← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

المطلب الثاني - شروط إيجاب الضمان بالإتلاف. المطلب الثالث - كيفية الضمان أو ماهيته. وأبدأ ببحث كل منها فيما يأتي: المطلب الأول - تعريف الإتلاف وكونه سبب الضمان: الإتلاف (١): هو إخراج الشيء من أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة (٢) وهو سبب موجب للضمان؛ لأنه اعتداء وإضرار، والله تعالى يقول: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة:١٩٤/ ٢] وقال ﵊: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وإذا وجب الضمان بالغصب فبالإتلاف أولى؛ لأنه اعتداء وإضرار محض. ولا فرق بين أن يقع الإتلاف مباشرة: وهو إلحاق الضرر من غير واسطة بمحل التلف، أو تسبباً: وهو ارتكاب فِعلٍ في محل يفضي إلى تلف غيره. كما لا فرق في ضمان الإتلاف بين العمد والخطأ، ولا بين وجود البلوغ أو التمييز أو عدمه، فالمتلف عمداً أو خطأ ضامن باتفاق المذاهب الأربعة، والكبير أو الصغير أو المجنون أوالنائم المتلف ضامن أيضاً عند جمهور الفقهاء. وفرق المالكية بين الصبي المميز وغيره، فيغرم المميز ما أتلفه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال

стр. 4692

أما غير المميز فلا شيء عليه فيما أتلفه من نفس أو مال كالعجماء، ومثله المجنون (١). والمعتمد لدى المالكية إطلاق الضمان من المميز وغير المميز، جبراً للضرر. إلا أن الفقهاء اختلفوا في تقدير وجود السبب في بعض الحالات. منها ما يأتي: أولاً - فتح الباب أو حل الرباط: من فتح باب حانوت، ثم تركه مفتوحاً، فسرق، أو دل لصاً أو ظالماً على شيء فأخذه أو فتح قفص طائر، فطار، أو حل رباط دابة فهربت، أو فتح باب الإصطبل فخرجت، أو حل رباط سفينة، فغرقت أو ذهبت بها الريح. لا يضمن المتسبب في هذه الأمثلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف (٢)؛ لأن مجرد الفتح ونحوه ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبباً، لتدخل عنصر آخر من التلف، وهو السرقة أو الطيران أوا لهرب أو الغرق ونحوها، والسارق هو المباشر، والطير أو الدابة هو الذي اختار الهرب، والماء أو الريح كان السبب في الإغراق أو الضياع، فلم يكن مجرد فتح الباب أو حل الرباط سبباً محضاً، فلا حكم له. ويضمن هذا المتسبب عند المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن (٣)؛ لأنه تسبب في الإتلاف، وحدوث الضرر أمر متوقع في الطبع أو العادة. وهو الرأي المنطقي العادل في تقديري، وقد أخذت به المجلة: م (٩٢٢).

стр. 4693

وفصل الشافعية في الأمر (١) فقالوا: من فتح قفصاً عن طائر، وهيجه، فصار في الحال، ضمنه، لأنه ألجأه إلى الفرار، وإن اقتصر على الفتح، فالأظهر أنه إن طار في الحال: ضمن؛ لأن طيرانه في الحال يشعر بتنفيره، وإن وقف ثم طار، فلا يضمنه؛ لأن طيرانه بعد الوقوف يشعر باختياره. وهذا التفصيل ينطبق على حل رباط بهيمة، أو فتح باب إصطبل ونحوه. وكذلك لو حلّ رباطاً عن علف في وعاء، فأكلته بهيمة في الحال، ضمنه، أما من فتح باب حانوت فسرقه إنسان، أو دلّ سارقاً، فسرق، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يوجد منه سبب يمكن تعليق الضمان عليه به. وإن حلّ رباط سفينة، فغرقت، فإن غرقت في الحال ضمن؛ لأنها تلفت بفعله. وإن وقفت، ثم غرقت: فإن كان بسبب حادث كريح هبت، لم يضمن لأنها غرقت بغير فعله. وإن غرقت من غير سبب حادث ففيه رأيان: أحدهما - لا يضمن كالزِّق إذا ثبت بعد فتحه، ثم سقط. والثاني - يضمن لأن الماء أحد المتلفات. ثانياً - فتح وعاء السمن (الزق): لو فتح إنسان زقاً (ظرفاً) فيه زيت أو سمن ونحوهما، فخرج ما فيه: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف (٢): إن كان الزيت ذائباً، فسال منه، ضمن. وإن كان السمن جامداً، فذاب بالشمس، وزال، لم يضمن؛ لأن المائع يسيل

стр. 4694

بطبعه إن وجد منفذاً بحيث يستحيل استمساكه عادة، فكان حل الرباط إتلافاً له تسْبيباً، أما الجامد فلا يسيل بطبعه، فإن سال بحرارة الشمس، فلا يعد فاتح الظرف سبباً في إتلافه، ولا مباشراً له. وقال المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن (١): يضمن من شق زق إنسان فيه دهن مائع، فسال، وهلك. أو حل وكاء زق جامد، فأذابته الشمس، فاندفق. أو بقي الزق بعد حله قاعداً، فألقته ريح، أو زلزلة، فاندفق، فخرج ما فيه كله في الحال، أو خرج قليلاً قليلاً، أو خرج منه شيء بلَّ أسفله فسقط فاندفق؛ لأن المتسبب متعد في جميع ذلك، سواء حدث الضرر عقب فعله أو تراخى عنه. وهذا الرأي هو المعقول. وفصل الشافعية فقالوا (٢): إذا كان الزِّق مطروحاً على الأرض، فخرج ما فيه بالفتح وتلف، يضمن، حتى ولو كان التقاطر بإذابة شمس، أو حرارة، أو ريح، مع مرور الزمن؛ لأن الإتلاف ناشئ عن فعله، سواء حضر المالك، وأمكنه تدارك الأمر، فلم يفعل، أم لا. وهذا كما قال المالكية ومن معهم. أما إذا كان الزق منصوباً على شيء، ففتحه: فإن سقط بالفتح وخرج ما فيه أو بابتلال أسفله منه، ضمن، وإن سقط بسبب ريح، أو نحوها كزلزلة، ووقوع طائر، أو جهل الحال، فلم يعلم سبب سقوطه، لم يضمن؛ لأن التلف لم يحصل بفعله. ثالثاً - الترويع: إذا بعث الحاكم إلى امرأة يستدعيها إلى مجلس القضاء، فأجهضت جنينها فزعاً، أو زال عقلها:

стр. 4695

فقال أبو حنيفة وابن حزم (١): لا ضمان في شيء من ذلك على أحد، إذ ليس السبب متصلاً بالنتيجة قطعاً. وقال جمهور الفقهاء (٢): يضمن الحاكم الدية، لحادثة عمر الذي استدعى امرأة فأجهضت، وقد سبق الكلام عنها في الجنايات. رابعاً - الحيلولة والحبس: من حبس المالك عن ماله حتى تلف المال، أو عن ماشيته حتى تلفت، فقال جمهور الحنفية (٣): إن كان المال منقولاً ضمن، وإن كان عقاراً لم يضمن. وهذا هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف اللذين يريان إمكان تحقق الغصب في المنقول دون العقار. وقال محمد: يجري الغصب فيهما. وقال المالكية والحنابلة (٤): على من فعل ذلك ضمان ما تلف به؛ لأنه سبب هلاكه. وقال الشافعية (٥): إن قصد المتسبب منع المالك عن ملكه، ضمن، وهو مبدأ الحيلولة: وهي أن يحول بين الشخص وبين ملكه حائل حتى تلف. وإن لم يقصد منعه عن ملكه، ولم يضمن لأنه لم يتصرف في المال، وإنما تصرف في المالك. وبه يظهر أن الحيلولة بين المالك وملكه سبب رابع من أسباب الضمان بعد

