القذف بالشهادة والإقرار. أما على أصل الشافعي فلأن حد القذف حق خالص للعبد، فيشترط فيه الدعوى، كما في سائر حقوق العباد، ويسقط إذا عفا عنه، بدليل ما روى ابن السني: «أن النبي ﷺ قال: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان يقول: تصدقت بعرضي» والتصدق بالعرض لا يكون إلا بالعفو عما يجب له.
وأما عند الحنفية: فحد القذف وإن كان المغلب فيه حق الله ، ولكن للشخص فيه حق؛ لأنه ينتفع به بصيانة عرضه عن الهتك، فيشترط فيه رفع الدعوى عن جهة حق الشخص؛ لأن حق الشخص الخاص لا يثبت إلا بمطالبته وخصومته (١). وسأتكلم عن الخصومة في موضعين: حكم الخصومة، ومن يملك الخصومة.
حكم الخصومة أو الدعوى: الأفضل للمقذوف أن يترك الخصومة؛ لأن فيها إشاعة الفاحشة، وهو مندوب إلى تركها، وكذا العفو عن الخصومة أفضل لقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] ويستحسن للقاضي إذا رفع الأمر إليه أن يرغب المدعي بترك الدعوى (٢).
من يملك الخصومة ومن لا يملكها:
المقذوف: إما أن يكون حياً وقت القذف، وإما أن يكون ميتاً. فإن كان حياً فلا خصومة لأحد سواه، ولو كان ولداً أو والداً له، سواء أكان حاضراً أم غائباً؛ لأنه إذا كان حياً وقت القذف، كان هو المقذوف صورة ومعنى بإلحاق العار به، فكان حق الخصومة له.
стр. 5252
وتجوز الإنابة في هذه الخصومة وهو التوكيل بالإثبات بالبينة عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: لا تجوز، إذ لا تصح وكالة في حد ولاقصاص عنده. دليله: أنه كما لا يجوز التوكيل في استيفاء حد القذف، فلا يجوز ذلك في إثباته؛ لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء.
ودليل الطرفين: أنه يفرق بين الإثبات والاستيفاء، وهو أن امتناع التوكيل في الاستيفاء بسبب الشبهة، وهي منعدمة في التوكيل بالإثبات (١).
وأما إذا كان المقذوف ميتاً: فإن حق الخصومة للوالد وإن علا، وللولد وإن سفل؛ لأن معنى القذف وهو إلحاق العار عائد إلى الأصل والفرع، لوجود الجزئية بالنسبة للفرع والبعضية بالنسبة للأصل، وقذف الإنسان يكون قذفاً لأجزائه، فكان القذف لاحقاً بهم من حيث المعنى، أما الميت فلا يرجع إليه معنى القذف؛ لأنه ليس بمحل لإلحاق العار به (٢). فإذا كان المقذوف حياً ثم مات، فليس لأحد من هؤلاء حق الخصومة؛ لأنه حد لا يورث كما عرفنا.
ولا حق في الخصومةأصلاً للإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات؛ لأنه وإن كان يؤلمهم نسبة الزنا إلى قريبهم، ولكنهم لا يلحقهم القذف لا صورة ولا معنى، لعدم انتسابهم إلى المقذوف لا بجزئية ولا بأصل.
وأما أولاد البنات فمختلف فيهم: فعند محمد: لا يملكون الخصومة؛ لأن ولد البنت ينسب إلى أبيه، لا إلى جده، فلم يكن مقذوفاً معنى بقذف جده.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: يملكون الخصومة؛ لأن النسبة الحقيقية بين المقذوف وأولاد بناته ثابتة بوساطة أمهاتهم، فصاروا مقذوفين معنى (٣).
стр. 5253
ويلاحظ أن حق الخصومة يثبت لأقارب المقذوف هؤلاء على السواء، دون مراعاة الترتيب في القرابة، فالأقرب والأبعد في هذا الحق سواء؛ لأنه ثابت لهم ابتداء، وليس من طريق الإرث عن الميت وانتقاله لهم.
وقال زفر: يراعى الترتيب في القرابة؛ لأن عار الأقرب يزيد على الأبعد (١).
ونص المالكية والشافعية والحنابلة (٢): على أن حق القذف يثبت للورثة، فإن كان هناك وارثان، فعفا أحدهما ثبت للآخر جميع الحد، تحقيقاً للردع الذي شرع الحد من أجله. فإن لم يكن وارث، ثبت الحق فيه للمسلمين، ويستوفيه السلطان.
التوكيل في استيفاء الحد:
عرفنا خلاف الحنفية في التوكيل في إثبات الحد، فهل تصح الوكالة في استيفاء الحد؟
اتفق الحنفية على أنه لا تصح الوكالة في استيفاء الحدود والقصاص، فلا بد من وجود المقذوف، ووجود ولي القصاص حين الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء عند غيبة الموكل استيفاء مع الشبهة، فقد يجوز فيما لو حضر المقذوف أن يصدِّق القاذف، والحدود لا تستوفى مع الشبهات (٣).
وإذا حضر المقذوف يقوم ولي الأمر أو نائبه باستيفاء حد القذف، لتطلبه معرفة معينة. وأما القصاص فيستوفيه ولي الدم، أو من يوكله بسبب عجزه وضعف قلبه بإشراف الحاكم.
стр. 5254
وإذا طلب المقذوف إقامة الحد على القاذف، وخاصم بين يدي القاضي، وحكم القاضي بالحد، ثم مات المقذوف، أو مات قبل المطالبة، أو مات بعد ما ضرب بعض الحد، فيبطل الحد ويبطل ما بقي منه، وإن كان سوطاً واحداً. وليس لأحد الحق في متابعة الخصومة أو الاستيفاء، وحينئذ فلا تبطل شهادة القاذف عند الحنفية؛ لأن المغلب في حد القذف هو حق الله تعالى، فلا يورث كما
عرفنا (١). وقال الشافعي وأحمد: يقوم الوارث مقام المقذوف في إثبات الحد واستيفائه؛ لأن حد القذف حق خالص للإنسان عنده، فيورث كل ما ترتب على القذف من حق الخصومة، ومتابعتها، واستيفاء الحد، وما تبقى منه (٢).
شرائط البينة لإثبات القذف:
لا يشترط في بينة المقذوف لإثبات القذف سوى الشروط التي تعم الحدود التي سبق ذكرها، وهي الذكورة والأصالة، فلا تقبل شهادة النساء ولا الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي (٣).
ولا يشترط عدم التقادم في حد القذف، فلو تأخر الشهود زمناً طويلاً عن أداء الشهادة، ثم شهدوا على القذف، تقبل شهادتهم، بخلاف بقية الحدود كما عرفنا. والسبب في التفرقة بين حد القذف وغيره: هو أن التأخير فيه لا يدل على الضغينة والتهمة؛ لأنه يشترط رفع الدعوى في القذف، فاحتمل أن يكون التأخر في أداء الشهادة لتأخر المدعي في رفع الدعوى (٤).
стр. 5255
شرائط الإقرار بالقذف:
كذلك لا يشترط في الإقرار بالقذف سوى الشروط العامة في الإقرارات في كل الحدود: وهي البلوغ والنطق، فلا يصح إقرار الصبي في الحدود، ولا إقرار الأخرس، سواء بالكتابة أم بالإشارة، كما ذكر في حد الزنا.
ولا يشترط تعدد الإقرار بالقذف بالاتفاق، ولا عدم التقادم أيضاً (١).
إثبات القذف بعلم القاضي:
اتفق الحنفية على أن حد القذف يثبت بعلم القاضي في زمان القضاء ومكانه. واختلفوا في إثباته في غير زمان القضاء ومكانه (٢). فقال متقدموهم: له أن يقضي بعلمه في الواقعة، وقال متأخروهم: لا يجوز له أن يقضي بعلمه مطلقاً في الحوادث المتنازع فيها بسبب غلبة الفساد والسوء في القضاة!.
