وهذا رأي محمد، وهو الذي اختاره المشايخ، وعليه الفتوى.
وقال الشيخان (أبو حنيفة وأبو يوسف): يقسم ذلك بالذَّرْع؛ لأن السفل والعلو من المذروعات. ثم اختلفا في كيفية تلك القسمة، فقال أبو حنيفة: ذراع من السفل بذراعين من العلو. وقال أبو يوسف: ذراع بذراع. ثم قيل: كل منهما على عادة أهل عصره (١).
وقال الحنابلة (٢): إن كان بين الشريكين دار لها علو وسفل، فطلب أحدهما قسمها، لأحدهما العلو وللآخر السفل، فلا إجبار. أو طلب أحد الشريكين قسمة السفل دون العلو أو عكسه، فلا إجبار أيضاً؛ لأن كل واحد منهما مسكن منفرد، ولأن أحدهما قد يتضرر بالقسمة.
ولو طلب أحدهما قسمة كل من االعلو والسفل على حدة، فلا إجبار أيضاً، لما فيه من الضرر.
ولو طلب أحدهما قسمة العلو والسفل معاً، ولا ضرر، ولا رد عوض، وجب قبول القسمة، وأجبر الممتنع، وعدل بالقيمة؛ لأنه أحوط؛ أي كما هو المفتى به عند الحنفية.
ولا يجعل ذراع أسفل بذراعي علو، ولا عكسه، ولا ذراع بذراع، إلا أن يتراضى الشريكان على القسمة.
المطلب الخامس - قسمة الطريق:
قد تثور عدة مشكلات في شأن قسمة الطريق منها:
стр. 4622
أولاً - مصير الطريق ونحوه من الارتفاقات: لو قسم القسّام الدار المشتركة بين الشريكين، ولأحدهما مسيل ماء في ملك الآخر، أو طريق أو نحوه، ولم يتفق على الارتفاق في القسمة (١):
أـ فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عن نصيب شريكه، أي الاستغناء عنه بوسيلةأخرى، وجب التحويل والصرف، فليس له بعدئذ أن يستطرق، ويسيل في نصيب الشريك الآخر، لأنه أمكن تحقيق القسمة من غير ضرر.
ب - وإن لم يمكن الصرف فسخت القسمة؛ لأنها مختلفة، لبقاء الاختلاط بين الحصص، فتستأنف القسمة.
ثانياً - اختلاف الشركاء في إلغاء الطريق: لو اختلف الشركاء حول إلغاء الطريق بينهم في القسمة، نظر الحاكم في أمره.
أـ فإن كان يستقيم أن يفتح كل واحد منهم طريقاً في نصيبه، قسم الحاكم بينهم من غير طريق مشترك بينهما، ويلغى الطريق، تكميلاً للمنفعة، وتحقيقاً للإفراز من كل وجه.
ب - وإن كان لا يستقيم الفتح، شق طريقاً مشتركاً بينهم، ليتحقق تكميل المنفعة فيما وراء الطريق (٢).
стр. 4623
ثالثاً - اختلاف الشركاء في مقدار الطريق: إذا اختلف الشركاء في مقدار عرض الطريق:
أـ ففي طريق الدار: يجعل عرض الطريق، بمقدار عرض باب الدار وارتفاعه، حتى يتمكن كل واحد منهم من إخراج جناح أو إقامة شُرْفة في نصيبه، إن كان فوق الباب، لا فيما دونه؛ لأن في ذلك القدر كفاية في الدخول، وفي السلوك، أي المرور.
ب - وفي الطريق إلى الأرض: يترك بقدر ما يمر فيه حيوان، لتحقق الكفاية به في المرور (١).
رابعاً - تبعية الطريق للحصص: الحق في الطريق بمقدار سهام المقتسمين، كما كان عليه الحال قبل القسمة؛ لأن القسمة تمت في غير الطريق، فبقي الطريق مشتركاً كما كان قبل القسمة (٢).
خامساً - التفاوت في مقدار حصة الطريق: يجوز الاتفاق بين الشركاء على أن تتفاوت حصص الشركاء في الطريق، وإن كانت سهامهم في الدار أو في الأرض متساوية، كأن تكون النسبة في الطريق أثلاثاً، وفي الدار ونحوها متناصفة؛ لأن القسمة مع التفاوت أو التفاضل جائزة بالتراضي، في غير الأموال الربوية (٣).
стр. 4624
المبحث الخامس - القاسم تعيينه، وشروطه، وأجرته، وتعدد القسام.
أولاً - تعيين القاسم: القاسم: هو الذي يمارس القسمة. وقد يتولى الشركاء أنفسهم بالتراضي إجراء القسمة إلا إذا كان فيهم صغير فيحتاج إلى أمر القاضي، لأنه لا ولاية لهم عليه، وقد يعينون وكيلاً عنهم، وهو الغالب، وقد يعينه القاضي. ويندب للإمام أو للقاضي تعيين قاسم دائم، يُرزق من بيت المال، ليقسم بلا أخذ أجر، وهو أحب وأولى؛ لأنه أرفق بالناس وأبعد عن التهمة، ولأن القسمة من جنس عمل القضاء، لأن به يتم فصل الخصومة وقطع المنازعة، ونفعه يعم الناس، فتكون كفايته في مالهم، غرماً بالغنم.
فإن لم يعين قاسم دائم، عين القاضي قاسماً يقسم بأجر المثل على حساب المتقاسمين؛ لأن النفع عائد لهم على الخصوص، وبقدر أجر مثله، كيلا يتحكم بطلب الزيادة عن المثل، كما أنه لا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد، لأنه لو تعين لتحكم أيضاً بالزيادة على أجر مثله. ولا يترك القاضي القسّام يشتركون (تكوين شركة مثلاً) كيلا يتواضعوا على مغالاة الأجر، فيتضرر الناس (١)، فإن كونوا نقابة على النحو الحديث بإشراف الحاكم جاز؛ لأن الحاكم يوافق على نظام النقابة، ويمنع المغالاة.
ثانياً - شروط القاسم: اشترط الحنفية استحباباً وندباً في القاسم شروطاً هي مايأتي (٢):
стр. 4625
١ - أن يكون عدلاً أميناً عالماً بالقسمة، لأنه لو كان غير عدل، خائناً أو جاهلاً بأمور القسمة يخاف منه الجور في القسمة لا يجوز.
٢ - أن يكون معيناً من القاضي، لأن قسمة غيره لا تنفذ على الصغير والغائب، ولأنه أجمع لشرائط الأمانة.
٣ - المبالغة في تعديل الأنصباء، والتسوية بين السهام، بأقصى الإمكان لئلا يدخل القصور في سهم.
وينبغي ألا يدع القاسم حقاً بين شريكين غير مقسوم من الطريق والمسيل والشِّرب إلا إذا لم يمكن.
وينبغي ألا يضم القاسم نصيب بعض الشركاء إلى بعض، إلا إذا رضوا بالضم، لأنه يحتاج إلى القسمة ثانياً.
٤ - أن يقرع بين الشركاء بعد الفراغ من القسمة، تطييباً للنفوس ولورود السنة بها (١)، ولأن القرعة أنفى للتهمة.
واشترط الشافعية والحنابلة في القاسم المعين من قبل القاضي سبعة شروط وهي (٢):
الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والعدالة، وعلم المساحة والحساب؛ لأن علمهما آلة القسمة. وأضاف الشافعية اشتراط السمع والبصر
стр. 4626
والنطق والضبط، إذ لابد مما ذكر؛ لأن للقاسم ولاية على من يقسم لهم بسبب كون قسمته ملزمة، ومن لم تتوافر فيه هذه الشروط، فليس من أهل الولاية.
فإن كان القاسم كافراً أو فاسقاً أو جاهلاً بالقسمة، لم تلزم القسمة إلا بتراضي الشركاء بها، كما لو اقتسموا بأنفسهم.
