منعة له (١). وفي الجملة: حكم البغاة عند الشافعية في ضمان النفس والمال والحد في غير حال الحرب حكم أهل العدل. وإن ارتكب الباغي جريمة القتل: الصحيح عندهم أنه لا يتحتم قتله، ويجوز العفو عنه، لقول علي بعد أن جرحه ابن ملجم: أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت (٢).
٤) - الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين:
البغاة باتفاق أئمة المذاهب كما عرفنا: هم الذين يخرجون على الإمام يبغون خلعه، أو منع الدخول في طاعته، أو يبغون منع حق واجب بتأويل في ذلك كله. وبهذا التأويل يمتازون عن المحاربين.
ويفترق حكم قتالهم عن قتال المشركين بأحد عشر وجهاً عند المالكية كما أبان القرافي المالكي (٣):
وهي أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، ويكف عن مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان على قتالهم بمشرك، ولا نوادعهم على مال، ولا تنصب عليهم الرعَّادات (المجانيق)، ولا تحرق عليهم البساتين، ولا يقطع شجرهم. والمعتمد في المذهب المالكي: أن للإمام أن يقاتل البغاة بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتغريق والتحريق وقطع الميرة (التموين) والماء عنهم إلا أن يكون فيهم نسوة أو ذراري، فلا نرميهم بالنار، ولا نسبي ذراريهم وأموالهم؛ لأنهم مسلمون.
стр. 5322
وقتال الحربيين المشركين كقتال البغاة إلا في خمسة أوجه:
يقاتلون أي الحربيون مدبرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالبون بما استهلكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم، وما أخذوه من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب إذا أخذ ذلك.
стр. 5323
الفَصْلُ الخامِس: حدّ الشُّرْب و حدّ السُّكْر والأشربة خطة الموضوع:
الكلام عن حد الشرب وحد السُّكْر بحسب اصطلاح الحنفية، ثم يأتي بيان رأي غيرهم، في المباحث الآتية:
المبحث الأول - تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السكر وشروط الحد ومقدار الحد.
المبحث الثاني - أنواع الأشربة المحرمة والمباحة.
المبحث الثالث - أحكام الخمر.
المبحث الرابع - أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر.
المبحث الخامس - إثبات الشرب.
المبحث السادس - مخاطر المخدرات وأحكامها في الإسلام.
المبحث الأول - تعريف حد الشرب وحد السكر، وضابط السُّكْر وشروط الحد ومقدار الحد:
اعتبر الحنفية لشرب الأشربة المحرمة نوعين من الحد، وهما حد الشرب وحد
стр. 5324
السكر، أما حد الشرب: فهو الذي يجب بشرب الخمر خاصة، حتى يجب الحد بشرب قليلها وكثيرها، ولا يتوقف الوجوب على حصول السكر منها. قال ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه .. » (١) والخمر كما سأبين: ماء العنب النيء المتخمر، وسميت الخمر خمراً إما لأنها تخمر العقل، أي تستره، وإما لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، وإما لأنها تخمر نفسها لئلا يقع فيها شيء يفسدها.
وأما حد السكر: فهو الذي يجب عند السكر الحاصل بشرب ما سوى الخمر من الأشربة المعهودة المسكرة (٢)، التي سيأتي بيانها.
ولم يفرق جمهور الفقهاء بين شرب الخمر وغيرها، فقالوا: كل شراب أسكر كثيره، فقليله حرام، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه (٣)، لقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (٤).
стр. 5325
ضابط السُكْر: قال أبو حنيفة: إن السكر الذي يتعلق به وجوب الحد، والحرمة: هو الذي يزيل العقل، بحيث لا يفهم السكران شيئاً، ولا يعقل منطقاً، ولا يفرق بين الرجل والمرأة، والأرض من السماء؛ لأن الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درءاً للحد، لقوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشبهات». وبناء عليه اعتبر غاية السكر وأكمله هو الموجب للحد.
وقال الصاحبان وباقي الأئمة: السكران هو الذي يكون غالب كلامه الهذيان، واختلاط الكلام؛ لأنه هو السكران في عرف الناس وعادتهم، فإن السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى وخلط في كلامه، ولا يعرف ثوبه من ثوب غيره، ولا نعله من نعل غيره.
وقول الصاحبين مال إليه أكثر المشايخ، وعليه الفتوى كما صرح صاحب تنوير الأبصار وغيره (١)، وهو رأي غير الحنفية.
شروط الحد:
يشترط لحد المسكرات شروط ثمانية (٢) وهي:
الأول - أن يكون الشارب عاقلاً: فلا يحد المجنون.
الثاني - أن يكون بالغاً: فلا يحد الصغير.
стр. 5326
الثالث - أن يكون مسلماً: فلا حد على الكافر في شرب الخمر، ولا يمنع منه.
الرابع - أن يكون مختاراً غير مكره.
الخامس - ألا يضطر إلى شربه لغصة.
السادس - أن يعلم أنه خمر: فإن شربه وهو يظنه شراباً آخر، فلا حد عليه.
السابع - أن يعلم أن الخمر محرمة، فإن ادعى أنه لا يعلم ذلك، فاختلف المالكية، هل يقبل قوله أو لا. وقال غيرهم: لا تقبل دعوى الجهل ممن نشأ بين المسلمين.
الثامن - أن يكون مذهبه تحريم ما شرب: فإن شرب النبيذ من يرى أنه حلال، فاختلف العلماء: هل عليه حد أو لا. وذكر الحنابلة أن الحد على المسكرات إنما يلزم من شربها إذا كان عالماً أن كثيرها يسكر، فأما غيره فلا حد عليه؛ لأنه غير عالم بتحريمها، ولا قاصد إلى ارتكاب المعصية بها، فأشبه من زفت إليه غير زوجته. وهذا قول عامة أهل العلم.
مقدار الحد:
قال جمهور الفقهاء: حد الشرب والسكر ثمانون جلدة (١)، لقول علي ﵁: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد
стр. 5327
المفتري ثمانون» (١) ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً (٢).
وقال الشافعية: حد الخمر وسائر المسكرات أربعون جلدة؛ لأن النبي ﷺ لم يعين في ذلك حداً، وإنما كان يضرب السكران ضرباً غير محدود، كما روى أبو هريرة (٣)، فقدروه بأربعين. وروى أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين» (٤). وقال علي كرم الله وجهه: «جلد رسول الله ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سنة، وهذا أحب إلي» (٥). هذا وقد حرمت الخمر سنة ثمان من الهجرة، كما استظهره الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ويضرب في حد الخمر بالأيدي والنعال وأطراف الثياب،
стр. 5328
المبحث الثاني - أنواع الأشربة:
أولاً - الأشربة المحرمة: سبعة وهي (١):
١ - الخمر: هو اسم للنيء (أي غير النضيج أو الذي لم تمسه النار) من ماء العنب بعد ما غلى، واشتد وقذف بالزبد (أي الرغوة)، وسكن عن الغليان، وصار صافياً. وهذا التعريف هو مذهب أبي حنيفة؛ لأن معنى الإسكار لا يتكامل إلا بالقذف بالزبد، فلا يصير خمراً بدونه.