تحليف القاذف ونكوله:
إذا لم يكن للمدعي بينة على القذف، وطلب من القاضي أن يستحلف القاذف بالله تعالى ما قذفه، فلا يحلف عند الحنفية؛ لأن المقصود من الاستحلاف القضاء بالنكول عند عدم الحلف، والنكول يكون قائماً مقام الإقرار، ولكن الحد لا يقام بما هو قائم مقام غيره (٣).
وقال مالك والشافعي: يحلف، وإذا نكل لا ترد اليمين على المدعي في الحدود. وقال أحمد: يحلف ولا ترد اليمين على المدعي، وإنما يقضي القاضي على المدعى عليه بالنكول عن اليمين، بإلزامه بادعاء المدعي (٤).
стр. 5256
ومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور: هل حد القذف خالص للإنسان، فيجري فيه الاستحلاف كما في سائر حقوق العباد، أو أن فيه حقين، وحق الله غالب، فلا يحلف، وقد سبق بيانه في صفة حد القذف.
المبحث السادس - صلاحيات القاضي في إثبات القذف:
إذا رفعت دعوى القذف إلى القاضي، فإما أن ينكر القاذف، أو يقر. فإن أنكر وطلب المقذوف من القاضي التأجيل لإقامة البينة، وادعى أن له بينة في المصر على قذفه، فإنه يؤجله إلى أن يقوم من مجلسه، ويحبس (١) المدعى عليه القذف في تلك الفترة. فإن أحضر البينة قبل قيام الحاكم من مجلسه، تمَّ المقصود، وإلا خلَّى سبيله.
ولا يجوز عند أبي حنيفة في فترة الانتظار إلى آخر مجلس الحاكم أن يأخذ كفيلاً بنفس المدعى عليه؛ لأن المقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في إيفاء الحد، وهذا لا يتحقق في الحدود والقصاص، ولأن الكفالة شرعت للاستيثاق، والحدود مبناها على الدرء والإسقاط، قال ﵊: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم» (٢) فلا يناسبها الاستيثاق بالكفالة، بخلاف الحبس، فإن الحبس للتهمة مشروع.
وقال الصاحبان والشافعية: يأخذ القاضي من المدعى عليه كفيلاً بنفسه إلى ثلاثة أيام، ليأتي بالبينة، ولا يحبسه؛ لأنه لا ضرر على المدعى عليه، فتؤخذ منه
стр. 5257
الكفالة كما في الأموال، ولأنه إذا كان الحبس جائزاً في الحدود، فالكفالة أولى؛ لأن معنى الوثيقة في الحبس أبلغ منه في الكفالة، فلما جاز الحبس، فالكفالة أحق بالجواز (١)، وأما مدة الثلاثة الأيام فهي وقت قريب، لقوله : ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب﴾ [هود:٦٤/ ١١] ثم قال: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ [هود:٦٥/ ١١].
وإن قال المقذوف: (لا بينة لي) أو (بينتي غائبة، أو خارج المصر) فإن القاضي يخلي سبيل القاذف، ولا يحبس بالاتفاق لعدم التهمة (٢).
موقف القاضي من القاذف بعد ثبوت القذف:
إن أقام المقذوف البينة على صحة القذف، أو أقر القاذف كما ذكر، فإن القاضي يقول للقاذف: «أقم البينة على صحة قولك».
فإن أقام أربعة من الشهود على معاينة الزنا، أو على إقرار المقذوف بالزنا، بين يدي الإمام أربع مرات، سقط الحد عن القاذف، ويقام حد الزنا على المقذوف؛ لأنه ظهر أن القاذف صادق في مقالته (٣).
وإن عجز عن إقامة البينة، يقام عليه حد القذف، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور:٤/ ٢٤].
فإن طلب التأجيل من القاضي، وقال: (شهودي غيَّب) أو (خارج المصر) لم يؤجله.
стр. 5258
وإن قال: (شهودي في المصر) أجله إلى آخر المجلس، ولازمه المقذوف، ويقال له: «ابعث أحداً إلى شهودك فأحضرهم» ولا يؤخذ منه كفيل بنفسه عند أبي حنيفة؛ لأن في التأجيل إلى آخر المجلس الثاني منعاً من استيفاء الحد بعد ظهوره.
وقال الصاحبان: يؤجل (أي القاذف) يومين أو ثلاثة، ويؤخذ منه كفيل؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقاً في إخباره أن له بينة في المصر، وربما لا يمكنه الإحضار في ذلك الوقت، فيحتاج إلى التأخير إلى المجلس الثاني، وأخذ الكفيل لئلا يفوت حقه.
وروي عن محمد ﵀ أنه قال: إذا ادعى أن له بينة حاضرة في المصر، ولم يجد أحداً يبعثه إلى الشهود، فإن القاضي يبعث معه من الشُّرَط (١) من يحفظه ولا يتركه حتى يفر، فإن عجز، أقيم عليه الحد. فإن ضرب القاذف بعض الحد، ثم حضر الشهود، وشهدوا على صدق مقالته، قبلت بينته، وبطل الحد الباقي، ولا تبطل شهادته، ويقام حد الزنا على المقذوف.
وإن ضرب القاذف الحد بتمامه، ثم شهد الشهود على صدق مقالته، تقبل شهادتهم. ويظهر أثر القبول في استرداد عدالة القاذف وقبول شهادته؛ لأنه تبين أنه لم يكن محدوداً في القذف حقيقة، حيث ظهر أن المقذوف لم يكن محصناً؛ لأن من شرائط الإحصان: العفة عن الزنا، وقد ظهر زناه بشهادة الشهود، فلم يصر القاذف مردود الشهادة (٢).
стр. 5259
اللعان بعد إثبات القذف: قال الشافعية (١): إن ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها وأنكر، فشهد شاهدان أنه قذفها، جاز أن يلاعن؛ لأن إنكاره للقذف لايكذب ما يلاعن عليه من الزنا؛ لأنه يقول: إنما أنكرت القذف، وهو الرمي بالكذب، وما كذبت عليها؛ لأني صادق أنها زنت، فجاز أن يلاعن.
ما يسقط حد القذف: يسقط حد القذف بأحد أمور ثلاثة:
١ - إثبات الزنى على المقذوف بالبينة أو بإقراره به.
٢ - عفو المقذوف عن القاذف في رأي الشافعية؛ لأنه عندهم حق من حقوق العباد.
٣ - اللعان بين الزوجين، لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور:٦/ ٢٤].
стр. 5260
الفَصْلُ الثَّالث: حَدّ السَّرقة
خطة الموضوع:
بيان حد السرقة في المباحث الأربعة الآتية:
المبحث الأول: تعريف السرقة وحكمها وصفة حدها.
المبحث الثاني: شروط السرقة الموجبة للحد.
المبحث الثالث: إثبات السرقة، وإقامة الدعوى بها.
المبحث الرابع: ما يسقط الحد بعد وجوبه.
المبحث الأول - تعريف السرقة وحكمها وصفة حدها:
تعريف السرقة: السرقة: هي أخذ مال الغير من حرز المثل على الخفية والاستتار. ومنه استراق السمع ومسارقة النظر إذا كان يستخفي بذلك.
و وقت الخفية: هو عند ابتداء وانتهاء أخذ المسروق إذا كانت السرقة نهاراً، ويمتد النهار إلى وقت العشاء، وعند ابتداء الأخذ فقط إذا كانت السرقة ليلاً، حتى لو دخل السارق البيت ليلاً خفية، ثم أخذ المال مجاهرة ولو بعد مقاتلة ممن في يده، قطع استحساناً، إذ لو اعتبروا الخفية في الليل في نهاية الأخذ أيضاً لامتنع الحد في أكثر السرقات في الليالي؛ لأن أكثرها يصير مغالبة عند انتهاء الأخذ، لأنه وقت لايلحق فيه الغوث.
