← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

القاضي، وقواعد سير الدعوى، وضوابط الشهادة في سبيل الوصول إلى إصدار الحكم وتنفيذه، وهذا نص الرسالة (١): - بسم الله الرحمن الرحيم - من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس (٢). - سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد: ١ - فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متّبعة. ٢ - فافهم إذا أُدلي إليك. ٣ - فإنه لاينفع تكلم بحق لا نفاد له. ٤ - آسِ بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك، حتى لايطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. ٥ - البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. ٦ - والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراماً، أو حرَّم حلالاً. ٧ - ومن ادعى حقاً غائباً أو بيِّنةً، فاضرب له أمداً ينتهي إليه، فإن بيَّنه أعطيته بحق، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ للعذر، وأجلى للعماء.

стр. 5742

٨ - ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم، فراجعت فيه رأيك، فهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، لايبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. ٩ - والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرَّباً عليه شهادة زور، أو مجلوداً في حد، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة. ١٠ - فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود، إلا بالبيِّنات والأيمان. ١١ - ثم الفهمَ الفهمَ، فيما أدلي إليك، مما ورد عليك، مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق. ١٢ - وإياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والتنكرعند الخصومة أو الخصوم. ١٣ - فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذِّكْر. ١٤ - فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله مابينه وبين الناس، ومن تزيّن بما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله لايقبل من العباد إلا ما كان خالصاً. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 5743

صلاحيات القاضي: يحدد قانون القضاء في العصر الحديث صلاحيات القاضي واختصاصه، ويوزع تلك الصلاحيات بين القضاة بحسب الموضوع عادة، إما في المسائل المدنية أو في المسائل الجنائية أو الأحوال الشخصية أوفي القضايا التجارية أو الإدارية أو الدستورية أو أمن الدولة أو نحو ذلك. وأما أعمال القاضي الشرعي في تصور فقهائنا، فمنها ماهو متفق عليه ومنها ماهو مختلف فيه، وقد اتفق الفقهاء على تولي القاضي للأمور الآتية (١): ١ - الفصل بين المتخاصمين، إما بصلح عن تراضٍ أو بإجبار على حكم نافذ. ٢ - قمع الظالمين ونصرة المظلومين وإيصال الحق إلى ذويه. ٣ - تنفيذ الوصايا. ٤ - النظر في شؤون الأوقاف. ٥ - الحجر على السفهاء. ٦ - المواريث. ٧ - شؤون الأيتام والمجانين وإقامة الأوصياء لحفظ أموالهم. ٨ - الجراحات والدماء. ٩ - الإثبات. ١٠ - عقد نكاح النساء اللاتي ليس لهن أولياء أو عَضَلهن (٢) الأولياء.

стр. 5744

١١ - منع التعدي على الطرقات والأفنية العامة. وللقاضي المطالبة بهذه الأعمال إن لم تسند إليه. و اختلف الفقهاء حول تولي القاضي الشؤون الآتية: ١ - إقامة الحدود. ٢ - صلاة الجمعة والعيدين. ٣ - أموال الصدقات. فبعضهم أسندها للقاضي؛ لأنه كالوصي المطلق إلا ما اختص به الخليفة نفسه من شؤون الجيش وقتال البغاة وجباية الخراج. وبعضهم لم يدخلها في اختصاص القاضي لأنه وكيل عن الإمام الأعظم، وليس للوكيل أن يتعدى حدود وكالته. ودليلهم أن عمر ﵁ نهى الولاة عن تنفيذ حكم الإعدام على أحد إلا بعد مشاورته وموافقته، وقاسوا القضاة على الولاة. ويظهر أن هذا الرأي هو الأرجح؛ لأن القاضي وكيل عن الإمام الأعظم، فليس له أن يتعدى حدود وكالته.

стр. 5745

الفَصْلُ الأوّل: القضاء وآدابه الكلام عن القضاء في المباحث التسعة الآتية: المبحث الأول - تعريف القضاء ومشروعيته. المبحث الثاني - شروط القاضي. المبحث الثالث - حكم قبول القضاء. المبحث الرابع - صلاحيات القاضي. المبحث الخامس - واجبات القضاة. المبحث السادس - آداب القضاة. المبحث السابع - انتهاء ولاية القاضي. المبحث الثامن - متى يجوز حبس المدين؟ المبحث التاسع - عزل القاضي وانعزاله. وأبدأ ببحثها كلاً على حدة.