وقال الصاحبان والأئمة الثلاثة: إذا غلى واشتد فهو خمر، وإن لم يسكن عن الغليان؛ لأن معنى الإسكار يتحقق بدون القذف بالزبد، وهذا هو الأظهر عند الحنفية، سداً لباب الفساد أمام العوام.
ويحرم وينجس عصير غلى، أو أتى عليه ثلاثة أيام بلياليهن. ودليل تحريم الخمر وحكمة التحريم قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:٩٠/ ٥ - ٩١] وقد نزلت هذه الآية في
стр. 5329
المرحلة الرابعة من مراحل التدرج في تشريع الخمر، التي كان أولها: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكَراً ورزقاً حسناً﴾ [النحل:١٦/ ٦٧] وثانيها: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر، قل: فيهما إثم كبير﴾ [البقرة:٢١٩/ ٢] وثالثها: ﴿لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون﴾ [النساء:٤٣/ ٤] والحكمة واضحة: وهي دفع الضرر والفساد عن الناس، فالخمر أم الخبائث.
٢ - السَّكَر: هونقيع التمر الطري الذي لم تمسه النار، أو هو النيء من ماء الرطب (١) إذ غلى واشتد وقذف بالزبد، وسكن غليانه عند أبي حنيفة.
وعند الصاحبين والأئمة الآخرين: إذا غلى، ولم يسكن غليانه، على الخلاف السابق. ونبيذ التمر إذا لم يطبخ هو السَّكَر كما حقق قاضي زاده في نتائج الأفكار.
٣ - الفضيخ: هو اسم للنيء من ماء البُسْر (٢) اليابس إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، أو لم يقذف، على الاختلاف السابق. وسمي فضيخاً؛ لأنه يفضخ أي يكسر ويرض.
٤ - نقيع الزبيب: هو اسم للنيء من ماء الزبيب المنقوع في الماء حتى خرجت حلاوته، من غير طبخ، واشتد وقذف بالزبد، أو لم يقذف، على الخلاف السابق.
стр. 5330
٥ - الطلاء أو المثلَّث: هو اسم للمطبوخ من ماء العنب إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مسكراً على ما هو الصواب عند الحنفية، فيحرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا قصد بشر به اللهو والطرب، كما عليه حال الأغلبية الساحقة من الشاربين، فإن قصد بشربه التقوية أو التداوي، وهذا نادر، فيباح شربه عندهما. ويحرم مطلقاً عند الصاحبين وباقي الأئمة.
٦ - الباذَق أو المنصَّف: هو المطبوخ أدنى طبخة من ماء العنب حتى ذهب أقل من الثلثين، سواء أكان أقل من الثلث أم النصف، وصار مسكراً. والدليل على أن الزائد على الثلث حرام: هو ما ثبت عن سيدنا عمر أنه أحل ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فما لم يذهب ثلثاه، فالقوة المسكرة فيه قائمة.
٧ - الجمهوري: هو الطلاء الذي يلقى فيه الماء حتى يرق ويعود إلى المقدار الذي كان في الأصل، ثم طبخ أدنى طبخة، وصار مسكراً، فيحرم عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا قصد بشر به اللهو، ويحرم مطلقاً عند الصاحبين وبقية الأئمة.
ثانياً - الأشربة الحلال في رأي ضعيف هو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف: أربعة إذا كان القصد من شربها التقوي واستمراء الطعام والتداوي، وهي ما يأتي (١):
١ - نبيذ التمر والزبيب إن طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة: وهو أن يطبخ إلى أن ينضج أي أن يطبخ طبخاً يسيراً، وحكمه أنه يحل شربه وإن اشتد إذا شرب منه بلا لهو ولا طرب، وما لم يسكر. فلو شرب ما يغلب على ظنه أنه مسكر فيحرم القدح الأخير الذي يسكر بشربه؛ لأن السكر حرام من كل شراب.
стр. 5331
٢ - الخليطان من الزبيب والتمر إذا طبخ أدنى طبخة، وإن اشتد: يحل شربه بلا لهو، كأن يكون بقصد التقوي أو استمراء الطعام.
٣ - نبيذ العسل والتين والبُر والذرة: يحل سواء طبخ أو لا، بلا لهو وطرب. ويسمى نبيذ العسل (البِتْع) إذا صار مسكراً. ويسمى نبيذ الحنطة والشعير (الجِعَة) إذا صار مسكراً. ويسمى نبيد الذرة (المِرز) إذا صار مسكراً، وهي مع ذلك حلال عند أبي حنيفة فيما دون الإسكار (١)، كما سيأتي بيانه.
٤ - الطلاء أو المثلث العنبي وإن اشتد: وهو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه: يحل شربه إذا قصد به استمراء الطعام والتداوي والتقوي على طاعة الله عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵄.
والرأي المختار عند الحنفية في حكم شرب هذه الأنواع الأربعة: هو الحرمة مطلقاً، عملاً برأي محمد، كما سيبين.
المبحث الثالث - أحكام الخمر:
يتعلق بالخمر الأحكام التالية (٢):
١ - يحرم شرب قليلها وكثيرها إلا عند الضرورة ؛ لأنها محرمة العين. قال الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان﴾ [المائدة:٩٠/ ٥] فوصفها الحق تعالى بكونها رجساً، فيدل على أنها محرمة في نفسها.
стр. 5332
وقال ﵊: «حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسَكَر من كل شراب» (١).
إلا أنه رخص في شربها عند ضرورة العطش أو الإكراه قدر ما تندفع به الضرورة.
ولا يجوز الانتفاع بها للتداوي وغيره؛ لأن الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا، قال ﷺ : «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حَرَّم عليكم» (٢) فإنه دل على تحريم التداوي بما حرم الله تعالى، وأنه لم يجعل الشفاء فيه، ولما كانت الخمر محرمة، دل على تحريم التداوي بها.
ويحرم على الرجل أن يسقي الصبيان الخمر، فإذا سقاهم، فالإثم عليه في الشرب، دون الصغير؛ لأن خطاب التحريم موجه إليه. قال ﵊: «شارب الخمر كعابد الوثن» (٣) وقال ﷺ أيضاً: «الخمر أم الخبائث» (٤)
стр. 5333
وقال ﷺ أيضاً: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها» (١).
٢ - يكفر مستحلها ؛ لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به، وهو نص القرآن الكريم في الآية السابقة: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام (٢) رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه، لعلكم تفلحون﴾ [المائدة:٩٠/ ٥].
٣ - يحرم على المسلم تمليكها بسائر أسباب الملك من البيع والشراء والهبة وغيرها؛ لأن كل ذلك انتفاع بالخمر، وإنها محرمة الانتفاع على المسلم. قال النبي ﵊: «يا أهل المدينة، إن الله ﵎ قد أنزل تحريم الخمر، فمن كتب هذه الآية، وعنده شيء منها، فلا يشربها، ولا يبيعها، فسكبوها في
стр. 5334
طرق المدينة» (١) وقال ﷺ : «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» (٢)، إلا أنها تورث؛ لأن الملك في الموروث ثبت شرعاً من غير صنع العبد، فلا يكون ذلك من باب التمليك والتملك، والخمر إن لم تكن متقومة، فهي مال قابل للملك في الجملة.