стр. 5261
وهل العبرة في الخفية لزعم السارق أن رب الدار لم يعلم به أم لزعم أحدهما وإن كان رب الدار؟ فيه خلاف عند الحنفية. ويظهر الخلاف فيما لو ظن السارق أن رب الدار علم به، مع أنه لم يعلم، فالخفية هنا في زعم رب الدار، لا في زعم السارق، فعند الزيلعي: لا يقطع؛ لأن شرط السرقة أن تكون خفية على زعم السارق. وفي الخلاصة والمحيط والذخيرة: يقطع اكتفاء بكونها خفية في زعم أحدهما. أما لو زعم اللص أن المالك لم يعلم به مع أنه عالم، يقطع، اكتفاء بزعمه الخفية. وكذا لو يعلما معاً، وأما لو علما
بالأخذ معاً فلا قطع (١).
واتفق العلماء على أنه ليس في الاختطاف أو الخيانة فيما ائتمن عليه أو الاختلاس أو النهب أو الغصب حد، لقوله ﵊:
«ليس على الخائن ولا المختلس قطع» (٢) وقوله أيضاً: «ليس على المنتهب قطع» (٣).
والاختلاس: أن يستغل صاحب المال فيخطفه ويذهب بسرعة جهراً، فهو من يتعمد الهرب.
والخائن: هو الذي يضمر ما لا يظهره في نفسه. والمراد به: هو الذي يأخذ المال خفية من مالكه، مع إظهاره له النصيحة والحفظ.
стр. 5262
و المنتهب: هو المغير، مأخوذ من النهبة: وهي الغارة والسلب، والمراد به: الذي يأخذ المال على جهة الغلبة والقهر (١).
ورأى الحنابلة أن جاحد عارية قيمتها نصاب يقطع، ولا يقطع جاحد وديعة، أي أن خائن الوديعة لا يقطع عندهم. وقال الجمهور: لا يقطع جاحد المستعار، ولا جاحد الوديعة.
والفرق بين السارق الذي تقطع يده، والمختلس والمنتهب والغاصب الذين لا تقطع أيديهم هو ما يأتي (٢):
إن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر مما قام به، فلو لم يشرع قطعه، لسرق الناس بعضهم بعضاً، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بسبب السراق، بخلاف المنتهب والمختلس.
فإن المنتهب: هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم.
وأما المختلس: فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ، لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه. وأيضاً فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالباً، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالباً، فهو كالمنتهب.
стр. 5263
وأما الغاصب، فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب. وإذا لم تقطع يد هؤلاء، يكف عدوانهم بالضرب والنكال والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال.
حكم السرقة: الأصل في مشروعية حد السرقة قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨/ ٥] وقال ﷺ : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا
إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه» (١). وفي رواية: «أقاموا عليه الحد» وإذا ثبتت السرقة فالواجب فيها القطع من حيث هي جناية، والغرم إذا لم يجب القطع.
واختلفوا: هل يجمع بين الضمان والقطع؟ لا خلاف بين العلماء في أنه إذا قطع السارق، والعين قائمة، ردت على صاحبها، لبقائها على ملكه. فإن كانت تالفة اختلفوا في ضمانها، فقال الحنفية: إذا هلك المسروق، فلا يجتمع على السارق وجوب الغرم (أي الضمان) مع القطع. فإن اختار المسروق منه الغرم لم يقطع السارق، أي قبل وصول الأمر إلى الحاكم. وإن اختار القطع، واستوفي منه لم يغرم السارق؛ لأن الشارع سكت عن الغرم، فلا يجب مع القطع شيء. قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، جزاء بما كسبا﴾ [المائدة:٣٨/ ٥] فالله سبحانه جعل القطع كل الجزاء، فلو أوجبنا الضمان، لصار القطع بعض الجزاء، فيكون نسخاً لنص القرآن (٢).
стр. 5264
وقال ﵊: «إذا قطع السارق فلا غرم عليه» (١).
وقال المالكية: إن كان السارق موسراً عند القطع، وجب عليه القطع والغرم، تغليظاً عليه، وإن كان معسراً لم يتبع بقيمته، ويجب القطع فقط، ويسقط الغرم تخفيفاً عنه، بسبب عذره بالفاقة والحاجة (٢).
وقال الشافعية والحنابلة: يجتمع قطع وضمان، فيرد ما سرق لمالكه، وإن تلف فيرد بدله، فإذا تلف المسروق في يد السارق ضمن بدله: برد مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان قيمياً، سواء أكان موسراً أم معسراً، قطع أم لم يقطع، فلا يمنع القطع وجوب الضمان، لاختلاف سبب وجوب كل منهما، فالضمان يجب لحق الآدمي، والقطع يجب لحق الله تعالى، فلا يمنع أحدهما الآخر، كالدية والكفارة، والجزاء والقيمة في قتل الصيد الحرمي المملوك (٣).
ويلاحظ أن منشأ الخلاف بين الحنفية وغيرهم: هو قاعدة تملك المضمون عند الحنفية، وهي «أن المضمونات تملك بالضمان، ويستند الملك فيها إلى وقت وجوب الضمان» فلا يجتمع عندهم القطع والضمان؛ لأنه لو ضمن لملك المسروق، واستند ملكه إلى وقت الأخذ، فيحصل القطع في ملك نفسه، وهو لا يجوز.
وقال الشافعي وغيره: لا تملك المضمونات بالضمان، فيجتمع القطع والضمان لتعدد السبب، وعدم إسناد الضمان إلى وقت الأخذ (٤).
стр. 5265
والراجح الواضح هو قول الشافعية والحنابلة، لاختلاف سبب كل من الضمان والقطع، ولضعف الحديث الذي استند إليه الحنفية.
حالة تكرار السرقة: اتفق العلماء على أن السارق تقطع يده اليمنى في السرقة الأولى، فإذا سرق ثانية تقطع رجله اليسرى. واختلفوا في قطع اليد اليسرى في السرقة الثالثة، والرجل اليمنى في السرقة الرابعة.
قال الحنفية والحنابلة: لا يقطع السارق أصلاً بعد اليد اليمنى والرجل اليسرى، ولكنه يضمن المسروق، ويعزر، ويحبس حتى يتوب، بدليل ما روي عن سيدنا علي ﵁ أنه أتي بسارق، فقطع يده، ثم أتي به ثانية وقد سرق، فقطع رجله، ثم أتي به ثالثة، فقال: «لا أقطعه، إن قطعت يده فبأي شيء يأكل، بأي شيء يتمسح، وإن قطعت رجله فبأي شيء يمشي، إني لأستحي من الله» فضربه بخشبة وحبسه (١). وروي مثل ذلك عن سيدنا عمر ﵁ (٢). وهذا استحسان.
وقال المالكية والشافعية: إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة قطعت رجله اليمنى، ثم يعزر (٣)؛ لأن فعله معصية ليس فيها حد ولا كفارة، فعزر فيها، والدليل لقطع اليد والرجل الأخرى: ما روى أبو هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ قال في السارق: إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق
стр. 5266
فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله» (١) وهو فعل أبي بكر وعمر ﵄ (٢).
وبما أنه لم يثبت حديث صحيح في هذا الأمر، فلا بأس في عصرنا بالأخذ برأي الحنفية والحنابلة.
والحكمة في قطع اليد والرجل: أن اعتماد السارق في السرقة على البطش والمشي، فإنه يأخذ بيده وينتقل برجله، فتعلق القطع بهما، وإنما قطع من خلاف، لئلا يفوت جنس المنفعة عليه فتضعف حركته (٣).
