وقال الحنفية: لا يجب، لحديث «لا غسل عليكم من غسل الميت» (١) وقال ابن عطاء: «لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاًَ» (٢) لكن قالوا: يندب الغسل خروجاً من خلاف من ألزم به.
لكن قال الشوكاني: القول بالاستحباب هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن. وبه يتبين أن طلب الغسل غير لازم لغسل الميت، مندوب إليه في المذاهب الأربعة.
٦ - للمستحاضة: يسن الغسل عند الشافعية والحنابلة للمستحاضة لكل صلاة، وقال المالكية: إنه مستحب، وقال الحنفية: يندب لها إذا انقطع دمها.
ودليل ندب الغسل: «أن أم حبيبة استحيضت، فسألت النبي ﷺ ، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة» (٣) وفي غير الصحيح: «أنه أمرها به لكل صلاة».
وعن عائشة: أن زينب بنت جحش استحيضت، فقال لها النبي ﷺ : «اغتسلي لكل صلاة» (٤).
ويجوز الاقتصار على غسل واحد لما يجوز جمعه بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لحديث عائشة: أن سهلة بنت سهيل بن عمرو
стр. 527
استحيضت فأتت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جَهَدَها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بغسل، والصبح بغسل» (١).
٧ - للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر: يندب الغسل لمن أفاق من جنون ونحوه، قال ابن المنذر: «ثبت أن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء» (٢).
٨ - عند حجامة، وفي ليلة براءة، وليلة قدر إذا رآها: يندب عند الحنفية الغسل من الحجامة خروجاً من خلاف من ألزمه.
وفي ليلة براءة: وهي ليلة النصف من شعبان، لإحيائها وعظم شأنها؛ إذ فيها تقسم الأرزاق والآجال. وفي ليلة القدر إذا رآها، لإحيائها.
وفي حال فزع من مخوف، التجاء إلى الله، وكرمه، لكشف الكرب عنه.
وفزع من ظلمة وريح شديدة؛ لأن الله تعالى أهلك به من طغى، كقوم عاد.
ويندب الغسل للتائب من ذنب، وللقادم من سفر، ولمن أصابته نجاسة وخفي مكانها، فيغسل جميع بدنه وجميع ثوبه احتياطاَ.
ملحقان بالغسل:
الملحق الأول - في أحكام المساجد:
المساجد أفضل بقاع الأرض، وأفضل المساجد ثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وأفضل الثلاثة عند الجمهور مسجد
стр. 528
مكة، وعند مالك مسجد المدينة، كما أن مالكا فضل المدينة على مكة خلافا للجمهور. وقال الحنفية: مسجد استاذ للعلوم أفضل اتفاقا، ومسجد الحي أفضل من الجامع.
وقد ذكر الإمام النووي (المتوفى سنة ٦٧٦ للهجرة) ثلاثة وثلاثين حكما للمساجد وهي ما يأتي (١):
١ - يحرم على الجنب والحائض والنفساء دخول المساجد، وأباح الشافعية المرور من غير مكث، ولا كراهة فيه، سواء أكان لحاجة أو لغيرها، لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة، ليخرج من خلاف الحنفية والمالكية. كما أبنت فيما يحرم على الجنب ونحوه. ويكره تحريما عند الحنفية اتخاذ المسجد طريقاً بغير عذر، وقال المالكية: يكره كثرة المرور في المسجد إن كان بناء المسجد سابقاً على الطريق، وإلا فلا كراهة.
٢ - لو احتلم في المسجد، وجب عليه الخروج منه، إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد ونحوه، أو خاف على نفسه أو ماله، فإن عجز أو خاف، جاز أن يقيم للضرورة.
ولا يتيمم بتراب المسجد فيحرم ذلك، فإن خالف وتيمم صح. ولو أجنب وهو خارج المسجد، والماء في المسجد، لم يجز أن يدخل ويغتسل في المسجد؛ لأنه يلبث لحظة مع الجنابة.
стр. 529
ولو دخل للاستسقاء، لا يجوز أن يقف إلا قدر حاجة الاستسقاء.
٣ - يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، سواء لغرض شرعي كاعتكاف أو سماع قرآن أو علم آخر، أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك.
٤ - يجوز النوم في المسجد، ولا كراهة فيه عند الشافعية، لفعل ابن عمر في الصحيحين، وكان أصحاب الصُفَّة (١) ينامون في المسجد، ونام العرنيون في المسجد، ونام علي وصفوان بن أمية فيه، ونام غيرهم.
وقال مالك: لابأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر.
وقال الحنفية: يكره النوم في المسجد إلا للغريب والمعتكف.
وقال أحمد وإسحاق: إن كان مسافراً أو شبهه، فلا بأس، وإن اتخذه مبيتاً أو مقيلاً، فلا.
وقال المالكية (٢): يمنع دخول الكافر المسجد وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم في عمل ما، وإتقانه العمل على الظاهر.
وأجاز أبو حنيفة لكافر دخول كل مسجد.
ويجوز عند الشافعية للكافر دخول المسجد غير المسجد الحرام وحرم مكة، وله أن يبيت فيه، ولو كان جنباً في الأصح، ولكن بإذن المسلمين.
٥ - يجوز الوضوء في المسجد إذا لم يؤذ بمائه، والأولى أن يكون في إناء. قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد، إلا أن يَبُلَّه، ويتأذى به الناس، فإنه يكره.
стр. 530
وقال مالك وأبو حنيفة: يكره الوضوء، تنزيهاً للمسجد، واستثنى الحنفية: ماأعد للوضوء فلا يكره فيه.
٦ - لا بأس بالأكل والشرب ووضع المائدة في المسجد، وغسل اليد فيه. وقال الحنفية: يكره تنزيهاً أكل ما ليست له رائحة كريهة، وقال المالكية: يجوز للغرباء الأكل في المساجد ما لم يقذر، وكذلك قال الحنابلة: يباح الأكل بشرط ألا يلوثه.
٧ - يكره لمن أكل ثوماً، أو بصلاً، أو كُرَّاثاً، أو غيرها مما له رائحة كريهة، وبقيت رائحته، أن يدخل المسجد من غير ضرورة، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مسجدنا» أو «مساجدنا» (١)، وحديث أنس: «من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، ولا يصلين معنا» (٢)، وحديث جابر: «من أكل ثوماً، أو بصلاً، فليعتزلنا، أو فليعتزل مساجدنا» (٣).
وقال الحنفية: يكره ذلك تحريماً، وقال المالكية: يحرم ذلك.
٨ - يكره البصاق في المسجد، لما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها».
٩ - يحرم البول والفصد والحجامة في المسجد في غير إناء. ويكره الفصد
стр. 531
والحجامة فيه في إناء. ولا يحرم. وقال الحنفية: يكره تحريماً البول والتغوط والوطء في المسجد؛ لأنه مسجد إلى عنان السماء، ويكره إدخال نجاسة إلى المسجد، فلا يجوز الاستصباح فيه بدهن نجس، ولا تطيينه بنجس ولا الفصدفيه.
