالثاً - ركن القسمة وسببها وشرط لزومها: ركن القسمة: هو الفعل الذي يحصل به الإفراز والتمييز بين الأنصباء، ككيل وذرع، وسببها: طلب الشركاء أو بعضهم الانتفاع بملكه على وجه الخصوص، فلو لم يطلبوا لا تصح القسمة. وشرط لزومها بطلب أحد الشركاء: عدم فوت المنفعة بالقسمة، أي عدم إبطال فائدة الشيء المتعارفة، فلا يقسم مثلاً الحائط والحمام والبيت الصغير (١). رابعاً - صفة القسمة: تتردد صفة القسمة عند الفقهاء بين وصفين: الإفراز أو التمييز، والبيع أو المبادلة. فقال الحنفية (٢): تشتمل القسمة مطلقاً (في المثليات أو القيميات) على وصفين: هما الإفراز: وهو أخذ عين حقه، والمبادلة: وهو أخذ عوض حقه. والسبب في اشتمالها على معنى المبادلة: أن ما يأخذه كل شريك، بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه، فهو يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في حصة صاحبه، فتكون القسمة مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه. والإفراز: هو الظاهر الغالب في المثليات، أي المكيلات والموزونات وما في حكمها: وهي الذرعيات والعدديات المتقاربة كالجوز والبيض، لعدم التفاوت بين أجزائها، حتى كان لأحد الشريكين أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه. والمبادلة: هي الظاهر الغالب في غير المثليات أي القيميات كالحيوانات

стр. 4601

والدور وأصناف العروض التجارية، للتفاوت بين أفرادها، حتى لا يكون لأحد الشريكين أخذ نصيبه عند غيبة صاحبه (١). إلا أنه إذا كانت الأشياء المشتركة متحدة الجنس، جازت القسمة الجبرية، أي يجبر القاضي على القسمة عند طلب أحد الشركاء؛ لأن فيها معنى الإفراز، ويصح الجبر في المبادلة، كما هو المقرر في حالة بيع ملك المدين، لوفاء دينه. وإن كانت الأشياء المشتركة أجناساً مختلفة، لم تجز القسمة الجبرية، فلا يجبر القاضي على القسمة، لتعذر المعادلة. وتجوز القسمة الرضائية حينئذ؛ لأن الحق للشركاء. وقال المالكية (٢): قسمة المراضاة: وهي التي تتم بلا قرعة كالبيع، وقسمة القرعة: تمييز حق في مشاع بين الشركاء، لا بيع، وقسمة المهايأة في المنافع كالإجارة. وقال الشافعية (٣): القسمة إفراز النصيبين وتمييز الحقين إلا إذا كان في القسمة رد، أي تعويض (أورد مال أجنبي عن المقسوم)، فهي بيع، كأن يكون في أحد جانبي الأرض المشتركة بئر أو شجر مثلاً، لا يمكن قسمته، فيرد من يأخذه بالقسمة بالقرعة قسط قيمة البئر أو الشجر، في المثال المذكور. وكذلك تكون القسمة بيعاً إذا كانت بالتعديل للسهام (وهي الأنصباء)

стр. 4602

بالقيمة، كأرض تختلف قيمة أجزائها بقوة إنبات أو قرب ماء، وتكون الأرض بينهما نصفين، ويساوي ثلث الأرض مثلاً لجودته ثلثيها، فيجعل الثلث سهماً، والثلثان سهماً. وهذا الرأي أدق ما عرفته من المذاهب. وقال الحنابلة (١): القسمة: إفراز حق وتمييز أحد النصيبين من الآخر، وليست بيعاً؛ لأنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك، ولا تجب فيها الشفعة، ويدخلها الإجبار، وتلزم بإخراج القرعة، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر، والبيع لا يجوز فيه شيء من ذلك، ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها، فلم تكن بيعاً كسائر العقود. وفائدة الخلاف: أنها إذا لم تكن بيعاً، جازت قسمة الثمار خرصاً، والمكيل وزناً، والموزون كيلاً، والتفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض في البيع، وإن قلنا: هي بيع، انعكست هذه الأحكام. لكن إذا كانت القسمة رداً، أي رد عوض عما حصل لشريك من حق شريكه، فتكون بيعاً فيما يقابل الرد (أي العوض الذي رد من أحدهما على الآخر)، وإفرازاً في الباقي. والخلاصة أن القسمة عند الحنابلة إفراز، إلا إذا كانت قسمة رد، فتكون بيعاً فيما يقبل الرد. المبحث الثاني - أنواع القسمة: للقسمة أنواع في المذاهب الفقهية، إذ كل مذهب ينظر إلى القسمة من جانب فقال الحنفية (٢): القسمة نوعان:

стр. 4603

١ - قسمة جبرية: وهي التي يتولاها القاضي، بطلب أحد الشركاء. ولو قسم القاضي أو نائبه بالقرعة، فليس لبعض الشركاء الإباء بعد خروج بعض السهام (١). ٢ - قسمة رضائية: وهي التي يفعلها الشركاء بالتراضي، وهي تعتبر عقداً من العقود، ركنها ككل عقد: هو الإيجاب والقبول، ومحلها: العين المشتركة التي يجوز الاتفاق على قسمتها (٢). و كل واحد منهما على نوعين: ١ - قسمة تفريق أو فرد: وهي تخصيص كل شريك بحصة جزئية معينة من المال المشترك، كقسمة دار كبيرة بين شريكين أو ثلاثة، يختص كل واحد منهم بنصف أو بثلث. وهي تحدث في كل ما لا ضرر في تبعيضه بالشريكين كالمكيل والموزون والعددي المتقارب، سواء قسمة رضا أو قسمة جبر. ٢ - وقسمة جمع: وهي أن يجمع نصيب كل شريك في عين على حدة (٣)، كأن يكون الشيء المشترك أقطاناً بين شريكين، فيتقاسمان، على أن يختص أحدهما بكمية منها والآخر بالباقي. وهي جائزة في جنس واحد، ولا تجوز في

