وقال مالك: لا ضمان على من رد اللقطة إلى موضعها، لما روي عن عمر أنه قال لرجل وجد بعيراً: «أرسله حيث وجدته». ولكن المشهور في مذهب المالكية أن الملتقط يضمن اللقطة إذا ردها لموضعها أو لغيره بعد أخذها للحفظ.
ورأى الشافعية والحنابلة: أنه إذا أخذ اللقطة إنسان، ثم ردها إلى موضعها ضمنها؛ لأنها أمانة صارت في يده، فلزمه حفظها، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع الوديعة.
فصار رأي الجمهور هو وجوب الضمان برد اللقطة إلى مكانها.
ب - ويضمن الملتقط اللقطة إذا دفعها إلى غيره بغير إذن القاضي؛ لأنه يجب عليه حفظها بنفسه، بالتزامه الحفظ بالالتقاط.
جـ - فإن هلكت اللقطة في يد الملتقط: فإن أشهد على اللقطة، بأن قال للناس:
(إني وجدت لقطة، فمن طلبها فدلوه علي): فإنه لا يضمن. وإن لم يشهد فعند أبي حنيفة ومحمد: يضمن. وعند أبي يوسف: لا يضمن إذا كان قد أخذ اللقطة ليردها إلى صاحبها، ويحلف على فعله إن لم يصدقه صاحبها، كما ذكرت قريباً.
د - ولو أقر الملتقط أنه كان قد أخذ اللقطة ليمتلكها لنفسه، لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك؛ لأنه ظهر أنه أخذها غصباً، فكان الواجب عليه الرد إلى المالك (١) لقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (٢).
стр. 4727
المطلب الثاني - نوع اللقطة وما يصنع بها:
اللقطة نوعان: لقطة غير الحيوان: وهو المال الساقط الذي لا يعرف مالكه، ولقطة الحيوان: وهو الضالة من الإبل والبقر والغنم من البهائم.
وحكم لقطة الحيوان: أنه يجوز التقاطها عند الحنفية والشافعية في الأصح عندهم، لحفظها لصاحبها صيانة لأموال الناس ومنعاً من ضياعها ووقوعها في يد خائنة.
وقال مالك وأحمد: يكره التقاط ضالة الحيوان، ولقطة المال أيضاً (١)، لما رواه أصحاب الكتب الستة عن زيد بن خالد الجهني، قال: «سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق (٢)، فقال اعرف وكاءها، وعفاصها (٣)، ثم عرِّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها (٤)، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدّها إليه». وسأله رجل عن ضالة الإبل، فقال: «مالك ولها، دعها، فإن معها حذاءها وسقاءها (٥) ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها. وسأله عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب» (٦) أي أن لقطة الإبل غير جائزة، ولقطة الأموال الأخرى جائزة.
стр. 4728
وروى أبو داود وأحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة حتى توارت، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (١) وقال ﷺ : «إن ضالة المسلم حرق النار» (٢) أي تؤدي به إلى النار إذا تملكها.
وأخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي بن كعب في حديث اللقطة أن النبي ﷺ قال: «عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدَّتها ووعائها ووكائها، فأعطها إياه، وإلا فاستمتع بها» (٣).
وأجاب الفريق الأول عن الأحاديث بأن حكمها كان في الماضي حين غلبة أهل الصلاح والأمانة، فلا تصل إليها يد خائنة، أما في زماننا فنظراً لكثرة الخيانة يكون في أخذها حفظها على صاحبها.
وهذا كله ما عدا لقطة الحج، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها لنهيه ﵇ عن ذلك (٤)، ولا يجوز لقطة مكة أيضاً، لقوله ﷺ في بلد مكة
стр. 4729
يوم الفتح: «ولا تحل لقطتها إلا لمعرِّف» وفي لفظ: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد» (١).
وأما ما يصنع باللقطة: فهو أن الملتقط يعرفها، لما روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني، قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة» وقال ﵊ أيضاً: «لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرِّف سنة» الحديث (٢).
والكلام عن تعريف اللقطة يستتبع بحث كيفية التعريف، ومدة التعريف، ومكان التعريف، ونفقات التعريف، وما تحتاجه الضالة، وشرط ردِّ اللقطة إلى صاحبها، وحكم تملكها:
١ - كيفية تعريف اللقطة وحكم بيان المعرِّف: المراد بتعريف اللقطة: هو المناداة عليها، أو الإعلان عنها حيث وجدها، وفي المجتمعات العامة كالأسواق وأبواب المساجد، والمقاهي، ونحوها. وتعريفها: يكون بذكر بعض أوصافها كأن يذكر جنسها، فيقول:
(من ضاع له نقود، أو ثياب) ونحوه، وأن يبين وعاءها أو وكاءها الذي يربط به كيسها، ولا يصف أوصافها التفصيلية لأنه لو وصفها، لعلم صفتها من يسمعها، فلا تبقى صفتها دليلاً على ملكها.
стр. 4730
ويجب على الملتقط عند الجمهور تعريف اللقطة؛ لأن ظاهر أمر الرسول ﷺ لزيد بن خالد في قوله: «عرفها سنة» يقتضي الوجوب، إذ ظاهر الأمر للوجوب، كما هو معروف عند علماء الأصول.
وقال أكثر الشافعية: لا يجب تعريفها لمن أراد حفظها لصاحبها؛ لأن الشرع إنما أوجب التعريف إذا كان بقصد التملك، لكن المعتمد عندهم وجوب التعريف. وبه اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب الإعلان عن اللقطة أو تعريفها.
وللملتقط أن يتولى تعريفها بنفسه، أو يستنيب عنه أحداً يقوم بالتعريف (١).
٢ - مدة التعريف: اتفق العلماء على أن لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد عن العمران أن يأكلها، لقوله ﷺ في الشاة: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». واختلفوا هل يضمن قيمتها لصاحبها أو لا؟.
قال جمهور العلماء: إنه يضمن قيمتها، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (٢).
وقال مالك في أشهر أقواله: إنه لا يضمن أخذاً بظاهر هذا الحديث.
وأما غير ضالة الغنم: فاتفق العلماء على تعريف ما كان منها له أهمية وشأن مدة سنة؛ لأن النبي ﷺ أمر بتعريف اللقطة سنة واحدة كما عرفنا.
стр. 4731
وما رواه البخاري ومسلم في حديث أبي من تعريف اللقطة ثلاثة أحوال (أعوام) أو أربعة أو عشرة، هو غلط من بعض الرواة كما حقق ابن الجوزي، أو هو محمول على مريد الورع عن التصرف في اللقطة (١).
وأما الشيء الحقير: فقال الشافعية: الأصح أن الشيء الحقير، أي القليل المتمول وهو بقدر الدينار أو الدرهم لا يعرَّف سنة، لقول عائشة: «لا بأس بما دون الدرهم أن يستنفع به» وقدر بما لا تقطع به يد السارق وهو ربع دينار عند الجمهور، وعشرة دراهم عند الحنفية، بل يعرف زمناً يظن أن فاقده يعرض عنه غالباً، وهذا هو الراجح عند المالكية. وفي رواية عن أبي حنيفة: مضمونها إن كانت قيمة الشيء أقل من عشرة دراهم (أي دينار) يعرّفه أياماً بحسب ما يرى، وإن كانت عشرة دراهم فصاعداً عرّفها حولاً، إلا أن هذه الرواية ليست هي ظاهر الرواية عند الحنفية فقد قال الطحاوي: وإذا التقط لقطة فإنه يعرفها سنة، سواء أكان الشيء نفيساً أم خسيساً في ظاهر الرواية.