وقال الشافعية: يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد. أما من على بدنه نجاسة أو به جرح: فإن خاف تلويث المسجد، حرم عليه دخوله، وإن أمن لم يحرم. ولا يجوز البناء ولا التجصص بالنجس، ويكره ذلك تحريماً عند الحنفية. ويحرم الاستصباح فيه بالزيت والدهن المتنجس.
ودليل حرمة هذه المسائل حديث أنس عند مسلم: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله، وقراءة القرآن».
١٠ - يكره غرس الشجر في المسجد، ويكره حفر البئر؛ لأنه بناء في مال غيره، وللإمام قلع ما غرس فيه، وقال الحنفية: يكره غرس الأشجار في المسجد إلا لنفع، كتقليل نَزّ (ما يتحلب من الأرض من الماء).
١١ - تكره الخصومة في المسجد، ورفع الصوت فيه، ونشد الضالة، والبيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، لحديث أبي هريرة عند مسلم وأحمد وابن ماجه: «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» وفي رواية الترمذي: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا: لا ردها الله عليك» (١).
стр. 532
كذلك يكره البيع والشراء عند الحنفية والمالكية، ويحرم عند الحنابلة، وإن وقع فهو باطل. ويكره رفع الصوت بالذكر إن شوش على المصلين عند الحنفية والحنابلة إلا للمتفقهة، كما يكره عندهم الكلام غير المباح، فإن كان مما يباح فلا يكره إن لم يشوش على المصلين. وقال المالكية: يكره رفع الصوت في المسجد مطلقاً ولو بالذكر والعلم.
لكن لا بأس عند الشافعية أن يعطى السائل في المسجد شيئاً، لحديث: «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه» (١) وكره الشافعي السؤال في المسجد، وكذلك كرهه المالكية والحنابلة، ولكن يجوز الإعطاء، وقال الحنفية: يحرم السؤال في المسجد، ويكره إعطاء السائل فيه شيئاً.
١٢ - يكره إدخال البهائم والمجانين، والصبيان الذين لايميزون المسجد؛ لأنه لا يؤمن من تلويثهم إياه، ولا يحرم ذلك؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ صلى حاملاً أمامة بنت زينب ﵄، وطاف على بعيره. ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه ﷺ فعله لبيان الجواز، فيكون حينئذ أفضل في حقه، فإن البيان واجب. وهذا الحكم هو المقرر أيضاً عند الحنابلة إلا أنهم أجازوا إدخال المجانين في المساجد لحاجة كتعليم الكتابة. ومنع المالكية والحنفية من إدخال الصبيان والمجانين المساجد، وهو مكروه، ويرخص للنساء الصلاة في المساجد إذا أمن الفساد، ويكره للشابة الخروج إليه.
١٣ - يكره أن يجعل المسجد مقعداً لحرفة، كالخياطة ونحوها، لحديث أنس السابق في حكم المسألة التاسعة. أما من ينسخ فيه شيئاً من العلم، أو اتفق قعوده فيه، فخاط ثوباً، ولم يجعله مقعداً للخياطة، فلا بأس به.
стр. 533
١٤ - يجوز الاستلقاء في المسجد على القفا، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، وتشبيك الأصابع ونحو ذلك، ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي ﷺ فعل ذلك كله.
١٥ - يستحب عقد حلق العلم في المساجد، وذكر المواعظ والرقائق ونحوها، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة.
ويجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد، وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات، وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحاً، لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وقال: وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم (١).»
١٦ - لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحاً للنبوة أو الإسلام، أو كان حكمة، أو في مكارم الأخلاق، أو الزهد، أو نحو ذلك من أنواع الخير، بدليل حديث سعيد بن المسيب قال: مر عمر بن الخطاب، وحسان ينشد الشعر، فلحظ إليه، فقال: أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»؟ قال: نعم (٢).
أما ما فيه شيء مذموم كهجو مسلم أو صفة الخمر، أو ذكر النساء أو المُرْد، أو مدح ظالم، أو افتخار منهي عنه، أو غير ذلك، فحرام لحديث أنس السابق في المسألة التاسعة، ولحديث آخر: «أن النبي ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في
стр. 534
المسجد» (١) وهذا التفصيل هو الحكم المقرر لدى المذاهب الأخرى.
١٧ - يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يرى فيه من نخامة أو بصاق، أو نحو ذلك، ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ رأى بصاقاً في المسجد، فحكه بيده. وروى أبو داود عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت علي أجور أمتي، حتى القَذاةُ يخرجها الرجل من المسجد» والقذاة: الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك.
١٨ - من البدع المنكرة إيقاد القناديل الكثيرة في ليال معينة كليلة نصف شعبان، مضاهاة للمجوس في الاعتناء بالنار، وإضاعة للمال.
١٩ - السنة لمن دخل المسجد ومعه سلاح: أن يمسك على حَدِّه، كنصل السهم وسنان الرمح ونحوه، لحديث جابر ﵁: أن رجلاً مر بسهام في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ : «أمسك بنصالها» (٢).
٢٠ - السنة للقادم من سفر: أن يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، لحديث كعب بن مالك ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد، فصلى ركعتين» (٣).
٢١ - ينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة، أو اشتغال بعلم، أو لشغل آخر من طاعة أو مباح: أن ينوي الاعتكاف، فإنه يصح، وإن قل زمانه.
٢٢ - لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة، لصيانته أو لحفظ آلاته. فإذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمتها، وكان في فتحها رفق بالناس، فالسنة فتحها، كما لم يغلق مسجد رسول الله ﷺ في زمنه ولا بعده.
стр. 535
٢٣ - يكره لداخل المسجد: أن يجلس فيه، حتى يصلي ركعتين.
٢٤ - ينبغي للقاضي ألا يتخذ المسجد مجلساً للقضاء، إلا ما يقع فيه صدفة، فيقضى فيه.
٢٥ - يكره أن يتخذ على القبر مسجد، لحديث صحيح: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١).
وأما حفر القبر في المسجد، فحرام شديد التحريم.
وتكره الكتابة عند الشافعية والحنفية والحنابلة على جدران المسجد وسقوفه. وقال المالكية والحنابلة: تكره الكتابة في القبلة لئلا تشغل المصلي، ولا تكره فيما عدا ذلك؛ لأن الكتابة تشغل قلب المصلي، وربما اشتغل بقراءته عن صلاته. كما يكره تزويقه وكل ما يشغل المصلي عن صلاته.
ً ٢٦ - حائط المسجد من داخله وخارجه: له حكم في وجوب صيانته وتعظيم حرماته، وكذا سطحه، والبئر التي فيه، وكذا رحبته، وقد نص الشافعي وأصحابه على صحة الاعتكاف في رحبته وسطحه، وصحة صلاة المأموم فيهما مقتدياً بمن في المسجد، وكذلك يعتبر سطح المسجد كالمسجد في بقية المذاهب.
٢٧ - السنة لمن أراد دخول المسجد: أن يتفقد نعليه، ويمسح ما فيهما من أذى قبل دخوله، لحديث: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى، فليمسحه، وليصل فيهما» (٢).
٢٨ - يكره الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي إلا لعذر، لحديث
стр. 536
أبي الشَّعْثاء قال: «كنا قعوداً مع أبي هريرة ﵁ في المسجد، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره، حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا، فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (١).
