← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

وليس له حد مقرر في الشرع، فوجب الرجوع فيه إلى العرف. قال الشافعي: إن حديث رافع: «لا قطع في ثمر» خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها (بساتينها) فذلك لعدم الحرز. فإذا أحرزت الحوائط (أي البساتين) بالجدران أو الأسلاك الشائكة مثلاً، كانت كغيرها. لكن إذا أخذ الثمر من غير حرز، يجب فيه عند الجمهور دفع قيمته. وقال الحنابلة: يجب دفع مثلي قيمته، لقوله ﵇: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة، أي (لا يخبئ شيئاً في ثنيات ثيابه) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع» (١). فإن استحكم جفاف الثمر أو الحنطة، وجذَّ وآواه الجرين، ثم سرق، قطع السارق؛ لأنه صار مالاً مطلقاً، قابلاً للادخار، وإليه أشار الرسول ﷺ حيث قال: «لا قطع في ثمر ولا كثَر حتى يؤويه الجرين» الحديث (٢). ٥ - أن يكون المسروق شيئاً ليس أصله مباحاً: إذا كان الشيء في أصله مباحاً، كالطيور والتبن والخشب والحطب والقصب والصيود والحشيش والسمك والزرنيخ والطين الأحمر والنُّورة (٣) واللَّبِن والفحم

стр. 5287

والملح والخزف والزجاج لسرعة كسره، فقد اختلف العلماء في حكم سرقته كما في الشرط السابق. قال الحنفية: لا قطع فيما كان أصله مباحاً في دار الإسلام، كهذه الأشياء، واستثنوا منها خشب الساج والأبنوس والصندل والقنا (هو عنقود النخل) والخشب المصنوع. ودليله: أن الناس لا يتمولون تلك الأشياء، وإنما توجد بكثرة، وهي مباحة، فيقل خطرها عندهم، فكانت تافهة كالتراب، إلا ما كان غالي القيمة؛ لأنه يتمول عادة فلا يكون تافهاً، وهو ما استثنوه. ولأنها أيضاً من الأمور التي يشترك فيها الناس جميعاً، فبالنظر للشبهة التي فيها لكل مالك، لا يقطع سارقها، مراعاة لأصلها (١). ويلاحظ أن اعتماد أبي حنيفة في هذا الشرط على معنى التفاهة وعدم المالية، لا على إباحة الجنس؛ لأن ذلك موجود في الذهب والفضة. وعليه إذا أصبحت هذه الأشياء من جملة الأموال المعتبرة وجب الحد بسرقتها. وقال المالكية والشافعية والحنابلة (٢): يقطع سارق الأموال، سواء أكانت مما أصله مباح، كالصيد والماء والحطب والحشيش والمعادن، أم غير مباح لعموم الآية الموجبة للقطع، وعموم الآثار الواردة في اشتراط النصاب، ولأنها مال محرز (٣)، وهذا هوالأرجح لدي، لتمول الناس هذه الأشياء، وإحرازهم لها.

стр. 5288

٦ - أن يكون المال المسروق معصوماً، ليس للسارق فيه حق الأخذ ولا تأويل الأخذ، ولا شبهة التناول (انتفاء شبهة الأخذ): السبب في اشتراط هذا الشرط: أن القطع عقوبة محضة، فيستدعي جناية محضة، وأخذ ما لَه حق أخذه لا يكون جناية أصلاً، فلا يستدعي عقوبة. وكذلك أخذ ما لأخذه فيه تأويل التناول أو شبهة التناول، لا يكون جناية محضة، فلا تناسبه العقوبة المحضة (١). ويتفرع على هذا الشرط أنه لا يقام حد القطع فيما يلي: أـ سائر الأموال المباحة التي لا مالك لها. ب - مال الحربي المستأمن في دار الإسلام، فإنه لا يقطع استحساناً؛ لأنه مال فيه شبهة الإباحة، والقياس أن يقطع؛ لأن هذا المال أصبح معصوماً بسبب الأمان الذي منحه الحربي، ولهذا كان مضموناً بالإتلاف كمال الذمي. جـ - مال المسلم أو الذمي إذا سرقه الحربي المستأمن لاعتقاده إباحته. د - مال الباغي إذا سرقه العادل؛ لأنه ليس بمعصوم في حقه. وكذا مال العادل إذا سرقه الباغي، لأنه أخذه متأولاً. هـ - المال المسروق من الغريم، أي المدين، على التفصيل الآتي:

стр. 5289

إن كان المسروق من جنس حقه، كأن كان له عشرة دراهم، فسرق عشرة دراهم، وكان الدين حالّ الأداء، لم يقطع السارق؛ لأن الأخذ مباح له، لأنه ظفر بجنس حقه، فله أخذه كما هو مقرر، حتى ولو أخذ أكثر من مقدار حقه، لا يقطع؛ لأن بعض المأخوذ حقه على الشيوع، ولا قطع في سرقة حق شائع كما في المال المشترك. فإن كان الدين مؤجلاً لا يقطع استحساناً، ويقطع قياساً. وجه القياس: أن الدين إذا كان مؤجلاً لم يكن لآخذه حق الأخذ قبل حلول الأجل، فصار كما لو سرقه أجنبي، فيقطع فيه. ووجه الاستحسان: أن حق الأخذ، وإن لم يثبت قبل حلول الأجل، إلا أن سبب ثبوت حق الأخذ: وهو الدين، قائم، وأما الأجل فتأثيره في تأخير المطالبة، لا في سقوط الدين، فقيام السسبب المذكور يورث شبهة، والشبهة تمنع إقامة الحد. فإن كان المسروق خلاف جنس حقه، كأن يكون له عشرة دراهم، فسرق ديناراً أو عُروضاً، فيقام عليه حد القطع، كما ذكر الكرخي؛ لأنه أخذ مالاً ليس له حق أخذه. وذكر في كتاب السرقة أنه لا يقطع، وهو قول أبي يوسف والشافعي (١). قال ابن عابدين: إن عدم جواز أخذ الدائن شيئاً للمدين من خلاف جنسه حقه، كان في زمانهم - أي زمان متقدمي الحنفية - لمطاوعتهم في الحقوق، والفتوى اليوم على جواز الأخذ عند القدرة من أي مال كان، لا سيما في ديارنا لمداومتهم للعقوق (٢).

