المذاهب الأخرى، فأجازوا الشفعة في كل مبيع، عقاراً أو منقولاً، سواء أكان المنقول متصلاً بالعقار أم لا، وسواء أكان الشيء المبيع مما ينقسم، أم مما لا ينقسم، من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، أو ثوب، أو سيف أوطعام أو حيوان، أو أي شيء بيع، فلا يحل لمن له الجزء، أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه (١).
المبحث الثالث - الشفيع أولاً - من الشفيع؟ للفقهاء رأيان فيمن يحق له الأخذ بالشفعة: رأي للحنفية: في أن الشفيع: هو الشريك، أو الجار. ورأي للجمهور: في أن الشفيع هو الشريك فقط.
قال الحنفية (٢): تثبت الشفعة للشريك (الخليط) في المبيع نفسه، أو في حق من حقوق الارتفاق الخاصة، كالشِّرب (النصيب من الماء)، والطريق الخاصين، كما تثبت للجار الملاصق للمبيع، ولو كان باب داره من سكة أخرى. والملاصق من جانب واحد ولو بشبر، كالملاصق من ثلاثة جوانب، وواضع جذع على حائط، وشريك في خشبة على حائط: جار لا شِريك؛ لأن وضع الجذوع على الحائط لا يصير صاحبه شريكاً في الدار، والشفعة تثبت في العقار دون المنقول، والخشبة منقول. ولا فرق بين مسلم وذمي في استحقاق الشفعة، لعموم أدلة مشروعيتها، ولتساويهما في سبب الشفعة وحكمتها، فيتساويان في الاستحقاق.
стр. 4762
ودليلهم الأحاديث السابقة في مشروعية الشفعة، والتي منها: «جار الدار أحق بسقبه» (١) و «جار الدار أحق بدار الجار، والأرض» (٢) و «الجار أحق بشفعته» (٣). ويؤكده أن العلة الموجب للشفعة هو دفع الضرر الدائم، الذي يلحق المرء بسبب سوء العشرة على الدوام. وهذا يتحقق في الجار، كما يتحقق في الشريك، فتكون حكمة مشروعية الشفعة ظاهرة فيهما، وهو دفع الضرر عنهما.
وقال الجمهور (غير الحنفية) (٤): لا شفعة إلا لشريك في ذات المبيع، لم يقاسم (أي أن حقه مشاع لم يقسم) فلا شفعة عندهم لشريك مقاسم، ولا لشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع، ولا للجار.
وتثبت الشفعة عند المالكية والشافعية والظاهرية للذمي الكافر على المسلم، كما قال الحنفية. ولا تثبت للكافر عند الحنابلة في بيع عقار لمسلم، للحديث النبوي: «لا شفعة لنصراني» (٥) فهو يخص عموم ما احتجوا به، ولأن الأخذ بالشفعة يختص به العقار فأشبه الاستعلاء في البنيان، والكافر ممنوع من ذلك بالنسبة للمسلم، ولأن في شركته ضرراً بالمسلم. ولكن رأي الجمهور في هذا أرجح، بسبب ضعف الحديث الذي احتج به الحنابلة.
стр. 4763
واتفق الفقهاء ماعدا الحنابلة على أن الشفعة تثبت للذمي على الذمي، لعموم الأخبار الواردة في الشفعة، ولأنهما تساويا في الدين والحرمة، فتثبت لأحدهما على الآخر كالمسلم على المسلم. وتثبت الشفعة لأهل البدع الذين حكم بإسلامهم؛ لأن عموم الأدلة يقتضي ثبوتها لكل شريك. وأما أصحاب البدع الذين حكم بكفرهم فلا شفعة لهم على مسلم عند الحنابلة، بخلاف الجمهور (١).
وأدلة الجمهور: حديث جابر السابق: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقْسم، فإذا وقعت الحدود، وصرِّفت الطرق، فلا شفعة» وحديث سعيد بن المسيب: «إذا قسمت الأرض، وحُدَّت، فلا شفعة فيها» (٢)، فإذا كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم، فهي أحرى ألا تكون واجبة للجار، والشريك المقاسم إذا قاسم: جارٌ.
ولأن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، فيقتصر فيها على مورد النص.
وأما حديث أبي رافع: «الجار أحق بصقبه» فليس بصريح في الشفعة، فيحتمل أنه أراد بالصقب: إحسان جاره وصلته وعيادته ونحوها. وخبر جابر صريح صحيح، فيقدم. وبقية الأحاديث في أسانيدها مقال، فحديث سمرة يرويه عنه الحسن، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة. ويتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة، فيكون لفظ الجار مراداً به الشريك. وهذا الرأي في تقديري أولى؛ لأن الشفعة تثير مشكلات متعددة، والأصل المقرر في الشريعة هو حرية التعاقد، فيقتصر فيها على حالة الشركة فقط.
وقد توسط ابن القيم بين الرأيين، فقرر ثبوت الشفعة للجار إذا كان شريكاً مع
стр. 4764
جاره في حق من حقوق الارتفاق الخاصة، مثل الطريق أو الشرب، وإلا فلا شفعة له (١).
وارتأى الشوكاني وبعض الشافعية هذا الحل الوسط عملاً بلفظ في حديث جابر: «إذا كان طريقهما واحداً» (٢)
ثانياً - مراتب الشفعة (أو أسباب استحقاقها) وكيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء: قال الحنفية (٣): الشفعة واجبة للخليط (الشريك) في نفس المبيع، ثم إذا لم يكن، أو كان وسَلَّم (تنازل عن الشفعة) تثبت للشريك في حق من حقوق الارتفاق الخاصة بالمبيع: وهو الذي قاسم وبقيت له شركة في حق العقار الخاص، كالشِّرب والطريق الخاصين، ثم تثبت الشفعة لجار ملاصق.
ولا فرق في ثبوت حق الشفعة لصاحب حق الارتفاق بين الأرض المجاورة للمبيع والبعيدة عنه، ولا بين التي تسقى من المجرى الخاص مباشرة، أو من جدول مأخوذ منه، ما دام أن الكل يشرب من المجرى، وأن سبب الاستحقاق واحد: وهو الاشتراك في المرفق الخاص.
والمقصود من الشِّرب الخاص عند أبي حنيفة ومحمد (٤): شرب نهر صغير: وهو الذي لا يجري فيه أصغر السفن، وما تجري فيه السفن فهو عام، وعامة المشايخ على أن الشركاء في النهر إن كانوا يحصون، فصغير، وإلا فكبير. وما لا
стр. 4765
يحصى: قيل: أربعون، وقيل: خمس مئة، وقيل: الأصح تفويضه إلى رأي كل مجتهد في زمان.
والمقصود بالطريق الخاص: هو الذي لا يكون نافذاً، فكل أهله شفعاء. فإن كان الشرب والطريق عامين، فلا شفعة بهما. والمراد بعدم نفاذ الطريق: أن يكون بحيث يمنع أهله من أن يستطرقه غيرهم.
وتصور الشفعة بسبب الشرب مثلاً: إذا بيعت أرض لها حق الشرب في مجرى نهر خاص مشترك بين قوم تسقى أراضيهم منه، فلكل أهل الشرب الشفعة، سواء أكانت أراضيهم المجاورة للنهر ملاصقة له، أم بعيدة عنه.
ودليل الحنفية على ترتيب الشفعاء على النحو المذكور (الشريك في المبيع، ثم شريك الارتفاق، ثم الجار) هو قوله ﵊: «الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من الشفيع» (١) ولأن الاتصال في المبيع أقوى من غيره، والاتصال في حق الارتفاق أقوى من الجار؛ لأنه اشتراك في مرافق الملك، والترجيح يكون بقوة السبب؛ ولأن دفع ضرر مؤنة القسمة، وإن لم يصلح علة عند الحنفية لاستحقاق الشفعة، صلح مرجحاً للأخذ عند تزاحم الشفعاء.
كيفية التوزيع عند تزاحم الشفعاء:
يتبين مما سبق كيفية توزيع حق الشفعة عند تزاحم الشفعاء، بأن كانوا أكثر من واحد، وكل منهم يطلب الشفعة.
стр. 4766
أـ فإن لم يكونوا من مرتبة واحدة: بأن كان أحدهم شريكاً في المبيع، والآخر شريكاً في حق الارتفاق، والآخر جاراً ملاصقاً، فيقدم الشريك في المبيع أولاً، ثم الشريك في حق المبيع (حق الارتفاق)، ثم الجار (م ١٠٠٩) مجلة.
والمشارك في حائط الدار في حكم المشارك في الدار نفسها. وأما صاحب الأخشاب الممتدة على حائط جاره، فيعد جاراً ملاصقاً، لا شريكاً (م ١٠١٢) مجلة.
