← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الحياة في بيئة العرب، فهي مباحة لجميع الناس، والدولة هي التي تمثل مصالح الجماعة، فلها وضع اليد عليها، وعلى كل الأشياء الضرورية التي تعتبر من قبل الثروات الطبيعية الخام، والصناعات الاستخراجية وإنتاج المواد الأولية، والاستيلاء على المرافق العامة والتي تتغير وتتبدل وتتطور بحسب البيئات والعصور، مثل مختلف الأنهار العامة، والمعادن والنفط ولو وجدت في أرض مملوكة ملكية خاصة، والكهرباء، والمنشآت العامة ونحوها من المرافق الحيوية الأساسية لمصلحة الجماعة. ومما يؤيد وجود الملكية الجماعية: أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين قد اعتبروا بعض الأراضي كالنقيع والرَّبذَة (موضعين قرب المدينة) حمىً في سبيل الله لترعى فيها خيل المسلمين، أي من أجل الصالح العام وهو المعروف بـ (الحمى) قال ﵊: «لاحمى إلا لله ولرسوله» (١) أي لا حمى لأحد الأشخاص العاديين. ٣ - التأميم أو نزع الملكية الخاصة: إذا كان المبدأ العام في الإسلام هو الاعتراف بالملكية الفردية وبالحرية الاقتصادية كما أوضحت، فإنه لا مانع من تدخل الدولة لحماية مصلحة الأمة في وقت معين، بأن تتخذ من التدابير ماتجده محققاً للصالح العام، بناء على المبدأ المعروف في الإسلام بالاستحسان والمصالح المرسلة، وقواعد دفع الضرر العام، وأنه يتحمل الضرر الخاص من أجل دفع الضرر العام، وأنه يجب على الجماعة كفاية الجائع والعريان عملاً بالمبدأ الشرعي القائل: (إذا بات مؤمن جائعاً فلا مال لأحد) ولكن بشرط دفع الثمن. وقال عمر قبيل وفاته: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء»: وهذا ما

стр. 4832

يجعل النظام الاقتصادي الإسلامي أبعد عن النظام الرأسمالي القائم في أصله على أساس من الحرية الفردية المطلقة. لذا فإنه يحق للدولة التدخل في الملكيات غير المشروعة، كالملكية الحادثة بالسلب والقهر أو الاغتصاب، فترد الأموال إلى أصحابها أو تصادرها، وتستولي عليها بغير تعويض، سواء أكانت منقولة أم عقارية، لقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١) وقوله: «ليس لعرْقٍ ظالمٍ حق» (٢)، وقوله: «من زرع أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء وله نفقته» (٣). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يشاطر بعض ولاته الذين وردوا عليه من ولاياتهم بأموال لم تكن لهم، استجابة لمصلحة عامة، وهو البعد بالملكية عن الشبهات، وعن اتخاذها وسيلة للثراء غير المشروع، وكذلك يحق للدولة التدخل في الملكيات الخاصة المشروعة لتحقيق العدل في التوزيع، سواء في حق أصل الملكية، أو منع المباح، أو في تقييد حرية التملك الذي هو من باب تقييد المباح، والملكية من المباحات قبل الإسلام وبعده إذا أدى استعمال الملك إلى ضرر عام. وعلى هذا فيحق لولي الأمر العادل أن يفرض قيوداً على الملكية الزراعية، فيحددها بمقدار مساحة معينة، أو ينتزعها من أصحابها إذا عطلها أو أهملها حتى خربت، أو ينزع ملكيتها من أي شخص مع دفع تعويض عادل عنها، إذا اقتضت المصلحة العامة أو النفع العام ذلك. كماحدث في وقتنا الحاضر من تأميم المصارف والشركات الكبرى، وكما فعل عمر بن الخطاب في سبيل توسعة المسجد الحرام حينما ضاق على الناس،

стр. 4833

فأجبر الناس المجاورين للمسجد على بيع دورهم المحيطة به، وقال لهم: «إنما أنتم الذين نزلتم على الكعبة، ولم تنزل الكعبة عليكم». وكذلك فعل عثمان بن عفان ﵁ هذا الفعل مرة أخرى وقال: «إنما جرأكم علي حلمي، فقد فعل عمر بكم ذلك فلم تتكلموا» ثم أمر بحبسهم لمدة، مما يدل على جواز نزع الملكية الفردية لمصلحة المرافق العامة كتوسيع الطرق والمقابر وإقامة المساجد وإنشاء الحصون والمرافئ والمؤسسات العامة كالمشافي والمدارس والملاجئ ونحوها؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة. ثم إن فقهاء المذاهب قرروا أن لولي الأمر أن ينهي إباحة الملكية بحظر يصدر منه لمصلحة تقتضيه، فيصبح ما تجاوزه أمراً محظوراً، فإذا منع من فعل مباح صار حراماً، وإذا أمر به صار واجباً. والدليل على إعطاء ولي الأمر مثل هذه الصلاحيات في غير المنصوص على حكمه صراحة هو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء:٥٩/ ٤] وأولو الأمر في السياسة والحكم: هم الأمراء والحكام والعلماء، كما تبين سابقاً. ولكن ليس كل مايتوهم من ضرر، أو يتخيل من مصلحة يكون مسوغاً لتقييد الملكية أو مصادرتها بالتعويض، وإنما ينبغي أن تكون المصلحة العامة محققة الحدوث، أو الضرر العام محقق الوقوع، أو غالب الوقوع، لا نادراً ولا محتملاً، ويكفي عند فقهاء المالكية والحنابلة أن يكون احتمال وقوع الضرر مسوغاً لمنع الفعل أخذاً بقاعدة: «دفع المضار والمفاسد مقدم على جلب المصالح». ويلاحظ أن مبدأ تقدير الضرر مقيد بثلاثة أمور: أولاً - أن كل ضرر يلحق الناس كافة هو ممنوع.

стр. 4834

ثانياً - لا ينظر في الأضرار العامة إلى قصد الضرر أو عدم قصده وإنما ينظر إلى النتائج المترتبة في الواقع .. ثالثاً - لا يعتبر الضرر الواقع بآحاد الناس إلا إذا قصد الشخص إضرار غيره بالفعل بأن يتعسف في استعمال حقه، أو يستعمله استعمالاً غير عادي. ومن هنا يمكن أن يعتبر مسوغاً لتنظيم الملكية أو تقييدها: كون صاحبها مانعاً لحقوق الله فيها، أو اتخاذها طريقاً للتسلط والظلم والطغيان أو للتبذير والإسراف، أو لإشعال نار الفتن والاضطرابات الداخلية أو للاحتكار والتلاعب بأسعار الأشياء، ومحاولة تهريب الأموال إلى خارج البلاد، أو لتأمين متطلبات الدفاع عن البلاد، أو لدفع ضرر فقر مدقع ألم بفئة من الناس على أن يكون كل هذا إجراء استثنائياً بحسب الحاجة وبشرط عدم استئصال أصل رأس المال، مع دفع العوض. ولقد قرر دارسو الأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية أن تركز أكثر الثروة القومية في أيدي فئة قليلة من الأغنياء ينشأ عنه ضرر عام جسيم بمصلحة البلاد، على عكس ما يتطلبه القرآن الكريم الذي يطالب بتداول الأموال في المجتمع في قوله تعالى: ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر:٧/ ٥٩] ومما لا شك فيه أن تأميم المرافق العامة التي تقدم خدمات للشعب كالمواصلات والكهرباء والماء يرفع الحرج عن الناس، ومثل ذلك تحديد ملكية الأراضي الزراعية برفع الحرج عن الناس، وأما تأميم المصانع والشركات المملوكة للأفراد، فيتطلب وجود مصلحة عامة فيه. ومن أدلة منع الضرر: الحديث النبوي السابق ذكره: «لا ضرر ولا ضرار» (١) وحديث «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» (٢) ومن الوقائع التاريخية

стр. 4835

لتدخل الحاكم المسلم في ملكيات الأفراد في دائرة منع الضرر: «أنه كان لسمرة بن جندب نخل في بستان رجل من الأنصار، وكان يدخل هووأهله فيؤذي صاحب الأرض، فشكا الأنصاري ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال الرسول لصاحب النخل: بعه: فأبى: فقال الرسول ﷺ فاقطعه، فأبى، قال: فهبه ولك مثله في الجنة فأبى، فالتفت رسول إليه، وقال: أنت مضار، ثم التفت إلى الأنصاري، وقال، اذهب فاقلع نخله» (١) ففي هذه الحادثة مايدل على أن النبي ﷺ لم يحترم الملكية المعتدية. ومن الأمثلة أيضاً: (أن رجلاً اسمه الضحاك بن خليفة أراد أن يمر بماء له في أرض محمد بن مَسْلمة، فأبى، فاشتكى الضحاك إلى عمر فدعا محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيل جاره، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ماينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخراً وهو لايضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك) (٢) ففي هذه الواقعة مايدل على أنه لايكفي الامتناع عن الضرر، بل يجب على المسلم في ملكه أن يقوم بما ينفع غيره، مادام لاضرر عليه فيه .. وعندما حمى عمر ﵁ أرضاً بالرَّبَذَة قرب المدينة، قال: «المال مال الله والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل في سبيل الله ما حميت من الأرض شبراً في شبر» فهذا يدل على أن تخصيص بعض الأراضي للمصلحة العامة أمر جائز، وأن نزع الملكية لضرورة المصلحة العامة للجماعة أو لدفع الحرج عن الناس لا مانع منه شرعاً ..