стр. 5746

المبحث الأول - تعريف القضاء ومشروعيته: القضاء لغة: انقضاء الشيء وإتمامه، والحكم بين الناس، والقاضي: الحاكم، وشرعاً: فصل الخصومات وقطع المنازعات (١). وعرفه الشافعية بأنه فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى، أي إظهار حكم الشرع في الواقعة. وسمي القضاء حكماً: لما فيه من الحكمة التي توجب وضع الشيء في محله، لكونه يكف الظالم عن ظلمه، أو من إحكام الشيء (٢). والأصل في مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع (٣): أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله﴾ [ص:٢٦/ ٣٨] وقول الله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة:٤٩/ ٥] وقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة:٤٢/ ٥] وقوله : ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء:١٠٥/ ٤] ونحوها من الآيات. وأما السنة: فما روى عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم، فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٤)، وفي رواية صحح

стр. 5747

الحاكم إسنادها: «فله عشرة أجور» وروى البيهقي خبر: «إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملكين يسددانه ويوفقانه، فإن عدل أقاما، وإن جار عرجا وتركاه». وقد حكم النبي ﷺ بين الناس (١)، وبعث علياً كرم الله وجهه وأبا موسى الأشعري إلى اليمن للقضاء في المنازعات، وبعث أيضاً إليها معاذاً (٢)، وكان عتّآب بن أسيد أول قاض لرسول الله ﷺ على مكة، ولأن الخلفاء الراشدين ﵃ حكموا بين الناس، وبعث عمر ﵁ أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضياً، وأرسل عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضياً. وتولى القضاء عمر وعلي ومعاذ وأبو موسى وشريح وأبو يوسف ﵃. وأجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة، والحكم بين الناس، لما في القضاء من إحقاق الحق، ولأن الظلم متأصل في الطباع البشرية، فلا بد من حاكم ينصف المظلوم من الظالم. نوع المشروعية: القضاء فريضة محكمة من فروض الكفايات باتفاق أئمة المذاهب، فيجب على الإمام تعيين قاض، ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط﴾ [النساء:١٣٥/ ٤] ولأنه كما ذ ُكر طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسه، وبما أن الإمام لا يقدر عادة على فصل الخصومات بنفسه لكثرة مشاغلة العامة، فالحاجة تدعو إلى تولية القضاة.

стр. 5748

وأما كونه فرض كفاية: فلأنه أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وهما واجبان كفائيان. قال بعضهم: «القضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين، تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجة عظيمة» (١)، وهو من أنواع القربات إلى الله ، ولذا تولاه الأنبياء ﵈، قال ابن مسعود: «لأن أجلس قاضياً بين اثنين أحب إليّ من عبادة سبعين سنة». المبحث الثاني - شروط القاضي: اتفق أئمة المذاهب على أن القاضي يشترط فيه أن يكون عاقلاً بالغاً حراً مسلماً سميعاً بصيراً ناطقاً، واختلفوا في اشتراط العدالة، والذكورة، والاجتهاد (٢). أما العدالة: فهي شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز تولية فاسق ولا من كان مرفوض الشهادة لعدم الوثوق بقولهما، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات:٦/ ٤٩] فإذا لم تقبل الشهادة من امرئ، فلأن لا يكون قاضياً أولى. والعدالة تتطلب اجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وسلامة العقيدة، والمحافظة على المروءة، والأمانة التي لا اتهام فيها بجلب منفعة لنفسه أو دفع مضرة عنها من غير وجه شرعي. وقال الحنفية: الفاسق أهل للقضاء، حتى لو عين الإمام قاضياً صح قضاؤه للحاجة، لكن ينبغي ألا يعين، كما في الشهادة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادة الفاسق، لكن لو قبلها منه جاز، وفي الحالتين: (قضاء وشهادة) يأثم من يعينه للقضاء ومن يقبل شهادته.