هذا إذا كان القاسم معيناً من قبل القاضي، فإن تراضى الشركاء بمن يقسم بينهم لم تشترط الشروط السابقة، إلا التكليف، لأنه وكيل عنهم.
ثالثاً - تعدد القسّام: يصح إجراء القسمة بقاسم واحد أو أكثر، وقال المالكية: يكفي في قسمة القرعة قاسم واحد؛ لأن مهمته الإخبار عن نتيجة الاقتراع، كالقائف (العالم بالأنساب) والطبيب والمفتي.
ويكتفى بقاسم واحد عند المالكية والشافعية والحنابلة إن لم يكن في القسمة تقويم؛ لأنه في قسمه كالحاكم في حكمه.
فإن كان في القسمة تقويم: أي تقدير قيمة السلع المشتركة، فلا بد فيها من التعدد عند هؤلاء الفقهاء، فلا تجوز بأقل من اثنين؛ لأن التقويم شهادة بالقيمة، ولابد في الشهادة من اثنين (١).
رابعاً - أجرة القاسم: اتفق الفقهاء على أنه إذا كان القاسم معيناً من قبل القاضي، فأجره (أو رزقه)
стр. 4627
من بيت مال المسلمين، إذا كان فيه سعة، لأن القسمة من جنس عمل القاضي، ولأن منفعته تعم الناس كما بان سابقاً.
وأما إن كان القاسم باختيار الشركاء في مقابل أجر، فالأجر على الشركاء.
ويتم توزيع الأجرة عند أبي حنيفة ومالك على الشركاء بحسب العدد، أو الرؤوس؛ لأن الأجرة في مقابل العمل، وهو تمييز الحصص، والتمييز عمل واحد؛ لأن تمييز القليل من الكثير هو بعينه تمييز الكثير من القليل، فيتعلق الحكم بأصل التمييز، وتعب القاسم في تمييز النصيب اليسير كتعبه في تمييزه الكبير، وإذا لم يتفاوت العمل، لا تتفاوت الأجرة. وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة: يتم توزيع الأجرة بقدر الحصص أو الأنصباء؛ لأن العمل في الكثير أكثر منه في القليل، ولأن الأجرة كالنفقة التي يحتاجها الملك، فتقدر بقدر الملك، ويؤيده أن أجرة الكيال والوزّان بقدر الأنصباء إجماعاً، وكذا سائر المؤن كأجرة الراعي والحمل والحفظ وغيرها (١). وهذا في تقديري هو الأولى والأصح؛ لأنه أعدل وأرفق بالناس.
المبحث السادس - أحكام القسمة للقسمة أحكام عامة، وأحكام خاصة في الإثبات.
المطلب الأول - أحكام القسمة العامة:
لقسمة الأعيان أحكام عامة، أهمها ما يأتي:
стр. 4628
أولاً - لزوم القسمة: القسمة من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء (١)، لا يجوز نقضها، ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ كما سأبين في حكم نقض القسمة. ولكن لبعض المذاهب تفصيل في مبدأ اللزوم:
قال الحنفية (٢): تلزم قسمة التراضي وقسمة التقاضي بعد تمامها، فلا يجوز الرجوع عنها إذا تمت.
أما قبل التمام، فكذلك تلزم قسمة التقاضي، فلو قسم القاضي المال المشترك بين قوم، فخرجت السهام كلها بالقرعة، لا يجوز لهم الرجوع، وكذا لا رجوع إذا لم تتم القسمة، كأن خرج بعض السهام دون بعض.
وأما قسمة التراضي: فيجوز للشركاء الرجوع عنها قبل تمامها؛ لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها، كما هو الشأن في كل عقد كالبيع مثلاً، يجوز الرجوع عنه قبل تمامه.
إلا أنه إذا خرج جميع السهام إلا واحداً، لم يجز الرجوع في قسمة التراضي، لصيرورة السهم متعيناً لمن بقي من الشركاء أو لتعيين نصيب ذلك الواحد.
وأطلق المالكية القول باللزوم فقالوا: ولزم ما خرج بالقسمة، فليس لأحدهم نقضها، وكذا يلزم الشريك في قسمة التراضي، فمن أراد الفسخ لم يكن منه (٣).
стр. 4629
وقال الشافعية (١): تلزم قسمة الإجبار من غير تراضٍ، ومن المعلوم أن قسمة الإفراز والتعديل فيهما الإجبار، وأما قسمة التراضي قسمة رد دون غيرها، فالأرجح عندهم أنه لا بد من الرضا بها بعد خروج القرعة، ولا يلزم حكم القاسم إلا برضا الشركاء؛ لأنه لما اعتبر الرضا بالقسمة ابتداء، اعتبر بعد خروج القرعة.
والحنابلة (٢) قالوا: تلزم عندهم قسمة الإجبار، فهم كالشافعية، وفي قسمة التراضي عندهم وجهان كالشافعية، لكن الأرجح عندهم أنه إذا خرجت القرعة لزمت القسمة؛ لأن القاسم كالحاكم، وقرعته كالحاكم، لأنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق، فوجب أن تلزم قرعته.
ثانياً - ثبوت حق الخيار في القسمة: قال الحنفية (٣): القسمة ثلاثة أنواع: قسمة لا يجبر الآبي، كقسمة الأجناس المختلفة، وقسمة يجبر الآبي، في ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات، وقسمة يجبر الآبي، في غير المثليات المتحدة الجنس، كالثياب من نوع واحد، والبقر والغنم.
والخيارات ثلاثة: خيار شرط، وخيار عيب، وخيار رؤية.
١ - ففي قسمة الأجناس المختلفة، حيث لا يجبر الآبي بها: تثبت الخيارات كلها؛ لأنها مبادلة من كل وجه، فهي كالبيع.
٢ - وفي قسمة ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات، حيب يجبر الآبي
стр. 4630
عليها، يثبت خيار العيب، دفعاً للضرر والجور، دون خيار الشرط والرؤية، إذ لا فائدة في إثباتهما، لعدم الضرر.
٣ - وفي قسمة القيميات، غير المثليات، كالثياب من نوع واحد، وكالبقروالغنم، حيث يجبر الآبي في متحد الجنس، ولا يجبر في غير متحد الجنس، كالغنم مع الإبل: يثبت خيار العيب دفعاً للضرر.
أما خيار الشرط والرؤية، ففي ثبوتهما روايتان، والصحيح منهما والذي عليه الفتوى: أنه يثبت.
والخلاصة: تثبت هذه الخيارات الثلاثة في تقسيم الأجناس المختلفة، وفي قسمة القيميات المتحدة الجنس أو المختلفة الجنس، ويثبت خيار العيب دون خيار الشرط والرؤية في قسمة المثليات المتحدة الجنس.
وقال المالكية في الأرجح (١): يثبت خيار العيب في قسمة المراضاة: (بأن يتراضيا على أن كل واحد يأخذ شيئاً مما هو مشترك بينهم، يرضى به بلا قرعة) لأنها كالبيع.
وقال الحنابلة (٢): إذا ظهر في نصيب أحد الشريكين عيب لم يعلمه قبل القسمة، فله فسخ القسمة، أو الرجوع بأرش العيب؛ لأنه نقص في نصيبه، فملكه كالمشتري.
واكتفى الشافعية بالنص على أن قسمة الإفراز تنقض في حال الحيف أو الغلط. وأما قسمة الرد أو التعديل فهي بيع (٣)، أي يثبت فيها خيار العيب.
стр. 4631
ثالثاً - آثار القسمة: يترتب على القسمة الأحكام التالية (١):
١ - يتعين نصيب كل شريك مستقلاً عن نصيب غيره، فيملك حصته مستقلاً بعد القسمة.
٢ - يملك الشريك المقسوم له جميع التصرفات الثابتة لصاحب الملكية المطلقة، من بيع وإيجار ورهن، وبناء وهدم، ونحوها.
٣ - لا تثبت الشفعة في القسمة؛ لأن حق الشفعة في المبادلة المحضة، والقسمة مبادلة من وجه واحد، فلا تحتمل الشفعة.