стр. 4604

جنسين مختلفين، فتصح في المثليات وهي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة كأصناف الحنطة، ولا تصح في جنسين من المكيل والموزون والمذروع والعددي كالحنطة والشعير، والقطن والحديد، والجوز واللوز، واللآلئ واليواقيت. وتصح بين أفراد الإبل، أو أفراد البقر، أو أفراد الغنم، أي في ضمن الجنس الواحد، والتفاوت القليل ملحق بالعدم. ولا تصح بين خيل وإبل، أو بين بقر وغنم، لاختلاف الجنس، فيتضرر أحدهما. ولا تقسم الدور والأراضي المتعددة عند أبي حنيفة قسمة جمع منعاً للضرر، لوجود التفاوت الفاحش بين دار ودار، وأرض وأرض، بسبب اختلاف البناء والبقاع، فتعتبر في حكم جنسين مختلفين. وعند الصاحبين: تجوز قسمة الدور والأراضي قسمة جمع، ويعدل ما فيها من التفاوت بالقيمة. ولا تقسم الدار والضيعة (الأرض)، أو الدار والحانوت المشتركتان قسمة جمع باتفاق الحنفية، بل يقسم كل واحد على حدة، لاختلاف الجنس. وقال المالكية (١): قسمة الرقاب أو الأعيان نوعان: قسمة مراضاة وقسمة قرعة. أما قسمة المراضاة: فهي أن يتراضيا على أن كل واحد يأخذ شيئاً مما هو مشترك بين الشريكين، يرضى به بلا قرعة. وهي كالبيع، فمن رضي بشيء منه،

стр. 4605

ملك ذاته، وليس له رده إلا بتراضيهما كالإقالة، ولا رد فيها بالغبن إلا إذا أدخلا بينهما مقوماً. وتصح في متحد الجنس كالثياب، أو في مختلف الجنس كثوب ودابة. وأما قسمة القرعة: فهي تمييز حق مشاع بين الشركاء، لا بيع. فيرد فيها بالغبن، ولا بد فيها من مقوم، ويجبر عليها من أباها، ولا تكون إلا فيما تماثل أو تجانس، ولا يجوز فيها الجمع بين حظ اثنين. وقال الشافعية (١): القسمة ثلاثة أنواع؛ لأن المقسوم إن تساوت الأنصباء منه صورة وقيمة فهو الأول، وإلا، فإن لم يحتج إلى رد شيء فالثاني، وإلا فالثالث. ١ - قسمة الإفراز (أو قسمة الأجزاء أو قسمة المتشابهات): وهي إفراز حق كل من الشركاء، فهي تمييز للحق لا بيع. وتحدث فيما لا ضرر فيه، كالمثليات من حبوب ودراهم وأدهان، ودور متفقة الأبنية، وأرض مستوية الأجزاء. ويجري فيها الإجبار، فيلزم الشريك بالقسمة بطلب شريكه، إذ لا ضرر عليه فيها، فيجزأ ما يقسم كيلاً في المكيل، ووزناً في الموزون، وذرعاً في المذروع، وعدّاً في المعدود بعدد الأنصباء إن استوت. ثم بعدئذ يقرع بين الأنصباء لتعيين كل نصيب منها لأحد الشركاء. ٢ - قسمة التعديل للسهام: وهي أن تعدل الأنصباء المختلفة بالقيمة، لتحقيق المساواة بين الشركاء، كأرض تختلف قيمة أجزائها بسبب قوة إنبات، أو قرب ماء ونحوهما، أو يختلف جنس ما فيها، كبستان بعضه نخل، وبعضه عنب. فإذا كانت الأرض مناصفة بين شريكين، وكانت قيمة ثلثها المشتمل على ما ذكر كقيمة الثلثين الباقيين، فيجعل الثلث سهماً، والثلثان سهماً، ويقرع بينهما كما سبق.

стр. 4606

ويجري فيها الإجبار، فيلزم الشريك بالقسمة بطلب شريكه، كما في النوع الأول، فإن أمكن قسم الجيد وحده، والرديء وحده، لم يجبر الشريك على التعديل. ويجبر الشريكان على هذه القسمة في منقولات متحدة القيمة، مختلفة الصفة، كثياب من نوع واحد، كما يجبران عليها في نحو دكاكين صغيرة متلاصقة، متماثلة الأعيان أو الذوات، للحاجة إلى القسمة، بخلاف نحو الدكاكين الكبيرة، أو الصغيرة غير المتلاصقة لشدة اختلاف الأغراض، أو المقاصد باختلاف المحالّ والأبنية. ٣ - قسمة الرد: وهي التي تحتاج إلى رد مال أجنبي عن ذات المقسوم، كأن يكون بأحد جانبي الأرض المشتركة بئر أو شجر مثلاً، لا يمكن قسمته، فيردّ من يأخذه بالقسمة الناتجة عن القرعة قسط قيمة البئر أو الشجر. فلو كانت قيمة البئر أو الشجر ألفاً، وحصته النصف، رد الآخذ خمس مئة. ولا يجري فيها الإجبار. ويعتبر النوع الأول إفرازاً للحق، لا بيعاً، والنوعان الآخران بيعاً. وبه يتبين أن القسمة عند الشافعية كغيرهم نوعان رئيسيان: قسمة إجبار، وقسمة تراض. وقال الحنابلة (١) كما قال الحنفية: القسمة نوعان: ١ - قسمة تراض: لا تجوز إلا برضا الشركاء كلهم: وهي التي فيها ضرر، ورد عوض من أحدهما على الآخر، كالدور الصغيرة، والحمام والطاحون الصغيرين، والدكاكين اللطاف الضيقة. ولا إجبار فيها، فإن طلب أحد الشريكين

