← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وإذا رمد، وأمَره طبيب مسلم حاذق ألا يغسل عينه، أو انكسر ظفره، أو حصل به داء، وجعل عليه دواء، جاز له المسح للضرورة، وإن ضره المسح تركه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. وقال المالكية: يبطل المسح بنزع الجبيرة أو سقوطها للمداواة أو غيرها، فإذا صح غسل الموضع على الفور، وإن لم يصح وبدَّلها للمداواة، أعاد المسح، وإن سقطت الجبيرة وهو في الصلاة. بطلت الصلاة، وأعاد الجبيرة في محلها، وأعاد المسح عليها، إن لم يطل الفاصل، ثم ابتدأ صلاته، لأن طهارة الموضع قد انتقضت بظهوره. ويمسح المتوضئ رأسه إن سقط الساتر، الذي كان قد مسح عليه من الجبيرة أو العصابة أو العمامة، ثم صلى إن طال فاصل سقوط الساتر نسياناً، وإلا ابتدأ طهارة جديدة أي أعاد الوضوء. وقال الشافعية: لو سقطت جبيرته في الصلاة، بطلت صلاته، سواء أكان قد برئ، أم لا، كانقلاع الخف. وفي حالة البرء تبطل الطهارة أيضاً، فإن لم يبرأ رد الجبيرة إلى موضعها ومسح عليها فقط.

стр. 492

وقال الحنابلة: زوال الجبيرة كالبرء، ولو قبل برء الكسر أو الجرح، وبرؤها كخلع الخف، يبطل المسح؛ والطهارة والصلاة كلها، وتستأنف من جديد، لأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها، إلا أنه في الطهارة الكبرى من الجنابة يكفي بزوال الجبيرة غسل ما تحتها فقط. وفي الطهارة الصغرى (الوضوء) إن كان سقوطها عن برء توضأ فقط، وإن كان سقوطها عن غير برء، أعاد الوضوء والتيمم. وهكذا يتبين أن الجمهور غير الحنفية يقررون بطلان المسح على الجبيرة بنزعها أو سقوطها. ٢ - الحدث: يبطل المسح على الجبيرة بالاتفاق بالحدث. لكن إذا أحدث صاحب الجبيرة يعيد عند الشافعية (١) ثلاثة أمور: يغسل الصحيح، ويمسح على الجبيرة، ويتيمم. فإن لم يحدث وأراد صلاة فرض آخر، تيمم فقط، ولم يعد غسلاً ولا مسحاً؛ لأن الواجب عندهم إعادة التيمم لكل فريضة (٢). أهم الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة: ذكر الحنفية فروقاً بين هذين النوعين من المسح، وهي سبعة وعشرون وجهاً، وأضاف ابن عابدين لها عشرة أخرى، أهمها ما يأتي (٣):

стр. 493

١ - المسح على الجبائر غير مؤقت بالأيام، بل هو موقت بالبرء، أما المسح على الخفين فهو بالشرع مؤقت بالأيام، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. ٢ - لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر، فيجوز المسح عليها للمحدث. وتشترط الطهارة للبس الخفين، فلا يجوز المسح عليهما للمحدث. ٣ - إذا سقطت الجبائر لا عن برء لا ينتقض المسح، وسقوط الخفين أو أحدهما يوجب انتقاض المسح. ٤ - المسح على الجبائر جائز إذا كان يضره المسح على الجراحة، فإن لم يضره فلا يمسح على الجبائر. أما المسح على الخفين فهو جائز ولو لم يعجز عن غسل الرجلين. ٥ - المسح على الجبائر جائز ولو كانت في غير الرجلين. أما المسح على الخفين فمحصور في الرجلين. وتعرف بقية الفروق من طبيعة كلا النوعين وشروطهما. وذكر الحنابلة خمسة فروق بين نوعي المسح المذكورين، وافقوا الحنفية في الفرق الأول والثاني والرابع، أما الفرقان الآخران فهما: أنه يمسح على الجبيرة في الطهارة الكبرى؛ لأن الضرر يلحق بنزعها فيها، بخلاف الخف، ويجب عندهم استيعابها بالمسح لأنه لاضرر في تعميمها، بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه ويتلفه المسح (١).

стр. 494

الفَصْلُ الخامِس: الغَُسلُ خصائصه، موجباته، فرائضه، سننه، مكروهاته، مايحرم على الجنب، الأغسال المسنونة. ملحقان به: الأول - في أحكام المساجد، والثاني - في أحكام الحمامات. المطلب الأول - خصائص الغسل: الغسل المراد هنا بضم الغين أو فتحها: هو فعل الاغتسال، أو الماء الذي يغتسل به. وهو لغة: سيلان الماء على الشيء مطلقاً. والغسل بكسر الغين: ما يغسل به الشيء من أشنان وصابون ونحوه. والغسل شرعاً: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن على وجه مخصوص (١). وعرفه الشافعية بأنه: سيلان الماء على جميع البدن مع النية (٢). وعرفه المالكية بأنه: إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلاة مع الدلك (٣).

стр. 495

و الأصل في مشروعيته: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وهو أمر بتطهير جميع البدن، إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه كداخل العينين خارج عن الإرادة، لما في غسلهما من الضرر والأذى. و القصد منه التنظيف، وتجديد الحيوية وإثارة النشاط؛ لأن عملية الجنابة تؤثر في جميع أجزاء الجسد، فتزال آثارها بالاغتسال. وفي الغسل ثواب لامتثال أمر الشارع، قال النبي ﷺ فيما أخرجه: «الطُّهور شطر الإيمان» أي جزء منه، وهو يشمل الوضوء والغسل. و ركنه: عموم ما أمكن من الجسد، من غير حرج، بالماء الطهور. و سببه: إرادة ما لا يحل مع الجنابة، أو وجوبه (١). و حكمه: حل ماكان ممتنعاً قبله، والثواب بفعله، تقرباً إلى الله. أما الستر للغسل: فيجوز أن ينكشف للغسل في خلوة، أو بحضرة من يجوز له نظره إلى عورته، والستر أفضل، لقوله ﷺ لبَهْز بن حكيم: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ماملكت يمينك، قال: أرأيت إن كان أحدنا خالياً؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس» (٢). المطلب الثاني - موُجِبات الغسل: يسمى ما يوجب الغسل (حدثاً أكبر)، كما يسمى ما يوجب الوضوء (حدثاً أصغر). وموجبات الغسل على المكلف (البالغ العاقل) ذكراً أو أنثى عند الحنفية

стр. 496

سبعة أسباب، وعند المالكية: أربعة، وعند الشافعية خمسة، وعند الحنابلة ستة، وهي ما يأتي (١): ١ - خروج المني: أي بروزه إلى الظاهر من فرج الرجل أو المرأة، بلذة معتادة تدفقاً، في حال النوم أو اليقظة بنظر، أو فكر في جماع، أو بمباشرة فعلية، لإنسان حي أو ميت، أو بهيمة. إلا أن الحنفية لم يوجبوا الغسل بوطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة. والمني: هو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة. ومني المرأة رقيق أصفر ولا غسل للمذي والودي، أما المذي: فهو رقيق أبيض مائل إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله. وأما الودي فهو الغليظ من البول يعقب الرقيق منه. ويعرف المني كما أبان الشافعية: بتدفقه (بأن يخرج بدفعات)، أو لذة بخروجه مع فتور الذكر وانكسار الشهوة عقبه، وإن لم يتدفق لقلته، أو خرج على لون الدم، كما يعرف أيضاً بشم ريح عجين حنطة إذا كان رطباً، أو ريح بياض بيض دجاج أو نحوه إذا كان جافاً، وإن لم يلتذ منه ولم يتدفق، كأن خرج باقي منيه بعد غسله، فيجب عليه إعادة الغسل. والخلاصة: أن خروج المني ولو بحمل ثقيل أو سقوط من مكان مرتفع أو