стр. 5749

أما المحدود في القذف: فلا يعين قاضياً كما لا تقبل شهادته عند الحنفية كبقية الأئمة؛ لأن القضاء من باب الولاية، وبما أن هذا المحدود لا تقبل شهادته وهي أدنى الولايات، فعدم تعيينه قاضياً أولى. وأما الذكورة: فهي شرط أيضاً عند غير الحنفية، فلا تولى المرأة القضاء؛ لقوله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (١)، ولأن القضاء يحتاج إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة والخبرة بشؤون الحياة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، بسبب ضعف خبرتها واطلاعها على واقع الحياة، ولأنه لا بد للقاضي من مجالسة الرجال من الفقهاء والشهود والخصوم، والمرأة ممنوعة من مجالسة الرجال بعداً عن الفتنة، وقد نبه الله تعالى على نسيان المرأة، فقال: ﴿أن تضل إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة:٢٨٢/ ٢] ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يولِّ النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد. وقال الحنفية: يجوز أن تكون المرأة قاضياً في الأموال أي في القضاء المدني؛ لأنه تجوز شهادتها في المعاملات، ويأثم المولي لها للحديث السابق: «لن يفلح .. » أما في الحدود والقصاص أي في القضاء الجنائي، فلا تعين قاضياً؛ لأنه لا شهادة لها فيه، ومن المعلوم أن أهلية القضاء تلازم أهلية الشهادة. وقال ابن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكماً على الإطلاق في كل شيء، لأنه يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية. وأما الاجتهاد: فهو شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية

стр. 5750

كالقدوري (١)، فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية، ولا المقلد: (وهو من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته) لأنه لا يصلح للفتوى، فلا يصلح للقضاء بالأولى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة:٤٩/ ٥] ولم يقل بالتقليد للآخرين، وقال سبحانه: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء:١٠٥/ ٤] وقال : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء:٥٩/ ٤] وروى بريدة عن النبي ﷺ قال: «القضاة، ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق، فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (٢) فالعامي يقضي على جهل. ويلاحظ أن اشتراط وصف الاجتهاد عند المالكية: هو الذي عليه عامة أهل المذهب، لكن المعتمد والأصح عندهم أنه يصح تولية المقلد مع وجود المجتهد (٣). وأهلية الاجتهاد: تتوافر بمعرفة ما يتعلق بالأحكام من القرآن والسنة، ومعرفة الإجماع والاختلاف والقياس ولسان العرب، ولا يشترط أن يكون الفقيه محيطاً بكل القرآن والسنة، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة، ولا أن يكون مجتهداً في كل المسائل، بل يكفي معرفة ما يتعلق بموضوع البحث (٤).

стр. 5751

وقال جمهور الحنفية: لا يشترط كون القاضي مجتهداً، والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية والندب والاستحباب، فيجوز تقليد غير المجتهد للقضاء، ويحكم بفتوى غيره أي بتقليد مجتهد؛ لأن الغرض من القضاء هو فصل الخصائم وإيصال الحق إلى مستحقه، وهو يتحقق بالتقليد، لكن مع هذا قالوا: لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام، أي الجاهل بأدلة الأحكام الشرعية تفصيلاً واستنباطاً؛ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به. وبصرف النظر عن هذا الخلاف فإن الواقع له مكان وأهمية، قال الإمام الغزالي: اجتماع هذه الشروط من العدالة والاجتهاد وغيرهما متعذر في عصرنا لخلو العصر من المجتهد والعدل، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة، وإن كان جاهلاً فاسقاً (١). وقال الشافعية: إذا تعذرت هذه الشروط، فولى سلطان له شوكة فاسقاً أو مقلداً نفذ قضاؤه للضرورة. وفي الجملة: إذا وجد اثنان كل منهما أهل للقضاء يقدم الأفضل في العلم والديانة والورع والعدالة والعفة والقوة، لقوله ﷺ : «من تولى من أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً، وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله، وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله، وجماعة المسلمين» (٢).