الفرق بين اعتبار اليد في السرقة وبين اعتبارها في الدية:
إن قطع اليد في ربع دينار، وجعل ديتها عند الاعتداء عليها بالبتر أو القطع خمسمئة دينار (أي نصف دية في الشرع) هو من أعظم المصالح والحكمة البالغة، فإن الشرع احتاط في الموضعين للأموال والأطراف، فقرر قطعها في سرقة ربع دينار فصاعداً، حفظاً لأموال الناس، وإهانة لها حال كونها خسيسة، وجعل ديتها بالعدوان عليها خمسمئة دينار، حفظاً لها وصيانة، وتقديراً لأهميتها حال كونها شريفة (٤). وقد تساءل بعضهم، قيل: إنه أبو العلاء المعري (٥)، فقال:
стр. 5267
يد بخمس مئين عسجد وُدِيَت … ما باله قطعت في ربع دينار
تناقض مالنا إلا السكوت له … ونستجير بمولانا من العار
فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت، وضمنه الناظم قوله:
يد بخمس مئين عسجد وديت … لكنها قطعت في ربع دينار
عز الأمانة أغلاها، وأر خَصَها … ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري
وروي أن الشافعي ﵀ أجاب بقوله:
هناك مظلومة غالت بقيمتها … وههنا ظلمت، هانت على الباري
مكان القطع: قال جمهور العلماء: مكان القطع في اليد هو من الكوع أو مفصل الزند (الرسغ)، لما روي أنه ﵇ قطع يد السارق من مفصل الزند (١) وقال قوم: الأصابع فقط.
ومكان القطع في الرجل عند الجمهور من مَفْصِل القدم، بدليل ما روى ابن المنذر عن عمر ﵁ أنه قطع الرجل من المفصل. وروى البيهقي عن علي
стр. 5268
﵁ أنه يقطع من خنصر القدم (١) ويبقى له الكعب ليعتمد عليه. وبه قال أبو ثور، والراجح المشهور عملاً هو كون القطع من مفصل الزند ومن مفصل القدم.
وإذا قطع فالسنة أن يعلق العضو في عنقه ساعة، لما روى فضالة بن عبيد، قال: «أتي النبي ﷺ بسارق، فأمر به فقطعت يده، ثم أمر فعلقت في رقبته» ولأن في ذلك ردعاً للناس. ويحسم موضع القطع، لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بسارق، فقال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به، فأتي به، فقال: تب إلى الله تعالى، فقال: تبت إلى الله تعالى، فقال: تاب الله عليك. والحسم: هو أن يغلى الزيت غلياً جيداً، ثم يغمس فيه موضع القطع لتنحسم العروق، وينقطع الدم (٢) وعلى المحدود أجرة قاطع، وثمن زيت حسم.
صفة حد السرقة: حد السرقة بالاتفاق حق خالص لله تعالى، فلا يحتمل العفو والصلح والإبراء بعد ثبوته، فلو أمر الحاكم بقطع السارق، فعفا عنه المسروق منه، كان عفوه باطلاً؛ لأن صحة العفو تعتمد كون العفو عنه حقاً للعافي، والقطع حق خالص لله . ومن هنا قرر الحنفية هذه القاعدة: «الصلح عن الحدود باطل» (٣).
ويترتب عليه (٤): أنه يجري التداخل في حد السرقة، فلو سرق شخص سرقات، فرفع الأمر فيها كلها أو بعضها إلى الحاكم، فيقام حد واحد هو القطع
стр. 5269
لكل السرقات؛ لأن الجرائم التي هي من جنس واحد يكتفى فيها بحد واحد، كما في الزنا، إذ المقصود من إقامة الحد هو الزجر والردع، وهو يحصل بإقامة حد واحد.
وإذا ثبت الحد عندالسلطان، لم يجز العفو عنه، ولا تجوز الشفاعة فيه؛ لأن الحد لله، فلا يجوز فيه العفو والشفاعة، ولما روت عائشة ﵂ قالت: «أتي لرسول الله ﷺ بسارق قد سرق، فأمر به فقطع، فقيل: يا رسول الله، ما كنا نراك تبلغ به هذا، قال: لو كانت فاطمة بنت محمد، لأقمت عليها الحد» (١). وقال الزبير: «إذا بلغ - أي الحد - السلطان فلعن الله الشافع والمشفع» (٢).
المبحث الثاني - شروط السرقة الموجبة للحد:
يشترط لإقامة حد السرقة شروط، بعضها في السارق، وبعضها في المسروق، وبعضها في المسروق منه، وبعضها في المسروق فيه، وهو المكان.
شروط السارق: يشترط في السارق توافر أهلية وجوب القطع: وهي العقل والبلوغ والاختيار والعلم بالتحريم، فلا يقطع الصبي والمجنون، لقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». ولأن القطع عقوبة، فيستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بأنه جناية. ولا يحد المكرَه لرفع القلم عنه، ولا يحد من أخذ شيئاً جاهلاً بتحريمه لقرب عهده بالإسلام.
وإذا اشترك الصبي أو المجنون مع جماعة في سرقة، فلا قطع على الجميع عند أبي حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى.
стр. 5270
وقال أبو يوسف ﵀: العبرة بمباشرة إخراج المتاع، فإن أخرجه الصبي أو المجنون، درئ الحد عن الجميع، وإن باشر الإخراج غيرهما قطع، ولا يقطع الصبي أو المجنون؛ لأن الإخراج من الحرز هو الأصل في السرقة، والإعانة كالتابع.
ودليل أبي حنيفة وزفر: أن السرقة واحدة، وقد حصلت ممن يجب عليه القطع وممن لا يجب عليه القطع، فلا يجب القطع على أحد، كالعامد مع الخاطئ إذا اشتركا في جريمة، وإخراج السرقة حصل من الكل من ناحية المعنى (١).
واشتراط البلوغ والعقل في السارق لإقامة الحد متفق عليه، وأضاف الشافعية والحنابلة شرط كونه مختاراً، التزم أحكام الإسلام، فلا يجب الحد على مكره، لحديث: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولا تجب على الحربي؛ لأنه لم يلتزم حكم الإسلام. وفي وجوب الحد على المستأمن والمهادن قولان عندهم: أحدهما - أنه لا يجب عليه حد السرقة؛ لأنه حق خالص لله تعالى، فلم يجب عليه كحد الشرب والزنا. والثاني - أنه يجب عليه؛ لأنه حد يجب لصيانة حق الآدمي، فوجب عليه كحد القذف.
وأضاف المالكية ألا يكون للسارق على المسروق منه ولادة، فلا يقطع الأب في سرقة مال ابنه لقوة الشبهة الآتية من حديث جابر عند ابن ماجه: «أنت ومالك لأبيك». وزاد الشافعي وأحمد ومالك الجد، فلا يقطع في مال حفيده، وزاد أبو حنيفة كل ذي رحم محرم، واختلفوا في الزوج والزوجة إذا سرق كل واحد منهما من مال صاحبه، كما سأوضح. وأضاف المالكية أيضاً ألا يضطر السارق إلى
стр. 5271
السرقة من جوع. وأضاف الحنابلة شرط كون السارق عالماً بمسروق وبتحريمه اعتباراً بما في ظن المكلف (البالغ العاقل). أما إذا سرق الولد من مال أحد أبويه فيقطع عند المالكية، ولايقطع عند بقية المذاهب، لأن الولد يتبسط في مال والديه عادة، فتكون هناك شبهة في إسقاط الحد.