стр. 497

وجوده في الثوب مطلقاً: موجب للغسل عند الشافعية، سواء بشهوة أو غيرها، خرج من طريقه المعتاد أو من غيره، كأن انكسر صلبه فخرج منيه، إلا أنه إذا خرج من غير طريقه المعتاد لمرض فلايجب الغسل به. وقال الحنابلة: إذا خرج المني بغير اللذة أو الشهوة كمرض، أو برد أو كسر ظهر، من غير نائم أو مجنو ن أو مغمى عليه أو سكران، لم يوجب غسلاً. وعلى هذا يكون نجساً يجب غسل المحل الذي أصابه، كما أن سلس المني لا غسل عليه، وإنما يجب الوضوء فقط. ومن رأى في ثوبه منياً فعليه الغسل. ومن رأى أنه قد احتلم ولم يجد منياً فلا غسل عليه باتفاق العلماء. وقال الحنفية: من موجبات الغسل احتياطاً: وجود بلل ظنه منياً بعد إفاقته من سكر أو إغماء. كما يجب الغسل عندهم بخروج مني الشخص منه بعد الغسل. ويشترط عند الحنفية في المني الموجب للغسل: إنزاله على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة، فلو خرج بسبب حمل ثقيل أو بسقوط من مكان لا يجب الغسل؛ لأن الجنب في آية ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]: من خرج منه المني على وجه الشهوة. واتفق أئمة الحنفية على أنه لا يجب الغسل إذا انفصل المني عن مقره من الصلب بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر. وهناك خلاف بينهم في أنه هل تشترط مقارنة الشهوة للخروج؟ فعند أبي حنيفة ومحمد: لا تشترط. وعند أبي يوسف: تشترط. وثمرة الخلاف تظهر: فيما لو احتلم فوجد اللذة، ولم ينزل حتى توضأ وصلى ثم أنزل، اغتسل، ولا يعيد الصلاة في رأيهما، ولايغتسل في رأيه. ولو اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول أو المشي، ثم خرج منه المني بلا شهوة، يجب إعادة الغسل عندهما، لا عنده. وقولهما أحوط لأن الجنابة قضاء الشهوة، فإذا وجدت مع الانفصال تحقق اسمها.

стр. 498

وقال المالكية كالحنفية والحنابلة: المني الموجب للغسل: هو الخارج بلذة معتادة، فإن لم يخرج بلذة معتادة، كأن خرج بنفسه لمرض أو ضربة أو سلس أو لدغة عقرب، فلاغسل، وعليه الوضوء فقط. كما أنه إذا خرج بلذة غير معتادة كمن حك لجرب بذكره، أو هزته دابة له، أو نزل بماء حار، فلا غسل وعليه الوضوء فقط، لكن في مسألة الماء الحار والجرب بغير الذكر، لا غسل ولو أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أمنى. لبعد الماء الحار عن شهوة الجماع. أما في مسألة هز الدابة أو الجرب بالذكر، فإن أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أنزل، وجب الغسل، لأنه أقرب لشهوة الجماع. ومن انتبه من نومه، فوجد بللاً في ثوبه أو بدنه، فشك هل هو مني أو مذي؟ وجب عليه الغسل؛ لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة. ولايجب بالاتفاق الغسل على امرأة بمني وصل للفرج ما لم تحبل منه، واتفقوا على أن رطوبة الفرج طاهرة، وغسله سنة. والدليل لوجوب الغسل بخروج المني: حديث علي قال: «كنت رجلاً مذَّاء، فسألت النبي ﷺ ، فقال: في المَذْي الوضوء، وفي المَنِيّ الغسل» (١) ولأحمد: «إذا حَذَفْت الماء فاغتسل من الجنابة، فإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل». وحديث أم سَلَمة: «أن أم سُلَيم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يسْتَحِي من الحق، فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟ فقال: تربت يداك، فيمَ يُشْبهها ولدها!!» (٢).

стр. 499

وقوله: «إذا رأت الماء» أي المني بعد الاستيقاظ. وتربت يداك أي افتقرت، ولا يراد ذلك وإنما للزجر (المرجع السابق: ص ٢١٩). وليس في المذي والودي غسل، وفيهما الوضوء، وغسل الذكر، لقوله ﵊: «كل فحل يمذي، وفيه الوضوء» (١). ٢ - التقاء الختانين (٢) ولو من غير إنزال: أو الجنابة بمغيب حَشَفة (رأس الذكر) أو قدرها من مقطوعها في فرج مطيق للجماع، قبلاً أو دبراً، من ذكر أو أنثى، طائع أو مكره، نائم أو يقظان. ولو من غير بالغ عند الشافعية والحنابلة، فلا يشترط التكليف، فيجنب الصبي والمجنون بالإيلاج، ويجب عليهما الغسل عند الشافعية بعد الكمال، ويصح الغسل من مميز ويؤمر به كالوضوء. وأوجب الحنابلة على صغير ابن عشر وطئ، وبنت تسع وطئت الغسل والوضوء إذا أرادا ما يتوقف عليه الغسل كقراءة القرآن، أو الوضوء كالصلاة والطواف. واشترط المالكية والحنفية: أن يكون الوطء من مكلف (بالغ عاقل) فلا يجب الغسل على غير مكلف. ويندب عند المالكية في المعتمد الغسل للمراهق والصغيرة التي وطئها بالغ، وقال الحنفية: يمنع المراهق من الصلاة حتى يغتسل، ويؤمر به ابن عشر تأديباً. ولا يشترط الإنزال بالاتفاق لأن حديث «إنما الماء من الماء» منسوخ بالإجماع، إلا أن الحنفية استثنوا وطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة إذا لم تزل بكارتها، فلا يجب الغسل إلا بالإنزال، فإن لم يوجد إنزال ولم تزل بكارة الصغيرة فلا يجب الغسل ولا الوضوء، وإنما يجب فقط غسل الذكر؛ لأن هذا الوطء غير مقصود في الطبع السليم (٣).

стр. 500

وقال الجمهور: يجب الغسل بوطء الميتة والبهيمة، لأنه إيلاج في فرج كوطء الآدمية في حياتها، ووطء الآدمية الميتة داخل في عموم الأحاديث الآتية الموجبة للغسل. وسواء أكان الوطء عند المالكية والشافعية بحائل أم بغير حائل، يوجب الغسل، إلا أن المالكية قالوا: الموجب للغسل فيما إذا لف الذكر بخرقة خفيفة لا كثيفة. وقال الشافعية: يجب الغسل ولو كان على الذكر خرقة خفيفة أو غليظة. وقال الحنيفة والحنابلة: لا يجب الغسل في حالة عدم الإنزال بإيلاج بحائل كأن يلف على ذكره خرقة أو يدخله في كيس. واشترط الحنابلة والشافعية: أن يكون الإيلاج في فرج أصلي، فلا غسل بلا إنزال بإيلاج في غير أصلي كإيلاج رجل في قبل الخنثى، لعدم الفرج الأصلي بيقين، أو إيلاج الخنثى ذكره في قبل أو دبر بلا إنزال، لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين. واشترط المالكية وغيرهم: أن يكون الإيلاج في فرج مطيق، فلا غسل في حالة عدم الإنزال: بإيلاج بعض الحشفة أو بإيلاج في فرج غير مطيق أو ما دون الفرج كالتفخيذ والتبطين، والتغييب بين الشفرين، أو في هوى الفرج، والتصاق الختانين بدون إيلاج، والسحاق (إتيان المرأة المرأة)، كل ذلك لا غسل فيه بلا إنزال. والأدلة على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين: قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطَّهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وأحاديث كثيرة: منها حديث «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، وإن لم ينزل» (١) وحديث «إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ثم

