← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

الفَصْلُ الثَّالث: حكم الأنفال والغنائم يترتب على قيام الحرب آثار في أموال العدو تعرف لدى الفقهاء بأموال الفيء والغنائم: وهي ما وصلت من الحربيين أو كانوا سبب وصولها (١). ومن هذه الأموال ما يعرف باسم خاص يخص به الإمام أحد المجاهدين ويعرف بالأنفال. فما معنى كل لفظ على حدة وما حكمه؟ ١ - النَّفَل: النفل في اللغة: عبارة عن الزيادة، وفي الاصطلاح: عبارة عما خصه الإمام لبعض المجاهدين تحريضاً لهم على القتال، سمي نفلاً، لكونه زيادة عن حصته من الغنيمة. والتنفيل: تخصيص بعض المجاهدين بالزيادة، كأن يقول ولي الأمر: من أصاب شيئاً فله ربعه أو ثلثه، أو فهو له، أو من قتل قتيلاً فله سَلبَه (٢) أو يقول لسرية: «ما أصبتم فهو لكم». وهذا جائز لما فيه من تحريض على القتال، والله تعالى يقول: ﴿يا أيها النبي حرِّض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال:٦٥/ ٨] ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة والسَلبَ وغيرها.

стр. 5707

ولا بأس أن يُنفِّل الإمام في حال القتال، ويحرض بالنَّفَل على القتال، فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو يقول لسرية (هي القطعة من الجيش): قد جعلت لكم الربع أو النصف بعد أخذ الخمس، لما فيه من تقوية القلوب، وإغراء المقاتلة على المخاطرة وإظهار الجلادة رغبة في القتال. وقال الله تعالى: ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال:٦٥/ ٨] وهذا نوع من التحريض. و السَّلب: هو ثياب المقتول وسلاحه الذي معه، ودابته التي ركبها بما عليها، وما كان معه من مال. وأما ما يكون مع خادم للمقتول على فرس آخر أو ما معه من أموال على دابة أخرى، فكله من الغنيمة التي هي من حق جماعة الغانمين كلهم. هذا مذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) الذي يقتضي أن القاتل لا يستحق سلب المقتول إلا بإذن الإمام، أي بأن ينفله له الإمام بعد انتهاء الحرب بطريق الاجتهاد. فإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة، ويكون القاتل وغيره في السلب سواء؛ لأنه مأخوذ بقوة الجيش، فيكون غنيمة لهم. وقال الشافعية والحنابلة: يستحق القاتل سلب المقتول في كل حال بدون إذن الإمام (٣) بدليل عموم قوله ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سلبه» (٤).

стр. 5708

وقد روي أن «أبا طلحة ﵁ قتل يوم خيبر عشرين قتيلاً، وأخد أسلابهم» (١). ومنشأ الخلاف بين الفريقين: هل قوله ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سلبه» صادر منه بطريق الإمامة أم بطريق الفتيا؟ قال الحنفية والمالكية: إن السلب لم يكن للقاتل إلا يوم حنين، فتخصيص بعض المجاهدين به موكول إلى اجتهاد الإمام، فهو تصرف مقول بطريق الإمامة والسياسة. وما وقع منه ﷺ بالإمامة لا بد فيه من إذن الإمام في كل عصر من العصور. وقال الشافعية والحنابلة: إن تنفيل السلب تصرف حادث من الرسول ﷺ بطريق الفتيا، لا بطريق الإمامة، وكل ما وقع منه بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض أوإذن إمام (٢). وهذا الخلاف يجري في فهم حديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (٣) فهل يحتاج إصلاح الأرض لتملكها إلى إذن الإمام أو لا؟ رأيان كما لا حظنا. والتنفيل بناء على رأي الفريق الأول إنما يكون في مباح القتل، فلا يستحق بقتل غير المقاتلة كالصبي والمرأة والمجنون ونحوهم. ولا يشترط في استحقاق النفل سماع القاتل مقالة الإمام؛ لأن إسماع كل المجاهدين متعذر.

стр. 5709

ويشترط لجواز التنفيل أن يكون قبل حصول الغنيمة في أيدي الغانمين، فإن حصلت في أيديهم، فلا نفل إلا من الخمس ونحوه. و حكم التنفيل: اختصاص القاتل بالنفل، فلا يشاركه فيه أحد من الغانمين، ولكن لا يتم تملكه إلا بالإحراز في دار الإسلام عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وأما عند محمد فيتم تملكه قبل الإحراز بدارنا (١). ٢ - الفيء: الفيء في اللغة: الرجوع، واصطلاحاً: هو المال الذي يؤخذ من الحربيين من غير قتال، أي بطريق الصلح كالجزية والخراج (٢). وقد كان الفيء لرسول الله ﷺ خاصة يتصرف فيه كيف شاء، لقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم، فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيء قدير﴾ [الحشر:٦/ ٥٩] وروي عن سيدنا عمر ﵁ أنه قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ ، وكانت خالصة له، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكُراع (٣) والسلاح» (٤). وأما بعد الرسول ﷺ فيكون الفيء لجماعة المسلمين، يصرف في مصالح المسلمين عامة. والفرق بين الرسول وغيره من الأئمة: أن الأئمة ينصرون بالقوة المعنوية لقومهم، أما الرسول ﵊ فإنه منصور بما آتاه الله من هيبة

стр. 5710

خاصة به، كما قال ﵊: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (١). وبناء عليه: إذا دخل حربي في دار الإسلام بغير أمان، فأخذه أحد المسلمين، يكون فيئاً لجماعة المسلمين، ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة؛ لأن سبب ثبوت الملك فيه متحقق بالنسبة لجميع أهل دار الإسلام. وعند الصاحبين: يكون للآخذ خاصة؛ لأن سبب الملك وهو الأخذ والاستيلاء وجد حقيقة من الآخد خاصة. ويخمَّس المنقول من الفيء كالغنيمة عند الشافعية، فيكون الخمس لمن ذكرته آية الغنائم: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] ويقسم الخمس خمسة أسهم: سهم رسول الله ﷺ ويجعل بعد وفاته في مصالح المسلمين، وسهم ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم أبناء السبيل. وأما عقارات الفيء فتوقف لمصالح بيت مال المسلمين، لآية الفيء السابقة: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الحشر:٧/ ٥٩] ومن مصارف الفيء: النفقة على أسر المجاهدين والشهداء، وهم المرتزقة، وعلى العلماء ونحوهم ممن تحتاج إليهم الأمة.

стр. 5711

٣ - الغنيمة: الغنيمة في اللغة: الفوز بالشيء بلا مشقة، واصطلاحاً: هي ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة بطريق القهر والغلبة (١)، وللغنائم أحكام: الحكم الأول - ثبوت الحق والملك فيها: إن حق الغانمين في تملك الغنائم عند الحنفية يتدرج في مراتب ثلاث، يثبت في أولها أصل الحق العام، ويتأكد في ثانيها هذا الحق، ويتخصص في ثالثها حق كل مجاهد به. ففي المرتبة الأولى - يتعلق أصل الحق العام في تملك الغنيمة للغانمين بمجرد الأخذ والاستيلاء، ولكن لا تثبت الملكية قبل الإحراز بدار الإسلام عند الحنفية (٢). وعند بقية الأئمة والشيعة الزيدية والإمامية: تنتقل ملكية أموال العدو إلى الغانمين بمجرد الاستيلاء، فيثبت لهم الملك في الغنيمة قبل الإحراز بدار الإسلام (٣). إلا أن الراجح عند الشافعية أن تملك أموال الأعداء لا يثبت إلا بالاستيلاء مع القسمة أو اختيار التملك (٤). وقد فرع الحنفية على الأصل المقرر عندهم هذه الفروع الفقهية: أـ إذا مات واحد من الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه.