стр. 5752

إثبات ولاية القاضي: تثبت ولاية القاضي بشهادة شاهدين يخبران بمحل ولايته، وباستفاضته خبر تعيينه، والأولى أن يكتب له الإمام كتاباً بالتولية، اتباعاً لفعل النبي ﷺ ، فإنه كتب لعمرو بن حزم كتاباً لما بعثه إلى اليمن، وهو ابن سبعة عشر عاماً، وكتب أبو بكر ﵁ كتاباً لأنس لما بعثه إلى البحرين، وختمه بخاتم رسول الله ﷺ . وتثبت ولاية القاضي اليوم بقرار التعيين أو التوظيف وينشر في الجريدة الرسمية، وقد ينشر في الصحف اليومية. ويسن للقاضي الاستعانة بعلماء البلد الذي عين فيه، كما يتعرف على العدول ليتابع عمله بوجه أفضل. المبحث الثالث - حكم قبول القضاء: اتفق الفقهاء على أنه إذا تعين للقضاء واحد يصلح له في بلد لزمه طلبه وقبوله، فإن امتنع عصى، كسائر فروض الأعيان، وللحاكم إجباره؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره، فأشبه من عنده طعام منعه عن المضطر. فإن وجد في البلد عدد يصلح للقضاء، فيجوز القبول والترك. وهل القبول حينئذ أفضل أو الترك؟ قال جمهور العلماء في المذاهب الأربعة: الترك أفضل، لقوله ﷺ : «من جعل قاضياً بين الناس، فقد ذبح بغير سكين» (١) وقد امتنع بعض الصحابة كابن عمر وبعض كبار الفقهاء كأبي حنيفة من قبول القضاء، لما ورد فيه من التشديد

стр. 5753

والذم، ولما فيه من الخطورة (١)، بل إنه يكره طلبه لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» (٢) أي صرفت إليها دون عون، وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل القضاء، وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل إليه ملك فسدده» (٣) وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة» (٤). فيكون طلب القضاء مكروهاً إذا كان هناك مماثل أو أفضل منه. لكن يندب طلب القضاء لعالم غير مشهور يرجو به نشر علمه بين الناس لتحصل المنفعة بعلمه، كما يندب لمن كان محتاجاً إلى الرزق؛ لأن القضاء طاعة لما في إقامة العدل من جزيل الثواب. ويستحب أيضاً لمن يرجو بعمله إحقاق الحق ومنع ضياع الحقوق، وتدارك جورالقضاة أو عجزهم عن إيصال الحقوق لأهلها. ويكره قبول القضاء لمن يخاف العجز عنه، ولا يأمن على نفسه الحيف فيه، حتى لا يكون سبباً لمباشرة القبيح. وقال بعض العلماء: قبول القضاء أفضل؛ لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله

стр. 5754

ويوضح ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف ابن مالك بلفظ «أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل». عليهم، والخلفاء الراشدين ما رسوا القضاء، ولنا فيهم قدوة، ولأن القضاء إذا أريد به وجه الله تعالى يكون عبادة خالصة، بل هو من أفضل العبادات، لقوله ﷺ : «يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين يوماً» (١). وقوله ﵊: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما وَلُوا» (٢) قالوا: وأما الأحاديث التي فيها ذم القضاء فهي محمولة على القاضي الجاهل أو العالم الفاسق، أو الذي لا يأمن على نفسه الرشوة (٣). قال القدوري الحنفي: ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه (أي يعلم من نفسه) أنه يؤدي فرضه: وهو الحكم على قاعدة الشرع. ويكره الدخول فيه لمن يخاف العجز عنه أي عن القيام به على الوجه المشروع، ولا يأمن على نفسه الحيف (أي الظلم). ولا ينبغي للإنسان أن يطلب الولاية بقلبه، ولا يسألها بلسانه (٤)، لقوله ﷺ : «من طلب القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده» (٥).

стр. 5755

المبحث الرابع - صلاحيات القاضي: تشتمل ولاية القاضي على عشرة أمور (١): الأول - الفصل بين المتخاصمين إما بصلح عن تراضٍ، وإما بإجبار على حكم نافذ. الثاني - قمع الظالمين عن الغصب والتعدي وغير ذلك، ونصرة المظلومين وإيصال كل ذي حق إلى حقه. الثالث - إقامة الحدود والقيام بحقوق الله تعالى. الرابع - النظر في الدماء والجراح. الخامس - النظر في أموال اليتامى والمجانين وتقديم الأوصياء عليهم حفظاً لأموالهم. السادس - النظر في الأحباس (الأوقاف). السابع - تنفيذ الوصايا. الثامن - عقد نكاح النساء إذا لم يكن لهن ولي أو عضلهن الولي. التاسع - النظر في المصالح العامة من طرقات المسلمين وغير ذلك. العاشر - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول والفعل. وهذا دليل على أن القاضي ينظر في الأمور المدنية والجنائية والأحوال الشخصية، والقضايا الإدارية وحقوق الله تعالى، أي حقوق المجتمع، فهو قاضي