٤ - لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم ؛ لأنها ليست متقومة في حق المسلم، وإن كانت مالاً في حقه.
٥ - إنها نجسة نجاسة مغلظة، حتى إذا أصاب الثوب - في رأي الحنفية - أكثر من قدر الدرهم، يمنع جواز الصلاة؛ لأن الله تعالى سماها رجساً، فقال سبحانه: ﴿رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة:٩٠/ ٥]. والظاهر أن المراد من كلمة (رجس) هو النجاسة المعنوية الشرعية (٣)، إلا أن الأمر بالاجتناب يقتضي الابتعاد عن الخمر ابتعاداً شديداً، وقد حكم الجمهور بنجاسة الخمر وسائر المسكرات المائعة فوق تحريم شربها تنفيراً وتغليظاً، وزجراً عن الاقتراب منها (٤)، يدل لنجاستها حديث أبي ثعلبة الخشني قال: يا رسول الله، إنا بأرض أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: (إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم
стр. 5335
تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها). وفي رواية أبي داود: «إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله ﷺ : إن وجدتم غيرها فكلوا اشربوا، وإ ن لم تجدوا غيرها فارحضوها (اغسلوها) بالماء، وكلوا اشربوا» (١). قال الشوكاني: والأمر بغسل الآنية في حديث أبي ثعلبة ليس لتلوثها برطوباتهم بل لطبخهم الخنزير، وشربهم الخمر فيها.
ولو سقيت بهيمة خمراً ثم ذبحت، فإن ذبحت ساعة ما سقيت به تحل من غير كراهة؛ لأنها في أمعائها، فتطهر بالغسل، وإن مضى عليها يوم أو أكثر، تحل مع الكراهة عند الحنفية، لاحتمال أنها تفرقت في العروق والأعصاب.
ولو نقعت فيها الحنطة، ثم غسلت، حتى زال طعمها ورائحتها، يحل أكلها. وإن وجد فيها طعم الخمر ورائحتها، لا يحل أكلها.
٦ - يحد شاربها قليلاً أو كثيراً، لقوله ﵊: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (٢) ولإجماع الصحابة ﵃ على ذلك (٣).
стр. 5336
ولو شرب خمراً ممزوجاً بالماء: إن كانت الغلبة للخمر، يجب الحد، وإن غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها لا يجب الحد، إلا أنه يحرم شرب الماء الممزوج بالخمر، لما فيه من أجزاء الخمر حقيقة.
٧ - إن حد شرب الخمر وحد السكر مقدر بثمانين جلدة في الأحرار، لفعل الصحابة ﵃، وقياسهم على حد القذف كما عرفنا، وهذا رأي الجمهور، وقال الشافعية: حد الخمر أو المسكر على الأحرار أربعون جلدة؛ لأن عثمان ﵁ جلد الوليد بن عقبة أربعين، وقال علي: جلد رسول الله ﷺ في الخمرأربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سُنَّة (١).
٨ - إذا تخللت الخمر بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف، لقوله ﵊: «نعم الإدام الخل» (٢). ويعرف
التخلل بالتغير من المرارة إلى الحموضة بحيث لا يبقى فيها مرارة أصلاً عند أبي حنيفة، فلو بقي فيها بعض المرارة لا يحل؛ لأن الخمر عنده لا يصير خلاً إلا بعد تكامل معنى الخلِّية فيه، كما لا يصير خمراً إلا بعد تكامل معنى الخمرية.
وقال الصاحبان: تصير الخمر خلاً بظهور قليل الحموضة فيها، اكتفاء بظهور دليل الخلية فيه، كما أن الخمر تصير خمراً بظهور دليل الخمرية عندها.
أما إذا خلل الخمر صاحبها بإلقاء علاج فيها من خل أو ملح أو غيرهما، حتى صارت حامضاً، فيحل شربها، ويكون التخليل جائزاً عند الجمهور، قياساً على
стр. 5337
دبغ الجلد، فإن الدباغ يطهره، ولقوله ﵇: «خير خلكم خل خمركم» (١) وقوله أيضاً: «نعم الإدام الخل» ولم يفصل بين تخلل الخمر بنفسها والتخليل، ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد، ويجعل في الخمر صفة الصلاح، والإصلاح مباح.
وإذا صارت الخمر خلاً يطهر ما يجاورها من الإناء، ويطهر أعلى الإناء إذا غسل بالخل. وقيل: يطهر تبعاً، وهو المفتى به (٢).
وقال الشافعي: لا يحل التخليل بالعلاج، ولا تطهر الخمر حينئذ، لأننا مأمورون باجتنابها، فيكون التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التمول، وهو مخالف للأمر بالاجتناب، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها، فينجسها بعد انقلابها خلاً (٣).
وإذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس، فتخللت، تحل عند الجمهور، وكذا عند الشافعية في الأصح.
المبحث الرابع - أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر:
هذه الأشربة ثلاث فئات:
الفئةالأولى - غير المطبوخ غالباً: وهو السَّكَر والفضيح النيء والباذق المطبوخ ونقيع الزبيب والتمر من غير طبخ:
стр. 5338
أي نقيع التمر إذا اشتد وقذف بالزبد أو الذي طبخ من ماء العنب، فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ، فهذه هي الفئة الأولى التي يتعلق بها الأحكام التالية (١):
١ - يحرم شرب قليلها وكثيرها باتفاق العلماء، لقوله ﵇: «الخمر من هاتين الشجرتين» (٢). وأشار إلى النخلة والعنبة، وهذه الفئة إما من التمر أو من العنب، ولأنه إذا ذهب أقل من الثلثين بالطبخ، فالحرام فيه باق، وهو مازاد على الثلث.
٢ - لا يكفر مستحلها، ولكن يضلل؛ لأن حرمتها دون حرمة الخمر، لثبوتها بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد، وآثار الصحابة ﵃.
٣ - لا يحد عند الحنفية بشرب قليلها، وإنما يجب الحد بالسُّكر منها؛ لأن نص الحديث السابق: «والسَكَر من كل شراب» حرم السكر وجعله كحرمة الخمر، والمعاني التي حرم من أجلها الخمر في قوله تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:٩١/ ٥] هذه المعاني تحصل بالسكر من كل شراب. لهذا قال علي ﵁: «فيما أسكر من النبيذ ثمانون، وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون».
٤ - مقدار الحد: ثمانون جلدة عند الجمهور كما عرفنا، وأربعون جلدة عند الشافعية.
стр. 5339
٥ - يحرم التداوي بها، سئل ابن مسعود ﵁ عن التداوي بالمسكر، فقال: «إن الله ﵎ لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (١).
٦ - يجوز بيعها عند أبي حنيفة مع الكراهة، ويضمن متلفها؛ لأن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه، وهذه الأشربة مرغوب فيها، إلا أن الخمر مع كونها مرغوباً فيها لا يجوز بيعها بنص الحديث السابق: «يا أهل المدينة، إن الله ﵎ قد أنزل تحريم الخمر، فمن كتب هذه الآية، وعنده شيء منها، فلا يشربها ولا يبيعها» والنص ورد في الخمر، فيقتصر على مورد النص.