стр. 5712

ب - إذا باع الإمام شيئاً من الغنائم، لا لحاجة المجاهدين، لا يجوز. جـ - إذا أتلف أحد الغانمين شيئاً، لا يضمنه. د - إذا لحق المدد الجيش في دار الحرب، فأحرزوا جميعهم الغنائم إلى دار الإسلام، يشاركونهم في القسمة. هـ - إذا قسم الإمام الغنيمة في دار الحرب قسمة مجازفة بدون اجتهاد ولا لحاجة المجاهدين، فإن القسمة لا تصح. وأما عند الأئمة الآخرين فإن حكم هذه الفروع على العكس تماماً مما هو مقرر لدى الحنفية. وأما فائدة ثبوت أصل الحق العام في الغنيمة عند الحنفية فهو يظهر فيما يلي: إذا أسلم الأسير في دار الحرب، فإنه لا يكون حراً، ويدخل في قسمة الغنيمة، وإذا أسلم قبل الأسر يكون حراً، ولا يدخل في القسمة؛ لأنه بالأسر يتعلق به حق الغانمين، فإذا وجد الإسلام قبل الأسر لم يتعلق به حق أحد. ولو أسلم أرباب الأموال قبل الإحراز بدار الإسلام، فإن أموالهم لا تكون خاصة بهم، وإنما يساهمون مع غيرهم من المجاهدين في القسمة والاستحقاق، بسبب اشتراكهم مع المجاهدين في الإحراز بدار الإسلام، فيكونون كالمدد اللاحق بالجيش. وكذلك ليس لأحد المجاهدين أن يأخذ شيئاً من الغنائم من غير حاجة، لثبوت أصل الحق العام للغانمين فيما غنموه، ولو لم يثبت أصل الحق، لكان المال الذي غنم بمنزلة المباح (١).

стр. 5713

استدل الحنفية على مذهبهم بأن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك لأحد، وهذا المعنى لم يتوافر في الغنيمة؛ لأنها مملوكة للأعداء في الأصل، ولم تزل ملكيتهم عنها إلا بالإحراز بدار الإسلام. واستدل غير الحنفية بأن سبب الملك هو الاستيلاء التام، وقد وجد فيفيد الملك، كالاستيلاء على سائر المباحات كالحطب والحشيش ونحوهما، ثم إن الأدلة الدالة على استحقاق الغنيمة عامة، مثل قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] الآية (١). وفي المرتبة الثانية - أي بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة: يتأكد الحق العام في الغنيمة ويستقر على ملك الغانمين، ولكن لا يثبت الملك أيضاً عند الحنفية. ولهذا قالوا: لو مات أحد المجاهدين، يورث نصيبه، ولو باع الإمام شيئاً من الغنيمة أو قسمها، جاز، ولو لحقهم مدد لا يشاركون الغانمين، وإذا أتلف أحد شيئاً من الغنيمة يضمنه. وفي المرتبة الثالثة - أي بعد الإحراز والقسمة يثبت الملك الخاص لكل واحد من المجاهدين فيما هو نصيبه؛ لأن القسمة إفراز الأنصباء وتعيينها (٢). أوجه الانتفاع بالغنيمة في دار الحرب: إذا تم الاستيلاء على الغنائم، فلا بأس بالانتفاع بها عند الحنفية قبل الإحراز بدار الإسلام، وذلك بالأكل والشرب والعلف والحطب منها، لعموم حاجة الغانمين، سواء أكان المنتفع غنياً أم فقيراً؛

стр. 5714

لأن في إلزام الغني حمل الطعام والعلف من دار الإسلام إلى دار الحرب، مدة الذهاب والإياب والإقامة، حرجاً عظيماً، فكانت الحاجة عامة. ولا يباح لهم بيع شيء مما يباح الانتفاع به، إذ لا ضرورة إلى البيع، ولو باع أحدهم شيئاً ردّ ثمنه إلى الغنيمة، إن تم البيع قبل قسمة الغنيمة. أما بعد القسمة: فإن كان البائع غنياً تصدق بقيمة المبيع على الفقراء، لتعذر توزيعه على الغانمين، وإن كان البائع فقيراً أخذ القيمة؛ لأن المبيع، لو كان موجوداً، لكان له حق أكله. وكذلك إذا فضل شيء من الطعام والعلف من الغانمين بعد الإحراز بدا ر الإسلام، فإنه قبل القسمة يرد إلى الغنيمة إن كان حامله غنياً، وإن كان فقيراً يأكل منه. أما بعد القسمة: فإن كان حامل الطعام أو العلف غنياً، تصدق به على الفقراء إن كان موجوداً، وبقيمته إن كان هالكاً، وإن كان فقيراً ينتفع به. فإن لم يفضل شيء في يد من أخذ الطعام والعلف قبل الإحراز بدار الإسلام، فإنه لا يجوز الانتفاع بشيء من الغنيمة بعد الإحراز بدار الإسلام، لزوال المبيح، وهي الضرورة (١). وأما ما عدا الطعام والعلف من الأموال: فلا يباح للمجاهدين أن يأخذوا شيئاً منها، لتعلق حق الجماعة بها، إلا أنه إذا احتاج أحدهم إلى استعمال شيء من السلاح أو الدواب أو الثياب، لصيانة سلاحه ودابته وثيابه، فلا بأس باستعماله، فإن استغنى عنه رده إلى المغنم؛ لأن المحظور يستباح للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها (٢).

стр. 5715

وإذا أراد المسلمون العودة إلى دار الإسلام ومعهم مواشٍ أو أسلحة، ولم يقدروا على نقلها إلى دار الإسلام، ذبحوا المواشي وأحرقوها بعد الذبح، وأتلفوا الأسلحة حتى لا يستفيد منها العدو. الحكم الثاني - كيفية ومكان قسمة الغنائم: إن كيفية توزيع الغنائم موضحة في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شيء قدير﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] فتقسم الغنيمة خمسة أسهم: الخمس لمن ذكرتهم الآية والأربعة الأخماس للغانمين، وهذا ما بينه ابن عباس: قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية، فغنموا، خمَّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء … ﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] الآية، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحداً، ولذي القربى، فجعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم، وجعل الأسهم الأربعة الباقية: للفرس سهمين، ولراكبه سهماً، وللراجل سهماً (١). ويقول بعض العلماء: تقسم الغنيمة على ستة أسهم، منها سهم الكعبة. وقال الإمام مالك: إن أمرالقسمة موكول إلى نظر الإمام، ومصروف في مصالح المسلمين. وما ذكر في الآية تنبيه على أهم من يدفع إليهم الخمس (٢).