وظاهر الرواية عند الحنفية هو ظاهر المذهب عند الحنابلة (٢).
وأما الشيء التافه فقد قال الفقهاء: لا خلاف في إباحة أخذ اليسير من الأشياء والانتفاع به من غير تعريف كالتمرة والكسرة والخرقة؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على واجد التمرة حيث أكلها بل قال له: «لو لم تأتها لأتتك» ورأى النبي ﷺ تمرة فقال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» (٣) ويلاحظ أن الأمر
стр. 4732
بإكمال مدة التعريف إذا كانت اللقطة مما لا يتسارع إليها الفساد، فإن كانت مما يتسارع بها تصدق بها أو أنفقها على نفسه عند الحنفية.
وعند الشافعية: يتخير الملتقط بين أن يبيعها ليمتلك ثمنها بعد التعريف، أو يتملكها في الحال ويأكلها ويغرم قيمتها.
٣ - مكان التعريف: تعرّف اللقطة في الأسواق وأبواب المساجد ومجامع الناس؛ لأن المقصود إشاعة خبرها وإظهارها ليعلم بها صاحبها، ولا ينشدها في المسجد؛ لأن المسجد لم يبن لهذا، قال النبي ﷺ : «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله إليه، فإن المساجد لم تبن لهذا» (١). وأمر سيدنا عمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد. وأجاز الشافعية استثناء مما سبق المسجد الحرام، فإنه يجوز فيه الإعلان عن فقد الأشياء الضائعة، لأن تعريفها لمصلحة مالكها؛ لأن الملتقط ليس له تملكها. أما من ينشد اللقطة في غير المسجد الحرام، فهو متهم أنه يفعل ذلك ليتملك اللقطة بعد تعريفها. وأرى أن الاستعانة بمكبرات الصوت على المآذن للإعلان عن اللقطة أمر لا بأس به في غير أوقات الصلاة، منعاً من التشويش على المصلين، ولأن الحاجة داعية لذلك بسبب ازدحام المدن واتساع مناطق السكان، والأولى كتابة إعلانات وإلصاقها على أبواب المساجد وغيرها، فتتحقق الغاية المطلوبة من التعريف، وقد أصبح هذا مألوفاً في عصرنا. كما يمكن التعريف بالجرائد والصحف اليومية.
وأبان الشافعية طريق التعريف في أثناء السنة، فقالوا: يعرّف اللقطة، في
стр. 4733
أول السنة كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم يعرف في كل يوم مرة، ثم كل أسبوع مرة أو مرتين، ثم كل شهر مرة تقريباً (١).
٤ - نفقات التعريف وما تحتاجه الضالة: إذا احتاج تعريف اللقطة إلى نفقة كأجور الإعلان في الصحف في عصرنا الحاضر مثلاً، فقد قال الحنفية والحنابلة: تكون تلك النفقة على الملتقط؛ لأن هذا أجر واجب على المعرف نفسه، فكان عليه كما لو قصد تملك اللقطة، ولأنه لو تولى الملتقط تعريف اللقطة بنفسه لم يكن له أجر على صاحبها، فكذلك إذا استأجر على التعريف لا يلزم صاحبها بشيء.
وقال المالكية: إن أنفق الملتقط على اللقطة شيئاً من عنده، فيخير صاحبها بين أن يفتديها من الملتقط بدفع نفقتها، أو يسلم اللقطة لملتقطها مقابل نفقتها (٢).
وقال الشافعية: بما أن تعريف اللقطةواجب على الملتقط، على ما هو المعتمد، فإن الملتقط لا يلزم بمؤنة التعريف إن أخذ اللقطة بقصد حفظها لمالكها، وإنما يرتبها القاضي من بيت المال (٣)، أو يقترض على المالك.
أما إن أخذ اللقطة لتملكها، فيلزمه مؤنة التعريف، سواء أتملكها أم لا. وهذا هو الرأي المعقول.
أما ما تحتاجه الضالة أو اللقطة من نفقة: فقال المالكية: للملتقط الرجوع بالنفقة على صاحب اللقطة، وقال الشافعية والحنابلة: ملتقط اللقطة متطوع بحفظها، فلا يرجع بشيء من النفقة على صاحب اللقطة، إلا أن الشافعية قالوا: فإن أراد الرجوع استأذن الحاكم، فإن لم يجده أشهد على النفقة.
стр. 4734
وكذلك قال الحنفية: إن أنفق الملتقط على اللقطة بغير إذن الحاكم فهو متبرع، لأنه لا ولاية له على ذمة المالك في أن يشغلها بالدين بدون أمره، وإن أنفق عليها بإذن الحاكم، كان ما ينفقه ديناً على المالك؛ لأن للقاضي ولاية في مال الغائب رعاية لمصالحه، فإذا رفع الأمر إلى القاضي ينظر في الأمر: فإن كان للبهيمة منفعة، وهناك من يستأجرها أجَرَها وأنفق عليها من أجرتها؛ لأن في إجارتها رعاية لمصلحة المالك، وإن كانت البهيمة لا منفعة لها بطريق الإجارة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها، أمر القاضي الملتقط ببيعها وحفظ ثمنها.
وإن رأى الأصلح ألا يبيعها، بل ينفق عليها، أذن له في النفقة وجعل النفقة ديناً على مالكها، فإذا حضر المالك فللملتقط أن يحبس اللقطة عنده حتى يحضر النفقة، وإن أبى أن يؤدي النفقة باعها القاضي، ودفع للملتقط قدر النفقات التي أنفقها (١).
٥ - شرط رد اللقطة إلى صاحبها: يشترط لرد اللقطة إلى صاحبها أن يذكر علامة يميزها عن غيرها، أو يثبت أنها له بالبينة، أي بشهادة شاهدين، فإذا أثبت كونها له أو ذكر علامة تميزها، كأن يصف عفاصها (وعاءها) ووكاءها (ما تربط به من الخيول وغيرها) ووزنها وعددها، فيحل حينئذ للملتقط أن يدفعها إليه، وإن شاء أخذ منه كفيلاً؛ لأن ردها إليه بالعلامة مما قد ورد به الشرع. وهذا باتفاق العلماء، لكن هل يجبر الملتقط قضاء على رد اللقطة بمجرد وصف العلامة المميزة لها، أو لابد من البينة؟ خلاف بين العلماء (٢).
стр. 4735
قال الحنفية، والشافعية على المذهب عندهم: لا يجبر الملتقط على تسليم اللقطة إلى من يدعيها بلا بينة، لأنه مدع، فيحتاج إلى بينة كغيره، لقوله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (١). ولأن اللقطة مال للغير، فلا يجب تسليمه بالوصف كالوديعة، لكن يحل للملتقط دفع اللقطة لمن يدعيها عند إصابة العلامة عند الحنفية، أو إذا غلب على ظن الملتقط صدق المدعي عند الشافعية، عملاً بقول الرسول ﷺ : «فإن جاء صاحبها، وعرَّف عفاصها، ووكاءها، وعددها فأعطها إياه، وإلا فهي لك».
وقال المالكية والحنابلة: يجبر الملتقط على تسليم اللقطة لصاحبها إذا وصفها بصفاتها المذكورة، سواء غلب على ظنه صدقه أم لم يغلب، ولا يحتاج إلى بينة، عملاً بظاهر قول النبي ﷺ : «فإن جاء أحد يخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها، فادفعها إليه».