стр. 4836

هذا .. وقد حدد الفقهاء أربع حالات يجوز فيها شرعاً أن تنزع الأملاك وهي: الحالة الأولى: أن تنزع الملكية للمنافع العامة كفتح الطرق وتوسيع المساجد والمقابر ونحوها، ولم يوجد عنه بديل، ودليل ذلك فعل الصحابة ﵃، فإنهم أجازوا توسيع المسجد الحرام مرتين في عهد عمر وفي عهد عثمان. الحالة الثانية: أن يترتب على صاحب الملك دين من نفقة أو خراج أو معاملة أو غير ذلك، ويمتنع عن أدائه، فيحكم القاضي بالبيع جبراً لوفاء الدين، فيبدأ بما بيعه أهون. وقد نصت على ذلك المادة ٩٩٨ من المجلة. الحالة الثالثة: أن تنزع الملكية منعاً من الاحتكار. وذلك كما إذا احتكرت طائفة من التجار أقوات الناس وحصل بذلك ضرر، فإنه يجوز للحاكم أن يمنعه ببيع أو تسعير دفعاً للضرر؛ لأن الرسول ﷺ «نهى عن احتكار الطعام» وقد بيَّن ابن قدامة في المغني: ٤/ ١٩٨ شروط الاحتكار المحرم. الحالة الرابعة: حالة الأخذ بالشفعة للشريك، وذلك مراعاة لحق المالك القديم على الجديد. وما عدا ذلك لا يؤخذ ملك أحد إلا برضاه لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء:٢٩/ ٤] وحديث سابق: «إن دماءكم وأموالكم علي حرام». ٤ - تحقيق التوازن الاقتصادي: إذا كان الإسلام يسمح بقيام ودوام الملكية الشخصية، فلا يدل ذلك أنه يجيز ما يعرف في النظام الرأسمالي بنظام الطبقات الذي يسمح لطبقة معينة تملك المال أن تملك السلطات ووسائل التشريع مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة، فطبيعة نظام كم

стр. 4837

التشريع الإسلامي الذي يمنع من اكتناز النقود، ويحرم الفائدة المصرفية في غير حال الضرورة القصوى، ويفتت الملكية عن طريق الإرث، ويلغي الاستثمار الرأسمالي للثروات الطبيعية الخام، كل ذلك يؤدي إلى إذابة الفوارق بين الطبقات، ويقلل التفاوت الصارخ بين الأفراد في تملك الأموال. وهكذا جفف الإسلام كل المنابع التي تؤدي إلى الطبقية، كما أن لولي الأمر صلاحيات واسعة النطاق في تحقيق العدالة ومنع الضرر والتعسف في استعمال الحق، مما يوجد نوعاً من التوازن الاقتصادي. ومن أمثلة ذلك أن الرسول ﷺ حينما هاجر إلى المدينة آخى بين المهاجرين الفقراء وبين الأنصار، فكان يقاسم المهاجري مال الأنصاري، وكان أبو بكر الصديق يسوي في العطاء من الغنائم بين الناس، وحينما اتسعت الفتوحات الإسلامية، أجمع الصحابة بقيادة عمر بن الخطاب على عدم توزيع الأراضي بين الفاتحين، وإنما تركت في أيدي أهلها حفاظاً على مبدأ التوازن الاقتصادي بين الرعية جميعاً، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، قال الله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر:٧/ ٥٩] أي إن أموال الفيء والأراضي ملك للجميع. سادساً - أسس العدالة الاجتماعية في الإسلام: مبدأ العدالة الاجتماعية هو الركن الثالث من أركان النظام الاقتصادي الإسلامي، ولقد استطاع المسلمون أن يترجموا هذا المبدأ إلى واقع فعلي فعّال، جعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً متراحماً متعاوناً متآخياً متحاباً، متناصراً متضامناً وقت اليسار والإعسار. وتلك هي صفات المجتمع الإنساني الأفضل، ذلك المجتمع الذي صانه الإسلام من مختلف العيوب الخلقية والاجتماعية

стр. 4838

والاقتصادية، فقرر ضرورة القضاء على الفقر والجهل والمرض والبطالة والتخلف الاقتصادي والضعف العسكري والخضوع السياسي أو الإذلال المدني. والكلام عن العدالة الاجتماعية في الإسلام كثير معروف يهمنا الإشارة فقط إلى أمرين: أولهما - واجب الدولة في تحقيق مبدأ الضمان الاجتماعي. ثانياً - القيود الإيجابية الواردة على حق الأفراد في الملكية الخاصة. أما الأمر الأول - وهو واجب الدولة في تحقيق مبدأ الضمان الاجتماعي: فإنه يستمد وجوده من اعتبار الدولة مسؤولة عن رعاياها، وأن المسلمين جميعاً يكفل بعضهم بعضاً. فالإسلام ألزم الدولة بضمان معيشة أفرادها، وعليها أن تهيء لهم سبل الكسب المشروع ووسائل العمل الشريف، وفرصة المساهمة في أوجه النشاط الاقتصادي المختلفة التي تعود عليهم بالخير والثمار اليانعة بما يحقق لهم أولاً إشباع الحاجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، ثم الحاجات الكمالية بقدر المستطاع، قال ﵊: «من أصبح منكم آمناً في سِرْبه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها» (١)، هذا يدل على أن الحاجات الأساسية هي المأكل والملبس والمسكن، وما عداها فهو من الحاجات الكمالية، وإذا أصبح المرء عاجزاً عن العمل، ومحتاجاً إلى النفقة فعلى الدولة كفايته وتأمين حاجياته وسد عوزه ليعيش عيشة حرة كريمة تليق بعزة الإنسان، وتستطيع الدولة تأمين المال اللازم لهذه الغاية السامية، مما يساهم به الأفراد، ويلتزمون بدفعه من التكاليف المالية الآتية وهي موضوع الأمر الثاني.

стр. 4839

و الأمر الثاني - هو القيود الإيجابية المفروضة على أصحاب الملكيات الخاصة: فرض الإسلام طائفة من القيود المتعددة على حق الملكية الفردية لتحقيق العدل والمصلحة العامة، منها قيود سلبية ذكرت أهمها، كمنع الاحتكار والتسعير الجبري، وعدم الضرر بالآخرين، ومنع تملك المباح إذا أفضى استعماله إلى ضرر عام. ومنها قيود إيجابية تجعل حق الملكية ذا هدف أو معنى اجتماعي أو ذا وظيفة اجتماعية تبعد فكرة الحق عن معنى السلطة المطلقة، أو حب الذات وتخفف من وجود الملكيات الكبيرة، وتقيم بناء التكافل الاجتماعي بين الأفراد في الإسلام على أمتن الأسس وأقوى الدعائم الدينية والخلقية والتشريعية من أجل رفع مستوى المعيشة العامة ورعاية مصالح الفقراء، وليؤخذ بأيديهم نحو الكسب المستقل، وأهم هذه القيود الإيجابية هي: ١ - فريضة الزكاة: تعتبر الزكاة كما هو معلوم - من أركان الإسلام، فهي تشريع مدني إلزامي يجب على الأغنياء القيام بتنفيذه وإعطائه لمستحقيه من الفقراء، وتقوم الدولة في الأصل بجباية الزكوات من أصحاب رؤوس الأموال وتجبرهم على أدائها، فليست الزكاة كما يظن بعض الناس مجرد صدقة مستحبة، كما أنها ليست طريقاً لإذلال الفقير وإنما هي حق مستقيم واجب الأداء، قال الله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم﴾ [المعارج:٢٤/ ٧٠ - ٢٥] والهدف منها أن يؤخذ بيد الضعيف، ويتجه إلى الاعتماد على نفسه من طريق الكسب الحر، فهو علاج مؤقت لحالة كل فقير، وليست طعمة دائمة إلا للعاجزين عن العمل، وتستوفى الزكاة كما هو معروف من ثلاثة أنواع من الأموال: هي النقود المتداولة والسلع التجارية بنسبة ٢٥%، والإبل والبقر والغنم السائمة (أي التي ترعى الكلأ المباح)