٢٩ - يستحب أن يقول عند دخوله المسجد: (أعوذ بالله العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، باسم الله والحمد لله، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك).
وإذا خرج من المسجد قال مثله، إلا أنه يقول: (وافتح لي أبواب فضلك) (٢).
ويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج.
٣٠ - لا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد، كحجر وحصاة وتراب وغيره، لحديث مرفوع: «إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد» (٣).
٣١ - يسن بناء المساجد وعمارتها وتعهدها، وإصلاح ما تشعث منها، لحديث: «من بنى لله تعالى مسجداً، بنى الله له مثله في الجنة» (٤).
وقال الحنابلة: يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحالّ (جمع مَحلِّة)
стр. 537
ونحوها بحسب الحاجة فهو فرض كفاية، وعمارة المساجد ومراعاة أبنيتها مستحبة، ويسن أن يصان المسجد عن الأوساخ والمخاط وتقليم الأظافر وقص الشعر ونتفه، وعن الروائح الكريهة من بصل وثوم وكراث ونحوها.
ويجوز بناء المسجد في موضع كان كنيسة وبِيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها، لحديث عثمان بن أبي العاص ﵁: «أن رسول الله ﷺ أمره أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم» (١)، ولحديث أنس: «أن مسجد رسول الله ﷺ كان فيه قبور مشركين، فنبشت» (٢).
ويكره زخرفة المسجد باللونين الأحمر والأصفر ونقشه وتزيينه، لئلا تشغل قلب المصلي، ولقوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (٣) وقوله أيضاً: «ما أمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس: (لَتُزَخرِفُنَّها) كما زخرفت اليهود والنصارى» (٤) فهو يدل على أن تشييد المساجد بدعة، وهذا الحكم بالكراهة هو المقرر عند المالكية والحنابلة، لكن أجاز الحنفية نقش المسجد بالمال الحلال، خلا محرابه فإنه يكره، لأنه يلهي المصلي.
وروي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك. وروي عن أبي طالب المكي: أنه لا كراهة في تزيين المحراب.
стр. 538
٣٢ - ورد في فضل المساجد أحاديث كثيرة منها: «أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (١).
٣٣ - مصلى العيد وغيره الذي ليس بمسجد: لايحرم المكث فيه على الجنب والحائض، على المذهب عند الشافعية.
الملحق الثاني ــ أحكام الحمامات العامة:
ذكر الشافعية والحنابلة أحكام الحمام وآداب دخوله فقالوا (٢):
أـ أجود الحمامات: ماكان شاهقاً، عذب الماء، معتدل الحرارة، معتدل البيوت، قديم البناء.
ب - بناء الحمام: وبيعه وشراؤه وإجارته مكروه عند الإمام أحمد، لما فيه من كشف العورة والنظر إليها، ودخول النساء إليه، قال أحمد: في الذي يبني حماماً للنساء: ليس بعدل. وحمله بعضهم على غير البلاد الباردة.
وكسب الحمام والحلاق عند الحنابلة مكروه.
جـ ــ الدخول إلى الحمام: يباح للرجال دخول الحمام، ويجب عليهم غض البصر عما لايحل لهم، وصون عورتهم عن الكشف بحضرة من لايحل له النظر إليها، أو في غير وقت الاغتسال، فإنه يروى: «أن ابن عباس دخل حماماً بالجُحْفة»، ويروى ذلك عن النبي ﷺ ، كما يروى عن خالد بن الوليد «أنه دخل الحمام».
стр. 539
فإن خشي ألا يسلم من النظر إلى العورات، ونظر الناس إلى عورته كره له ذلك؛ لأنه لايأمن وقوعه في المحظور، فإن كشف العورة ومشاهدتها حرام، بدليل حديث بهز بن حكيم المتقدم في أول مبحث الغسل: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ماملكت يمينك … » (١)، وقال النبي ﷺ : «لاينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولاتنظر المرأة إلى عورة المرأة» «لاتمشوا عراة» (٢) «الفخذ عورة» (٣).
ويحرم دخول الحمامات العامة بغير مئزر، لقوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي، فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تدخل الحمام» (٤) «حرام على الرجال دخول الحمام إلا بمئزر» (٥)، وروي: «أن الرجل إذا دخل الحمام عارياً لعنه ملكاه» (٦).
وأما النساء: فيكره لهن دخول الحمام بلا عذر من حيض أو نفاس أو مرض أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكن المرأة أن تغتسل في بيتها، لخبر: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت مابينها وبين الله تعالى» (٧) وقال ﷺ : «ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتاً، يقال لها الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالإزار، وامنعوها النساء، إلا مريضة أو نفساء» (٨)، ولأن أمرهن
стр. 540
مبني على المبالغة في الستر، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (١).
ولايحرم على المرأة الاغتسال في حمام دارها حيث لم ير من عورتها مايحرم النظر إليه.
د - يحرم الاغتسال عرياناً بين الناس، فمن اغتسل عرياناً بين الناس: لم يجز له ذلك؛ لأن كشف العورة للناس محرم، لما تقدم، ولقوله ﷺ : «إن الله حيي ستِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (٢). أما إن كان خالياً فيجوز؛ لأن موسى ﵇ اغتسل عرياناً (٣)، كما اغتسل أيوب ﵇ عرياناً (٤).
وإن ستره إنسان بثوب، فلابأس، فقد كان النبي ﷺ يستتر بثوب ويغتسل.
ويستحب التستر وإن كان خالياً للحديث السابق: «فالله أحق أن يستحيا منه من الناس».
ولايسبح في ماء إلا مستتراً؛ لأن الماء لايستر، فتبدو عورة من دخله عرياناً.
هـ - يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمام، لأنه طاهر، ويجعل بمنزلة الماء الجاري إذا كان يفيض من الحوض ويخرج، أي أن عليه مصبَّاً، فإن الذي يأتي أخيراً يدفع مافي الحوض، ويثبت في مكانه.
وـ لابأس للمستتر بذكر الله في الحمام، فإن ذكر الله حسن في كل مكان، ما لم يرد المنع منه، روي «أن أبا هريرة دخل الحمام، فقال: لا إله إلا الله» وروي عن النبي ﷺ «أنه كان يذكر الله على كل أحيانه».
стр. 541
أما قراءة القرآن في الحمام: فلا تكره عند مالك والنخعي، كذكر الله فيه، وكره أحمد ذلك، ولو خفض صوته؛ لأنه محل التكشف، ويفعل فيه مالايحسن في غيره، فيصان القرآن عنه. كما يكره السلام فيه. وأباحه بعض الحنابلة؛ لأن الأشياء على الإباحة.
ز - آداب الحمام: يجب ألايزيد المستحم في الماء على قدر الحاجة والعادة، ولايطيل المقام إلا بقدر الحاجة.
وآداب الحمام: أن يقصد التطهير والتنظيف، لا الترفه والتنعم، وأن يسلم الأجرة قبل دخوله، وأن يسمي للدخول، ثم يتعوذ، كما في دخول الخلاء، ويقدم رجله اليسرى عند الدخول، ورجله اليمنى عند الخروج.