стр. 501

جَهَدها، فقد وجب عليه الغسل» (١)، ولمسلم وأحمد: «وإن لم ينزل». وحديث «إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الخِتانُ الختانَ، فقد وجب الغسل» (٢)، ولفظ الترمذي: «إذا جاوز الختان الختان، وجب الغسل» وحديث أبي بن كعب قال: «إن الفُتْيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء، رُخْصة، كان رسول الله ﷺ رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها» (٣)، وفي لفظ للترمذي وصححه: «إنما كان الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها». فدل على أن حديث رافع بن خديج عند أحمد: «الماء من الماء» منسوخ. وبه يرد على الأنصار الذين كانوا يقولون: لا يجب الغسل بالإكسال (أي من غير إنزال)، إذ إن هذه الأحاديث صريحة في إيجاب الغسل من التقاء الختانين، أنزل أو لم ينزل، وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك. وليس المراد من التقاء الختانين، تجاورهما أو انضمامهما فقط، وإنما مجاوزة الختان الختان، فهو مجاز أريد به الإيلاج أو إدخال الحشفة في الفرج (القبل أو الدبر) إذ الختانان محل القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول، ومخرج البول فوق مدخل الذكر. وصرح الحنابلة وغيرهم بأنه يعاد غسل الميتة الموطوءة. ٣، ٤ - الحيض والنفاس: هذان يوجبان الغسل بالاتفاق، أما الحيض فلقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢]، ولخبر البخاري ومسلم أنه ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي».

стр. 502

وأما النفاس: فلأنه دم حيض مجتمع. وانقطاع دم الحيض والنفاس شرط وجوب الغسل وصحته، بدليل قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢]، يعني: إذا اغتسلن، قيل: منع الزوج وطأها قبل الغسل، فدل على وجوبه عليها. أما الولادة بلا بلل: فتوجب الغسل في المعتمد عند المالكية وفي المختار عند الحنفية، وفي الأصح عند الشافعية، لأن المولود ولو كان عند الشافعية علقة أو مضغة: مني منعقد؛ ولأنه لايخلو عن بلل غالباً، فأقيم مقامه، كالنوم مع الشيء الخارج، وتفطر به المرأة. بخلاف ما لو ألقت يداً أو رجلاً أو نحو ذلك، فإنه لا يجب عليها الغسل، ولا تفطر به، بل تتخير بين الغسل والوضوء. وقال الحنابلة على الراجح: لا يجب الغسل بولادة عريت عن دم؛ لأنه لانص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، فلا يبطل الصوم، ولا يحرم الوطء بها قبل الغسل، ولا يجب الغسل بإلقاء علقة أو مضغة لأن ذلك ليس بولادة، والولد طاهر، ومع الدم يجب غسله، كسائر الأشياء المتنجسة. ولا يجب الغسل بدم الاستحاضة، لكن يندب إذا انقطع. ٥ - موت المسلم غير الشهيد: يجب تعبداً باتفاق المذاهب الأربعة على المسلمين وجوب كفاية غسل الميت المسلم غير الشهيد، الذي لا جنابة منه، لقوله ﷺ في الذي سقط عن راحلته فمات: «اغسلوه بماء وسِدْر، وكفِّنوه في ثوبين» (١) فهو دليل على وجوب غسل الميت، وقد غسل النبي ﷺ ، وأبو بكر بعده، وتوارثه المسلمون.

стр. 503

٦ - إسلام الكافر، ولو مرتداً أو مميزاً: أوجب المالكية والحنابلة الغسل على الكافر إذا أسلم، لحديث قيس بن عاصم: «أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر» (١). وقال الحنفية والشافعية: إنه يستحب إذا لم يكن جنباً، ويجزئه الوضوء، لأنه لم يأمر النبي ﷺ كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجباً لما خص بالأمر به بعضاً دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب. ويجب الغسل على الكافر إذا أسلم جنباً: للأدلة القاضية بوجوبه، مثل آية: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]؛ لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم. خلاصة ما يوجب الغسل وما لا يوجبه: هذه موجبات الغسل الستة عند الحنابلة. أما الأسباب السبعة عند الحنفية فهي: خروج المني إلى ظاهر الجسد بشهوة، وتواري حشفة أو قدرها من مقطوعها في أحد سبيلي آدمي حي، وإنزال المني بوطء ميتة أو بهيمة، ووجود ماء رقيق بعد النوم إذا لم يكن ذكره منتشراً قبل النوم، ووجود بلل ظنه منياً بعد إفاقته من سكر أو إغماء، وحيض، ونفاس، ثم أضافوا إليها: ويفترض تغسيل الميت كفاية. والأربعة عند المالكية: هي خروج المني، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس. والخمسة عند الشافعية: هي موت، وحيض، ونفاس، وولادة بلا بلل في الأصح، وجنابة بدخول حشفة أو قدرها فرجاً وبخروج مني من طريقه المعتاد وغيره.

стр. 504

ثم قال الحنفية: عشرة أشياء لا يغتسل منها: مذي، وودي، واحتلام بلا بلل، وولادة من غير رؤية دم بعدها، في قول أبي حنيفة، والأصح كما أبان ابن عابدين وجوب الغسل لها احتياطاً، وإيلاج بخرقة ما نعة من وجود اللذة على الأصح، وحقنة، وإدخال أصبع ونحوه في أحد السبيلين، ووطء بهيمة أو ميتة من غير إنزال، وإصابة بكر لم تُزل الإصابة بكارتها من غير إنزال. ويلاحظ أنه إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل، كالحيض والجنابة، أو التقاء الختانين والإنزال، أجزأه غسل واحد، كما تنوب عند الجمهور نية الغسل عن الوضوء لدخوله تحته، بخلاف العكس، وقال الحنابلة: لابد من نية الوضوء أيضاً. المطلب الثالث - فرائض الغسل: ثبتت فرضية الغسل بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وقوله سبحانه: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء:٤٣/ ٤]. صفة غسل النبي ﷺ : إن كيفية الغسل الكامل عرفت بالسنة: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ (١)، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حَفَن على رأسه ثلاث حَفَنات (٢)، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه» (٣).