стр. 4840

بنسب تصاعدية، والزروع والثمار بنسبة العشر فيما يعتمد على الأمطار والأنهار العامة، ونصف العشر فيما يسقى بآلة ونحوها. وإذا لم تكف حصيلة زكاة هذه الأموال، فلا مانع شرعاً في رأي فقهاء العصر من إيجابها على أصناف الأموال المستحدثة في زمننا وهي الآلات الصناعية، الأوراق المالية (كالأسهم والسندات) وكسب العمل والمهن الحرة، والدور والأماكن المستغلة عن طريق الإيجارات. غير أن قرار مجمع الفقه الإسلامي في جدة لم يوجب الزكاة على المستغلات العقارية ونحوها إلا بعد حولان الحول على الأموال المدخرة. والعلماء يطالبون المسؤولين بالعودة إلى جباية فريضة الزكاة في وقتنا الحاضر كما فعلت بعض الدول الإسلامية والعربية بقانونها الحديث؛ لأنه مبدأ حيوي يحل كثيراً من المشكلات الاجتماعية. ٢ - كفاية الفقراء: للدولة أيضاً أن تطالب الأغنياء بإغناء الفقراء، فهي المسؤولة عن رعاية مصالحهم؛ لأن الإسلام يجعل العلاقات الاجتماعية قائمة على أساس من التراحم والتعاطف والتوادد، قال النبي ﷺ : «كاد الفقر أن يكون كفراً» (١). وقال ﷺ لعلاج ذلك: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٢) ولقد أوجب الدين الحنيف أيضاً تكليفاً في المال غير الزكاة، فقال ﵊: «إن في المال حقاً سوى

стр. 4841

الزكاة» (١) بل إن مبدأ كفاية الفقراء للعاجزين على العمل يتجلى في أصدق صورة في قوله ﵊: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم؛ ولن يُجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً» (٢) هذا بالإضافة إلى حث الإسلام على تقديم الصدقات المستحبة تقرباً إلى الله كما هو معروف، يقول ﵊: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» (٣). وكذلك يجب على الإنسان تقديم النفقات لكفاية أقاربه الفقراء المحتاجين كالآباء والأجداد والأبناء وفروعهم. ٣ - الإنفاق في سبيل الله: أوجب الإسلام على المسلمين الإسهام بالإنفاق في سبيل الله، والمقصود به الإنفاق على كل مايتطلبه المجتمع من مصالح ضرورية كالدفاع عن البلاد، وتزويد الجيش العامل بالمؤن والسلاح، وبناء المؤسسات الخيرية العامة التي لاغنى لأي بلد متحضر عنها. وللحاكم كيفية تنظيم الحصول على هذه الموارد الكافية لسد العجز في موازنة الخزينة العامة، من طريق وضع نظام ضريبي عادل يلتزم خطة التصاعد بحيث يرتفع سعر الضريبة كلما زاد دخل المكلف، وبحسب درجة الغنى واليسار، ونص فقهاء الإسلام كالغزالي والشاطبي والقرطبي على مشروعية طرح ضرائب

стр. 4842

جديدة على الأغنياء والغلات والثمار وغيرها بقدر مايكفي حاجات البلاد العامة، وأقر ذلك مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الأول المنعقد سنة ١٩٦٤ م في قراره الخامس (١). والخلاصة: إن الشريعة الإسلامية قيدت المالك في استعمال سلطاته على ملكيته، وفي حق التملك ذاته بقيود كثيرة، تحقيقاً لمبادئ المصلحة والعدل والمساواة بقدر الإمكان. سابعاً - موقف الإسلام من تعارض مصلحتي الفرد والجماعة: إن النظام الرأسمالي يقدس حرية الفرد ومصلحته، ويعتبر مصلحة الجماعة هي حصيلة المصالح الفردية، وإن النظام الاشتراكي يلغي دور الفرد ويقدس مصلحة الجماعة ويفضلها على مصلحة الفرد. ويعتبر التضامن الاجتماعي هو الأساس الوحيد لحياة الجماعة. والفرد مسخر لخدمة مصالحها. وأما الإسلام فقد راعى مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، وأقام توازناً فعالاً بين المصلحتين على وجه يحقق التضامن والتكافل الاجتماعي، فلم يسمح في الحالات العادية للفرد أن

стр. 4843

يطغى على حساب المجموع، ولا للجماعة أن تسحق مصلحة الفرد لحساب المجتمع، وذلك منعاً من الإخلال بميزان العدالة، ورعاية للحقين معاً بقدر الإمكان، فإذا تعارضت المصلحتان في ظرف استثنائي مثلاً، وتعذر التوفيق بينهما، قدمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة دفعاً للضرر العام، ولكن مع المحافظة على حق الفرد في التعويض. وعلى أساس هذه النظرة المتوازنة، نظر الإسلام إلى المال، فاعترف بمصلحة الفرد فيه وبحقه في تملكه، كما أنه اعترف بمصلحة الجماعة وبحقها في التملك، وحينئذ تتجاور في الوجود الإسلامي الملكية الخاصة مع الملكية العامة وملكية الدولة، ويكون للإسلام عندئذ غاية مزدوجة رسم لها الشرع حدوداً معينة واضحة، فهو حين يبيح الملكية الفردية من حيث المبدأ فإنه يضع لها حدوداً وقيوداً تمنع اتخاذها سبيلاً للضرر كما ذكرت، ويسخرها نحو مصلحة المجتمع، وللمجتمع استرداد هذه الملكية أو تعديلها إذا وجد فيما يفعل مصلحة عامة، وذلك كله حماية للمصالح الأساسية التي شرعت من أجلها الحقوق، ودرءاً للتعسف والظلم. وبه يتبين أنه لا خطورة في تشريع الإسلام في اعترافه بالملكية الفردية مادام يملك إلغاءها أو تعديلها. وبإيجاد هذا النوع من التوازن الاقتصادي بين مصلحتي الفرد والجماعة على أسس من العدل، وحسبما تقتضي المصلحة، استطاع الإسلام حل المشكلة الاقتصادية التي يثيرها الاقتصاديون وهي: كيف يستطيع المجتمع تأمين إشباع الحاجات الكثيرة المتعددة بموارد الطبيعة المحدودة لديه؟ إن إجابة الإسلام عن هذه المشكلة هي أن الطبيعة ليست بخيلة ولا عاجزة عن تلبية حاجات الإنسان، فهي من صنع الله الذي تكفل بالرزق. لجميع مخلوقاته،

стр. 4844

وإنما المشكلة تتجسد في الإنسان نفسه، فظلم الإنسان في حياته العملية في توزيع الثروة، وعدم استثماره واستغلاله موارد الطبيعة هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعانيها الإنسان منذ القدم، فمتى انمحى الظلم في التوزيع، وجنَّد الإنسان كل طاقاته للاستفادة من الطبيعة المخلوقة المتجددة زالت المشكلة الاقتصادية. ثامناً - أثر الدين والأخلاق والتزام كل مبادئ الإسلام في تكوين مذهبنا الاقتصادي: لا يمكن الحكم على نجاح المذهب الاقتصادي الإسلامي إلا بتطبيق كل أنظمة الإسلام السياسية والاجتماعية والمالية؛ لأن الإسلام كل لا يتجزأ، ووحدة متكاملة مترابطة لا يمكن تجزئة بعضه عن بعض، والاقتصاد الإسلامي يعتمد في الدرجة الأولى على الإطار العام من الدين أو العقيدة، والخلق أو السلوك، والمفهوم الشامل عن الكون والحياة. العقيدة الإسلامية في قلب المسلم ووجدانه هي الدافع المحرك لاحترام النظام الاقتصادي والإيمان به والإذعان لتعاليمه. و القيم الخلقية في الإسلام لا تقل أهمية عن النصوص التشريعية الملزمة في توجيه سلوك الفرد بالنسبة لغيره، واحترامه حقوق الآخرين، ورعايته لمصلحة الجماعة، وغيرته على حرمات بلاده والحفاظ عليها بطواعية واختيار ودافع ذاتي ورقابة داخلية للنفس على ذاتها، فالبر والإحسان والرحمة والإخاء العام والتضحية والإيثار والمحبة والتناصر والتعاون على البر والتقوى، كل تلك العواطف التي هي من صميم الدين تؤثر تأثيراً واضحاً في تكييف الحياة الاقتصادية، وتساند المذهب فيما ينشده من غايات، وتسمو بالإنسان دائماً إلى

стр. 4845

مواطن الخير، وتبعده عن عوامل الشر، وتُسهم في إيجاد قاعدة عتيدة من التكافل والتضامن الاجتماعي بين جميع الأفراد، فالمؤمن المخلص التقي هو الذي يرعى مصالح غيره، كما يرعى مصالح نفسه، وهذه هي مقومات المجتمع الإنساني الفاضل. و مفهوم الإنسان عن الكون والحياة والعلاقات الاجتماعية في أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الله هو القابض والباسط والرازق والمتصرف، وأن المال مال الله، والإنسان خليفة ووكيل عن الله في ملكه، وأن المال وسيلة لا غاية، فهو خير إن استعمله صاحبه في الخير، وشر إن أدى إلى الشر والضرر، قال ﷺ : «نعم المال الصالح للرجل الصالح» (١). وإن الملكية الخاصة لها طابع ووظيفة اجتماعية، وإنها نعمة كبرى يجب صيانتها، والتوصل إليها من طرق حلال، وأن الربح المعقول هو الخالد الدائم والذي يصون التجارة ومصلحة التاجر، وأن العدو يجب جهاده، وأن الحاكم عادل أمين على مصالح الرعية، كل هذه المفاهيم ونحوها تؤثر في الحقل الاقتصادي تأثيرات بعيدة المدى. تاسعاً - خلاصة هذا المبحث: إن الإسلام - كشأنه في كل ما جاء به - هو شريعة التوسط والتوازن والاعتدال، وإنه نظام فريد مستقل بنفسه، قائم بذاته، له خصائص ومزايا تميزه عن كل ما عداه من النظم الأخرى في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتشريع، وإنه لا قصور فيه عن معالجة المشكلات والأوضاع الحديثة.