والظاهر أن هذا الحكم متفق عليه في المذاهب (٢).
رابعاً - نقض القسمة: تنقض القسمة بالإقالة أو بالتراضي على فسخها.
ويجب نقض القسمة بعد وجودها، وبالرغم من لزومها في حالات هي عند الحنفية ما يأتي:
١ - ظهور دين على الميت: إذا وقعت القسمة، ثم ظهر دين على الميت يحيط بالتركة المقسومة، تفسخ القسمة، إذا لم يكن للميت مال سواه، إلا إذا قضى الورثة الدين، أو أبرأ الغرماء الدائنون ذمم الورثة، أو بقي من التركة ما يفي بالدين لزوال المانع من لزوم القسمة، فتمضي القسمة على ما هي عليه.
стр. 4632
والدليل على مسوغ الفسخ لهذا السبب: قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء:١١/ ٤]، ولأن الدين إذا كان محيطاً بالتركة (مستغرقاً)، تبين أنه لا ملك للورثة فيها، بل هي ملك للميت يتعلق بها حق الغرماء، وقيام ملك الغير في المحل المقسوم، يمنع صحة القسمة.
وإذا لم يكن الدين محيطاً بالتركة، بقي للغرماء حق الاستيفاء ثابتاً في قدر الدين من التركة، على الشيوع، فيمنع نفاذ القسمة (١).
وهذا الرأي عندي هو الأرجح، رعاية لحقوق الدائنين.
وقال الحنابلة (٢): لا تبطل القسمة بظهور دين على الميت؛ لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها، لأنه تعلق بها بغير رضا الورثة.
وقال الشافعية (٣): إذا ظهر دين على الميت، فإن قالوا: القسمة: تمييز الحقين لم تنقض القسمة، وإن قالوا: إنها بيع: ففي نقضها وجهان: في وجه إنها تنقض لتعلق حق الغير بالمال. وفي وجه: لا تنقض إذا قضى الوارث الدين.
٢ - ظهور وارث آخر أو موصى له في قسمة التراضي: إذا تمت القسمة، ثم ظهر وارث آخر، أو موصى له بالثلث أو الربع مثلاً، نقضت القسمة؛ لأن الوارث، والموصى له شريك الورثة.
ولا تنقض قسمة التقاضي في الأصح؛ لأن القسمة حينئذ محل اجتهاد، وقضاء القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ينقض (٤).
стр. 4633
٣ - ظهور غبن فاحش:
إذا حدثت القسمة، ثم تبين فيها غبن فاحش: وهو الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين، كأن قوّم المال بألف وهو لا يساوي خمس مئة، فسخت قسمة التقاضي باتفاق الحنفية؛ لأن تصرف القاضي مقيد بالعدل ولم يوجد، والغبن حصل بغير رضا المالك فصار كبيع الأب والوصي، ينقض بالغبن الفاحش. وتفسخ أيضاً قسمة التراضي في الأصح؛ لأن شرط جوازها المعادلة، ولم توجد، فوجب نقضها. وهذا هو الصحيح المعتمد المفتى به عند الحنفية كما ذكر ابن عابدين، أي أن قسمة التراضي تفسخ بالغبن الفاحش كقسمة التقاضي.
وتسمع دعوى الغبن الفاحش إن لم يقر المدعي باستيفاء حقه، فإن أقر باستيفاء حقه لا تسمع دعوى الغبن، أو الغلط للتناقض بين الإقرار والادعاء.
ولا تسمع دعوى الغبن اليسير الذي يدخل تحت المقومين، ولا تقبل بينته (١).
ونقض القسمة بالغبن الفاحش أو الجور متفق عليه بين الفقهاء (٢)، إلا أن الشافعية فصلوا في الأمر، كما سيذكر في حالة الغلط.
٤ - وقوع غلط في المال المقسوم:
إذا ادعى أحد الشركاء بعد القسمة أن شيئاً من نصيبه وقع في يد صاحبه غلطاً، وكان قد أقر أو أشهد على نفسه باستيفاء حقه (٣)، لم يصدق على الذي يدعيه، إلا ببينة (إقرار الخصم أو نكوله)؛ لأنه يدعي فسخ القسمة بعد وقوعها،
стр. 4634
فلا يصدق إلا بحجة، ولا يكون متناقضاً لأنه اعتمد على فعل الأمين، ثم ظهر غلطه.
فإن لم يكن له بينة، استحلف الشركاء، فمن نكل منهم، جمع بين نصيبه ونصيب المدعي، فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما، لأن النكول حجة في حقه خاصة، فيعاملان على زعمهما.
وإن لم يكن قد أقر بالاستيفاء، تحالف الشركاء (حلف كل منهم يميناً) وفسخت القسمة؛ لأن الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة، فصار كالاختلاف في مقدار المبيع.
وإن قال: (أصابني إلى موضع كذا، فلم تسلم إلي) ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء، وكذبه شريكه، تحالفا، وفسخت القسمة، لاختلافهما في نفس القسمة، فإنهما اختلفا في قدر ما حصل بالقسمة، فأشبه الاختلاف في قدر المبيع.
وإن قال (استوفيت حقي). ثم قال (أخذت بعضه) فالقول قول خصمه مع يمينه، لأنه يدعي عليه الغصب، وهو منكر، فالقول قول المنكر (١).
والقول بنقض القسمة في حال ادعاء الغلط، وإثباته بالبينة، محل اتفاق أيضاً بين الفقهاء (٢). إلا أن الشافعية قالوا:
لو ثبت بحجة (شاهدي عدل أو رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين) غلط أو حيف في قسمة إجبار أو قسمة تراض، وهي بالإفراز (أو الأجزاء)، نقضت القسمة بنوعيها.
стр. 4635
فإن لم تكن بالأجزاء بأن كانت بالتعديل أو الرد، لم تنقض؛ لأنها بيع، وإن لم يثبت ذلك، فللمدعي تحليف شريكه.
٥ - استحقاق بعض المال المقسوم:
إذا ظهر مستحق في المال المقسوم، أي تبين وجود شريك آخر في المال، فله صور ثلاث عند الحنفية (١) علماً بأن الاستحقاق: هو أن يدعي شخص ملكية شيء أو بعضه، ويثبت دعواه، ويقضي له القاضي بملكيته وانتزاعه من يد آخر كالمشتري أو المقسوم له.
أـ لو كان المستحق بعضاً شائعاً في كل المقسوم، كالخمس أو الربع، فسخت القسمة باتفاق الحنفية، لعدم تحقق معنى الإفراز والتمييز.
ب - ولو كان المستحق بعضاً معيناً من نصيب أحد الشركاء، لم تفسخ القسمة باتفاق الحنفية؛ لأن الاستحقاق، لما ورد على جزء معين، لم يظهر أن المستحق كان شريكاً في المال، فلا تبطل القسمة، لكن يرجع المستحق منه على صاحبه بقدر ما يخصه من الجزء المستحق، إذ تبين أنه لم يكن ملكه، فيرده.
جـ - ولو كان المستحق بعضاً شائعاً في أحد النصيبين، لم تفسخ القسمة جبراً على المستحق منه عند أبي حنيفة ومحمد، وإنما يخير المستحق منه، بين أن يرجع بحصة البعض في نصيب صاحبه، وبين أن يفسخ؛ لأنه بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح في القدر المستحق فقط.
وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة؛ لأنه بالاستحقاق تبين أن للشركاء شريكاً
стр. 4636
آخر، ولو كان هناك شريك، لم تصح القسمة، كما في استحقاق بعض شائع في النصيبين.
أما الشافعية والحنابلة، فقالوا (١): إن استحق من حصة أحد الشريكين شيء معين لغيرهما، بأن اختص به أحدهما، أو أصابه منه أكثر من نصيب الآخر، بطلت القسمة، لاحتياج أحدهما إلى الرجوع على الآخر بسبب عدم تحقق التعديل بين الأنصباء.