شروط المسروق: يشترط في المسروق عدة شروط:
١ - أن يكون المسروق مالاً متقوما (١): والمراد بالمال: ما يتموله الناس ويعدونه مالاً؛ لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم، وما لا يتمولونه فهو تافه حقير، ولا تقطع اليد في الشيء التافه، كما كان عليه عهد رسول الله ﷺ . والمراد بالمتقوم: ما كان له قيمة يضمنها متلفه عند اعتدائه عليه.
وبناء على هذا: لو سرق إنسان صبياً حراً، لا تقطع يده، لأن الحر ليس بمال (٢)، وإنما يعزر. ولو سرق شخص خمراً أو خنزيراً أو جلد ميتة لا تقطع يده أيضاً؛ لأنه لا قيمة للخمر والخنزير في حق المسلم، ولا مالية في جلد الميتة، وهذا شرط متفق عليه. ولا قطع بسرقة أدوات الملاهي كالعدد والمزمار، والأصنام والصلبان؛ لأنها غير متقومة فلا يباح استعمالها، وإزالة المعصية أمر مندوب إليه.
٢ - أن يكون المال المسروق مقدرا ً: أي له نصاب، فلا يقطع السارق في الشيء التافه. واختلف الفقهاء في مقدار النصاب: فقال الحنفية: نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، أو قيمة أحدهما (٣)، لقوله ﷺ : «لا قطع فيما دون
стр. 5272
عشرة دراهم» (١) وقوله أيضاً: «لا تقطع اليد إلا في دينار، أو في عشرة دراهم» (٢). وعنه ﵊ أنه قال: «لا يقطع السارق إلا في ثمن المِجَنَّ، وكان يقوَّم يومئذ بعشرة دراهم» (٣). وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: نصا ب السرقة ربع دينار شرعي من الذهب أو ثلاثة دراهم شرعية خالصة من الفضة (٤). أو قيمة ذلك من العروض والتجارات والحيوان، إلا أن التقويم عند المالكية والحنابلة في سائر الأشياء المسروقة عدا الذهب والفضة يكون بالدراهم. وعند الشافعية بالربع دينار. ودليلهم: قوله ﵊: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً» (٥) وأنه
стр. 5273
﵊: «قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم» (١) وهي قيمة ربع الدينار (٢).
وبه يظهر أن منشأ الخلاف: هو تقدير ثمن المجن الذي قطع السارق به في عهد الرسول ﷺ . فالحنفية يقولون: كان ثمنه ديناراً. والآخرون يقولون: كان ثمنه ربع دينار. والأحاديث الصحيحة تؤيد وترجح رأي الجمهور.
صفات النصاب:
قال الحنفية: يشترط أن تكون الدراهم جياداً، فلو سرق زيوفاً، أو سرق غيرالدراهم، لا يقطع ما لم تبلغ قيمة المسروق عشرة دراهم جياد.
وأن تكون الدراهم، وزن سبعة مثاقيل (٣)؛ لأن اسم الدرهم عند الإطلاق يقع على ذلك، ولأن هذا أوسط المقادير بين الدراهم الكبار والصغار التي كانت على عهد الرسول ﷺ .
و هل ينبغي أن تكون الدراهم مضروبة؟ قال أبو حنيفة: إذا سرق عشرة دراهم ولو كانت تبراً مما يروج بين الناس في معاملاتهم تقطع يده؛ لأن المهم هو الرواج في التعامل بين الناس، ودليله: إطلاق حديث القطع في عشرة دراهم، ورد عليه بأن المطلق يقيد بالعرف والعادة.
стр. 5274
وقال الصاحبان والكرخي: ينبغي أن تكون الدراهم مضروبة؛ لأن اسم الدراهم في الحديث يطلق على المضروبة عرفاً، وهو ظاهر الرواية، وهو الأصح، وهو قول الجمهور. فلو سرق تبراً (أي فضة غير مضروبة صكاً) أو نُقْره (هي القطعة المذابة من الذهب والفضة أي السبيكة) قيمتها أقل من عشرة دراهم مضروبة لا يقطع، فإذا ساوت قيمتها عشرة دراهم مسكوكة فأكثر، يقطع سارقها (١).
وقت اعتبار قيمة المسروق:
قال جمهور الحنفية: يجب أن تكون قيمة المسروق عشرة دراهم، من وقت السرقة، إلى وقت القطع، فإن نقص المسروق: فإما أن يكون نقصان العين أو نقصان السعر.
فإذا نقصت قيمة المسروق بانتقاص عينه: بأن دخله عيب أو ذهب بعضه، فيقام الحد؛ لأن نقصان العين هو هلاك بعض المسروق، وهلاك جميع المسروق لا يسقط الحد، فهلاك بعضه لا يسقطه من باب أولى.
وإن كان نقصان السعر: بأن صار يساوي ثمانية دراهم مثلاً، بعد أن كان يساوي عشرة، فهناك روايتان:
ظاهر الرواية: أنه لا يقطع؛ لأن نقصان السعر يورث شبهة نقصان في المسروق وقت السرقة؛ لأن العين بحالها لم تتغير، فيحصل النقصان الطارئ كالموجود عند السرقة، بخلاف نقصان العين؛ لأنه يوجب تغير العين، بهلاك بعضها، والهلاك مضمون على السارق، فلا يمكن افتراض وجوده عند السرقة.
وروي عن محمد وهو قول مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى: أنه
стр. 5275
تعتبر قيمة العين وقت الإخراج من الحرز، ولا يعتبر نقصان السعر بعد أخذ المسروق، قياساً على نقصان العين (١)، وهذا في تقديري أولى، لاكتمال الجريمة وقت السرقة.
ويجري هذا الخلاف فيما لو سرق الشخص في بلد، وقبض عليه في بلد آخر: لا يقطع في ظاهر الرواية، ما لم تكن قيمة المسروق في البلدين عشرة دراهم.
كون النصاب من حرز واحد:
النصاب الموجب لحد القطع يجب أن يكون مأخوذاً من حرز واحد، سواء أكان المسروق لواحد أم لجماعة؛ لأنها سرقة واحدة. وبناء على هذا، لو سرق خمسة دراهم من دار لرجل، وخمسة من دار أخرى، لا يجب القطع؛ لأنهما سرقتان مختلفتان من حرزين مختلفين، فلا محل للقطع فيهما. وكذلك لو سرق عشرة دراهم على مرتين، لا يقطع؛ لأن المسروق في كل مرة أقل من نصاب (٢).
اشتراك جماعة في السرقة:
اتفق العلماء على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، فحصل لكل واحد منهم نصاب، فعلى كل واحد منهم القطع.
أما إذا كان المسروق كله نصاباً، واشترك جماعة في سرقته:
فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقطع كل واحد منهم (٣)؛ لأن كل واحد منهم
стр. 5276
لم يسرق نصاباً، فلم تستوجب جنايته عقوبة كاملة، كما لو انفرد بسرقة مادون النصاب، والرسول ﷺ يقول: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» وهذا دليل الشافعي. ولكن هذا الحكم يخالف حكم جريمة الاشتراك في القتل؛ لأنه لو لم يجب القصاص على كل واحد منهم، لكان الاشتراك طريقاً إلى إسقاط القصاص، بخلاف الأمر في السرقة، فإنه إذا لم يجب القطع على الشركاء في سرقة نصاب، لم يصر الاشتراك طريقاً إلى إسقاط القطع، لقلة ما يصيب كل واحد منهم، فإذا سرقوا أكثر من نصاب بحيث يصيب كل واحد منهم مقدار نصاب، فإنه يجب القطع. ويقدر المسروق في الحكم عند الحنفية يوم الحكم بالقطع.
وقال المالكية: إن اشترك السارقان أو أكثر في سرقة نصاب: فإن كان لكل واحد قدرة على حمله بانفراده، فلا يقطع أحد، وإلا بأن كانوا يحتاجون في إخراجه إلى تعاون بعضهم، فيقطعون جميعاً، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فإنهم يقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليها، ويقدر المسروق عندهم وعند الشافعية والحنابلة بقيمته يوم السرقة (١).