стр. 4846

لذا فإنه يلتقي مع أحسن ما في النظامين الحاضرين: الاشتراكي والرأسمالي من مزايا وصفات، ويتجنب ما فيهما من مغالاة وانحراف عن سنن الفطرة الإنسانية، ويسير بأبنائه إذا التزموا مبادئه نحو السعادة الحقيقية التي من أبرز مظاهرها شعور الإنسان بالاستقرار المادي، والاطمئنان النفسي والثقة بالذات، والتمتع بالحرية والكرامة. وليست فلسفة الإسلام في بناء الحضارة الإنسانية قائمة على مجرد إشباع البطون؛ لأن الإنسان جسم وروح، لا مجرد آلة، وإنما هو يفيض بمشاعر الآمال والآلام، ويحس في قرارة نفسه العجز في يوم ما، والناس يتفاوتون عادة في قدراتهم الإنتاجية بحسب تفاوت استعدادهم الفطري وقواهم الفكرية والجسدية، وليس من العدل ولا من المعقول حرمان إنسان من ثمرات عمله أو الحد منها ما دامت مشروعة. ولقد حارب الإسلام الثالوث الهدّام المخيف (وهو الفقر والجهل والمرض) وقاوم كل عوامل التخلف الاقتصادي: وهي البطالة ووسائل الكسب غيرالمشروع وإضعاف الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري، كما أنه حقق في الواقع التاريخي مبادئه في التكافل الاجتماعي. المبحث الثاني - المعالم الكبرى لاشتراكية الإسلام: تمهيد حول مصطلح الاشتراكية: شاعت كلمة (الاشتراكية) في عصرنا الحاضر بدءاً من القرن التاسع عشر، وتحمس لها الناس لأنها نشأت كرد فعل لظلم الرأسمالية، ولأنهم وجدوا فيها ملامح الإنسانية والعدل والرفاه والمساواة، باعتبار أن النظام الاشتراكي يتضمن

стр. 4847

الأسس اللازمة لإسعاد الإنسان سعادة عادلة، ومنع استغلال الإنسان لغيره فرداً أو جماعة، سواء أكان استغلالاً اقتصادياً أم اجتماعياً أم سياسياً. وتتفاوت أنواع الاشتراكية تطرفاً واعتدالاً، بمقدار تنازل أفراد المجتمع للدولة عن الحريات السياسية والمالية. فكلما كان ذلك القدر المتنازل عنه أبعد عن محو شخصية الفرد ومسؤليته، كان أقرب إلى الوضع الطبيعي للإنسان. ولكن الوسط الديني الإسلامي والمسيحي وأي دين نفر مما صاحب الاشتراكية السائدة من إلحاد وجحود لوجود الله وأصول الدين وعقيدة البعث بالذات بقصد إنصاف الطبقة الكادحة، مع أن هذا الجحود يذوب أمام براهين إثبات الإله المعروفة، بل ولا حاجة إليه إطلاقاً في ميدان العقل والتجربة لإنصاف تلك الطبقات المظلومة أو الكادحة، وإنما على العكس يقتضي العقل والتجربة أن تكون الدعوة لإنصاف هذه الطبقات أجدى فيما إذا اعتمدت على الإيمان بوجود الله وبالحساب يوم الجزاء. ونتيجة لهذه النفرة مما اقترنت به الاشتراكية من إلحاد أو شيوع في الأموال والأعراض، فضّل كثير من كتاب الإسلام استخدام كلمة أخرى بديلة عنها وهي (العدالة الاجتماعية) أو (التكافل الاجتماعي) أو الضمان الاجتماعي: أي أن يكون كل فرد في الدولة في حمايتها ورعايتها بوصفها ممثلة للجماعة. وعندئذ يتحقق الضمان لآحاد الناس حين يجدون من المجتمع حماية وأمناً واستقراراً. والحقيقة أن اللغة العربية لا تمنع قبول هذا المصطلح الذي ينبئ عن الاشتراك في الملكيات، كما أن فقه الإسلام الذي يقرر الاعتماد على المقاصد والمعاني لا ينفر من هذه الكلمة فيما تستهدفه من غايات إنسانية، مجردة من العيوب التي صاحبتها، وقد قال النبي ﷺ عن اشتراك الناس في مصادر الإنتاج الأساسية

стр. 4848

والأموال الضرورية: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (١). وكان الهدف الجوهري من رسالات السماء هو إقامة المجتمع الفاضل القائم على أساس من المحبة والإيثار والمساواة بين الأفراد والتزام الحق والعدل ومنع الظلم بمختلف أشكاله. فالاشتراكية في جوهرها الإنساني وغاياتها النبيلة قديمة منذ المجتمعات البدائية، ولا يضيرنا الاعتزاز بالإسلام والاعتراف بسموه وذاتيته واستقلاله عن الأنظمة الأخرى أن نعرف موقفه من نظام (الاشتراكية) الحالي، بل ونتعرف مبادئه وأسبقيته في الأخذ بأحسن ما ينشده هذا النظام، وإصلاح عيوبه وتجريد أخطائه، مما يؤدي إلى إعلان هذه الحقيقة وهي القول بـ (اشتراكية الإسلام). معالم اشتراكية الإسلام: للإنسان منذ القدم مشكلة مثلثة تتطلب حلاً مناسباً في كل عصر، وهي تتكون أولاً من حاجاته البدنية الطبيعية المتنوعة كالغذاء والكساء والمسكن والثقافة والعلاج ونحوها، وثانياً غرائزه المتعارضة التي من أهمها غريزة التملك، وغريزة الاجتماعية أي العيش في مجتمع، وثالثاً حبه الحرية المطلقة في السلوك والتصرفات. وقد أجاب الإسلام عن هذه المشكلة بوضع المبادئ التالية: أولاً - التكافل الاجتماعي: أبنت في المبحث الأول أسس العدالة الاجتماعية، وأوضح بعض جوانبها هنا.

стр. 4849

١ - المسلمون كالجسد الواحد (المشاركة الوجدانية والعملية): لا تتحقق سعادة الفرد في الإسلام إلا بسعادة الجماعة، فكل فرد يكمل الفرد الآخر لإقامة بنيان واحد، دل على ذلك أحاديث نبوية كثيرة مثل: «ذمة المسلمين واحدة، تتكافأ بها دماؤهم، وهم يد على من سواهم» (١) «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (٢) «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٣) وهكذا تنمي الشريعة في نفس كل مسلم الشعور بالمسؤولية الجماعية، وتدفعه إلى المشاركة العملية بباعث المشاركة الوجدانية أو الإيمان الذي يربطه بإخوته في العقيدة برباط متين لا تنفصم عراه. فيتضامن جميع الأفراد في سبيل تحقيق سعادة المجموع، قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة:٢/ ٥]. ٢ - كفالة المجتمع الحاجات الأساسية لكل إنسان فيه: يترتب على مبدأ التكافل الاجتماعي: كفالة الحاجات الضرورية لكل عضو في المجتمع، لا على أن ذلك مجرد صدقة، وإنما قياماً بحق يمنح صاحبه حق الادعاء به أمام القاضي حتى يستوفي ما يكفيه من بيت المال، قال النبي ﷺ : «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة .. ومن ترك ديناً أو ضياعاً (٤) فليأتني فأنا مولاه» «ابغوني في ضعفائكم، إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم» (٥)

стр. 4850

والضعيف يشمل ضعف الجسد وضعف الفقر والعذر والحاجة. وابغوني: أي اطلبوا إلي ضعفاءكم. ويتم تنفيذ هذا الواجب عن طريق الزكاة التي هي التزام مدني واجب على الغني، لا مجرد التزام ديني، ويجب على الدولة جبايته، فإن لم تكف الزكوات جاز فرض ضرائب أخرى على الأغنياء لتحقيق كفاية الفقراء كما بان سابقاً. ويسأل كل حاكم مباشرة عن أي فرد من أفراد الفقراء كما ذكر سابقاً. ويسأل كل حاكم مباشرة عن أي فرد من أفراد الرعية، كما بدا ذلك واضحاً في إحساس الخلفاء الراشدين بهذه المسؤولية. وفي عهد عمر تكافل المسلمون جميعاً لدفع غائلة المجاعة عام الرمادة، وقال عمر وقتذاك: «لو أصابت الناس الشدة لأدخلت على أهل كل بيت مثلهم، فإن الناس لا يهلكون على أنصاف بطونهم». ٣ - توفير العمل والحث عليه: على المجتمع ممثلاً بالدولة تهيئة فرص العمل المناسب لكل قادر عليه (١)، ومقاومة كل أسباب التعطل والبطالة، حتى لا يثقل كاهل بيت المال بتأمين حاجات العاطلين. ويراعى في كل عمل مدى حاجة المجتمع إليه، وما يتطلبه العامل من حماية وتأمين وعدالة في التوزيع وراحة مناسبة. وعلى رب العمل إيفاء حق العامل بمجرد الفراغ من عمله لقوله ﵊: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (٢) وعليه ألا يكلفه ما لا يطيق، وأن يعاونه عليه إن كان