وإن كان البعض المستحق مقسوماً بين الشريكين بالسوية، كأن اقتسما أرضاً، فاستحق من حصتهما معاً قطعة معينة على السواء في الحصتين، لم تبطل القسمة فيما بقي من الأرض؛ لأن القسمة إفراز حق كل واحد منهما، وقد أفرز.
وإن استحق بعض المال المقسوم شائعاً في الحصتين أو إحداهما، بطلت القسمة فيه، لا في الباقي عند الشافعية في الأصح، عملاً بمبدأ تفريق الصفقة.
وبطلت القسمة في الجميع عند الحنابلة؛ لأن المستحق شريك ثالث، وقد اقتسم المال من غير حضوره، ولا إذنه، وذلك سواء في قسمة التراضي أوالإجبار، ولأن القصد من القسمة تمييز الحقين، ولم يحصل. وهذا رأي أبي يوسف كما تقدم.
المطلب الثاني - الأحكام الخاصة بالإثبات:
هناك أحكام خاصة بالقسمة متعلقة بكيفية فض النزاع بين المتقاسمين إذا اختلفوا في بعض الأمور، مثل الاختلاف حول الحدود، أو تقويم الغبن، أو بقاء بعض الحق في يد الشريك الآخر، حيث تعارضت أدلة الإثبات.
стр. 4637
أولاً - الاختلاف في الحدود: إذا اختلف المتقاسمان في الحدود، فادعى كل واحد منهما بيتاً في يد صاحبه لدخوله في حده، بعد القسمة، وأقام كل منهما البينة على دعواه، قضي لكل واحد بالجزء الذي في يد صاحبه؛ لأنه خارج، وبينة الخارج ترجح على بينة ذي اليد.
وإن أقام أحدهما بينة على أن بيتاً له في يد صاحبه أصابه بالقسمة وأنكر الآخر قضي له بالبينة. وإن لم تقم لأحدهما بينة، تحالفا، وترادا كما في البيع (١). وتفسخ القسمة (٢).
ثانياً - الاختلاف في تقويم الغبن: إذا اختلف المتقاسمان في تقويم الغبن، فإما أن يكون يسيراً أو فاحشاً.
أـ فإن كان الغبن يسيراً: وهو الذي يدخل تحت تقويم المقومين، لم يلتفت للادعاء، سواء أكانت القسمة بالتراضي، أم بقضاء القاضي، لأن الاحتراز عن مثله عسير جداً. ومثلا الغبن اليسير: أن يكون ثمن السلعة عشرة، فيقدره أهل الخبرة بعضهم بعشرة وبعضهم بتسعة، فالواحد يعتبر غبناً يسيراً.
ب - وإن كان الغبن فاحشاً: وهو الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين (٣)، كأن يقدر أهل الخبرة سعر السلعة ذات العشرة بثمانية أو سبعة، ولا يقدرها أحد
стр. 4638
بعشرة. فإن كانت القسمة بقضاء القاضي، فسخت؛ لأن الرضا لم يوجد بين المتخاصمين، وتصرف القاضي مقيد بالعدل، ولم يوجد. وإن كانت القسمة بالتراضي، لم يلتفت للادعاء عند بعض الحنفية؛ لأن القسمة في معنى البيع، ودعوى الغبن فيه من المالك لا توجب نقضه (١).
أما البيع من غير المالك كبيع الأب والوصي، فإنه ينقض بالغبن الفاحش (٢).
والأصح كما تقدم أنه تسمع دعواه وتفسخ قسمة التراضي كقسمة التقاضي بالغبن الفاحش؛ لأن شرط جواز القسمة المعادلة، ولم توجد، فوجب نقضها.
ثالثاً - الاختلاف في استيفاء النصيب: إذا اختلف المتقاسمان بعد القسمة، فأنكر بعض الشركاء استيفاء نصيبه، وادعى أن بعضه في يد صاحبه، وأنكر الآخر.
أـ فإن شهد قاسمان أو أكثر باستيفاء المدعي حقه، تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنهما شهدا على فعل غيرهما، وهو القبض، لا على فعل أنفسهما؛ لأن فعلهما هو التمييز، ولا حاجة للشهادة عليه.
وقال محمد: لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما؛ لأن فعلهما التمييز.
ب - وإن شهد قاسم واحد باستيفاء الحق، لا تقبل شهادته؛ لأن شهادة الفرد الواحد لا تقبل على غيره (٣).
стр. 4639
النَّوع الثَّاني: قسمة المنافع أو المهايأة وفيه مباحث خمسة:
المبحث الأول - تعريف قسمة المهايأة، ومشروعيتها.
المبحث الثاني - محل المهايأة.
المبحث الثالث - صفة المهايأة.
المبحث الرابع - أنواع المهايأة.
المبحث الخامس - ما يملكه كل شريك من التصرف بعد اتفاق المهايأة.
المبحث الأول - تعريف المهايأة ومشروعيتها:
أولاً - تعريف المهايأة: المهايأة في اللغة: مفاعلة من الهيئة، وهي الحالة الظاهرة للمتهيء للشيء، فكل من الشريكين يرضى بهيئة واحدة، ويختارها. أو أن الشريك الثاني ينتفع بالعين على الهيئة التي ينتفع بها الشريك الأول، فهي لغة: أن يتواضع الشريكان على أمر، ويتراضيا به. والمهايأة فقهاً: هي عبارة عن قسمة المنافع (١).
стр. 4640
وعرفها المالكية (١): بأنها اختصاص كل شريك عن شريكه في شيء متحد كدار، أو متعدد كدارين، بمنفعة شيء متحد أو متعدد في زمن معلوم. وبناء عليه: تعين الزمن شرط، إذ به يعرف قدر الانتفاع، وإلا فسدت المهايأة.
ثانياً - مشروعيتها: المهايأة جائزة استحساناً للحاجة إليها، إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع. ومحلها: منافع الأعيان المشتركة التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. ولا تبطل بموت الشريكين ولا بموت أحدهما. ولو طلب أحدهما القسمة أعياناً بطلت (٢).
وقسمة الأعيان أقوى من المهايأة؛ لأن الأولى جمع المنافع في زمان واحد على الدوام، والتهايؤ جمع المنافع على التعاقب بصفة وقتية (٣). فإذا طلب أحد الشريكين القسمة، والآخر المهايأة، يجيب القاضي الأول ويقسم. واستدلوا على مشروعية المهايأة بالقرآن والسنة.
أما القرآن: فقوله تعالى حكاية عن قسمة مهايأة ناقة صالح ﵇: ﴿هذه ناقة لها شِرْب، ولكم شِرْب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥/ ٢٦] وهو المهايأة بعينها.
وأما السنة: فوقائع منها: أنه ﷺ قسم في غزوة بدر كل بعير من الأبعرة السبعين بين ثلاثة نفر، وكانوا يتعاقبون على ركوبه (٤).
стр. 4641
المبحث الثاني - محل المهايأة:
محل المهايأة: المنافع دون الأعيان، لأنها قسمة المنفعة دون العين، فكان محلها المنفعة دون العين.
وعلى هذا: لو اتفق اثنان على أن يسكن أحدهما في قسم من دار، والآخر في القسم الباقي، أو على أن يسكن أحدهما العلو، والآخر السفل، صح، وله إجارته وأخذ غلته. وكذا تجوز المهايأة في الأراضي المشتركة.
أما لو تهايآ في نخل أو شجر بين شريكين، على أن يأخذ كل واحد منهما جزءاً يستثمره، لا يجوز؛ أو تهايآ في الغنم المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهما عدداً معيناً منهما، وينتفع بألبانها، لا يجوز؛ لأن المهايأة عقد يرد على قسمة المنافع، والثمر واللبن عين، فلا يصلح محلاً للمهايأة، وهذا متفق عليه بين الفقهاء (١).