стр. 505

وقد أوجب العلماء في الغسل ما يأتي (١): ١ - تعميم الجسد شعره وبشره بالماء الطهور: هذا متفق عليه بين الفقهاء، فيجب تعميم (أو إعمام وهو الأصح) الشعر والبشرة بالماء مرة واحدة، حتى لو بقيت بقعة يسيرة لم يصبها الماء، يجب غسلها، ويجب تعهد مواطن تجاعيد البدن، كالشقوق التي في البدن أي التكاميش والسُّرة، والإبطين وكل ما غار من البدن، بصب الماء عليها، لقوله ﷺ من حديث أبي هريرة: «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشَّعرَ، وأنْقُوا البَشَر» (٢). قال الحنفية: يجب غسل سائر البدن مما يمكن غسله من غير حرج كأذن وسرة وشارب وحاجب وداخل لحية وشعر رأس، وخارج فرج، ولا يجب غسل ما فيه حرج كداخل عين وداخل قُلْفة، والأصح أنه يندب عند الحنفية. وهل يجب نقض ضفائر الشعر؟ للعلماء آراء متقاربة: قال الحنفية: يكفي بلُّ أصل الضفيرة (٣) أي شعر المرأة المضفور، دفعاً للحرج، أما المنقوض، فيفرض غسله كله اتفاقاً، ولو لم يبتل أصل الضفيرة بأن كان متلبداً أو غزيراً، أو مضفوراً ضفراً شديداً لا ينفذ فيه الماء، يجب نقضها مطلقاً، على الصحيح، لكن لو ضرها غسل رأسها تركته، وقيل: تمسحه، ولا تمنع نفسها عن زوجها. ويجب عند الحنفية غسل داخل قُلْفة، لا عسر في فسخها،

стр. 506

كما يجب نقض ضفائر الرجل وغسل أصول الشعر مطلقاً. وكذلك قال المالكية: لا يجب على المغتسل نقض مضفور شعره، ما لم يشتد الضفر، حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة، أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البشرة، أو إلى باطن الشعر. ودليل الحنفية والمالكية: حديث أم سلمة، قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة أو الحيضة؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حَثَيات» (١). وقال الشافعية: يجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض، لكن يعفى عن باطن الشعر المعقود، ولا يجب غسل الشعر النابت في العين والأنف، وإن كان يجب غسله من النجاسة. ويجب غسل الأظفار، وما يظهر من صماخي الأذنين، وما تحت القُلْفة من الأقلف (غير المختون)، بدليل حديث أبي هريرة المتقدم الدال على وجوب إيصال الماء إلى الشعر والبشرة. وقيدوا حديث أم سلمة بحالة وصول الماء إلى الضفائر من غير نقض. أما الإمام أحمد ففرق بين الحيض والجنابة، وقال: تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض والنفاس، وليس عليها نقضه من الجنابة إذا أروت أصوله، عملاً في الجنابة بحديث أم سلمة. ودليل نقضه من الحيض: ماروت عائشة: أن النبي ﷺ قال لها إذ كانت حائضاً: «خذي ماءك وسدرك وامتشطي» (٢) ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور، وللبخاري: «انقضي رأسك وامتشطي» ولابن

стр. 507

ماجه «انقضي رأسك وامتشطي» لكن قال ابن قدامة: النقض من الحيض مستحب، وهو الصحيح إن شاء الله، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: «أفأنقضه للحيض؟ قال: لا». والخلاصة: أن المذاهب الأربعة متفقة على أن نقض الشعر للمرأة غير واجب إن وصل الماء لأصول الشعر لحديث أم سلمة المتقدم. وإذا بقيت لُمْعة من الجسد لم يصبها الماء، يجزئه غسلها، والصحيح عند الحنابلة أنه يجزئه مايصيبها من بلل شعره في الغسلة الثانية أو الثالثة وجرى ماؤه على تلك اللمعة، لأن غسلها بذلك البلل كغسلها بماء جديد، مع ما فيه من الأحاديث. روى أحمد عن النبي ﷺ «أنه رأى على رجل موضعاً لم يصبه الماء، فأمره أن يعصر شعره عليه». أما غسل بشرة الرأس: فواجب، سواء أكان الشعر كثيفاً أم خفيفاً، وكذلك ما تحت الشعر كجلد اللحية وغيرها، لما روت أسماء: «أنها سألت النبي ﷺ عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ إحداكن ماء، فتطهر، فتحسن الطهور - أو تبلغ الطهور - ثم تصب على رأسها، فتدلكه، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء» (١). وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل الله به كذا وكذا من النار، قال علي: فمن ثم عاديت شعري، زاد أبو داود: وكان يجزّ شعره ﵁» (٢)، ولأن ما تحت الشعر بشرة أمكن إيصال الماء إليها من غير ضرر، فلزمه كسائر بشرته.

стр. 508

وأما غسل المسترسل من الشعر: فواجب عند الشافعية، لحديث أبي هريرة السابق «إن تحت كل شعرة جنابة»، ولأنه نابت في محل الغسل، فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين. ولا يجب عند الحنفية والمالكية، لحديث أم سلمة السابق في عدم نقض الشعر، مع إخبارها إياه بشد ضفر رأسها، ولأنه لو وجب بلُّه، لوجب نقضه ليعمه الغسل. وعند الحنابلة وجهان: كالرأيين المذكورين، أرجحهما الوجوب كالشافعية. ويعركه عند صب الماء حتى يصل إلى البشرة فلا يجب إدخال أصابعه تحته، ويعرك بها البشرة. وكذا يجب عندهم تخليل أصابع الرجلين واليدين، أما في الوضوء فيندب تخليل أصابع رجليه ويجب تخليل أصابع اليدين، ومن الفرائض عند المالكية: تخليل شعره ولو كثيفاً، سواء أكان شعر رأس أم غيره، ومعنى تخليله: أن يضمه. ٢ - المضمضة والاستنشاق: أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق، عملاً بقوله تعالى: ﴿وإنْ كنتُمْ جُنُباً فاطَّهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، وبحديث «ثم تفيضين عليك الماء» ففيهما طلب تطهير جميع البدن وتعميمه بالماء (١). وقال المالكية والشافعية: إنهما سنة في الغسل كالوضوء لحديث: «عشر من الفطرة» وذكر منها المضمضة والاستنشاق (٢).

стр. 509

٣ - النية عند غسل أول جزء من البدن: أي نية فرض الغسل، أو رفع الجنابة أو الحدث الأكبر، أو استباحة ممنوع مفتقر إليه، كأن ينوي استباحة الصلاة أو الطواف مما يتوقف على غسل، فإن نوى ما لا يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد، لم يصح. ومحل النية في القلب، وتكون مقرونة بأول فرض: وهو أول ما يغسل من البدن، سواء أكان من أعلاه أم من أسفله، إذ لا ترتيب فيه. وأوجب الجمهور (غير الحنفية) النية للغسل كالوضوء، للحديث: «إنما الأعمال بالنيات». والابتداء بالنية عند الحنفية سنة، ليكون فعله تقرباً يثاب عليه، كالوضوء. أما التسمية فهي سنة عند الجمهور، فرض عند الحنابلة كالوضوء، لكنهم ذكروا أن حكمها في الجنابة أخف؛ لأن حديث التسمية إنما تناول بصريحه الوضوء لا غير. ٤ - الدلك والموالاة والترتيب: اتفق الفقهاء على عدم إيجاب الترتيب في الغسل، فيصح البدء بأعلى الجسد أو بأسفله. وأوجب المالكية دون غيرهم الدلك ولو بخرقة، والموالاة إن ذكر وقَدَر كالوضوء، والدلك هنا: إمرار العضو على ظاهر الجسد، يداً أو رجلاً، فيكفي دلك الرِجْل بالأخرى، ويكفي الدلك بظاهر الكف وبالساعد والعضد، بل يكفي بالخرقة عند القدرة، باليد على الراجح: بأن يمسك طرفيها بيديه، ويدلك بوسطها، أو بحبل كذلك، ويكفي ولو بعد صب الماء وانفصاله عن الجسد ما لم يجف، فإن تعذر الدلك، سقط. ويكفي تعميم الجسد بالماء كما في سائر الفرائض، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