стр. 4851

مرهقاً. وعلى الدولة العناية بالاستثمار والاستغلال المشروع والتنمية أكثر من اهتمامها بجباية ضرائب الإنتاج في الزراعة ونحوها، قال علي ﵁ لأحد ولاته: «وليكن نظرك في عمارةالأرض (أي الإنتاج) أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج (أي من فرض الضرائب)؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً». وحث الإسلام في آيات وأحاديث متعددة كما عرفنا على العمل، واعتبره من أفضل موارد الكسب المشروع، ورأس وسائل الإنتاج. كما أنه هو أساس التفاضل بين الأفراد ومعيار تقييم الناس: «قيمة كل امرئ ما يحسنه» وقال سيدنا عمر: «إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل: لا عمل له سقط من عيني». ومن هذا وجب إتقان الأعمال وتحسينها، قال ﵊: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (١). وينبغي الاتجاه إلى الكسب والعمل المنتج بدافع أو حافز داتي لقوله ﷺ «اليد العليا خير من اليد السفلى» (٢). ٤ - كفالة القاصرين والعجزة عن العمل: يجب على الأب كفاية ولده حتى البلوغ، وعلى الغني الموسر كفالة قريبه المعسر والإنفاق عليه إذا كان من الأصول والفروع. وأوجب بعض الفقهاء وهم الحنفية النفقة للمحارم كالإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات. وجعل المذهب الحنبلي وجوب النفقة مع قاعدة الميراث، فإذا لم يكن للولد أو العاجز عن العمل أو الشيخ الهرم أحد يكفيه من أقاربه، وجبت كفايته من بيت المال. وكان عمر ﵁ يرتب نفقة للطفل منذ فطامه، ثم جعله منذ الولادة

стр. 4852

بمقدار مئة درهم، حتى لا تعجل الأمهات فطام أولادهن، ثم إذا ترعرع جعلها مئتين. وفرض عمر أيضاً نفقة لشيخ من أهل الذمة حينما وجده يسأل الناس بسبب الحاجة والسن وأداء الجزية. ومثل الولد والشيخ الهرم: كل عاجز عن العمل بسبب الإصابة في عمله أو بسبب آفة صحية أو عقلية تمنع من التكسب، أو بسبب فقد العائل أو بسبب كارثة مؤقتة كغرق أو حريق. وقد ذكرت مبدأ (كفاية الفقراء) في المبحث الأول، قال النبي ﷺ : «إن في المال حقاً سوى الزكاة» (١) «ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به» (٢) «أيما أهل عَرْصة - أي بقعة - أصبح فيهم امرؤ جائعاً، فقد برئت منهم ذمة الله ﵎» (٣). وإذا كان الصحابة كما لاحظنا قرروا صوراً من التكافل لمطلق المصلحة والعدل، فإن كل ما تسنه الدولة من قوانين للتأمين الاجتماعي أو للتقاعد أو للمساعدات لفئة من المواطنين نقداً أو عيناً كرعاية الطفولة أو إصلاحيات المنحرفين من الأحداث ونحوها بحسب الحاجة وتطور الزمن: يكون مقبولاً بشرط ألا يخالف أصلاً من أصول الشريعة. قال مجاهد: «ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حرق فذهب بماله، ورجل معه عيال وليس معه مال» وقد طلب النبي ﷺ إلى المسلمين أن يتصدقوا على من أصابته جائحة. ٥ - التعاون في درء الأخطار: أبنت سابقاً أن للدولة الحق في فرض الضرائب على الأغنياء في حالة فقر بيت المال، وتهديد المجتمع بأي خطر كالمجاعة والوباء والحرب إذ «يتحمل الضرر

стр. 4853

الخاص لدفع الضرر العام» ويجوز للجائع حال الضرورة أخذ الطعام من الآخرين، لإنقاذ نفسه من الهلاك، على أن يدفع ثمنه لأن (الاضطرار لا يبطل حق الغير). وعلى مالك الطعام أن يدفعه إلى المحتاج إليه، وإلا كان آثماً، ويجوز للمضطر إليه مقاتلته، كما له أن يقاتل صاحب الماء الذي يمنعه عن العطشان، فإن قتل الجائع وجب القصاص على القاتل. وقد نوه سيدنا عمر بهذا المبدأ وما قبله فقال: «لو استقبلت من أمري مااستدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فرددتها على الفقراء» وقال ابن حزم الظاهري: «فرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائها، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة». وهكذا يظهر لنا أن هناك تضامناً فعالاً بين الفرد والجماعة الممثلة بالدولة لتحقيق السعادة والرفاه، فكما أن الدولة مسؤولة عن رعاياها (مجتمعها) يعتبر كل فرد في المجتمع مسؤولاً عن أي فرد آخر، وهذا ليس مجرد تكافل أخلاقي، وإنما هو تكافل قانوني إلزامي، وإن لم يوجد جزاء أو عقاب دنيوي على تقصير الإنسان بواجبه فيه. وعليه تكون الدولة في النظام الإسلامي أشبه بدولة اشتراكية، وكل فرد فيها أقرب إلى أنه عضو اشتراكي فعال يساهم في تحمل المسؤولية الاشتراكية على وفق ترتيب منطقي وهو: «وابدأ بمن تعول» (١) أي ابدأ بنفسك ثم بمن تجب عليك نفقتهم من الأهل، ثم العناية بشأن الجار، والضيف، ثم كل محتاج، ثم التعاون في استغلال موارد الطبيعة. ولا يقتصر الأمر على جانب الاقتصاد، بل لا

стр. 4854

بد من المشاركة في نواحي الحياة الأخرى من تربية وتعليم، وممارسة أصول الحياة السياسية والمدنية كالحرية والكرامة والعدالة والشورى وتكافؤ فرص الحياة السياسية. ثانياً - الملكية الخاصة ووظيفتها الاجتماعية: ١) - إقرار الملكية الفردية: أوضحت سابقاً أن الإسلام يقر الملكية الفردية ويحترمها، تجاوباً مع فطرة الإنسان وغريزة التملك والاقتناء، فطلب الغنى ليس محرماً في ذاته، ولكن يشترط أن يتخذ الإنسان وسائل الكسب المشروعة له، ومن أهمها وأشرفها العمل، ومن أفضل الأعمال إحياء الأرض الموات التي لا مالك لها واستثمارها. وإذ يجيز الإسلام التملك بدون عمل عن طريق الإرث أو الوصية أو الهبة، فما ذلك إلا لأن الوارث امتداد لشخصية المورث، وأما الوصية أو الهبة ونحوهما من التبرعات فهي أثر لحرية الإنسان في التصرف، وتشجيع على أعمال البر والخير وعمل المعروف الذي يدعم فريضة الزكاة، ويغطي نواحي الحاجة والنقص أو الحالات التي لا تصرف فيها الزكاة، مع توافر بعض المقتضيات الإنسانية لها. ٢) - قيود الملكية: عرفنا أيضاً أن إقرار الملكية الخاصة ليس بصفة مطلقة، وإنما هي مقيدة بقيود كثيرة تجعل للملكية وظيفة اجتماعية وطابعاً إنسانياً كريماً. وهذه القيود منها عام يرتبط بالنظام الإلهي العام للإسلام كتحريم المعاملات الربوية أو القمار أو الاتجار بالخمر وسائر ما حرمه الله، ومنها خاص يمس النشاط الفردي ويجعله ذا طابع أو اتجاه اشتراكي معتدل، كتحريم الاستغلال الممنوع والاحتكار والغش، وكراهية تكدس الثروات المالية.