وقال الشافعية: ولا تصح قسمة الديون في الذمم ولو بالتراضي، وكل من أخذ منها شيئاً لا يختص به. ونصت المادة (١١٧٥) من المجلة على أن «المهايأة لا تجري في المثليات، بل في القيميات، ليكون الانقطاع بها ممكناً حال بقاء عينها».
المبحث الثالث - صفة المهايأة:
للفقهاء رأيان في لزوم المهايأة، رأي للجمهور غيرالمالكية بأنها غير لازمة، ورأي للمالكية بأنها لازمة. وعباراتهم ما يأتي:
стр. 4642
قال الحنفية (١): المهايأة بالتراضي زماناً أو مكاناً عقد غير لازم، فلو طلب أحد الشريكين من الحاكم المهايأة، والآخر القسمة، يجاب الثاني؛ لأن قسمة العين أقوى من قسمة المنفعة؛ لأن في الأولى تجتمع المنافع في وقت واحد على الدوام، وفي الأخرى تجتمع على التعاقب (٢).
وبناء عليه تكون المهايأة عقداً جائزاً محتملاً للفسخ، كسائر العقود الجائزة، تفسخ ولو بغير عذر، ولا تبطل المهايأة بموت أحد الشريكين أو بموتهما، بخلاف الإجارة، لأنها لو بطلت أي المهايأة أعادها القاضي للحال أي استأنفها حالاً، ولا فائدة من الاستئناف، كما لا فائدة في الانقضاء والإبطال، لأنه يجوز لكل واحد فسخها، بغير رضا الآخر.
أما المهايأة بالتقاضي: فهي عقد لازم، كما أوضح ابن عابدين، فلا يجوز لكل من الشريكين نقضها بلا عذر، ما لم يصطلحا.
وقال الشافعية (٣): المهايأة عقد غير لازم، لكل من الشريكين الرجوع عنها متى شاء، ولا إجبار فيها من القاضي.
وكذلك قال الحنابلة (٤): لا تلزم المهايأة، فمتى رجع أحد الشريكين عنها، انقضت المهايأة، والمهايأة معاوضة لا يجبر عليها كالبيع كما قال الشافعية. ولو طلب أحدهما القسمة كان له ذلك، وانتقضت المهايأة، أي كما قال الحنفية.
أما المالكية فقالوا (٥): وتلزم المهايأة كالإجارة، فهي من العقود اللازمة،
стр. 4643
فليس لأحدهما فسخها، فإذا تراضيا على شيء وقعت صحيحة، لا تفسخ إلا برضاهما أو برضاهم إن كانوا جماعة.
المبحث الرابع - أنواع المهايأة:
للمهايأة تقسيمان - الأول من حيث التراضي والجبر، والثاني - من حيث الزمان والمكان.
التقسيم الأول - المهايأة من حيث الرضا والجبر:
تقسم المهايأة بهذا الاعتبار إلى نوعين: مهايأة بالتراضي، ومهايأة بالتقاضي.
١ - المهايأة بالتراضي: هي أن يتفق شخصان على كيفية الانتفاع بالشيء المشترك بينهما، على طريق التعاقب أو التناوب زماناً أو مكاناً. وهي جائزة باتفاق الفقهاء.
٢ - المهايأة بالتقاضي: هي التي تتم بواسطة القاضي جبراً بناء على طلب أحد الشريكين. فيهايئ القاضي بينهما جبراً إما بالمناوبة الزمانية مدة معينة بنسبة حصة كل منهما، وإما بالمهايأة المكانية بالاختصاص بمنفعة بعض المال المشترك بنسبة الحصص.
وهي جائزة عند الحنفية (١)، تحقيقاً للعدل بين الشركاء، وتوفيراً لمصلحتهم (٢)، فللقاضي جبرهم في الأصح، لاحتياج الناس إلى ما هو أعدل وهو القسمة بالقضاء. وقد نصت المادة (١١٨١) مجلة على ما يأتي لبيان أحوال المهايأة الجبرية:
стр. 4644
«إذا طلب المهايأة أحد أصحاب الأشياء المشتركة المتعددة، وامتنع الآخر: فإن كانت الأعيان المشتركة متفقة المنفعة، فالمهايأة جبرية. وإن كانت مختلفة المنفعة فلا جبر.
مثلاً: داران مشتركتان طلب أحد الشريكين المهايأة على أن يسكن إحداهما، والأخرى للآخر. أو حيوانان على أن يستعمل أحدهما واحداً، والآخر الآخر، وامتنع شريكه، فالمهايأة جبرية.
أما لو طلب أحدهما المهايأة على سكنى الدار، وللآخر إيجار الحمام، أو على سكنى أحدهما في الدار وزراعة آخر الأراضي، فالمهايأة بالتراضي، وإن لم تكن جائزة، إلا أنه إذا امتنع الآخر لا يجبر عليها (١)».
ولا يجبر على المهايأة من أباها عند المالكية والشافعية والحنابلة (٢) (الجمهور)، لأنها معاوضة، فلا يجبر عليها كالبيع، ولأن حق كل واحد في المنفعة شيء عاجل، فلا يجوز تأخيره بغير رضاه، كالدين، أي فلا تجوز المهايأة بالتقاضي عند الجمهور.
وقال المالكية: لا تجوز قسمة المنافع بالقرعة. وقال الشافعية: إذا اتفقوا عليها، وتنازعوا في البداءة (بدء المناوبة) أقرع بينهم.
التقسيم الثاني - المهايأة من حيث الزمان والمكان:
تنقسم المهايأة بهذا الاعتبار إلى نوعين: مهايأة زمانية، ومهايأة مكانية.
فالأولى ترجع للزمان، والثانية ترجع للمكان. والمهايأة عند المالكية (٣)
стр. 4645
قسمان: المهايأة بالأزمان، والمهايأة بالأعيان. والأولى: هي أن ينتفع كل واحد من الشريكين بالعين (الشيء المشترك كله) مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه كأن يسكن أحدهما الدار شهراً، ويسكنها الآخر شهراً آخر، مثل أن يسكن أحدهما الدار شهراً ويسكنها الآخر شهراً أخر. والثانية: هي أن يقسما الرقاب على أن ينتفع كل واحد منهما بما حصل له مدة محدودة، كأن يسكن أحدهما داراً، ويسكن الآخر داراً أخرى مدة من الزمان، أو يركب أحدهما فرساً والآخر فرساً أخرى مدة معينة.
١ - المهايأة الزمانية:
أولاً - تعريفها: هي أن ينتفع كل واحد من الشريكين على التعاقب بجميع العين المشتركة مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه، أو بنسبة حصته (١). كأن يتهايأ اثنان على أن يزرعا الأرض المشتركة بينهما، هذا سنة، والآخر سنة أخرى. أو على سكنى الدار بالمناوبة، هذا سنة، والآخر سنة. أو على استعمال كتاب، هذا أسبوعاً، والآخر مثله. وقد نصت المادة (١١٨٧) مجلة على أنه لا تجوز المهايأة على الأعيان، فلا تصلح المهايأة على ثمرة الأشجار المشتركة، ولا على لبن الحيوانات وصوفها على أن يكون لأحد الشريكين ثمرة مقدار من هذه الأشجار، ولآخر ثمرة مقدار منها، أو على لبن قطيع من الغنم المشترك أو صوفه لواحد، ولبن قطيع ثان، وصوفه للآخر.
ثانياً - مشروعيتها: وهي جائزة لقوله تعالى حكاية عن مهايأة ناقة صالح ﵇ في الشِّرب: ﴿هذه ناقة لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥/ ٢٦] ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر﴾ [القمر:٢٨/ ٥٤] ولحاجة الناس إليها.
стр. 4646
ثالثاً - تكييفها أو تأصيلها الفقهي: المهايأة الزمانية عند الحنفية كقسمة الأعيان: إفراز من وجه، مبادلة من وجه؛ لأن المهايئ كالمستقرض لنصيب شريكه، فكان فيها معنى المبادلة من وجه (١)، فتكون منفعة أحد أصحاب الحصص في نوبته مبادلة بمنفعة حصة الآخر في نوبته، وبناء على ذلك يكون ذكر المدة وتعيينها في المهايأة مثلاً كذا يوماً أو كذا شهراً، لازماً.