стр. 5290

وـ سرقة المصحف الشريف: لا يقطع سارقه؛ لأن له تأويل الأخذ، وهو أنه أخذه لقراءة القرآن العظيم، وهو مذهب الحنابلة أيضاً. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يقطع بسرقة المصحف؛ لأنه مال متقوم. واستثنى الشافعية في الأصح سرقة المصحف الموقوف على القراءة، فإن سارقه لا يقطع كالسرقة من بيت المال، لوجود الشبهة فيه (١). ز - الطبل والمزمار، والصليب، والنرد والشطرنج، وجميع آلات اللهو، لا يقطع بسرقتها؛ لأنه يتأول بأخذها منع المالك عن المعصية ونهيه عن المنكر. ٧ - ألا يكون للسارق في المسروق ملك ولا تأويل الملك، أو شبهته (انتفاء شبهة الملك): السبب في اشتراط هذا الشرط المتفق عليه: هو ما ذكر في الشرط السابق: وهو أن الجناية حينئذ لا تكون متكاملة، فلا تستدعي عقوبة متكاملة، ويتفرع عن هذا أن السارق لا يقطع بسرقة ما أعاره، أو رهنه، أو آجره لغيره؛ لأنه مملوك له، ولايقطع بسرقة المال المشترك بينه وبين المسروق منه؛ لأن له حقاً فيه، ولا يقطع بسرقة مال الولد وإن سفل؛ لأن له تأويل الملك، أو شبهة الملك، لقوله ﵊: «أنت ومالك لأبيك». وكذا لا يقطع بسرقة مال الأصل كالأب والجد وإن علا، لوجود المباسطة في الدخول في الحرز (٢)، أي أنه لا يقطع بسرقة من عمودي نسبه. وكذلك لا يقطع السارق من بيت المال؛ لأنه مال العامة، فيكون له فيه ملك

стр. 5291

وحق. والدليل هو أن عمر ﵁ لم يقطع من سرق من بيت المال، فقد كتب عامل لعمر يسأله عمن سرق من مال بيت المال، فقال: «لا تقطعه فما من أحد إلا وله فيه حق» وروى الشعبي أن رجلاً سرق من بيت المال، فبلغ علياً كرم الله وجهه، فقال: «إن له فيه سهماً» ولم يقطعه. وإن سرق ذمي من بيت المال، قطع؛ لأنه لا حق له فيه. وإن سرق فقير من غلة وقف على الفقراء، لم يقطع؛ لأن له فيه حقاً، وإن سرق منها غني، قطع؛ لأنه لا حق له فيها. والخلاصة: لا يقطع فيما له فيه شبهة، لحديث «ادرؤوا الحدود بالشبهات» وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة. وقال مالك: يقطع لعموم الكتاب (١) أي عموم الآية القرآنية الدالة على وجوب قطع أي سارق. ٨ - ألا يكون السارق مأذوناً له بالدخول في الحرز، أو فيه شبهة الإذن: إذا سرق إنسان من ذوي الرحم المحرم (٢)، أو من زوجه، فلا تقطع يده؛ لأنه يدخل عادة بدون إذن، وجرت العادة بالتبسط بين الزوجين في الأموال، فكان له شبهة الإذن، فيختل معنى توفر الحرز، وهذا شرط متفق عليه في الجملة.

стр. 5292

وكذلك لا قطع على خادم قوم سرق متاعهم، ولا على ضيف سرق متاع مضيفه، ولا على أجير سرق من موضع أذن له في دخوله؛ لأن الإذن في الدخول أخرج الموضع من أن يكون حرزاً في حقه (١). وهذا متفق عليه في المذاهب الأربعة، إلا أن الإمام مالك اشترط في الخادم حتى يدرأ عنه الحد أن يلي الخدمة بنفسه. ووافق الإمام أحمد أبا حنيفة في رواية عنه في ألا قطع بالسرقة من أحد الزوجين. وقال الشافعي في الأظهر: يجب القطع في السرقة من الأقارب وأحد الزوجين من الآخر، ما عدا قرابة الأصل والفرع، إذا سرق المال المحرز عنه، لعموم آية السرقة والأخبار الواردة فيها، وإلحاقاً للقرابة القريبة، كالأخت والعمة بالقرابة البعيدة، ولأن النكاح عقد على منفعة، فلا يؤثر في درء الحد، كالإجارة لا يسقط بها الحد عن الأجير أو المستأجر إذا سرق أحدهما من الآخر المال المحرز عنه (٢). ووافق الإمام مالك الشافعي في القطع بالسرقة بين الزوجين، والمعقول هو الرأي الأول، لوجود التسامح في أخذ المال عادة بين الأقارب.

стр. 5293

٩ - أن يكون المسروق مقصوداً بالسرقة لا تبعاً لمقصود: فلو سرق إنسان كلباً أو هراً في عنقه طوق ذهب أو فضة، أو مصحفاً مرصعاً بالذهب والياقوت، أو سرق صبياً حراً عليه حلي أو ثياب ديباج، أو إناء من ذهب أو فضة فيه شراب أو ماء أو طعام: لا يجب القطع عند أبي حنيفة ومحمد وأحمد وفي وجه للشافعية؛ لأن المقصود بالسرقة هو الكلب أو الصبي، والطعام وغيره تابع له، وإذا كان الأصل المقصود لا يجب فيه القطع لقصور في ماليته، فلا يجب بالتابع. وقال أبو يوسف وفي وجه آخر للشافعية: ليس هذا بشرط؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من مال، ولأن الطعام الذي في الإناء، ونحوه، إذا كان مما لا يقطع فيه، التحق بالعدم، فيعتبر أخذ الإناء على الانفراد، فيقطع فيه (١)، ويظهر لي أن هذا هو المعقول، لولا وجود الشبهة في اشتمال السرقة على ما يقطع من أجله وما لا يقطع. شروط المسروق منه: يشترط في المسروق منه أن تكون له يد صحيحة، واليد الصحيحة ثلاثة أنواع: ١ - يد الملك. ٢ - يد الأمانة، كيد الوديع والمستعير ويد الشريك المضارب. ٣ - يد الضمان، كيد الغاصب ويد القابض على سوم الشراء، ويد المرتهن.

стр. 5294

فيجب القطع على السارق من هؤلاء. ولا يجب القطع على السارق من السارق؛ لأن يد السارق ليست بيد صحيحة، فكان الأخذ منه كالأخذ من الطريق (١). شروط المسروق فيه: المسروق فيه: هو مكان السرقة. يشترط أن تكون السرقة في دار العدل، فلو سرق في دار الحرب أو في دار البغي: لا يقطع؛ لأنه لا ولاية للإمام على غير دار العدل، فلم تنعقد السرقة موجبة للقطع (٢). المبحث الثالث - إثبات السرقة: تثبت السرقة عند القاضي بأحد أمرين: البينة أو الإقرار. شروط البينة: يشترط لقبول البينة شروط عامة تعرف في باب الشهادات، وشروط خاصة في الحدود والقصاص، وهي (٣): ١ - الذكورة: فلا تقبل فيها شهادة النساء. ٢ - العدالة: فلا تقبل فيها شهادة الفساق. ٣ - الأصالة: فلا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، لوجود الشبهة.