وفي حديث زيد السابق: «اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة فإن لم تعرف، فاستنفقها، وإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدِّها إليه» يعني إذا ذكر صفاتها؛ لأن هذا هو المذكور في صدر الحديث، ولم يذكر البينة في شيء من الحديث، ولو كانت شرطاً للدفع لم يجز الإخلال به، ولا أمر بالدفع بدونه، ولأن إقامة البينة على اللقطة متعذر؛ لأنها ضاعت حال الغفلة والسهو. وقول النبي ﷺ : «البينة على المدعي» يعني إذا كان هناك منكر، ولا منكر ههنا. وهذا هو الرأي الأرجح حقاً.
стр. 4736
٦ - حكم تملك اللقطة: اختلف فقهاؤنا في حكم اللقطة بعد تعريفها سنة على رأيين: رأي يجيز تملكها للفقير دون الغني، ورأي يجيز تملكها مطلقاً.
قال الحنفية (١): إذا كان الملتقط غنياً لم يجز له أن ينتفع باللقطة، وإنما يتصدق بها على الفقراء، سواء أكانوا أجانب أم أقارب، ولو أبوين أو زوجة أو ولداً، لأنه مال الغير، فلا يجوز الانتفاع به بدون رضاه، لإطلاق النصوص من قرآن وسنة، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة:١٨٨/ ٢]، وقوله: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة:١٩٠/ ٢] وقوله ﵊: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه».
ولقوله ﷺ من حديث أبي هريرة: «لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرِّف سنة، فإن جاء صاحبها، فليردها عليه، وإن لم يأت فليتصدق» (٢).
وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي: «من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها إليه، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء».
وأما إذا كان الملتقط فقيراً فيجوز له الانتفاع باللقطة بطريق التصدق، لقوله ﵊: «فليتصدق بها».
فإن عرف صاحبها بعد التصدق بها أو الانتفاع بها، فهو بالخيار: إن شاء
стр. 4737
أمضى الصدقة، وله ثوابها، وإن شاء ضمن الملتقط، وإن شاء أخذها من الفقير المتصدق عليه بها إن وجده، وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه.
وقال جمهور الفقهاء: يجوز للملتقط أن يتملك اللقطة، وتكون كسائر أمواله سواء أكان غنياً أم فقيراً؛ لأنه مروي عن جماعة من الصحابة كعمر وابن مسعود وعائشة وابن عمر، وهو ثابت بقوله ﷺ في حديث زيد بن خالد: «فإن لم تعْرَف فاستنفقها» وفي لفظ «فشأنك بها» وفي حديث أبي بن كعب: «فاستنفقها»، وفي لفظ «فاستمتع بها» وهو حديث صحيح.
وحديث الحنفية عن أبي هريرة لم يثبت، ولا نقل في كتاب يوثق به، ودعواهم في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة، لا برهان لها ولا دليل عليها، وبطلانها ظاهر، فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقاً وملكاً، قال الله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور:٣٣/ ٢٤].
أما طريق التملك عند الجمهور فمختلف فيه: قال الحنابلة: تدخل اللقطة في ملك الملتقط عند تمام التعريف حكماً كالميراث، لقول النبي ﷺ : «فإذا جاء صاحبها، وإلا فهي كسبيل مالك» ولقوله: «فاستنفقها» ولو توقف ملكها على تملكها لبين الرسول ﷺ له المطلوب.
وقال المالكية: يملكها الملتقط بأن ينوي تملكها، أي تجديد قصد التملك، لعدم الإيجاب من الغير.
وقال الشافعية: يملكها الملتقط باختياره بلفظ من ناطق يدل عليه مثل: تملكت ما التقطته؛ لأن تملكها تمليك ببدل، فافتقر إلى اختيار التملك، كما يتملك الشفيع بالشفعة.
стр. 4738
واتفق العلماء إلا أهل الظاهر على أن الملتقط إذا أكل اللقطة، ضمنها لصاحبها (١).
لقطة الحل والحرم: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأحكام المذكورة في تعريف اللقطة تنطبق على ما إذا كانت اللقطة في مكة وغيرها من البلدان؛ لأن اللقطة أمانة، فلم يختلف حكمها بالحل والحرم كالوديعة، ولأن الأحاديث الواردة في اللقطة لم تفرق بين الحل والحرم، مثل قوله ﵊: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرِّفها سنة» وغيره.
وأما الحديث الوارد بتخصيص تعريف لقطة مكة، فالمقصود به دفع توهم بعض الناس أنه لا حاجة لتعريف لقطة مكة، لعدم الفائدة باعتبارها مكان الغرباء (٢).
وقال الشافعية على الصحيح المنصوص عندهم: يجب تعريف لقطة الحرم أبداً، إذ لا تحل لقطة الحرم للتملك، بل للحفظ أبداً، لخبر الصحيحين: «إن هذا البلد حرمه الله، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها».
وفي رواية للبخاري «لا تحل لقطة الحرم إلا لمنشد» قال الشافعي ﵁: أي لمعرِّف، ففرق ﷺ بينها وبين غيرها، وأخبر أنها لا تحل إلا للتعريف ولم يؤقت التعريف بسنة كغيرها، فدل على أنه أراد التعريف على الدوام، وإلا فلا فائدة من التخصيص، والمعنى فيه: أن حرم مكة شرفه الله تعالى مثابة للناس يعودون إليه، المرة بعد الأخرى، فربما يعود مالكها من أجلها، أو يبعث في طلبها، فكأنه جعل ماله به محفوظاً عليه، كما غلظت الدية فيه.
стр. 4739
الفَصْلُ العَاشِر: المفقود الكلام فيه عن معنى المفقود، وكيفية اعتبار حاله، وما يقوم به القاضي نحو ماله وأهله ووقت الحكم بموته وأثر ذلك (١).
من المفقود؟ هو الشخص الذي غاب عن بلده بحيث لا يعرف أثره، ومضى على فقده زمان بحيث لا يعرف أنه حي أو ميت.
كيف نعتبر حال المفقود حياة أو موتاً؟ يعتبر المفقود حياً في حق نفسه، ميتاً في حق غيره، فتثبت له عند الحنفية الحقوق السلبية دون الإيجابية، فبالنسبة له لا يورث ماله، ولا تبين منه امرأته، كأنه حي. وبالنسبة لغيره: لا يرث أحداً من أقاربه كأنه ميت، وكذلك لو أوصى أحد للمفقود ومات الموصي لا يستحق الموصى به، وإنما يوقف نصيبه من الإرث أو الوصية إلى أن يظهر حاله أنه حي أو ميت. ووافقهم الشافعية في أن الزوجة لا يحق لها فسخ الزواج، وتنتظر حتى يعلم موت زوجها.
وقال الإمامان مالك وأحمد: إذا مضى أربع سنوات يفرق القاضي بين المفقود وبين امرأته، وتعتد عدة الوفاة، ثم تتزوج من شاءت؛ لأن عمر ﵁ قضى بذلك في مفقود.
стр. 4740
صلاحيات القاضي في مال المفقود وأهله: للقاضي صلاحيات على مال المفقود وأهله وهي عند الحنفية ما يلي:
١ - يعين القاضي أميناً يحفظ مال المفقود، ويشرف على شؤونه ويستثمره، ويستوفي حقوقه العائدة إليه، كالقيِّم على مال الصبي والمجنون.
٢ - يبيع من ماله ما يتسارع إليه الفساد ويحفظ ثمنه؛ لأن البيع من مقتضيات الحفظ. وإذا كان له ودائع يتركها في يد الوديع ليحفظها؛ لأن يده يد نيابة عن المفقود في الحفظ.
٣ - ينفق من مال المفقود على زوجته إن كان يعلم بقاء الزوجية، وكذا ينفق من ماله على أولاده الصغار الذكور والإناث، وعلى أولاده الفقراء الزمنى من الذكور والإناث.