стр. 4607

قسمة بعضها في مقابلة بعض، لم يجبر الآخر؛ لأن كل عين منها تختص باسم وصورة. وهي تشبه قسمة الرد عند الشافعية، بدليل أن الحنابلة قالوا: كل ما لا يمكن قَسْمه بالأجزاء، أو التعديل، لا يقسم بغير رضا الشركاء كلهم. وحكم قسمة التراضي كالبيع، أي كما قال الشافعية؛ لأن صاحب الزائد بذل المال عوضاً عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع، والبيع محصور فيما يقابل الرد (أي العوض الذي رد من أحدهما على الآخر) وإفراز في الباقي، كما تبين في صفة القسمة. وإذا كانت هذه القسمة بيعاً، فلا يجوز فيها ما لا يجوز في البيع، ولا يجبر عليها الممتنع منها، لحديث ابن عباس مرفوعاً: «لا ضرر ولا ضرار» (١). ٢ - وقسمة الإجبار: ما لا ضرر فيها على الشريكين، ولا على أحدهما، ولا رد عوض، كأرض واسعة وقريبة، وبستان ودار كبيرة، ودكان واسع ونحوها، سواء أكانت متساوية الأجزاء أم لا. وتحدث إن أمكن قسمتها بتعديل السهام من غير شيء يجعل معها، فإن لم يمكن تعديل السهام إلا بجعل شيء معها، فلا إجبار، لأنه معاوضة، فلا يجبر عليها من امتنع منها، كسائر المعاوضات. ومن أمثلتها: قسمة مكيل أو موزون من جنس واحد، كدهن من زيت وسيرج وغيرهما، ولبن ودبس وخل وتمر وعنب ونحوهما، وسائر الحبوب والثمار المكيلة. وإذا طلب أحد الشركاء القسمة في المذكورات وأبى الشريك الآخر، أجبر الممتنع، ولو كان ولياً على صاحب الحصة؛ لأنه يتضمن إزالة الضرر

стр. 4608

الحاصل بالشركة، وحصول النفع للشريكين، فيمكنهما التصرف بالحصص، أو الاستثمار بأي طريق يختاره الشريك. المبحث الثالث - شروط القسمة: فيه مطلبان: الأول - في شروط قسمة التراضي، والثاني - في شروط قسمة الإجبار. المطلب الأول - شروط قسمة التراضي: اشترط الحنفية شروطاً في قسمة التراضي هي ما يأتي (١): ١ - أهلية المتقاسمين: وهي العقل فقط، فلا يجوز قسمة المجنون والصبي الذي لا يعقل (غير المميز)؛ لأن القسمة عقد متردد بين الضرر والنفع وفيها معنى البيع، فيشترط فيها ما يشترط في البيع. ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، فتجوز قسمة الصبي العاقل (المميز) بإذن وليه، كما لا يشترط الإسلام والذكورة والحرية لجواز القسمة، فتجوز قسمة الذمي والمرأة والعبد المكاتب والمأذون، لجواز البيع منهم. ٢ - الملك أو الولاية: فلا تجوز القسمة بدونهما. أما الملك: فهو أن يكون القاسم مالكاً عين ما يقسمه وقت القسمة، فيقسمه الشركاء بالتراضي، فإن لم يكن المقسوم مملوكاً للقاسم، لا تجوز القسمة؛ لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء، ومبادلة البعض، وكل ذلك لا يصح إلا في الشيء

стр. 4609

المملوك (١). وبناء عليه: لا تصح عند الحنفية قسمة الديون المشتركة قبل القبض؛ لأنها لا تملك إلا بالقبض؛ لأن الدين في حكم المعدوم، ووجوده اعتباري، والمقسوم يشترط فيه كونه عيناً. ويترتب عليه أيضاً أن قسمة الفضولي موقوفة على الإجازة قولاً أو فعلاً. وأما الولاية: فهي ولاية القرابة المالية، بأن يكون القاسم ذا ولاية مالية على الصغير والمجنون والمعتوه، وهو الأب ووصيه، والجد ووصيّه. والقاعدة في هذه الولاية: أن كل من له ولاية البيع، فله ولاية القسمة، ومن لا فلا، ولهؤلاء ولاية البيع، فلهم ولاية القسمة. وأما وصي الأم، ووصي الأخ والعم، فيقسم المنقول، دون العقار؛ لأن له ولاية بيع المنقول، دون العقار. ولا يقسم وصي الميت على الموصى له، لانعدام ولايته عليه، وكذا لا يقسم الورثة عليه، لانعدام ولايتهم عليهم؛ لأن الموصى له كواحد من الورثة. وكذا لا يقسم بعض الورثة على بعض، لانعدام الولاية فيما بينهم. ٣ - حضور الشركاء أو نوابهم: فلا تصح القسمة على غائب، وتنقض القسمة، لو اقتسم الشركاء، وأحدهم غائب. هذا في قسمة التراضي. أما في قسمة القاضي، فتنفذ القسمة ولا تنقض. ٤ - رضا الشركاء فيما يقسمونه بأنفسهم: إذا كانوا من أهل الرضا أو رضا من يقوم مقامهم. فإن لم يوجد الرضا لا تصح القسمة، فلو كان في الورثة صغير لا وصي له، أو كبير غائب، فاقتسموا فالقسمة باطلة؛ لأن القسمة فيها معنى