ويتذكر بحرارة الحمام حرارة نار جهنم، ولايدخله إذا رأى فيه عرياناً، ولايعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في البيت الأول؛ لأنه أجود طباً، ولايكثر الكلام، ويتحين بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن قدر على ذلك، ويقلل الالتفات؛ لأنه محل الشياطين، ويستغفر الله تعالى ويصلي ركعتين بعد خروجه منه، فقد كانوا يقولون: يوم الحمام يوم إثم.
وكره الشافعية دخول الحمام قبيل الغروب، وبين العشاءين؛ لأنه وقت انتشار الشياطين، وقال الحنابلة: لايكره ذلك لعدم النهي الخاص عنه. ولابأس بدلك غيره إلا عورة أو مظنة شهوة.
ويكره الحمام للصائم؛ لأن الغسل يضعف الجسم، وهو ترفه لايلائم الصوم، وقد يسبق الماء إلى جوفه، فيفطر.
ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد، ولابأس بشرب ماء بارد عند خروجه منه، لأنه أنفع طباً، كما لابأس بقوله لغيره: عافاك الله، ولا مانع من المصافحة.
стр. 542
الفَصْلُ السَّادس: التَّيَمُّم تعريفه، ومشروعيته وصفته، أسبابه، فرائضه، كيفيته، شروطه، سننه، ومكروهاته، نواقضه، حكم فاقد الطهورين.
المطلب الأول ــ تعريف التيمم ومشروعيته وصفته:
التيمم لغة: القصد ومنه قوله تعالى: ﴿ولاتيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة:٢/ ٢٦٧]، وشرعاً عرفه الفقهاء بعبارات متقاربة، فقال الحنفية (١): مسح الوجه واليدين عن صعيد مطهر. والقصد شرط له؛ لأنه النية، فهو قصد صعيد مطهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة.
وقال المالكية (٢): طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية.
وقال الشافعية (٣): إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلاً عن الوضوء أو الغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة.
стр. 543
وقال الحنابلة (١): مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص.
مشروعيته: التيمم من خصائص الأمة الإسلامية، شرع في غزوة بني المصطلق (غزوة المريسيع) في السنة السادسة من الهجرة حينما أضاعت عائشة عِقْدها، فبعث ﷺ في طلبه، وحانت الصلاة، وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم، كما نزلت آيات براءة عائشة من الإفك في سورة النور، فقال أُسَيدُ بن حضير: «يرحمك الله يا عائشة، مانزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجاً».
وهو رخصة، وقال الحنابلة: إنه عزيمة، وأدلة مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع: أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيداً طيباً (٢)، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة ٦/ ٥]، وهذا يدل على أن التيمم فريضة بدل الغسل بالماء.
وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها خبر مسلم: «جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وتربتها طهوراً» (٣)، ومنها «التراب طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج، ما لم يجد الماء أو يحدث» (٤).
стр. 544
وأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.
صفته أو الطهارة التي هو بدل عنها: قال عامة الفقهاء (١): التيمم ينوب عن الوضوء وعن الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، إلا أنه لايجوز عند غير الحنفية لزوج الحائض أن يطأها حتى تغتسل بالماء، فالمحدث والجنب والحائض والنفساء ومن ولدت ولداً جافاً يتيمم للصلاة وغيرها من الطاعات؛ لأن الضمير في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة ٦/ ٥]، يعود على المحدث حدثاً أصغر وعلى المحدث حدثاً أكبر عند القائلين بأن الملامسة هي الجماع. أما من كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد في قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ [المائدة:٥/ ٦]، فالضمير يعود على المحدث حدثاً أصغر فقط، وتكون مشروعية التيمم للجنب ثابتة بالسنة:
مثل حديث عمران بن حصين، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل، فقال: مامنعك أن تصلي؟ قال: أصابني جنابة ولا ماء؟ قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (٢) وهو يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء من غير فرق بين الجنب وغيره. والصعيد: ماصعد على وجه الأرض من التراب.
ومثل حديث جابر قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حَجَر، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابَه، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: مانجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول
стр. 545
الله ﷺ أُُخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيّ (١) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويِعْصِر، أو يَعْصِب على جُرْحه، ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده (٢) وهو يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر.
ومثل حديث عمرو بن العاص: أنه لما بُعث في غزوة ذات السلاسل (٣)، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت أن أهْلِك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: ياعمرو، صليت بأصحابك وأنت جنُب؟ فقلت: ذكرت قول الله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً، فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئاً» (٤) وهو يدل على جواز التيمم لشدة البرد، ولا إعادة عليه، وهو رأي مالك وأبي حنيفة.
الطاعات التي يتيمم لها: يجوز التيمم لكل مايتطهر له من صلاة مفروضة أو نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة أو شكر، أو لُبث في مسجد، للأحاديث السابقة، ولأنه يستباح بالتيمم مايستباح بطهارة الماء.
مايتيمم له من الأحداث: ويجوز التيمم للحدث الأصغر، والجنابة، والحيض والنفاس على حد سواء، لما روي أن قوماً جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال، ولانجد الماء شهراً أو شهرين، وفينا الجنب
стр. 546
والحائض والنفساء، فقال ﵇: «عليكم بالأرض» (١). وقال الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطّهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة:٥/ ٦].
نوع البدل:
قال الحنفية (٢): إن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، فالحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة، بدليل الحديث المتقدم: «التيمم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حِجج، ما لم يجد الماء، أو يحدث» فقد سمى التيمم وضوءاً، والوضوء مزيل للحدث. وقال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» (٣)، والطهور اسم للمطهر، فدل على أن الحدث يزول بالتيمم، إلا أن زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء، فإذا وجد الماء يعود الحدث.
ويترتب عليه: أنه يجوز التيمم قبل دخول الوقت، ويجوز له أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث، وإذا تيمم للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض.
وقال الجمهور غير الحنفية (٤): التيمم بدل ضروري، فيباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة، كطهارة المستحاضة، لحديث أبي ذر عند الترمذي:
стр. 547
«
فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك» ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده، ولو رأى الماء يعود الحدث، مما يدل على أن الحدث لم يرتفع، لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة، كمافي المستحاضة.
ويترتب عليه عكس الأحكام السابقة، إلا أن الحنابلة خلافاً للمالكية والشافعية أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فرائض فوائت إن كانت عليه.
آراء المذاهب فيما يترتب على الاختلاف في نوع بدلية التيمم:
١ - وقت التيمم: قال الحنفية (١) القائلون بأن التيمم طهارة مطلقة: يجوز التيمم قبل الوقت، ولأكثر من فرض، ولغير الفرض من النوافل؛ لأن التيمم بدل مطلق عند عدم الماء، ويرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء، وليس ببدل ضروري مبيح مع قيام الحدث حقيقة، الذي هو قول الجمهور، فلا يجوز عندهم قبل الوقت، ولا يصلى به أكثر من فرض. ودليل الحنفية: أن التوقيت في العبادات لا يكون إلا بدليل سمعي، ولا دليل فيه، فيقاس على الوضوء، والوضوء يصح قبل الوقت.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (٢): لا يصح التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل، فلا يتيمم لفرض قبل دخول وقت فعله، ولا لنفل معين أو مؤقت كسنن الفرائض الرواتب قبل وقتها.