стр. 5295

٤ - عدم تقادم العهد، إلا في حد القذف والقصاص: فلو شهدوا بالسرقة بعد حين، لم تقبل شهادتهم، للشبهة. ٥ - الخصومة أو الدعوى ممن له يد صحيحة: بأن كان صاحب ملك أو صاحب يد أمانة، أو يد ضمان، كما بان سابقاً. فلو شهدوا أنه سرق مال فلان الغائب من غير خصومة من المسروق منه، لم تقبل شهادتهم، ولكن يحبس السارق؛ لأن إخبارهم أورث تهمة، ويجوز الحبس بالتهمة. ويلاحظ أن حق الخصومة ثابت لمن له يد صحيحة في حق ثبوت ولاية استرداد المسروق وإعادته إلى أيديهم، وفي حق القطع عند جمهور الحنفية؛ لأن يد المالك أو الأمين أو الضامن يد صحيحة، والخصومة مظهرة للسرقة، وإذا ظهرت السرقة بخصومة هؤلاء يقطع السارق، لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨/ ٥]. وقال زفر: لا تعتبر خصومة غير المالك في حق القطع، ولا يقطع السارق بخصومة الأمين أو الضامن؛ لأن يد غير المالك ليست بيد صحيحة في الأصل، وإنما تثبت لهم ولاية الخصومة لإمكان الرد إلى المالك، فكان ثبوتها لهم بطريق الضرورة، والثابت بالضرورة يكون عدَماً فيما وراء محل الضرورة، لانعدام علة الثبوت، وهي الضرورة. وأما السارق الأول فلا تعتبر خصومته باتفاق الحنفية في حق القطع بالنسبة للسارق الثاني بالاتفاق؛ لأن يده ليست يد ملك، ولا يد ضمان، ولا يد أمانة، فصار الأخذ من يده كالأخذ من الطريق. وأما في حق الاسترداد ففيه روايتان: رواية تقرر أن للسارق الأول الاسترداد، إذ من الجائز أن يختار المالك الضمان، ويترك القطع، فيحتاج إلى أن يسترد المسروق من السارق الثاني، ليدفعه إلى

стр. 5296

المالك، فيتخلص من الضمان. ورواية: ليس له الاسترداد، إذ ليس له يد صحيحة (١). ويلاحظ أن مذهب الشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين كالحنفية في افتقار حد القطع إلى مطالبة المسروق منه؛ لأن المغلب عندهم في القطع حق المخلوق (٢). وقال مالك: إنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق منه صيانة لحق المجتمع، ومحافظة على أموالهم (٣). ولا تثبت السرقة عند القاضي بالنكول عن الحلف من المدعى عليه، ولا تثبت أيضاً بعلم القاضي، في زمان القضاء أو قبله. شروط الإقرار: تظهر السرقة عند القاضي بالإقرار؛ لأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بها، ويكفي لوجوب القطع الإقرار مرة واحدة عند أبي حنيفة ومحمد وجمهور العلماء. وقال أبو يوسف والحنابلة: لا يقطع إلا بالإقرار مرتين، كما أن عدد الشهود اثنان. ويشترط عند أبي حنيفة ومحمد إقامة دعوى من المسروق منه، فإذا أقر السارق أنه سرق مال فلان الغائب لم يقطع، ما لم يحضر المسروق منه ويخاصمه، كما هو المقرر في البينة.

стр. 5297

وقال أبو يوسف: الدعوى في الإقرار بالسرقة ليست بشرط لوجوب القطع؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه (١). المبحث الرابع - ما يسقط الحد بعد وجوبه: يسقط الحد بأنواع هي (٢): ١ - تكذيب المسروق منه السارق في إقراره بالسرقة، بأن يقول له: لم تسرق مني. ٢ - تكذيب المسروق منه بينته، بأن يقول: شهد شهودي بزور. ٣ - رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة، فلا يقطع، ويضمن المال؛ لأن الرجوع عن الإقرار يقبل في الحدود، ولا يقبل في المال؛ لأنه يورث شبهة في الإقرار، والحد يسقط بالشبهة، ولا يسقط المال. ٤ - رد السارق المسروق إلى مالكه قبل المرافعة في السرقة عند أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. وفي رواية أخرى عنه: إن الرد قبل المرافعة لا يسقط الحد؛ لأن السرقة انعقدت موجبة للقطع، فرد المسروق بعدئذ لا يخل بالسرقة الموجودة. ودليل الطرفين: أن الخصومة شرط لظهور السرقة عند القاضي، ولما رد المسروق على المالك، فقد بطلت الخصومة، بخلاف ما بعد المرافعة؛ لأن المطلوب هو وجود الخصومة لا استمرارها. وعلى هذا، رد المسروق بعد المرافعة وسماع البينة: لا يسقط القطع، سواء أكان الرد قبل القضاء أم بعده.

стр. 5298

٥ - ملك السارق المال المسروق قبل رفع الأمر إلى القضاء بلا خلاف، فإن ملكه بعدئذ قبل إمضاء الحكم، فاختلف فيه الفقهاء: فقال أبو حنيفة ومحمد: يسقط الحد، كما إذا وهب أو باع المسروق منه المال المسروق للسارق قبل القضاء أو بعده قبل إصدار الحكم. وقال أبو يوسف والشافعي وأحمد ومالك: إذا وهبه بعد القضاء، أي بعد ما رفع إلى الحاكم، لم يسقط القطع، لما روي أن النبي ﷺ أمر في سارق رداء صفوان أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ : «فهلا قبل أن تأتيني به؟» (١). ودليل الطرفين: أن الملك في الهبة يثبت من وقت القبض، فيظهر الملك له من ذلك الوقت، أي أن له أثراً رجعياً. وكون المسروق ملكاً للسارق على الحقيقة أو مع الشبهة، يمنع من القطع، ولهذا لم يقطع قبل القضاء، فكذلك بعده؛ لأن القضاء في باب الحدود إمضاؤها، فما لم يمض الحد (أي ينفَّذ فعلاً بأن يقام على المحدود) فكأنه لم يقض. ولو كان لم يقض لا يقطع، فكذلك إذا لم يمض، أي لم ينفَّذ الحد، والمعنى أنهم اعتبروا الحد قبل استيفائه، كما لو كان قبل القضاء به. زراعة عضو استؤصل في حد: تقدمت ببحث إلى مجمع الفقه الإسلامي بجدة عام ١٤١٠ هـ ١٩٩٠/م في دورته السادسة مفاده عدم جواز إعادة العضو المقطوع في حال القصاص، بعملية جراحية، مراعاة لمصلحة المقتص له، وكذلك عدم جواز إعادة العضو المقطوع في حد من الحدود الخالصة للعبد، ورأيت جواز إعادة العضو إذا ثبت الجرم بالإقرار؛ لجواز الرجوع عنه، وكذلك إذا ثبت الجرم