وكل من صاحب الطابق الأعلى والأسفل: جار ملاصق (م ١٠١١) مجلة. وحق الشرب مقدم على حق الطريق (م ١٠١٦) مجلة. وإذا باع صاحب حق الشرب أو الطريق الخاص أرضه فقط، دون حق الارتفاق، فليس للشركاء في الارتفاق شفعة (م ١٠١٥) مجلة.
وإذا اجتمع صنفان من الشركاء يقدم الأخص على الأعم، فالمشترك في شرب من جدول من الشرب أولى من المشترك في الشرب (م ١٠١٤).
ب - وإن كان الشفعاء من مرتبة واحدة، كالشركاء في المبيع، قسم العقار المشفوع فيه بين الطالبين جميعاً، بالتساوي بحسب عدد الرؤوس، لا بمقدار الملك أو السهام، عند الحنفية (١) والظاهرية (٢)، لاستوائهم في سبب استحقاق الشفعة، وهو الاتصال بالشركة أو الجوار، أي لأنهم متساوون في أصل الملك.
стр. 4767
وقال الجمهور (١) (غير الحنفية والظاهرية): يقسم العقار المشفوع فيه بين الشفعاء على قدر حصصهم أو أنصبائهم في الملك، لا على الرؤوس؛ لأن الشفعة حق ناشئ بسبب الملك، فكان على قدر الملك، كالغلة والثمرة والأجرة المستفادة من الملك، وكالربح في شركة الأموال، فيأخذ كل واحد من الشركاء الشفعاء بقدر ما يملكه في العقار (المشفوع به وفيه).
فلو كانت الأرض بين ثلاثة، لواحد نصفها، ولآخر ثلثها، ولآخر سدسها، فباع الأول حصته، أخذ الثاني سهمين، والثالث سهماً. ولأن الشفعة شرعت لإزالة الضرر، والضرر داخل على كل واحد من الشركاء بحسب نسبة ما يملكه، لا بحسب التساوي، فوجب أن يكون استحقاقهم لدفع الضرر على تلك النسبة من الحصص. وقال المالكية في تزاحم الشركاء الشفعاء (٢): يقدم في الأخذ بالشفعة الأخص في الشركة على غيره، وهو المشارك في السهم أي الفرض، فلو مات ذو عقار عن جدتين وزوجتين وأختين، فباعت إحداهن نصيبها، فالشفعة لمن شاركها في السهم، دون بقية الورثة، حتى ولو كان المشارك في السهم أختاً لأب مع أخت شقيقه، أو بنتَ ابن مع بنت، فإذا باعت الشقيقة أو البنت نصيبها، فللأخت لأب أو لبنت الابن الأخذ بالشفعة، دون العاصب.
ويدخل الأخص (٣) من ذوي السهام (الفروض) على الأعم، وهو غير المشارك في السهم، أي غير ذوي الفروض وهو غير الأقوى في القرابة، كالعاصب
стр. 4768
وغيره، فإذا مات شخص عن بنت فأكثر، وعن أخوين أو عمين، فباع أحد الأخوين، فإن البنات يدخلن في الشفعة، ولا يختص الحق بالأخ أو العم الذي لم يبع. وإذا مات شخص عن ثلاث بنات، ثم ماتت إحداهن عن بنتين، فباعت إحدى أخوات الميتة حصتها، فأولاد الميتة يدخلن على خالاتهن، إذ الطبقة السفلى أخص؛ لأنهن أقرب للميت الثاني، والعليا أعم. ويدخل الوارث ذو الفرض أو العاصب على الموصى لهم بعقار، باع أحدهم حصته، فلا يختص بالشفعة بقية الموصى لهم، بل يدخل معه الوارث.
ثم يقدم الوارث مطلقاً، سواء أكان ذا فرض أم عاصباً، على أجنبي.
ثم يقدم الأجنبي، إن أسقط الوارث حقه.
ثالثاً - غيبة بعض الشفعاء: قال الحنفية (١): لو كان بعض الشفعاء حين البيع وطلب الشفعة غائباً، فطلبها الحاضر، يقضى له بالشفعة؛ لأن الحاضر ثابت بيقين، والغائب مشكوك في طلبه الشفعة، فلا يؤخر الحاضر؛ لأن المشكوك فيه لا يزاحم المتيقن، لاحتمال عدم طلب الغائب، فلا يؤخر بالشك.
ثم إذا جاء الغائب وطلب الشفعة، وكان مع الحاضر في مرتبة واحدة، قاسم الحاضر فيما أخذ، أي تنقض القسمة الأولى، ويعاد تقسيم العقار.
وإن لم يكن الغائب في مرتبة واحدة مع الحاضر الذي أخذ بالشفعة - وهذا لا يتصور إلا عند الحنفية - كالشريك والجار، فإن كان الغائب فوق الحاضر (أعلى منه)
стр. 4769
كالشريك مع الجار قضي له بكل المشفوع فيه، وإن كان دونه كالجار مع الشريك منع من الشفعة.
ويتفق المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية (١) مع الحنفية في ثبوت حق الشفعة للغائب، لعموم قوله ﵇: «الشفعة فيما لم يقسم» ولأن الشفعة حق مالي، وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فيثبت له، كالإرث، ولأن الغائب شريك لم يعلم بالبيع، فتثبت له الشفعة عند علمه كالحاضر، إذا كتم عنه البيع، ويندفع ضرر المشتري المشفوع عليه بدفع القيمة له.
رابعاً - إسقاط بعض الشفعاء حقه: قال الحنفية (٢): إذ أسقط بعض الشفعاء حقه:
أـ فإن كان قبل أن يقضى لهم، فلمن بقي أخذ كل المشفوع فيه، لزوال المزاحمة.
ب - وأما إن أسقط حقه بعد القضاء بالشفعة، فليس لمن بقي أخذ نصيب التارك؛ لأنه بالقضاء قطع حق كل واحد منهم في نصيب الآخر.
وقال المالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة (٣): إذا أسقط بعض الشفعاء حقه في الشفعة، بأن عفا، سقط حقه، كسائر الحقوق المالية، وتخير الآخر بين أخذ جميع المشفوع فيه، أو تركه كله، وليس له أخذ حقه فقط، أو الاقتصار على
стр. 4770
حصته، لأن الشفيع الواحد إذا أسقط بعض حقه، سقط كله كالقصاص، لئلا تتبعض الصفقة على المشتري. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم هذا؛ لأن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر.
المبحث الرابع - أحكام الشفعة:
أولاً - طريق التملك بالشفعة: قال الحنفية (١): الشفعة تجب بعقد البيع أي تستحق بعد البيع، حتى ولو كان البيع فاسداً وسقط الفسخ بوجه ما، أو كان مشتملاً على خيار للمشتري، ولا شفعة بمجرد الشراء الفاسد لأنه مستحق الفسخ شرعاً، وفي إثبات حق الشفعة تقرير الفساد، فلا يجوز، فإن سقط الفسخ بوجه من الوجوه كالتصرف بالمبيع أو البناء عليه، وجبت الشفعة لزوال المانع. كما لا شفعة إذا كان الخيار للبائع؛ لأنه يمنع زوال الملك عن البائع، أما خيار المشتري فلا يمنع زوال الملك عن البائع، والشفعة تبتنى عليه.
ولا بد من طلب المواثبة (أي طلب الشفعة كما سمع، على وجه السرعة)، وتستقر بالإشهاد بعد الطلب، أي بالطلب الثاني: وهو طلب التقرير، وتملك بالأخذ بالتراضي، أو بقضاء القاضي.
أي أن طريق التملك بالشفعة للشفيع يكون بأحد طريقين: إما بتسليم المشتري المبيع للشفيع بالتراضي، وإما بقضاء القاضي أي بحكم الحاكم من غير
стр. 4771
أخذ؛ لأن الملك للمشتري قد تم بالشراء، فلا ينتقل إلى الشفيع إلا بالتراضي، أو قضاء القاضي، كما في الرجوع في الهبة؛ لأن للحاكم ولاية عامة، فيقدر على القضاء في ضمن الحكم بالحق.
ويترتب عليه: أنه لا يثبت للشفيع في شفعته شيء من أحكام الملك قبل تملكه بأحد الأمرين المذكورين، فلا تورث عنه عند الحنفية إذا مات في هذه الحالة، وتبطل شفعته إذا باع داره التي يشفع بها، ولو بيعت دار بجنبها في هذه الحالة لا يستحقها بالشفعة لعدم ملكه فيها.
والتملك بأحد هذين الطريقين متفق عليه بين المذاهب (١)، لكن قال المالكية: تملك الشفعة بأحد أمور ثلاثة: بحكم من حاكم، أو دفع ثمن للمشتري، أو إشهاد بالأخذ بالشفعة ولو في غيبة المشتري.