стр. 5716

وسهم الرسول ﷺ عند جمهور الفقهاء: كان يأخذ منه الرسول كفايته لنفسه وعياله ويدخر منه مؤنة سنة، ثم يصرف الباقي في مصالح المسلمين العامة كشراء الأسلحة ونحوها، لقوله ﷺ : «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (١). والصحيح عند الحنفية أن سهم ذوي القربى كان يصرف للفقراء منهم دون الأغنياء. وقال جمهور الفقهاء: يشترك الغني والفقير والنساء في سهم القرابة، لإطلاق الآية: ﴿ولذي القربى﴾ [الأنفال:٤١/ ٨] ولأن النبي ﷺ أعطى العباس منه، وكان من أغنياء قريش، وكان الزبير يأخذ سهم أمه صفية عمة النبي ﷺ . ثم اختلف الناس في سهم الرسول ﷺ وسهم ذي القربى بعد وفاته. فقالت طائفة، منهم الشافعية: سهم الرسول ﵇ للخليفة من بعده. وقالت طائفة: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة. وأجمعوا أن جعلوا هذين السهمين في المصالح العامة كالخيول والأسلحة للجهاد في سبيل الله. وقالت الحنفية: سقط سهم الرسول بموته؛ لأنه كان يأخذه بوصف الرسالة، لا بوصف الإمامة. وهذا مخالف لجمهور الأئمة. و المراد بذي القربى هنا: هم بنو هاشم وبنو طالب دون بني عبد شمس وبني نوفل؛ لأن الأوائل لم يفارقوا الرسول ﷺ في جاهلية ولا إسلام، كما قال الرسول ﷺ ، وشبك بين أصابعه (٢). ويصرف اليوم في المصالح العامة.

стр. 5717

والخلاصة: أن مذاهب الفقهاء في قسمة خمس الغنيمة بعد عهد النبوة مايأتي: قال الحنفية: تقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأما ذكر الله تعالى في الخمس فإما هو لافتتاح الكلام، تبركاً باسمه تعالى. وسهم النبي ﷺ سقط بموته، كما سقط الصَّفي: وهو شيء كان يصطفيه النبي ﷺ لنفسه، أي يختاره من الغنيمة، مثل درع وسيف. وسهم ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي ﷺ بالنصرة له، وبعد وفاته بالفقر لانقطاع النصرة. وقال الشافعي وأحمد والظاهرية وجمهور المحدثين: توزع الغنيمة على خمسة أسهم: أولها - سهم المصالح (سهم الله ورسوله) وثانيها - سهم ذوي القربى وهم بنو هاشم من أولاد فاطمة وغيرها، وثلاثة أسهم أخرى إلى ما نص الله عليهم. وقال الإمام مالك: إن القسمة مفوض أمرها إلى الإمام، يفعل ما يراه مصلحة (١). وأما الأربعة الأخماس: فهي للغانمين، ويساهم فيها الرجل المسلم المقاتل بأن يكون من أهل القتال، ودخل المعركة على قصد القتال، سواء قاتل أم لم يقاتل؛ لأن الجهاد إرهاب للعدو.

стр. 5718

أما المرأة والصبي المميز والذمي: فليس لهم سهم كامل؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال، ولكن يرضخ (١) لهم بحسب ما يرى الإمام من عنايتهم. ومقدار الاستحقاق يختلف بحسب ما إذا كان القاتل فارساً أوراجلاً، فقال أبو حنيفة والشيعة الإمامية: يعطى للفارس سهمان، وللراجل سهم واحد. وقال الصاحبان وجمهور العلماء والشيعة الزيدية: يعطى للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد. و سبب تفضيل الفارس على الراجل: هو أن المحارب كان في الماضي يملك الفرس التي يخرج بها للجهاد، ويلتزم بمؤونتها. ومذهب الجمهور أصوب لصحة ثبوته عن الرسول ﷺ ، فإنه كما روى ابن ماجه والبيهقي أن الرسول ﷺ أسهم يوم حنين للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان وللرجل سهم (٢). وأما حديث الدارقطني الذي نصه: «للفارس سهمان وللراجل سهم» ففي إسناده ضعيف وفي متنه وهم (٣).

стр. 5719

ولا يسهم لأكثر من فرس واحد عند أبي حنيفة ومحمد وزفر؛ لأن الإسهام للخيل في الأصل، ثبت على خلاف القياس، إلا أن الشرع ورد به لفرس واحد، فالزيادة عليها ترد إلى أصل القياس. وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين إذا كانتا مع الفارس؛ لأن المجاهد قد يحتاج إلى فرسين يركب أحدهما، فإذا عيي ركب الآخر (١). وصف المقاتل المستحق للغنيمة: المعتبر في تحديد وصف المقاتل بكونه فارساً أو راجلاً في ظاهر الرواية عند الحنفية: هو وقت دخوله دار الحرب بقصد الجهاد، حتى إنه إذا دخل تاجراً، فإنه لا يستحق شيئاً من الغنيمة، ولو دخل فارساً ثم مات فرسه يستحق سهم الفرسان، ودليلهم أن إرهاب العدو يحصل بمجرد اجتياز حدود دار الحرب، وأن معرفة حقيقة القتال وشهود الوقعة أمر متعذر أو متعسر، فيعتبر بالنسبة لكل المستحقين السبب المفضي إلى القتال ظاهراً، وهو اجتياز الحدود. ويترتب على هذا المذهب أيضاً أنه لو دخل المجاهد إلى دار الحرب راجلاً، ثم اشترى فرساً، أو وهب له، أو ورثه، أو استعاره، أو استأجره، فقاتل فارساً: فله سهم الراجل، لاعتبار حالة دخوله إلى دار الحرب. وقيل: له سهم فارس. وأما الصورة العكسية لهذا، وهي أنه لو دخل فارساً، ثم باع فرسه، أو آجره أو وهبه، أو أعاره، فقاتل، وهو راجل: فإنه في ظاهر المذهب يستحق سهم راجل، كما في السير الكبير لمحمد؛ لأنه لما باع فرسه مثلاً تبين أنه لم يقصد الجهاد فارساً، بل قصد به التجارة، والعبرة في الاستحقاق: اجتياز الحدود بقصد

стр. 5720

الجهاد. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يستحق سهم الفرسان، بحسب حالته وقت مجاوزة الحدود (١). وقال جمهور الفقهاء: المعتبر في تحديد وصف المستحق للغنيمة هو من حضر المعركة بنية القتال وإن لم يقاتل مع الجيش (٢)، لقول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: «إنما الغنيمة لمن شهد الوقعة» (٣) قال الماوردي: ولا مخالف لهما من الصحابة. ويترتب على هذا: أنه لو لحق المدد بالمسلمين بعد انقضاء القتال، فإنهم لا يستحقون شيئاً من الغنيمة، خلافاً للحنفية، كما سبق لدينا: وهو أن المدد يشارك المقاتلة في الغنائم قبل القسمة، أو قبل إحرازها بدار الإسلام. مكان قسمة الغنائم: يرى جمهور الفقهاء والظاهرية والشيعة الإمامية والزيدية: أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب بعد انهزام العدو، بل إنه يستحب؛ لأن النبي ﷺ اعتمر من الجِعْرانَة (موضع بين مكة والطائف) حيث قسم غنائم حنين (واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال) (٤) وقسم الرسول ﵊ الغنائم بذي الحُليفة (ميقات