وقال الحنابلة: إذا اشترك الجماعة في سرقة، قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا، لضرورة حفظ المال، فإن الواحد والجماعة يستوون في هتك الحرز، وسرقة النصاب فعل يوجب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة كالقصاص.
قال ابن قدامة في المغني: وقول أبي حنيفة والشافعي أحب إلي؛ لأن القطع ههنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه فلا يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات (٢).
стр. 5277
٣ - أن يكون المسروق محرزاً مطلقاً، مقصوداً ب الحرز: الأصل في اشتراط هذا الشرط المتفق عليه قوله ﵇: «لا قطع في ثَمَر ولا كَثر حتى يؤويه الجرين، فإذا أواه الجرين، ففيه القطع» وفي رواية: «فإذا أواه المُراح أو الجرين» (١).
والحرز لغة: الموضع الذي يحرز فيه الشيء. وشرعاً: هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس كالدار والحانوت والخيمة والشخص (٢). وهو نوعان:
١ - حرز بنفسه: وهو كل بقعة معدة للإحراز، ممنوعة الدخول فيها، إلا بالإذن، كالدور والحوانيت والخيام، والخزائن والصناديق.
стр. 5278
٢ - حرز بغيره: وهو كل مكان غير معد للإحراز، يدخل إليه بلا إذن، ولا يمنع منه، كالمساجد والطرق والمفاوز.
فالنوع الأول: يكون حرزاً بنفسه، سواء وجد حافظ، أو لا، وسواء أكان الباب مغلقاً، أم مفتوحاً؛ لأن البناء يقصد به الإحراز، وهو معتبر بنفسه بدون صاحبه؛ لأنه ﵊ علق القطع بإيواء الجرين والمراح من غير شرط وجود الحافظ، لصيرورته حرزاً.
وأما النوع الثاني: فحكمه حكم الصحراء إن لم يكن هناك حافظ، فإن كان هناك حافظ قريب
من المال يمكنه حفظه، فهو حرز، سواء أكان نائماً، أم يقظان، لأنه ﵊ قطع سارق رداء صفوان، وصفوان كان نائماً (١).
والأخذ من الحرز شرط متفق عليه، ولا يجب القطع حتى ينفصل المال عن جميع الحرز.
وبناء عليه يعرف حكم الصور الآتية:
أـ لو سرق إنسان عِدلاً موجوداً على ظهر دابة تسير ضمن مجموعة من الدواب مقطورة ببعضها، لم يقطع؛ لأنه أخذ نفس الحرز، ونفس الحرز ليس في الحرز، وكون العدل على ظهر الدابة لا يكفي اعتباره محرزاً؛ لأنه ليس بحرز مقصود؛ لأن قصد قائد الدواب هو قطع المسافة دون الحفظ، وإنما القائد حافظ للدابة التي زمامها بيده فقط، هذا مذهب الحنفية. ويظهر أن هذا الرأي متأثر بالعرف، وعرفنا اليوم أن قائد القافلة مطالب بحفظ المتاع المحمول.
وقال الأئمة الثلاثة: القائد حافظ لكل الدواب التي يقودها إذا كان بحيث يراها إذا التفت إليها، وهو وإن كان يقصد قطع المسافة يقصد أيضاً الحفظ.
стр. 5279
فإن شق العدل الموجود على الدابة، وأخرج المتاع: قطع؛ لأن العدل حرز لما فيه (١).
ب - إذا علم صاحب الشيء المسروق بالسرقة قبل إخراج المسروق من الحرز، فأخذه منه، لا يقطع، لأنه لم يوجد منه الإخراج من الحرز. أما إن علم به ولم يأخذه منه خوفاً من الاصطدام معه، أو عجز عن أخذه بعد مقاتلته بسلاح ونحوه، فإن كانت السرقة نهاراً لا تقطع يد السارق؛ إذ لا بد من الخفية عند ابتداء وانتهاء الأخذ كما تقدم، أما إن كانت السرقة ليلاً فتقطع يد السارق في هذه الحالة استحساناً عند الحنفية؛ لأنه يكفي في الليل توافر الخفية عند بدء الأخذ لا نهايته؛ لأن أغلب سرقات الليل تصير مغالبة أو مع خوف المالك من المقاومة، لعدم تيسر النجدة والغوث أثناء الليل.
جـ - إذا رمى السارق المسروق إلى خارج، فوجده مالكه فأخذه، لا يقطع؛ لأنه لم تثبت يده عليه عند الخروج، لثبوت يد غيره، فإذا رماه من الحرز، ثم خرج وأخذه، يجب القطع، وهذا متفق عليه، خلافاً لزفر، لأنه ثبتت عليه يده حكماً، والرمي حيلة لإتمام السرقة. ودليل زفر: أن الإلقاء غير موجب للقطع، كما لو خرج ولم يأخذه (٢).
د - المناولة من الحرز: إذا اشترك اثنان في نَقْب جدار، فدخل أحدهما، وأخذ المتاع، وناوله الآخر، هو خارج الحرز، أو رمى به إليه، فقال أبو حنيفة: لا قطع على كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يستقل بالنقب والإخراج اللذين لا تكمل السرقة إلا بهما جميعاً بحسب العرف، فالداخل لم تثبت يده على المسروق حين إخراجه، والخارج لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد، وهذا هو الراجح لدى الحنفية.
стр. 5280
وقال محمد: إن أخرج الداخل يده من الحرز، وناول الخارج، يقطع الداخل دون الخارج، فإن أدخل الخارج يده في الحرز، وأخذ المسروق فلا قطع عليهما؛ لأن الداخل لم يوجد منه الإخراج، والآخر لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد.
وقال أبو يوسف: إذا أخرج الداخل يده، فالقطع على الداخل، وأما الخارج إذا أدخل يده وأخذ منه، فيجب القطع عليهما؛ لأنه لا يشترط عنده دخول الحرز (١).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يقطع الداخل وحده، دون الخارج؛ لأنه هو الذي أخرج المتاع، مع المشاركة في النقب (٢).
هـ - إخراج المسروق من الحرز (سرقة النقب): إذا نقب شخصان حرزاً، ودخل أحدهما، وقرب المتاع إلى النقب وتركه، فأدخل الخارج يده، فأخرجه من الحرز، فقال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع عليهما؛ لأن الداخل لم يوجد منه الإخراج، والخارج لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد منهما، وفي هذه المسألة قال علي ﵁: «إذا كان اللص ظريفاً لا يقطع» (٣).
وقال أبو يوسف: يقطع الخارج؛ لأن المقصود أخذ المال، لا دخول الحرز (٤).
وقال مالك: يقطع المخرج خاصة، لأنه السارق. وقال الشافعية: لو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج، أو وضعه ناقب بقرب النقب، فأخرجه آخر،
стр. 5281
قطع المخرج، لكن لو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين، لم يقطع الاثنان في الأظهر. ولو نقب شخص وأخرج غيره المسروق فلا قطع على واحد (١).
وقال أحمد: يقطع كل واحد منهما؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز، وإخراج المتاع، فلزمهما القطع، كما لو حملاه معاً فأخرجاه (٢). وهذا لدي أصح الآراء للاشتراك في السرقة. ويجري هذا الخلاف أيضاً فيمن دخل الحرز، وجمع المتاع عند النقب، ثم خرج، وأدخل يده، وأخرج المتاع.