ولا شفعة عند غير الحنفية في بيع فاسد؛ لأنه باطل عندهم أي منعدم شرعاً. واستثنى المالكية حالة تصرف المشتري بشراء فاسد بالشيء إلى غيره ببيع صحيح، فللشفيع أن يأخذه من المشتري الثاني بما دفعه من الثمن. فإن طرأ في يد المشتري على المبيع بيعاً فاسداً ما يغير ذاته كالهدم مثلاً، فللشفيع الأخذ بما لزم المشتري: وهو القيمة إن كان الفساد متفقاً عليه، والثمن إن كان الفساد مختلفاً فيه.
وتملك العقار بالشفعة هو بمنزلة شراء جديد مبتدأ، فيثبت للشفيع حق الرد بخيار الرؤية وخيار العيب (٢)، كما هو مقرر في كل عقد بيع.
والذي يتملكه الشفيع بالشفعة: هو الذي ملكه المشتري بالشراء، سواء ملكه
стр. 4772
أصلاً، أو تبعاً لغيره إذا كان متصلاً به وقت التملك بالشفعة، كالبناء والغرس والزرع والثمر. وهذا استحسان عند الحنفية؛ لأن الحق إذا ثبت في العقار، ثبت فيما هو تبع له إن كان منقولاً متصلاً به؛ لأن حكم التبع حكم الأصل (١).
ثانياً - ما يلزم الشفيع دفعه أو ما يؤخذ به المشفوع: ١) - الثمن الواجب دفعه:
اتفق الفقهاء على أن الشفيع يأخذ المبيع بالثمن، أو العوض الذي ملك به، أوبمثل الثمن الذي تملك به المشتري، لا بمثل المبيع الذي يملكه المشتري؛ لأن الشرع أثبت للشفيع ولاية التملك على المشتري بمثل ما يملك به (٢) قدراً وجنساً، لحديث جابر «فهو أحق به بالثمن» (٣)، كما يلزم بما أنفقه المشتري كأجرة دلال وكاتب ورسوم، فإن كان الثمن مثلياً كالمكيل والموزون، أخذه الشفيع بقيمته (أي قيمة الثمن)؛ لأنها بدله في القرض والإتلاف، وقت لزوم العقد؛ لأنه حين استحقاق الأخذ.
وإن بيع عقار بعقار (مقايضة) وكان شفيعهما واحداً، أخذ الشفيع كل واحد من العقارين بقيمة الآخر، لأنه بدله، وهو من ذوات القيم (القيميات)، فيأخذه بقيمته. وإن اختلف شفيعهما، يأخذ شفيع كل منهما ماله فيه الشفعة بقيمة الآخر.
وإن اشترى ذمي داراً بخمر أو خنزير، وكان الشفيع ذمياً، أخذها بمثل
стр. 4773
الخمر، وقيمة الخنزير، وإن كان الشفيع مسلماً أخذها عند غير الحنابلة بقيمة الخمر والخنزير. أما الخنزير فظاهر أنه مال قيمي، وأما الخمر فلمنع المسلم عن التصرف فيه، فالتحق بغير المثلي.
وتحسب قيمة الشيء المبيع يوم البيع، لا يوم الأخذ بالشفعة، باتفاق الفقهاء، لأنه وقت إثبات العوض، واستحقاق الشفعة.
وقال الحنابلة (١): لا شفعة فيما اشتراه الذمي بخمر أو خنزير، لأنهما ليسا بمال.
٢) - الحط من الثمن أو الزيادة عليه:
قال الحنفية (٢): إذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سواء قبل الأخذ بالشفعة أم بعدها، سقط قدر المحطوط عن الشفيع؛ لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد، فيظهر ذلك في حق الشفيع؛ لأنه يأخذ الشفعة بالثمن، والثمن هو الباقي المستقر عليه.
أما إن حط البائع عن المشتري جميع الثمن، لم يسقط عن الشفيع منه شيء؛ لأن حط الكل لا يلتحق بأصل العقد بحال، لخروج العقد عن موضوعه، فيصبح هبة، ولم يبق ما يعد ثمناً.
وإذا زاد المشتري البائع في الثمن، أو جَدَّد العقد بأكثر من الثمن الأول، لم تلزم تلك الزيادة الشفيع، لأن في الزيادة ضرراً به، لاستحقاقه الأخذ بالثمن الأول الأصلي، بخلاف مسألة الحط من الثمن، لأن فيه منفعة له.
стр. 4774
والخلاصة: أنه يثبت في حق الشفيع الحط أو النقص من الثمن دون الزيادة.
واتفق بقية الفقهاء مع الحنفية على أنه لو حط البائع جميع الثمن، فلا شفعة، لانتفاء البيع.
وقال الشافعية والحنابلة (١): لو حط بعض الثمن عن المشتري أو زيد قبل لزوم العقد أي في مدة الخيار، انحط عن الشفيع مقدار النقص، ويلزم بالزيادة؛ لأن حق الشفيع إنما يثبت إذا تم العقد، وزال الخيار، والتغيير يلحق العقد. فأما إذا انقضى الخيار وانبرم العقد، فحط أو زيد في الثمن، لم يلحق بالعقد؛ لأن النقص حينئذ إبراء مبتدأ جديد، ولا يثبت ذلك في حق الشفيع، والزيادة بعد مدة الخيار هبة، تطبق عليها شروط الهبة.
٣) - تأجيل الثمن:
قال الحنفية ما عدا زفر، والشافعية في الأظهر من أقوال الشافعي في الجديد (٢): إذا أجل الثمن كله أو بعضه، ليس للشفيع الاستفادة من هذا الأجل الممنوح للمشتري، وإنما يكون الشفيع بالخيار بين أن يعجل (يدفع الثمن حالاً) ويأخذ المبيع (أو الشقص أي الحصة) في الحال، أو يصبر حتى ينقضي الأجل، ولا يسقط حقه بتأخيره إلى حلول الأجل، لعذره، لكن يجب عليه طلب الشفعة في حينها، وإلا سقط حقه فيها؛ لأن العقد هو شرط ثبوتها، وقد وجد.
والسبب في عدم إفادته من الأجل: هو أن الشفعة ليست تحويل الصفقة
стр. 4775
بصفتها للشفيع من المشتري، وإنما هي نقض العقد الذي تم بين البائع والمشتري، ثم انعقاد بيع آخر للشفيع.
وقال زفر: للشفيع الاستفادة من الأجل؛ لأن الأجل وصف في الثمن كالزيافة، والأخذ بالشفعة يكون بالثمن، فيأخذه به وصفاً وأصلاً.
وقال المالكية والحنابلة (١): للشفيع الاستفادة من تأجيل الثمن الذي تم به العقد، إذا كان مليئاً ثقة، أو كفله مليء ثقة. فإن لم يكن موسراً، ولا ضمنه مليء، وجب عليه دفع الثمن حالاً، رعاية للمشتري. وهذا الرأي أولى بالاتباع ضماناً لمصلحة المشتري الذي فقد الصفقة بسبب الشفعة.
٤) - هل يتوقف القضاء بالشفعة على دفع الشفيع الثمن؟ قال الحنفية في ظاهر الرواية، والشافعية والمالكية والحنابلة (٢): لا يشترط في التملك بالشفعة حكم الحاكم، ولا إحضار الثمن، ولا حضور المشتري، فلا يتوقف صدور الحكم القضائي بالشفعة على إحضار الشفيع الثمن إلى مجلس القضاء؛ لأن حقه ثبت بمجرد البيع لأجنبي دفعاً للضرر عنه، فصار كما لو صدر الشراء له من البائع من أول الأمر، أو لأن الشفيع يصير متملكاً المشفوع فيه بمقتضى القضاء بالشفعة، فكأنه اشتراه من البائع، والتملك بالشراء لا يتوقف على إحضار الثمن، كالشراء أو البيع المبتدأ بجامع أنه تملك بعوض.
стр. 4776
لكن قال المالكية: إن قال الشفيع: أنا آخذ الشفعة، أجل ثلاثة أيام لإحضار الثمن، فإن أتى به فيها وإلا سقطت شفعته.
وقال محمد بن الحسن: لا يقضي القاضي بالشفعة حتى يحضر الشفيع الثمن، دفعاً للضرر عن المشتري؛ لأن الشفيع ربما يكون مفلساً، فيتوقف القضاء على إحضار الثمن، ويؤجله القاضي يومين أو ثلاثة تمكيناً له من نقد الثمن، إذ لا يصح دفع الضرر عن الشفيع بإضرار غيره.