وإن لم يكن له مال وله ودائع، فإنه ينفق منها، إذا كانت من الطعام والثياب والدراهم والدنانير.
فإن كان مال المفقود من غير الدراهم والدنانير أو الطعام والثياب، كأن كان له عروض تجارة أو عقارات، فلا ينفق منه القاضي على هؤلاء؛ لأنه لا يمكن الإنفاق إلا بالبيع، وليس للقاضي أن يبيع العقار والعروض على الغائب؛ ولكن للأب أن يبيع العروض في نفقته؛ لأن للأب ولاية التصرف في مال الابن في الجملة، بخلاف القاضي، أما العقار فليس للأب أن يبيعه في نفقة الغائب إلا بإذن القاضي.
متى يحكم بموت المفقود وما أثر ذلك؟ إذا مضت مدة طويلة على المفقود من وقت ولادته، بحيث لا يعيش مثله إلى تلك المدة يقيناً أو غائباً، يحكم بموته،
стр. 4741
وتقع الفرقة بينه وبين نسائه، ويقسم ماله بين ورثته الأحياء، ولا يرث هو من أحد.
والمدة التي نقدرها لحياة المفقود ليس في ظاهر الرواية تقدير محدد فيها، وإنما يقدر بموت الأقران. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قدر تلك المدة بمئة وعشرين سنة من وقت الولادة. والأرفق أن يقدر بتسعين عاماً.
стр. 4742
الفَصْلُ الحادي عشر: المسابقة والمناضلة المبحث الأول - السَّبْق (١) أو المسابقة أو الرهان: وفيه بيان تعريف المسابقة ومشروعيتها.
شروط جواز المسابقة.
تعريف المسابقة ومشروعيتها:
السبق: بسكون الباء مصدر سبق أن تقدم، وبتحريك الباء: المال الموضوع بين أهل السباق، أي الجائزة أو الرهن، أوالخطر في اصطلاح المتقدمين: وهو الشيء الذي يسابق عليه، فمن سبق أخذه.
والسباق: هو أن يسابق الرجل صاحبه في الخيل أو الإبل ونحوها.
والمسابقة جائزة بالسنة والإجماع. أما السنة فهو أن النبي ﷺ سابق بين الخيل المضمَّرة وبين التي لم تضَّمر (٢). وأجمع المسلمون على جواز المسابقة.
و المسابقة مستثناة من ثلاثة أمور ممنوعة: هي القمار، وتعذيب الحيوان لغير الأكل، وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد، وذلك إذا قدم العوض كلا المتسابقين ليأخذه السابق (٣).
стр. 4743
و هي نوعان: مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض.
أما المسابقة بغير عوض: فتجوز مطلقاً من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور والبغال والحمير والفيلة. وكذلك تجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد، بدليل ماقالت عائشة ﵂: «سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني، فسبقني، فقال: هذه بتلك» (١) وسابق سلمة ابن الأكوع رجلاً من الأنصار بين يدي النبي ﷺ ، فسبقه سلمة (٢)، وصارع النبي ﷺ رُكانة، فصرعه النبي ﷺ (٣). ومر الرسول ﷺ بقوم يرفعون حجراً ليعرفوا الأشد منهم، فلم ينكر عليهم. وتقاس بقية أنواع المسابقة على المذكور.
وأما المسابقة بعوض: فلا تجوز عند الحنفية إلا في أربعة أشياء: في النصل، والحافر، والخف (٤)، والقدم؛ لأن الثلاثة الأولى آلات الحرب المأمور بتعلمها، لقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال:٦٠/ ٨] فسر النبي ﷺ القوة بالرمي (٥). وقال ﵊: «ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، فإنهن من الحق» (٦).
ودليل المسابقة على الأقدام والمصارعة، ما ذكر أن النبي ﷺ سابق عائشة،
стр. 4744
وصارع رُكَانة، ولأن المشي بالقدم والمصارعة مما يحتاج للكر والفر في الجهاد وضرب العدو. قال الشافعية: المسابقة والمناضلة على السهام سنة بالإجماع، ويحل أخذ عوض عليهما؛ لأن فيهما ترغيباً للاستعداد للجهاد.
وقال الجمهور غير الحنفية: لا يجوز السباق بعوض إلا في النصل والخف والحافر، أي في التدرب على حمل السلاح وفي أعمال الفروسية، لقول الرسول ﷺ : «لا سَبَق إلا في خف أو حافر أو نصل» (١) والسبق بفتحتين: (هو ما يجعل للسابق على السبق من جعل) ولأن هذه الأمور آلات القتال، فيجوز التسابق إذن على كل ما هو نافع في الحرب.
أما المسابقة على الأقدام والمصارعة، فلا تجوز بعوض؛ لأنها لا تنفع في الحرب وكانت مصارعة الرسول لرُكَانة على شياه، كما روى أبو داود في مراسيله، أو أن الغرض من مصارعته أن يريه شدته ليسلم، وقد أسلم فعلاً (٢).
فإن كانت المسابقة بغير عوض جازت مطلقاً في الخيل وغيرها من الدواب والسفن وبين الطير لإيصال الخبر بسرعة، وتجوز هذه المسابقة على الأقدام وفي رمي الأحجار والمصارعة.
شروط جواز المسابقة:
يشترط لجواز المسابقة والرمي بعوض شروط أهمها ما يأتي:
стр. 4745
١ - أن تكون المسابقة في الأنواع النافعة في الجهاد وهي الأنواع الأربعة عند الحنفية: النصل والخف والحافر والقدم. وعند الجمهور: الأنواع الثلاثة الأولى.
٢ - أن يكون العوض من أحد الجانبين المتسابقين أو من شخص ثالث، كأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك، أو يقول ولي الأمر أو شخص ثالث: من سبق منكما فله في بيت المال أو فله علي كذا؛ لأنه في هذه الحالات لا يوجد قمار محرم؛ وإنما يكون دفع العوض على سبيل المكافأة أو الجعالة والتحريض على الاستعداد لإتقان فنون الجهاد.
فإن كان العوض من الجانبين وهو الرهان: فلا يصح الرهان إلا بمحلِّل (١) كأن يتفقا على أن يخصص كل منهما عشر ليرات (٢) أو أحدهما عشرة والآخر ثمانية، يدفعها كل منهما لشخص آخر يكون فرسه أو بعيره مكافئاً لفرسيهما أو بعيرهما مثلاً، وذلك إذا سبقهما، فإن سبقهما جميعاً أخذ الغنم، وإن سبق أحدهما لم يغرم هو شيئاً، ولا يأخذ أحدهم شيئاً، بدليل ما روي أن النبي ﷺ قال: «من أدخل فرساً بين فرسين، وهو لا يأمن أن يُسبَق، فليس بقمار. ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يَسبِق فهو قمار» (٣) أي أنه يشترط أن يكون فرس المحلل مكافئاً لفرسي الشخصين اللذين جعل العوض منهما، فلو كان ضعيفاً عنهما أو أقوى منهما، فإنه لا يصح؛ لأن الواضح من الحديث أنه جعل القمار متحققاً إذا أمن الثالث أن يَسبق، وإذا لم يأمن أن يَسبق لم يكن قماراً.
стр. 4746
وأما إن كان العوض من الجانبين بدون محلل، فيحرم السباق، كما إذا قال شخصان: من سبق منا فله على الآخر كذا؛ لأن هذا من القمار المحرم.
وهكذا تكون صور السباق أربعاً: ثلاث منها حلال، وواحدة منها حرام لها حكم الميسر (القمار)، أما الصور الحلال:
ف أولها: أن يكون العوض من السلطان أو أحد الرؤساء أو شخص ثالث، يأخذه السابق، وهذا جائز اتفاقاً.