стр. 5299

بالشهادة في حقوق الله تعالى كحد السرقة والحرابة والزنى والردة، إذا تاب المحدود، وكانت حالات الإعادة قليلة أو نادرة، حتى لا يتجرأ الجناة على الجرائم والفواحش، ثم وافقت على قرار المجمع المذكور بعدم الجواز، حتى لا يتخذ تطبيق الحد عبثاً أو مجالاً للتلاعب والبعد عن الجدية، ولإبقاء آثار تطبيق الحد لزجر المحدود وبقية الناس، وأذكر هنا نص قرار المجمع رقم (٩/ ٦/٦٠): ١ - لا يجوز شرعاً إعادة العضو المقطوع تنفيذاً للحد؛ لأن في بقاء أثر الحد تحقيقاً كاملاً للعقوبة المقررة شرعاً، ومنعاً للتهاون في استيفائها، وتفادياً لمصادمة حكم الشرع في الظاهر. ٢ - بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه، وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفير الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذاً للقصاص إلا في الحالات التالية: أـ أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع. ب - أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه. ٣ - يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ.

стр. 5300

الفَصْلُ الرّابع: حَدّ الحِرابة أو قَطع الطَّريق وحكم البغاة تمهيد: هذا هو الحد الرابع من أنواع الحدود، ونتكلم فيه عن حكم البغاة لوجود التشابه بين جريمتي قطع الطريق والبغي، فقطاع الطرق: هم محاربون على غير التأويل، والبغاة محاربون على التأويل. وقد ألحق الحنفية حد الحرابة بحد السرقة؛ لأن قطع الطريق يسمى سرقة كبرى، إلا أنه ليس بسرقة مطلقة، فإن السرقة هي الأخذ خفية كما يتبادر إلى الذهن، وإنما يطلق عليه اسم السرقة مجازاً بسبب الإخفاء عن الإمام أو عن حراسه لحفظ الطريق. فيسمى سرقة بسبب أخذ المال سراً عن الحارس أو الإمام، وتسميتها «كبرى»؛ لأن فيه ضرراً على أصحاب الأموال وعامة الناس، ولذا غلظ الحد فيه، وخفف في السرقة العادية المسماة بالسرقة الصغرى؛ لأن ضررها يخص الملاك بأخذ مالهم وهتك حرزهم (١). والكلام على حد الحرابة يكون في المباحث الخمسة الآتية: المبحث الأول - تعريف قطاع الطرق أو المحاربين، وركن قطع الطريق.

стр. 5301

المبحث الثاني - شروط قطع الطريق. المبحث الثالث - إثبات قطع الطريق. المبحث الرابع - أحكام قطاع الطرق. المبحث الخامس - ما يسقط حكم القطع، وما يترتب على عدم وجوب الحد. ثم يكون الكلام عن تعريف البغاة وأحكامهم. المبحث الأول - تعريف قطاع الطرق وركن قطع الطريق: قاطع الطريق أو المحارب: هو كل من كان دمه محقوناً قبل الحرابة وهو المسلم أو الذمي. والأصل في مشروعية حد قطع الطريق هو قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبُوا، أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوا من الأرض﴾ [المائدة:٣٣/ ٥]. وقد اتفق العلماء على أن من قتل وأخذ المال، وجب إقامة الحد عليه، ولا يسقط العقاب بعفو ولي المقتول، والمأخوذ منه المال، خلافاً للقتل العادي. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم (١). فالحرابة إذن: هي كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستعانة عادة (٢).

стр. 5302

ركن قطع الطريق: ركنه: هو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة عن المرور وينقطع الطريق، سواء أكان القطع من جماعة أم من واحد، بعد أن يكون له قوة القطع، وسواء أكان القطع بسلاح أم غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها، وسواء أكان بمباشرة الكل، أم التسبب من البعض بالإعانة والأخذ؛ لأن القطع يحصل بكل ماذكر كما في السرقة، ولأن هذا من عادة قطاع الطرق (١). وبه يظهر أن قطاع الطرق قوم لهم منعة وشوكة، بحيث لا تمكن للمارة مقاومتهم، يقصدون قطع الطريق، بالسلاح أو بغيره. المبحث الثاني - شروط قطع الطريق: هناك شروط في القاطع، والمقطوع عليه، وفيهما معاً، وفي المقطوع له، وفي المقطوع فيه. شروط القاطع: يشترط في القاطع أن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان صبياً مجنوناً لا حد عليهما؛ لأن الحد عقوبة تستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية.

стр. 5303

ويشترط أيضاً أن يكون ذكراً في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ولو كان بين القطاع امرأة لا يقام الحد عليها في الرواية المشهورة؛ لأن ركن القطع وهو (الخروج على المارة على وجه المحاربة والمغالبة) لا يتحقق من النساء عادة، لرقة قلوبهن وضعف بنيتهن، فلا يكنَّ من أهل الحرب. وقال الطحاوي: النساء والرجال في قطع الطريق سواء؛ لأن هذا حد يستوي في وجوبه الذكر والأنثى كسائر الحدود. وسيأتي بيان المذاهب الأخرى. وأما الرجال الذين مع المرأة، فلا يقام عليهم الحد عند أبي حنيفة ومحمد، سواء باشروا معها أو لم يباشروا؛ لأن سبب وجوب الحد شيء واحد، وهو قطع الطريق، وقد حصل ممن يجب عليه، ومن لا يجب عليه، فلا يجب أصلاً كما إذا كان فيهم صبي أو مجنون. وفرق أبو يوسف بين الصبي وبين المرأة، فقال: إذا باشر الصبي لا حد على من لم يباشر من المكلفين. وإذا باشرت المرأة يحد الرجال؛ لأن امتناع وجوب الحد على المرأة ليس لعدم الأهلية؛ لأنها من أهل التكليف، بل لعدم المحاربة منها، أو نقصانها عادة، وهذا لم يوجد في الرجال، فلا يمتنع وجوب الحد عليهم (١). لكن نص ابن عابدين في حاشيته (٣/ ٢٣٢) على أن المرأة كالرجل في الحرابة في ظاهر الرواية، إلا أنها لاتصلب. ولم يفرق الجمهور بين الرجل والأنثى، فيقام حد الحرابة على جميع المكلفين