وـ الاشتراك في السرقة أو تحميل المسروق على ظهر واحد من الجماعة: إذا دخل جماعة الدار، فأخذوا متاعاً، وحملوه على ظهر رجل منهم أو رجلين، وخرج الباقون من غير حمل شيء: فالقياس عند الحنفية وهو قول زفر والمالكية والشافعية: ألا يقطع غير الحامل؛ لأن فعل السرقة لا يتم إلا بالإخراج بعد الأخذ (٣).
وفي الاستحسان عندالحنفية وهو قول الحنابلة: يقطعون جميعاً؛ لأن إخراج المسروق تم بمعاونة الجماعة، وهكذا تكون السرقة الجماعية عادة (٤).
ويجري هذا الخلاف فيما لو حملوا المسروق على دابة، حتى خرجت من الحرز، فإنه يجب القطع استحساناً.
ز - الطرار والنباش: الطرار: هو النشال وعرفه الحنابلة بقولهم بأنه من يبط (يشق) جيباً أو كماً ويأخذ منه أو بعد سقوطه نصاباً. وقد اتفق الفقهاء على أن
стр. 5282
الطرار تقطع يده (١). وهو الرأي المتفق مع المصلحة. ومعنى الطرار: هو الذي يسرق من جيب الرجل، أو كمه (٢) أو صُفْنة (وعاء من أدم يستقى به) سواء بالقطع أو بالشق أو بإدخال اليد في الجيب.
غير أن الحنفية فصلوا في طريقة الطر: فإن كان الطر بالقطع، والدراهم مصرورة على ظاهر الكم لم يقطع؛ لأن الحرز هو الكم، والدراهم بعد القطع تقع على ظاهر الكم، فلم يوجد الأخذ من الحرز.
وإن كانت الدراهم مصرورة في داخل الكم، يقطع؛ لأنها بعد القطع، تقع في داخل الكم، فكان الطر أخذاً من الحرز، وهو الكم، فيقطع.
وإن كان الطر بحل الرباط ينظر: إن كان بحال لو حل الرباط تقع الدراهم على ظاهر الكم، بأن كانت العقدة مشدودة من داخل الكم، لا يقطع؛ لأنه أخذها من غير حرز.
وإن كان بحال إذا حل الرباط تقع الدراهم في داخل الكم، وهو يحتاج إلى إدخال يده في الكم للأخذ، يقطع، لوجود الأخذ من الحرز.
والخلاصة: أن الحنفية يتطلبون وجود معنى الحرز حقيقة واقعة، والأولى الأخذ برأي الجمهور تفادياً لخطر هؤلاء اللصوص الخطرين.
النباش: هو سارق أكفان الموتى، واختلف الفقهاء في حكمه، فقال
стр. 5283
أبو حنيفة ومحمد: لا يقطع ولو كان القبر في بيت مقفل في الأصح؛ لأن القبر ليس بحرز بنفسه أصلاً، إذ لا تحفظ الأموال فيه عادة (١).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف: تقطع يده؛ لأنه سارق، أو ملحق بسارق مال الحي، والله تعالى يقول: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨/ ٥]، وقالت عائشة ﵂: «سارق أمواتنا كسارق أحيائنا» (٢)، وروى البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من حرَّق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه» (٣)، ولأن القبر حرز للكفن، فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر، دون غيره، ويكتفى به في حرزه (٤).
إلا أن الشافعية استثنوا القبر الموجود في برية، فلا قطع في السرقة منه؛ لأنه ليس بحرز للكفن، وإنما يكون الدفن في البرية للضرورة بخلاف المقبرة التي تلي العمران، والراجح رأي الجمهور، منعاً من هذه الدناءات.
ح - الدار المشتركة: إذا كانت الدار مشتركة بين عدة سكان، كالغرف المؤجرة في المنازل لأكثر من واحد، فسرق المتاع من غرفة، يقطع عند الحنفية إذا كانت الدار عظيمة بحيث يستغني أهل كل بيت ببيتهم عن صحن الدار.
стр. 5284
وكذلك يقطع عند الحنابلة إذا كان الباب مغلقاً، ويقطع عند مالك والشافعي بإخراج المتاع، ولو لم يخرجه من جميع الدار (١).
ط - الأمتعة في الأسواق: يقطع سارقها عند الحنفية إذا سرق منها ليلاً، ولا يقطع إن سرق منها نهاراً، لاختلال الحرز في النهار بسبب وجود الإذن عادة بالدخول. وقال المالكية والشافعية: يقطع سارق المتاع من حوانيت التجار أو الأسواق إذا كانت الأمتعة قد ضمها أصحابها إلى بعضها في موضع البيت، أوأحرزت في أوعيتها التي تحرز بها عادة، عملاً بالعرف الجاري في إحرازها. وبناء عليه، يقطع - في رأيي - سارق السيارات المتروكة في الشوارع اليوم؛ لأن الشارع هو حرزها، والحرز: هو كل مكان تحفظ فيه الأموال عادة.
وقال أحمد: يقطع سارقها إذا كان في السوق حارس، أو كان مع الأمتعة حارس يشاهدها (٢).
٤ - أن يكون المسروق أعياناً، قابلة للادخار والإمساك، ولا يتسارع إليها الفساد: قال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع فيما يسرع إليه الفساد، إذا بلغ الحد الذي يقطع في مثله بالقيمة، كالعنب والتين والسفرجل والرطب والبقول والخبز ونحوها من الأطعمة الرطبة، والطبائخ، واللحم الطري أو اليابس، والنبيذ الحلال، والعصير والألبان، سواء أخذت من حرز أم لا، لعدم قابلية الادخار، ودليلهما قوله ﵊: «لا قطع في ثمر ولا كَثَر» (٣).
стр. 5285
ولأن هذه الأشياء لا تعد مالاً عادة، فيقل خطرها عند الناس، فكانت تافهة، ونظراً لأنها معرضة للهلاك أيضاً تشبه ما لم يحرز، فإن كان المسروق مما يبقى من سنة إلى سنة، فيدخر، مثل الجوز واللوز والتمر اليابس والفواكه اليابسة والخل والدبس، فيجب القطع (١).
وقال أبو يوسف: يجب القطع فيما لا يحتمل الادخار؛ لأنها منتفع بها حقيقة، والانتفاع بها مباح شرعاً على الإطلاق، فكانت مالاً، فيقطع فيها كسائر الأموال (٢). وهذا الرأي يتفق مع عرفنا اليوم، إذ أن الفواكه أصبحت من الأموال المهمة، وليست تافهة، كما كان عليه عرف الناس في الماضي.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجب القطع في كل الأموال المتمولة التي يجوز بيعها، وأخذ العوض عنها، سواء أكانت طعاماً أم ثياباً، أم حيواناً، أم أحجاراً، أم قصباً، أم صيداً، أم زجاجاً، ونحوها، لعموم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨/ ٥] ولأن هذا مال يتمول عادة ويرغب فيه، فيقطع سارقه إذا اجتمعت فيه شروط السرقة (٣)، كأن يؤخذ من حرز مثله.
سرقة الثمر المعلق: اتفق العلماء على أنه لا يجب القطع في سرقة الثمر المعلق على الشجر أو الحنطة في سنبلها، إذا لم يكن محرزاً، فإن أحرز وجب فيه القطع. ويرجع في تحديد الحرز إلى ما يعرفه الناس حرزاً، فما عرفوه حرزاً قطع بالسرقة منه، وما لا يعرفونه حرزاً لم يقطع بالسرقة منه؛ لأن الشرع دل على اعتبار الحرز،
стр. 5286
وليس له حد مقرر في الشرع، فوجب الرجوع فيه إلى العرف. قال الشافعي: إن حديث رافع: «لا قطع في ثمر» خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها (بساتينها) فذلك لعدم الحرز. فإذا أحرزت الحوائط (أي البساتين) بالجدران أو الأسلاك الشائكة مثلاً، كانت كغيرها. لكن إذا أخذ الثمر من غير حرز، يجب فيه عند الجمهور دفع قيمته.