стр. 4696

(العقد، واليد، والإتلاف) عند جمهور الفقهاء، وعند الحنفية في المنقول دون غيره. المطلب الثاني - شروط إيجاب الضمان بالإتلاف: يشترط لإيجاب الضمان بسبب الإتلاف ما يأتي (١): ١ - أن يكون الشيء المتلف مالا ً، فلا ضمان بإتلاف الميتة وجلدها، والدم، والتراب العادي، والكلب، والسرجين النجس، ونحوها مما ليس بمال عرفاً وشرعاً. ٢ - أن يكون متقوّماً بالنسبة للمتلف عليه، والمتقوم: هو ما يباح الانتفاع به شرعاً في غير حال الاضطرار، فلا ضمان بإتلاف خمر أو خنزير لمسلم، سواء أكان المتلِف مسلماً أم ذمياً، لعدم تقوم الخمر والخنزير في حق المسلم، إذ لايباح له الانتفاع بهما شرعاً، فلا قيمة لهما. أما خمور وخنازير غير المسلم أي الذمي، فيضمنها المتلف مسلماً أو غيره، ويلزم المسلم بالقيمة، وغير المسلم بالمثل، عند الحنفية والمالكية، لتعديه عليها، ولأنها مال محترم عند غير المسلمين. ولا تضمن عند الشافعية والحنابلة؛ إذ لا قيمة لها كالدم والميتة وسائر الأعيان النجسة، وما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه، كما بان في غصب غير المتقوم.

стр. 4697

ولا ضمان عند جمهور الفقهاء ومنهم الصاحبان بإتلاف الأصنام وآلات اللهو والفساد كالمزمار والرباب والعود ونحوها من أدوات الموسيقا، لعدم تقوّمها؛ لأن منفعتها محرمة لا تقابل بشيء باعتبارها أدوات لهو، فلا قيمة لها، كما تبين في غصب غير المتقوم. وقال أبو حنيفة والشافعي: تضمن باعتبارها خشباً منحوتاً فقط؛ لأن هذه الآلات كما تصلح للهو والفساد، تصلح للانتفاع بها من وجه آخر، فكانت مالاً متقوماً من تلك الناحية فقط. ولا ضمان أيضاً بإتلاف الأموال المباحة التي ليست مملوكة لأحد لعدم تقوّمها؛ لأن التقوم ينبني على كون الشيء عزيز المنال، خطير الأهمية، وهذا المعنى لا يتحقق إلا بالإحراز والاستيلاء. ولا ضمان كذلك بتحريق كتب الفسق والضلال، لاشتمالها على الكذب ولإلحاقها ضرراً بعقيدة الناس ووحدتهم، فيجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بالإتلاف من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر الذي أمر به الرسول ﷺ (١)، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها كما لا ضمان في كسرأواني الخمر وشق زقاقها (أي ظروفها وأوعيتها)، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف المخالفة للمصحف الموحد الخط: وهو مصحف عثمان، لما خافوا على الأمة من الاختلاف في التلاوة لاختلاف اللهجات وطرائق النطق (٢). ٣ - أن يكون التلف (أو الضرر) محققاً بنحو دائم: فإذا أعيد الشيء إلى الحالة التي كان عليها فلا ضمان، كأن عولج المرض أو نبتت سن الحيوان في المدة

стр. 4698

التي بقي فيها الشيء في يد المعتدي؛ لأن النقص الحاصل عندما أزيل أو السن عندما نبتت ثانياً، جعل الضرر كأن لم يكن، ويرد على المعتدي ما أخذ منه بسبب النقصان، لأنه تبين أن النقصان لم يكن موجباً للضمان لعدم تحقق شرط الوجوب وهو العجز عن الانتفاع على طريق الدوام. وهذا رأي أبي حنيفة. وقال الصاحبان: على الجاني الأرش كاملاً؛ لأن الجناية وقعت موجبة له، والذي نبت نعمة جديدة من الله (١). ٤ - أن يكون المتلف أهلاً لوجوب الضمان: فلا يضمن ما تتلفه بهيمته من أموال؛ لأن فعل العجماء جُبَار أي هدر. ولا يشترط التمييز عند بعض المالكية لإيجاب الضمان كما تقدم (٢). ٥ - أن يكون في إيجاب الضمان فائدة: حتى يتمكن صاحب الحق من الوصول إلى حقه، فإن لم يكن في التضمين فائدة، أي عدم القدرة على تنفيذ الحكم الصادر بالتعويض، فلا ضمان. وعليه فلا ضمان على المسلم بإتلاف مال الحربي (٣)، ولا على الحربي بإتلاف مال المسلم في دار الحرب؛ إذ ليس لحاكم بلد سلطة أو ولاية لتنفيذ الأحكام على رعايا بلد آخر. وليس مال الحربي بالنسبة للمسلم وعكسه محترماً، أي مصوناً يجب الحفاظ عليه، وإنما هو هَدَر. لهذا اشترط الفقهاء في الضمان أن يكون المال محترماً، فمال الحربي في نظر الشرع مباح، فمن أخذه لا يعد غاصباً (٤).

стр. 4699

ولا ضمان أيضاً على العادل إذا أتلف مال الباغي، ولا على الباغي إذا أتلف مال العادل (١)، لعدم إمكان الوصول إلى الضمان لعدم وجود الولاية والسلطة. وقيّد غير الحنفية (٢) عدم الالتزام بالضمان بين العادلين والبغاة بحال الحرابة (أو الحرب أو الخروج على الإمام) لعذر البغاة بالتأويل. وأضاف الشافعية (٣) على هذه الشروط أن تثبت اليد على المال: فلا يضمن الشخص طائراً فزع من مسيره من غير قصد، فخرج من القفص الذي كان مفتوحاً، ولا يضمن المشتري مبيعاً تلف قبل القبض. وأما شروط الضمان في الإتلاف تسببا ً فهي ثلاثة كما ذكر الحنفية (٤): ١ - التعدي: أن يحدث تعد من فاعل السبب. والتعدي: هو تجاوز الحق، أو ما يسمح به الشرع، كأن يحفر شخص بئراً في الطريق العام من غير إذن الحاكم، أو في غير ملكه عدواناً، أو لا يتخذ الاحتياطات الواقية من وقوع الضرر ولو بإذن، فإذا سقط فيه إنسان أو حيوان، فالحافر ضامن. ومثله أن يؤجج رجل ناراً في يوم ريح عاصف، فيتعدى إلى إتلاف مال الغير؛ أو يحل وكاء وعاء فيه شيء مائع فاندفق؛ أو يمزق وثيقة فضاع ما فيها من الحقوق؛ أو يفتح قفصاً عن طائر،