وأيضاً لأن الأخبار تعارضت في هذه الأشربة في الحل والحرمة، قال أبو حنيفة بحرمة شربها احتياطاً، ولكن لا تبطل ماليتها احتياطاً؛ لأن الاحتياط لايجري في إبطال حقوق الناس.
وقال الصاحبان: لا يجوز بيعها أصلاً، ولا يضمن متلفها، لعدم كونها مالاً متقوماً؛ لأن المال المتقوم: هو ما يباح الانتفاع به حقيقةً وشرعاً، وهي لا يباح الانتفاع بها.
٧ - في نجاستها روايتان عن أبي حنيفة: رواية راجحة تعتبر نجاستها مغلظة كنجاسة الخمر؛ لأنه يحرم شرب قليلها وكثيرها، فلا يعفى عنها أكثر من قدر
стр. 5340
الدرهم، ورواية تعتبر نجاستها مخففة فيعفى عنها ما دون ربع الثوب عند الحنفية؛ لأن نجاسة الخمر إنما ثبتت بالشرع، بقوله تعالى: ﴿رجس﴾ [المائدة:٩٠/ ٥] فتختص النجاسة باسم الخمر. وعن أبي يوسف: أن الكثير الفاحش: هو النجس؛ لأن حرمتها دون حرمة الخمر، واختار السرخسي أن نجاسة السكر ونقيع الزبيب مخففة، والمفتى به أن نجاستها
كالخمر (١).
الفئة الثانية - المطبوخ وهو المثلث (أو الطلاء) والجمهوري والمطبوخ من الزبيب والتمر أدنى طبخ:
أي أن عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ، وإن لم يذهب ثلثاه، فهذه هي الفئة الثانية.
المثلث: وهو المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي معتقاً، حكمه وحكم الجمهوري والمطبوخ من الزبيب والتمر أدنى طبخ، أي وإن لم يذهب ثلثاه: أنه يحل شرب القليل منه، ويحرم المسكر منه وهو القدح الأخير الذي يسكر، فإذا سكر يجب الحد، ويجوز بيعه وتمليكه ويضمن متلفه، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ودليلهما حديث وآثار: أما الحديث فهو ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ أتي بنبيذ فشمه، فقطب وجهه لشدته، ثم دعا بماء، فصبه عليه وشرب منه (٢).
стр. 5341
وأما الآثار، فمنها ماروي عن سيدنا عمر ﵁ أنه كان يشرب النبيذ الشديد، ومنها: ما روي عن سيدنا علي ﵁ أنه أضاف قوماً فسقاهم، فسكر بعضهم، فحده، فقال الرجل: تسقيني ثم تحدني؟ فقال علي: إنما أحدك للسُّكْر (١). والحقيقة أن هذا الخبر غير صحيح؛ لأن في سنده مدلساً وضعيفاً.
وقد اعتبر أبو حنيفة حل المثلث من علامة مذهب أهل السنة والجماعة، فقال: السنة أن تفضل الشيخين، وتحب الخَتَنين (أي الصهرين) وتمسح على الخفين، ولا تحرم نبيذ الجَرّ، أي المثلث أو الطلاء. والحل محصور في القليل منه أو إذا قصد به التقوي على الطاعة، أو التداوي، أو استمراء الطعام، أما إذا قصد به التلهي، فيحرم.
وقال محمد: لا يحل شرب هذين الشرابين، ولكن لا يجب الحد ما لم يسكر، لقوله ﵇: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وبرأيه يفتى عند الحنفية.
وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: كل شراب أسكر كثيره حرم قليله، وحد شاربه إذا كان مكلفاً مختاراً، لقوله ﵇: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» وقوله أيضاً «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره» وصحح الترمذي: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (٢).
стр. 5342
الفئة الثالثة - الأشربة الحلال في رأي ضعيف: وهي خليط الزبيب والتمر المطبوخ، والمتخذ من غير العنب والتمر:
الأشربة الأربعة الحلال التي ذكرت كالخليطين والمِزْر والجِعة والبِتْع والمثلث ب قصد التداوي يحل شربها بلا لهو ولا طرب، قليلاً كان أو كثيراً إذا شرب مالا يسكره، ولا يحد شاربها، وإن سكر منها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه ليس في هذه الأشربة معنى الخمرية، إذ لا شدة فيها، ولأنه ﵇ قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: يعني النخلة والكرمة» ذكر ﷺ الخمر بلام الجنس، فاقتضى اقتصار الخمرية على ما يتخذ من هاتين الشجرتين. وإنما لا يجب الحد وإن سكر منه؛ لأنه سكر حصل بتناول شيء مباح، فلا يوجب الحد، كالسكر الحاصل من تناول البنج، بخلاف ما إذا سكر بشرب المثلث، فإنه يجب الحد؛ لأن السكر فيه حصل بتناول المحظور وهو القدح الأخيرة.
وخلاصة الفرق بين هذه الفئات الثلاث: أن الفئة الأولى يحرم قليلها وكثيرها ويجب الحد بالسكر منها، وأن الثانية يحرم المسكر منه فقط ويجب الحد بالسكر، وأما الثالثة فيحل شربها للتداوي والتقوي، وإن سكر منها، ولا حد فيها وإن سكر منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقد حرم محمد رحمه الله تعالى هذه الأشربة الأربعة التي هي حلال عند الشيخين: وهي المتخذة من العسل والتين ونحوهما قليلها وكثيرها، والأصح أنه يحد شاربها بالسكر منها، وبه يفتى في المذهب الحنفي (١)، وقال الأئمة الثلاثة:
стр. 5343
يحد بشرب القليل منها والكثير (١) لقوله ﵊: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» وقوله: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وقوله: «كل شراب أسكر فهو حرام» وقوله ﷺ أيضاً: «إن من العنب خمراً، وإن من العسل خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن الحنطة خمراً، ومن التمر خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» (٢).
الحشيش والأفيون والبنج (٣):
يحرم كل ما يزيل العقل من غير الأشربة المائعة كالبنج والحشيشة والأفيون، لما فيها من ضرر محقق، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولكن لا حد فيها؛ لأنها ليست فيها لذة ولاطرب، ولا يدعو قليلها إلى كثيرها، وإنما فيها التعزير لضررها، ولما رواه أبو داود عن أم سلمة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتِّر».
ويحل القليل النافع من البنج وسائر المخدرات للتداوي ونحوه؛ لأن حرمته ليست لعينه، وإنما لضرره (٤).
القهوة والدخان: سئل صاحب العباب الشافعي عن القهوة، فأجاب: للوسائل حكم المقاصد، فإن قصدت للإعانة على قربة كانت قربة، أو مباح فمباحة، أو مكروه فمكروهة، أو حرام فمحرمة. وأيده بعض الحنابلة على هذا
стр. 5344
التفصيل.
وقال الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي صاحب غاية المنتهى: ويتجه حل شرب الدخان والقهوة، والأولى لكل ذي مروءة تركهما (١).