و ثانيها: أن يكون العوض من أحد الجانبين يؤخذ منه إذا سبقه الآخر، وهذا جائز اتفاقاً.
و ثالثها: أن يكون العوض من المتسابقين أو من الجماعة، ومعهم محلل يأخذ العوض إن سَبَق، ولا يغرم إن سَبَقه غيره؛ لأنهما لم يقصدا القمار، وإنما قصدا التقوي على الجهاد، وهذا جائز عند الجمهور. ومنعه الإمام مالك لجواز عود الجعل لمن قدمه إذا سبَق.
وأما الصورة الحرام اتفاقاً: فهي أن يكون العوض من كل واحد، على أنه إن سَبَق فله العوض، وإن سُبق فيغرم لصاحبه مثله. وبه يتبين أن السباق يحرم حينما يكون هناك احتمال الأخذ والعطاء من الطرفين، بأن يقال: السابق يأخذ، والخاسر يغرم أو يدفع. وهذا معنى الميسر أو القمار المحرم شرعاً.
٣ - أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق أحدهما، ويسبق الآخر، فإن كانت فيما يعلم غالباً أنه يسبق غيره، فلا يجوز، لأن معنى التحريض في هذه الصورة لا يتحقق، فصار الرهان التزام المال للغير بشرط لا منفعة له فيه.
стр. 4747
٤ - العلم بالمال المشروط، ومعرفة نقطة البدء والنهاية، وتعيين الفرسين مثلاً، كما قرر الشافعية (١).
تبين من هذا أن السباق الذي يجري الآن على رهان من المتسابقين لا من طرف ثالث محايد هو حرام؛ لأنه قمار.
المبحث الثاني - المناضلة:
تعريفها وأنواعها ولزومها وحكمها وشروطها (٢):
تعريف المناضلة ومشروعيتها: المناضلة لغة بمعنى المغالبة، قال الأزهري: النضال في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق يكون في الخيل والرمي، كما في قوله تعالى: ﴿إنا ذهبنا نستبق﴾ [يوسف:١٧/ ١٢] وعليه تكون المسابقة على الخيل ونحوها، من السلاح.
وهذا الموضوع المتعلق بالمسابقة والمناضلة لم يسبق الشافعيَ رضي الله تعالى عنه أحد إلى تصنيفه كما قال المزني ﵀.
والمناضلة أو الرمي: التدرب على استعمال السلاح والتنافس على التفوق بإصابة الهدف على مال بشروط مخصوصة. وكل من المناضلة والمسابقة للرجال المسلمين غير ذوي الأعذار سنة جائزة بالإجماع، ولقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال:٦٠/ ٨] روى مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله
стр. 4748
عنه: أن النبي ﷺ فسَّر القوة بالرمي، فقال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي.
وقد حث النبي ﷺ على الرمي، روى أحمد والبخاري عن سلمة بن الأكوع
قال: «مرَّ رسول الله ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون (١) بالسوق، فقال: ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله ﷺ : ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال ارموا وأنا معكم كلِّكم».
وروى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعَه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهِّز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله، وقال: ارموا واركبوا، فإن ترموا خير من أن تركبوا، وقال: كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثاً: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق».
أنواعها: تصح المناضلة على سهام ورماح ورمي بأحجار بمقلاع أو يد، ومنجنيق وكل نافع في الحرب كالرمي بالمسلاّت والإبر والتردد بالسيوف والرماح.
ولا تصح المسابقة بعوض على الكرة بأنواعها المختلفة، ولا على البندق الذي يرمى به إلى حفرة ونحوها (٢)، ولا على السباحة في الماء، ولا على الشطرنج، ولا على خاتم، ولا على وقوف على رِجْل، ولا على معرفة ما في يده من شفع ووتر، ولا على سائر أنواع اللعب كالمسابقة على الأقدام (الركض) وبالسفن والزوارق؛ لأن هذه الأمور لا تنفع في الحرب.
стр. 4749
هذا إذا عقد عليها بعوض، فإن كانت بغير عوض فمباح كما يرى الشافعية. وقال القرطبي: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام، وكذا الرمي بالسهام واستعمال الأسلحة، ما في ذلك من التدرب على الجري. ودليله: ما رواه أحمد وأبو داود أن النبي ﷺ تسابق مع عائشة على الأقدام، وروى أحمد والشيخان: أن الأحباش لعبوا بالحراب عند النبي ﷺ في المسجد.
صفة عقد المسابقة والمناضلة: الأظهر عند الشافعية أن كلاً من هذين العقدين إذا تم على مال مشروط لازم لا جائز، فليس لأحد الطرفين إذا التزما المال وبينهما محلِّل فسخه، كما هو شأن العقود اللازمة، ولا ترك العمل قبل الشروع فيه ولا بعده، إلا إذا فسخ الطرفان العقد الأول، واستأنفا عقداً جديداً إن وافقهما المحلِّل.
حكم المناضلة: حكم المناضلة والمسابقة واحد، ثلاث صور منها حلال، وصورة رابعة منها حرام؛ لأنه ميسر أو قمار، وهي أن يتراهن المتناضلان على أن يتعهد كل منهما للآخر دفع عوض معين إن فاز بالإصابة. فإن كان العوض من الإمام من بيت المال، أو أحد الرعية الأثرياء، أو أحد المتناضلين أو كليهما جاز، فيقول الإمام أو أحد الرعية: ارميا كذا، فمن أصاب من كذا فله في بيت المال، أو عليّ كذا، أو يقول أحدهما: نرمي كذا، فإن أصبت أنت منها كذا فلك علي كذا، وإن أصبتها أنا فلا شيء لي عليك.
أما إن شرط كل منهما على صاحبه عوضاً، فلا تصح المناضلة إلا بمحلِّل، أي شخص ثالث وسيط، يكون رميه كرميهما في القوة والعدد المشروط، يأخذ مالهما إن غلبهما، ولا يغرم إن غُلب.
стр. 4750
شروط صحة المناضلة: يشترط لصحة المناضلة ما يأتي:
١ - تعيين الرماة والهدف المطلوب وتعيين الموقف الذي يقفان فيه وتحديدمسافة (١)، ومقدار الغرض طولاً وعرضاً وسمكاً وارتفاعاً من الأرض، وتعيين العدد المطلوب من الإصابة أو الرميات لينضبط العمل؛ لأن المناضلة كالميدان في المسابقة. ويشترط إمكان الإصابة والخطأ.
٢ - اتحاد جنس السلاح من مسدس أو بندقية أو مدفع ونحوها، فلا تصح المناضلة بسلاحين مختلفي الجنس، ولو رضي الطرفان بذلك.
٣ - بيان مقدار الإصابة وصفة الرمي من قَرْع أو خَزْق أو خَسْق أو مَرْق (٢) إذا كان النضال بالسهام ونحوها، بأن يتفق المتناضلان على كون الرمي المطلوب مجرد قَرْع أو إصابة للهدف أو خَزْق له، فإن أطلقا ولم يبينا، حمل الرمي المطلوب على القرع.
٤ - العلم بالمال وقدره، ووجود المحلل إن كانت المناضلة من النوع المحرم المذكور في المسابقة وفيما تقدم هنا.
٥ - والأظهر اشتراط بيان البادئ من المتناضلين بالرمي، لاشتراط الترتيب بينهما فيه، حذراً من اشتباه المصيب بالمخطئ، كما لو رميا معاً، فإن لم يبيناه فسد العقد.
стр. 4751
الفَصْلُ الثَّاني عَشَر: الشُّفعة
تبحث الشفعة في المباحث الثمانية الآتية:
المبحث الأول - تعريف الشفعة، ودليلها وحكمتها، وركنها وعناصرها، وسببها، وحكمها وصفتها.