стр. 5721

أهل المدينة) (١)، وافتتح بلاد بني المصطلق، فقسم الرسول أموالهم في دارهم (٢). ويقول الحنفية: لا يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب، حتى يخرج الجيش إلى دار الإسلام. هذا إذا كان المكان غير متصل بدار الإسلام، فإن كان متصلاً بها، ففتح وأجري عليه حكم الإسلام، كما هو شأن غنائم حنين، فلا بأس بالقسمة. والسبب في عدم جواز القسمة عندهم هو أن ملكية الغنائم لا تتم إلا بالاستيلاء، ولا يتم الاستيلاء إلا بالإحراز في دار الإسلام. ومع هذا إذا قسم الإمام الغنائم بدار الحرب عن اجتهاد، أو لحاجة المجاهدين، فتصح القسمة، أو للإيداع فتحل إذا لم يكن عند الإمام وسائط نقل أو حمولة (٣). استيلاء الكفار على أموال المسلمين: قال جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية: يملك الكفار أموال المسلمين، أو الذميين في دار الإسلام بالقهر والغلبة، إلا أن الحنفية قالوا: لا يثبت تملكهم لأموالنا إلا بالإحراز في دار الحرب، فلو تمكن المسلمون من غلبتهم وأخذوا ما في أيديهم لا يصير ملكاً لهم، وعليهم ردها إلى أربابها بغير شيء، وكذا لو قسموها في دار الإسلام، ثم غلبهم المسلمون، فأخذوها من أيديهم، فإنها ترد إلى أصحابها؛ لأن قسمتهم لا تعتبر جائزة لعدم وجود الملكية.

стр. 5722

وقال الشافعية والظاهرية: لا يملك الكافر مال المسلم أو الذمي بطريق الغنيمة. الأدلة: أدلة الجمهور: ١ - استدل الحنفية بأن الكفار استولوا على مال مباح غير مملوك، ومن استولى على مال مباح غير مملوك يملكه، كمن استولى على الحطب والحشيش والصيد، والدليل عل أنه غير مملوك أنه زال ملك المسلم عنه باستيلاء العدو وإحرازه في بلاده؛ لأنه حينئذ لا يتمكن من الانتفاع بماله إلا بدخوله دار الحرب، وهو غير مستطاع. واستدل غير الحنفية: بأن الاستيلاء سبب للملك، فيثبت قبل الحيازة إلى دار الحرب، كاستيلاء المسلمين على مال غيرهم. ٢ - قال رسول الله ﷺ لمن وجد بعيره في الغنيمة: «إن وجدته لم يقسم فخذه، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردته» (١) فهذا يدل على تملك الأعداء للبعير، وأولوية مالكه الأول بعينه. وللجمهور أدلة أخرى. واستدل الشافعية بأدلة، منها أن ابن عمر ذهب له فرس، فأخذها العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأبَق (هرب) له عبد، فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ في

стр. 5723

زمن أبي بكر الصديق، والصحابة متوافرون من غير نكير منهم (١). قال القسطلاني: وفيه دليل للشافعية وجماعة على أن أهل الحرب لا يملكون بالغلبة شيئاً من مال المسلمين، ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها (٢). رد المال على صاحبه: إذا افترضنا أن العدو ظفر بأموال المسلم أو الذمي، ثم تغلب المسلمون على أعدائهم، فإذا عرف صاحب المال قبل قسمة الغنيمة، فإنه يجب رد هذه الأموال على أصحابها عند جماهير العلماء، ومنهم أئمة المذاهب الأربعة. أما إذا كانت الغنيمة قد قسمت، ثم عرف صاحب المال، فله أخذه بعد دفع قيمته عند المالكية والحنفية، والحنابلة في الأظهر عن أحمد، والزيدية. وقال الشافعية والظاهرية والشيعة الإمامية: إن صاحب المال يستحقه من غير شيء، ويعطى من كان عنده ثمنه من خمس المصالح؛ لأنه يشق نقض القسمة (٣). أموال الحربي الذي أسلم قبل تمام الفتح: إذا أسلم الحربي قبل أن يتم الفتح الإسلامي لبلده، فما أثر هذا الإسلام على ماله الكائن في دار الحرب؟ يرى المالكية في الراجح عندهم: أن مال هذا الشخص يعتبر فيئاً وغنيمة إذا ظفر المسلمون ببلاده، سواء بقي في دار الحرب أم فرَّ إلى دار الإسلام.

стр. 5724

وهو رأي الحنفية والإمامية والزيدية في العقار والأرض، أما المنقول: فإن الإسلام يعصمه، ولكنهم اشترطوا أن يكون المنقول تحت يد صاحبه. وقال الشافعية والحنابلة والظاهرية: إن الإسلام يعصم المال، سواء أكان عقاراً أم منقولاً. وسبب الخلاف بين الفقهاء: هو أن العاصم للمال والدم، هل هو الإسلام أو الدار؟ فالفريق الأول يقول: إن العاصم هو الدار، فما لم يحز المسلم ماله وولده بدار الإسلام، وأصيب في دار الكفر، فهوفيء. وقال الفريق الثاني: العاصم هو الإسلام (١).

стр. 5725

الفَصْلُ الرّابع: حكم الأسرى و السّبي الأسرى: هم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بأسرهم أحياء. والسبي: هم النساء والأطفال. والكلام عنهم يطول جداً، ولذا سأقصر الكلام على بحث حكم الأسرى والسبي بعد أسرهم وسبيهم، ومن المعلوم أن الأسر مشروع لقوله تعالى: ﴿وخذوهم واحصروهم﴾ [التوبة:٥/ ٩] وقوله سبحانه: ﴿فشدوا الوَثاق﴾ [محمد:٤/ ٤٧] وهو كناية عن الأسر، والأسر في حرب المسلمين قليل؛ لأن المسلم لا يأسر عدوه عادة إلا في نهاية المعركة، أما في أثنائها فنادر، والأسير عالة على الآسر. والثابت من فعل الرسول ﷺ أنه كان يمن على بعض الأسارى ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، أو بالأسرى (١)، وذلك على حسب ما تقتضيه المصلحة العامة ويراه ملائماً لحال المسلمين. وأبدأ أولاً بحكم السبي:

стр. 5726

حكم السبي: يعرف حكم السبي ببحث الأحوال التي قد يتعرضون لها، وهي: القتل والاسترقاق، والمن والفداء (١). أما القتل بعد الأسر فلا يجوز للنساء والذراري، أي الأولاد باتفاق العلماء، سواء أكانوا من أهل الكتاب، أم من قوم ليس لهم كتاب كالدهرية (٢) وعبدة الأوثان والثنوية (٣). فإن اشترك النساء والأولاد في القتال مع قومهم بالفعل أو بالرأي، جاز قتلهم في أثناء القتال، وبعد الأسر عند جمهور الأئمة، لوجود العلة في قتل الأعداء: وهي المقاتلة. وخالف الحنفية في حالة القتل بعد الأسر، فلم يجيزوا قتل المرأة والصبي والمعتوه الذي لا يعقل؛ لأن القتل بعد الأسر بطريق العقوبة، وهم ليسوا من أهل العقوبة. فأما القتل حال نشوب المعركة، فلدفع شر القتال، وقد وجد الشر منهم، فأبيح قتلهم فيه، لدفع الشر، وقد انعدم الشر بالأسر. وأما الرق: فإنه إذا لم يجز قتل السبي بعد الأسر كما تقدم، فإن المالكية يرون أن الإمام يخير حينئذ بين الاسترقاق والمن والفداء. وقال الحنفية: يسترقهم الإمام، سواء أكانوا من العرب أم من العجم؛ لأن النبي ﷺ استرق نساء هوازن وذراريهم (٤)، وكذا الصحابة استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم.