والواقع، لا تقل مرتبة التدخين عن الكراهة أو الكراهة التحريمية، وقد يصبح التدخين حراماً إذا ثبت ضرره بالنفس أو المال أو كان المدخن محتاجاً إلى المال لإنفاقه على قوته أو قوت أهله أو ملبسه أو ملبس أهله وعياله.
وقد حرم الإباضية التبغ؛ لأنه من الخبائث، وأصدرت دولة إيران عام ١٩٩١ م أمراً بمنعه وتحريمه ومنع توظيف المدخنين، وقد ذكر الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في كتابه: حكم التدخين عند الأئمة الأربعة وغيرهم (٢) سبعة عشر دليلاً على تحريم الدخان، وأبان المفاسد الكثيرة المترتبة على الدخان، وأورد فتاوى علماء المذاهب الإسلامية بالتحريم، وناقش أدلة المبيحين بالتحريم.
وتلك الأدلة بإيجاز:
١ - الدخان من الخبائث المحرمة بنص الكتاب، والخبائث: كل ما تستكرهه النفوس وتنفر منه.
٢ - الدخان مضرّ بالأبدان ضرراً بيِّناً لا شك فيه، ولا شبهة الآن عند الحكماء وهو من أهم أسباب سرطان الرئة والقلب وغير ذلك من الأمراض الخطيرة أو المنتنة.
٣ - الدخان مؤذ بدخانه الخبيث ورائحته المنتنة لمن لا يتعاطاه من زوجة أو زوج وصاحب.
стр. 5345
٤ - الدخان مؤذ برائحته ونتنه للحفظة الكرام الكاتبين وغيرهم من الملائكة المكرمين.
٥ - الدخان مضر بدِين صاحبه، شاغل له عن سلوك المسالك التي يرتقي بها.
٦ - الدخان فيه إفساد للجسم والبدن وتخدير له وتفتير بالتجربة والمشاهدة.
٧ - الدخان مع كونه مفتراً، أي مخدراً للجفون والأطراف، قد يحصل الإسكار منه لبعض الناس في ابتداء التعاطي، وقد نهى النبي ﷺ عن كل مسكر ومفتِّر.
٨ - فيه إسراف وتبذير، وهو إضاعة المال من أي نوع كان بإتلافه وإنفاقه في غير فائدة دينية ولا مصلحة دنيوية.
٩ - إنه مصادم للفطرة الإنسانية، مؤد إلى تردد القلب وقلقه واضطرابه، فهو مشكوك ومشتبه فيه، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، والبر: ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب.
١٠ - إنه يؤدي إلى أكل المحروق وتسرب أجزاء منه محروقة للحلق كلما تناول المدخن شيئاً منه.
١١ - فيه أكل النار الممتزجة بالحطب الذي هو ورقه، أي من جذبه إلى جوفه.
١٢ - فيه إفساد مزاج من طبعه السوداء أو الصفراء؛ لأنه يجفف الرطوبات البدنية ويحرقها.
١٣ - فيه عبث ولهو، وهو حرام عندالحنفية.
стр. 5346
١٤ - نهى عنه ملوك الإسلام وسلاطينه في الترك والمغرب والسودان وغيرهم، بل وملوك أوروبا.
١٥ - إنه من البدع ومحدثات الأمور بعد القرون الثلاثة المشهود بخيريتها وفضلها، بل بعد القرون العشرة، أخرج أبو داود من حديث العرباض بن سارية: «إياكم ومُحْدَثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
١٦ - فيه غول، وهو ما يعتري شاربه بتركه من القلق والفساد والأذى في عقله ومزاجه وحواسه، وبسببه يعود له ولا يقدر على الترك، وكل ما فيه غول يغتال العقول ويضعف الإرادة يمنع منه، بدليل وصف الحق تعالى خمر الجنة بأنها ﴿لا فيها غول﴾ [الصافات:٤٧/ ٣٧].
١٧ - ما كان مشكوكاً فيه أحرام هو أم حلال، ولم نجد فيه نصاً عن النبي ﷺ ، يعمل فيه بعمل أهل التقوى والورع واجتناب المشتبهات.
المبحث الخامس - إثبات شرب الخمر ونحوها:
اتفق جمهور الفقهاء على أن شرب الخمر ونحوها يثبت بشهادة رجلين مسلمين عدلين يشهدان أنه مسكر أو بالإقرار مرة واحدة، ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال. ويكفي في إقرار وشهادة أن يقال: شرب فلان خمراً.
وقال أبو يوسف وزفر: يشترط في الإقرار هنا كما في السرقة: أن يكون مرتين بمجلسين، اعتباراً لعدد الإقرار بعدد الشهود.
ولا يعتبر الإقرار والشهادة بعد ذهاب الرائحة وتقادم العهد عند أبي حنيفة
стр. 5347
وأبي يوسف. وقال محمد: يحد بالإقرار أو الشهادة بعد ذهاب الرائحة، ولكن دون شهر في الشهادة.
و اختلفوا في إثبات الشرب بالرائحة:
فقال المالكية: يجب الحد بالرائحة إذا شمها شاهدان عدلان في فمه أو تقيأها، وشهدا بذلك عند الحاكم؛ لأن ابن مسعود جلد رجلاً وجد منه رائحة الخمر (١)، وتشبيهاً للشهادة على الرائحة بالشهادة على الصوت (٢).
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: لا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أو حسبها ماء، فلما صارت في فمه مجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرهاً أو مضطراً أو غالطاً، أو شرب شراب التفاح، فإنه يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد بالشك؛ لأن الحد يدرأ بالشبهة، ولا يستوفيه القاضي بعلمه أيضاً (٣).
ويلاحظ أنه لا يقام الحد على السكران حال سكره، وإنما يؤخره إلى الصحو باتفاق الأئمة، ليتحقق مقصود الحد من الانزجار.
стр. 5348
المبحث السادس - مخاطر المخدرات وأحكامها في الإسلام:
الشرائع الإلهية وخاتمتها الشريعة الإسلامية تنشد في تشريعها لتنظيم حياة الناس وأحوالهم تحقيق المصالح والمنافع البشرية الحقيقية، ودفع أنواع المضار والمفاسد وألوان الأذى والشر، بدليل الاستقراء التام والتتبع الشامل لكل ما جاءت به شريعة القرآن الكريم من أحكام العبادات والمعاملات والجنايات والعلاقات الاجتماعية الخاصة والعامة، فلا نجد مطلوباً شرعاً: فرضاً أو مندوباً إلا وكان فيه الخير للفرد والجماعة أو الشخص والأمة، ولا نرى ممنوعاً: حراماً أو مكروهاً إلا وفيه الشر أو شبهة السوء للإنسان والناس قاطبة.
والعقل المجرد غير المتأثر بالهوى أو النفعية الطائشة أو الوقتية غير المنضبطة يدرك تماماً المصلحة المجردة والمضرة الواضحة، ويؤيد ما جاءت به شريعة السماء، إذ لا يخفى على عاقل أن تحصيل المصالح المحضة أو الدائمة الأثر، ودرء المفاسد المحضة أو الآنية التأثير، عن نفس الإنسان وغيره، محمود حسن، كما أنه لا يخفى أيضاً أن درء المفاسد والمضار الراجحة مقدم على المصالح المرجوحة، كما قال العز بن عبد السلام في مقدمة كتابه: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام».