стр. 510

والموالاة فريضة كما في الوضوء، فإن فرق عامداً بطل إن طال، وإلا بنى (كمل) على ما فعل بنية. ولم يوجب غير المالكية الدلك والموالاة؛ لأن الآية: ﴿فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، والأحاد يث ليس فيها تعرض لوجوبهما. خلاصة فرائض الغسل في المذاهب: ١ - مذهب الحنفية: يفترض في الغسل أحد عشر شيئاً: غسل الفم، والأنف، والبدن مرة، وداخل قُلْفة لا عسر بلا مشقة في فسخها، وسرة، وثقب غير منضم، وداخل المضفور من شعر المرأة إن سرى الماء في أصوله، وبشرة اللحية، وبشرة الشارب، والحاجب، والفرج الخارج (الظاهر)، لكن الأصح أنه يندب غسل داخل القلفة (الجلدة التي يقطعها الخاتن) ولا يجب. ٢ - مذهب المالكية: فرائض الغسل خمسة: نية فرض الغسل، أو رفع الحدث، أو استباحة ممنوع، بأول مفعول، بأن ينوي بقلبه أداء فرض الغسل، أو ينوي رفع الحدث الأكبر، أو رفع الجنابة، أو ينوي استباحة ما منعه الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة مثلاً. وموالاة إن ذكر وقدر كالوضوء، وتعميم ظاهر الجسد بالماء، ودلك ولو بعد صبه وإن بخرقة، وتخليل شعر وأصابع رجليه ويديه. ٣ - مذهب الشافعية: الواجب في الغسل ثلاثة أشياء: النية، وإزالة النجاسة إن كانت، وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة وما عليها من الشعر حتى يصل الماء إلى ما تحته. وما زاد على ذلك سنة.

стр. 511

٤ - مذهب الحنابلة: واجبات الغسل أحد عشر شيئاً: إزالة مابه من نجاسة أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد، والنية، والتسمية، وتعميم بدنه بالغسل حتى فمه وأنفه، فتجب المضمضة، والاستنشاق في الغسل كالوضوء، ويجب غسل ظاهر شعره وباطنه، من ذكر أو أنثى، مسترسلاً كان أو غيره، مع نقض الشعر لغسل حيض ونفاس، لا غسل جنابة إذا روَّت أصوله. ويجب غسل حشفة أقلف (غير مختون) إن أمكن تشميرها، وغسل ما تحت خاتم ونحوه، فيحركه ليتحقق وصول الماء إلى ما تحته، وغسل ما يظهر من فرج المرأة عند قعودها لقضاء حاجتها؛ لأنه في حكم الظاهر، ولا يجب غسل داخله، ولا غسل داخل عين، بل ولا يستحب ولو أمن الضرر. ولا يجب الترتيب ولا الموالاة في أعضاء الوضوء؛ لأن الغسل يجزئ عنهما، لأنهما عبادتان دخلت إحداهما في الأخرى، فسقط حكم الصغرى، كالعمرة مع الحج. ولا يجب الدلك إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده. المطلب الرابع - سنن الغسل: أوضحت كيفية غسل النبي ﷺ وهو دليل لصفة الغسل الكامل الشامل للواجب والسنة: وهو ما اجتمع فيه عشرة أشياء كما فهم الحنابلة (١): النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثاً، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيده، وينتقل من موضع غسله، فيغسل قدميه. ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه.

стр. 512

وترتيب سنن الغسل التي يتحقق بها كماله على اختلاف المذاهب ما يأتي (١): ١ - البدء بغسل اليدين والفرج، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، وينوي كما أبان الشافعية عن غسل القبل والدبر، فيقول: نويت رفع الجنابة عن هذين المكانين وما بينهما. ٢ - ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. والأولى عند الحنفية تأخير غسل رجليه إن كان المغتسل واقفاً في مكان يجتمع فيه الماء كالطَّست، ثم يتنحى عن ذلك المكان ويغسلهما، وإلا قدمه إذا كان مثلاً واقفاً على لوح أو قبقاب أو حجر. وبالوضوء تتحقق المضمضة والاستنشاق الواجبان عند الحنفية والحنابلة. ويمسح عند المالكية صماخ أذنيه أي ثقبيهما، ولا يبالغ فإنه يضر السمع، وأما ظاهرهما وباطنهما فمن ظاهر الجسد، يجب غسله عندهم. ٣ - ثم يتعهد عند الشافعية معاطف جسده، كأن يأخذ الماء بكفه، فيجعله على المواضع التي فيها انعطاف والتواء، كالأذنين، وطبقات البطن، وداخل السرة؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء، ويتأكد ذلك في الأذن، فيأخذ كفاً من ماء، ويضع الأذن عليه برفق، ليصل الماء إلى معاطفه وزواياه ويتفقد تحت حلقه، وإبطيه، وحالبيه (وهما العرقان اللذان يكتنفان السرة). ٤ - ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله، وعلى سائر جسده، ثلاثاً، بادئاً بشقه الأيمن ثم الأيسر، لما تقدم أنه ﷺ : «كان يعجبه التيمن في طهوره»، وتخليل شعره

стр. 513

وتفقد أصوله لحديث «تحت كل شعرة جنابة» ويسن أن يدلُك بدنه بيديه؛ لأنه أنقى، وبه يتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه، وبه يخرج من خلاف من أوجبه وهم المالكية. ويكفي الظن في الإسباغ أي في وصول الماء إلى البشرة؛ لأن اعتبار اليقين حرج ومشقة. قال الحنفية: ولو انغمس في الماء الجاري أو ما في حكمه ومكث، فقد أكمل السنة. وقال المالكية: يجزئ غسل الجنابة عن غسل الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر ولو لم ينو الأصغر إذا لم يحصل له ناقض من مس ذكر أو غيره، وكذلك قال الشافعية على المذهب: يكفي الغسل، سواء أنوى الوضوء معه أم لا. وقال الحنابلة: يجزئ الغسل عن الوضوء بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركاً للأفضل والأولى. وتسن عند غير المالكية الموالاة في الغسل عند غسل جميع أجزاء البدن، لفعله ﷺ . وعند المالكية: هي فرض. كما يسن الترتيب بالبداءة بالرأس، ثم بالمنكب الأيمن، ثم الأيسر. ولا يجب الترتيب بالاتفاق؛ لأن البدن شيء واحد، بخلاف أعضاء الوضوء، وبناء عليه لو ترك لمعة في الجسد أو محل جبيرة أعاد غسلها فقط دون ما بعدها. أما نقض الضفائر فلا يجب عند المالكية ما لم يشتد، ولا يجب في الجنابة ويجب في الحيض في رأي الحنابلة، ولا يجب للمرأة إن سرى الماء في أصوله، ويجب للرجل مطلقاً عند الحنفية.