стр. 5304

الملتزمين ولو أنثى، الذين يعرضون للناس بسلاح أو غيره، فيغصبون مالاً محترماً مجاهرة (١). شروط المقطوع عليه: يشترط في المقطوع عليه أمران: ١ - أن يكون مسلماً أو ذمياً: فإن كان حربياً مستأمناً، لا حد على القاطع؛ لأن عصمة مال المستأمن ليست عصمة مطلقة، وإنما فيها شبهة الإباحة. ٢ - أن تكون يده صحيحة: بأن كانت يد ملك أو يد أمانة أو يد ضمان، فإن لم تكن كذلك كيد السارق، لم يجب الحد على القاطع (٢). شروط القاطع والمقطوع عليه جميعا ً: يشترط ألا يكون في القطاع ذو رحم محرم من المقطوع عليهم، فإن كان أحدهم ذا رحم من المقطوع عليهم لا يجب الحد على القطاع؛ لأنه يوجد بينهم قريب للمقطوع عليهم. والسبب في منع الحد: هو أنه يكون عادة بين هذا القريب وبين المقطوع عليه تبسط في المال والحرز، لوجود الإذن بالتناول عادة. واختلف الحنفية مع بقية المذاهب في هذا الشرط، وفي اشتراط الذكورة في القاطع، وفي اشتراك الصبي أو المجنون مع القطاع. فقال الحنفية كما تقدم: يشترط كون القطاع كلهم أجانب مكلفين ذكوراً، حتى إذا كان أحدهم ذا رحم محرم أو صبياً أو مجنوناً، لا يجب عليهم القطع عند

стр. 5305

أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الحد عقوبة، فتستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية، كما سبق بيانه، وأما المرأة: فلا يتحقق منها قطع الطريق لضعفها. وقال أبو يوسف: العبرة بمباشرة القطع، فإذا باشرت المرأة القطع حد الرجل كما تبين، ولا تحد المرأة، فإن قتلت أحداً تقتل قصاصاً، لا حداً، فيجوز لولي القتيل العفو عن القصاص. وإذا باشر الصبي أو المجنون القطع لا يحد أحد، وإن كانت المباشرة من غيرهما، فيحد العقلاء البالغون، ولا يحد الصبي أو المجنون. ودليله أن القطع هو الأصل في قطع الطريق، والإعانة كالتابع، فإذا وليه الصبي، فقد أتى بالأصل، فإذا لم يجب القطع بالأصل، فكيف يجب بالتابع، فإذا وليه البالغ فقد حصل الأصل منه (١). وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا يسقط حد القطع عن قطاع الطرق إذا كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه؛ لأن وجود هؤلاء شبهة اختص بها واحد، فلم يسقط الحد عن الباقين، كما لو اشتركوا في وطء المرأة. وعلى هذا فلا حد على الصبي والمجنون وإن باشر القتل وأخذ المال؛ لأنهما ليسا من أهل الحدود، وعليهما ضمان ما أخذا من المال في أموالهما، ودية قتيلهما على عاقلتهما، أي أقاربهما من العصبات. وأما المرأة إذا كانت مشتركة مع القطاع، فيثبت في حقها حكم المحاربة؛ لأنها تحد في السرقة، فيلزمها حكم المحاربة كالرجل، وتقتل حداً إن قتلت، وأخذت المال (٢).

стр. 5306

حكم الردء: اختلف العلماء أيضاً في الردء، أي العون: فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إذا اجتمع محاربون، فباشر بعضهم القتل والأخذ، وكان بعضهم ردءاً، كان للردء حكم المحاربين في جميع الأحوال، اكتفاء بوجود المحاربة، سواء باشر بعضهم القتل أم لم يباشر (١). وقال الشافعية: لا يجب على الردء بأن كثَّر جمعهم فقط، ولم يزد على ذلك، غير التعزير بالحبس والتغريب ونحوهما؛ لأن المدار في المحاربة على المباشر، لا على من كان ردءاً له (٢). شروط المقطوع له: المقطوع له: أي من أجله وهو المال: يشترط فيه الشروط نفسها التي ذكرت في المسروق، وموجزها: أن يكون المأخوذ مالاً، متقوماً، معصوماً، ليس لأحد فيه حق الأخذ، ولا تأويل التناول، ولا تهمة التناول، مملوكاً لا ملك فيه للقاطع، ولا تأويل الملك، ولا شبهة الملك، محرزاً مطلقاً، ليس فيه شبهة الإباحة، نصاباً كاملاً: عشرة دراهم، أو مقدراً بها، لكل من القاطعين (٣). شروط المقطوع فيه: المقطوع فيه وهو المكان، يشترط فيه ثلاثة شروط:

стр. 5307

١ - أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب لا يجب الحد، لعدم ولاية الإمام في دار الحرب، فلا قدرة له على إقامة الحد. ٢ - أن يكون القطع عند متقدمي الحنفية خارج المصر. واختلف العلماء في تحقق قطع الطريق في داخل المصر. فقال أبو حنيفة ومحمد وظاهر كلام أحمد: لا يثبت حكم القطع إلا أن يكون خارج المصر؛ لأن القطع لا يحصل بدون الانقطاع، والطريق لا ينقطع في الأمصار وفيما بين القرى؛ لأن الناس يغيثون المقطوع عليه في كثير من الأحيان، فكان القطع في المصر بالغصب أشبه، فعليه التعزير ورد ما أخذ من مستحقه، وهذا أخذ بمقتضى الاستحسان (١). وهوظاهر الرواية عند الحنفية، لكن المفتى به خلافه كما سأبين. وقال أبو يوسف والمالكية والشافعية، والحنابلة في المعتمد عندهم: يثبت حكم قطع الطريق داخل المصر، وخارجه على حد سواء. استدل أبو يوسف بمقتضى القياس: وهو أن سبب جوب الحد قد تحقق وهو قطع الطريق، فيجب الحد، كما لو كان في غير مصر. قال ابن عابدين: أفتى المشايخ برواية أبي يوسف التي تقتضي بأن الحرابة تقع في المصر ليلاً أو نهاراً بسلاح أو بدونه دفعاً لشر المتغلبة المفسدين (٢). واستدل الجمهور بنحوه، فقالوا: إن محاربة شرع الله وتعدي حدوده لا يختلف تحريمها بكونها خارج المصر، أو داخله كغيرها من سائر المعاصي من زنا وشرب خمر وغيرهما (٣).