لكن ما يخشاه محمد من هذا المحذور يمكن دفعه، كما يقول أبو حنيفة وأبو يوسف، بأن للمشتري حبس العين في يده، حتى يدفع الشفيع الثمن.
ووفق الكاساني بين الرأيين، فقال: هذا عندي ليس باختلاف على الحقيقة، وللقاضي أن يقضي بالشفعة قبل إحضار الثمن بلا خلاف؛ لأن لفظ محمد ﵀: «ليس ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة، حتى يحضر الشفيع المال» لا يدل على أنه ليس له أن يقضي، بل هو إشارة إلى نوع احتياط، ولهذا لو قضى جاز، ونفذ قضاؤه، نص عليه محمد.
٥) - استحقاق المشفوع فيه:
إذا استحق المشفوع فيه فمن الذي يتحمل العهدة وضمان الثمن؟ الأمر مختلف فيه على رأيين. والمراد بالعهدة: رجوع من انتقل الملك إليه وهو الشفيع على من انتقل الملك عنه من بائع أو مشتر بالثمن عند الاستحقاق أو الأرش (التعويض) عند ظهور عيب من العيوب.
فقال الحنفية (١): إن ضمان الثمن عند الاستحقاق يكون على المشتري، إن
стр. 4777
أخذ الشفيع المبيع منه، ونقده الثمن؛ لأنه هو الذي قبض الثمن، ولأن المبيع قد انتقل منه إلى الشفيع. وهذا هو الغالب.
وقد يكون على البائع، إذا كان الشفيع قد أخذ المبيع منه قبل تسليمه إلى المشتري؛ لأنه هو الذي قبض الثمن، وانتقل المبيع منه إلى الشفيع.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (١): إذا أخذ الشفيع الشقص (الجزء المبيع المشترك فيه) فظهر مستحقاً أو معيباً، فيرجع بالثمن أو الأرش (التعويض) على المشتري، ويرجع المشتري على البائع؛ لأن الشفيع أخذ المبيع من المشتري على أنه ملكه، فيرجع بالعهدة عليه كما لو اشتراه منه.
٦) - اختلاف الشفيع والمشتري في قدر الثمن:
إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن، فادعى المشتري - بطبيعة الحال - الأكثر، وادعى الشفيع الأقل، فمن الذي يصدق قوله؟
يرى جمهور الفقهاء (في المذاهب الأربعة وغيرها) (٢): أن الشفيع والمشتري إذا اختلفا في قدر الثمن، فقال المشتري: اشتريته بمئة، وقال الشفيع: بل بخمسين، فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأنه أعلم بما باشره من الشفيع، ولأن الشفيع مدع الأقل، والمشفوع عليه مدعى عليه، ينكر ذلك، والقول قول المنكر مع يمينه.
стр. 4778
إلا أن المالكية قيدوا الأخذ بقول المشتري بقيد، فقرروا أن القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه تقدير المقدرين، أو ثمن المثل، وإلا أي إن أتى بما لا يشبه تقديرهم، بأن ادعى ما شأنه ألا يكون ثمناً، فالقول قول الشفيع إن أتى بما يشبه التقدير المعقول.
فإن لم يكن قول كل من المشتري والشفيع مشبهاً التقدير المعقول، حُلِّف كل منهما على مقتضى دعواه، ورد دعوى صاحبه، ورد الثمن إلى القيمة الوسط بين الناس وهي قيمة الحصة يوم البيع، كما لو نكلا معاً عن حلف اليمين.
وأضاف الحنفية (١) أن القول قول المشتري إذا اختلف مع الشفيع في جنس الثمن أو في صفته، مثال الأول: أن يقول المشتري: اشتريت بمئة دينار، وقال الشفيع: لا، بل بألف درهم، فالقول قول المشتري؛ لأن الشفيع يدعي عليه التملك بهذا الجنس، وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه، ولأن المشتري أعرف بجنس الثمن من الشفيع؛ لأن الشراء وجد منه، لا من الشفيع، فكان أعرف به من الشفيع، فيرجع في معرفة الجنس إليه.
ومثال الاختلاف في صفة الثمن: أن يقول المشتري: اشتريت بثمن معجل، وقال الشفيع: لا، بل اشتريته بثمن مؤجل، فالقول قول المشتري؛ لأن الحلول في الثمن أصل، والأجل عارض، والمشتري يتمسك بالأصل، فيكون القول قوله بيمينه، ولأن العاقد أعرف بصفة الثمن من غيره، ولأن الأجل يثبت بالشرط، والشفيع يدعي عليه شرط التأجيل، وهو ينكر، فكان القول قوله.
стр. 4779
المبحث الخامس - شروط الشفعة:
للأخذ بالشفعة شروط، وقع في بعضها اختلاف بين الفقهاء، وهي ما يلي:
١ - خروج العقار عن ملك صاحبه خروجاً باتاً لا خيار فيه.
٢ - أن يكون العقد عقد معاوضة وهو البيع وما في معناه.
٣ - أن يكون العقد صحيحاً.
٤ - أن يكون الشفيع مالكاً وقت الشراء وإلى القضاء له بالشفعة: (شرط ملك الشفيع).
٥ - عدم رضا الشفيع بالبيع.
واشترط الجمهور غير الحنفية أن يكون الشفيع شريكاً، فلا شفعة لجار عندهم، وقد ذكر في بحث الشفيع، كما اشترطوا أن يكون المبيع شقصاً (جزءاً) مشاعاً مع شريك قابلاً لقسمة الإجبار، وقد ذكر في بحث المشفوع فيه، ولم يشترطه الحنفية.
واشترط كل الفقهاء أن يأخذ الشريك جميع الشقص المبيع، لئلا يتضرر المشتري بتبعيض الصفقة في حقه، بأخذ بعض المبيع، وترك البعض الآخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، فإن أخذ البعض وترك البعض سقطت شفعته.
ولم أجد حاجة للكلام عن اشتراط كون المشفوع فيه عقاراً، لأن الكلام عنه في بحث مستقل في المبحث الثاني.
كما لا داعي للبحث في اشتراط عدم كون المشفوع فيه ملكاً للشفيع وقت البيع، فإن كان ملكاً له لم تجب الشفعة، لاستحالة تملك الإنسان مال نفسه. فهذا مفهوم بداهة، إذ لا يثير نزاعاً يؤدي إلى اللجوء إلى الشفعة.
стр. 4780
وأما اشتراط المبادرة إلى طلب الشفعة بالتراضي أو بالتقاضي، فمحله بحث مستقل في إجراءات الشفعة.
الشرط الأول - خروج العقار عن ملك صاحبه خروجاً باتاً: يجب أن يزول ملك البائع عن العقار المبيع، من طريق البيع البات النهائي اللازم الذي لا خيار فيه، فلا تستحق الشفعة في العقار إذا بيع بشرط الخيار. وهذا شرط متفق عليه بين المذاهب الأربعة، فقد اتفق فقهاؤهم على أن البيع المشتمل على خيار فيه للبائع، لا شفعة فيه، حتى يجب البيع أو يلزم. وعلى هذا لو كان الخيار لكل من العاقدين، فلا شفعة، لأجل خيار البائع.
واختلفوا في البيع المشتمل على خيار للمشتري، فقال الحنفية، والشافعية في الأظهر الراجح عندهم (١): لو كان الخيار للمشتري، تجب الشفعة؛ لأن خياره عند الحنفية لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع، ولأن المبيع في زمن الخيار للمشتري على الراجح عند الشافعية. هذا في خيار الشرط.
أما خيار العيب والرؤية، فلا يمنع وجوب الشفعة؛ لأنه لا يمنع زوال ملك البائع.
وقال المالكية والحنابلة (٢): لا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه، سواء أكان الخيار لكل من البائع والمشتري، أم لأحدهما، فوجود الخيار للمشتري يمنع
стр. 4781
الشفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة يلزم المشتري بالعقد بغير رضاه، ويوجب العهدة (١) عليه، ويفوت حقه من الرجوع في عين الثمن، فلم يجز، كما لو كان الخيار للبائع.
الشرط الثاني - أن يكون العقد عقد معاوضة:
لا يثبت الحق في الشفعة إلا إذا خرج العقار عن ملك صاحبه بعقد معاوضة، وهو البيع، أو ما في معناه كالهبة بشرط العوض إن تقابضا، والصلح عن مال لأنه معاوضة، سواء أكان العقار المبيع وقفاً أم غير وقف.