стр. 4700

فطار في رأي غير أبي حنيفة وأبي يوسف، أو يحمل حملاً في الطريق، فيقع على شيء فيتلفه، أو يعثر أحد بالحمل، فيضمن في كل تلك الحالات لأنه أثر فعله الذي هو تعدي. ٢ - التعمد: وهو أن يصدر الفعل عن قصد وإرادة، كأن يتلف شِرْب (١) إنسان بأن يسقي أرضه بشرب غيره، أو يسد الماء عن أرض جاره، فتيبس مزروعاته، أو يجذب ثوب إنسان فيسقط منه ما يحمله فيه، فيتلف، فيضمن. أما إذا لم يكن هناك تعمد، كما لو جفلت دابة من رجل، فهربت وضاعت، فلا يضمن، لأنه غير متعمد أو غير متعد في الأدق. والحقيقة أن المراد بالتعمد هو التعدي، سواء أكان هناك قصد أم لا، فلو صاح مجنون بدابة شخص، فجفلت ووقع الراكب أو الحمل، فتلف، كان ضامناً المال. وإن لم يكن عنده قصد الإضرار، لكنه متعد. وتكون القاعدة؛ «المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي» و «المباشر ضامن وإن لم يتعد». ٣ - أن يؤدي السبب إلى النتيجة قطعاً، دون تدخل سبب آخر بحسب العادة: وبعبارة أخرى: ألا يتخلل بين السبب والمسبب فعل شخص آخر، أو ألا يكون التلف قد نشأ عن فعل آخر مختار مباشر، فإن تدخل عنصر آخر مختار، نسب الفعل إليه مباشرة. أي إن اشترك المباشر والمتسبب، ضمن المباشر إن كان السبب لا يؤثر في التلف بانفراده عادة، كمن حفر بئراً في مكان عدواناً، فجاء غير الحافر، وأردى فيه

стр. 4701

إنساناً أو حيواناً، فالضمان عليه دون الحافر، أما إن تردى فيه بهيمة أو غيرها بنفسها، فالحافر هو الضامن. وإن كان السبب يؤثر بانفراده، فإن المتسبب والمباشر يشتركان في الضمان، كما لو نخس رجل دابة آخر بإذنه، فوطئت إنساناً، فالضمان عليهما؛ لأن السبب هنا يؤثر بانفراده، كما أوضحت سابقاً في الجنايات. هذا … ولا يشترط في الضامن التمييز أو كونه بالغاً عاقلاً عند الفقهاء، فإن الصبي والمجنون يضمنان ما يتلفانه من أموال، كما بان سابقاً في تعريف الإتلاف. ولا تكون حالة الضرورة سبباً للإعفاء من الضمان، فمن اضطرحال الجوع مثلاً لتناول مال الغير، فإنه يلزمه ضمانه بالرغم من إباحة التناول حفاظاً على النفس من الهلاك؛ لأن القاعدة تقول: «الاضطرار لا يبطل حق الغير». ولا يصلح الجهل بكون المال المتلف مال الغير سبباً أيضاً للتخلص من الضمان. فالعلم بكون المتلف مال الغير، ليس بشرط لوجوب الضمان، فمن أتلف مالاً ظاناً أنه ملكه، ثم تبين أنه مملوك لغيره، ضمنه؛ لأن الإتلاف واقعة مادية لا يتوقف وجودها على العلم بكون التلف مال الغير. كل ما في الأمر أن الإتلاف إذا تم مع العلم، فيوجب الضمان والإثم الأخروي، وإذا حدث جهلاً فيوجب الضمان فقط، ويرتفع الإثم؛ لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعاً، لقوله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١).

стр. 4702

المطلب الثالث - كيفية الضمان أو ماهيته: الواجب بالإتلافات المالية هو الواجب بالغصب: وهو ضمان المثل إن كان المتلف مثلياً، وضمان القيمة يوم الإتلاف فيما لا مثل له؛ لأن ضمان الإتلاف ضمان اعتداء، والاعتداء لم يشرع إلا بالمثل. فعند الإمكان يجب العمل بالمثل المطلق (وهو المثل صورة ومعنى)، وعند التعذر يجب المثل معنى، وهو القيمة، كما في الغصب (١).

стр. 4703

لكن إن تلف المغصوب المثلي، وفقد مثله، فتجب قيمته يوم انقطاع المثل عند الحنابلة، لأن القيمة وجبت في الذمة حينئذ (المغني: ٥/ ٢٥٨). الفَصْلُ الثَّامن: دَفع الصَّائِل وحكم ضمان الفعل الدفاعي - الدفاع الشرعي وفيه مباحث أربعة: في مشروعية الدفاع ومراحله وحكمه، وشروطه، وهل هو حق أو واجب، وضمان الفعل. المبحث الأول - مشروعية الدفاع ومراحله وحكمه: إذا اعتدى إنسان على غيره في نفس أو مال أو عرض، أوصال عليه يريد ماله أو نفسه ظلماً، أو يريد امرأة ليزني بها أو صالت عليه بهيمة، فللمعتدى عليه، أو المصول عليه، ولغيره: أن يرد العدوان بالقدر اللازم لدفع الاعتداء بحسب تقديره في غالب ظنه، وللغير أن يعاونه في الدفاع، ولو عرض اللصوص لقافلة، جاز لغير أهل القافلة الدفع عنهم. ويبتدئ المدافع بالأخف فالأخف إن أمكن، فإن أمكن دفع المعتدي بكلام واستغاثة بالناس، حرم عليه الضرب، وإن أمكن الدفع بضرب اليد، حرم استخدام السوط، وإن أمكن الدفع بالسوط، حرم استعمال العصا، وإن أمكن الدفع بقطع عضو، حرم القتل، وإن لم يمكن الدفع إلا بالقتل أبيح للمدافع القتل؛ لأنه من ضرورات الدفع. فإن شهر عليه سيفاً أبيح للمدافع أن يقتله؛ لأنه لا يقدر

стр. 4704

على الدفع إلا بالقتل، إذ لو استغاث بالناس لقتله، قبل أن يلحقه الغوث، إذ تأثير السلاح فوري. والخلاصة: أن المدافع إن كان يعلم أن المهاجم ينزجر بصياح أو ضرب بما دون السلاح، فعل، وإلا جاز له استعمال السلاح، فالقتل أو السلاح جوز للضرورة استثناء من قاعدة «الضرر لا يزال بالضرر» ولا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل. ومن المعلوم أن (الضرورة تقدر بقدرها) حتى إن تمكن المعتدى عليه أو المصول عليه من الهرب أو الالتجاء لحصن أو جماعة، فيجب عليه ذلك، كما أوضح الشافعية والمالكية، وفي وجه عند الحنابلة، ويحرم قتال المعتدي أو الصائل حينئذ؛ لأن المعتدى عليه مأمور بتخليص نفسه بالأهون، وبما أن الهرب ونحوه أسهل من غيره، فلا يلجأ إلى الأشد (١)، قال العز بن عبد السلام: «إذا انكف الصوال عن الصيال حرم قتالهم وقتلهم» (٢). وأدلة مشروعية الدفاع كثيرة في القرآن والسنة والمعقول: أما من القرآن فقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله، واعلموا أن الله مع المتقين﴾ [البقرة:١٩٤/ ٢] فالأمر بالتقوى دليل على ضرورة التزام مبدأ المماثلة أو التدرج في الأخذ بالأخف فالأخف. ومن السنة: أحاديث منها «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (٣) فهذا

стр. 4705

دليل على جواز الدفاع عن الدين والنفس والمال والعرض، لأن النبي ﷺ لما جعل المدافع شهيداً، دل على أن له القتل والقتال. وأما جواز الدفاع عن الغير: فأساسه الحفاظ على الحرمات مطلقاً من نفس أو مال، فلولا التعاون، لذهبت أموال الناس وأنفسهم؛ لأن قطاع الطرق مثلاً إذا انفردوا بأخذ مال إنسان لم يُعنه غيره، فإنهم يأخذون أموال الكل واحداً واحداً، وكذلك غيرهم. وقد قال النبي ﷺ «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره» (١) وقال أيضاً: «من أذل عنده مؤمن، فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره، أذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة» (٢) وفي حديث «إن المؤمنين يتعاونون على الفُتّان» (٣). و حكم الدفاع الشرعي: هو الإباحة، فتكون أفعال الدفاع مباحة باتفاق الفقهاء (٤)، فلا مسؤولية على المدافع من الناحيتين المدنية والجنائية، إلا إذا تجاوز حدود المشروع، فيصبح عمله جريمة يسأل عنها مدنياً وجزائياً، وعليه القصاص. ولا يجوز للمدافع القتل إلا إذا ثبت ببينة أن الصائل لم يندفع إلا به، كأن يرى الشهود أن الصائل أقبل بسلاح مشهور على المدافع، فضربه هذا. ولا يقبل القول بمجرد ادعاء المدافع أنه قد هاجم منزله، فلم يمكنه دفعه إلا بالقتل، كما لا يقبل قول الشهود بأنهم رأوا الصائل داخلاً الدار ولم يذكروا سلاحاً. فإن لم يحضر أحد من الناس يقبل عند المالكية قول المدافع بيمينه (٥).