وقال الحنابلة: المهايأة معاوضة، فلا يجبر عليها كالبيع (٢).
وصرح الشافعية: أن من استوفى زائداً على حقه، لزمه أجرة ما زاد على قدر حصته من الزائد (٣). ويفهم منه أن المهايأة مبادلة.
ونصت المادة (١١٧٨) من المجلة على أن «المهايأة زماناً نوع مبادلة، فتكون منفعة أحد أصحاب الحصص في نوبته مبادلة بمنفعة حصة الآخر في نوبته .. ».
رابعاً - تعيين المدة: يشترط في المهايأة الزمانية تعيين المدة، بخلاف المهايأة المكانية؛ لأن تعيين الزمان يعرف به قدر الانتفاع، فتصير به المنافع معلومة، ولا تصير معلومة إلا ببيان زمان معلوم، ولأن هذه المهايأة مقدرة بالزمان، أما المهايأة المكانية فمقدرة مجموعة بالمكان، ومكان المنفعة معلوم (٤). وقد رتبت المادة السابقة (١١٧٨) من المجلة على كون هذه المهايأة نوع مبادلة، فقررت: «وبناء على ذلك ذكر المدة وتعيينها في المهايأة، مثلاً كذا يوماً، أو كذا شهراً: لازم».
стр. 4647
وفصل المالكية (١) في مقدار المدة بعد اشتراطهم تعيين الزمن، وانتفاء الغرر، فقالوا: تجوز المهايأة في المنقولات في المدة اليسيرة، ولا تجوز في المدة الكثيرة، فلا تصح لزمن طويل في الحيوان ونحوه كالثوب. وتجوز المهايأة في العقارات كالدار والأرض المأمونة (بأن كانت ملكاً) لمدة بعيدة، فيسكن أحدهما في الدار مدة معينة، ويسكن الآخر مدة أخرى، ويزرع أحدهما الأرض عاماً، والآخر عاماً مثله. أما الأرض غير المأمونة (غير المملوكة) كالمعارة، فلا يجوز قسمها مهايأة، وإن قلت المدة، إذ قد يرجع المستعير في إعارته، فيفوت على الآخر الذي لم تأت نوبته حقه من الانتفاع.
خامساً - انتهاؤها: لا تبطل المهايأة بموت أحد العاقدين، ولا بموتهما؛ لأنها - كما ذكرت سابقاً - لو بطلت لاستأنفها الحاكم، ولا فائدة في الاستئناف. وإنما تنقضي باتفاق الطرفين على إنهائها، ببيع المال المشترك (٢).
٢ - المهايأة المكانية:
أولاً - تعريفها: هي أن يخصص كل واحد من الشريكين ببعض المال المشترك بنسبة حصته (٣)، فيتم الانتفاع معاً في وقت واحد. ففي المهايأة في دار تجمع منفعة أحدهما في جزء من الدار، ومنفعة الآخر في جزء آخر.
ثانياً - مشروعيتها: المهايأة المكانية جائزة؛ لأنها نوع من القسمة، مثل قسمة الأعيان، فلو تهايآ على أن يأخذ أحد الشريكين في الأبنية الطابقية السفل، والآخر العلو، جاز، فتكون قسمة المنفعة بالمهايأة المكانية جائزة أيضاً (٤).
стр. 4648
وبما أن المهايأة الزمانية جائزة للحاجة عند تعذر اجتماع الشريكين على الانتفاع بالعين الواحدة، فكذلك المكانية.
ثالثاً - محلها: تجري المهايأة المكانية في المال المشترك الذي يقبل القسمة كالدار الكبيرة. أما ما لا يقبل القسمة كالسيارة والحيوان والكتاب والبيت الصغير، فلا تمكن فيه المهايأة المكانية، وإنما تتعين فيه المهايأة الزمانية.
المهايأة في الدور:
وبناء عليه تجوز في ظاهر الرواية المهايأة في الدور، سواء أكانت زمانية أم مكانية، للاستعمال الشخصي أو للاستغلال (الانتفاع بواسطة الغير بالأجرة ونحوها)؛ لأن الظاهر عدم التغير في العقار، ولأن المهايأة المكانية إفراز لجميع الأنصباء، والمهايأة الزمانية تتم بالمناوبة أو التعاقب في الانتفاع، فكانت كالقرض، ويعتبر كل واحد في نوبته وكيلاً عن الآخر (١).
المهايأة في الحيوان:
وأما المهايأة في الحيوان كدابتين مثلاً، يركب أحدهما إحداهما مدة، والآخر مدة أخرى، لا تجوز عند أبي حنيفة لا استعمالاً ولا استغلالاً؛ لأن الظاهر التغير في الحيوان، ولأن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين حذقاً وخرقاً.
وتجوز المهايأة استعمالاً عند الصاحبين في الحيوان والحيوانين، كما تجوز للاستغلال في الحيوانين، ولا تجوز في الحيوان الواحد؛ لأن المعادلة تمكن بين الحيوانين، لاتحاد وقتهما، ولا تمكن المعادلة في الحيوان الواحد؛ لأن الظاهر التغير
стр. 4649
في الحيوان، لتوالي أسباب التغير عليه، إذ يكون جهد الحيوان في الزمان الثاني أقل منه في الزمان الأول (١).
وقد نصت المادة (١١٧٧) مجلة: على جواز المهايأة الاستعمالية في الحيوان المشترك لاستعماله بالمناوبة، وكذلك تجوز في الحيوانين المشتركين، على أن يستعمل أحدهما هذا والآخر الآخر، وهو رأي الصاحبين، وهذا يتفق مع رأي المالكية في قسمة المنافع بالأعيان.
رابعاً - تكييفها أو تأصيلها الفقهي: المهايأة المكانية: إفراز لجميع الأنصبة، وليست مبادلة، إذ لو كانت مبادلة لما صحت؛ لأن المبادلة في الجنس الواحد نسيئة، لا تجوز لتوافر ربا النسيئة فيها، باعتبار أن اتحاد الجنس وحده كاف عند الحنفية في وجود هذا النوع من الربا (٢).
خامساً - مدتها: لا يشترط في المهايأة المكانية ذكر المدة وتعيينها، بخلاف المهايأة الزمانية؛ لأن الزمانية تحتاج إلى بيان الوقت لتصير المنافع معلومة، وأما المكانية فلا تحتاج لبيان الوقت؛ لأن مكان المنفعة معلوم، فصارت المنافع معلومة بمكانها (٣). ولكن المالكية قالوا: في قسمة المنافع بالأعيان يشترط أن تكون المدة محدودة.
سادساً - انقضاؤها: لا تنقضي المهايأة المكانية كالزمانية بموت أحد الشريكين، ولاتنقضي بموتها،
стр. 4650
إذ لو بطلت لاستؤنفت ولا فائدة في الاستئناف؛ لأن لكل شريك فسخها متى شاء، إنما تنقضي بالتراضي على إنهائها، ببيع المال المشترك (١).
المبحث الخامس - ما يملكه كل شريك من التصرف بعد المهايأة:
إذا تم الاتفاق على المهايأة، ملك كل واحد من المتهايئين استعمال الشيء كما يريد، سواء أكانت المهايأة مكانية أم زمانية. ففي الزمانية: يجوز السكنى والركوب ونحوهما، وفي المكانية: يجوز السكنى ونحوها.
ويملك كل متهايئ في المهايأة المكانية حق استغلال (استثمار) الشيء المتهايأ فيه، بالإجارة والإعارة ونحوهما، سواء أكان ذلك مشروطاً في العقد، أم غير مشروط، وسواء تهايآ في دار واحدة أو دارين؛ لأن كل متهايئ ملك المنفعة، فيملك التصرف فيها بالتمليك وغيره؛ لأن المهايأة المكانية ليست إعارة.