ففي البيع تجب الشفعة، لانتقال المبيع إلى المشتري بعوض، لحديث جابر السابق: «فإن باعه، ولم يؤذنه، فهو أحق به». وفي الهبة بعوض تجب الشفعة عند الحنفية إن تقابضا، لوجود معنى المعاوضة، عند التقابض؛ لأن الهبة لا تثبت إلا بالقبض، فإن قبض أحدهما دون الآخر، فلا شفعة عند أئمة الحنفية الثلاثة (أبي حنيفة وصاحبيه). وعند زفر: تجب الشفعة بنفس العقد؛ لأن الهبة بشرط العوض عند الثلاثة: تقع تبرعاً ابتداء، معاوضة انتهاء، وبناء عليه: يشترط ألا يكون الموهوب ولا عوضه شائعاً، لأنه هبة ابتداء. وعند زفر: تقع معاوضة ابتداء وانتهاء.
ولم يشترط التقابض عند الجمهور غير الحنفية في الهبة بشرط العوض (الثواب)؛ لأن الهبة عندهم عقد لازم، ولأن الموهوب له يملك الموهوب بعوض هو مال، فلم يفتقر إلى القبض في استحقاق الشفعة.
стр. 4782
وتجب الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، سواء أكان الصلح على الدار عند الحنفية عن إقرار أم إنكار، أم سكوت، لوجود معنى المعاوضة.
وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء في المشهور عن مالك (١)، فلا شفعة بناء عليه إذا زالت ملكية البائع عن ملكه بلا عوض مطلقاً، كالهبة بغير شرط العوض، والوقف، والوصية والميراث؛ لأن الشفعة حق تملك جبري، يملك به المبيع جبراً عن المشتري بمثل ما ملك (أي بالثمن والتكاليف التي دفعها). وهذه التصرفات تؤدي إلى نقل الملكية بغير عوض أي بالمجان، فلا يتأتى تحقق شرط الشارع في تملك الشفعة وهو البيع بمعاوضة وما في معناه.
لكن الفقهاء اختلفوا في التملك بعوض غير مالي، كالمهر، وبدل الخلع، أو أجر طبيب أو محام مثلاً، أو أجرة دار، أو عوض في الصلح عن دم عمد.
فقال الحنفية والحنابلة (٢): يشترط أن يكون عقد المعاوضة مال بمال، فلا شفعة إذا كان العوض غيرمال، كما في هذه الأحوال، لأن الشيء في المعاوضة غير المالية يشبه الموهوب والموروث، ولأن هذه الأعواض لا مثل لها، حتى يأخذ الشفيع الشيء بمثلها، فلا يمكن مراعاة شرط الشرع فيه، وهو التملك بما تملك به المشتري، فلم يكن مشروعاً. وأوضح الحنابلة أنه لا تجب الشفعة بفسخ يرجع به المبيع إلى البائع، كرده بعيب أو إقالة. وقال الحنفية: إذا اقتسم الشركاء العقار المشترك بينهم فلا شفعة لجارهم بالقسمة، لأنها ليست بمعاوضة مطلقاً، ولأن
стр. 4783
الشريك أولى من الجار. وإذا سلّم (أي تنازل) الشفيع الشفعة، ثم رد المشتري ما اشتراه بخيار رؤية أو شرط أو عيب بقضاء قاض، فلا شفعة للشفيع؛ لأن هذا الرد فسخ تام، فعاد المبيع لقديم ملكه، والشفعة تكون في حالة إنشاء العقد. وإن كان الرد للمبيع بغير قضاء، أو تقايلا (فسخا) البيع، فللشفيع الشفعة؛ لأن الرد فسخ في حق الطرفين، وبيع جديد في حق شخص
ثالث، لوجود معنى البيع (وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي) والشفيع هنا هو الثالث (١).
وقال المالكية والشافعية (٢): يكفي أن يكون العقد عقد معاوضة، سواء أكانت بمال أم غير مال، فتثبت الشفعة بالمعاوضة على غير مال؛ لأن الغرض من الشفعة دفع ضرر الدخيل، وهذا متحقق هنا، ولأنه عقار مملوك بعقد معاوضة، فأشبه البيع، ويطالب الشفيع حينئذ بدفع قيمة البدل، كما لو باعه بعرض تجاري؛ لأن هذه الأعواض أموال متقومة عندهم، فيؤخذ الشيء بقيمته عند تعذر الأخذ بالمثل، فيدفع الشفيع مهر المثل، وعوض الخلع.
الشرط الثالث - أن يكون العقد صحيحا ً:
اتفق الفقهاء على هذا الشرط (٣)، لأن المطلوب هو زوال حق البائع في المبيع، فلا تثبت الشفعة في المشترى شراء فاسداً؛ لأن هذا العقد يجب ديناً نقضه، ورد المبيع إلى ملك بائعه، للتخلص من الفساد، فلا يكون البيع لازماً، لاحتمال فسخه من كل العاقدين، وفي إثبات الشفعة تقرير الفساد.
стр. 4784
لكن لو سقط حق فسخ البيع الفاسد بأسباب مسقطة للفسخ، كزيادة المبيع، وزوال ملك المشتري بالتصرف في المشترى إلى غيره، كان للشفيع عند الحنفية والمالكية (١) أن يأخذ بالشفعة؛ لأن المانع قيام احتمال الفسخ ولقد زال المانع، كما لو باع شخص بشرط الخيار له، ثم أسقط الخيار، وجبت الشفعة لزوال المانع من ثبوت الحق، وهو الخيار، فكذا هو.
وفي حالة بيع المشتري الشيء المشترى شراء فاسداً، يكون الشفيع عند الحنفية بالخيار، إن شاء أخذ الشفعة بالبيع الأول، وإن شاء أخذها بالبيع الثاني؛ لأن حق الشفيع ثابت عند كل من البيعين، غير أنه إن أخذ بالبيع الثاني أخذ بالثمن، وإن أخذ بالبيع الأول، أخذ بقيمة المبيع يوم القبض؛ لأن البيع الفاسد يفيد الملك بقيمة المبيع لا بالثمن. وإنما تقدر القيمة يوم القبض؛ لأن المبيع بيعاً فاسداً مضمون بالقبض، كالمغصوب.
ورأي المالكية قريب من هذا، كما ظهر في مبدأ الكلام عن المبحث الرابع.
الشرط الرابع - ملك الشفيع المشفوع به وقت البيع:
اتفق الفقهاء على شرط كون الشفيع مالكاً ما يشفع به قبل البيع، واختلفوا في استمرار الملك حتى القضاء بالشفعة على رأيين:
فقال الحنفية (٢): يشترط استمرار ملك الشفيع حتى يقضى له بالشفعة، فلو بيع عقار، فطلبه الشريك أو الجار بالشفعة، ثم باع ما يشفع به، سقط حقه فيها؛ لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشفيع (الشريك أو الجار عندهم) ولا ضرر يصيبه من المشتري بعد بيع ملكه.
стр. 4785
وكذا لو باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة، سقط حقه، سواء أكان عالماً ببيع الدار المشفوع فيها، أم لم يعلم.
وقال جمهور الفقهاء (غير الحنفية) (١): يشترط ثبوت ملك الشفيع وقت البيع فقط، ولايشترط استمرار الملك إلى وقت القضاء بالشفعة. وعليه نص الشافعية فقالوا: لو باع الشفيع حصته، أو أخرجها عن ملكه بغير البيع كالهبة، جاهلاً بالشفعة، فالأصح بطلانها، لزوال سببها، وهو الشركة أي حين البيع.
أـ ويترتب على هذا الشرط بالاتفاق أنه لا شفعة لشخص بدار يسكنها بالإجارة، أو الإعارة، ولا بدار باعها قبل بيع المشفوع فيه، ولا بدار جعلها مسجداً، ولا بدار جعلها وقفاً، فلا شفعة للوقف، أي ليس لناظر الوقف أن يطلب تملك العقار المبيع بجوار الأراضي الموقوفة، إذ لا مالك للوقف.
أما إذا بيع الوقف عند الحنفية القائلين بجواز الاستبدال بالعين الموقوفة للضرورة أو للحاجة والمصلحة، فيثبت حق الشفعة للجار؛ لأنه بالبيع يصبح غير موقوف، فيجوز أخذه بالشفعة.
كذلك تثبت الشفعة عند الحنفية في حالة بيع العقار الموقوف غير المحكوم به (٢)، كما تثبت في بيع الأراضي العشرية والخراجية لأنها مملوكة، بخلاف الأراضي السلطانية، فإنه لا شفعة فيها.
стр. 4786
وأجاز المالكية (١) لا للسلطان الأخذ بالشفعة لبيت المال، كما إذا مات أحد الشريكين، ولا وارث له، فأخذ السلطان نصيبه لبيت المال، ثم باع الشريك الآخر حصته، فللسلطان الأخذ بالشفعة لبيت المال. وكما لو مات إنسان عن بنت مثلاً، فأخذت النصف، ثم باعته، كان للسلطان الأخذ من المشتري لبيت المال.