стр. 5756

مدني وجنائي وشرعي وإداري ومحتسب، ولكن لا مانع شرعاً من التخصص الموضوعي في القضاء إذا ازدحمت الدعاوى وكثرت المشكلات. المبحث الخامس - واجبات القضاة: يجب على القاضي التقيد ببعض الواجبات فيما يتعلق بمصادر الأحكام التي يستمد منها حكمه، وطريق ثبوت الحق بالبينة أو الإقرار ونحوهما وما يتعلق بالمقضي له والمقضي عليه. المطلب الأول - ما يقضي به القاضي من الأحكام الشرعية وصفة قضائه: يجب على القاضي أن يقضي في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى: إما بدليل قطعي، وهو النص المفسر الذي لا شبهة فيه من كتاب الله ، أو السنة المتواترة أو المشهورة، أو الإجماع. وإما بدليل ظاهر موجب للعمل، كظواهر النصوص المذكورة في القرآن الكريم أو السنة المشرفة، أو الثابت بالقياس الشرعي، ويعمل به في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء. فإن لم يجد القاضي حكم الحادثة في المصادر الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، يجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده، إن كان مجتهداً؛ لأن ثمرة اجتهاده هو الحق بالنسبة إليه ظاهراً، فلا يعمل باجتهاد غيره. وهل للمجتهد أن يقضي برأي مجتهد آخر أفقه منه؟ قال أبو حنيفة: له القضاء به.

стр. 5757

وقال الصاحبان: ليس له القضاء به. ومرجع الخلاف هو أن كون أحد المجتهدين أفقه من غيره هل يصلح مرجحاً؟ عند أبي حنيفة: يصلح؛ لأن اجتهاده أقرب إلى الصواب. وعند الصاحبين: لا يصلح مرجحاً؛ لأن كون العالم أفقه من غيره ليس من جنس الدليل الذي يستند إليه في استنباط الحكم. والصحيح عند المالكية أن القاضي إذا كان من أهل الاجتهاد، فله أن يقضي بما رأى، وإن كان غيره أعلم منه؛ لأن التقليد لا يصح للمجتهد فيما يرى خلافه بالإجماع (١). وإن لم يكن القاضي مجتهداً: يختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين بحسب اعتقاده (٢). صفة قضاء القاضي: قال جمهور العلماء: قضاء القاضي ينفذ ظاهراً لا باطناً؛ لأنا مأمورون باتباع الظاهر، والله يتولى السرائر، فلا يحل هذا الحكم حراماً ولا يحرم حلالاً، فلو حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطناً، سواء في المال وغيره، لقوله ﷺ : «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» متفق عليه (٣). وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهراً وباطناً؛ لأن مهمته القضاء بالحق، وأما الحديث فهو في قضية لا بينة فيها. وعلى

стр. 5758

هذا إذا ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على زواجها شاهدي زور، فقضى القاضي بالنكاح بينهما، وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما، حل للرجل وطؤها، وحل لها التمكين عند أبي حنيفة، خلافاً للجمهور. ومثله لو قضى بالطلاق فرق بينهما عنده، وإن كان الرجل منكراً. ويقاس عليه البيع ونحوه. والخلاصة: إن القاضي في قول أبي حنيفة ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً حيث كان المحل قابلاً لذلك كالعقود والفسوخ، والقاضي غير عالم بزور الشهود. وهذا القول وإن كان هو الأوجه في مذهب الحنفية، إلا أن المفتى به عندهم هو قول الصاحبين الموافق لبقية الأئمة، وهو أن قضاء القاضي ينفذ ظاهراً فقط لا باطناً، أي ليس الحلال عند الله هو ما قضى به القاضي، بل ما وافق الحق (١). المطلب الثاني - طرق إثبات الحق لدى القضاء: يجب على القاضي أن يقضي بما ثبت عنده بطرق الإثبات الشرعية: وهي البينة والإقرار واليمين والنكول على النحو الذي سيذكر في المبحث المخصص لطرق الإثبات. وأشير هنا إلى أن البينة تظهر الحق بالاتفاق بشرط أن يثبت عند القاضي عدالة الشهود بالسؤال عنهم، ممن له علم بأحوالهم سراً وعلانية. والإقرار حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذباً. والشهادة في الأموال: شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، أو شهادة رجل ويمين المدعي عند غير الحنفية.