стр. 5727

وقال الشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية: يصيرون أرقاء بنفس السبي ويقسمون مع الغنائم؛ لأن النبي ﷺ كان يقسم السبي كما يقسم المال (١). ويلاحظ أن إرقاق السبي كان معاملة بالمثل؛ لأن مشروعية الرق في الإسلام، كانت على أساس تقرير الواقع الذي كان موجوداً قبل الإسلام؛ ولتهيئة الأذهان للتخلص منه بالعتق مع مرور الزمن. وأما المن: فقد أجاز المالكية أن يمن الإمام على السبي بإطلاق سراحهم إلى بلادهم بدون مقابل. وكذلك أجاز الشافعية والحنابلة لولي الأمر المن على السبي، ولكن بشرط استطابة أنفس الغانمين، إما بالعفو عن حقوقهم، أو بمال يعوضهم من سهم المصالح. ولم يجز الحنفية المن مطلقاً، حتى لا يعود السبي حرباً على المسلمين؛ لأن النساء يقع بهن نسل، والصبيان يبلغون، فيصيرون حرباً كذلك. وأما الفداء: فقد أجازه المالكية، فللإمام أن يفادي بالنفوس من نساء أو صبيان. وأجازه الإباضية أيضاً بالنفوس والمال. وأجازه الشافعية على مال أو أسرى من المسلمين في أيدي الأعداء بعد تعويض الغانمين عنهم من سهم المصالح، بدليل أن الرسول ﷺ سبى نساء بني قريظة وذراريهم، فباعهم من المشركين (٢). ولم يجز الحنفية والحنابلة الفداء بالسبي، لا على مال، ولا على أسرى من المسلمين في أيدي قومهم.

стр. 5728

حكم الأسرى: اتفق الفقهاء على أن لولي الأمر أن يفعل بالنسبة للأسرى ما يراه الأوفق لمصلحة المسلمين، ويختار أحد أمور حددها كل واحد من أصحاب المذاهب بما هداه إليه اجتهاده (١). مذهب الحنفية: أن ولي الأمر مخير في الأسرى بين أمور ثلاثة: إما القتل، وإما الاسترقاق، وإما تركهم أحراراً ذمة للمسلمين، إلا مشركي العرب والمرتدين، فإنهم لا يسترقون، ولا تعقد لهم الذمة، ولكن يقتلون إن لم يسلموا، لقوله تعالى: ﴿ستُدعون إلى قوم أولي بأس شديد، تقاتلونهم أو يسلمون﴾ [الفتح:١٦/ ٤٨] ولقوله ﵊: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» (٢). ولا يجوز في رواية عن أبي حنيفة الفداء بالمال أو بالأسرى بعد تمام الحرب. وعند الصاحبين: يجوز الفداء بالأسارى، وجاء في السير الكبير لمحمد بن الحسن: أنه يجوز الفداء بالمال عند الحاجة أو بأسرى المسلمين؛ لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وغيره: أنه فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين (٣)، وفدى بامرأة ناساً من المسلمين، كانوا أسرى بمكة (٤).

стр. 5729

وقال محمد: الجواز أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، وفدى الرسول ﵊ الأسارى يوم بدر بالمال (١). ويحرم المن على الأسرى عند جمهور الحنفية؛ لأن في المن تمكين الأسير من أن يعود حرباً على المسلمين، فيقوي عدوهم عليهم، وهو لا يحل. ويرى الإمام محمد: أنه يجوز المن على بعض الأسارى إن رأى الإمام فيه النظر للمسلمين؛ لأن الرسول ﷺ منَّ على ثمامة بن أُثال الحنفي حين أسره المسلمون، وربطوه بسارية من سواري المسجد (٢). لكن يجوز باتفاق الحنفية المن على الأسرى تبعاً للأراضي، كيلا يشغل الفاتحون بالزراعة عن الجهاد. ومذهب الشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية والظاهرية: أن الإمام أو من استنابه من أحد أركان حربه يفعل ماهو الأصلح والأحظ للإسلام والمسلمين من أحد أمور أربعة: وهي القتل والاسترقاق والمن والفداء بمال أو بأسرى، يفعل ذلك بالاجتهاد لا بالتشهي، فإن خفيت عليه المصلحة حبسهم حتى يظهر له وجهها. وتقدير المصلحة يتم بحسب ما يرى في الأسير من قوة بأس وشدة نكاية، أو أنه مأمون الخيانة، أو مرجو الإسلام، أو مطاع في قومه، أو أن المسلمين في حاجة إلى المال.

стр. 5730

ومذهب المالكية: أن الإمام يتخير بما هو مصلحة للمسلمين في الأسرى قبل قسم الغنيمة بين أحد أمور خمسة: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء، وضرب الجزية عليهم. الأدلة (١): استدل الفقهاء على جواز قتل الأسرى بعموم آيات القتال، مثل قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥/ ٩] وبما ثبت في السنة عن النبي ﷺ أنه قتل بعض الأسرى يوم بدر، فأمر بقتل عقبة بن أبي مُعيط والنضر بن الحارث، لشدة إيذائهما للرسول ﵊ ولصحبه (٢). وأمر النبي ﷺ يوم أحد بقتل أبي عزة الشاعر الذي أطلق الرسول سراحه يوم بدر، فنظم بعدئذ شعراً يحرض به على قتال المسلمين، وفتح الرسول مكة وأمر بقتل هلال بن خطَل، ومِقْيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» (٣). ثم إنه قد يكون في قتل بعض الأسرى مصلحة كبرى للمسلمين حسماً لمادة الفساد، واستئصالاً لجذور الشر، وقطع شرايين الفتنة، وهذا كله بحسب الضرورة. واستدلوا على جواز استرقاق الأسرى الذي كان معاملة بالمثل مع الأمم