стр. 5308

إلا أن الشافعية قالوا: يشترط في قاطع الطريق أن يكون له شوكة، أي قدرة وقوة مغالبة لغيره، ولا يشترط العدد. والمغالبة: إنما تتأتى بالبعد عن العمران، لا بالقرب منه، بحيث لو قال الشخص: ياغوثاه، أغاثه الناس، وتوجد المغالبة في المصر حال ضعف السلطان. ٣ - أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر، فإن كان أقل منه لم يكونوا قطاع طرق، وهذا الشرط عند أبي حنيفة ومحمد، وأما عند أبي يوسف فليس بشرط. وقد بيّنت في الشرط السابق دليل كل منهم (١) وأن المفتى به هو رأي أبي يوسف. المبحث الثالث - إثبات قطع الطريق: يثبت قطع الطريق عند القاضي، إما بالبينة، وإما بالإقرار، بعد خصومة صحيحة أي (رفع الدعوى ممن له يد صحيحة) ولا يثبت بعلم القاضي، ولا بالنكول (٢)، على حسب ما ذكر في السرقة. ويشترط عند الحنابلة وأبي يوسف تكرار الإقرا ر مرتين (٣). المبحث الرابع - أحكام قطاع الطرق (عقوباتهم): اختلف العلماء في عقوبة قطع الطريق، هل العقوبات المذكورة في آية المحاربة على التخيير، أو مرتبة على قدر جناية المحارب؟. فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن حد قطاع الطريق على الترتيب المذكور

стр. 5309

في الآية الكريمة السابق ذكرها؛ لأن الجزاء يجب أن يكون على قدر الجناية، ولكنهم اختلفوا في كيفية الترتيب: فقال الحنفية: إن أخذوا المال، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ وإن قتَلوا فقط قُتلوا؛ وإن قتلوا وأخذوا المال كان الإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم قتلهم، أو صلبهم، وإن شاء لم يقطع، وإنما يقتل أو يصلب. وإن أخافوا الطريق فقط دون قتل، ولا أخذ للمال، ينفوا من الأرض، أي يحبسوا ويعزروا (١). وما ذكر في الصورة الثالثة وهو (القتل وأخذ المال) هو رأي أبي حنيفة وزفر. وقال الصاحبان: يقتل الإمام القاطع أو يصلبه، ولكن لا يقطعه؛ لأن الجناية وهي قطع الطريق واحدة، فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس في الحدود يدخل في النفس كحد السرقة والرجم إذا اجتمعا كما سأبين، فيقام حد الرجم فقط. ورد أبو حنيفة وزفر على ذلك بأن هذه الجناية وإن كانت واحدة، فإن القطع والقتل أيضاً عقوبة واحدة، ولكنها مغلظة لتغلظ سببها، حيث إن قطع الطريق يخل بالأمن على النفس والمال معاً. وقال الشافعية والحنابلة: إن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا.

стр. 5310

وإن قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا. وإن أخافوا، ينفوا من الأرض (١). ودليلهم على هذا الترتيب: ما روي عن ابن عباس من قصة أبي بُرْدة الأسلمي بهذه الكيفية (٢). فهم يخالفون الحنفية في الصورة الثالثة فقط. وقال الإمام مالك (٣): الأمر في عقوبة قطاع الطرق راجع إلى اجتهاد الإمام ونظره ومشورة الفقهاء بما يراه أتم للمصلحة وأدفع للفساد، وليس ذلك على هوى الإمام. ١ - فإن أخاف القاطع السبيل فقط كان الإمام مخيراً بين قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف أو نفيه وضربه، على التفصيل الآتي: فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير والقوة، فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه؛ لأن القطع لا يدفع ضرره. وإن كان لا رأي له، وإنما هو ذو قوة وبأس، قطعه من خلاف. وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر عقاب فيه وهو الضرب والنفي. ٢ - وأما إذا قتل، فلا بد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه.

стр. 5311

٣ - وأما إن أخذ المال، فلم يقتل، فالإمام مخير بين قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه، يفعل مما ذكر ما يراه نظراً ومصلحة ولا يحكم فيه بالهوى. ودليله: أن حرف «أو» المذكور في آية المحاربة يقتضي في اللغة التخيير، مثل قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة﴾ [المائدة:٨٩/ ٥] (١). ويلاحظ أن الجمهور قالوا: إن «أو» للتنويع، فتكون العقوبة بحسب نوع الجناية كما تبين. كيفية الصلب ووقته ومدته: قال أبو يوسف والكرخي وهو الأصح في مذهب الحنفية، والراجح عند المالكية أيضاً: يصلب قاطع الطريق حياً، على خشبة تغرز في الأرض، بأن يربط جميعه بها بعد وضع قدميه على خشبة عريضة من الأسفل، وربط يديه على خشبة عريضة من الأعلى. ثم يقتل مصلوباً قبل نزوله بأن يطعن بالحربة؛ لأن الصلب عقوبة مشروعة تغليظاً، وإنما يعاقب الحي، أما الميت فليس من أهل العقوبة. وليس صلبه من قبيل المثْلة المنهي عنها؛ لأن المراد بها قطع بعض الجوارح (٢). وقال أشهب من المالكية والشافعية والحنابلة والطحاوي من الحنفية: الصلب يكون بعد القتل؛ لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظاً، وفي صلبه حياً تعذيب له وتمثيل به (٣)، وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة وعن تعذيب الحيوان، فقال:

стр. 5312

« إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة» (١). والغرض من صلبه بعد قتله هو التنكيل به، وزجر غيره ليشتهر أمره. ومدة الصلب عند الجمهور: ثلاثة أيام، ولا يبقى أكثر من ذلك. وقال الإمام أحمد: يصلب بقدر ما يقع عليه اسم الصلب. قال ابن قدامة: والصحيح توقيته بما ذكر الخرقي، وهو بقدر ما يشتهر أمره. النفي: النفي عند الحنفية: معناه الحبس؛ لأن فيه نفياً عن وجه الأرض، وخروجاً عن الدنيا مع قيام الحياة، إلا عن الموضع الذي حبس فيه، ومثل هذا في عرف الناس يسمى نفياً عن وجه الأرض، وخروجاً عن الدنيا، كما قال بعض المحبوسين: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها (٢) … فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة … عجبنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا وأما التغريب ففيه إضرار ببلد آخر، وتمكين له من الهرب إلى دار الحرب، وتعريض للكفر (٣).

стр. 5313

وقال المالكية: النفي أن يخرج من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر ويسجن فيه، إلى أن تظهر توبته. والمسافة بين البلدين: أقل ما تقصر فيه الصلاة (١). والنفي هنا هو بمعنى التغريب في حد الزنا، وهو الحبس في بلد آخر. وقال الشافعية: النفي معناه أن يحبسهم الإمام مدة حتى تظهر توبتهم، أو يعزرهم بما يراه رادعاً لهم (٢). أما التغريب في حد الزنا فمعناه: الإبعاد لبلد آخر كما تقدم. وقال الحنابلة: النفي أن يشردوا، فلا يتركون يأوون إلى بلد. ودليلهم ما روي عن الحسن والزهري: أن النفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون يأوون بلداً (٣). وأما التغريب في حد الزنا فمعناه مثلما قال الشافعية. صفة حكم قطع الطريق: حد الحرابة: من حقوق الله الخالصة له، فيجري فيه التداخل ولا يحتمل العفو والإسقاط والإبراء والصلح عنه، على نحو ما بان في حد السرقة. وأما اجتماع الغرم والقطع ففيه خلاف بين العلماء: اتفق الفقهاء على أنه إذا أخذ المحاربون المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى، فإن كانت الأموال موجودة ردت إلى مالكها. وإن كانت تالفة أو معدومة، فقال الحنفية: لا يجمع بين الحد والضمان؛ لقوله ﵇: «إذا أقيم الحد على