ب - ويتفرع على الخلاف السابق بين الفقهاء في شرط استمرار ملك المشفوع به: إرث حق الشفعة.
قال الحنفية: لا يثبت للوارث حق الأخذ بالشفعة إذا مات الشفيع بعد طلب الشفعة قبل القضاء، فليس للوارث الشفعة في عقار بيع في حياة مورثه؛ لأن الوارث لم يكن مالكاً ما ورثه وقت العقد.
وقال الجمهور: يثبت حق الشفعة للوارث، إذا طالب به الشفيع المورث بعد البيع قبل موته، بخلاف ما إذا مات قبل الطلب؛ لأن الوارث خليفة المورث، فله كل حقوق مورثه، ومنها حق الشفعة، دفعاً لضرر الدخيل عن نفسه.
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في إرث خيار الشرط: هو هل تورث الحقوق كما تورث الأموال؟ عند أبي حنيفة: لا تورث، وعند الجمهور: تورث (٢).
الشرط الخامس - عدم رضا الشفيع بالبيع وحكمه:
اتفق الفقهاء على اشتراط ألا يصدر من الشفيع ما يدل على رضاه ببيع العقار المشفوع فيه، فإن رضي بالبيع أو بحكمه قولاً، أو فعلاً بأن باع الشفيع المشفوع به
стр. 4787
أو سكت مدة طويلة من غير عذر، سقط حقه في طلب الشفعة؛ لأن الشفيع بالخيار بين الأخذ والترك؛ لأن الشفعة حق ثبت له لدفع الضرر عنه، فيخير بين أخذه وتركه.
وقدر المالكية مدة السكوت فقالوا: ألا يظهر من الشفيع ما يدل على إسقاط الشفعة من قول أو فعل أو سكوت مدة سنة كاملة بعد العقد فأكثر بلا مانع، مع علمه وحضوره.
لكن يشترط لسقوط هذا الحق: ألا يكون هناك تدليس أو خديعة للشفيع لإسقاط الشفعة، من
طريق المشتري، أو الثمن، أو قدر المبيع نفسه (١).
فإذا أخبر أن المشتري فلان، وكان المشتري بالفعل غيره؛ أو أن الثمن كذا، وكان الثمن بالفعل أقل أو من جنس أو نوع أو وصف آخر، أو أن المبيع جزء معين، وكان المبيع بالفعل جزءاً وأكثر أو كل المبيع، فسلم الشفعة أي أعرض عنها، ثم تبين الحقيقة والوافع، بقي حقه، وكان له الشفعة؛ لأنه إنما تركها لغرض بان خلافه ولم يتركه رغبة عنه.
لكن لو كان الأمر على عكس بعض هذه الحالات الثلاث السابقة، كأن أخبر بأن الثمن ألف، فبان أكثر من ألف، أو أن المبيع كله، فبان بعضه، أو أن الثمن مؤجل، فبان حالاً نقداً، سقط حقه في الشفعة، لأنه إذا لم يرغب فيه بالأقل، أو بالمؤجل، فبالأكثر، أو المعجل أولى. ومن رغب عن شراء الكل، رغب عن شراء البعض بالأولى، خوف ضرر الشركة. والحالة الأخيرة هي الرواية المشهورة (ظاهر
стр. 4788
الرواية) عند الحنفية، وهي مذهب المالكية، أي أن الشفعة تسقط إذا أخبر الشفيع أن شريكه باع الكل، فترك الشفعة، ثم تبين أنه لم يبع إلا النصف مثلاً.
وقال أبو يوسف والحنابلة: إن للشفيع في الحالة الأخيرة؛ لأنه قد يعجز عن ثمن الكل ويقدر على ثمن النصف مثلاً، وقد تكون حاجته إلى النصف لإتمام مرافق ملكه، ولا يحتاج إلى الكل.
والخلاصة عند الجمهور: أن الشفيع إذا أخبر بما هو الأنفع له، فترك الأخذ بالشفعة، بطل حقه، وإلا فلا.
الاحتيال لإسقاط الشفعة:
اتفق الحنفية على كراهية الحيلة تحريماً لإسقاط الشفعة بعد ثبوتها أي بعد البيع، أما الحيلة لدفع ثبوت الشفعة قبل البيع، فيروى عن أبي يوسف، وبقوله يفتى: أنه لا تكره، إذا كان الجار غير محتاج للمشفوع فيه؛ لأنها منع عن إثبات الحق، فلا يعد ضرراً. وتكره عند محمد؛ لأن الشفعة
إنما وجدت لدفع الضرر، ولو أبحنا الحيلة لما تحقق دفع الضرر (١).
والخلاصة: أن المقرر عند الحنفية ومثلهم الشافعية: أنه يجوز الاحتيال لإسقاط الشفعة، كأن يقر له ببعض الملك ثم يبيعه الباقي.
أما الحنابلة والمالكية: فقد حرموا صراحة الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط؛ لأنها شرعت لدفع الضرر، فلو سقطت بالتحيل لترتب الضرر (٢).
стр. 4789
المبحث السادس - إجراءات الشفعة بما أن الشفعة حق ضعيف كما يقول الفقهاء، فلا تكون سبيلاً للتملك بها إلا باتخاذ إجراءات خاصة بطلبها من الشفيع بمجرد العلم بالبيع، حتى يحكم له بها.
قال الحنفية: يلزم في الشفعة طلبات ثلاثة: هي طلب المواثبة، وطلب التقرير والإشهاد، وطلب الخصومة والتملك (١). ويحسن قبل الكلام عن هذه الإجراءات بيان اختلاف الفقهاء حول وقت وجوب الشفعة.
وقت وجوب الشفعة: اشترط الحنفية طلب الشفعة فور العلم بالبيع؛ لأنها حق ضعيف، فيتقوى بالطلب الفوري بحسب المعتاد.
ولم يشترط الإمام مالك المطالبة بالشفعة على الفور، وإنما وقت وجوب الأخذ بالشفعة عنده متسع، وهو في حدود السنة بعد العقد، على أشهر الأقوال عنه (٢).
واشترط الشافعية على الأظهر (٣): المبادرة إلى طلب الشفعة على الفور، أي بعد علم الشفيع بالبيع؛ لأنها حق ثبت لدفع الضرر، فكان على الفور كالرد بالعيب، فإذا علم الشفيع بالبيع، فليبادر على العادة، فلو كان الشفيع في الصلاة أو في الحمام أو في حال قضاء الحاجة، لم يكلف قطع ما هو فيه، وإنما له التأخير
стр. 4790
إلى الفراغ مما هو فيه. والضابط فيه: أن ما عد توانياً في طلب الشفعة أسقطها، وإلا فلا.
وإن كان مريضاً أو غائباً عن بلد المشتري، أو خائفاً من عدو، فليوكل إن قدر، وإلا بأن عجز عن التوكيل، فليشهد على طلب الشفعة رجلين عدلين أو عدلاً وامرأتين. فإن ترك الشفيع المقدور عليه من التوكيل والإشهاد، بطل حقه في الأظهر.
والحنابلة كالشافعية قالوا (١): يشترط المطالبة بالشفعة على الفور بمجرد العلم بالبيع، بأن يشهد الشفيع على طلب الشفعة، حين يعلم بالبيع، إن لم يكن له عذر يمنعه من الطلب. ثم إذا أشهد على الطلب له أن يخاصم المشتري، ولو بعد أيام أو أشهر أو سنين.
وبه يتبين أن الجمهور يقولون: إن الشفعة على الفور، للحديث النبوي: «الشفعة كحل العقال» (٢)، ولأن ثبوتها على التراخي ربما أضر بالمشتري لعدم استقرار ملكه.
وأما المالكية: فلم يشترطوا الفورية، فلو سكت الشفيع بلا مانع سنة كاملة بعد العقد، فما دونها، أو غاب وعاد في أثناء السنة، ثم طلب الشفعة، أخذها؛ لأن السكوت لا يبطل حق امرئ مسلم ما لم يظهر من قرائن الأحوال ما يدل على إسقاطه. لكن يحق للمشتري المطالبة عند الحاكم للشفيع بعد الشراء بأن يحدد موقفه، إما بالأخذ بالشفعة أو الترك، فإن أجاب بواحد منهما فظاهر، وإلا أسقط الحاكم شفعته.