وأما في المهايأة الزمانية: فلا يملك كل من المتهايئين في نوبته استغلال حصته، باتفاق الحنفية، إذ لم يشترطا ذلك. فإن شرطا في المهايأة حق الاستغلال، ففيه اختلاف عند الحنفية:
أـ قال القدوري: لا يملك، لأن المهايأة الزمانية في معنى الإعارة، والعارية لاتؤجر. وهذا هوالراجح.
ب - وقال محمد في الأصل: يجوز التهايؤ في الدار الواحدة على السكنى والغلة، فلكل متهايئ إيجار غيره ما في يده. وتأول الحنفية هذا المنقول في (الأصل) وهو الغلة بأنه غير الاستغلال؛ لأن الغلة أي الناتج عين، والتهايؤ: قسمة المنافع دون الأعيان (٢).
стр. 4651
الفَصْلُ السّابع: الغَصْبُ والإتلاف قال الكاساني (١): الجناية في الأصل نوعان: جناية على البهائم والجمادات، وجناية على الآدمي. أما الجناية على البهائم والجمادات فنوعان أيضاً: غصب وإتلاف.
وهذان النوعان أو ما يدل عليهما: وهو وضع اليد عدواناً أحد أسباب الضمان أو التعويض المالي عن الاعتداء على مال الغير أو حقه. ويلحق بهما بحث دفع الصائل لما يترتب على الصيال من إتلاف وضمان. فيكون الكلام في مبحثين: الأول - في الغصب وأحكامه، والثاني - في الإتلاف وأحكامه.
المبحث الأول - الغصب وأحكامه:
وفيه مطلبان
المطلب الأول: تحريم الغصب، وتعريفه، وأثر اختلاف الفقهاء في ضابطه.
المطلب الثاني: أحكام الغصب الأخروية والدنيوية.
الأول: التأثيم والمؤاخذة.
الثاني - رد المغصوب ما دام موجوداً.
стр. 4652
الثالث - ضمان المغصوب حال هلاكه. وفيه الموضوعات التالية:
١ - كيفية الضمان.
٢ - وقت وجوب الضمان.
٣ - ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان.
٤ - تغير العين المغصوبة أو خلطها بغيرها.
٥ - نقصان المغصوب.
٦ - زيادة المغصوب، وحكم البناء والغرس والزرع في الأرض المغصوبة.
٧ - منافع المغصوب أو غلته.
٨ - اختلاف الغاصب والمغصوب منه.
٩ - غاصب الغاصب.
المطلب الأول - تحريم الغصب، وتعريفه، وأثر اختلاف الفقهاء في ضابطه:
أولاً - تحريم الغصب: ثبت تحريم الغصب في القرآن والسنة والإجماع (١). أما القرآن: فقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام، لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم، وأنتم تعلمون﴾ [البقرة:١٨٨/ ٢].
стр. 4653
وأما السنة: فقوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (١) وقوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (٢) «من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، فإنه يطّوقه يوم القيامة من سبع أرضين» (٣) «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (٤) ونحوها من الأحاديث.
وأجمع المسلمون على تحريم الغصب. وهو معصية كبيرة وإن لم يبلغ المغصوب نصاب سرقة.
ثانياً - تعريف الغصب: الغصب لغة: أخذ الشيء ظلماً، أو قهراً جهاراً. وشرعاً: له عند الفقهاء في الجملة حقيقتان تختلفان جذرياً عند الحنفية وغيرهم.
١ - عند الحنفية (٥): الغصب: هو أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك، على وجه يزيل يده.
أخذ المال: يشمل المغصوب وغيره، وقولهم (متقوم) لإخراج غير المتقوم كالخمر والخنزير، وقولهم (محترم) احتراز عن مال الحربي فإنه غير محترم.
والمراد بغير إذن المالك: لإخراج المأذون فيه كالموهوب وغيره مما يتم المبادلة عليه بعقد من العقود. والقيد الأخير: (إزالة يد المالك) لا بد منها لتصور معنى الغصب عند الحنفية، فلا تعتبر زوائد المغصوب كالولد والثمرة مضمونة عندهم.
стр. 4654
وبناء عليه يعتبر الاستخدام والتحميل غصباً؛ لأنه تصرف بالمال، ولا يعتبر الجلوس على البساط مثلاً غصباً؛ لأن البسط فعل المالك، والجلوس استعمال لم يزل يد المالك عنه.
ولا بد من زيادة قيدين آخرين على التعريف: وهما أولاً: «على سبيل المجاهرة» لإخراج السرقة التي تكون على سبيل الخفية. وثانياً: «أو يقصر يده إن لم يكن في يده» فيصبح التعريف: «أخذ مال متقوم محترم على سبيل المجاهرة بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك إن كان في يده، أو يقصر يده إن لم يكن في يده» ليشمل الأخذ من المستأجر أو من المرتهن أو من الوديع؛ لأن الأخذ من هؤلاء، وإن لم يكن في يد المالك؛ إلا أنه يترتب عليه أن الغاصب قصر يد المالك عن ماله، أي أنه قيد يده في التصرف بماله، فلم يعد قادراً على التصرف.
٢ - وعرف المالكية (١) الغصب بأنه «أخذ مال قهراً تعدياً بلا حرابة» فكلمة: «أخذ المال» أي الاستيلاء عليه جنس يشمل الغصب وغيره كأخذ إنسان ماله من وديع أو مدين أو غيرهما. وكلمة «المال» يراد بها الذوات أي الأعيان المادية، فخرج بها «التعدي»: وهو الاستيلاء على المنافع كسكنى الدار وركوب الدابة مثلاً. و «قهراً» لإخراج السرقة ونحوها إذ لا قهر فيها حال الأخذ، وإن أعقبها القهر بعدها، كما أنها أيضاً لإخراج المأخوذ اختياراً كالمستعار والموهوب، و «تعدياً» خرج به المأخوذ قهراً بحق كالدين المأخوذ من مدين مماطل أو من غاصب، وأخذ الزكاة كرهاً من ممتنع عن أدائها، ونحوه، والمقصود بقوله «بلا حرابة» أي بدون مقاتلة، لإخراج المأخوذ بالحرابة؛ لأن حقيقتها غير حقيقة الغصب.
من هذا التعريف يتبين أن الغصب عند المالكية أخص، والتعدي أعم؛ لأن
стр. 4655
التعدي يكون في الأموال والفروج والنفوس والأبدان، والتعدي في النفوس والأبدان يدخل تحت باب الجنايات أو الدماء والقصاص. فالغصب: هو أخذ ذات الشيء، والتعدي: أخذ المنفعة (١).
والتعدي في الأموال أربعة أنواع (٢):
الأول - أخذ الرقبة أي ذات الشيء وهو الغصب.
والثاني - أخذ المنفعة، دون الرقبة، وهو نوع من الغصب، يجب فيه الكراء مطلقاً.
والثالث - الاستهلاك بإتلاف الشيء كقتل الحيوان، أو تحريق الثوب كله أو تخريقه، وقطع الشجر، وكسر الزجاج، وإتلاف الطعام والدنانير والدراهم، وشبه ذلك.
والرابع - التسبب في التلف، من فتح حانوتاً لرجل، وتركه مفتوحاً، فسرق، أو فتح قفص طائر فطار، أو حل رباط دابة فهربت، أو أوقد ناراً في يوم ريح، فأحرقت شيئاً، أو حفر بئر تعدياً، فسقط فيه إنسان أو بهيمة، أو مزق وثيقة، فضاع ما فيها من الحقوق.
فمن فعل شيئاً مما ذكر فهو ضامن لما استهلكه، أو أتلفه، أو تسبب في إتلافه، سواء تم الفعل عمداً أو خطأ.
стр. 4656
٣ - وعرف الشافعية والحنابلة (١) الغصب بأنه: الاستيلاء على حق الغير (من مال أو اختصاص) عدواناً، أي على وجه التعدي أو القهر بغير حق.