стр. 4610

البيع، كما تقدم، وقسمة الرضا - عند الحنفية - أشبه بالبيع، وكما لا يصح البيع إلا بالتراضي، لا تصح القسمة إلا به. وإذا لم يكن شريك من أهل الرضا، كالصبي والمجنون، قام وليه أو وصيه مقامه. وإذا لم يكن للصغير ونحوه ولي ولا وصي، كان موقوفاً على أمر الحاكم، فينصب وصي من طرف الحاكم ليقسم بمعرفته (١). وكذلك قال الشافعية (٢): يشترط في قسمة التراضي بأنواعها من رد وغيره رضا الشركاء حتى بعد خروج القرعة، ولو ثبت بحجة غلط أو حيف في قسمة الإجبار أو قسمة التراضي التي تكون بالإفراز، نقضت القسمة بنوعيها، فإن كانت بالتعديل أو بالرد، لم تنقض، لأنها بيع. المطلب الثاني - شروط قسمة الإجبار أو التقاضي: يشترط لقسمة القضاء أو القسمة الجبرية ما يأتي: الشرط الأول - طلب أحد الشركاء أو كلهم من القاضي قسمة المشترك: فلا تجوز القسمة من غير طلب أصلاً؛ لأنها تصرف في ملك الآخرين، وهو أمر محظور شرعاً (٣). وإذا طلب شريك وأبى الآخر، يقسم الشيء المشترك جبراً بين الشركاء إذا كان قابلاً للقسمة (٤) دفعاً للضرر، كالتملك بالشفعة دفعاً لضرر الشفيع.

стр. 4611

فإن لم يكن قابلاً للقسمة، تناوب الشركاء في الانتفاع بطريق المهايأة. والخلاصة: أنه تجب القسمة عند الطلب، إلا إذا كان الطالب قاصداً الضرر، فلا تجب، كما سيبين في الشرط الثاني. الشرط الثاني - ألا يترتب على القسمة ضرر: وهذه في قسمة التفريق، لأنه إذا كان في القسمة ضرر لم تتحقق المنفعة المطلوبة من المال. ويتضح هذا الشرط في معرفة طبيعة المال، والمال في هذا الشأن نوعان (١): أـ إن كان المال مما لا ضرر في تبعيضه أو تجزئته، بل فيه منفعة للشريكين، كالمكيل والموزون والعددي المتقارب، فتجوز قسمة التفريق قسمة جبر، ويجبر القاضي من أبى من الشركاء على قبولها تحقيقاً لمصلحة الطرفين. ب - وإن كان في القسمة ضرر: فإن أضرّت بكل واحد من الشريكين لم تجز قسمة الجبر في المال المشترك كاللؤلؤ والياقوت والثوب الواحد والسرج والقوس والمصحف الكريم، والخيمة والحائط، والحمام والبيت، أو الحانوت الصغير، والفرس والجمل والشاة والبقرة؛ لأن الضرر يلحق بالشريكين معاً، والقاضي لا يملك الجبر على الإضرار. وأما إن أضرّت القسمة بأحد الشريكين دون الآخر، كالأرض المشتركة بين شريكين ولأحدهما حصة قليلة، وللآخر الأكثر، فتجب القسمة إن طلبها صاحب الأكثر، إزالة للشيوع ومنعاً من الضرر، فهو ينتفع بنصيبه، فيجاب طلبه؛ لأن الحق لا يبطل بتضرر الغير. وإن طلبها صاحب الحصة القليلة: ففيه رأيان:

стр. 4612

رأي الحاكم الشهيد في مختصره الكافي: إنه يقسم المال المشترك، إذ لا ضرر على صاحب الكثير، بل له فيه منفعة، وصاحب القليل قد رضي بالضرر، حيث طلب القسمة، فيجبر على القسمة. ورأى القدوري في الكتاب: لا يقسم؛ لأن صاحب القليل متعنِّت في طلب القسمة، لكون القسمة ضرراً محضاً في حقه، فلا يعتبر طلبه، وقسمة الجبر لاتشرع بدون الطلب. وهذا هو الأصح. وإن كانت حصة كل من الشريكين قليلة، لم يقسم القاضي بينهما، إلا بتراضيهما؛ لأن الجبر على القسمة لتكميل المنفعة، وفي هذا تفويتها، وإنما تجوز القسمة بتراضيهما؛ لأن الحق لهما وهما أعرف بشأنهما (١). ومذهب الشافعية في قسمة الضرر والجبر قريب من مذهب الحنفية، قالوا (٢): إن ما عظم ضرر قسمته: إن بطل نفعه الحالي المقصود منه بالكلية كجوهرة وثوب نفيسين، منعهم الحاكم منها، وانتفعوابه مهايأة. وإن لم يبطل نفعه بالكلية، كأن ينقص نفعه كسيف يكسر، أو أبطل نفعه المقصود، كحمام وطاحونة صغيرين، لم يمنعهم ولم يجبهم إلى القسمة، لما فيه من إضاعة المال. ولو كان هناك مال مشترك بين اثنين، لأحدهما حصة قليلة، كعشر دار أو حمام، أو أرض، وللآخر الأكثر وهو الباقي، أجبر صاحب الأقل على القسمة، بطلب الآخر لا عكسه.