стр. 4706

المبحث الثاني - شروط دفع الصائل: يشترط لجواز دفع الصائل أربعة شروط وهي (١): ١ - أن يكون هناك اعتداء في رأي جمهور الفقهاء، وعند الحنفية: أن يكون الاعتداء جريمة معاقباً عليها. وعلى هذا فممارسة حق التأديب من الأب أو الزوج أو المعلم، وفعل الجلاد لا يوصف بكونه اعتداء. وفعل الصبي والمجنون وصيال الحيوان لا يوصف بكونه جريمة عند الحنفية. فإذا قتل الإنسان الجمل الصؤول ونحوه، ضمن قيمته على كل حال عند الحنفية؛ لأن الأموال تضمن حال الضرورة إلى إتلافها، والقاعدة عندهم أن «الاضطرار لا يبطل حق الغير» وأن جناية (العجماء جُبَار) أي هدر. وقال الجمهور عند الحنفية: لا غرم ولا ضمان على المدافع إذا لم يقدر على الامتناع منه إلا بضربه وقتله، لأنه قتله أثناء الدفاع الجائز، ولدفع شره، وقياساً على قتل الإنسان الصائل، وحرمة النفس أعظم من حرمة المال. وقياساً أيضاً على إهدار دم الصيد الحرمي إذا صال. ويختلف هذا عن حالة المضطر إلى طعام الغير، بأن الطعام لم يلجئ المضطر إلى إتلافه، ولم يصدر منه ما يزيل عصمته (٢). ومذهب غير الحنفية في صيال الحيوان والصبي والمجنون هو المعقول. ٢ - أن يكون الاعتداء حالاً: أي واقعاً بالفعل، لا مؤجلاً ولا مهدداً به فقط.

стр. 4707

٣ - ألا يمكن دفع الاعتداء بطريق آخر، فإذا أمكنه ذلك بوسيلة أخرى كالاستغاثة أو الاستعانة بالناس أو برجال الأمن، ولم يفعل، فهو معتد. ٤ - أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة: أي بالقدر اللازم لرد الاعتداء بحسب ظنه. بالأيسر فالأيسر، كما بينت في المطلب الأول. المبحث الثالث - هل دفع الصائل حق مباح أو واجب؟ الكلام على هذا المطلب يقتضي التفصيل في كل حالة من حالات الدفاع الشرعي على حدة. حكم الدفاع عن النفس: إذا هوجم إنسان بقصد الاعتداء على نفسه، أو عضو من أعضائه، سواء أكان الهجوم من إنسان آخر أم من بهيمة، فيجب على المعتدى عليه أن يدافع عن نفسه في رأي أبي حنيفة والمالكية، والشافعية (١)، إلا أن الشافعية قيدوا وجوب دفع الصائل في هذه الحالة بما إذا كان الصائل كافراً أو بهيمة؛ لأن الاستسلام للكافر ذل في الدين، والبهيمة تذبح لاستبقاء نفس الإنسان. وأما إذا كان الصائل مسلماً فالأظهر عند الشافعية أنه يجوز الاستسلام له، بل يسن لخبر أبي داود: «كن خير ابني آدم» يعني قابيل وهابيل، واشتهر ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم ينكر عليه أحد، وأضاف الشافعية بأن الدفع عن نفس غيره في الإيجاب وعدمه كالدفع عن نفسه.

стр. 4708

وقيد المالكية وجوب الدفاع بأن يكون بعد الإنذار ندباً كالمحارب إن أمكن: بأن يقول له: ناشدتك الله إلا ما تركتني ونحوه، فإن لم ينكف أو لم يمكن، جاز له دفعه بالقتل وغيره. ودليل القائلين بإيجاب الدفاع عن النفس قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥/ ٢] وقوله سبحانه ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات:٩/ ٤٩] ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة:١٩٤/ ٢] ﴿وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها﴾ [الشورى:٤٠/ ٤٢] وبما أن الإنسان يجب عليه صيانة نفسه بأكل ما يجده حال الجوع، فيجب عليه الدفاع عن نفسه. وقال الحنابلة (١)، ورأيهم هو المتفق مع السنة: إن دفع الصائل على النفس جائز لا واجب، سواء أكان الصائل صغيراً أم كبيراً أم مجنوناً، لقول النبي ﷺ في حال الفتنة: «اجلس في بيتك، فإن خفت أن يَبهرك شعاع الشمس، فغطِّ وجهك» وفي لفظ «تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل» (٢) وقد صح أن عثمان ﵁ منع عبيده أن يدافعوا عنه، وكانوا أربع مئة، وقال: «من ألقى سلاحه فهو حر». قالوا: وهذا مخالف لحال المضطر إلى الطعام: يلزمه الأكل منه؛ لأن في القتل شهادة، وإحياء نفس غيره، وفي الأكل إحياء نفسه من غير مساس بنفس أحد غيره.

стр. 4709

المبحث الرابع - ضمان الفعل: اتفق الفقهاء (١) على أن المعتدى عليه (المدافع) إذا قتل الصائل، فلا مسؤولية عليه من الناحيتين المدنية والجنائية، فلا دية ولا قصاص، لقوله ﵇: «من شهر سيفه ثم وضعه - ضرب به - فدمه هَدَر» (٢)، ولأن الصائل باغ، والمصول عليه كان يؤدي واجبه في الدفاع عن نفسه، ودفع الشر (٣). إلا أن الحنفية استثنوا مما ذكر: ما إذا كان الصائل صبياً أو مجنوناً أو دابة، فقتله المصول عليه، فيسأل مدنياً فقط لا جنائياً، فلا قصاص عليه، وإنما يدفع الدية عن الصبي والمجنون، ويضمن قيمة الدابة كما بينت في المبحث الثاني. وروي عن أبي يوسف: أنه يكون مسؤولاً مدنياً فقط عن قيمة الحيوان، ولاتجب الدية عليه في قتل الصبي والمجنون. ودليل الحنفية بالنسبة للدابة قوله ﷺ : «العجماء جُرْحها جُبَار» (٤) أي هَدر. وأما فعل الصبي والمجنون فلا يوصف بكونه جريمة أو بغياً، فلا تسقط به عصمة النفس، ولا يتوافر بالتالي شرط جواز الدفاع عن النفس؛ لأن من شرائطه أن يكون هناك اعتداء أو عدوان عندهم، كما تقدم، ولأن الدفاع شرع لدفع الجرائم، ولا جريمة ههنا. وقال أبو يوسف: يعد فعل الصبي والمجنون جريمة، بدليل أنه يجب عليهما