وهذا ما اتفق عليه الحكماء، وأجمعت عليه الشرائع، فحرّمت الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، واتفقت الملل كلها على الحفاظ على المقاصد الخمسة الكلية الضرورية، وهي الدين والعقل والنفس والنسب أو العرض والمال، ووجهت الأديان ذات المصدر الإلهي إلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال والآداب والأخلاق. وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما.
стр. 5349
ومن هذا المنطلق حاربت الشريعة الإسلامية وحرمت تناول المسكرات والمخدرات بأنواعها المختلفة، لما فيها من ضرر واضح على الإنسان وصحته وعقله وكرامته وسمعته أو اعتباره الأدبي. روى ابن ماجه والدارقطني مسنداً، والإمام مالك في الموطأ مرسلاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» وهو حديث حسن، مفاده أن الضرر ممنوع بالنفس أو بالغير، فلا يجوز لأحد أن يضر نفسه أو غيره بغير حق ولا جناية سابقة، ولايجوز مقابلة الضرر بالضرر، فمن سبَّك أو شتمك فلا تسبّه، ومن ضرّ بك فلا تضرّ به، بل اطلب حقك منه عند الحاكم من غير مسابّة.
وجاء في الإنجيل المتداول الآن من قول السيد المسيح ﵇: «السكّيرون والزناة لا يدخلون ملكوت السموات» وإذا كان السكر والزنى ممنوعين لضررهما وقبحهما، فكذلك المخدرات التي تضر العقل، وتفسد النفس والوجدان أو الضمير.
ومن المعلوم أن الضرر الناجم عن تعاطي المسكرات والمخدرات متعدد الجوانب ففيها ضرر بالشخص ذاته، وبأسرته وأولاده، وبمجتمعه وأمته.
أما الضرر الشخصي: فهو التأثير الفادح في الجسد والعقل معاً، لما في المسكر والمخدر من تخريب وتدمير الصحة والأعصاب والعقل والفكر ومختلف أعضاء جهاز الهضم وغير ذلك من المضار والمفاسد التي تفتك بالبدن كله، بل وبالاعتبار الأدبي والكرامة الإنسانية، حيث تهتز شخصية الإنسان، ويصبح موضع الهزء والسخرية، وفريسة الأمراض المتعددة.
وأما الضرر العائلي: فهو ما يلحق بالزوجة والأولاد من إساءات، فينقلب البيت جحيماً لا يطاق من جراء التوترات العصبية والهياج والسب والشتم وترداد
стр. 5350
عبارات الطلاق والحرام، والتكسير والإرباك، وإهمال الزوجة والتقصير في الإنفاق على المنزل، وقد تؤدي المسكرات والمخدرات إلى إنجاب أولاد معاقين متخلفين عقلياً، وقد شاهدت ذلك بنفسي في حالات كثيرة من أولاد المدمنين.
وأما الضرر العام: فهو واضح في إتلاف أموال طائلة من غير مردود نفعي، وفي تعطيل المصالح والأعمال، والتقصير في أداء الواجبات، والإخلال بالأمانات العامة، سواء بمصالح الدولة أو المؤسسات أو المعامل أو الأفراد.
هذا فضلاً عما يؤدي إليه السكر أو التخدير من ارتكاب الجرائم على الأشخاص والأموال والأعراض، بل إن ضررالمخدرات أشد من ضرر المسكرات؛ لأن المخدرات تفسد القيم الخلقية.
أنواع المخدرات وحكمها الشرعي:
المخدرات والمسكرات أنواع متعددة، يتفنن الناس في تناولها بأسماء مختلفة، ويلجأ بعضهم إلى تعاطي أشياء تحقق الهدف المقصود من تغطية العقل، وكلها تشترك في حكم واحد، وهو التحريم بسبب ما فيها من الضرر المؤكد الحصول.
ومن أشهر أنواع المخدرات: الحشيشة، والأفيون، والكوكايين والمورفين والبنج (نبات سام يستعمل في الطب للتخدير) وجوزة الطيب (ثمر شجرة) والبرش (مركب من الأفيون والبنج) والقات (نبات تمضغ أوراقه، قليله منبه منشط، وكثيره مخدر مثبّط، يورث الكسل والخمول، ويعطل الأعمال) وغير ذلك مما يؤخذ بالحُقَن أو المضغ أو التدخين أو غيرها، فيؤدي إلى تغييب العقل، وإضرار الصحة، وإفساد الأخلاق.
стр. 5351
والحكم الشرعي للمخدرات أنها حرام في غير حالة التداوي للضرورة أو الحاجة، وفي غير حالة إصلاح البهارات بإضافة بعضها إليها بالقدر القليل فقط مثل خلط شيء قليل من جوزة الطيب مع البهارات أو المقبّلات. وحرمتها كالمسكرات التي جاءت النصوص التشريعية في القرآن والسنة النبوية بتحريمها تحريماً قطعياً.
و أدلة تحريم تعاطي المخدرات كثيرة منها ما يلي:
١ - إن المخدرات تؤدي إلى أضرار جسيمة كثيرة كما تقدم، وقد يفوق ضررها ضرر المسكرات؛ لأنها تفسد أخلاق المجتمع وتضر الأمة في اقتصادها وأعمالها ضرراً بليغاً، وتفسد العقل، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ففيها ضرر عقلي وبدني وديني وأخلاقي، وكل ما هو ضار في نتائجه أو ذاته وعينه فهو حرام، والمضِّرات من أشهر المحرمات.
٢ - روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة ﵂ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتّر». والمفتر: كل ما يورث الفتور وارتخاء الأعضاء وتخدير الأطراف. قال ابن حجر: وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه، فإنها تسكر وتخدِّر وتفتر. وفي حديث آخر عند أبي داود عن ابن عباس: «كل مخمِّر وكل مسكر حرام» والمخمِّر: ما يغطي العقل.
٣ - حكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، قال ابن تيمية: ومن استحلها فقد كفر، وإنما لم تتكلم فيها الأئمة الأربعة ﵃؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة، وأول المئة السابعة حين ظهرت دولة التتار.
стр. 5352
٤ - قال ابن تيمية في فتاويه الكبرى: كل ما يغيب العقل فإنه حرام، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين، أي إلا لغرض معتبر شرعاً.
وقال أيضاً في كتابه السياسة الشرعية: إن الحشيشة حرام، يُحَدُّ متناولها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد، وأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي داخلة فيما حرّمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظاً أو معنى.
وجاء أيضاً في فتاوى ابن تيمية في مواضع متكررة: «هذه الحشيشة الملعونة هي وآكلوها، ومستحلوها، الموجبة لسخط الله تعالى، وسخط رسوله، وسخط عباده المؤمنين، المعرّضة صاحبها لعقوبة الله، تشتمل على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه، وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين، وتورث من مهانة أكلها ودناءة نفسه وغير ذلك ما لا تورث الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، فهي بالتحريم أولى. وقد أجمع المسلمون على أن السكر منها حرام.
ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال، فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وإن القليل منها حرام أيضاً بالنصوص الدالة على تحريم الخمر وتحريم كل مسكر».
وأيد ابن القيم أستاذه ابن تيمية في ذلك كله، وقال في زاد المعاد: «إن الخمر يدخل فيها كل مسكر: مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً، فيدخل فيها لقمة الفسق والفجور - أي الحشيشة - لأن هذا كله خمر بنص رسول الله ﷺ الصحيح
стр. 5353
الصريح الذي لا مطعن في سنده ولا إجمال في متنه، إذ صح عنه قوله: كل مسكر خمر». وصح عن أصحابه ﵃ الذين هم أعلم الأمة بخطابة ومراده، بأن الخمر ما خامر العقل.
على أنه لو لم يتناول لفظه ﷺ كل مسكر، لكان القياس الصحيح الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجهة، حاكماً بالتسوية بين أنواع المسكر، فالتفريق بين نوع ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه».
وقال الصنعاني في سبل السلام: «إنه يحرم ما أسكر من أي شيء، وإن لم يكون مشروباً، كالحشيشة». وقال بعض علماء الحنفية: «إن من قال بحل الحشيشة زنديق مبتدع».
وقال الحافظ ابن حجر: «إن من قال: إن الحشيشة لا تسكر، وإنما هي مخدر: مكابرٌ، فإنها تحدث ما تحدثه الخمر من الطرب والنشوة».
وذكر ابن البيطار أن قبائح خصالها كثيرة، وعدّ منها بعض العلماء مئة وعشرين مضرة دينية ودنيوية. وقال: إن قبائح خصالها موجودة في الأفيون، وفيه زيادة مضار.
وأما القات فهو حرام، وإن زعم بعض أهل اليمن أنه لا يخدر وإنما هو منشط ومفتق للذاكرة، وهذا مجرد وهم وهو غير صحيح؛ لأن العبرة بالنتائج، ولقد أثبت الأطباء، وجاء في قرار اليونيسكو في الأمم المتحدة أنه مخدر وضار، ومن أضراره الواضحة: تخلّف اليمنيين، وتعطيل اقتصادهم، وانشغالهم بشرائه، وتعاطيه من منتصف النهار إلى منتصف الليل، وإهدارهم المال الكثير في سبيل الحصول عليه وبذل الجهود في زراعته على حساب المزروعات الأخرى النافعة.
стр. 5354
وذهب أبو بكر المقري الشافعي إلى تحريم القات، وقال: إني رأيت من أكلها الضرر في بدني وديني، فتركت أكلها، فقد ذكر العلماء: إن المضِّرات من أشهر المحرمات، فمن ضررها أن آكلها يرتاح ويطرب وتطيب نفسه ويذهب حزنه، ثم يعتريه بعد ساعتين من أكله هموم متراكمة وغموم متزاحمة وسوء أخلاق.
وكذلك حرمه الفقيه حمزة الناشري محتجاً بحديث أم سلمة السابق: أنه ﷺ «نهى عن كل مسكر ومُفْتِر» وهو الذي يجعل في الجسم فتوراً، أي ضعفاً وانكساراً.
والخلاصة: إن جميع المخدرات الحادثة من قرون بعد القرون الستة الأولى حرام كالخمر، لمخامرتها العقل وتغطيتها إياه. وفيها مفاسد الخمر ومضاره، وتزيد عليها، فهي أكثر ضرراً وأكبر فساداً من الخمر؛ لأنها تضر الأمة ضرراً بليغاً، أفراداً وجماعات، مادياً، وصحياً، وأدبياً. ولا شك بأن الشريعة الإسلامية تحرِّم المفاسد والمضار، وتجيز ما فيه مصالح حقيقية، خالصة أو راجحة. وأما ما يزعمونه من مصالح ومنافع فهي وهمية خادعة.
لذا اتفقت أنظمة العالم على منع المخدرات، ولا نجد إجماعاً دولياً على شيء، مثلما نجده في الإجماع على مقاومة كل وسائل تعاطي المخدرات وتهريبها، وإتلاف الكميات المهربة، وعقاب المهربين بالسجن وغيره.
الاتجار بالمخدرات:
إن الاتجار بالمخدرات بيعاً وشراء وتهريباً وتسويقاً أمر حرام كحرمة تناول المخدرات؛ لأن الوسائل في الشريعة تأخذ حكم المقاصد، ويجب سد الذرائع إلى المحرمات بمختلف الإمكانات والطاقات؛ لأن التاجر يسهِّل رواج المخدرات وتعاطيها، فيكون الثمن حراماً، والمال سُحْتاً، والعمل ضلالاً، والاتجار بها إعانة
стр. 5355
على المعصية، والبيع باطل، قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة:٢/ ٥].
ويكون النهي عن بيع الخمر والحكم ببطلانه شاملاً المخدرات؛ لما في ذلك من الإعانة على المعصية، والتواطؤ على إفساد الناشئة والأمة، وتدمير أخلاقها وقيمها، وتخريب اقتصادها وإضعافها أمام غيرها. ويكون الربح التجاري المغري سبباً واضحاً في التآمر على وجود الأمة وضعضعة كيانها وتحطيم جهود أبنائها، وخيانتها، والإسهام في تخلفها وهزِّ بنيتها.
زراعة الحشيش والخشخاش والقات وتصنيع الأفيون والكوكايين والهروين:
إن كل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وكل ما يعين على المعصية، فهو معصية، فتكون زراعة الحشيش وغيرها واستخراج المواد المخدرة والعناية بها حفظاً وتعليباً وتهريباً ونقلاً من مكان إلى آخر أمراً حراماً في شرع الله ودينه، للأسباب التالية:
١ - إن زراعة ما يؤدي إلى الحرام يعد رضاً صريحاً من الزراع بتعاطي الناس له، واتجارهم فيه، والرضا بالمنكر أو المعصية يعد منكراً وعصياناً.
٢ - تبين مما ذكر أن كل مافيه إعانة على المعصية يعد معصية، كما أن الزراعة لوسائل المخدرات معصية.
٣ - روى أبو داود في سننه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن من حَبَس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمراً، فقد تقحم النار». وهذا
стр. 5356
دليل صريح على حرمة زراعة الحشيش والقات وكل ما يؤدي لاستخراج عصارة الأفيون والهروين والكوكايين وغير ذلك.
٤ - روى أصحاب السنن الأربعة والإمام أحمد عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ «لعَنَ آكل الربا ومُؤكله وشاهديه وكاتبه». ولفظ النسائي: «آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا ذلك، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة» فهؤلاء أربعة لعنوا في أكل الربا.
وروى أبو داود والحاكم عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها» فهؤلاء عشرة لعنوا في الخمر وتناولها.
والمتبادر إلى الذهن ألا يكون ملعوناً إلا آكل الربا وشارب الخمر دون من ذكر معهما، ولكن الشرع حرم فعل ثلاثة آخرين في الربا، وتسعة آخرين في الخمر؛ لأنهم كانوا سبباً في المعصية، وعوناً على اقتراف الحرام، فيكون المتسبب والمعين أو المساعد، له حكم الفاعل تماماً.