стр. 5314

السارق فلا غرم عليه» (١) ولأن التضمين يقتضي التمليك، والملك يمنع الحد، فلا يجمع بينهما (٢). وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجتمع الحد والضمان كما في السرقة؛ لأن المال عين يجب ضمانها بالرد، لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقم عليه الحد، ولأن الحد والغرم حقان يجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك (٣). المبحث الخامس - ما يسقط حكم القطع، وما يترتب على عدم وجوب الحد أو سقوطه: يسقط حكم قطع الطريق وهو الحد بعد وجوبه بأمور: ١ - تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره بقطع الطريق. ٢ - رجوع القاطع عن إقراره بقطع الطريق. ٣ - تكذيب المقطوع عليه البينة. ٤ - ملك القاطع الشيء المقطوع له وهو المال قبل الترافع أو بعده عند جمهور الحنفية خلافاً لغيرهم، على نحو ما ذكر في السرقة. ٥ - توبة القاطع قبل قدرة السلطان عليه، لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من

стр. 5315

قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة:٣٤/ ٥] وهذا باتفاق الأئمة (١). ويترتب على سقوط الحد بالتوبة، أو على عدم وجوب الحد لمانع بأن فات شرط من شروط الحد السابق ذكرها كنقصان النصاب: أنه إذا كان المال موجوداً يجب رده إلى صاحبه، وإن كان هالكاً أو مستهلكاً يجب الضمان. فإن قتلوا بسلاح يجب القصاص عند الحنفية، وإن قتلوا بعصا أو حجر، فعلى عاقلة القاتل الدية لورثة المقتول، ويجب القصاص عند الجمهور في القتل العمد، سواء أكان بسلاح أم بغيره. وإن جرحوا، فالجراحات فيها القصاص فيما يمكن فيه القصاص، والأرش (أي الضمان) فيما لا يمكن (٢).

стр. 5316

البغاة أولاً - تعريف البغي: البغي لغة: إما الطلب كما في قوله تعالى: ﴿ماكنا نبغِ﴾ [الكهف:٦٤/ ١٨] أو التعدي. وهو في اصطلاح الفقهاء كما عرفه ابن عرفة المالكي: الامتناع من طاعة من تثبت إمامته في غير معصية بمغالبة، ولو تأولاً (١). والبغي حرام لقول النبي ﷺ : «من نزع يده من طاعة إمامه، فإنه يأتي يوم القيامة، ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية» (٢)، وقال ﵊ أيضاً: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٣). وعرف الحنفية البغاة: بأنهم قوم لهم شوكة ومنعة، خالفوا المسلمين في بعض الأحكام بالتأويل، وظهروا على بلدة من البلاد، وكانوا في عسكر، وأجروا

стр. 5317

أحكامهم، كالخوارج وغيرهم. أما الخوارج أو الحرورية: فهم قوم خرجوا على علي واستحلوا دمه ودماء المسلمين وأموالهم وسبي نسائهم، وكفروا أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا أن كل ذنب كفر (١)، وكانوا متشددين في الدين تشدداً زائداً. وأما غيرهم من البغاة فلم يستبيحوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين وسبي ذراريهم. وعرف المالكية البغاة: بأنهم الذين يقاتلون على التأويل، مثل الطوائف الضالة كالخوارج وغيرهم، والذين يخرجون على الإمام، أو يمتنعون من الدخول في طاعته؛ أو يمنعون حقاً وجب عليهم كالزكاة وشبهها (٢). وعرفهم الحنابلة بقولهم: هم الخارجون على إمام ولو غير عدل، بتأويل سائغ ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم مطاع. ويحرم الخروج على الإمام ولو غير عدل (٣). و الفرق بين الباغي والمحارب: أن المحارب يخرج فسقاً وعصياناً على غير تأويل، والباغي: هو الذي يحارب على تأويل، فيقتل ويأخذ المال، وإذا أخذ الباغي ولم يتب، فإنه لا يقام عليه حد الحرابة، ولا يؤخذ منه ما أخذ من المال وإن كان موسراً، إلا أن يوجد بيده شيء بعينه، فيرد إلى صاحبه (٤). ويكون للبغاة قوة ومنعة في مكان يتحصنون فيه.

стр. 5318

ثانياً - أحكام البغاة: ١) - قتالهم واستتابتهم: إذا لم يكن للبغاة منعة، فللإمام أن يأخذهم ويحبسهم حتى يتوبوا. وإن تأهبوا للقتال، وكان لهم منَعة (مكان محصن) وشوكة (سلاح)، يدعوهم الإمام إلى التزام الطاعة، ودار العدل، والرجوع إلى رأي الجماعة أولاً، كما يفعل مع أهل الحرب. فإن أبوا ذلك قاتلهم أهل العدل حتى يهزموهم ويقتلوهم، ويجوز قتل مدبريهم وأسراهم، والإجهاز على جريحهم عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء (١). ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يبدؤوه؛ لأن قتالهم لدفع شرهم. ودليل هذه الأحكام: هو قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات:٩/ ٤٩] وقال ﷺ لعلي ﵁: «إنك تقاتل على التأويل، كما تقاتل على التنزيل» (٢). ولا بأس أن يقاتل البغاة بسلاحهم، ويرتفق بخيولهم إن احتاج المسلمون إليه؛ لأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادل عند الحاجة، ففي مال الباغي أولى.

стр. 5319

وأما أموالهم: فيحبسها عنهم الإمام إلى أن يزول بغيهم، فإذا زال ردها إليهم؛ لأن أموالهم لا تحتمل التملك بالاستيلاء لكونهم مسلمين (١). ٢) - ضمان ما أتلفوه من الأنفس والأموال: قال الحنفية والمالكية والحنابلة، والشافعية في أظهر القولين عندهم: لايضمن البغاة المتأولون ما أتلفوه حال القتال من نفس ولا مال، بدليل ماروى الزهري، فقال: «كانت الفتنة العظمى بين الناس، وفيهم البدريون، فأجمعوا - أي في وقائعهم كوقعة الجمل وصفِّين - على ألا يقام حد على رجل استحل فرجاً حراماً بتأويل القرآن، ولا يقتل رجل سفك دماً حراماً بتأويل القرآن، ولا يغرم مال أتلفه بتأويل القرآن» (٢)؛ ولأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل سائغ، فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى كأهل العدل، ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة، فلا يشرع كتضمين أهل الحرب. واتفق العلماء أيضاً على أنه لا إثم ولا كفارة على أهل العدل بقتلهم أهل البغي، ولا يضمنون ما أتلفوه عليهم، لخبر الزهري السابق، ولأن العادل قد فعل ما أمر به، وقتل من أحل الله قتله، وأمر بمقاتلته. وكذلك الأموال مهدرة كالأنفس، لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس، فالأموال أولى (٣). وإذا أتلف البغاة أو العادلون مال بعضهم بعضاً، قبل تمكن المنعة للبغاة، أو