стр. 4613

وكذلك قال الحنابلة (١): يجبر الحاكم على القسمة إذا كان المال قابلاً للقسمة، وأمكن انتفاع الشريكين به مقسوماً، أي إنه يشترط لصحة القسمة عندهم ألا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر، لم يجبر الممتنع لقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». والضرر المانع من القسمة عند الشافعي وأحمد: هو أن تنقص قيمة نصيب كل شريك بالقسمة عن حال الشركة، سواء انتفعوا به مقسوماً أم لم ينتفعوا؛ لأن نقص قيمته ضرر، والضرر منفي شرعاً. وقال المالكية (٢): إن كان الشيء المشترك مما يحتمل القسمة بلا ضرر كالأرضين وغيرها، أجبر على القسمة من أباها، وإما إذا كان المال المشترك غير قابل للقسمة كحانوت وبيت صغير وسيف، فيباع ويوزع ثمنه بين الشريكين بحسب الحصة، ويجبر على البيع من أباه من الشركاء، بشروط أربعة وهي: ١ - أن تنقص حصة مريد البيع لو باعها مفردة عن حصة شريكه، فإن لم تنقص لو بيعت مفردة لم يجبر له الآبي عن البيع، لعدم الضرر، كما لا يجبر فيما يقبل القسمة، أي في المال المثلي. ٢ - ألا يلتزم رافض البيع لشريكه بتحمل فرق النقصان. ٣ - ألا يملك مريد البيع حصته مفردة: فإن ملكها مفردة، وأراد بيعها، وأبى صاحبه من البيع معه، لم يجبر على البيع معه، وعلى هذا فإن تملك الشريكان المال المشترك معاً بإرث أو شراء أو غيرهما، جاز إجبار الممتنع على البيع.

стр. 4614

٤ - ألا يكون المال المشترك متخذاً للاستغلال أي الكراء، أو مشترىً للتجارة فإن كان متخذاً للغلة، أو اشتروه للانتفاع في غير غلة ولو للتجارة على المعتمد، لم يجبر الآبي على البيع، مع من أراد البيع. الشرط الثالث - أن تكون القسمة عادلة، غير جائرة، لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء، ومبادلة البعض بالبعض، ومبنى المبادلات على المراضاة، فإذا وقعت جائرة لم يوجد التراضي، ولا إفراز النصيب على نحو كامل، لبقاء الشركة في جزء ما، فتعاد (١). وبناء عليه لو ظهر في القسمة غلط أو غبن فاحش، بطلت القسمة. الشرط الرابع - أن يكون المال المشترك في قسمة الجمع (٢) من جنس واحد، كالمثلي من حنطة أو قطن أو جوز. فإن كان من أجناس مختلفة كالحنطة والشعير، والقطن والحديد، والجوز واللوز، واللآلئ واليواقيت، وأنواع الحيوان كالخيل مع الإبل، لم تجز القسمة؛ لأن قسمة الجمع عند اتحاد الجنس تقع وسيلةإلى تحقيق المقصود منها، وهو تكميل منافع الملك. وعند اختلاف الجنس تقع تفويتاً للمنفعة، لا تكميلاً لها. وكذا الدور والأراضي والكروم (حقول العنب) لا تقسم قسمة جمع عند أبي حنيفة للتفاوت الفاحش بين دار ودار وأرض، بسبب اختلاف الدور والأراضي في بنائها وموقعها، فتعتبر في حكم جنسين مختلفين؛ لأن المعتبر والمقصود في الدور والأراضي هو المعنى، فتقسم قسمة تفريق (٣) عنده.

стр. 4615

وقال الصاحبان: تقسم الدور ونحوها قسمة جمع، لأنها من جنس واحد من حيث الصورة وأصل السكنى، وإن كانت أجناساً متعددة من حيث اختلاف المقاصد، ويمكن تعديل التفاوت فيها بالقيمة، وينظر القاضي في الأمر بما يحقق المصلحة. واتفق أئمة الحنفية على أنه يقسم البيتان (الغرفتان) قسمة جمع، سواء أكانا متصلين أم منفصلين (١). هذا ما يقوله متقدمو الحنفية، وأما في زماننا فإن المنازل والبيوت كالدور تتفاوت تفاوتاً فاحشاً، فلا تقسم قسمة جمع، وإنما تقسم قسمة تفريق. المبحث الرابع - كيفية القسمة: أبان الحنفية كيفية القسمة وإجراءاتها التي يتبعها القاسم على النحو التالي (٢)، وهو في تقديري مجرد اجتهاد يتغير بحسب العصور. ١ - يمسح القاسم الأرض، لحفظ الخريطة، ورفعها للقاضي، ويقوّم البناء ليعرف كل شريك قيمة نصيبه. ٢ - يفرز كل نصيب عن غيره مع ارتفاقاته من طريق ونحوه على حدة، ليتحقق معنى التمييز والإفراز تمام التحقيق، ويمنع تعلق نصيب كل شريك بنصيب الآخر.