وقال الحنابلة: يجب دفع مثلي قيمته، لقوله ﵇: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة، أي (لا يخبئ شيئاً في ثنيات ثيابه) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع» (١). فإن استحكم جفاف الثمر أو الحنطة، وجذَّ وآواه الجرين، ثم سرق، قطع السارق؛ لأنه صار مالاً مطلقاً، قابلاً للادخار، وإليه أشار الرسول ﷺ حيث قال: «لا قطع في ثمر ولا كثَر حتى يؤويه الجرين» الحديث (٢).
٥ - أن يكون المسروق شيئاً ليس أصله مباحاً: إذا كان الشيء في أصله مباحاً، كالطيور والتبن والخشب والحطب والقصب والصيود والحشيش والسمك والزرنيخ والطين الأحمر والنُّورة (٣) واللَّبِن والفحم
стр. 5287
والملح والخزف والزجاج لسرعة كسره، فقد اختلف العلماء في حكم سرقته كما في الشرط السابق.
قال الحنفية: لا قطع فيما كان أصله مباحاً في دار الإسلام، كهذه الأشياء، واستثنوا منها خشب الساج والأبنوس والصندل والقنا (هو عنقود النخل) والخشب المصنوع. ودليله: أن الناس لا يتمولون تلك الأشياء، وإنما توجد بكثرة، وهي مباحة، فيقل خطرها عندهم، فكانت تافهة كالتراب، إلا ما كان غالي القيمة؛ لأنه يتمول عادة فلا يكون تافهاً، وهو ما استثنوه. ولأنها أيضاً من الأمور التي يشترك فيها الناس جميعاً، فبالنظر للشبهة التي فيها لكل مالك، لا يقطع سارقها، مراعاة لأصلها (١).
ويلاحظ أن اعتماد أبي حنيفة في هذا الشرط على معنى التفاهة وعدم المالية، لا على إباحة الجنس؛ لأن ذلك موجود في الذهب والفضة.
وعليه إذا أصبحت هذه الأشياء من جملة الأموال المعتبرة وجب الحد بسرقتها.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة (٢): يقطع سارق الأموال، سواء أكانت مما أصله مباح، كالصيد والماء والحطب والحشيش والمعادن، أم غير مباح لعموم الآية الموجبة للقطع، وعموم الآثار الواردة في اشتراط النصاب، ولأنها مال محرز (٣)، وهذا هوالأرجح لدي، لتمول الناس هذه الأشياء، وإحرازهم لها.
стр. 5288
٦ - أن يكون المال المسروق معصوماً، ليس للسارق فيه حق الأخذ ولا تأويل الأخذ، ولا شبهة التناول (انتفاء شبهة الأخذ): السبب في اشتراط هذا الشرط: أن القطع عقوبة محضة، فيستدعي جناية محضة، وأخذ ما لَه حق أخذه لا يكون جناية أصلاً، فلا يستدعي عقوبة. وكذلك أخذ ما لأخذه فيه تأويل التناول أو شبهة التناول، لا يكون جناية محضة، فلا تناسبه العقوبة المحضة (١).
ويتفرع على هذا الشرط أنه لا يقام حد القطع فيما يلي:
أـ سائر الأموال المباحة التي لا مالك لها.
ب - مال الحربي المستأمن في دار الإسلام، فإنه لا يقطع استحساناً؛ لأنه مال فيه شبهة الإباحة، والقياس أن يقطع؛ لأن هذا المال أصبح معصوماً بسبب الأمان الذي منحه الحربي، ولهذا كان مضموناً بالإتلاف كمال الذمي.
جـ - مال المسلم أو الذمي إذا سرقه الحربي المستأمن لاعتقاده إباحته.
د - مال الباغي إذا سرقه العادل؛ لأنه ليس بمعصوم في حقه. وكذا مال العادل إذا سرقه الباغي، لأنه أخذه متأولاً.
هـ - المال المسروق من الغريم، أي المدين، على التفصيل الآتي:
стр. 5289
إن كان المسروق من جنس حقه، كأن كان له عشرة دراهم، فسرق عشرة دراهم، وكان الدين حالّ الأداء، لم يقطع السارق؛ لأن الأخذ مباح له، لأنه ظفر بجنس حقه، فله أخذه كما هو مقرر، حتى ولو أخذ أكثر من مقدار حقه، لا يقطع؛ لأن بعض المأخوذ حقه على الشيوع، ولا قطع في سرقة حق شائع كما في المال المشترك. فإن كان الدين مؤجلاً لا يقطع استحساناً، ويقطع قياساً.
وجه القياس: أن الدين إذا كان مؤجلاً لم يكن لآخذه حق الأخذ قبل حلول الأجل، فصار كما لو سرقه أجنبي، فيقطع فيه.
ووجه الاستحسان: أن حق الأخذ، وإن لم يثبت قبل حلول الأجل، إلا أن سبب ثبوت حق الأخذ: وهو الدين، قائم، وأما الأجل فتأثيره في تأخير المطالبة، لا في سقوط الدين، فقيام السسبب المذكور يورث شبهة، والشبهة تمنع إقامة الحد.
فإن كان المسروق خلاف جنس حقه، كأن يكون له عشرة دراهم، فسرق ديناراً أو عُروضاً، فيقام عليه حد القطع، كما ذكر الكرخي؛ لأنه أخذ مالاً ليس له حق أخذه. وذكر في كتاب السرقة أنه لا يقطع، وهو قول أبي يوسف والشافعي (١).
قال ابن عابدين: إن عدم جواز أخذ الدائن شيئاً للمدين من خلاف جنسه حقه، كان في زمانهم - أي زمان متقدمي الحنفية - لمطاوعتهم في الحقوق، والفتوى اليوم على جواز الأخذ عند القدرة من أي مال كان، لا سيما في ديارنا لمداومتهم للعقوق (٢).
стр. 5290
وـ سرقة المصحف الشريف: لا يقطع سارقه؛ لأن له تأويل الأخذ، وهو أنه أخذه لقراءة القرآن العظيم، وهو مذهب الحنابلة أيضاً. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يقطع بسرقة المصحف؛ لأنه مال متقوم. واستثنى الشافعية في الأصح سرقة المصحف الموقوف على القراءة، فإن سارقه لا يقطع كالسرقة من بيت المال، لوجود الشبهة فيه (١).
ز - الطبل والمزمار، والصليب، والنرد والشطرنج، وجميع آلات اللهو، لا يقطع بسرقتها؛ لأنه يتأول بأخذها منع المالك عن المعصية ونهيه عن المنكر.
٧ - ألا يكون للسارق في المسروق ملك ولا تأويل الملك، أو شبهته (انتفاء شبهة الملك):
السبب في اشتراط هذا الشرط المتفق عليه: هو ما ذكر في الشرط السابق: وهو أن الجناية حينئذ لا تكون متكاملة، فلا تستدعي عقوبة متكاملة، ويتفرع عن هذا أن السارق لا يقطع بسرقة ما أعاره، أو رهنه، أو آجره لغيره؛ لأنه مملوك له، ولايقطع بسرقة المال المشترك بينه وبين المسروق منه؛ لأن له حقاً فيه، ولا يقطع بسرقة مال الولد وإن سفل؛ لأن له تأويل الملك، أو شبهة الملك، لقوله ﵊: «أنت ومالك لأبيك». وكذا لا يقطع بسرقة مال الأصل كالأب والجد وإن علا، لوجود المباسطة في الدخول في الحرز (٢)، أي أنه لا يقطع بسرقة من عمودي نسبه.
وكذلك لا يقطع السارق من بيت المال؛ لأنه مال العامة، فيكون له فيه ملك