стр. 5320

بعد انهزامهم، فإنهم يضمنون ما أتلفوه من الأنفس والأموال، لأنهم حينئذ من أهل دار الإسلام، فتكون الأنفس والأموال معصومة. وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر، لم يأخذه الإمام ثانياً؛ لأن ولاية الأخذ له باعتبار الحماية، ولم يحمهم. فإن صرف البغاة هذا المال في حقه، أجزأ من أخذ منه لوصول الحق إلى مستحقه، وإن لم يكونوا صرفوه في حقه، أفتي أهله فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا دفعه؛ لأنه لم يصل إلى مستحقه (١). ٣) - عقوبة جرائم البغاة: إذا قطع البغاة الطريق على أهل العدل من المسافرين، فلا يجب عليهم الحد؛ لأنه يدعون إباحة أموالهم عن تأويل، ولهم منعة. ولو سرق الباغي مال العادل لا يقطعه الإمام، لعدم ولايته على دار البغي، ولخبر الزهري السابق الذكر. وفي الجملة: لا تقام الحدود على البغاة عند الحنفية، لعدم ولاية الإمام على دار البغي. ويوافقهم المالكية والحنابلة في عدم ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال، ولا تقام عليهم الحدود (٢). وقال الشافعي: يقطع الباغي إذا أصاب شيئاً من أموال المسلمين، ولو في داره؛ لأنه جانٍ، فيستوي في حقه وجود المنعة وعدمها؛ لأن الجاني يستحق التغليظ دون الخفيف. وإذا سرق الباغي مال العادل في دار الإسلام يقطع، وإن استحله؛ لأنه لا

стр. 5321

منعة له (١). وفي الجملة: حكم البغاة عند الشافعية في ضمان النفس والمال والحد في غير حال الحرب حكم أهل العدل. وإن ارتكب الباغي جريمة القتل: الصحيح عندهم أنه لا يتحتم قتله، ويجوز العفو عنه، لقول علي بعد أن جرحه ابن ملجم: أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت (٢). ٤) - الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين: البغاة باتفاق أئمة المذاهب كما عرفنا: هم الذين يخرجون على الإمام يبغون خلعه، أو منع الدخول في طاعته، أو يبغون منع حق واجب بتأويل في ذلك كله. وبهذا التأويل يمتازون عن المحاربين. ويفترق حكم قتالهم عن قتال المشركين بأحد عشر وجهاً عند المالكية كما أبان القرافي المالكي (٣): وهي أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، ويكف عن مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان على قتالهم بمشرك، ولا نوادعهم على مال، ولا تنصب عليهم الرعَّادات (المجانيق)، ولا تحرق عليهم البساتين، ولا يقطع شجرهم. والمعتمد في المذهب المالكي: أن للإمام أن يقاتل البغاة بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتغريق والتحريق وقطع الميرة (التموين) والماء عنهم إلا أن يكون فيهم نسوة أو ذراري، فلا نرميهم بالنار، ولا نسبي ذراريهم وأموالهم؛ لأنهم مسلمون.

стр. 5322

وقتال الحربيين المشركين كقتال البغاة إلا في خمسة أوجه: يقاتلون أي الحربيون مدبرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالبون بما استهلكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم، وما أخذوه من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب إذا أخذ ذلك.

стр. 5323

الفَصْلُ الخامِس: حدّ الشُّرْب و حدّ السُّكْر والأشربة خطة الموضوع: الكلام عن حد الشرب وحد السُّكْر بحسب اصطلاح الحنفية، ثم يأتي بيان رأي غيرهم، في المباحث الآتية: المبحث الأول - تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السكر وشروط الحد ومقدار الحد. المبحث الثاني - أنواع الأشربة المحرمة والمباحة. المبحث الثالث - أحكام الخمر. المبحث الرابع - أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر. المبحث الخامس - إثبات الشرب. المبحث السادس - مخاطر المخدرات وأحكامها في الإسلام. المبحث الأول - تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السُّكْر وشروط الحد ومقدار الحد: اعتبر الحنفية لشرب الأشربة المحرمة نوعين من الحد، وهما حد الشرب وحد

стр. 5324

السكر، أما حد الشرب: فهو الذي يجب بشرب الخمر خاصة، حتى يجب الحد بشرب قليلها وكثيرها، ولا يتوقف الوجوب على حصول السكر منها. قال ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه .. » (١) والخمر كما سأبين: ماء العنب النيء المتخمر، وسميت الخمر خمراً إما لأنها تخمر العقل، أي تستره، وإما لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، وإما لأنها تخمر نفسها لئلا يقع فيها شيء يفسدها. وأما حد السكر: فهو الذي يجب عند السكر الحاصل بشرب ما سوى الخمر من الأشربة المعهودة المسكرة (٢)، التي سيأتي بيانها. ولم يفرق جمهور الفقهاء بين شرب الخمر وغيرها، فقالوا: كل شراب أسكر كثيره، فقليله حرام، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه (٣)، لقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (٤).

стр. 5325

ضابط السُكْر: قال أبو حنيفة: إن السكر الذي يتعلق به وجوب الحد، والحرمة: هو الذي يزيل العقل، بحيث لا يفهم السكران شيئاً، ولا يعقل منطقاً، ولا يفرق بين الرجل والمرأة، والأرض من السماء؛ لأن الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درءاً للحد، لقوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشبهات». وبناء عليه اعتبر غاية السكر وأكمله هو الموجب للحد. وقال الصاحبان وباقي الأئمة: السكران هو الذي يكون غالب كلامه الهذيان، واختلاط الكلام؛ لأنه هو السكران في عرف الناس وعادتهم، فإن السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى وخلط في كلامه، ولا يعرف ثوبه من ثوب غيره، ولا نعله من نعل غيره. وقول الصاحبين مال إليه أكثر المشايخ، وعليه الفتوى كما صرح صاحب تنوير الأبصار وغيره (١)، وهو رأي غير الحنفية. شروط الحد: يشترط لحد المسكرات شروط ثمانية (٢) وهي: الأول - أن يكون الشارب عاقلاً: فلا يحد المجنون. الثاني - أن يكون بالغاً: فلا يحد الصغير.
следующие страницы →