стр. 514

ويجب النقض لدى الشافعية إن لم يصل الماء إلى باطن الشعر، كما أبنت قريباً. وفي الجملة يسن نقض الضفائر لحديث عائشة: أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضاً: «انقضي شعرك واغتسلي» (١). ويسن عند الحنابلة سدر، أي صابون في غسل كافر أسلم، لحديث قيس بن عاصم السابق: «أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر» (٢)، ويسن له إزالة شعره، فيحلق رأسه، إن كان رجلاً، ويأخذ عانته وإبطيه مطلقاً، لقوله ﷺ لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (٣) ويختتن الكافر إذا أسلم وجوباً بشرط كونه مكلفاً، وألا يخاف على نفسه منه. ويسن عند الحنابلة أيضاً سدر في غسل حيض ونفاس، لحديث عائشة المتقدم: أن النبي ﷺ قال لها: «وإذا كنت حائضاً، خذي ماءك وسدرك وامتشطي» (٤) وروت أسماء أنها «سألت النبي ﷺ عن غسل الحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر» (٥). ويسن عند الشافعية والحنابلة: أن تتبع المرأة غير المحرمة بنسك، أو المحدّة (المعتدة) (٦) أثر دم الحيض والنفاس مِسْكاً أو طيباً، أو ماء، فتجعله في قطنة أو غيرها كخرقة، وتدخله فرجها بعد غسلها، ليقطع رائحة الحيض أو النفاس، لما روى الشيخان عن عائشة ﵂: «أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ تسأله عن

стр. 515

الغسل عن الحيض، فقال: خذي فِرْصة (١) من مسك، فتطهري بها، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال ﷺ : سبحان الله، واستتر بثوبه، تطهري بها، فاجتذبتها عائشة، فعرفتها أنها تتبع بها أثر الدم» ويكره تركه بلا عذر. ولا يسن تجديد الغسل؛ لأنه لم ينقل فيه شيء، ولما فيه من المشقة، بخلاف الوضوء فيسن تجديده إذا صلى بالأول صلاة ما. مقدار ماء الغسل والوضوء: ويسن عند الشافعية والحنابلة: ألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ تقريباً: وهو رطل وثلث بغدادي، ويساوي (٦٧٥) غم، وألا ينقص ماء الغسل عن صاع تقريباً، وهو أربعة أمداد، ويساوي (٢١٧٥) غم، لحديث مسلم عن سُفَينة: «أنه ﷺ كان يغسله الصاع، ويوضئه المد» (٢). ولاحدّ لأقل ماء الوضوء والغسل، فلو نقص عن ذلك وأسبغ كفى، روى أبو داود والنسائي: «أنه ﷺ توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مدّ» ولأن الله تعالى أمر بالغسل، وقد فعله، ولم يكره، والإسباغ في الوضوء والغسل: تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحاً، لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم .. ﴾ [المائدة:٦/ ٥]، والمسح ليس غسلاً. فإن مسح العضو بالماء، أو أمرَّ الثلج عليه، لم تحصل الطهارة به؛ لأن ذلك مسح لا غسل، إلا أن يكون الثلج خفيفاً فيذوب، ويجري على العضو، فيجزئ، لحصول الغسل المطلوب. وإن زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل جاز، بدليل قول عائشة: «كنت أغتسل أنا

стр. 516

والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال: الفَرَق» (١) والفرق ستة عشر رطلاً عراقياً. وقال الحنفية والمالكية: لا تقدير للماء الذي يتطهر به في الغسل والوضوء لاختلاف أحوال الناس، ويراعي المغتسل حالاً وسطاً من غير إسراف ولا تقتير. آداب الغسل: فرق المالكية والحنفية بين سنن الغسل وآدابه أو فضائله. فقال المالكية (٢): سننه خمس: وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، وتخليل أصول شعر الرأس بإدخال الأصابع تحته. أما تخليل الشعر بدون إدخال الأصابع تحته فهو أحد فرائض الغسل عندهم كما أبنت. وقد أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق. وأوجب الشافعية تخليل شعر الرأس. وفضائله خمس: التسمية، والغرف على الرأس ثلاثاً، وتقديم الوضوء، والبداءة بإزالة الأذى قبل الوضوء، والبدء بالأعالي والميامن. وقال الحنفية (٣): يسن في الاغتسال اثنا عشر شيئاً، الابتداء بالتسمية، والنية، وغسل اليدين إلى الرسغين، وغسل نجاسة لو كانت بانفرادها، وغسل فرجه، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، فيثلث الغسل ويمسح الرأس، ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء، ثم يفيض الماء على بدنه

стр. 517

ثلاثاً، ويبتدئ في صب الماء برأسه، ويغسل بعدها منكبه الأيمن، ثم الأيسر، ويدلك جسده. وآداب الاغتسال: هي آداب الوضوء، إلا أنه لا يستقبل القبلة؛ لأنه يكون غالباً مع كشف العورة. المطلب الخامس - مكروهات الغسل: قال الحنفية (١): كره في الغسل ما كره في الوضوء وهي ستة أشياء: الإسراف في الماء، والتقتير فيه، وضرب الوجه به، والتكلم بكلام الناس، والاستعانة بغيره من غير عذر. ويزاد فيه كراهة الدعاء. أما في الوضوء، فيندب الدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو، كما بينت. وقال المالكية (٢): مكروهات الغسل خمسة: هي الإكثار من صب الماء، والتنكيس في عمله، وتكرار غسل الجسد إذا أوعب، والاغتسال في الخلاء، والكلام بغير ذكر الله. وقال الشافعية (٣): يكره الإسراف في الصب والغسل، والوضوء والاغتسال في الماء الراكد، والزيادة على الثلاث، وترك المضمضة والاستنشاق، ويكره للجنب ومنقطعة الحيض والنفاس: الأكل والشرب والنوم والجماع قبل غسل الفرج والوضوء. وقال الحنابلة (٤): يكره الإسراف في الماء ولو على نهرٍ جارٍ، لحديث ابن

стр. 518

عمر: «أن النبي ﷺ مرّ على سعد، وهو يتوضأ، فقال: ما هذا الإسراف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهرٍ جار» (١). ويكره لمن توضأ قبل غسله إعادة الوضوء بعد الغسل، لحديث عائشة، قالت: «كان ﷺ لايتوضأ بعد الغسل» إلا أن ينتقض وضوءه بمس فرجه أو غيره، كمس امرأة لشهوة، أو بخروج خارج، فيجب عليه إعادته للصلاة ونحوها. ويكره للجنب ومنقطعة دم الحيض والنفاس ترك الوضوء لنوم فقط، ولا يكره تركه لأكل وشرب ومعاودة وطء، وإنما يستحب لهما الوضوء. بدليل ما روى ابن عمر أن عمر قال: «يا رسول الله، أيرقد أحدنا، وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ فليرقد» وعن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ وضوءه للصلاة» (٢). وأما استحباب الوضوء للأكل والشرب، فلما روت عائشة قالت: «رخص النبي ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة» (٣). وأما كون الوضوء يستحب لمعاودة الوطء، فلحديث أبي سعيد، قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود، فليتوضأ بينهما وضوءاً» (٤) وزاد الحاكم: «فإنه أنشط للعود» لكن الغسل لمعاودة الوطء أفضل من الوضوء؛ لأنه أنشط. ولا يكره عند الحنابلة للجنب أو الحائض والنفساء أن يأخذ شيئاً من شعره وأظفاره، ولا أن يختضب قبل الغسل، نصاً.

стр. 519

وقال الغزالي في الإحياء: لا ينبغي أن يقلم أو يحلق أو يستحد (يحلق العانة) أو يخرج دماً أو يبين من نفسه جزءاً وهو جنب، إذ يرد إليه سائر أجزائه في الآخرة، فيعود جنباً، ويقال: إن كل شعرة تطالب بجنابتها (١). المطلب السادس: ما يحرم على الجنب ونحوه: يحرم على الجنب والحائض والنفساء ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر: من صلاة وطواف ومس مصحف أو جزئه، كما يحرم على الجنب قراءة القرآن ودخول المسجد، وتعرف الأحكام من التفصيل التالي (٢): ١ - الصلاة ومثلها سجود التلاوة: تحرم على الجنب ونحوه إجماعاً، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة:٦/ ٥]. ٢ - الطواف حول الكعبة: ولو نفلاً؛ لأنه صلاة كما في الحديث المتقدم: «إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام» (٣). ٣ - مس القرآن، لقوله تعالى: ﴿لايمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة:٧٩/ ٥٦] أي (المتطهرون) ولقوله ﷺ : «لايمس القرآن إلا طاهر» (٤).