стр. 4855

وتحريم الاستغلال شامل استغلال رب العمل فقر العامل فيظلمه، واستغلال التاجر حاجة المستهلك، فيغلي قيمة السلعة، أو جهل المنتج أو المصدر، فيشتري بضاعته بثمن بخس (تلقي الركبان)، أو سذاجة البدوي فيبيعه السلعة بأزيد من ثمنها (بيع الحاضر للبادي) واستغلال النفوذ بسبب الولاية أو القرابة أو الحسب والنسب. والاحتكار محرم لأنه يمنع تداول الثروة، ويؤدي إلى السيطرة والاستغلال، وقد يعطل الاستثمار، كمافي حال احتجار الأرض بغير استثمار مما يوجب سلبها من محتجرها بعد ثلاث سنين، كما تقدم. وتكدس الثروات المكروه في الإسلام، وإن لم يصل إلى درجة التحريم، فهو ممقوت لا يتفق مع الهدف الأمثل للشريعة، وللدولة أن تتخذ السياسة التي تمنعه، لما يؤدي إليه من ترف وفساد وسيطرة، كما فعل النبي ﷺ من إقرار التوازن الاقتصادي بين المهاجرين والأنصار، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون، فترك سيدنا عمر الأراضي المفتوحة في العراق والشام ومصر بيد أهلها، ولم يقسمها بين الفاتحين، حتى لا تنحصر الثروة بأيديهم، ولا يبقى شيء لمن يأتي بعدهم، واستدل على صحة فعله الذي وافقه عليه الصحابة بقوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دُولة بين الأغنياء منكم﴾ الآيات [الحشر:٧/ ٥٩ - ١٠]. وكان النبي حريصاً على عدم اتساع الملكيات الزراعية، فنهى عن كراء الأرض، كما سيتضح في بحثه المخصص له. ويعتبر نظام الإرث في الشريعة من أكبر العوامل على تفتيت الثروة ومنع تركيزها في أيدي فئة قليلة. وقد أوردت أهم القيود التي تقيد حق الملكية الفردية، والتي تجعلها ذات

стр. 4856

وظيفة اجتماعية يمارسها صاحبها لمصلحة المجموع، ودون تمسك بأنها حق مطلق، باعتبار أن المالك الحقيقي للأموال هو الله تعالى، والناس لهم عليها حق الاستخلاف، قال الله تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ [الحديد:٧/ ٥٧] وهذه القيود الشرعية الواردة على الملكية الخاصة: هي ألا تؤدي الملكية إلى الإضرار بالغير، وأن يخرج مالكها منها الزكاة والنفقات الواجبة على الغني الموسر لقريبه المعسر، سواء أكان من الأصول أم الفروع أم الحواشي أم الزوجات. وأن تستخدم الملكية في صالح النفع العام، أي أنه يجوز تحديدها أو انتزاعها من مالكها إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك بشرط دفع ثمنها لصاحبها. وأما إنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن أخذ مال غني بغير رضاه، وأعطي لفقير، فذلك صحيح، لا يتنافى مع مبدأ مشروعية التأميم في أحوال استثنائية فقط؛ لأن واقع المجتمع قد تغير عما كان عليه حال المسلمين في صدر الإسلام، فقد كان أغنياء المسلمين يبذلون أموالهم في سبل الخيرالعامة عن طواعية واختيار، عملاً بما ندبهم إليه الإسلام ورسوله، والقيام بالواجب بدافع ذاتي أفضل وأكرم بلا شك من القهر عليه. واشتكى أحد الولاة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀ من تكدس الأموال في بيت المال، دون أن يجد فقيراً يعطيه، فأمر عمر بصرفه في قضاء ديون الغرماء المدينين، وكان الفقراء يتعففون من أخذ الزكوات، حتى نشأت مشكلة البحث عنهم في عهد عمر بن الخطاب، مما اضطره إلى إحداث نظام الخفراء (أو العَسس) في الليل للبحث عن المحتاجين لإعطائهم حقهم من بيت المال. وبما أنه قد تغيرت ظروف المجتمع اليوم، وساءت أحوال المسلمين وضنَّ الناس بما عندهم وقصروا في أداء واجبهم، فلا مانع من اتخاذ بعض الإجراءات

стр. 4857

الاستثنائية المرهونة بوقت الحاجة لتصحيح بعض الأوضاع الفاسدة، وإجبار الأغنياء على إعطاء حق الفقراء، أو تأميم بعض أموالهم ليقوم الفقير باستثمارها، بعد أن منعوا الزكاة ونحوها من الواجبات المفروضة. قال النبي ﷺ عن مانع الزكاة: «ومن منعها - أي الزكاة - فإنا آخذوها وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا » (١). هذا بالإضافة إلى أن بعض ملكيات الإقطاعيين الكبيرة كانت قد اكتسبت بوسائل غير مشروعة، إما بخدمة المستعمر، أو الحاكم الظالم. ولا شك بأنه يجوز مصادرة الأراضي والأموال المكتسبة بوسيلة غير شرعية كما عرفنا سابقاً. كما أنه إذا لم تتحقق كفاية الفقراء، لا مانع شرعاً من فرض الكفاية اللازمة على الأغنياء عملاً بالمبدأ الشرعي: «إذا بات مؤمن جائعاً فلا مال لأحد». ٣) - مبدأ المساواة الاجتماعية في الإسلام: من البدهيات المسلمة المعروفة أن الإسلام دين المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع المسلم، فلا تمييز بين الناس بسبب الجنس أو اللون، أو الحسب والنسب، أو الغنى والفقر، وإنما الكل أمام الله تعالى، وفي المنزلة الاجتماعية سواء، حتى يقضى على كل بواعث الجرائم التي يدفع إليها وجود الامتياز المادي والأدبي. وحينئذ فلا يسمح الإسلام بوجود طبقات اجتماعية تتفاوت في الدرجة الاجتماعية، وإن كان هناك تفاوت مادي بين غني وفقير، في حدود كفاية الفقير، وعدم اكتناز المال لدى الغني، قال الله تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات﴾ [الزخرف:٣٢/ ٤٣] ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة:٣٤/ ٩] والآية الأولى لا تعني وجود مجتمع طبقي في نظام الإسلام، إذ ليس في

стр. 4858

الإسلام طبقات ذات امتيازات اجتماعية، وإنما يقر الإسلام وجود تفاوت مادي بين الإسلام؛ لأن الغنى والفقر كل منهما محل مسؤولية وابتلاء واختبار، فلا طبقية إذن، وإنما هي مسؤولية على كل منهما، الغني في استغلال ماله، والفقير في اختبار صبره ومدى جهاده في الحياة. والتفاوت المادي لا عيب فيه؛ لأنه يتمشى مع الفطرة الإنسانية في حب التملك والاقتناء، ويولد عنصر المنافسة الحرة الشريفة، وتقتضيه طبيعة الناس بحسب تفاوتهم في العلم والعمل والقدرة على الكفاح والإنتاج. وهذا يعطينا الدليل لتوزيع الأعمال والكفايات بين الأفراد. وبذلك تكون أسباب التفاوت المحدودة في المجتمع الإسلامي محصورة في سببين: العمل والعلم. فبالعمل تشتد المنافسة في الإنتاج، وبالتالي في الحفاظ على ثمرات الكسب والغنى واليسار. وبالعلم تتقدم الأمم، ويستفيد العالم من ثمرات علمه لنفع المجتمع وإعلاء كلمة الحق وإبداء النصيحة والإرشاد إلى الخير. والتفاوت في المقدرة والنشاط والعلم لايخلق طبقية اجتماعية لها امتياز أو استعلاء، وإنما هومسؤولية أمام الله، ومسؤولية أمام المجتمع، قال النبي ﷺ : «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم» (١). ثالثاً - الحرية الاشتراكية في الإسلام: الناس جميعاً أحرار في ميزان الإسلام، ولا خضوع إلا لله وحده، ولا يخضع إنسان لغيره إلا بالحق والمعروف، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 4859

فمن هذا المبدأ تتأصل الحرية والكرامة للإنسان. فهي شيء ينبع من ذات الإنسان وتكوينه، لا أنها منحة من المجتمع للإنسان. والحرية تكون مصدر الاعتزاز بالشخصية، والشجاعة الأدبية في إعلاء كلمة الحق، ومجابهة الصعاب وعدم خشية أحد إلا الله قال ﵊: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (١) وحرية الفرد تستتبع حرية الجماعة السياسية والاقتصادية. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بالمعيار الاشتراكي الذي يقوم على تكافل أفراد المجتمع، سواء في ذلك الحاكم والمحكومون. فالحاكم الذي ترشحه الأمة وتبايعه مقيد بالعمل بنظام الشريعة، وبمشاورة أهل الخبرة والاختصاص (أهل الحل والعقد) قال الله تعالى آمراً نبيه: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران:١٥٩/ ٣] والمحكومون من الرعية مطالبون بالطاعة في المعروف، وبالنصرة، إذ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٢) وقال الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة:٧١/ ٩] أي، متناصرون، ولهم إبداء الرأي في تصرفات الحاكم كما طالب بذلك أبو بكر في خطبته المعروفة، والدولة الإسلامية مقيدة في علاقتها مع الدول الأخرى بعدم الاعتداء، لقوله تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة:١٩٠/ ٢]. رابعاً - القيم الخلقية في النظام الاشتراكي الإسلامي: أشرت سابقاً إلى دور الأخلاق في بناء الفرد والجماعة، وأضيف هنا أن أفضل أنواع الاشتراكية هي التي لا تفرض بالحديد والنار وبالمجازر الدموية