المبحث الثاني - محل الشفعة (المشفوع فيه، أو ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب).
المبحث الثالث - الشفيع، مراتب الشفعة (أو أسباب استحقاقها) تزاحم الشفعاء (أي تعددهم) غيبة بعض الشفعاء، إسقاط بعض الشفعاء حقه.
المبحث الرابع - أحكام الشفعة.
المبحث الخامس - شروط الشفعة.
المبحث السادس - إجراءات الشفعة (طلب الشفعة).
المبحث السابع - مايطرأ على المشفوع فيه بيد المشتري من تصرفات أو نماء أو نقص.
المبحث الثامن - مسقطات الشفعة.
وبحثها على ترتيبها المذكور.
стр. 4752
المبحث الأول - تعريف الشفعة، ودليلها وحكمتها، وركنها وأطرافها، وحكمها وصفتها:
أولاً - تعريف الشفعة: الشفعة لغة: مأخوذة من الشفع بمعنى الضمّ أو الزيادة والتقوية، تقول: شفعت الشيء: ضممته، سميت شفعة؛ لأن الشفيع يضم مايتملكه بهذا الحق إلى نصيبه أو ملكه، فيزيده عليه، ويتقوى به، فقد كان الشفيع منفرداً في ملكه، فبالشفعة ضم المبيع إلى ملكه، فصار شفعاً ضد الوتر.
وفي الاصطلاح الفقهي: هي حق تملك العقار المبيع جبراً عن المشتري، بما قام عليه، من ثمن وتكاليف (أي النفقات التي أنفقها) لدفع ضرر الشريك الدخيل أو الجوار. وهذا عند الحنفية (١)؛ لأن الشفعة تثبت عندهم للشريك والجار.
وعرفها الجمهور غير الحنفية: بأنها استحقاق شريك أخذ ما عاوض به شريكه، من عقار، بثمنه أو قيمته، بصيغة. وبعبارة أخرى: هي حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث، فيما ملك بعوض (٢). وهذا لأن الشفعة حق للشريك فقط دون الجار عند الجمهور.
ويلاحظ أن المذاهب الأربعة حصروا الشفعة في العقار. أما الظاهرية فقد أجازوها أيضاً في المنقول، كالحيوان ونحوه (٣).
ثانياً - دليلها وحكمة مشروعيتها: الدليل على مشروعية الشفعة هو السنة والإجماع:
стр. 4753
أما السنة، فأحاديث كثيرة: منها حديث جابر ﵁: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة» (١) وفي رواية «في أرض، أو رَبْع، أو حائط» والربع: المنزل، والحائط: البستان.
ومنها حديث آخر لجابر: «الجار أحق بشفعة جاره يُنتظر بها، وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً» (٢).
ومنها حديث سمرة: «جار الدار أحق بالدار من غيره» (٣).
ومنها حديث أبي رافع: «الجار أحق بسقبه» أو «بصقبه» (٤) أي أحق بقربه وبشفعته؛ لأن السقب أو الصقب: ما قرب من الدار.
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض أو دار أو حائط .. ولا نعلم أحداً خالف هذا إلا الأصم، فإنه قال: لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضراراً بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فسيتضر المالك؛ أي أن الشفعة تصادم مبدأ حرية المتعاقد في التصرف. ورد عليه: بأن قوله ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله (٥).
стр. 4754
و حكمتها: دفع ضرر الدخيل الأجنبي الذي يأتي على الدوام، بسبب سوء المعاشرة والمعاملة، في استعمال أواستحداث المرافق المشتركة، أو إعلاء الجدار، أو إيقاد النار، أو منع ضوء النهار، وإثارة الغبار، وإيقاف الدواب، ولعب الأولاد، لاسيما إذا كان خصماً أو ضداً.
وقد تكون الحكمة: دفع ضرر مؤنة القسمة، كما قال المالكية والشافعية والحنابلة.
وكل ما ذكر مظاهر للضرر، والمقرر في الإسلام أنه «لا ضرر ولا ضرار».
كما أن حسن العشرة يقتضي رعاية مصلحة الشريك أو الجار، ورعاية المصلحة أمر مطلوب شرعاً أيضاً (١).
وهذه المعاني كما هي متوقعة بين الناس بسبب الشركة، أو الخلطة في المنافع، كذلك هي متوقعة - في رأي الحنفية - بسبب الجوار.
ثالثاً - ركنها وعناصرها و سببها (سبب الأخذ):
قال الحنفية (٢): ركن الشفعة: أخذ الشفيع من أحد المتعاقدين عند وجود سببها و شرطها. ويسمى العقار الذي بسببه تطلب الشفعة: المشفوع به، والعقار الذي يتملك بالشفعة: المشفوع فيه، ومشتري العقار: هو المشفوع عليه، والمطالب بالشفعة: هو الشفيع.
وسببها: اتصال ملك الشفيع بالمشتري بشركة أو جوار.
стр. 4755
وشرطها: أن يكون المحل المبيع عقاراً، سفلاً كان أو علواً. وقال المالكية (١): للشفعة أركان أربعة:
آخذ (شافع)، ومأخوذ منه (مشفوع عليه) ومشفوع فيه، وصيغة. والمراد بالصيغة: ما يدل على الأخذ، لفظاً أو غيره.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): أركان الشفعة ثلاثة: آخذ، ومأخوذ منه، ومأخوذ. وأما الصيغة فتجب في التمليك، فيشترط لفظ من الشفيع، مثل تملكت، أو أخذت بالشفعة.
رابعاً - حكمها وصفتها: إن الأخذ بها بمنزلة شراء مبتدأ (جديد)، قال الحنفية (٣): حكمها: جواز الطلب عند تحقق السبب، ولو بعد سنين، أي إذا لم يعلم بها. وصفتها: أن الأخذ بها بمنزلة شراء مبتدأ، يستحقها الشفيع بعد البيع، فيثبت بها ما يثبت بالشراء، كالرد بخيار الرؤية، والعيب.
المبحث الثاني - محل الشفعة (المشفوع فيه، أو ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب): اتفق المسلمون على أن الشفعة حق في العقار من دور وأرضين وبساتين وبئر، وما يتبعها من بناء وشجر، واختلفوا فيما عداها.
قررت المذاهب الأربعة أنه لا شفعة في منقول كالحيوان والثياب والعروض التجارية للحديث السابق: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في أرض أو ربَعْ أو حائط .. » ورواية الحديث عند مسلم والنسائي وأبي داود: «أن النبي ﷺ قضى
стр. 4756
بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط .. » ولأن الشفعة شفعت لدفع ضرر سوء الشركة بالاتفاق، أو الجوار عند الحنفية، بسبب الاستمرار والدوام، والمنقول لا يدوم، بخلاف العقار، فيتأبد فيه ضرر المشاركة؛ ولأن الشفعة تملك بالقهر، فهي كما بينت «استحقاق الشريك - عند الحنفية - انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه، من يد من انتقلت إليه»، فناسب أن تكون عند شدة الضرر، وإطلاقاً لحرية التصرف والبيع (١).
الِعُلْوُ والسُفْل: ألحق الحنفية بالعقار: ما في حكمه كالعلو، وإن لم يكن طريقه في السفل؛ لأنه التحق بالعقار بماله من حق القرار، فلا فرق في العقار بين كونه سفلاً أو علواً (٢)، وهذا هو المعقول.
ولم يجز الشافعية في الأصح والحنابلة الشفعة في العلو، لأن البناء يرتكز على السقف، والسقف الذي هو أرض البناء لا ثبات له، فكان كالمنقولات (٣).