стр. 4710

ضمان المتلفات، إلا أنه رفع العقاب عنهما لعدم الإدراك. أما فعل الدابة، فليس جريمة، ولا يجب الضمان على ما تتلفه؛ لأن العجماء جبار والشرط أن يكون الاعتداء جريمة. والخلاصة: أن أبا حنيفة لا يرى وجوداً لحالة الدفاع في صيال الصبي والمجنون والحيوان، وإنما يحق الدفاع على أساس الضرورة، أي فيجب الضمان أو التعويض. وأما أبو يوسف فيرى وجود حالة الدفاع إذا صال الصبي أو المجنون، كما هو رأي غير الحنفية. أما إذا صال الحيوان فيدفع على أساس الضرورة، فتجب قيمته بإتلافه. وأما جمهور الفقهاء فيرون توافر حالة الدفاع في كل الحالات المذكورة؛ لأن من واجب الإنسان أن يدافع عن النفس والمال عند كل اعتداء، وإن فعل الاعتداء بذاته لا يحل دم الصائل، ولكنه يوجب أو يجيز منع الاعتداء، على الخلاف السابق بينهم على رأيين، فالمطالبة بمنع الاعتداء هو الذي أحل دم الصائل، وليس الاعتداء ذاته، فلايشترط إذن أن يكون الاعتداء ذاته جريمة معاقباً عليها. ورأي الحنابلة (١): أن من دفع صائلاً عن نفسه أو عن ولده ونسائه ومحارمه كأخته وعمته بالقتل لم يضمنه، ولو دفعه عن غيره بالقتل ضمنه. حكم العاض: وأما من عض يد إنسان، فانتزعها منه، فسقطت أسنانه، فلاضمان عليه، أي لا يسأل مدنياً بدفع الدية عند غير المالكية، بدليل حديث عمران بن حصين «أن رجلاً عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيتاه (٢)، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: يَعضُّ أحدكم يد أخيه، كما يعض الفَحْل (٣)، لا

стр. 4711

دية لك» (١) وحديث يعلى بن أمية قال: «كان لي أجير، فقاتل إنساناً، فعض أحدهما صاحبه، فانتزع أصبعه، فأنذر ثنيته (أي أزالها)، فسقطت، فانطلق إلى النبي ﷺ ، فأهدر ثنيته، وقال: أيدع يده في فيك، تقضَمها كما يَقْضَم الفحل» (٢). وقال المالكية: إنه يجب الضمان في مثل ذلك، لقوله ﷺ : «في السن خمس من الإبل» (٣) ولكن قال يحيى بن يعمر وابن بطال: لو بلغ مالكاً هذا الحديث - حديث ابن الحصين ويعلى - لم يخالفه (٤). حكم الدفاع عن العرض: إذا أراد فاسق الاعتداء على شرف امرأة، فيجب عليها باتفاق الفقهاء (٥) أن تدافع عن نفسها إن أمكنها الدفع؛ لأن التمكين منها للرجل حرام، وفي ترك الدفاع تمكين منها للمعتدي، ولها قتل الرجل المكره، ولو قتلته كان دمه هَدراً، إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل. وكذلك يجب على الرجل إذا رأى غيره يحاول الاعتداء على امرأة أن

стр. 4712

يدفعه، ولو بالقتل إن أمكنه الدفاع، ولم يخف على نفسه؛ لأن الأعراض حرمات الله في الأرض، لا سبيل إلى إباحتها بأي حال، سواء عرض الرجل أو عرض غيره. ولا يسأل المدافع جنائياً ولا مدنياً، فلا قصاص ولا دية عليه، لظاهرالحديث: «من قتل دون أهله فهو شهيد» (١) ولما ذكره الإمام أحمد من حديث الزهري بسنده عن عبيد بن عمير: «أن رجلاً أضاف ناساً من هذيل، فأراد امرأة على نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبداً»، ولأنه إذا جاز الدفاع عن المال الذي يجوز بذله وإباحته، فدفاع المرأة أو الرجل عن أنفسهم، وصيانتهم عن الفاحشة التي لاتباح بحال: أولى. الزاني بامرأته: كذلك لاقصاص ولا دية في المذاهب الأربعة (٢) على من وجد رجلاً يزني بامرأته، فقتله، لما روي: «أن عمر ﵁ بينما هو يتغدى يوماً، إذ أقبل رجل يعدو، ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم، فجاء حتى قعد مع عمر، فجعل يأكل، وأقبل جماعة من الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته، فقال عمر: ما يقول هؤلاء؟ قال: ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف، فإن كان بينهما أحد، فقد قتله، فقال لهم عمر: مايقول؟ قالوا: ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته، فأصاب وسط الرجل، فقطعه باثنين، فقال عمر: إن عادوا فعد» (٣). وإذا كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها. وإن كانت مكرهة فعليه القصاص.

стр. 4713

ولا بد من البينة كما تقدم في حكم الدفاع. وفي البينة روايتان عند الحنابلة: في رواية: أنها أربعة شهداء، لما روي عن علي ﵁ أنه سئل عن رجل دخل بيته، فإذا مع امرأته رجل، فقتلها وقتله، قال علي: إن جاء بأربعة شهداء، وإلا فليعط برمته أي تضمين ديته. ولما روى أبو هريرة: «أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله، حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي ﷺ : نعم» (١). وفي رواية أخرى: إنه يكفي شاهدان، لأنه البينة تشهد على وجوده على المرأة، وهذا يثبت بشاهدين، وإنما الذي يحتاج إلى أربعة هو الزنا، وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنا. فإن لم تكن بينة فادعى الزوج علم ولي المرأة بالزنا، فالقول قول الولي بيمينه، عند الحنابلة. الاطلاع على داخل البيوت: لو اطلع إنسان بدون إذن على بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه، فرماه صاحب البيت بحصاة أو طعنه بعود، فقلع عينه، فلا مسؤولية عليه جنائياً ولا مدنياً، أي لا قصاص ولا دية عند الشافعية والحنابلة (٢)، لقوله ﷺ : «لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن، فخذفته (٣) بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح» (٤). وقوله ﵊: «من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد

стр. 4714

حل لهم أن يفقؤوا عينه» (١) وفي لفظ «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا دية له ولا قصاص» (٢). هذا إذا رماه بشيء خفيف كحصاة. أما إذا رمى صاحب الدار الناظر بما يقتله عادة كحجر قاتل، أو حديدة ثقيلة، أو نشاب، فيلزم بالقصاص، أو الدية عند العفو عنه؛ لأن له ما يقلع به العين المبصرة التي حصل الأذى منها، دون مايتعدى إلى غيرها. فإن لم يندفع الناظر بالشيء اليسير، جاز - كما في الصيال - رميه بأشد منه، حتى القتل، سواء أكان الناظر في الطريق، أم في ملك نفسه، أم في غيرهما. وقد بين النبي ﷺ الحكمة من منع الاطلاع على البيوت فقال: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (٣). وقال الحنفية والمالكية (٤): يسأل جنائياً صاحب الدار في هذه الحالة، فيجب عليه القصاص أو الدية، لقوله ﵊: «في العين نصف الدية» (٥)، ولأن مجرد النظر بالعين لايبيح الجناية على الناظر، كما لو نظر من الباب المفتوح، وكما لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته ما دون الجماع، لم يجز قلع عينه، فمجرد النظر أولى.