стр. 4791
مراحل طلب الشفعة: يبدأ الشفيع بطلب الشفعة عند الحنفية كما يلي:
١ - طلب المواثبة: أي المبادرة والسرعة، وهو أن يطلب الشفيع في مجلس علمه بالبيع الأخذ بالشفعة، بلفظ يفهم منه طلبها مثل: أطلب الشفعة أو أنا طالبها، أو أنا شفيع المبيع وأطلبه بالشفعة ونحوه (١)، لقوله ﷺ : «الشفعة لمن واثبها» (٢) ولا يلزم الإشهاد من الشفيع على هذا الطلب، وإنما هو أفضل، لمخافة جحود أو إنكار الخصم (المشتري) الطلب في ساحة القضاء. فالمعتبر هو الطلب، وإنما الإشهاد ليثبت الطلب بالشهادة عند الإنكار، كالطلب والإشهاد لهدم الحائط المائل، لا يشترط الإشهاد للضمان، وإنما لإثبات سبب الضمان.
ويلاحظ أن أصح الروايتين عند الحنفية: هو بقاء الحق في الطلب ما دام الشفيع في مجلس العلم بالبيع، مهما امتد.
والأظهر عند الشافعية كما تقدم أن هذا الطلب على الفور.
وكذلك قال الحنابلة: الشفعة بالمواثبة ساعة العلم بالبيع أي على الفور.
وأما المالكية: فوقت الطلب عندهم كما تبين على التراخي، لمدة سنة، على أشهر أقوال مالك.
٢ - طلب التقرير: وهو أن يتقدم الشفيع بطلب آخر يؤكد به طلبه الأول. إذ قد يكون الطلب الأول عن رغبة عارضة من الشفيع، ثم يتبين أمره وظروفه وإمكاناته المادية، فلا بد من هذا الطلب لتأكيد وتقرير الطلب الأول (٣).
стр. 4792
ويشترط في هذا الطلب: أن يكون على فور الطلب الأول، والإشهاد عليه، بأن يشهد الشفيع على رغبته بالشفعة رجلين أو رجل وامرأتين، ومدة هذا الطلب ليست على فور المجلس في الأكثر، بل هي مقدرة بمدة التمكن من الإشهاد.
والإشهاد يكون على البائع إن كان المبيع في يده، أو على المشتري، وإن لم يكن قد تسلم المبيع؛ لأنه مالك؛ أوعند العقار لتعلق الحق به. وصورة الإشهاد والطلب: أن يقول الشفيع: إن فلاناً اشترى هذه الدار، وأنا شفيعها، وقد كنت طلبت الشفعة، وأطلبها الآن، فاشهدوا على ذلك، أو نحوه.
ويلاحظ أن الإشهاد على هذا الطلب ليس بشرط لصحته، كما ليس بشرط لصحة طلب المواثبة، وإنما هو لتوثيقه عند إنكار الخصم.
وإن كان الشفيع في محل بعيد، ولم يمكنه طلب التقرير والإشهاد بهذا الوجه، يوكل آخر، وإن لم يجد وكيلاً أرسل مكتوباً.
وإذا كان الشفيع قد تقدم بطلب المواثبة أمام شهود، عند البائع إذا كان المبيع في يده، أو عند المشتري، أو عند المبيع نفسه، كفاه ذلك عن طلب التقرير، لحصول المقصود، وهو إظهار كونه مصراً على طلب الشفعة.
حكم الطلب: إذا فعل الشفيع طلب التقرير، استقرت شفعته أي حقه، ولم تسقط بعده بالتأخير عند أبي حنيفة وفي رواية عن أبي يوسف، وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى؛ لأن الحق متى ثبت واستقر لا يسقط إلا بالإسقاط.
وقال محمد: إن تركها شهراً بعد الإشهاد من غير عذر، بطلت شفعته، لئلا يتضرر المشتري بالتأخير. وقد قال بعض الحنفية: والفتوى اليوم على قول محمد، لتغير أحوال الناس في قصد الإضرار، وقد أخذت المجلة بهذا الرأي في المادة (١٠٣٤).
стр. 4793
وقال الحنابلة: إذا حدث الإشهاد على الطلب، فللشفيع مخاصمة المشتري ولو بعد سنين. وحدد المالكية لطلب الشفعة الأول مدة سنة تامة، فإذا سكت بلا مانع سنة كاملة بعد العقد، أو سكت بلا مانع مع علمه بهدم أو بناء سقطت شفعته، لأن سكوته دليل الإعراض عن أخذه بالشفعة.
٣ - طلب الخصومة والتملك: وهو أن يقدم الشفيع طلباً للقضاء يطلب فيه الحكم بالشفعة وتسليم المبيع، بأن يقول: اشترى فلان دار كذا، وأنا شفيعها بدار كذا لي، أو أنا شريكه فيها، فأطلب منه تسليم الدار إلي (١).
جزاء التأخر في هذه الطلبات:
لو أخر الشفيع طلب المواثبة عن مجلس علمه بالبيع بدون عذر، كأن اشتغل بأمر آخر، أو بحث في أمر آخر، أو قام من المجلس من دون أن يطلب الشفعة، سقط حقه في الشفعة. فإن وجد عذر مانع من المبادرة بالطلب كوجود حائل مخيف من وحش أو سيل مثلاً، لا تبطل شفعته حتى يزول المانع (٢).
ولو أخر الشفيع طلب التقرير والإشهاد، مدة يمكن إجراؤها فيها، ولو بإرسال مكتوب، يسقط حق شفعته (م ١٠٣٣) مجلة.
ولو أخر الشفيع طلب الخصومة بعد طلب التقرير والإشهاد شهراً، من دون عذر شرعي، ككونه في ديار أخرى، يسقط حق شفعته (م ١٠٣٤) مجلة.
طالب الشفعة للمحجور: للصغير الأخذ بالشفعة عند أكثر الفقهاء. وطلب
стр. 4794
الولي حق شفعة الصغير ونحوه من المحجورين، فاعلاً ما يراه المصلحة للصغير في الأخذ بها، مثل كون ثمن المبيع رخيصاً أو بثمن المثل، وللصغير مال لشراء العقار. فإذا أخذ الولي بالشفعة لم يملك الصغير نقضها بعد البلوغ باتفاق المذاهب الأربعة.
وإن لم يطلب الولي حق شفعة الصغير، فلا تبقى له عند أبي حنيفة وأبي يوسف صلاحية طلب حق الشفعة بعد البلوغ؛ لأن من ملك الأخذ بها، ملك العفو عنها، كالمالك.
وقال المالكية والشافعية: ليس للصغير إذا بلغ المطالبة بالشفعة إذا عفا عنها وليه لمصلحة رآها للصغير، أو لم يكن للصغير ما يأخذها به، فتسقط الشفعة؛ لأن الولي فعل ماله فعله، فلم يجز للصبي نقضه كالرد بالبيع، ولأنه فعل ما فيه الحظ للصبي. فإن أسقط الولي الشفعة بلا نظر ولا تقدير للمصلحة، لم تسقط، ويكون للصغير الحق فيها إذا بلغ.
وقال الحنابلة، وزفر ومحمد من الحنفية: للصغير إذا بلغ المطالبة بالشفعة، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء أكان في الأخذ بها أم في تركها مصلحة، أم لا؟ لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها، سواء أكان له فيها الحظ، أم لم يكن، فهي حق ثابت للصغير، لا يملك الولي إبطاله، فلم يسقط بترك غير الصغير له، كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها (١).
نظر القاضي في طلب الشفعة وإثبات الدعاوى:
إذا تقدم الشفيع ليأخذ بالشفعة، وادعى شراء الدار المشفوعة، سأل
стр. 4795
القاضي (١) أولاً الشفيع عن موضع الدار وحدودها، لدعواه فيها حقاً. ثم هل قبض المشتري الدار؛ إذ لو لم يقبض لم تصح دعواه على المشتري ما لم يحضر البائع.
ثم يسأل القاضي عن سبب شفعة الشفيع وحدود ما يشفع به، إذ قد تكون دعواه بسبب غير صالح، ثم يسأل عن طلب التقرير كيف كان وعند من أشهد. فإذا تحقق ذلك كله صحت الدعوى.
ثم سأل القاضي المدعى عليه عن مالكية الشفيع لما يشفع به، فإن أقر بملكية الشفيع ما يشفع به، فبها، وإن أنكر تلك الملكية، كلف القاضي الشفيع إقامة البينة على ملكه؛ لأن ظاهر اليد (أو الحيازة) لا يكفي لإثبات الاستحقاق.
فإن عجز الشفيع عن البينة، استحلف - بطلب الشفيع - المشتري، بالله ما يعلم أن الشفيع مالك لما ذكره، مما يشفع به.
فإن نكل المشتري عن اليمين، أو قامت بينة للشفيع، ثبت ملكه الدار التي يشفع بها، وثبت له حق الشفعة.
ثم يسأل القاضي المدعى عليه أيضاً: هل اشترى (ابتاع) الدار المشفوعة، أو لا؟ فإن أقر فبها، وإن أنكر الابتياع، قيل للشفيع: أقم البينة على شرائه؛ لأن الشفعة لا تثبت إلا بعد ثبوت البيع بالحجة.