وسواء عند الحنفية أكان العقار مما يحتمل القسمة، أم لا يحتملها، كالدار الصغيرة والحمام والطاحون والبئر؛ لأن علة الشفعة عندهم دفع ضرر الشركة أو الجوار مطلقاً، وهو يتحقق فيما لا يقبل القسمة.
واشترط الجمهور غير الحنفية، في المشهور عند المالكية، وفي ظاهر مذهب الحنابلة، وفي الأصح عند الشافعية: أن يكون العقار قابلاً للقسمة، استدلالاً
стр. 4757
بدليل الخطاب في حديث جابر السابق: «الشفعة فيما لم يقسم … » فكأنه قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة، ما دام لم يقسم. وقد أجمع عليه في هذا الموضوع فقهاء الأمصار، مع اختلافهم في صحة الاستدلال به؛ ولأن علة مشروعية الشفعة عندهم هو دفع ضرر القسمة، ومالا ينقسم لا تتيسر القسمة فيه، فلا حاجة للشفعة فيه، فلا يترتب فيه ضرر الشريك بعدم الشفعة (١).
حقوق الارتفاق: تثبت الشفعة عند الحنفية (٢) في حقوق العقار، كالشِّرْب (النصيب من الماء في نوبة مالك الأرض) (٣) والطريق الخاصين. فإن لم يكونا خاصين، فلا يستحق بهما الشفعة. والطريق الخاص: أن يكون غير نافذ، فإن كان نافذاً فليس بخاص.
فلو كان هناك شِرْب نهر صغير مشترك بين قوم، تسقى أراضيهم منه، فبيعت أرض منها، فلكل أهل الشِّرْب من ذلك النهر الخاص الشفعة. أما لو كان النهر عاماً، فالشفعة فقط للجار الملاصق. ومثله الطريق الخاص، فكل أهله شفعاء.
وقال المالكية (٤): لا شفعة في الطريق (أي المجاز الذي يتوصل منه إلى ساحة الدار) إذا قسم بين الشريكين أو الشركاء متبوعُهما من البيوت إذا بقي الممر مشتركاً بينهما؛ لأنه لما كان تابعاً لما لا شفعة فيه، وهو البيوت المنقسمة، كان لا شفعة فيه.
وكذلك العَرْصة (ساحة الدار التي بين بيوتها، تسمى في عرف العامة بالحوش) لا شفعة فيها إذا قسم متبوعها، كحكم الطريق السابق.
стр. 4758
وقال الشافعية (١): لا شفعة قطعاً في ممر الدار المبيعة من الدرب النافذ؛ لأنه غير مملوك. وأما الدرب غير النافذ، فالصحيح ثبوت الشفعة في الممر، بما يخصه من الثمن، إن كان لمشتري الممر الخاص المشترك طريق آخر لداره، أو أمكن من غير مؤنة وضرر عليه الوصول لداره من طريق آخر، بفتح باب إلى شارع عام مثلاً، فلا تثبت الشفعة في الممر، لما فيها من ضرر المشتري، والشفعة شرعت لدفع الضرر، فلا يزال ضرر بآخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
والحنابلة كالشافعية قالوا (٢): إذا بيعت الدار، ولها طريق في شارع أو درب نافذ، فلا شفعة في تلك الدار، ولا في الطريق؛ لأنه لا شركة لأحد فيهما.
وإن كان الطريق في درب غير نافذ، ولا طريق للدار سوى ذ لك الطريق، فلا شفعة أيضاً؛ لأن إثباتها يضر بالمشتري؛ لأن الدار تبقى لا طريق لها.
وإن كان للدار باب آخر يستطرق منه، أو كان لها موضع يفتح منه باب لها إلى طريق نافذ، نظرنا في الطريق المبيع مع الدار:
فإن كان ممراً لا تمكن قسمته، فلا شفعة فيه.
وإن كان تمكن قسمته، وجبت الشفعة فيه؛ لأنه أرض مشتركة، تحتمل القسمة، فوجبت فيه الشفعة كغير الطريق.
الشفعة في السفن: لا تثبت الشفعة في السفن عند فقهاء المذاهب (٣) لأنها
стр. 4759
كالعروض التجارية من المنقولات، والشفعة مشروعة في الأرض التي تبقى على الدوام، ويدوم ضررها.
ونقل الكاساني (١) عن الإمام مالك: أنه يرى الشفعة في السفن؛ لأن السفينة أحد المسكنين، فتجب فيها الشفعة، كما تجب في المسكن الآخر، وهو العقار، لكن هذا لم يصح عن مالك، كما حقق ابن عبد السلام. وبه يتبين أن المذاهب الأربعة متفقة على عدم الشفعة في السفن.
الشفعة في الزرع والثمر والشجر: لا شفعة عند الجمهور (غير المالكية) (٢) فيما ليس بعقار كالبناء والشجر المفرد عن الأرض، فإن كان تبعاً في البيع للأرض، وجبت الشفعة فيه (٣).
ومما يتبع الأرض عند الشافعية في الأصح: ثمر لم يؤبر؛ لأنه يتبع الأصل في البيع، فيتبعه في الأخذ، قياساً على البناء والغراس.
واقتصر الحنابلة على إتباع الغراس والبناء للأرض؛ لأنهما يؤخذان تبعاً للأرض، ففيهما الشفعة تبعاً. ولم يتبعوا الزرع والثمرة للأرض؛ لأن من شروط وجوب الشفعة أن يكون المبيع أرضاً؛ لأنها هي التي تبقى على الدوام، ويدوم ضررها.
стр. 4760
وأجاز المالكية (١) الشفعة في البناء والشجر إذا بيع أحدهما مستقلاً عن الأرض؛ لأن كلاً منهما عندهم عقار، والعقار: هو الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر، فلا شفعة في حيوان أو عرض تجاري إلا إذا بيع تبعاً للأرض.
مثاله: الشجر أو البناء في أرض موقوفة (محبَّسة) أو معارة: بأن اقتضت المصلحة إجارة الأرض الموقوفة، سنين، ثم بنى فيها المستأجر أو غرس بإذن ناظرها، على أن ذلك له، فإذا كان المستأجر متعدداً، وباع أحدهم، فللآخر الشفعة.
وأجاز المالكية أيضاً الشفعة في الثمار (٢) (الفاكهة) والخضر، كالقِثَّاء، والبطيخ بنوعيه الأخضر والأصفر، والخيار، والباذنجان والفول الأخضر، ونحوه مما له أصل تجنى ثمرته، ويبقى في الأرض وقتاً ما، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه منها، ولو مفرداً عن أصله، فللآخر أخذه بالشفعة.
واشترطوا في الثمرة المأخوذة بالشفعة منفردة: أن تكون موجودة حين الشراء، بشرط كونها مؤبرة.
ولم يجز المالكية الشفعة في زرع كقمح وكتان وبرسيم، ولا في بَقْل مما ينزع أصله كفجل وجزر وبصل وقلقاس، وملوخية. فلو بيع الزرع أو البقل مع أرضه، فلا شفعة فيه، وإنما هي في الأرض فقط، بما ينو بها من الثمن.
وأما الظاهرية: فقد توسعوا في إيجاب حق الشفعة للشفيع أكثر من سائر
стр. 4761
المذاهب الأخرى، فأجازوا الشفعة في كل مبيع، عقاراً أو منقولاً، سواء أكان المنقول متصلاً بالعقار أم لا، وسواء أكان الشيء المبيع مما ينقسم، أم مما لا ينقسم، من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، أو ثوب، أو سيف أوطعام أو حيوان، أو أي شيء بيع، فلا يحل لمن له الجزء، أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه (١).