стр. 5759

واليمين تسقط بها دعوى المدعي الذي لا بينة له. وكذلك عند الإمام مالك: يثبت بها حق المدعي الذي أنكره عليه خصمه. والنكول عن اليمين من المدعى عليه يثبت به الحق للمدعي في الأموال عند أبي حنيفة (١). ويقضى عند المالكية بالنكول مع شاهد أو يمين المدعي أو مع يمين المدعى عليه (٢). وهل للقاضي أن يقضي بعلمه أو بكتاب قاض آخر إليه أو بالشهادة على الشهادة ١ - قضاء القاضي بعلم نفسه: قال المالكية والحنابلة: لا يقضي الحاكم بعلم نفسه في حد ولا غيره، سواء علم ذلك قبل القضاء وبعده، ويجوز له أن يقضي بما علمه في مجلس القضاء، بأن أقر بين يديه طائعاً. ودليلهم على عدم الجواز قول النبي ﷺ : «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن (٣) بحجته من بعض، فأقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» (٤) فدل على أنه يقضي بما يسمع، لا بما يعلم. وقال النبي ﷺ في قضية

стр. 5760

الحضرمي والكندي: «شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذاك» (١)، وهناك آثار عن بعض الصحابة تؤيد عدم جواز القضاء بعلم نفسه (٢). وقال الحنفية: القضاء بعلم القاضي بنفسه: بالمعاينة، أو بسماع الإقرار، أو بمشاهدة الأحوال، فيه تفصيل: ١ - إن قضى القاضي بعلم حدث له، في زمن القضاء وفي مكانه، في الحقوق المدنية كالإقرار بمال لرجل، أو الشخصية كطلاق رجل امرأته، أو في بعض الجرائم: وهي قذف رجل أو قتل إنسان، جاز قضاؤه. ولا يجوز قضاؤه بعلم نفسه في جرائم الحدود الخالصة لله ، إلا أن في السرقة يقضي بالمال، لا بالقطع؛ لأن الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم القاضي. ٢ - إذا قضى القاضي بعلم نفسه قبل أن يقلد منصب القضاء، أو بعد أن قلد، لكن قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه، فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة أصلاً. وعند الصاحبين: يجوز فيما سوى الحدود الخالصة لله ، قياساً على جواز قضائه فيما علمه في زمن القضاء. ورد أبو حنيفة بأن القياس مع الفارق، فالعلم المستفاد في زمن القضاء علم في وقت يكون القاضي فيه مكلفاً بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه، أما العلم الحاصل في غير زمان القضاء: فهو علم في وقت لا يكون القاضي مكلفاً فيه

стр. 5761

بالقضاء، فلا يصلح؛ لأنه ليس في معنى البينة، فلم يجز القضاء به؛ لأن البينة المعتبرة أن يسمع القاضي الشهود في ولايته، أما ما يعلمه قبل ولايته فهو بمنزلة ما يسمعه من الشهود قبل ولايته، وهو لا قيمة له. والخلاصة: إن أبا حنيفة يقول: ما كان من حقوق الله كالحدود الخالصة له، لا يحكم فيه القاضي بعلمه؛ لأن حقوق الله مبنية على المساهلة والمسامحة، وأما حقوق الناس المدنية، فما علمه القاضي قبل ولايته، لم يحكم به، وما علمه في ولايته، حكم به (١). والمعتمد عند المتأخرين من الحنفية وهو المفتى به: عدم جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقاً في زماننا لفساد قضاة الزمن (٢). وقال الشافعية: الأظهر أن القاضي يقضي بعلمه قبل ولايته أو في أثناء ولايته، أو في غير محل ولايته، سواء أكان في الواقعة بينة أم لا، إلا في حدود الله تعالى. وعلى هذا فيجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في الأموال قطعاً، وفي القصاص وحد القذف على الأظهر؛ لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان، فقضاؤه بالعلم أولى. وأما الحدود الخالصة لله كالزنا والسرقة والمحاربة وشرب المسكرات، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها، لكن إن اعترف إنسان بموجب الحد في مجلس الحكم قضى فيه بعلمه (٣)، لقوله ﷺ : «فإن اعترفت فارجمها». ٢ - قضاء القاضي بكتاب قاض آخر إليه: اتفق الفقهاء على أن القاضي له أن يقضي بكتاب قاض آخر إليه فيما ثبت