أما الفريضة: فلقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة:٥/ ٦]، والقيام إليها بعد دخول الوقت، ولما رواه البخاري من حديث «فأيما رجل من أمتي
стр. 548
أدركته الصلاة فليصل» وما رواه أحمد: «أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت» أي تيممت وصليت، وهذا دليل على أن التيمم يكون عند إدراك الصلاة، أي بعد دخول وقتها.
وأما النفل: فلحديث أبي أمامة مرفوعاً قال: «جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده، وعنده طهوره» (١).
وأما الوضوء: فإنما جاز قبل الوقت، فلكونه رافعاً للحدث، بخلاف التيمم، فإنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة.
ويصح التيمم لركعتي الطواف كل وقت لإباحته، ويصح التيمم لفائتة تذكرها وأراد فعلها لصحة فعلها في كل وقت، ويصح التيمم لكسوف عند وجوده إن لم يكن وقت نهي عن الصلاة فيه (٢)، ويصح التيمم لاستسقاء إذا اجتمعوا لصلاته، ولصلاة جنازة إذا غسل الميت، أو يمم لعذر، ولصلاة عيد إذا دخل وقته، ولمنذورة كل وقت. ويصح التيمم لنفل عند جواز فعله كتحية المسجد؛ لأن ذلك وقته.
واحترز بعبارة النفل المعين أو المؤقت عن النوافل المطلقة، فإنه يتيمم لها متى شاء، إلا في وقت الكراهة المنهي عنه؛ لأنه ليس وقتاً له.
стр. 549
هل يؤخر التيمم لآخر الوقت؟ اتفق أئمة المذاهب الأربعة (١) على أن الأفضل تأخير التيمم لآخر الوقت إن رجا وجود الماء حينئذ. فإن يئس من وجوده استحب تقديمه أول الوقت عند الجمهور (غير الحنابلة) والمنصوص عن أحمد: أن تأخير التيمم أولى بكل حال.
والأصح عند الحنفية: أن ندب التأخير هو لآخر الوقت المستحب بحيث لايقع في كراهة؛ إذ لا فائدة في التأخير سوى الأداء بأكمل الطهارتين. ويجب التأخير بالوعد بالماء، ولو خاف القضاء، كما يجب التأخير عند أبي حنيفة بالوعد بالثوب للعاري، أو بالدلو لنزح الماء، ما لم يخف القضاء.
وقيد الشافعية أفضلية الانتظار بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت، فإن شك في وجوده أو ظن بأن ترجح عنده وجود الماء آخر الوقت، فتعجيل التيمم أفضل في الأظهر؛ لأن فضيلة التقديم محققة بخلاف فضيلة الوضوء.
وفصل المالكية في الأمر فقالوا: اليائس من وجود الماء يندب له التعجيل أول الوقت. والمتردد في ذلك وهو الشاك أو الظان ظناً قريباً من الشك: يندب له التيمم وسط الوقت. والراجي: وهو الغالب على ظنه وجود الماء: يتيمم ندباً آخر الوقت.
٢ - مايفعل بالتيمم الواحد: قال الحنفية (٢): يصلي بتيممه ماشاء من الفرائض والنوافل؛ لأنه طهور حال
стр. 550
عدم الماء، فيعمل عمله ما بقي شرطه، فله أن يصلي بتيمم واحد فرضين فأكثر، وما شاء من نافلة.
وقال الحنابلة (١): التيمم مقيد بالوقت، لقول علي ﵁: «التيمم لكل صلاة» وقول ابن عمر ﵄: «تيمم لكل صلاة» ولأن التيمم طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت، كطهارة المستحاضة، والطواف المفروض كالصلاة الفريضة.
وبناء عليه: إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت إن كانت عليه، فيصلي الحاضرة، ويجمع بين الصلاتين، ويقضي فوائت، وله التطوع بما شاء من النوافل إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى.
وقال المالكية والشافعية (٢): لا يصلى بتيمم واحد فرضان، فلا يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة. ويجمع بين نوافل، وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية، ويتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها عند الشافعية، لأنها غير محصورة.
ودليلهم: ما روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: «يتيمم لكل صلاة، وإن لم يحدث»، ولأنه طهارة ضرورة، فلا بد من تكرار التيمم لكل فرض، وإن كانت الفريضتان مجموعتين في وقت واحد، كالظهر مع العصر، ولو كان التيمم من مريض يشق عليه إعادته.
ويجوز أن يصلي بتيمم واحد فرض صلاة، وفرض جنازة عند المالكية،
стр. 551
والشافعية في الأصح؛ لأن الجنازة فرض كفاية، فهي كالنفل في جواز الترك في الجملة.
وجاز بالتيمم للصلاة: مس المصحف، وقراءة القرآن إن كان جنباً.
والنذر عند الشافعية كفرض في الأظهر، فيجدد له التيمم، ولا يجمعه مع فرض آخر أداء أو قضاء بتيمم واحد. وفرض الطواف وخطبة الجمعة عند الشافعية كفرض الصلاة، فلا يجمع بتيمم واحد بين طوافين مفروضين، ولا بين طواف مفروض وصلاة مفروضة، ولا بين صلاة جمعة وخطبتها؛ لأن الخطبة وإن كانت فرض كفاية، ألحقت بفرض العين، إذا قيل: إنها قائمة مقام ركعتين.
وأجاز المالكية الجمع بتيمم بين صلاة مفروضة وطواف غير واجب وركعتيه، فهم إذن كالشافعية.
٣ - هل التيمم للنفل يجيز صلاة الفرض؟ قال الحنفية الواصفون التيمم بأنه بدل مطلق (١): إذا تيمم للنفل، يجوز له أن يؤدي به النفل والفرض. ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أن يؤم المتيمم المتوضئين إذا لم يكن معهم ماء؛ لأن التيمم في حال عدم الماء طهارة مطلقة، فيجوز اقتداؤهم به، وإن كان معهم ماء لا تجوز صلاتهم؛ لأن التيمم بدل عن الماء عند عدمه.
وقال المالكية (٢): لا يصلى فرض بتيمم نواه لغيره، فإن نوى فرض الصلاة
стр. 552
صلى به ما عليه من فرض واحد، وما شاء من النوافل على أن يقدم صلاة الفرض على النفل، ولا يصلى به الفريضة الفائتة معه، وإن نوى مطلق الصلاة صلى به النفل دون الفرض، لأن الفرض يحتاج لنية تخصه، ومن نوى نفلاً لم يصل به فرضاً. ويلزم حال نية استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث نية الحدث الأكبر من جنابة أو غيرها إن كان عليه. فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه، لم يجزه وأعاد أبداً.
ويندب نية الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصلاة أو نوى استباحة ما منعه الحدث. أما لو نوى فرض التيمم، فلا تندب نية الأصغر، ولا الأكبر؛ لأن نية الفرض تجزئ عن نية كل من الأصغر والأكبر. وإذا تيمم لقراءة قرآن أو للدخول على سلطان ونحو ذلك لا يجوز أن يصلي به.