стр. 4860

والصراع الحاد بين الطبقات، وإنما التي تنبع من الذات المؤمنة السامية والضمير الإنساني اليقظ والمثل الدينية العليا. فالاشتراكية السياسية والاقتصادية الوطيدة الأركان هي التي تقوم على الاقتناع بضرورة التنازل عن شيء من المصالح الفردية في سبيل تحقيق مصلحة المجموع، وهذا الاقتناع يحتاج إلى تذوق خلقي للعلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع، والفهم الخلقي يحتاج إلى قوة دافعة من العقيدة السامية التي قررتها الأديان، وتبلورت - أخيراً في الإسلام، لأن الدين سند الأخلاق وحارسها وحافظها من الضعف والانهيار أثناء الأزمات. ومن أهم الأخلاق الاشتراكية: الإحساس المرهف بالمسؤولية والسمو البشري في التعاطف والتعامل وحب الخير والحق والإيثار. أما الإحساس بالمسؤولية فموزع على الحكام والأفراد، قال ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها» (١) وقد بلغ الإحساس بالمسؤولية عند الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان درجة عالية انعكست على كل الولاة والعمال في الدولة، بل على سائر أفراد المسلمين، إذ كان الواحد يندفع إلى تلبية الواجب وتنفيذ أوامر الإسلام من دون حاجة إلى مراسيم وقوانين وأوامر متتابعة ومتراكمة من الخليفة والحكام بحيث يزحم بعضها بعضاً، وقد ينقض واحد منها الآخر. وكان أخطر أنواع المسؤولية: هو توزيع الحقوق المالية على الناس في أجزاء البلاد، وقيام الحاكم بواجبه نحو الرعية، وهو الذي أحس به سيدنا عمر حينما قال: «لئن عشت إلى قابل ليبلغنَّ الراعيَ في صنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في

стр. 4861

وجهه» وقال أيضاً: «لئن ضلت شاة على شاطئ الفرات لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة». وأما التعاطف بين أبناء المجتمع فهو السمة البارزة لاشتراكية الإسلام القائمة على المحبة والإيثار، والأخوة والتضامن والسعي في سبل الخير، قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات:١٠/ ٤٩] ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر:٩/ ٥٩] وقال النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١) «الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» (٢) «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به» (٣) «تحب للناس ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك» (٤). وهناك أحاديث نبوية كثيرة ترغّب في فعل الخير وعمل المعروف وبذل المال، ومساعدة المحتاج، وتقديم القربات، مثل قوله ﵊: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» (٥) «يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» (٦). بهده الأصول الخلقية قامت اشتراكية الإسلام، وبها وحدها تم التوصل لحل مشكلة الإنسان المعقّدة المثلثة، فتحقق التقاء الفرد والمجتمع، والتوافق بين غرائز

стр. 4862

الإنسان الذاتية الخاصة ومصلحة المجموع، وأثبت التطبيق العملي للاشتراكية بالاعتماد على القيم الخلقية أن القوانين والأنظمة أو السلطة والقهر لا تكفي لنجاح الاشتراكية في إسعاد الإنسان، بل ولن يكتب لها الدوام والاستمرار. وهذه مقولة أعلنتُ عنها منذ عام ١٩٦٥ م قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. المبحث الثالث - نظرية القيمة في الإسلام: تكلمت في المبحث الأول عن هذه النظرية، وبينت أن الإسلام حض على العمل، وطالب القرآن باستخراج خيرات الطبيعة لقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة:٢٩/ ٢] لأن العمل في الحقيقة أساس التقدم وبناء الكون كله. وبه يتم التفاضل بين الناس في الدنيا والآخرة، أما العمل في الدنيا: فهو كل جهد يؤدي إلى جلب نفع عام أو خاص، أو منع أذى خاص أو عام، أو ازدهار صناعة مفيدة، أو زيادة طيبات الحياة، أو انتشار عمران. وأما العمل للآخرة: فهو أداء الفروض الدينية فكراً وتعلماً وعملاً وامتناعاً عن الشر ومختلف أنواع الجرائم. ويشمل أيضاً النية الطيبة في إنجاز الأعمال الدنيوية. والمهم الآن تكرار ما قلته من أن العمل وإ ن كان هو الأساس الأول للقيمة الاقتصادية للسلع وللقيمة الاجتماعية للفرد وللتنمية الاقتصادية، ولاستغلال الثروة الطبيعية، فإن قيمة السلعة تتحدد بحسب العرض والطلب الواقعين عليها، مع التزام مبدأ السعر العادل، وفي ظل من رقابة الدولة. بدليل قول النبي ﷺ : «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (١) ويضم إليه إفتاء فقهاء المدينة السبعة

стр. 4863

في عصر التابعين والمالكية والحنابلة ومتأخري الزيدية بجواز تسعير السلع، حينما استبد الجشع والطمع ببعض الناس، وتغالوا في قيم البضائع (١)، وذلك عملاً بالمصلحة المرسلة مما أوجب القول بتدخل الحاكم لرد التجار إلى مبدأ السعر العادل (أو قيمة المثل) الذي لا يشتمل على غبن فاحش (٢). وعلى هذا فإن أسعار البضائع المصنوعة الآن يدخل العمل أساساً في تقدير أثمانها، ويراعى في ذلك المصلحة العامة، والعدالة في التقييم. المبحث الرابع - كراء الأرض في الإسلام: قبل أن أذكر اختلاف العلماء الكثير في موضوع كراء الأرض، أبيّن اتجاهات الإسلام وغاياته العامة وروحه التشريعية ومبادئ اشتراكية الإسلام التي أشرت إليها. إن الإسلام بلا شك يرغب ترغيباً أكيداً في استثمار خيرات الطبيعة واستخراج كنوزها، ويكره تعطيل المال وإضاعته، كما يكره بطالة العامل، ومن هنا كره بعض العلماء تعطيل الأرض عن الزراعة، لأن فيه تضييع المال. ويحرص الإسلام أيضاً على تعميم الرفاه والرخاء على الناس وقصد النفع العام، وتوزيع الملكيات، وعدم اتساع الملكيات الزراعية بالذات خشية العجز عن

стр. 4864

استثمارها، ويكره تكدس الثروات واحتكار ملكية الأراضي، وحرمان الأغلبية من تملكها؛ لأن الأرض لله، والله يحب العدالة في التوزيع. ويفضل الإسلام أن يكون مورد الإنسان من طريق العمل، ويمقت بصفة عامة كون الإيراد بدون عمل، ومن هنا حرم الربا والقمار والتدليس والغبن والاستغلال والاحتكار. وتأثر بعض العلماء بهذا الاتجاه التشريعي، فحرم أيضاً إجارة الأرض، وتمسك برأيه القائلون بجواز التأميم أو تحديد الملكية. واشتراكية الإسلام ينبغي أن تنبع كما بينت من الباعث الذاتي والدافع الخلقي، وتكره إجمالاً القهر والجبر وفرض الأمر على الناس بالقوانين الرادعة والزواجر الصارمة ما لم يضطر الحاكم إليها ويقصر الناس بواجباتهم، حتى يكون احترام الحكم قائماً على الرضا والطواعية والاختيار، وليتوفر له الخلود والدوام والبقاء وتمتنع الشحناء والبغضاء والحقد بين الأفراد. ومن هذه الروح أجاز جمهور العلماء كراء الأرض، ولم يجبروا مالكها على استثمارها أو إعارتها للآخرين أو بذلها مجاناً لمن يحرثها، عملاً بمبدأ الحرية الاقتصادية، أي أن كل مالك حر التصرف بماله. فمن هذه الاتجاهات اختلف الفقهاء في حكم كراء الأرض من أجل زراعتها على رأيين: رأي يمنع ذلك إطلاقاً، ورأي يجيز. ثم إن المجيزين لكراء الأرض اختلفوا فيما بينهم اختلافات جزئية يحسن ذكرها. أما الفريق الأول الذي يمنع كراء الأرض وهم الأقل فهم بعض التابعين: طاوس وأبو بكر بن عبد الرحمن وطائفة قليلة، وأخذ برأيهم ابن حزم الظاهري، قالوا: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، لا بجزء من ثمرها أو طعامها من الحبوب ونحوها، ولا بشيء من النقود ذهباً أو فضة، ولا بغير ذلك. واستدلوا على رأيهم بدليلين:

стр. 4865

أـ دليل عقلي: وهو أن مثل هذا الكراء يتضمن الغرر، أي احتمال إضرار المكتري وهو الفلاح؛ لأنه يمكن أن يصاب الزرع بآفة سماوية أو جائحة من نار أو قحط، أو غرق، فتلزمه الأجرة أو الكراء من غير أن ينتفع من ذلك بشيء. ب - دليل نقلي من السنة النبوية: وردت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ تنهى عن كراء المزارع. منها: مارواه مالك عن رافع بن خديج: أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع. وروي عن رافع بن خديج عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن إجارة الأرضين (١). وعن جابر قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليُحرثها أخاه وإلا فليدعها» (٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها، أو ليُحرثها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه» (٣) ومعنى «فليُحرثها» أي يجعلها مزرعة لأخيه بلا عوض، وذلك بأن يعيره إياها، بدليل ماروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لأن يمنح أحدكم أخاه - أي أرضاً - خير له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً» (٤). فهذه الأحاديث تدل صراحة على أن كل مالك مكلف بزراعة أرضه بنفسه، فإن لم يستطع زراعتها كلها أو بعضها، منحها أو منح الجزء الزائد عن طاقته لبعض إخوانه بدون مقابل. وأما الفريق الثاني وهم الجمهور المجيزون لكراء الأرض مبدئيا ً فقد اختلفوا