стр. 4715

ويلاحظ أن الاختلاف بين الرأيين هو فيمن نظر من خارج الدار، أما لو أدخل شخص رأسه، فرماه صاحب الدار بحجر، ففقأ عينه، فلا يضمن إجماعاً. حكم الدفاع عن المال: قرر جمهور الفقهاء أن الدفاع عن المال جائز، لا واجب، سواء أكان المال قليلاً أم كثيراً، إذا كان الأخذ بغير حق، ولا قصاص على المدافع إن التزم الدفع بالأسهل فالأسهل، لما رواه أبو هريرة. قال: «جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك (وفي لفظ: قاتل دون مالك)، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: هو في النار» (١) قال العلماء: فإن قتله فلا ضمان عليه، لعدم التعدي منه عليه، والحديث عام لقليل المال وكثيره. وسبب التفرقة بين الدفاع عن المال، والدفاع عن النفس أو العرض عند القائلين بوجوب الدفاع عن غير المال: هو أن المال مما يباح بالإباحة والإذن، أما النفس فلا تباح بالإباحة. وقال بعض المالكية: لا يجوز الدفاع عن المال إذا كان شيئاً يسيراً. ولكن ظاهر الأحاديث السابقة وعمومها يرد على التفرقة بين القليل والكثير كما تقدم. وقال بعض العلماء: إن المقاتلة عن المال واجبة. وهذا رأي المالكية بعد الإنذار كما أوضحت (٢).

стр. 4716

وفرق الشافعية (١) بين أنواع المال فقالوا: لا يجب الدفع عن مال لا روح فيه، لأنه يجوز إباحته للغير. أما ما فيه روح: فيجب الدفع عنه إذا قصد إتلافه، ما لم يخش على نفسه أو عرضه، لحرمة الروح، حتى لو رأى أجنبي شخصاً يتلف حيوان نفسه إتلافاً محرماً، وجب عليه دفعه على الأصح. وكذلك يجب عليه الدفع عن مال متعلق به حق الغير كرهن وإجارة. لكن أضاف الشافعية: لو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها، ضمنها في الأصح، إذ لا قصد لها ولا اختيار، حتى يحال السبب عليها، فصار المدافع عن المال كالمضطر إلى طعام غيره، يأكله ويضمنه.

стр. 4717

الفَصْلُ التَّاسِع: اللّقطة واللّقيط اللقطة لغة: بسكون القاف أو فتحها: ما وجد بعد طلب أي ما يلتقط، قال تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون﴾ [القصص:٨/ ٢٨] وهي بهذا المعنى اللغوي العام تشمل ما يلتقطه الإنسان من بني آدم أو الأموال، أو الحيوان. واللقَطة بفتح القاف أيضاً: الكثير الالتقاط. إلا أن الحنفية وغيرهم ميزوا في بحوثهم الفقهية بين اللقيط، واللقطة، والضالة. لذا أذكر معنى اللقيط، وأحكامه، ومعنى اللقطة وأحكامها، وأبين نوعي اللقطة: لقطة الأموال، ولقطة الحيوان أي الضالة، وأختم البحث بمعرفة ما يصنع باللقطة. ويكون الكلام في مبحثين: المبحث الأول - حقيقة اللقيط وأحكامه: اللقيط لغة: هو ما يلقط أي يرفع من الأرض، وعرفاً: هو الطفل المفقود المطروح على الأرض عادة، خوفاً من مسؤولية إعالته، أو فراراً من تهمة الريبة أو الزنا فلا يعرف أبوه ولا أمه، أو لسبب آخر. أحكامه: الالتقاط عند الحنفية مندوب إليه وهو من أفضل الأعمال؛ لأنه يترتب عليه إحياء النفس، ويكون فرض كفاية إن غلب على الظن هلاك الولد لو لم يأخذه، كأن وجد في مغارة ونحوها من المهالك، لحصول المقصود بالبعض وهو صيانته.

стр. 4718

وقال باقي الأئمة: التقاط الولد فرض كفاية إلا إذا خاف هلاكه ففرض عين. وهناك أحكام فرعية أخرى تتعلق باللقيط منها (١): ١ - إن الملتقط أولى بإمساك اللقيط من غيره: فإن شاء تبرع بتربيته والإنفاق عليه، وإن شاء رفع الأمر إلى الحاكم، ليأمر أحداً بتربيته على نفقة بيت المال؛ لأن بيت المال معدّ لحوائج جميع المسلمين .. هذا إذا لم يكن للقيط مال، فإن كان له مال، بأن وجد الملتقط معه مالاً، فتكون النفقة من مال اللقيط؛ لأنه غير محتاج إليه، فلا يثبت حقه في بيت المال، وهذا الحكم مجمع عليه بين العلماء (٢). ولو أنفق عليه الملتقط من مال نفسه: فإن أنفق بإذن القاضي، فله أن يرجع على اللقيط بعد بلوغه، وإن أنفق بغير إذن القاضي يكون متبرعاً، ولا يرجع على اللقيط بما أنفق عليه بعد استكماله البلوغ. واللقيط كاللقطة أمانة في يد الملتقط. ٢ - إن الولاية على اللقيط في نفسه وماله للقاضي: أي بالنسبة للحفظ والتعليم والتربية والتزويج والتصرف من ماله، لقوله ﵊: «السلطان ولي من لا ولي له» (٣) وليس للملتقط ولاية التزويج أو التصرف في المال.

стр. 4719

وإذا زوج الحاكم اللقيط فالمهر يدفع من بيت المال، إلا إذا كان للقيط مال، فيكون في ماله. كذلك يدفع للقيط من بيت المال ما يحتاج إليه من نفقة وكسوة ودواء ونحوها، وهو مروي عن عمر وعلي ﵄، ولأن بيت المال معد للصرف إلى مثله من المحتاجين، كالمقعد الذي لا مال له، ولأن ميراثه لبيت المال، والخراج بالضمان أي لبيت المال غنمه أي (ميراثه) وديته، وعليه غرمه. ٣ - إن اللقيط حر مسلم: لأن الأصل في الإنسان إنما هو الحرية، والأصل بقاء ما كان حتى يوجد ما يغيره، ولأن الدار دار إسلام ودار حرية، فمن كان فيها يكون حراً بمقتضى الأصل العام، إذ هو الحكم الغالب والأمر الظاهر، ويكون أيضاً مسلماً تبعاً لدار الإسلام. وبناء عليه، إذا وجد اللقيط مسلم في بلد إسلامي يكون مسلماً، حتى لو مات يغسل ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، أما إذا وجده ذمي أو مسلم في بِيعة (معبد) النصارى أو كنيسة اليهود أو في قرية ليس فيها مسلم يكون ذمياً تحكيماً للظاهر. ولو وجده ذمي في بلد إسلامي يكون مسلماً، أي أن العبرة للمكان. وفي رواية النوادر عند ابن سماعة: ينظر إلى حال الواجد من كونه مسلماً أو ذمياً ولا يلتفت إلى المكان؛ لأن اليد (أي الحيازة) أقوى من المكان، بدليل أن تبعة الأبوين فوق تبعة الدار. وفي رواية أخرى يكون اللقيط مسلماً بحسب حال الواجد، أو المكان. قال الكاساني: والصحيح هذه الرواية، فإذا وجده مسلم في بلد إسلامي