стр. 5731

الأخرى بسبب الحرب بقوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم، فشدوا الوثاق، فإما منَّاً بعد، وإما فداءً﴾ [محمد:٤/ ٤٧] قالوا: إن الاسترقاق قد فهم من الأمر بشد الوثاق، كما استدلوا بما ثبت في السير والمغازي من أن الرسول ﷺ استرق بعض العرب كهوازن وبني المصطلق وقبائل من العرب (١)، واسترق النبي أسرى في غزوة خيبر وقريظة وفي غزوة حنين، وسبى أبو بكر وعمر ﵄ بني ناجية من قريش، وفتحت الصحابة بلاد فارس والروم، فسبوا من استولوا عليه. و الحكمة من الإبقاء على مشروعية الرق في النصوص الشرعية: هو مراعاة الأوضاع القائمة في المجتمعات القديمة، لأن الرق كان عماد الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولا يعقل أن يحرمه الإسلام ويبقى مباحاً عند الأمم الأخرى التي تسترق أسرى المسلمين، ولا يعاملهم المسلمون بالمثل، والمعاملة بالمثل كان منهج الشريعة والخلفاء في العلاقات الخارجية، عملاً بأحكام السياسة الشرعية المؤقتة، وتحقيقاً للمصلحة الإسلامية العامة، ولكن الإسلام أيقظ الضمير العالمي بتنبيه الناس إلى علاج مشكلة الأرقاء وضرورة الإحسان إليهم في المعاملة والتخلص التدريجي من هذه الظاهرة بالعتق وفتح منافذ دينية له، حتى إن العتق من أفضل القربات إلى الله تعالى. وأما المن فثابت جوازه في قوله تعالى: ﴿فإما مناً بعد وإما فداء﴾ [محمد:٤/ ٤٧] وادعاء نسخ هذه الآية بآية براءة السابق ذكرها وهي ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥/ ٩] لا دليل عليه، ولا حاجة إليه، لإمكان الجمع بين الآيتين، بحمل آية براءة على الأمر بالقتال عند وجود العدوان، وفي أثناء قيام

стр. 5732

الحرب مع الأعداء، وقصر آية المن على حالة ما بعد الانتهاء من الحرب والوقوع في قيد الأسر. وقد منَّ الرسول ﷺ على ثُمامة بن أُثال الحنفي سيد أهل اليمامة (١) كما منَّ على أبي عزة الجمحي الشاعر، وأبي العاص بن الربيع، والمطَّلب بن حَنْطب يوم بدر، ومنَّ أيضاً على أهل مكة بقوله ﵇: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وكذا منَّ على أهل خيبر (٢). وقال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له» (٣) أي لأطلقتهم له بغير فداء أي بالمن. وأما الفداء أو المفاداة: وهو تبادل الأسرى أو إطلاق سراحهم على عوض، فهو جائز بآية سورة محمد السابقة: ﴿فإما مناً بعد وإما فداء﴾ [محمد:٤/ ٤٧]، وأول حادثة فداء كانت إثر سرية عبد الله بن جحش، حيث قبل الرسول ﵊ الفداء في الأسيرين اللذين أسرا في هذه السرية قبل غزوة بدر بشهرين (٤). وفيما بعد موقعة بدر كان فداء الأسارى أربعة آلاف درهم إلى ما دون ذلك (٥)، فمن لم يكن له شيء أمر أن يعلم صبيان الأنصار الكتابة والقراءة. وليس في المفاداة إعانة لأهل الحرب، كما قال المانعون للفداء، وهم الحنفية، إذ إن تخليص المسلم من قيد الأسر واجب لتمكينه من العبادة الحرة لله تعالى. وأخرج مسلم عن إياس بن سَلَمة عن أبيه: أن سرية من المسلمين أتوا بأسرى، فيهم امرأة من بني فَزارة، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين، كانوا أسروا بمكة.

стр. 5733

البَابُ الخامِس: القَضاء وطرق إثبات الحقّ سأبحث هنا أمر القضاء أو الحكم بين الناس، ووسيلة الوصول إلى الحق بطريق القضاء وهي الدعوى، وطرق إثبات الحق لدى القاضي بالشهادة وباليمين والنكول والإقرار، والقرائن، وذلك في فصول ثلاثة: الفصل الأول - القضاء وآدابه الفصل الثاني - الدعوى والبينات الفصل الثالث - طرق الإثبات وأمهد لهذه الفصول ببيان منهج الإسلام في القضاء.

стр. 5734

المنهج الإسلامي في الميدان القضائي المنهج: معناه المسلك وطريقة العمل، والقضاء: فصل الخصومات وإنهاء المنازعات بإلزام الخصم بالحكم الشرعي، وهو أحد أركان الدولة الإسلاميةأو الخلافة أو الإمامة العظمى، ومحور نظام الحكم، والمظهر العملي الحازم لإلزام الناس باحترام أحكام الشريعة وإعلان هيبتها ونفوذها وتطبيقها في العلاقات الاجتماعية لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإبراز العدل والإنصاف بين الناس، المؤمنين منهم وغير المؤمنين. لذا كان أحد وظائف الأنبياء، وكان الخلفاء والولاة والقضاة يتولونه بالنيابة عن الأمة التي يمثلها الخليفة أو الإمام الأعظم. ولاشك بأن العدل في التصور الإسلامي هو أساس الملك، والظلم مؤذن بخراب المدنيات وتدمير كيان الأمم والشعوب، والقضاء على مصالح الأفراد والجماعة، لأنه يؤدي إلى التذمر ويعجل بالفوضى ويدفع إلى الانتقام والتخريب. فالقضاء في غاية الأهمية والحساسية، ومادام هو بخير فالأمة بخير، وإذا فسد القضاء فسدت الأمة والبلاد. ونظراً لهذه الحساسية المفرطة للقضاء، كان منهج الإسلام فيه يقوم على الأسس التالية: ١ - النظر في الدعوى بموضوعية وتجرد وحياد دون محاباة خصم أو ميل لأحد الخصمين دون الآخر. وهذا واجب ديني خطير من أوليات نظام القضاء إرساء لمعالم الحق والعدل، وإيفاء الحقوق، ونشر الأمن والاستقرار في صفوف

стр. 5735

الناس، ونزع الضغينة والحقد، وتوفير الصفاء والوئام، وملء النفوس بالثقة والاطمئنان والرضا والمحبة. وحينئذ ترتقي الأمة، وتعلو كلمتها، وترتفع سمعتها في كل مكان مما يدعو إلى سرعة الدخول في الإسلام، والتفرغ لكل متطلبات التنمية والرخاء وزيادة العطاء والإنتاج. قال الله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلَنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد:٢٥/ ٥٧] وقال سبحانه: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نِعمَّا يعظكم به﴾ [النساء:٥٨/ ٤]. ٢ - الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، شريعة الله القائمة على الحق وتعظيمه، وحفظ الحقوق، وأداء الواجبات، فلا يجوز شرعاً تطبيق غير أحكام الله تعالى وشرعه، لذا هدد الله تعالى أهل الكتاب الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، فقال سبحانه: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة:٤٤/ ٥] ﴿الظالمون﴾ [المائدة:٤٥/ ٥]، ﴿الفاسقون﴾ [المائدة:٤٧/ ٥]، وندّد الله تعالى بالمشركين والمنافقين الذين يتجاوزون حدود الله والحكم بشرائع الجاهلية، فقال تعالى: ﴿أفحكمَ الجاهلية يبغون، ومن أحسنُ من الله حُكْماً لقوم يوقنون﴾ [المائدة:٥٠/ ٥] وعلى القاضي حفظ هيبة مجلس القضاء، وليس المراد بذلك شخص القاضي، وإنما حفظ هيبة أحكام الشرع التي يطبقها على المتخاصمين، فلا يعفو مثلاً عمن أهانه من الخصوم أو أهان أحد الحضور. ٣ - مراقبة الله تعالى، وهذا واجب على القاضي والخصوم معاً؛ لأن قاضي الأرض لايستطيع أن يفعل شيئاً أمام قاضي السماء، فعليه أن يبحث بأناة وجدية وتعمق عن الحق وصاحبه، وعلى الخصم أن يعتقد أن القاضي في الدنيا لايحل الحرام ولا يحرم الحلال، فعليه الاكتفاء بما يعتقد أنه حق، دون تجاوز ولا اعتداء، حتى وإن قضى القاضي في الظاهر بحكم معين ومقدار معين.