стр. 4866

اختلافات تتعلق بنوع الأجرة منشؤها ضرورة رعاية بعض قواعد الشريعة الأخرى التي تحرم الربا والغرر. وينحصر اختلافهم في جواز كراء الأرض بجزء مما يخرج منها: ١ - مذهب بعض التابعين: ربيعة وسعيد بن المسيب: لايجوز كراء الأرض إلا بالدراهم والدنانير فقط، بدليل ماروى رافع بن خديج عن النبي ﷺ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل مُنح أرضاً فهو يزرع مامُنح، ورجل اكترى بذهب أو فضة» (١)، قالوا: فهذا تصنيف لمستثمري الأرض، ولايجوز تعدي مافي هذا الحديث. وأما الأحاديث الأخرى فهي مطلقة الكلام، وهذا الحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، أي أنها تفهم وتفسر بحسب مادل عليه هذا الحديث، أو أن النهي المطلق عن المخابرة والمزارعة يحمل على حالة اشتمال العقد على الجهالة والغرر، أو يحمل على اجتنابها ندباً واستحباباً. قال ابن حجر في فتح الباري: إن النهي عن المزارعة محمول عند الجمهور على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن كرائها مطلقاً حتى بالذهب والفضة. ٢ - مذهب المالكية على المشهور: يجوز كراء الأرض بكل شيء من النقود والمعادن والحيوان وعروض التجارة ومنافع الأموال ماعدا شيئين: الطعام سواء أكان خارجاً من الأرض أم لم يكن، وماتنبته الأرض سواء أكان طعاماً أم غيره سوى الخشب والحطب والقصب ونحوها من كل ما يطول مكثه في الأرض حتى يعد كأنه أجنبي عنها.

стр. 4867

فالطعام المستثنى يشمل كل ما أنبتته الأرض كالقمح، وما لم تنبته كاللبن والعسل. وغير الطعام الذي تنبته الأرض، ولا يجوز الكراء به مثل القطن والكتان والعصفر والزعفران. والسبب في استثناء الطعام هو عدم الوقوع في الربا ببيع الطعام بالطعام لأجل. وأما استثناء غير الطعام مما تنبته الأرض فسببه وجود الغرر في هذا العقد (أي احتمال أن تخرج الأرض قدر ما أكرى به المكتري أو أقل أو أكثر) ووجود الجهالة أيضاً أي العقد على معلوم هو الأرض بمجهول وهو ما يخرج منها. وكل من الغرر والجهالة يوجب المشاجرة. وعلى هذا فإن المساقاة و المزارعة جائزة عند المالكية. أما المساقاة فهي عقد بين صاحب الأرض والعامل على القيام بخدمة أو مؤنة شجر مثمر كنخل أو كرم عنب بجزء معلوم من الثمرة للأجير. ويجوز أن يضم إليه تباعاً استثمار جزء من الأرض بشرط أن يكون قليلاً بأن تكون أجرته بالنسبة للأجرة الكلية من الثمرة الثلث فأقل. والمزارعة: هي المعاملة على استغلال الأرض ببعض مايخرج منها، وتجوز عند المالكية بشرط خلوها من كراء الأرض بممنوع بأن لاتقع الأرض أو بعضها في مقابلة بذر، أو طعام ولو لم تنبته، أو ماتنبته ولو غير طعام، كما تقدم. ولم يجز أبو حنيفة المزارعة، ويرى الشافعية عدم صحة المزارعة إلا تبعاً للمساقاة، وتعسر إفراد الشجر بالسقي وبياض الأرض التي لازرع فيها بالعمارة، أي الاستثمار. ودليل المالكية على ماذهبوا إليه: ما رواه رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولايكرها بثلث ولا بربع ولا بطعام معين» (١) واستكراء الأرض بالحنطة يعرف بالمحاقلة وقد نهى عنها

стр. 4868

النبي ﷺ في حديث آخر، وهذا دليلهم على منع كراء الأرض بالطعام. أما حجتهم على منع كراء الأرض مما تنبت فهو ماورد من نهيه ﷺ عن المخابرة (١): وهي كراء الأرض مما يخرج منها. ٣ - مذهب أبي يوسف ومحمد من الحنفية، والحنابلة، والثوري والليث وابن أبي ليلى والأوزاعي وجماعة: يجوز كراء الأرض بكل شيء، ولو بجزء مما يخرج منها. وهذا ما عليه المسلمون في كل مكان، لأن ذلك كراء منفعة معلومة (وهي العمل في الأرض) بشيء معلوم (وهو الأجرة)، فجاز قياساً على إجارة سائر المنافع مثل سكنى الدور واستعمال الحوانيت ونحوها. ويؤكد ذلك من ناحية الأثر حديث ابن عمر الثابت: «أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر مايخرج منها من ثمر أو زرع» (٢)، أي دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم على نصف ماتخرجه الأرض والثمرة. ورويت أحاديث أخرى بمعناه عن ابن عباس وأبي هريرة، وكان كل المهاجرين في المدينة يزرعون على ثلث أو ربع إنتاج الأرض، وقد زارع علي كرم الله وجهه وسعد بن مالك وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل علي وآل عمر، ومعاذ بن جبل في عهد النبي والخلفاء الراشدين. ورد هؤلاء على أحاديث غيرهم بأن أحاديث رافع ضعيفة لأنها مضطربة المتون أي متغايرة الألفاظ. وإن فرض كونها صحيحة فهي محمولة على الكراهية لا الحظر أو الحرمة، بدليل ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال: «إن النبي ﷺ لم ينه عنها» ولكن قال: «إن يمنح أحدكم أخاه يكن خيراً له من أن يأخذ

стр. 4869

منه شيئاً» أو إن النهي عن كراء الأرض محمول على ما إذا كانت الأجرة مجهولة أو مضمونة من إنتاج مكان معين من الأرض، مثل اشتراط صاحب الأرض ناحية منها، أو اشتراط ماينبت على حفة النهر لصاحب الأرض، لما فيه من الغرر والجهالة. فدل ذلك على أن الأحاديث التي تمنع من كراء الأرض محمولة على الندب والاستحباب، والأفضل بذلها مجاناً للفلاحين والعمال، بدليل إجماع الصحابة على أن الإجارة جائزة، ولاتجب الإعارة بالإجماع. المبحث الخامس - الأجر في الإسلام: الإجارة نوعان: إجارة على المنافع بأن يكون المعقود عليه هو المنفعة، و إجارة على الأعمال بأن يكون المعقود عليه هو العمل. ومثال النوع الأول: إجارة العقارات والدور والمنازل والحوانيت والضياع، والدواب للركوب والحمل، والثياب والحلي للبس، والأواني والظروف للاستعمال، ونحو ذلك بشرط أن تكون المنافع مباحة، فإن كانت محرمة كالميتة والدم وأجر النوائح وأجر المغنيات فلا تصح الإجارة عليها. ومثال النوع الثاني: وهي التي تعقد على عمل معلوم: الاستئجار من أجل البناء والخياطة والحمل إلى موضع معين وصباغة ثوب وإصلاح حذاء، ونحو ذلك من كل مايباح الاستئجار عليه، روي عن رافع بن رفاعة، قال: «نهانا النبي ﷺ عن كسب الأمة إلا ماعملت بيديها، وقال: هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش» (١) أي عجن العجين وخبزه، وغزل الصوف والقطن والكتان والشعر، أو نفشه وندفه، وفي رواية (النقش) وهو التطريز. والإجارة بنوعيها مشروعة مباحة بالقرآن والسنة والإجماع، قال الله تعالى:

стр. 4870

﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥]، ﴿يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص:٢٦/ ٢٨] وقال النبي ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (١)، «من استأجر أجيراً فليسمّ له أجرته» (٢). وأجمعت الأمة في زمن الصحابة على جواز الإجارة، لحاجة الناس إلى المنافع مثل حاجتهم إلى أعيان الأشياء. لكن أحاط الشرع حق الأجير بضمانات متعددة: وهي الرضا، والعدالة أو الكفاءة، والعرف. فينبغي أن يكون الأجر عادلاً متمشياً مع العرف السائد ومراعى فيه نوع الخبرة، ومعتمداً في التقدير على الحرية والرضا والطواعية، فلا يجوز الإكراه على العمل، ولا إلحاق الظلم بالأجير، ولا منعه حقه أو المماطلة في أدائه، أو استيفاء منفعة منه بغير عوض، إذ إن من استخدم عاملاً بغير أجرة فكأنه استعبده، كما قال فقهاء الإسلام أخذاً من حديث نبوي اعتبر آكل جهد العامل بمثابة من باع حراً وأكل ثمنه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره» (٣) قال ابن التين: هو خصم لجميع الظالمين، إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح. وأكد النبي ﷺ في أحاديث أخرى على ضرورة إيفاء حق العامل، كما ذكرت، وكما في قوله: «ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» (٤).
следующие страницы →