стр. 4720

كان مسلماً تبعاً للدار، وإذا وجده كافر في دار الإسلام كان مسلماً، أو وجده ذمي أو مسلم في كنيسة كان ذمياً (١). فتكون الأقوال ثلاثة: العبرة للمكان، أو العبرة للواجد، أو العبرة للمكان أو الواجد، والقول الثالث هو الأصح عند الحنفية. وقال الشافعية والحنابلة: إذا وجد لقيط بدار الإسلام فهو مسلم، وإن وجد بدار الكفار فكافر إن لم يسكنها مسلم كأسير وتاجر، فإن سكنها مسلم فهو مسلم في الأصح (٢) تغليباً للإسلام، بدليل ما روى أحمد والدارقطني: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه». ٤ - حكم النسب: يعتبر اللقيط مجهول النسب، حتى لو ادعى إنسان نسبة اللقيط تصح دعوته،، ويثبت النسب منه. وبناء عليه: لو ادعى الملتقط أو غيره أن اللقيط ابنه تسمع دعواه من غير بينة، والقياس ألا تسمع إلا ببينة. وجه القياس ظاهر، وهو أنه يدعي أمراً يحتمل الوجود وعدمه، فلا بد من ترجيح أحد الجانبين على الآخر بمرجح، وذلك بالبينة، ولم توجد. ووجه الاستحسان: أن هذا الادعاء إقرار بما ينفع اللقيط؛ لأنه يتشرف بالنسب ويعير بفقده، وتصديق المدعي في مثل هذا لا يتطلب البينة. لكن لو ادعى نسبه ذمي تقبل دعواه، ويثبت نسبه منه، لكنه يكون مسلماً؛ لأن ادعاء النسب يقبل فيما ينفع اللقيط لا فيما يضره، ولا يلزم من كونه ابناً له أن يكون كافراً، كما لو أسلمت أمه مثلاً، فيلحق الولد خير الأبوين ديناً، كما هو معروف.

стр. 4721

ولو ادعاه رجلان أنه ابنهما، ولا بينة لهما، فإن كان أحدهما مسلماً، والآخر ذمياً، فالمسلم أولى بثبوت نسبه منه؛ لأنه أنفع للقيط. وإن كان المدعيان مسلمين حرين: فإن وصف أحدهما علامة في جسد الولد، فهو أحق به عند الحنفية؛ لأن ذكر العلامة يدل على أنه كان في يده، فالظاهر أنه له، فيترجح بها، بدليل قوله تعالى مخبراً عن أهل امرأة عزيز مصر: ﴿إن كان قميصه قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قدّ من دُبُر، فكذبت وهو من الصادقين﴾ [يوسف:٢٦/ ١٢ - ٢٧]. وإن لم يصف أحدهما علامة، أو أقام كل منهما البينة، يحكم بكونه ابناً لهما، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وقد روي عن سيدنا عمر في مثل هذا أنه قال: إنه ابنهما يرثهما ويرثاه. وإن ذكر أحدهما بينة، والآخر علامة، فصاحب البينة أولى؛ لأنه ترجح جانبه بمرجح. وقال الشافعية: إن ادعى اللقيط اثنان ولم يكن لأحدهما بينة، عرض اللقيط على القائف (١) فيلحق من ألحق به؛ لأن في إلحاقه أثراً في الانتساب عند الاشتباه (٢). وإن ادعت امرأة أن اللقيط ابنها: فإن لم يكن لها زوج، لا يصح ادعاؤها؛ لأن فيه حمل نسب شخص على الغير وهو الزوج، وهو لا يجوز. وإن كان لها

стр. 4722

زوج فصدقها في ادعائها أو شهدت لها القابلة، أو شهد لها شاهدان، ثبت النسب منها. ولو ادعته امرأتان، وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به، وإن أقامت كل منهما البينة، فهو ابنهما عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف: لا يكون لواحدة منهما. وعن محمد روايتان: في رواية يجعل ابنهما، وفي رواية: لا يجعل ابن واحدة منهما. المبحث الثاني - اللقطة و أحكامها ونوعاها وما يصنع بها: ينقسم هذا المبحث إلى مطالب ثلاثة: المطلب الأول - معنى اللقطة وأحكامها: اللقطة - بضم اللام وفتح القاف أو سكونها، وحكى ابن مالك فيها أربع لغات: وهي لقاطة، ولقطة بضم اللام وسكون القاف، وبضم اللام وفتح القاف، ولقط بفتح اللام والقاف بلا تاء مربوطة. وقال الخليل بن أحمد: هي بفتح القاف وصف مبالغة لاسم الفاعل: وهو الملتقط، مثل هُمَزة ولُمَزة، وبسكون القاف وصف مبالغة لاسم المفعول: مثل ضُحْكة للذي يضحك منه، وهُزْأة للذي يهزأ به، وإنما قيل للمال الملتقط لقطة؛ لأن طباع النفوس في الغالب تبادر إلى التقاطه؛ لأنه مال. وهي شرعاً كما قال ابن قدامة الحنبلي: المال الضائع من ربه يلتقطه غيره. وبنحوه في التتارخانية من كتب الحنفية: هي مال يوجد، ولا يعرف مالكه، وليس بمباح كمال الحربي.

стр. 4723

أحكامها: للقطة أحكام من حيث الندب ومن حيث الضمان وغيرهما: ١ - أما حكمها من حيث الندب وغيره: فهو مختلف فيه عند الفقهاء، فقال الحنفية والشافعية: الأفضل الالتقاط؛ لأن من واجب المسلم أن يحفظ مال أخيه المسلم، لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة:٢/ ٥] وقوله ﷺ : «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (١) فيكون الالتقاط سبيلاً لحفظ المال، ثم رده على صاحبه، لأنه ربما وقع في يد إنسان غير مؤتمن، فيأخذه، أما الأمين فيساعد في رد المال لصاحبه، وكف الأيدي الآثمة عنه. فإن لم يثق بأمانة نفسه وخشي استباحته، كره له الالتقاط، وإن علم من نفسه الخيانة، دون الرد على صاحبه، حرم الالتقاط، لقوله ﷺ فيما يرويه أحمد عن جرير بن عبد الله: «لا يأوي الضالة إلا ضال، ما لم يعرّفها». وقال المالكية والحنبلية بكراهية الالتقاط، لقول ابن عمر وابن عباس، ولأنه تعريض لنفسه لأكل الحرام، ولما يخاف أيضاً من التقصير فيما يجب لها من تعريفها وردها لصاحبها وترك التعدي عليها (٢). هذا هو الحكم العام، ثم فصل علماء كل مذهب تفصيلات مذهبية، المهم منها الإشارة إلى مذهب الحنفية، ومثلهم الشافعية، فإنهم قالوا: يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه إذا خاف ضياع اللقطة لئلا يأخذها فاسق، فإن لم يخف ضياعها فالتقاطها مباح، وإن علم من نفسه الخيانة بأن يأخذ اللقطة لنفسه، لا لصاحبها

стр. 4724

فيحرم الالتقاط، لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (١). ٢ - وأما حكمها من حيث الضمان وعدمه: فقال الحنفية: اللقطة أمانة في يد الملتقط لا يضمنها إلا بالتعدي عليها، أو بمنع تسليمها لصاحبها عند الطلب، وذلك إذا أشهد الملتقط على أنه يأخذها ليحفظها ويردها إلى صاحبها؛ لأن الأخذ على هذا الوجه مأذون فيه شرعاً، قال ﷺ : «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل» (٢). وهو أمر يقتضي الوجوب، ولأنه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه، ويكفيه للإشهاد أن يقول: من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي. وكذلك تكون أمانة إذا تصادق صاحب اللقطة والملتقط أنه التقطها ليحفظها للمالك. فإن لم يشهد الملتقط ولم يتصادقا، وإنما قال الآخذ: أخذتها للمالك وكذبه المالك يضمن اللقطة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الظاهر أنه أخذ اللقطة لنفسه، لا للمالك. وقال المالكية والشافعية والحنابلة: اللقطة أمانة، ولكن لا يشترط الإشهاد على اللقطة وإنما يستحب فقط، وإذا لم يشهد الآخذ فلا يضمن عندهم وعند أبي يوسف أيضاً؛ لأن اللقطة وديعة، فلا ينقلها ترك الإشهاد من الأمانة إلى الضمان،