стр. 5736

٤ - غاية القضاء في الإسلام إرضاء الله تعالى بإحقاق الحق وإنصاف المظلوم، دون تأثر بدين أو ملة أو قومية أو قرابة، وحتى على النفس، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، شهداءَ لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تَلْوُوا أو تُعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ [النساء:١٣٥/ ٤] وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقِسْط، ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون﴾ [المائدة:٨/ ٥]. ٥ - ركائز القضاء أو أركانه: يعتمد القضاء على أركان خمسة هي في مجملها مايأتي: الأول - الحاكم: وهو القاضي الذي عينته السلطة أو الحكومة للفصل في الدعاوى والخصومات، وبهذا يختلف الحاكم عن المحكَّم: وهوالذي يتفق عليه الخصمان للتحكيم في النزاع الدائر بينهما. الثاني - الحُكْم: وهو مايصدر عن القاضي من قرار لحسم النزاع وإنهاء الخصومة وله صفة الإلزام، فيختلف الحكم عن الفتوى، فإنها غير ملزمة. والحكم يكون إما بإلزام المحكوم عليه بأمر ما كتنفيذ شيء أو إعطاء شيء، وهذا يسمى قضاء إلزام، وإما يمنع الحاكم المنازعة بقوله للمدعي: ليس لك حق عند خصمك بسبب عجزك عن الإثبات، وهذا يسمى قضاء الترك. الثالث - المحكوم به: وهو في قضاء الإلزام ما ألزم به القاضي المحكوم عليه من إيفاء المدعي حقه، وهو في قضاء الترك ترك المدعي المنازعة. وعلى كل فالمحكوم به هو الحق، إما لله أو للعبد أو مشترك بينهما.

стр. 5737

الرابع - المحكوم عليه: هو من يصدر الحكم ضده، أو من يستوفى منه الحق، سواء أكان مدعى عليه أم لا. الخامس - المحكوم له: وهو المدعي بحق له، سواء أكان خالصاً له كالحق في الدين أو الالتزام المالي، أم خالصاً لله كالحدود الشرعية، أم مشتركاً بين الحقين وكان حق الله هو الغالب وهو حد القذف في رأي الحنفية، أو حق العبد هو الغالب وهو الحق في القصاص. فإن كان الحق خالصاً لله أو حق الله فيه غالب، فإن المحكوم له هو الشرع، وهنا لاتشترط الدعوى من شخص معين، ويحق لكل شخص حتى القاضي التقدم بالأمر وهي دعوى الحسبة، وهو الذي تمثله في عصرنا النيابة العامة. ٦ - التقيد بوسائل الإثبات: ليس للقاضي إصدا ر الحكم في قضية ما بناء على قناعته الشخصية، وإنما لابد من التقيد في إثبات الحق بوسائل إثبات معينة كالشهادة والإقرار واليمين والقرينة. ٧ - الاعتماد على النصوص الشرعية الأصلية في الكتاب والسنة من خلال التفسيرات والاجتهادات الراجحة التي أوضحت فيها هذه النصوص، كالمذاهب الفقهية أو مدارس التفسير القرآني المختلفة أو شرح الأحاديث النبوية الصحيحة. ٨ - الدمج بين مبدأ التوازن العام ومبدأ العدالة: إن التوازن بين الحقوق والواجبات عند تطبيق العدل أمر ضروري لتحقيق المساواة بين الخصوم وتحقيق القدرة على الوفاء، وتوازن القضاء، وهذا هو الذي يقال له: الإحسان في العدل، وهو الذي أمر الله تعالى به في قوله سبحانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل:٩٠/ ١٦].

стр. 5738

والعدل: هو فصل الخصومات بين المتنازعين بواسطة الشريعة الإسلامية والإحسان في العدل: هو موازنة الحقوق والواجبات عند تطبيق العدل. والشريعة تفرض التكاليف مشروطة بالقدرة على الوفاء، لقوله تعالى: ﴿لايكلف الله نفساً إلا وُسْعها﴾ [البقرة:٢٨٦/ ٢]، وهذا يستوجب مبدأ إنظار المعسر لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عُسْرة فنَظِرَةٌ إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢] فلا تكليف عند العجز، ولايخاطب الصبي ولا المجنون ولا الناسي، لقوله ﷺ فيما يرويه الطبراني عن ثوبان: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». واشتراط القدرة يتطلب التخفيف عند المشقة، عملاً بالقاعدة الشرعية، (المشقة تجلب التيسير). والقدرة تستوجب الاعتراف بنظرية الدفاع الشرعي والأخذ بنظرية الظروف الطارئة والقوة القاهرة، كالأخذ بمبدأ فسخ الإجارة للأعذار في مذهب الحنفية، وفسخ البيع حال تعرض الثمار للجوائح المهلكة أو المتلفة بقدر الثلث فأكثر في مذهب المالكية والحنابلة، فإذا كان الوفاء بالعقد واجباً لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة:١/ ٥] فإن هذا مقيد بمبدأ عدم إرهاق المدين بعقد لم تكن الظروف المستقبلية متوقعة فيه أو منتظرة له وقت التعاقد (١). وتوازن القضاء يستدعي ضرورة التسوية بين الخصوم في كل شيء، ويندب في الإسلام اللجوء إلى الصلح قبل السير في إجراءات الدعوى؛ لأن الصلح يُبْقي جانب الود والسماحة والتفاهم، ويحقق توازناً أكثر مما يحققه الحكم القضائي.