وبناء عليه يكون تاجر المخدرات والمهرب والناقل وكل من ساعد في تعاطيها آثماً إثماً عظيماً ومرتكباً حراماً ومنكراً شديداً.
ربح المخدرات:
إن الأرباح التي يستفيد منها التجار والمتعاملون في المخدرات كلها سحت وحرام، لما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة:١٨٨/ ٢] وأكل المال بالباطل يتناول جرائم السرقة والخيانة والظلم والغصب، والقمار، والعقود المحرمة من بيع وشراء ونحوهما من التجارات، وكل الخدمات المبذولة في سبيل ارتكاب المعاصي والمنكرات وكل ما حرمه الشرع، وإن رضي به المالك.
стр. 5357
٢ - الحديث النبوي وهو ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» فكل ما حرم الله الانتفاع به، حرم الانتفاع بعوضه أو ثمنه، بدليل ما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس، والحميدي عن أبي هريرة في بيع الخمر: «إن الذي حرم شربها حرّم بيعها». وروى مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية - أي آية ﴿إنما الخمر والميسر﴾ [المائدة:٩٠/ ٥]- وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبيع، قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة، فسفكوها» وروى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً: «إن الله حرَّم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه».
عقوبة متناول المخدرات:
أوجب ابن تيمية - كما تقدم- إقامة حد الخمر على من سكر من الحشيشة؛ لأنها تشتهى وتطلب، فالحكم عنده منوط باشتهاء النفس.
وذهب الشافعية إلى أن الأفيون وغيره إذا أذيب واشتد وقذف بالزبد، فإنه يلحق بالخمر في النجاسة وإقامة الحد، كالخبز إذا أذيب وصار كذلك، بل أولى.
واتفق الفقهاء على تعزير متناول المخدرات بدون عذر كما في حال التداوي والتعزير يكون بالتوبيخ والضرب والحبس والتشهير والتغريم بالمال وغير ذلك مما يراه القاضي أو الحاكم زاجراً ورادعاً الناس عن اقتراف الجرائم والمنكرات.
وأجاز فقهاء الحنفية والمالكية أن تكون عقوبة التعزير هي القتل، ويسمونه القتل سياسة، أي إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك، وكان جنس الجريمة يوجب القتل، كما في حال التكرار أو إدمان المسكرات والمخدرات، واعتياد الإجرام أو اللواط أو القتل بالحجر أو العصا أو الخشب.
стр. 5358
وهذا يصلح دليلاً أو مستنداً لما أفتى به بعض المفتين المعاصرين من اقتراح مشروع قانون يقضي بعقوبة متعاطي المخدرات بالإعدام شنقاً. وفي ذلك توفير مؤيد أو رادع من قبل السلطة الحاكمة لكل من يتاجر بالمخدرات أو يتعاطاها، أو يقوم بتهريبها.
وقد أصبحت عصابات التهريب وتجار المخدرات خطراً على الدول المختلفة، فلا يجوز التهاون بشأن إنزال أقسى العقوبات في حقهم، لحماية المجتمع من أضرار المخدرات ومفاسدها الجسيمة.
ولا شك بأن إتلاف المخدرات التي تُمسِكُ بها الدولة أمر واجب شرعاً؛ لأن الضار بذاته يجب التخلص منه بمختلف وسائل الإتلاف. والمصادرة، وعقاب المتعاملين فيها.
وإني أرى ضرورة وجود معاهدات دولية لمنع الاتجار بالمخدرات وتهريبها وعقاب تجارها وسماسرتها ووسطائها، كما أرى ضرورة وجود قانون موحد في البلاد العربية والإسلامية ينص على عقوبة شديدة لتجار المخدرات وكل من يتعاطاها أو يتناولها أو يقوم بنقلها بوسائط مختلفة في الحقائب والطائرات والسيارات ووسائل النقل القديمة وغيرها.
стр. 5359
ملحق بالحدود:
أولاً - تداخل الحدود: إذا اجتمعت الحدود على شخص، فإما أن تكون حدوداً خالصة لله تعالى، أو حدوداً خالصة للآدمي، أو تجتمع حدود الله، وحدود الآدميين (١).
ف القسم الأول نوعان:
١ - أن يكون فيها قتل: مثل أن يسرق ويزني وهو محصن، ويشرب الخمر، ويقتل في المحاربة (قطع الطريق). اختلف العلماء فيها:
قال الحنفية والمالكية والحنابلة: تتداخل الحدود فيقتل الشخص، ويسقط سائر الحدود، لقول ابن مسعود: «إذا اجتمع حدان: أحدهما القتل، أحاط القتل بذلك».
وقال إبراهيم النخعي: يكفيه القتل، ولأنها حدود خالصة لله تعالى، يراد بها الزجر، ومع القتل لا حاجة إلى زجره.
وقال الشافعي: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل، وجب مع القتل، كقطع اليد قصاصاً، فهي حدود وجبت بأسباب، فلم تتداخل.
٢ - ألا يكون فيها قتل: كما لو سرق وزنى وشرب الخمر، فلا تداخل، ويستوفى جميعها، من غير خلاف بين العلماء. ويقدم عند الشافعية والحنابلة
стр. 5360
الأخف فالأخف، فيقدم حد الشرب أولاً، ثم حد الزنى، ثم قطع اليد للسرقة، ويتداخل القطع للسرقة مع القطع للمحاربة؛ لأن محل القطعين واحد.
وقال المالكية: يقطع، ثم يجلد.
وقال الحنفية: الإمام بالخيار في البداية، إن شاء بدأ بحد الزنى، وإن شاء بحد السرقة، ويؤخر حد الشرب عنهما؛ لأن حد الزنى وحد السرقة ثبتا بنص القرآن، وحد الشرب ثبت بالاجتهاد، ولا يجمع ذلك كله في وقت واحد، بل يقام كل واحد منها بعد البرء من الأول، لئلا يؤدي الحد إلى الهلاك.
وأما القسم الثاني: وهو الحدود الخالصة للآدمي، وهي القصاص وحد القذف (على رأي الجمهور).
أما عند الحنفية: فإن حد القذف يشتمل على حق الله وحق العبد، إلا أن حق الله فيه غالب، كما عرفنا، وحينئذ يكون عندهم من القسم الأول، فيقدم في الاستيفاء على غيره من الحدود؛ لأن فيه حقاً للعبد أيضاً.
وقال المالكية: كل حد يدخل في القتل كردة أو قصاص أو حرابة إلا القذف، فلا بد من استيفائه أولاً، ثم يقتل. فلو اجتمع حد الزنى والشرب والسرقة، فإن هذه الحدود تسقط وتندرج في القتل.
وقال الحنابلة والشافعية: يستوفى كل الحدود، ويبدأ بأخفها، فيحد للقذف، ثم يقطع، ثم يقتل؛ لأنها حقوق للآدميين، أمكن استيفاؤها، فوجب كسائر حقوقهم، فإن ما دون القتل حق للآدمي، فلم يسقط به.
وقال الحنفية: يدخل ما دون القتل فيه، احتجاجاً بقول ابن مسعود السابق ذكره، وقياساً على الحدود الخالصة لله تعالى.