стр. 4725

بدليل ما جاء من حديث سليمان بن بلال وغيره أنه قال: «إن جاء صاحبها، وإلا فلتكن وديعة عندك» (١). وأما عدم اشتراط الإشهاد، فلأن الرسول ﷺ أمر زيد بن خالد وأبي بن كعب بتعريف اللقطة فقط دون الإشهاد (٢)، ومن المعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان الإشهاد واجباً لبينه النبي ﷺ حينما سئل عن حكم اللقطة، وحينئذ تعين حمل الأمر بالإشهاد في حديث عياض الذي استدل به الحنفية على الندب والاستحباب فقط (٣). أـ وبناء على رأي أبي حنيفة ومحمد: لو أخذ الشخص اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه، لا ضمان عليه في ظاهر الرواية؛ لأنه أخذها محتسباً متبرعاً ليحفظها على صاحبها، فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع. فصار كأنه لم يأخذها أصلاً. هذا إذا كان المالك قد صدق الملتقط أنه أخذها ليحفظها، أو كان الملتقط قد أشهد على ذلك ثم ضاعت. فإن كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: لا يجب الضمان، سواء أشهد أم لم يشهد، ويكون القول قول الملتقط بيمينه أنه أخذها ليحفظها لصاحبها.

стр. 4726

وقال مالك: لا ضمان على من رد اللقطة إلى موضعها، لما روي عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيراً: «أرسله حيث وجدته». ولكن المشهور في مذهب المالكية أن الملتقط يضمن اللقطة إذا ردها لموضعها أو لغيره بعد أخذها للحفظ. ورأى الشافعية والحنابلة: أنه إذا أخذ اللقطة إنسان، ثم ردها إلى موضعها ضمنها؛ لأنها أمانة صارت في يده، فلزمه حفظها، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة. فصار رأي الجمهور هو وجوب الضمان برد اللقطة إلى مكانها. ب - ويضمن الملتقط اللقطة إذا دفعها إلى غيره بغير إذن القاضي؛ لأنه يجب عليه حفظها بنفسه، بالتزامه الحفظ بالالتقاط. جـ - فإن هلكت اللقطة في يد الملتقط: فإن أشهد على اللقطة، بأن قال للناس: (إني وجدت لقطة، فمن طلبها فدلوه علي): فإنه لا يضمن. وإن لم يشهد فعند أبي حنيفة ومحمد: يضمن. وعند أبي يوسف: لا يضمن إذا كان قد أخذ اللقطة ليردها إلى صاحبها، ويحلف على فعله إن لم يصدقه صاحبها، كما ذكرت قريباً. د - ولو أقر الملتقط أنه كان قد أخذ اللقطة ليمتلكها لنفسه، لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك؛ لأنه ظهر أنه أخذها غصباً، فكان الواجب عليه الرد إلى المالك (١) لقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (٢).

стр. 4727

المطلب الثاني - نوع اللقطة وما يصنع بها: اللقطة نوعان: لقطة غير الحيوان: وهو المال الساقط الذي لا يعرف مالكه، ولقطة الحيوان: وهو الضالة من الإبل والبقر والغنم من البهائم. وحكم لقطة الحيوان: أنه يجوز التقاطها عند الحنفية والشافعية في الأصح عندهم، لحفظها لصاحبها صيانة لأموال الناس ومنعاً من ضياعها ووقوعها في يد خائنة. وقال مالك وأحمد: يكره التقاط ضالة الحيوان، ولقطة المال أيضاً (١)، لما رواه أصحاب الكتب الستة عن زيد بن خالد الجهني، قال: «سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق (٢)، فقال اعرف وكاءها، وعفاصها (٣)، ثم عرِّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها (٤)، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدّها إليه». وسأله رجل عن ضالة الإبل، فقال: «مالك ولها، دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها (٥) ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها. وسأله عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب» (٦) أي أن لقطة الإبل غير جائزة، ولقطة الأموال الأخرى جائزة.

стр. 4728

وروى أبو داود وأحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة حتى توارت، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (١) وقال ﷺ : «إن ضالة المسلم حرق النار» (٢) أي تؤدي به إلى النار إذا تملكها. وأخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي بن كعب في حديث اللقطة أن النبي ﷺ قال: «عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدَّتها ووعائها ووكائها، فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها» (٣). وأجاب الفريق الأول عن الأحاديث بأن حكمها كان في الماضي حين غلبة أهل الصلاح والأمانة، فلا تصل إليها يد خائنة، أما في زماننا فنظراً لكثرة الخيانة يكون في أخذها حفظها على صاحبها. وهذا كله ما عدا لقطة الحج، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها لنهيه ﵇ عن ذلك (٤)، ولا يجوز لقطة مكة أيضاً، لقوله ﷺ في بلد مكة

стр. 4729

يوم الفتح: «ولا تحل لقطتها إلا لمعرِّف» وفي لفظ: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد» (١). وأما ما يصنع باللقطة: فهو أن الملتقط يعرفها، لما روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني، قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة» وقال ﵊ أيضاً: «لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرِّف سنة» الحديث (٢). والكلام عن تعريف اللقطة يستتبع بحث كيفية التعريف، ومدة التعريف، ومكان التعريف، ونفقات التعريف، وما تحتاجه الضالة، وشرط ردِّ اللقطة إلى صاحبها، وحكم تملكها: ١ - كيفية تعريف اللقطة وحكم بيان المعرِّف: المراد بتعريف اللقطة: هو المناداة عليها، أو الإعلان عنها حيث وجدها، وفي المجتمعات العامة كالأسواق وأبواب المساجد، والمقاهي، ونحوها. وتعريفها: يكون بذكر بعض أوصافها كأن يذكر جنسها، فيقول: (من ضاع له نقود، أو ثياب) ونحوه، وأن يبين وعاءها أو وكاءها الذي يربط به كيسها، ولا يصف أوصافها التفصيلية لأنه لو وصفها، لعلم صفتها من يسمعها، فلا تبقى صفتها دليلاً على ملكها.

стр. 4730

ويجب على الملتقط عند الجمهور تعريف اللقطة؛ لأن ظاهر أمر الرسول ﷺ لزيد بن خالد في قوله: «عرفها سنة» يقتضي الوجوب، إذ ظاهر الأمر للوجوب، كما هو معروف عند علماء الأصول. وقال أكثر الشافعية: لا يجب تعريفها لمن أراد حفظها لصاحبها؛ لأن الشرع إنما أوجب التعريف إذا كان بقصد التملك، لكن المعتمد عندهم وجوب التعريف. وبه اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب الإعلان عن اللقطة أو تعريفها. وللملتقط أن يتولى تعريفها بنفسه، أو يستنيب عنه أحداً يقوم بالتعريف (١). ٢ - مدة التعريف: اتفق العلماء على أن لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد عن العمران أن يأكلها، لقوله ﷺ في الشاة: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». واختلفوا هل يضمن قيمتها لصاحبها أو لا؟. قال جمهور العلماء: إنه يضمن قيمتها، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (٢). وقال مالك في أشهر أقواله: إنه لا يضمن أخذاً بظاهر هذا الحديث. وأما غير ضالة الغنم: فاتفق العلماء على تعريف ما كان منها له أهمية وشأن مدة سنة؛ لأن النبي ﷺ أمر بتعريف اللقطة سنة واحدة كما عرفنا.
следующие страницы →