وقال الشافعية والحنابلة (١): إن نوى فرضاً ونفلاً صلى به الفرض والنفل، وإن نوى فرضاً استباح مثله، وما دونه من النوافل، لأن النفل أخف، ونية الفرض تتضمنه، وبما أن الفرض أعلى استباح ما دونه تبعاً. وإن نوى نفلاً أو أطلق النية للصلاة بأن نوى استباحة الصلاة، ولم ينو فرضاً ولا نفلاً، لم يصل إلا نفلاً، ولم يصل به إلا فرضاً؛ لأن الفرض أصل والنفل تابع، فلا يجعل المتبوع تابعاً، وقياساً على ما لو أحرم بالصلاة، فإن صلاته تنعقد نفلاً.
стр. 553
المطلب الثاني - أسباب التيمم:
أسباب التيمم أو الأعذار له هي ما يلي (١):
١ - فقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل: حساً بأن لم يجد ماء أصلاً أو وجد ماء لا يكفيه، أو شرعاً: بأن خاف الطريق إلى الماء أو كان عند الحنفية بعيداً عنه بمقدار ميل (٨٤٨١ م أو ٠٠٠٤ ذراع أو خطوة) أو أكثر، أو بقدر ميلين كما قال المالكية، أو احتاج إلى ثمنه أو وجده بأكثر من ثمن المثل، للآية السابقة: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [المائدة:٥/ ٦].
وفصل الشافعية في جواز التيمم لفقد الماء وطلبه، فقالوا:
أـ إن تيقن فقد الماء حوله، تيمم بلا طلب.
ب - وإن توهم الماء أو ظنه، أو شك فيه، فتش في منزله وعند رفقته وتردد قدر حد الغوث (٢): وهو مقدار غَلْوة سهم (٠٠٤ ذراع أو ٨،٤٨١ م)، فإن لم يجد ماء تيمم. وقد اقتصر الحنفية على هذا فأوجبوا طلب الماء إلى أربع مئة خطوة إن ظن قربه من الماء مع الأمن.
جـ - وإن تيقن الماء طلبه في حد القُرب (٣): (وهو ستة آلاف خطوة) وقال
стр. 554
المالكية: إذا تيقن أو ظن الماء يطلبه لأقل من ميلين. وقال الحنابلة: يطلبه فيما قرب منه عادة.
ولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب أو الغوث إلا إذا أمن نفساً ومالاً، وانقطاعاً عن الرفقة. والأظهر عند الشافعية، والحنابلة خلافاً لغيرهم: أنه لو وجد ماء لا يكفيه، وجب استعماله، ثم يتيمم، للحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه مااستطعتم».
الشراء: ويجب شراؤه بثمن المثل، إن لم يحتج إليه لدين مستغرق (محيط بماله) أو مؤنة سفره، أو نفقة حيوان محترم، سواء أكان آدمياً أم غيره.
الهبة: ولو وهب له ماء أوعير دلواً، وجب القبول عند العلماء وفي الأصح عند الشافعية، أما لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالإجماع، لعظم المنة، ولو من الوالد لولده.
نسيان الماء: ولو نسي الماء في رحله، فتيمم وصلى، ثم تذكر الماء في الوقت بعد أن فرغ من الصلاة، قضى في الأظهر عند الشافعية وأبي يوسف والمالكية، لأنه واجد للماء، ولكنه قصر في الوقوف عليه، فيقضي كما لو نسي ستر العورة، بأن كان في رحله ثوب فنسيه (١).
ولم يقض عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه لا قدرة بدون العلم، فهو غير واجد للماء؛ لأن المراد بوجود الماءالقدرة على استعماله، ولا قدرة إلا بالعلم (٢).
فإن تذكر الماء وهو في الصلاة يقطع ويعيد إجماعاً، كما أنه يعيد اتفاقاً إذا
стр. 555
ظن فناء الماء. ولا يكره الوطء لعادم الماء، ولو لم يخف العنت (المشقة)؛ إذ الأصل في الأشياء الإباحة إلا لدليل.
٢ - فقد القدرة على استعمال الماء: قال المالكية والحنابلة وغيرهم: يتيمم العاجز الذي لا قدرة له على الماء كالمكره والمحبوس، والمربوط بقرب الماء، والخائف على نفسه من سبع أو لص، سواء في الحضر أو السفر، ولو سفر معصية؛ لأن التيمم مشروع مطلقاً، سواء في الحضر أو السفر، في الطاعة أو المعصية، ولأنه عادم للماء، ولعموم قوله ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (١).
لكن عند الشافعية يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر، إلا العاصي بسفره في الأصح، فإنه يقضي؛ لأنه ليس من أهل الرخصة (٢).
ولا يعيد عند بقية المذاهب في الأرجح عند الحنابلة؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عهدته، ولأنه صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فأشبه المريض والمسافر (٣)، واستثنى الحنفية المكره على ترك الوضوء فإنه يتيمم ويعيد صلاته.
٣ - المرض أو بطء البرء: يتيمم إذا خاف باستعمال الماء على نفس أو منفعة عضو حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو ذلك، أوخاف من استعماله زيادة المرض أو طوله، أو تأخر
стр. 556
برئه، ويعرف ذلك بالعادة، أو بإخبار طبيب عارف، ولو غير مسلم عند المالكية والشافعية، مسلم عند الحنفية والحنابلة. وأضاف الشافعية في الأظهر والحنابلة حدوث شين فاحش في عضو ظاهر، لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره. والمراد بالظاهر ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين. وقال الحنابلة: من كان مريضاً لا يقدر على الحركة، ولا يجد من يناوله الماء للوضوء فهو كعادم للماء، له التيمم إن خاف فوت الوقت.
٤ - الحاجة إلى الماء في الحال أو في المستقبل: للمرء التيمم إذا اعتقد أو ظن ولو في المستقبل أنه يحتاج للماء احتياجاً مؤدياً إلى الهلاك أو شدة الأذى، بسبب عطش حيوان محترم شرعاً، من آدمي وغيره، ولو كلب صيد أو حراسة، بخلاف الحربي والمرتد والكلب غير المأذون فيه (ومنه عند الحنابلة: الكلب الأسود)، وذلك صوناً للروح عن التلف.
ومن أصناف الحاجة: الاحتياج للماء لعجن أو طبخ له ضرورة، أو لإزالة نجاسة غير معفو عنها، بشرط أن تكون عند الشافعية على البدن، فإن كانت على الثوب توضأ بالماء. وصلى عرياناً إن لم يجد ساتراً، ولا إعادة عليه.
وقال الشافعية والحنابلة (١): إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله، تيمم لها وصلى، وعليه القضاء عند الشافعية، ولا قضاء عليه عند الحنابلة. ولا إعادة للصلاة بالاتفاق على مسافر تيمم خوف العطش.
٥ - الخوف من تلف المال لو طلب الماء: قال المالكية: يتيمم القادر على استعمال الماء من حاضر أو مسافر إذا خاف
стр. 557
تلف مال ذي بال، سواء أكان له أم لغيره، لو طلب الماء الذي تحقق وجوده أو ظنه. أما إن شكه أو توهمه، فيتيمم ولو قل المال.