стр. 5762

عنده في الحقوق المالية للحاجة إليه، فقد يكون لامرئ حق في غير بلده، ولا يمكنه إتيانه والمطالبة به إلا بكتاب القاضي بشرط أن يشهد شاهدان عدلان على أن الكتاب المرسل هو كتاب قاضٍ، وأن يشهد بثبوت الحكم عنده على نحو معين، وأجاز الإمام مالك أن يحكم القاضي بكتاب قاضٍ في الحدود والقصاص أيضاً (١). ولكتاب القاضي إلى قاض آخر صورتان: الأولى: كتابة الشهادة التي سمعها القاضي من الشهود إما مع تعديل الشهود وتزكيتهم أو بدون تعديل، ليبحث القاضي الآخر عن أحوال الشهود. الثانية: كتابة صورة الحكم الذي حكم به على الشخص الغائب ويرسلها إلى القاضي الثاني لتنفيذ الحكم عليه. وبما أن الحنفية لا يجيزون القضاء على الغائب كما سيأتي بيانه، فالصورة الثانية لتنفيذ الحكم. والأولى مقدمة لإصدار الحكم. وقد اشترط علماء المذاهب في قبول كتاب القاضي شروطاً أكتفي بذكر شروط الحنفية منها وهي (٢): أولاً - البينة على أنه كتابه: فيشهد شاهدان رجلان أو رجل وامرأتان على أن

стр. 5763

هذا كتاب فلان القاضي ببيان اسمه ونسبه؛ لأنه لا يعرف أنه كتابه بدون المذكور. ويحدد في الكتاب اسم المدعى عليه والشهود، والمدعى به وصفاته لتمييزه عن غيره. وهذا أمر طبيعي متفق عليه. ثانياً - أن يكون الكتاب مختوماً، ويشهدوا على أن هذا ختمه لصيانته عن الخلل فيه. وأن تكون الكتابة ظاهرة مقروءة تفيد المعنى المراد وتؤدي المقصود من كتابة الشهادة أو كتابة الحكم، ليتمكن القاضي المكتوب له العمل بموجب الكتاب. ثالثاً - أن يشهد الشاهدان بما في الكتاب: بأن يقولا: إنه قرأه عليهما مع الشهادة بالختم. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يكفي أن يشهد الشاهدان بالكتاب والخاتم، ولا تشترط الشهادة بما في الكتاب؛ لأن المقصود من هذه الشهادة حصول العلم للقاضي المرسل إلىه بأن هذا كتاب فلان القاضي، ويتحقق المطلوب بما ذكر. وقال الطرفان: لا يحصل هذا المقصود إلا بالعلم بما فيه. رابعاً - أن تكون هناك مسافة سفر القصر بين القاضي المرسل وبين المرسل إليه؛ لأن القضاء بكتاب القاضي أمر جوِّز للحاجة أو للضرورة؛ لأنه قضاء على غائب، ولا ضرورة فيما دون مسافة القصر. خامساً - أن يكون موضوع الكتاب في الحقوق المدنية أو الشخصية كالديون والنكاح، وإثبات النسب، والمغصوبات، والأمانات والمضاربة، أو أن يكون في العقارات كالأراضي والدور؛ لأنها تقبل التحديد، وقيل: لا يقبل في المنقولات للحاجة إلى الإشارة إليها عند الدعوى والشهادة. وفي رواية عن محمد: أنه يقبل في جميع المنقولات من الدواب والثياب