стр. 520

و هذه الأمور الثلاثة تحرم على المحدث حدثاً أكبر أو أصغر، ويزاد عليها للجنب ونحوه أيضا ً: ٤ - تلاوة القرآن للمسلم بلسانه، ولو لحرف، أو ولو دون آية على المختار عند الحنفية، والشافعية، بقصد القراءة: فلو قصد الدعاء أو الثناء أو افتتاح أمر، أو التعليم، أو الاستعاذة، أو الأذكار، فلا يحرم، كقوله عند الركو ب: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين﴾ [الزخرف:١٣/ ٤٣] أي مطيقين، وعند النزول: ﴿وقل: ربِّ أنزلني منزلاً مباركاً﴾ [المؤمنون:٢٩/ ٢٣]. وعند المصيبة: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة:١٥٦/ ٢]. كما لا يحرم إذا جرى القرآن على لسانه بلا قصد، فإن قصد القرآن وحده أو مع الذكر، حرم. ولا تحرم البسملة والحمد لله والفاتحة وآية الكرسي وسورة الإخلاص بقصد الذكر: أي ذكر الله تعالى، لما روى مسلم عن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه». والمحرَّم بالجنابة: التلاوة لفظاً من الناطق، وإشارةٍ من الأخرس؛ لأنها بمنزلة النطق، ولو كان المتلو بعض آية، كحرف، للإخلال بالتعظيم. ودليل التحريم: حديث ابن عمر عند الترمذي وأبي داود: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن» (١)، وحديث علي: «كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جنباً» (٢).

стр. 521

وأجاز الحنابلة للجنب: قراءة بعض آية، ولو كرره، لأنه لا إعجاز فيه، ما لم تكن طويلة. كما أجازوا له مع الحنفية تهجية القرآن؛ لأنه ليس بقراءة له، وله قراءة لا تجزئ في الصلاة لإسرارها، وله أن ينظر في المصحف من غير تلاوة، وأن يقرأ عليه وهو ساكت؛ لأنه في هذه الحالة لا ينسب إلى القراءة. وضبط المالكية ما يجوز للجنب من القراءة اليسيرة: بأنها ما الشأن أن يتعوذ به كآية الكرسي، والإخلاص والمعوذتين، أو لأجل رقيا للنفس أو للغير من ألم أو عين، أو لأجل استدلال على حكم نحو: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة:٢٧٥/ ٢]. والمعتمد عند المالكية: أنه لا يحرم قراءة القرآن القليلة على الحائض والنفساء حال استرسال الدم عليها، سواء أكانت جنباً أم لا، إلا بعد انقطاعه وقبل غسلها، فلا تقرأ بعد انقطاعه مطلقاً حتى تغتسل. ودليلهم الاستحسان لطول مقامها حائضاً. واتفق الفقهاء على أنه لا يحرم النظر في القرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين الناظرة. ٥ - الاعتكاف في المسجد إجماعاً، ودخول المسجد مطلقاً ولو عبوراً أو مجتازاً، عند الحنفية والمالكية، لما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة، قالت: «جاء رسول الله ﷺ ، وبيوت الصحابة شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (١) ولحديث أم سلمة قالت:

стр. 522

دخل رسول الله ﷺ صرحة المسجد، فنادى بأعلى صوته: إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب» (١). والمراد بعابري سبيل في الآية: المسافرون، فالمسافر مستثنى من النهي عن الصلاة بلا اغتسال، وبينت الآية أن حكمه التيمم، واكتفى الشافعية والحنابلة بالنسبة للجنب ونحوه (٢) بتحريم المكث في المسجد أو التردد فيه لغير عذر، وأباحوا له عبور المسجد، ولو لغير حاجة، لقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، حتى تعلموا ماتقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل﴾ [النساء:٤٣/ ٤] وهو الطريق. وروي سعيد بن منصور عن جابر، قال: «كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً» وروى أيضاً عن زيد بن أسلم قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون في المسجد وهم جنب». لكن إباحة عبور المسجد للحائض والنفساء مقيد بما إذا أمنت تلويثه، فإن خافت تلويثه منعت وحرم عليها الدخول فيه، كالمكث فيه. المطلب السابع - الأغسال المسنونة: الغسل قد يكون واجباً: كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس، واعتناق الإسلام عند المالكية والحنابلة. وقد يكون سنة، وقد يكون مندوباً أو مستحباً عند الحنفية والمالكية.

стр. 523

والأغسال المسنونة هي مايأتي (١): ١ - الغسل لصلاة الجمعة: لأحاديث متعددة، منها حديث أبي سعيد مرفوعاً: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (٢) والإيجاب محمول على أنه مسنون مؤكد الاستحباب، لأحاديث أخرى: وهي حديث سمرة: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (٣) وحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت» (٤). والغسل مسنون لحاضر الجمعة في يومها بدءاً من طلوع الفجر إلى الزوال، ويشترط عند المالكية اتصاله بالرواح إلى المسجد لحديث رواه الجماعة عن ابن عمر: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» وهذا الغسل عند المالكية والصحيح عند الحنفية للصلاة. وعند غيرهم: الغسل ليوم الجمعة. وتظهر ثمرة الخلاف فيمن اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث، فتوضأ وصلى الجمعة، لم تحصل له السنة عند الأولين، وتحصل له عند الآخرين. ولا يعتبر الغسل بعد صلاة الجمعة إجماعاً. ومن اغتسل لجنابة أو نحوها كحيض، مع غسل جمعة أو عيد، أجزأه الغسل

стр. 524

عنهما إذا نوى الجنابة وأتبعها الجمعة باتفاق المذاهب، كما لو نوى الفرض وتحية المسجد عند الشافعية، وكما اغتسل لفرضي جنابة وحيض اتفاقاً. وهو آكد الأغسال المسنونة للأحاديث المتقدمة، ولا يستحب للنساء. ٢ - الغسل لصلاة العيدين: لأن النبي ﷺ كان يغتسل لذلك (١)، لكن قال الشوكاني: الحديث استدل به على أن غسل العيد مسنون، وليس في الباب ما ينتهض لإثبات حكم شرعي. ولأنها صلاة شرعت لها الجماعة، فأشبهت الجمعة. ويكون في يوم العيد لحاضره إن صلى العيد، ولو صلى وحده إن صحت صلاة المنفرد، بأن صلى بعد صلاة العدد المعتبر، فلا يجزئ قبل طلوع الفجر. ٣ - للإحرام بالحج أو بالعمرة، ولوقوف عرفة بعد الزوال ولدخول مكة ومبيت مزدلفة وطواف زيارة وطواف وداع: أما الإحرام فلما روى زيد بن ثابت أن النبي ﷺ «تجرد لإهلاله واغتسل» (٢) وظاهره ولو مع حيض ونفاس، بدليل أمر النبي ﷺ أسماء بنت عميس به حينما ولدت محمد بن أبي بكر (٣). وأما لدخول مكة ولو مع حيض: فلفعله ﷺ (٤)، وظاهره ولو كان في منطقة الحرم، كالذي بمنى، إذا أراد دخول مكة. ويندب الغسل أيضاً لدخول المدينة تعظيماً لحرمتها، وقدومه على حضرة النبي ﷺ .