والمراد بالمال ذي البال: ما زاد على ما يلزمه بذله في شراء الماء. وقال غير المالكية: خوف عدو آدمي أو غيره أو حريق أو لص يجيز التيمم وعدم طلب الماء، سواء خاف على نفسه أو ماله أو أمانته، أو خافت امرأة فاسقاً عند الماء، أو خاف المديون المفلس الحبس، أو خاف فوات مطلوبه كتحصيل شارد، فحال كل واحد من هؤلاء كعادم الماء؛ لأن في ذلك ضرراً، وهو منفي شرعاً.
٦ - شدة البرد أي شدة برودة الماء: يجوز التيمم لشدة البرد إذا خاف ضرراً من استعمال الماء، ولم يجد ما يسخن به الماء.
لكن قيد الحنفية إباحة التيمم للبَرْد بما إذا خاف الموت أو التلف لبعض الأعضاء أو المرض، وبالجنب فقط ولو في الحضر، إذا لم تكن له أجرة حمام ولا ما يدفئه، لأنه هو الذي يتصور فيه ذلك. أما المحدث حدثاً أصغر فلا يجوز له التيمم للبرد في الصحيح.
وقيد المالكية جواز التيمم للبرد بحالة الخوف من الموت.
أما الشافعية والحنابلة: فأباحوا التيمم للبرد إذا تعذر تسخين الماء في الوقت، أو لم تنفع تدفئة أعضائه، وخاف على منفعة عضو أو حدوث شين فاحش، في عضو ظاهر عند الشافعية، أو في بدنه بسبب استعمال الماء عند الحنابلة.
ويقضي الصلاة عند الشافعية من تيمم لمرض، أو لبرد في الأظهر، ولا قضاء عليه عند المالكية والحنفية، وعند الحنابلة: روايتان: إحداهما - لا يلزمه القضاء، والثانية يلزمه الإعادة.
стр. 558
٧ - فقدان آلة الماء من دلو وحبل: يتيمم من له قدرة على استعمال الماء، ولكن لم يجد من يناوله إياه، أولم يجد آلة من حبل أو دلو، إذا خاف خروج الوقت، لأنه بمنزلة عادم الماء.
وأضاف الحنابلة: أنه يلزم طلب الآلة بالاستعارة ليحصل بها الماء، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قبول عارية؛ لأن المنة في ذلك يسيرة. وإن قدر على استخراج ماء بئر بثوب يبله، ثم يعصره، لزمه ذلك لقدرته على تحصيل الماء، كما لو وجد حبلاً ودلواً، إذا لم تنقص قيمة الثوب أو أكثر من ثمن الماء الذي يستخرجه في مكانه، فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه كشرائه. ويلزمه قبول الماء قرضاً، وقبول ثمنه قرضاً، إذا كان له ما يوفيه منه؛ لأن المنة في ذلك يسيرة، ولا يلزمه اقتراض ثمن الماء للمنة، ويلزمه قبول الماء إذا بذل له هبة لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة، ولا يلزمه قبول ثمن الماء هبة للمنة، ولا يلزمه شراء الماء بدين في ذمته، ولو قدر على أدائه في بلده؛ لأن عليه ضرراً في بقاء الدين في ذمته، وربما تلف ماله قبل أدائه.
٨ - الخوف من خروج وقت الصلاة: لم يجز الشافعية (١) التيمم خوفاً من خروج الوقت؛ لأنه يكون متيمماً مع وجود الماء، واستثنوا حالة المسافر فإنه لا يلزم بطلب الماء ويتيمم إذا خاف خروج الوقت وخاف على نفسه أو ماله أو انقطاعه عن الرفقة.
وكذلك الحنابلة لم يجيزوا التيمم لخوف فوت الوقت سواء لجنازة أو عيد أو فريضة، إلا لمسافر علم وجود الماء في مكان قريب، لكن إذا قصده خاف خروج
стр. 559
الوقت، فيتيمم حينئذ، ويصلي ولا إعادة عليه، لأنه غير قادر على استعماله في الوقت، فأشبه عادم الماء (١).
ولم يجز الحنفية التيمم خوف خروج الوقت إلا فيما يأتي (٢):
أولاً - يتيمم لفقد الماء خوف فوت صلاة جنازة ولو جنباً، أو فوت صلاة عيد بسبب الخوف من فراغ إمام أو زوال شمس لو اشتغل بالوضوء، سواء أكان إماماً أم غيره في الأصح، لفواتهما بلا بدل، ولما روي عن ابن عباس ﵄ قال: إذا فاجأتك صلاة جنازة، فخشيت فوتها، فصل عليها بالتيمم. وعن ابن عمر ﵄ أنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم، ثم صلى عليها. وإذا تيمم لصلاة جنازة أو لسجدة تلاوة يجوز له عند فقد الماء أداء سائر الصلوات (٣).
ثانياً - له التيمم أيضاً لفقد الماء خوف فوت صلاة كسوف وسنن المفروضات، ولو سنة فجر، إذا أخرها بحيث لو توضأ، فات وقتها.
ولا يصح التيمم لصلاة الجمعة وسائر الصلوات المكتوبة والوتر إذا خاف فوت الوقت؛ لأن للجمعة بدلاً وهو الظهر، ولأن بقية الصلوات تقضى.
وقال المالكية على المعتمد (٤): يجوز التيمم لعادم الماء خوف خروج الوقت
стр. 560
محافظة على أداء الصلاة في وقتها، فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل، فلا يتيمم.
والأظهر خلاف المشهور: أنه يجوز التيمم لعادم الماء وقت الأداء لحاضر (مقيم) صحيح لأداء جمعة، وصلاة جنازة، متعينة أم لا، خاف فواتها، ويصلي ولا يعيد.
كما يجوز التيمم لعادم الماء لأداء السنة والمندوب ومس المصحف، والطواف غير الواجب.
والخلاصة أن أسباب التيمم ترجع إلى أمرين:
الأول: فقد الماء، ويشمل حالة الحاجة إلى الماء ولو في المستقبل، وحالة الخوف من تلف المال، وخوف خروج الوقت بالطلب أو الاستعمال.
و الثاني - العجز عن استعمال الماء. ويشمل بقية الحالات. والأمر الثاني مقيس على الأمر الأول: وهو فاقد الماء المنصوص عليه في آية التيمم.
واتفق الفقهاء على أنه يجوز التيمم لاثنين: للمريض وللمسافر إذا عدم الماء.
هل تعاد الصلاة المؤداة بالتيمم؟ اتفق الفقهاء على أن من تيمم لفقد الماء، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت (وقت الصلاة)، لا إعادة عليه. أما إن وجد الماء في الوقت، أو تيمم لأسباب أخرى ففيه اختلاف (١):
стр. 561
قال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا إعادة على من تيمم ثم وجد الماء في الوقت، ولا قضاء عليه بالتيمم للأسباب الأخرى، إلا أن المالكية قالوا: كل من أمر بالتيمم يعيد الصلاة في الوقت إذا كان مقصراً أي عنده نوع من التقصير في البحث عن الماء، أو طلبه.