стр. 5739

والتوازن يقتضي كفالة حقوق الدفاع لكل منهم، ويتطلب أيضاً الجمع بين الإثبات وحريته، لذا حدد الإسلام قيمة الإقرار والشهادة واليمين وبعض القرائن الشرعية، وترك في الوقت نفسه للقاضي حق تقدير وسائل أخرى كالقرائن القضائية، حتى لايضيع حق يثبت المنطق أن مدعيه محق، وحتى لايلزم أي شخص بحق لم يثبته مدعيه بالحجج الكافية. وهذا التوازن جعل الإسلام يشدد في الإثبات في الميدان الجنائي، فجعل إثبات الزنا بأربعة شهود يعاينون الجريمة، وجعل الشبهة دارئة للحد لصالح المتهم، وأباح الرجوع عن الشهادة والإقرار، فيكون ذلك دليل البراءة من الجريمة. ٩ - اعتماد القضاء على الوازع الديني: إن إقامة العدل بين الناس غاية سامية، لذا فقد أحيطت بسياج ديني أخلاقي إلى جانب الضمانات القانونية والمبادئ القضائية والأخلاقية مترابطة مع بعضها، ومن هنا قررت الشريعة لفت نظر كل من الخصوم والشهود والقضاة إلى عقاب من ادعى باطلاً أو شهد زوراً أو حكم ظلماً، وإلى ثواب الذين يؤدون الشهادة على وجهها، والذين يتحرون في أحكامهم الحق ليس غير. وإذا أمر القاضي أو ثبت عليه أنه جار في حكمه عمداً بقتل نفس أو قطع يد أو قصاص، أقيد منه، ولا شيء عليه إذا أخطأ في حكم (١). ١٠ - القضاء في الإسلام منصب خطير، وذو مكانة كبيرة في الشريعة الإلهية، لذا وردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة تشيد بالقضاء وتكلف به الأنبياء والمرسلين، وتوجب القضاء بالحق والعدل كما تقدم لدينا. وكما كرمت الشريعة القاضي العادل حذرت من القاضي الجائر الذي يتبع هواه (٢)، فقال

стр. 5740

سبحانه: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن:١٥/ ٧٢]. وقال النبي ﷺ فيما يرويه الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى: «إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار، تبرأ الله منه وألزمه الشيطان». وقال ﵊ فيما يرويه أصحاب السنة الأربعة والحاكم عن بُريدة: «القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار». ولا وجود للإجراءات المعقدة في نظام المحاكمات الإسلامي، كما لا تأخير في إصدار الأحكام، وإنما يتميز نظام القضاء في الإسلام بالتعجيل. هذه هي أصول المنهج الإسلامي في القضاء، لما طبقت كان القضاء في الدولة الإسلامية تاج عز، ومفخرة من مفاخر التاريخ، لأنه نظام يعتمد على العقيدة والدين والأخلاق وهو النظام الكفيل بتحقيق الأمن والاستقرار لأي مجتمع إنساني يريد السعادة والبقاء، ويفرض الهيبة والاحترام له في أنظار العالم. ولقد طبق هذا النظام خلال عشرات القرون من سنة (٦٢٢ حتى سنة ١٩٢٤) م، أي قرابة ثلاثة عشر قرناً من الزمان، وكان أبرز معالمه التسوية بين الإمام الحاكم وبين آحاد الرعية في مجلس القضاء، والتزام العدالة حتى مع الأعداء في السلم والحرب والمواطنة والتعايش الديني بين المسلمين وغيرهم في ظل الدولة الإسلامية الرشيدة. رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء: ينبغي على كل قاض أن يحفظ الرسالة العمرية في القضاء؛ لأنها تضع له منهاج التقاضي، وتحدد نظرة الإسلام إلى القضاء، وأوضاع المتقاضين أمام القاضي وآداب

стр. 5741

القاضي، وقواعد سير الدعوى، وضوابط الشهادة في سبيل الوصول إلى إصدار الحكم وتنفيذه، وهذا نص الرسالة (١): - بسم الله الرحمن الرحيم - من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس (٢). - سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: ١ - فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متّبعة. ٢ - فافهم إذا أُدلي إليك. ٣ - فإنه لاينفع تكلم بحق لا نفاد له. ٤ - آسِ بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لايطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. ٥ - البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. ٦ - والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراماً، أو حرَّم حلالاً. ٧ - ومن ادعى حقاً غائباً أو بيِّنةً، فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بيَّنه أعطيته بحق، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ للعذر، وأجلى للعماء.

стр. 5742

٨ - ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك، فهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، لايبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. ٩ - والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرَّباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة. ١٠ - فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود، إلا بالبيِّنات والأيمان. ١١ - ثم الفهمَ الفهمَ، فيما أدلي إليك، مما ورد عليك، مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق. ١٢ - وإياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والتنكرعند الخصومة أو الخصوم. ١٣ - فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذِّكْر. ١٤ - فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله مابينه وبين الناس، ومن تزيّن بما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله لايقبل من العباد إلا ما كان خالصاً. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 5743

صلاحيات القاضي: يحدد قانون القضاء في العصر الحديث صلاحيات القاضي واختصاصه، ويوزع تلك الصلاحيات بين القضاة بحسب الموضوع عادة، إما في المسائل المدنية أو في المسائل الجنائية أو الأحوال الشخصية أوفي القضايا التجارية أو الإدارية أو الدستورية أو أمن الدولة أو نحو ذلك. وأما أعمال القاضي الشرعي في تصور فقهائنا، فمنها ماهو متفق عليه ومنها ماهو مختلف فيه، وقد اتفق الفقهاء على تولي القاضي للأمور الآتية (١): ١ - الفصل بين المتخاصمين، إما بصلح عن تراضٍ أو بإجبار على حكم نافذ. ٢ - قمع الظالمين ونصرة المظلومين وإيصال الحق إلى ذويه. ٣ - تنفيذ الوصايا. ٤ - النظر في شؤون الأوقاف. ٥ - الحجر على السفهاء. ٦ - المواريث. ٧ - شؤون الأيتام والمجانين وإقامة الأوصياء لحفظ أموالهم. ٨ - الجراحات والدماء. ٩ - الإثبات. ١٠ - عقد نكاح النساء اللاتي ليس لهن أولياء أو عَضَلهن (٢) الأولياء.

стр. 5744

١١ - منع التعدي على الطرقات والأفنية العامة. وللقاضي المطالبة بهذه الأعمال إن لم تسند إليه. و اختلف الفقهاء حول تولي القاضي الشؤون الآتية: ١ - إقامة الحدود. ٢ - صلاة الجمعة والعيدين. ٣ - أموال الصدقات. فبعضهم أسندها للقاضي؛ لأنه كالوصي المطلق إلا ما اختص به الخليفة نفسه من شؤون الجيش وقتال البغاة وجباية الخراج. وبعضهم لم يدخلها في اختصاص القاضي لأنه وكيل عن الإمام الأعظم، وليس للوكيل أن يتعدى حدود وكالته. ودليلهم أن عمر ﵁ نهى الولاة عن تنفيذ حكم الإعدام على أحد إلا بعد مشاورته وموافقته، وقاسوا القضاة على الولاة. ويظهر أن هذا الرأي هو الأرجح؛ لأن القاضي وكيل عن الإمام الأعظم، فليس له أن يتعدى حدود وكالته.

стр. 5745

الفَصْلُ الأوّل: القضاء وآدابه الكلام عن القضاء في المباحث التسعة الآتية: المبحث الأول - تعريف القضاء ومشروعيته. المبحث الثاني - شروط القاضي. المبحث الثالث - حكم قبول القضاء. المبحث الرابع - صلاحيات القاضي. المبحث الخامس - واجبات القضاة. المبحث السادس - آداب القضاة. المبحث السابع - انتهاء ولاية القاضي. المبحث الثامن - متى يجوز حبس المدين؟ المبحث التاسع - عزل القاضي وانعزاله. وأبدأ ببحثها كلاً على حدة.
следующие страницы →