стр. 525

وأما لوقوف عرفة، فلثبوته في السنة (١). وأما الغسل لمبيت مزدلفة ورمي الجمار في منى وطواف الزيارة والوداع، فلأنها أنساك يجتمع لها الناس، فيعرقون، فيؤذي بعضهم بعضاً، فاستحب الغسل لها كالجمعة دفعاً للروائح وللتنظيف وقال المالكية: الغسل للطواف والسعي وللوقوف بعرفة والمزدلفة مستحب، أما للإحرام ولدخول مكة فهو سنة. وقال الحنفية: الغسل للإحرام ولدخول عرفة سنة، أما للوقوف بالمزدلفة وعند دخول مكة فهو مندوب. ٤ - لصلاة الكسوف (للشمس) والخسوف (للقمر) والاستسقاء: لأنها عبادة يجتمع لها الناس، فأشبهت الجمعة والعيدين. وقال الحنفية: إنه مندوب فقط. ٥ - لغسل الميت، المسلم أو الكافر: وهو مستحب عند المالكية والشافعية والحنابلة، لقولهصلّى الله عليه وسلم: «من غسل ميِّتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (٢) وهو محمول على الندب لحديث «إن ميِّتكم يموت طاهراً؛ فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (٣)، ولحديث: «كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل» (٤).

стр. 526

وقال الحنفية: لا يجب، لحديث «لا غسل عليكم من غسل الميت» (١) وقال ابن عطاء: «لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاًَ» (٢) لكن قالوا: يندب الغسل خروجاً من خلاف من ألزم به. لكن قال الشوكاني: القول بالاستحباب هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن. وبه يتبين أن طلب الغسل غير لازم لغسل الميت، مندوب إليه في المذاهب الأربعة. ٦ - للمستحاضة: يسن الغسل عند الشافعية والحنابلة للمستحاضة لكل صلاة، وقال المالكية: إنه مستحب، وقال الحنفية: يندب لها إذا انقطع دمها. ودليل ندب الغسل: «أن أم حبيبة استحيضت، فسألت النبي ﷺ ، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة» (٣) وفي غير الصحيح: «أنه أمرها به لكل صلاة». وعن عائشة: أن زينب بنت جحش استحيضت، فقال لها النبي ﷺ : «اغتسلي لكل صلاة» (٤). ويجوز الاقتصار على غسل واحد لما يجوز جمعه بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لحديث عائشة: أن سهلة بنت سهيل بن عمرو

стр. 527

استحيضت فأتت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جَهَدَها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بغسل، والصبح بغسل» (١). ٧ - للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر: يندب الغسل لمن أفاق من جنون ونحوه، قال ابن المنذر: «ثبت أن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء» (٢). ٨ - عند حجامة، وفي ليلة براءة، وليلة قدر إذا رآها: يندب عند الحنفية الغسل من الحجامة خروجاً من خلاف من ألزمه. وفي ليلة براءة: وهي ليلة النصف من شعبان، لإحيائها وعظم شأنها؛ إذ فيها تقسم الأرزاق والآجال. وفي ليلة القدر إذا رآها، لإحيائها. وفي حال فزع من مخوف، التجاء إلى الله، وكرمه، لكشف الكرب عنه. وفزع من ظلمة وريح شديدة؛ لأن الله تعالى أهلك به من طغى، كقوم عاد. ويندب الغسل للتائب من ذنب، وللقادم من سفر، ولمن أصابته نجاسة وخفي مكانها، فيغسل جميع بدنه وجميع ثوبه احتياطاَ. ملحقان بالغسل: الملحق الأول - في أحكام المساجد: المساجد أفضل بقاع الأرض، وأفضل المساجد ثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وأفضل الثلاثة عند الجمهور مسجد

стр. 528

مكة، وعند مالك مسجد المدينة، كما أن مالكا فضل المدينة على مكة خلافا للجمهور. وقال الحنفية: مسجد استاذ للعلوم أفضل اتفاقا، ومسجد الحي أفضل من الجامع. وقد ذكر الإمام النووي (المتوفى سنة ٦٧٦ للهجرة) ثلاثة وثلاثين حكما للمساجد وهي ما يأتي (١): ١ - يحرم على الجنب والحائض والنفساء دخول المساجد، وأباح الشافعية المرور من غير مكث، ولا كراهة فيه، سواء أكان لحاجة أو لغيرها، لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة، ليخرج من خلاف الحنفية والمالكية. كما أبنت فيما يحرم على الجنب ونحوه. ويكره تحريما عند الحنفية اتخاذ المسجد طريقاً بغير عذر، وقال المالكية: يكره كثرة المرور في المسجد إن كان بناء المسجد سابقاً على الطريق، وإلا فلا كراهة. ٢ - لو احتلم في المسجد، وجب عليه الخروج منه، إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد ونحوه، أو خاف على نفسه أو ماله، فإن عجز أو خاف، جاز أن يقيم للضرورة. ولا يتيمم بتراب المسجد فيحرم ذلك، فإن خالف وتيمم صح. ولو أجنب وهو خارج المسجد، والماء في المسجد، لم يجز أن يدخل ويغتسل في المسجد؛ لأنه يلبث لحظة مع الجنابة.

стр. 529

ولو دخل للاستسقاء، لا يجوز أن يقف إلا قدر حاجة الاستسقاء. ٣ - يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، سواء لغرض شرعي كاعتكاف أو سماع قرآن أو علم آخر، أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك. ٤ - يجوز النوم في المسجد، ولا كراهة فيه عند الشافعية، لفعل ابن عمر في الصحيحين، وكان أصحاب الصُفَّة (١) ينامون في المسجد، ونام العرنيون في المسجد، ونام علي وصفوان بن أمية فيه، ونام غيرهم. وقال مالك: لابأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر. وقال الحنفية: يكره النوم في المسجد إلا للغريب والمعتكف. وقال أحمد وإسحاق: إن كان مسافراً أو شبهه، فلا بأس، وإن اتخذه مبيتاً أو مقيلاً، فلا. وقال المالكية (٢): يمنع دخول الكافر المسجد وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم في عمل ما، وإتقانه العمل على الظاهر. وأجاز أبو حنيفة لكافر دخول كل مسجد. ويجوز عند الشافعية للكافر دخول المسجد غير المسجد الحرام وحرم مكة، وله أن يبيت فيه، ولو كان جنباً في الأصح، ولكن بإذن المسلمين. ٥ - يجوز الوضوء في المسجد إذا لم يؤذ بمائه، والأولى أن يكون في إناء. قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد، إلا أن يَبُلَّه، ويتأذى به الناس، فإنه يكره.

стр. 530

وقال مالك وأبو حنيفة: يكره الوضوء، تنزيهاً للمسجد، واستثنى الحنفية: ماأعد للوضوء فلا يكره فيه. ٦ - لا بأس بالأكل والشرب ووضع المائدة في المسجد، وغسل اليد فيه. وقال الحنفية: يكره تنزيهاً أكل ما ليست له رائحة كريهة، وقال المالكية: يجوز للغرباء الأكل في المساجد ما لم يقذر، وكذلك قال الحنابلة: يباح الأكل بشرط ألا يلوثه. ٧ - يكره لمن أكل ثوماً، أو بصلاً، أو كُرَّاثاً، أو غيرها مما له رائحة كريهة، وبقيت رائحته، أن يدخل المسجد من غير ضرورة، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا» أو «مساجدنا» (١)، وحديث أنس: «من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، ولا يصلين معنا» (٢)، وحديث جابر: «من أكل ثوماً، أو بصلاً، فليعتزلنا، أو فليعتزل مساجدنا» (٣). وقال الحنفية: يكره ذلك تحريماً، وقال المالكية: يحرم ذلك. ٨ - يكره البصاق في المسجد، لما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». ٩ - يحرم البول والفصد والحجامة في المسجد في غير إناء. ويكره الفصد
следующие страницы →