стр. 4616

٣ - تحدد الأنصباء بالأرقام المتوالية، ويطلق على كل نصيب اسم «السهم». ٤ - تسجل أسماء المتقاسمين في أوراق متساوية مستقلة، وتوضع في وعاء أو نحوه، ثم يقرع بينهم على سبيل الندب والاستحسان، تطييباً للقلوب، وبعداً عن تهمة الميل والتحيز لأحد الشركاء، فمن خرج اسمه أولاً، فله السهم الملقب بالأول، ويعطى من خرج اسمه ثانياً السهم الثاني، وهكذا … إذا اتحدت مقادير السهام. فلو اختلفت السهام - بأن كانت بين ثلاثة مثلاً، لأحدهم عشرة أسهم، ولآخر خمسة أسهم، ولآخر سهم - جعلها القاسم ستة عشر سهماً، وكتب أسماء الثلاثة، فإن خرج أولاً اسم صاحب العشرة، أعطاه السهم الأول، وتسعة متصلة به، لتكون سهامه متصلة مع بعضها، وهكذا حتى يتم التوزيع. والقرعة مندوبة عند الحنفية، فلو عين القاسم لكل شريك نصيبه، من غير اقتراع، جاز؛ لأن عمله في معنى القضاء، فيملك إلزام كل شريك بنصيبه. ٥ - آلة القسمة: نصت المادة (١١٤٧) مجلة على ذلك، فقالت: المال المشترك: إن كان من المكيلات، فبالكيل، أو من الموزونات فبالوزن، أو من العدديات فبالعدد، أو من الذرعيات فبالذراع يصير تقسيمه. ونصت المادة (١١٤٨) مجلة على أنه: حيث كانت العرصة والأراضي من الذرعيات، فتقسم بالذرع، أما ما عليها من الأشجار والأبنية، فيقسم بتقدير القيمة. تعديل القسمة بالنقود: أجاز الشافعية والحنابلة كما تقدم تعديل القسمة بالقيمة والنقود في غير الأموال المثلية، مما لا يقبل الإفراز، كأرض تختلف قيمة أجزائها (١)، وهذا مذهب المالكية أيضاً كما سيأتي بيانه.

стр. 4617

أما الحنفية فلم يجيزوا في قسمة التقاضي قسمة تفريق إدخال النقود (الدراهم والدنانير) في القسمة، إلا بتراضي الشركاء فيما بينهم؛ لأن القسمة تجري في المشترك والمشترك بينهما العقار، لا النقود، فلو كان بين اثنين دار، وأراد قسمتها، وكان في أحد الجانبين فضل بناء، فأراد أحدهما أن يكون عوض البناء دراهم، وأراد الآخر أن يكون عوضه عن الأرض، فإنه يجعل عوضه من الأرض، ولا يكلف الذي وقع البناء في نصيبه أن يرد دراهم بدلاً عن الزيادة، إلا بالتراضي، لما في القسمة من معنى المبادلة، فيجوز دخول الدراهم فيها بالتراضي دون جبر القاضي، إلا إذا تعذر، فحينئذ للقاضي التعديل بالدراهم، للضرورة (١). نماذج من القسمة: أبان الفقهاء أهم حالات القسمة، وهي كيفية قسمة الدور، والأرض والبناء، والدار والضيعة (الأرض العرصة غير المبنية)، والدار والحانوت والسفل والعلو، والطريق. المطلب الأول - قسمة الدور: اتفق الحنفية (٢): على أنه إذا كانت الدور المشتركة في بلدين، فلا تجتمع في القسمة، وتقسم دار كل بلد على حدة. أما إذا كانت الدور المشتركة في بلد واحد، فتقسم أيضاً عند أبي حنيفة كل دار على حدة؛ لأن الدور أجناس مختلفة، لاختلاف المقاصد باختلاف المحالّ (المواقع) والجيران، والقرب من المسجد والماء والسوق مثلاً، فلا يمكن التعديل في

стр. 4618

القسمة وإنما تقسم قسمة تفريق، ولا يضم بعض الأنصبة إلى بعض، إلا إذا تراضوا. وهذا هو الصحيح عند الحنفية. وقال الصاحبان: الرأي في هذه القسمة (وهي قسمة التقاضي) إلى القاضي، يفعل ما يراه الأصلح، فإن وجد الأصلح للشركاء في قسمة جمع، بأن يجمع حصة كل شريك في دار، فعل، وإن وجد الأصلح في قسمة التفريق بأن يقسم كل دار على حدة، فعل؛ لأن الدور - في رأيهما - من جنس واحد من حيث الاسم والصورة، وأصل السكن، فيفوض الأمر إلى القاضي لاختيار الأصلح من القسمة: إما قسمة الجمع أو قسمة التفريق. وهذا الخلاف بين الإمام وصاحبيه جارٍ في قسمة الدار الواحدة. فعند الإمام: لا تقسم قسمة جمع إلا بالتراضي. وعند الصاحبين: يفوض الأمر إلى القاضي، ليحقق المصلحة والعدل في اختيار نوع القسمة. وأما البيوت (الغرف) فتقسم باتفاق الحنفية قسمة جمع، سواء أكانت متباينة أم متلاصقة، لتقاربها في معنى السكنى (١). والشافعية يرون أن الدار المختلفة الأبنية تقسم قسمة تعديل بالقيمة، لاختلاف الأغراض باختلاف المحالّ والأبنية (٢).