واستثنى الحنفية: المحبوس الذي صلى بالتيمم فإنه يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر، ولا يعيدها في السفر. والأيسر الأخذ بهذا الرأي.
ودليلهم: ما روى أبو داود عن أبي سعيد: «أن رجلين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكر له ذلك، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين».
وتيمم ابن عمر وهو يرى بيوت المدينة، وصلى العصر، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يعد.
ولأن المتيمم فعل ما أمر به، وأدى فرضه كما أمر، فلم يلزمه الإعادة، ولأن عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة، كالمرض، وماسقط لايعود إلى الذمة.
وذهب الحنابلة على المشهور في المذهب إلى أن المتيمم واجد الماء في الصلاة، ينتقض تيممه، وتبطل طهارته، ويعيد الطهارة ويستأنف الصلاة من جديد، لقوله ﷺ : «الصعيد الطيب: وضوء المسلم، إن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمِسَّه جلدك» (١) دل بمفهومه: على أنه لا يكون طهوراً عند وجود الماء،
стр. 562
وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند وجوده، ولأنه قدر على استعمال الماء، فبطل تيممه كالخارج من الصلاة، ولأن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها.
وإن عدم الماء تيمم وصلى ولم يعد الصلاة؛ لأنها صلاة تيمم صحيح، وإن خاف العطش أبقى ماءه ولا إعادة عليه.
وقال الشافعية: إن تيمم لعدم الماء، ثم رأى الماء:
أـ فإن كان قبل الدخول في الصلاة، بطل تيممه، لأنه لم يشرع في المقصود، وللحديث السابق عن أبي ذر: «فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك».
ب - وإن رأى الماء في أثناء الصلاة: فإن كان في الحضر بطل تيممه وصلاته؛ لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة. والأصح أن خروجه من الصلاة وقطعها ليتوضأ أفضل. وإن كان في السفر لم يبطل تيممه على المذهب؛ لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود، فلا يلزمه الانتقال إليه.
وإن رأى الماء في الصلاة في السفر، ثم نوى الإقامة، بطل تيممه وصلاته؛ لأنه اجتمع حكم السفر والحضر في الصلاة، فوجب أن يغلَّب حكم الحضر، ويصير كأنه تيمم وصلى، وهو حاضر، ثم رأى الماء.
جـ - وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة: إن كان في الحضر، أعاد الصلاة؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلم يسقط معه فرض الإعادة، كما لو صلى بنجاسة نسيها. وإن كان في السفر لا تلزمه الإعادة، سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً في أشهر القولين عن الشافعي.
стр. 563
وإن كان سفر معصية فالأصح أنه تجب عليه الإعادة كالمقيم؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر، والسفر معصية، فلا تتعلق به رخصة.
وإن تيمم للمرض وصلى، ثم برئ، لم تلزمه الإعادة أي في الوقت؛ لأن المرض من الأعذار العامة، فهو كعدم الماء في السفر.
وإن تيمم لشدة البرد، وصلى، ثم زال البرد: فإن كان في الحضر، لزمه الإعادة؛ لأن ذلك من الأعذار النادرة. وإن كان في السفر ففيه قولان أرجحهما أنه تجب الإعادة، لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك، ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل، فهو كعدم الماء في الحضر.
أما قضاء الصلاة المؤداة بالتيمم عند الشافعية: فقالوا فيه: يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر، إلا العاصي بسفره كالآبق والناشزة، فإنه يقضي في الأصح، لأنه ليس من أهل الرخصة.
ويقضي في الأظهر من تيمم في السفر للبرد، أو لمرض يمنع الماء مطلقاً (أي في جميع أعضاء الطهارة)، أو يمنع الماء في عضو من أعضاء الطهارة ولا ساتر عليه، أو بسبب وجود ساتر كجبيرة في محل التيمم (الوجه واليدين)، أو حالة وجود ساتر وضع على حدث في غير أعضاء التيمم.
والخلاصة: أن ما كان من الصلاة بعذر دائم كصلاة المستحاضة والمريض قاعداً، والمسافر: لا يقضي. وما كان منها بعذر لا يدوم وليس له بدل كفاقد الطهورين (الماء والتراب)، والمصلوب إذا صلى بالإيماء: يقضي، وما كان منها بعذر لا يدوم وله بدل كتيمم المقيم وتيمم المسافر لشدة البرد، ففي القضاء قولان أرجحهما أنه يقضي.
стр. 564
ولا يخفى ما في رأي الشافعية من تشدد، يقتضي الجنوح إلى الأخذ برأي الحنفية وموافقيهم.
المطلب الثالث - أركان التيمم أو فرائضه:
للتيمم أركان أو فرائض، علماً بأن المراد بالركن أو الفرض ما يتوقف عليه، أساساً وجود الشيء أو هو جانبه الأقوى، وهو اصطلاح الجمهور (غير الحنفية)، أما الحنفية فيحصرون الركن فيما يتوقف الشيء على وجوده، وكان جزءاً من حقيقته. وبناء عليه قالوا: للتيمم ركنان فقط: هما الضربتان، والاستيعاب بالمسح وجهه ويديه إلى المرفقين.
أما الجمهور فقالوا: أركان التيمم أربعة أو خمسة على الاختلاف الآتي (١):
١ - النية عند مسح الوجه: هي فرض باتفاق المذاهب الأربعة، منهم القدوري وصاحب الهداية من الحنفية، وجعلها جماعة من الحنفية وبعض الحنابلة شرطاً، وهو المعتمد في مذهبي الحنابلة والحنفية.
والنية عند المالكية: أن ينوي استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث، أو فرض التيمم عند مسح الوجه، ولو نوى رفع الحدث فقط كان تيممه باطلاً؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث على المشهور عندهم.
стр. 565
ولو نوى فرض التيمم أجزأه، ولا يلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، أو الأصغر.
أما لو نوى استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث فيلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، ويندب نية الأصغر، كما تقدم سابقاً.
ويندب فقط تعيين الصلاة المتيمم لها من فرض أو نفل، أو هما معاً. فإن لم يعين الصلاة لا يصلي الفرض بنية النفل، ولا بنية مطلق الصلاة لأن الفرض يحتاج لنية تخصه.
وقال الشافعية: لا بد أن ينوي استباحة الصلاة ونحوها، فلا يكفي في الأصح نية فرض التيمم أو فرض الطهارة، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة أو رفع الحدث، لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم، ولأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يجعل مقصوداً.
والأصح عندهم أنه لا يشترط التعيين في النية، فإذا أطلق، صلى أي فرض شاء، وإن عين فرضاً، جاز أن يصلي غيره فرضاً أو نفلاً في الوقت أو غيره، لكن لا يصلي الفرض بنية النفل، أو بنية استباحة مطلق الصلاة، أي كما قال المالكية.
ويجب عندهم قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه، لأنه أول الأركان، ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه.
وينوي عند الحنابلة استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم كالصلاة ونحوها، من طواف ومس مصحف، أي كما قال الشافعية، ولا يصح بنية رفع الحدث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك» (١).