وهذا التعريف يشمل أخذ الأموال المتقومة والمنافع وسائر الاختصاصات كحق التحجر (أي إحياء الأرض الموات بوضع الأحجار على حدودها)، والأموال غير المتقومة كخمر الذمي، وما ليس بمال، كالكلب والسرجين وجلد الميتة، وأما أخذ مال الحربي فهو أخذ بحق.
ثالثاً - أثر اختلاف الفقهاء في ضابط الغصب: اختلف الفقهاء في ضابط الغصب الذي يتحقق به على رأيين:
١ - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف (٢): الغصب: هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة، بفعل في المال، أي أن الغصب لا يتحقق إلا بأمرين هما: إثبات يد الغاصب (وهوأخذ المال) وإزالة يد المالك أي بالنقل والتحويل. وعبارتهم فيه: الغصب يتحقق بوصفين:
إثبات اليد العادِيَة، وإزالة اليد المحقة (٣).
٢ - وقال جمهور الفقهاء ومنهم المذاهب الثلاثة، ومحمد وزفر من الحنفية (٤): يتحقق الغصب بمجرد الاستيلاء، أي إثبات اليد على مال الغير بغير
стр. 4657
إذنه، ولا يشترط إزالة يد المالك. وليس المقصود من الاستيلاء أو أخذ مال الغير: هو الأخذ أو الاستيلاء الحسي بالفعل، وإنما يكفي الحيلولة بين المال وصاحبه، ولو أبقاه بموضعه الذي وضعه فيه.
ويظهر أثر الاختلاف بين الرأيين في غصب العقار وفي زوائد المغصوب وفي منافعه. كما يظهر أثر الاختلاف بين الحنفية وغيرهم باشتراط تقوم المال في غصب المال غير المتقوم.
١ - غصب العقار: لا يتصور الغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا في غصب المنقول فقط (١)؛ لأن إزالة يد المالك بالنقل والتحويل التي يتحقق بها معنى الغصب عندهما، لا تتحقق إلا في المنقولات. وأما العقار كالأرض والدار، فلايتصور وجود الغصب فيه، لعدم إمكان نقله وتحويله، فمن غصب عقاراً فهلك في يده بآفة سماوية كغلبة سيل، لم يضمنه عندهما، لعدم تحقق الغصب بإزالة اليد؛ لأن العقار في محله لم ينقل، فصار كما لو حال بين المالك وبين متاعه، فتلف المتاع. أما لو كان الهلاك بفعل الغاصب كأن هدمه، فيضمنه؛ لأن الغصب إذا لم يتحقق في العقار، فيعتبر الإتلاف.
وقال محمد وزفر من الحنفية وأئمة المذاهب الثلاثة (٢): يتصور غصب العقار من الأراضي والدور، ويجب ضمانها على غاصبها؛ لأنه يكفي - عند غير الحنفية - لتوافر معنى الغصب: إثبات يد الغاصب على الشيء بالسكنى ووضع الأمتعة وغيرها، ويترتب عليه ضمناً بالضرورة إزالة يد المالك، لاستحالة اجتماع اليدين
стр. 4658
على محل واحد في حالة واحدة، ويتحقق أيضاً عند محمد وزفر مبدؤهما: وهو إزالة يد المالك وإثبات يد الغاصب، وتحقق هذين الوصفين هو معنى الغصب، فصار العقار كالمنقول في تحقيق الوصفين المطلوبين لتصور الغصب.
ولأن ما يضمن في الإتلاف يجب أن يضمن في الغصب، فالعقار والمنقول مضمونان على السواء؛ وما يضمن في البيع يضمن أيضاً في الغصب؛ ولأن الغاية المطلوبة من الغصب وهي الانتفاع على وجه التعدي توجد في العقار، كما توجد في المنقول.
ويؤكدما سبق كله قوله ﷺ : «من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين» (١) وفي لفظ «من غصب شبراً من الأرض» فإنه يدل على تحقق الغصب في العقار؛ لأنه سماه غصباً.
وهذا الرأي هو الأرجح.
٢ - زوائد المغصوب أو النماء السماوي: لا تضمن زوائد المغصوب إذا هلكت بلا تعدّ، وإنما هي أمانة في يد الغاصب في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف (٢)، سواء أكانت منفصلة كالولد واللبن والثمرة، أم متصلة كالسمن والجمال؛ لأن الغصب عندهما هو إثبات يد الغاصب على مال الغير على وجه يزيل يد المالك كما تقدم، ويد المالك لم تكن ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب، أي أن عنصر (إزالة يد المالك) لم يتحقق هنا، كما لم يتحقق في غصب العقار.
فإن تعدّى الغاصب على الزيادة، لأن أتلفها أو أكلها أو باعها، أو طلبها مالكها فمنعها عنه، ضمنها؛ لأنه بالتعدي أو المنع صار غاصباً.
стр. 4659
وقال المالكية في الأرجح عندهم (١): إذا كانت الزيادة التي بفعل الله متصلة كالسمن والكبر فلا تكون مضمونة على الغاصب. وأما إذا كانت الزيادة منفصلة ولو نشأت من غير استعمال الغاصب كاللبن والصوف وثمر الشجر، فهي مضمونة على الغاصب إن تلفت أو استهلكت، ويجب ردها مع المغصوب الأصلي على صاحبها.
وقال محمد من الحنفية، والشافعية والحنابلة (٢): تضمن زوائد المغصوب في يد الغاصب، سواء أكانت متصلة كالسمن ونحوه، أم منفصلة كثمرة الشجرة وولد الحيوان، متى تلف شيء منه في يد الغاصب، لتحقق إثبات اليد العادِيَة (الضامنة)، لأنه بإمساك الأصل تسبب في إثبات يده على هذه الزوائد، وإثبات يده على الأصل محظور.
٣ - منافع المغصوب وغلته: لا يضمن الغاصب عند الحنفية (٣) منافع ما غصبه من ركوب الدابة، وسكنى الدار، سواء استوفاها أم عطلها؛ لأن المنفعة ليست بمال عندهم؛ ولأن المنفعة الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك، فلم يتحقق فيها معنى الغصب، لعدم إزالة يد المالك عنها.
وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع يجب فيها أجر المثل، في اختيار متأخري
стр. 4660
الحنفية، وعليه الفتوى، وهي أن يكون المغصوب وقفاً، أو ليتيم، أو معداً للاستغلال بأن بناه صاحبه أو اشتراه لذلك الغرض.
وإن نقص المغصوب أي ذاته باستعمال الغاصب غرم النقصان، لاستهلاكه بعض أجزاء العين المغصوبة، كما سأبين.
وأما غلة المغصوب كما سيأتي بيانه: فلا تطيب في رأي أبي حنيفة ومحمد للغاصب؛ لأنه لا يحل له الانتفاع بملك الغير. وقال أبو يوسف وزفر: تطيب له.
وقال المالكية في المشهور (١): يضمن الغاصب غلة مغصوب مستعمل، أي أنه يضمن غلة المغصوب ذاته الذي استعمله الغاصب، سواء كان المغصوب عقاراً من دور أو أرض سكنها أو زرعها أو كراها، أم منقولاً: حيواناً أو غيره، كراه أو استعمله، ولا يضمن ما نشأ من غير استعمال، ولو عطّله على صاحبه.
هذا في حالة غصب الذات، أما إن قصد الغاصب غصب المنفعة (وهي حالة التعدي عندهم كما تبين) فيلزمه كراء المثل.
والخلاصة: أن الغاصب يضمن فقط غلة ما استعمل، والمتعدي يضمن غلة ما عطل كدار أغلقها، وأرض بورها، ودابة حبسها، كما بان سابقاً.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): يضمن الغاصب منفعة المغصوب، وعليه أجر المثل، سواء استوفى المنافع، أم تركها تذهب، وسواء أكان المغصوب عقاراً كالدار، أم منقولاً كالكتاب والدابة ونحوهما؛ لأن المنفعة مال متقوم، فوجب