стр. 4619

وكذلك قال المالكية: تقسم الدور بالتراضي، أو بالسهام على أن تعدل بالقيمة (١). ولا تقسم الحمام والبئر والرحى والحائط المشترك إلا بتراضي الشركاء، باتفاق الحنفية منعاً للضرر بكل شريك. المطلب الثاني - الأرض والبناء: إذا كان المال المشترك أرضاً عليها بناء، ففي كيفية قسمتها أقوال ثلاثة عند الحنفية (٢). ١ - قال أبو حنيفة: تقسم الأرض بالمساحة، لأنه هو الأصل في الممسوحات، ثم يردّ من وقع البناء في نصيبه، أو من كان نصيبه أجود، دراهم، على الآخر، حتى يساويه، فتدخل الدراهم في القسمة ضرورة؛ لأن قسمة التقاضي جبراً لا يدخل فيها النقود في أصل مذهب الحنفية، وهنا دخلت للضرورة، كما في ولاية الأخ على أخيه الصغير، ليست له عليه ولاية مالية، ولكن إذا زوجه، ملك تسمية الصداق، لضرورة التزويج. وهذا الرأي يتفق مع قسمة الرد عند الشافعية. ٢ - وقال أبو يوسف: تقسم الأرض والبناء، باعتبار القيمة، لأنه لا يمكن اعتبار المعادلة إلا بالتقويم. وهذا يتفق مع رأي الشافعية في قسمة التعديل. ٣ - وقال محمد: يرد الشريك على شريكه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة (الأرض) (٣) وإذا بقي فضل، ولم يمكن تحقيق التسوية، بأن كانت العرصة

стр. 4620

لا تفي بقيمة البناء، فيرد على شريكه دراهم بمقدار الفضل (الزيادة)؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، وهي هنا في هذا المقدار، فلا يترك الأصل (وهو التقسيم باعتبار المساحة) إلا بمقدار الضرورة الحاصلة. المطلب الثالث - الدار والضيعة، والدار والحانوت: الضيعة: أرض غير مبنية، والحانوت: الدكان. قال الحنفية: إذا كان المال المشترك داراً مع ضيعة، أو داراً مع حانوت، قسم القاضي كلاً منها على حدة، قسمة تفريق، لا قسمة جمع؛ لأنها أجناس مختلفة، أو في حكم الأجناس المختلفة. ومثل الدور: الأقرحة جمع قَراح: وهي قطعة من الأرض على حيالها، لا شجر فيها ولا بناء، أي إنها أرض مخلاة للزرع وليس عليها بناء. وتقسم الأرض (العرصة) بالذراع ونحوه، وتقسم الدار بالقيمة (١). المطلب الرابع - السُفْل والعُلْو: إذا كان الذي يراد قسمته، بعضه سفل ليس فوقه علو، أو فوقه علو للغير، وبعضه علو لا سفل له، بأن كان السفل للغير، وبعضه سفل له علو، وكل ذلك في دار واحدة، أو في دارين، قوّم كل واحد من السفل والعلو على حدة، وقسم بواسطة القاضي بالقيمة، ولا يعتبر غير ذلك؛ لأن كلاً منهما يصلح لما لا يصلح له الآخر، فصارا بمثابة جنسين مختلفين، وهذا يقتضي القسمة بالقيمة، ليتحقق التعديل.

стр. 4621

وهذا رأي محمد، وهو الذي اختاره المشايخ، وعليه الفتوى. وقال الشيخان (أبو حنيفة وأبو يوسف): يقسم ذلك بالذَّرْع؛ لأن السفل والعلو من المذروعات. ثم اختلفا في كيفية تلك القسمة، فقال أبو حنيفة: ذراع من السفل بذراعين من العلو. وقال أبو يوسف: ذراع بذراع. ثم قيل: كل منهما على عادة أهل عصره (١). وقال الحنابلة (٢): إن كان بين الشريكين دار لها علو وسفل، فطلب أحدهما قسمها، لأحدهما العلو وللآخر السفل، فلا إجبار. أو طلب أحد الشريكين قسمة السفل دون العلو أو عكسه، فلا إجبار أيضاً؛ لأن كل واحد منهما مسكن منفرد، ولأن أحدهما قد يتضرر بالقسمة. ولو طلب أحدهما قسمة كل من االعلو والسفل على حدة، فلا إجبار أيضاً، لما فيه من الضرر. ولو طلب أحدهما قسمة العلو والسفل معاً، ولا ضرر، ولا رد عوض، وجب قبول القسمة، وأجبر الممتنع، وعدل بالقيمة؛ لأنه أحوط؛ أي كما هو المفتى به عند الحنفية. ولا يجعل ذراع أسفل بذراعي علو، ولا عكسه، ولا ذراع بذراع، إلا أن يتراضى الشريكان على القسمة. المطلب الخامس - قسمة الطريق: قد تثور عدة مشكلات في شأن قسمة الطريق منها:

стр. 4622

أولاً - مصير الطريق ونحوه من الارتفاقات: لو قسم القسّام الدار المشتركة بين الشريكين، ولأحدهما مسيل ماء في ملك الآخر، أو طريق أو نحوه، ولم يتفق على الارتفاق في القسمة (١): أـ فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عن نصيب شريكه، أي الاستغناء عنه بوسيلةأخرى، وجب التحويل والصرف، فليس له بعدئذ أن يستطرق، ويسيل في نصيب الشريك الآخر، لأنه أمكن تحقيق القسمة من غير ضرر. ب - وإن لم يمكن الصرف فسخت القسمة؛ لأنها مختلفة، لبقاء الاختلاط بين الحصص، فتستأنف القسمة. ثانياً - اختلاف الشركاء في إلغاء الطريق: لو اختلف الشركاء حول إلغاء الطريق بينهم في القسمة، نظر الحاكم في أمره. أـ فإن كان يستقيم أن يفتح كل واحد منهم طريقاً في نصيبه، قسم الحاكم بينهم من غير طريق مشترك بينهما، ويلغى الطريق، تكميلاً للمنفعة، وتحقيقاً للإفراز من كل وجه. ب - وإن كان لا يستقيم الفتح، شق طريقاً مشتركاً بينهم، ليتحقق تكميل المنفعة فيما وراء الطريق (٢).

стр. 4623

ثالثاً - اختلاف الشركاء في مقدار الطريق: إذا اختلف الشركاء في مقدار عرض الطريق: أـ ففي طريق الدار: يجعل عرض الطريق، بمقدار عرض باب الدار وارتفاعه، حتى يتمكن كل واحد منهم من إخراج جناح أو إقامة شُرْفة في نصيبه، إن كان فوق الباب، لا فيما دونه؛ لأن في ذلك القدر كفاية في الدخول، وفي السلوك، أي المرور. ب - وفي الطريق إلى الأرض: يترك بقدر ما يمر فيه حيوان، لتحقق الكفاية به في المرور (١). رابعاً - تبعية الطريق للحصص: الحق في الطريق بمقدار سهام المقتسمين، كما كان عليه الحال قبل القسمة؛ لأن القسمة تمت في غير الطريق، فبقي الطريق مشتركاً كما كان قبل القسمة (٢). خامساً - التفاوت في مقدار حصة الطريق: يجوز الاتفاق بين الشركاء على أن تتفاوت حصص الشركاء في الطريق، وإن كانت سهامهم في الدار أو في الأرض متساوية، كأن تكون النسبة في الطريق أثلاثاً، وفي الدار ونحوها متناصفة؛ لأن القسمة مع التفاوت أو التفاضل جائزة بالتراضي، في غير الأموال الربوية (٣).

стр. 4624

المبحث الخامس - القاسم تعيينه، وشروطه، وأجرته، وتعدد القسام. أولاً - تعيين القاسم: القاسم: هو الذي يمارس القسمة. وقد يتولى الشركاء أنفسهم بالتراضي إجراء القسمة إلا إذا كان فيهم صغير فيحتاج إلى أمر القاضي، لأنه لا ولاية لهم عليه، وقد يعينون وكيلاً عنهم، وهو الغالب، وقد يعينه القاضي. ويندب للإمام أو للقاضي تعيين قاسم دائم، يُرزق من بيت المال، ليقسم بلا أخذ أجر، وهو أحب وأولى؛ لأنه أرفق بالناس وأبعد عن التهمة، ولأن القسمة من جنس عمل القضاء، لأن به يتم فصل الخصومة وقطع المنازعة، ونفعه يعم الناس، فتكون كفايته في مالهم، غرماً بالغنم. فإن لم يعين قاسم دائم، عين القاضي قاسماً يقسم بأجر المثل على حساب المتقاسمين؛ لأن النفع عائد لهم على الخصوص، وبقدر أجر مثله، كيلا يتحكم بطلب الزيادة عن المثل، كما أنه لا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد، لأنه لو تعين لتحكم أيضاً بالزيادة على أجر مثله. ولا يترك القاضي القسّام يشتركون (تكوين شركة مثلاً) كيلا يتواضعوا على مغالاة الأجر، فيتضرر الناس (١)، فإن كونوا نقابة على النحو الحديث بإشراف الحاكم جاز؛ لأن الحاكم يوافق على نظام النقابة، ويمنع المغالاة. ثانياً - شروط القاسم: اشترط الحنفية استحباباً وندباً في القاسم شروطاً هي مايأتي (٢):

стр. 4625

١ - أن يكون عدلاً أميناً عالماً بالقسمة، لأنه لو كان غير عدل، خائناً أو جاهلاً بأمور القسمة يخاف منه الجور في القسمة لا يجوز. ٢ - أن يكون معيناً من القاضي، لأن قسمة غيره لا تنفذ على الصغير والغائب، ولأنه أجمع لشرائط الأمانة. ٣ - المبالغة في تعديل الأنصباء، والتسوية بين السهام، بأقصى الإمكان لئلا يدخل القصور في سهم. وينبغي ألا يدع القاسم حقاً بين شريكين غير مقسوم من الطريق والمسيل والشِّرب إلا إذا لم يمكن. وينبغي ألا يضم القاسم نصيب بعض الشركاء إلى بعض، إلا إذا رضوا بالضم، لأنه يحتاج إلى القسمة ثانياً. ٤ - أن يقرع بين الشركاء بعد الفراغ من القسمة، تطييباً للنفوس ولورود السنة بها (١)، ولأن القرعة أنفى للتهمة. واشترط الشافعية والحنابلة في القاسم المعين من قبل القاضي سبعة شروط وهي (٢): الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والعدالة، وعلم المساحة والحساب؛ لأن علمهما آلة القسمة. وأضاف الشافعية اشتراط السمع والبصر
следующие страницы →