فإن عجز عنها، استحلف المشتري بالله، ما ابتاع هذه الدار، أو بالله، ما يستحق عليَّ في هذه الدار شفعة، من الوجه الذي ذكره الشفيع.
стр. 4796
فإن نكل المشتري عن اليمين، أو أقر بالشراء، أو بَرْهن الشفيع على مايدعي، قضي له بها، إذا لم ينكر المشتري طلب الشفيع الشفعة: فإن أنكر، فالقول له (للمشتري) بيمينه (١). فإن أنكر طلب المواثبة حلف على العلم أي ما يعلم به؛ وإن أنكر طلب التقرير، حلف على البتات، أي الحزم بأنه لم يحصل.
ويلاحظ أن الخصم للشفيع: هو المشتري مطلقاً، سواء تسلم المبيع أم لا؛ لأنه مالك، والبائع قبل التسليم لقيام يده (حيازته).
لكن لا تسمع البينة على البائع، حتى يحضر المشتري؛ لأنه المالك، ويفسخ بحضوره. فإن سلم المبيع للمشتري، لا يلزم حضور البائع، لزوال الملك واليد عنه (٢).
المبحث السابع - ما يطرأ على المشفوع فيه بيد المشتري:
قد يطرأ على المشفوع فيه في يد المشتري قبل القضاء بالشفعة للشفيع بعض التغيرات من عقود وتصرفات ناقلة للملكية كالبيع والهبة، أو مرتبة لحق انتفاع وغيره كالإجارة والإعارة، أو حدوث زيادة كبناء وغرس، أو نقص كهلاك وهدم أو نقض. فما أثر هذه التغيرات الطارئة على حق الشفيع، وهل تسقط شفعته؟
أولاً - العقود والتصرفات: قد تصدر تصرفات من المشتري في الشيء المشترى قبل أن يقضى للشفيع بالشفعة. وتلك التصرفات:
стр. 4797
إما ناقلة للملكية كالبيع والهبة مع التسليم والوقف، وجعل المبيع مهراً في زواج.
وإما مرتبة لحق انتفاع، أو حبس كالإجارة والإعارة، والرهن.
وقد اتفقت المذاهب الأربعة (١) على جواز نقض بعض التصرفات الناقلة للملكية وهو البيع، بعد حكم القاضي بالشفعة لمستحقها، لتعلق حق الغير في المبيع. كما اتفقوا على جواز نقض الرهن والإجارة والإعارة، مما لا شفعة فيه ابتداء.
وفي حالة البيع: يخير الشفيع بين أن يأخذ العقار المبيع بالثمن الذي تم به الشراء الأول، أو الثاني؛ لأن كل واحد من العقدين سبب تام لثبوت حق الأخذ له بالشفعة كما قال السرخسي، ولأن حق الشفيع سابق على هذا التصرف، فلا يبطل به.
واتفق الحنفية والشافعية والمالكية على جواز نقض ما لا شفعة فيه ابتداء، كالوقف وجعله مسجداً أو مقبرة، والهبة له، والوصية به.
وقال الحنابلة: تسقط الشفعة إذا تصرف المشتري بالمبيع قبل طلب الشفعة بهبة أو صدقة، أو وقف على معين كمسجد كذا، أو على الفقراء أو المجاهدين، أو جعله عوضاً عن طلاق أو خلع أو صلح عن دم عمد ونحوه، مما لا شفعة فيه ابتداء؛ لأن في الشفعة إضراراً بالموقوف عليه، والموهوب له، والمتصدق عليه ونحوه، بسبب زوال ملكه يزول عنه بغير عوض؛ لأن الثمن إنما يأخذه المشتري،
стр. 4798
والضرر لا يزال بالضرر. ولا يصح عند الحنابلة تصرف المشتري بعد طلب الشفيع الشفعة، لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصح. ولو أوصى المشتري بالشقص المشترى (الحصة المبيعة) فإن أخذه الشفيع قبل القبول بطلت الوصية، واستقر الأخذ للشفيع، لسبق حقه على حق الموصى له، والوصية قبل القبول بعد الموت جائزة، لا لازمة.
ثانياً - نماء المشفوع فيه وزيادته: قد يَحْدث نمو طبيعي في العقار المشفوع فيه، وقد يُحدث المشتري فيه زيادة بالبناء أو الغراس، قبل الحكم بالشفعة لصاحبها، فمن الأحق بذلك، الشفيع أم المشتري، وإذا كان المستحق هو المشتري، فهل يعوض عن حقه، وما التعويض؟
١ - النماء الطبيعي:
إذا نما المبيع في يد المشتري، كأن أثمر الشجر في يده بعد الشراء:
قال الحنفية (١): القياس ألا يكون للشفيع، لأنه نما على ملك المشتري وبعلمه. والاستحسان أنه للشفيع؛ لأن الثمر متصل خلقه بالشجر، فكان تبعاً له، ولأنه متولد من المبيع، فيسري إليه الحق الثابت في الأصل (الشجر) الحادث قبل الأخذ، كالمبيعة إذا ولدت قبل القبض، فإن المشتري يملك الولد تبعاً للأم.
والخلاصة: أنه يأخذه الشفيع؛ لأنه مبيع تبعاً لأصله.
وقال المالكية (٢): الغلة قبل الشفعة للمشتري؛ لأن الضمان عليه، والغلة (أو الخراج) بالضمان.
стр. 4799
وقال الشافعية والحنابلة (١): للنماء حالتان:
أـ إذا كان نماء متصلاً، كالثمرة غير الظاهرة، والشجر إذا تكاثر، فهو للشفيع، يأخذ المبيع مع زيادته، لأن مالا يتميز يتبع الأصل في الملك، كما يتبعه في حالة الرد بالعيب أو الخيار أو الإقالة.
ب - وإذا كان نماء منفصلاً، كالثمرة الظاهرة، والطلع المؤبر، والغلة والأجرة، فهي للمشتري لاحق للشفيع فيها عند الحنابلة، وفي المذ هب الجديد للشافعي؛ لأنها حدثت في ملك المشتري، فلا تتبع المبيع، فلا يؤخذ به إلا ما دخل بالعقد، ولا يستحق شيء بغير تراض.
والخلاصة: أن هذين المذهبين يلتقيان مع مقتضى القياس عند الحنفية.
٢ - الزيادة المحدثة:
إذا أحدث المشتري زيادة في المبيع، بالبناء أو الغرس أو الزرع.
أـ ففي حالة الزرع الذي له نهاية معلومة: اتفق الفقهاء على أن للشفيع الأخذ بالشفعة، ويكون الزرع للمشتري على أن يبقى في الأرض إلى أوان الحصاد، وعليه الأجرة عند الحنفية عن المدة التي تمضي بين القضاء بالشفعة وبين الحصاد (٢).
وقال الشافعية والحنابلة: يبقى الزرع بلا أجر على المشتري، لأنه زرعه في ملكه (٣).
стр. 4800
ب - وأما في حالة البناء والغرس: فللشفيع الأخذ بالشفعة أيضاً، لكن الفقهاء اختلفوا فيما يجب عليه من دفع قيمة البناء والغراس.
قال الحنفية في ظاهر الرواية (١): إذا بنى المشتري أو غرس فيما اشتراه، ثم قضي للشفيع بالشفعة، كان للشفيع الخيار: إن شاء كلف المشتري بالقلع وتخلية الأرض مما أحدث فيها؛ لأنه وضعه في محل تعلق به حق متأكد للغير من غير إذن، وتكون الأنقاض للمشتري، لا للشفيع، لزوال التبعية بالانفصال.
وإن شاء أخذ الأرض بالثمن الذي دفعه المشتري، على أن يدفع قيمة البناء والغرس مقلوعاً أي مستَحَق القلع أنقاضاً.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (٢)، ورأيهم هو الأعدل: إن اختار المشتري قلع الغراس والبناء، لم يمنع إذا لم يكن فيه ضرر؛ إذ لا ضرر ولا ضرار؛ لأنه ملكه، فيملك إزالته ونقله، ولا يلزمه تسوية الأرض؛ لأنه غير متعد.
وإن لم يختر المشتري القلع، فالشفيع بالخيار بين ترك الشفعة، وبين دفع قيمة البناء والغراس مستَحَق البقاء.
وهذا هو رأي أبي يوسف أيضاً.
والسبب في اختلاف الرأيين كما قال ابن رشد الحفيد الفيلسوف في بداية المجتهد: تردد تصرف المشفوع عليه، العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب، وتصرف المشتري الذي يطرأ عليه الاستحقاق، عندما بنى في الأرض