المبحث الثالث - الشفيع أولاً - من الشفيع؟ للفقهاء رأيان فيمن يحق له الأخذ بالشفعة: رأي للحنفية: في أن الشفيع: هو الشريك، أو الجار. ورأي للجمهور: في أن الشفيع هو الشريك فقط.
قال الحنفية (٢): تثبت الشفعة للشريك (الخليط) في المبيع نفسه، أو في حق من حقوق الارتفاق الخاصة، كالشِّرب (النصيب من الماء)، والطريق الخاصين، كما تثبت للجار الملاصق للمبيع، ولو كان باب داره من سكة أخرى. والملاصق من جانب واحد ولو بشبر، كالملاصق من ثلاثة جوانب، وواضع جذع على حائط، وشريك في خشبة على حائط: جار لا شِريك؛ لأن وضع الجذوع على الحائط لا يصير صاحبه شريكاً في الدار، والشفعة تثبت في العقار دون المنقول، والخشبة منقول. ولا فرق بين مسلم وذمي في استحقاق الشفعة، لعموم أدلة مشروعيتها، ولتساويهما في سبب الشفعة وحكمتها، فيتساويان في الاستحقاق.
стр. 4762
ودليلهم الأحاديث السابقة في مشروعية الشفعة، والتي منها: «جار الدار أحق بسقبه» (١) و «جار الدار أحق بدار الجار، والأرض» (٢) و «الجار أحق بشفعته» (٣). ويؤكده أن العلة الموجب للشفعة هو دفع الضرر الدائم، الذي يلحق المرء بسبب سوء العشرة على الدوام. وهذا يتحقق في الجار، كما يتحقق في الشريك، فتكون حكمة مشروعية الشفعة ظاهرة فيهما، وهو دفع الضرر عنهما.
وقال الجمهور (غير الحنفية) (٤): لا شفعة إلا لشريك في ذات المبيع، لم يقاسم (أي أن حقه مشاع لم يقسم) فلا شفعة عندهم لشريك مقاسم، ولا لشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع، ولا للجار.
وتثبت الشفعة عند المالكية والشافعية والظاهرية للذمي الكافر على المسلم، كما قال الحنفية. ولا تثبت للكافر عند الحنابلة في بيع عقار لمسلم، للحديث النبوي: «لا شفعة لنصراني» (٥) فهو يخص عموم ما احتجوا به، ولأن الأخذ بالشفعة يختص به العقار فأشبه الاستعلاء في البنيان، والكافر ممنوع من ذلك بالنسبة للمسلم، ولأن في شركته ضرراً بالمسلم. ولكن رأي الجمهور في هذا أرجح، بسبب ضعف الحديث الذي احتج به الحنابلة.
стр. 4763
واتفق الفقهاء ماعدا الحنابلة على أن الشفعة تثبت للذمي على الذمي، لعموم الأخبار الواردة في الشفعة، ولأنهما تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر كالمسلم على المسلم. وتثبت الشفعة لأهل البدع الذين حكم بإسلامهم؛ لأن عموم الأدلة يقتضي ثبوتها لكل شريك. وأما أصحاب البدع الذين حكم بكفرهم فلا شفعة لهم على مسلم عند الحنابلة، بخلاف الجمهور (١).
وأدلة الجمهور: حديث جابر السابق: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقْسم، فإذا وقعت الحدود، وصرِّفت الطرق، فلا شفعة» وحديث سعيد بن المسيب: «إذا قسمت الأرض، وحُدَّت، فلا شفعة فيها» (٢)، فإذا كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم، فهي أحرى ألا تكون واجبة للجار، والشريك المقاسم إذا قاسم: جارٌ.
ولأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، فيقتصر فيها على مورد النص.
وأما حديث أبي رافع: «الجار أحق بصقبه» فليس بصريح في الشفعة، فيحتمل أنه أراد بالصقب: إحسان جاره وصلته وعيادته ونحوها. وخبر جابر صريح صحيح، فيقدم. وبقية الأحاديث في أسانيدها مقال، فحديث سمرة يرويه عنه الحسن، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة. ويتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة، فيكون لفظ الجار مراداً به الشريك. وهذا الرأي في تقديري أولى؛ لأن الشفعة تثير مشكلات متعددة، والأصل المقرر في الشريعة هو حرية التعاقد، فيقتصر فيها على حالة الشركة فقط.
وقد توسط ابن القيم بين الرأيين، فقرر ثبوت الشفعة للجار إذا كان شريكاً مع
стр. 4764
جاره في حق من حقوق الارتفاق الخاصة، مثل الطريق أو الشرب، وإلا فلا شفعة له (١).
وارتأى الشوكاني وبعض الشافعية هذا الحل الوسط عملاً بلفظ في حديث جابر: «إذا كان طريقهما واحداً» (٢)
ثانياً - مراتب الشفعة (أو أسباب استحقاقها) وكيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء: قال الحنفية (٣): الشفعة واجبة للخليط (الشريك) في نفس المبيع، ثم إذا لم يكن، أو كان وسَلَّم (تنازل عن الشفعة) تثبت للشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع: وهو الذي قاسم وبقيت له شركة في حق العقار الخاص، كالشِّرب والطريق الخاصين، ثم تثبت الشفعة لجار ملاصق.
ولا فرق في ثبوت حق الشفعة لصاحب حق الارتفاق بين الأرض المجاورة للمبيع والبعيدة عنه، ولا بين التي تسقى من المجرى الخاص مباشرة، أو من جدول مأخوذ منه، ما دام أن الكل يشرب من المجرى، وأن سبب الاستحقاق واحد: وهو الاشتراك في المرفق الخاص.
والمقصود من الشِّرب الخاص عند أبي حنيفة ومحمد (٤): شرب نهر صغير: وهو الذي لا يجري فيه أصغر السفن، وما تجري فيه السفن فهو عام، وعامة المشايخ على أن الشركاء في النهر إن كانوا يحصون، فصغير، وإلا فكبير. وما لا
стр. 4765
يحصى: قيل: أربعون، وقيل: خمس مئة، وقيل: الأصح تفويضه إلى رأي كل مجتهد في زمان.
والمقصود بالطريق الخاص: هو الذي لا يكون نافذاً، فكل أهله شفعاء. فإن كان الشرب والطريق عامين، فلا شفعة بهما. والمراد بعدم نفاذ الطريق: أن يكون بحيث يمنع أهله من أن يستطرقه غيرهم.
وتصور الشفعة بسبب الشرب مثلاً: إذا بيعت أرض لها حق الشرب في مجرى نهر خاص مشترك بين قوم تسقى أراضيهم منه، فلكل أهل الشرب الشفعة، سواء أكانت أراضيهم المجاورة للنهر ملاصقة له، أم بعيدة عنه.
ودليل الحنفية على ترتيب الشفعاء على النحو المذكور (الشريك في المبيع، ثم شريك الارتفاق، ثم الجار) هو قوله ﵊: «الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الشفيع» (١) ولأن الاتصال في المبيع أقوى من غيره، والاتصال في حق الارتفاق أقوى من الجار؛ لأنه اشتراك في مرافق الملك، والترجيح يكون بقوة السبب؛ ولأن دفع ضرر مؤنة القسمة، وإن لم يصلح علة عند الحنفية لاستحقاق الشفعة، صلح مرجحاً للأخذ عند تزاحم الشفعاء.
كيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء:
يتبين مما سبق كيفية توزيع حق الشفعة عند تزاحم الشفعاء، بأن كانوا أكثر من واحد، وكل منهم يطلب الشفعة.