стр. 5764

والأمتعة ونحوها، وبه أخذ المتأخرون من الحنفية، وعليه الفتوى، وبه قال سائر الأئمة الآخرين. سادساً - ألا يكون الكتاب في الحدود والقصاص؛ لأن كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، وهي لا تقبل في العقوبات الخالصة لله ؛ لأنها تدرأ بالشبهات، وكتاب القاضي إلى القاضي فيه شبهة. وهذا أيضاً هو الأرجح عند الشافعية والحنابلة. وقال المالكية كما عرفنا: يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص؛ لأن الاعتماد على الشهود، وقد شهدوا. وهناك شروط أخرى من أهمها: أن الكتاب إذا وصل إلى القاضي قرأه على الخصم؛ لأنه بمنزلة أداء الشهادة، وهو لا يكون إلا بمحضر الخصم، فكذا هذا، منعاً من اتهام القاضي في شيء. ومن أهمها أيضاً: أن الكتاب يقبل إذا كان القاضي الكاتب ما زال في منصبه عند وصول الكتاب إلى المرسل إليه، فإن مات، أو عزل أو لم يبق أهلاً للقضاء قبل وصول الكتاب، لا يقبل؛ لأن الكاتب صار من جملة الرعايا العاديين، ولا يقبل أيضاً الكتاب إذا مات المكتوب له أو عزل، إلا أن يكتب إلى قاضي بلد كذا وإلى كل من يقضي فيه من قضاة المسلمين. ٣ - قضاء القاضي بالشهادة على الشهادة: اتفق الفقهاء على قبول الشهادة على الشهادة في الأموال، لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق:٢/ ٦٥] وللحاجة إليها؛ لأن الشهادة الأصلية قد تتعذر بسبب حبس أو مرض أو عجز.

стр. 5765

ولا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود الخالصة لله عند الحنفية والحنابلة، والشافعية في الأظهر؛ لأن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والشهادة على الشهادة فيها شبهة، فإنه يعترضها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في شهود الأصل. وقال الإمام مالك: تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود وكل الحقوق المالية؛ لأن موجب الحد يثبت بشهادة الأصل، فيثبت بالشهادة على الشهادة كالأموال (١)، وسأفصل هذا الموضوع في بحث الشهادات إن شاء الله تعالى. المطلب الثالث - واجبات القاضي نحو المقضي له: يجب على القاضي نحو المقضي له أمور (٢): ١ - أن يكون ممن تقبل شهادته للقاضي، فإن كل من لا تقبل شهادته له: لا يجوز قضاء القاضي له؛ لأن القضاء له قضاء لنفسه من جهة، فلم يكن القضاء مجرداً، وإنما فيه تهمة، فلا يصح القضاء. وعليه فلا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه، ولا لأبويه وإن علوا، ولا لزوجته، ولا لأولاده وإن سفلوا، ولا لشريكه في المال المشترك بينهما، ولا لكل من لا تجوز شهادته لهم، لوجود التهمة، وهذا رأي أكثر الفقهاء (٣). ٢ - أن يكون المقضي له حاضراً وقت القضاء، فإن كان غائباً لم يجز القضاء له إلا إذا كان عنه وكيل حاضر؛ لأن القضاء على الغائب عند الحنفية لا يجوز، فكذلك لا يجوز القضاء للغائب أيضاً.

стр. 5766

٣ - طلب القضاء من القاضي في حقوق الناس؛ لأن القضاء وسيلة إلى الحق، وحق الإنسان لا يستوفى إلا بطلبه. المطلب الرابع - واجبات القاضي نحو المقضي عليه: يجب على القاضي ألا يحكم على من لا يجوز أن يشهد عليه، فلا يقضي على عدوه، ويجوز أن يقضي له. ويجب أن يكون المقضي عليه حاضراً عند الحنفية، فلا يجوز القضاء على الغائب بالبينة إذا لم يكن عنه وكيل حاضر (١) كوكيله ووصيه ومتولي الوقف أو نائبه، لقول النبي ﷺ : «فإنما أقضي له بحسب ما أسمع» وما روي عن علي أن النبي ﷺ قال حين أرسله إلى اليمن: «لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر» (٢)، ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده، فلم يجز، كما لو كان الآخر في البلد، ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها، فلم يجز الحكم عليه. وعدم جواز القضاء على الغائب عند الحنفية، سواء أكان الخصم غائباً وقت الشهادة أم بعدها وبعد التزكية، وسواء أكان غائباً عن مجلس القضاء أم عن البلد التي فيها القاضي، إلا أن يكون ذلك ضرورياً، كما إذا توجه القضاء على الخصم، فاستتر.

стр. 5767

وقال المالكية والشافعية والحنابلة (١): يجوز القضاء على الغائب البعيد الغيبة بشرط أن يكون للمدعي بينة، وذلك في حقوق الناس المدنية، أما في الحدود الخالصة لله تعالى، فلا يقضى على الغائب بها؛ لأنها مبنية على المسامحة والدرء والإسقاط، لاستغنائه تعالى، بخلاف حق الإنسان، فإن قامت بينة على غائب بسرقة مال، حكم عليه بالمال دون القطع. واستدلوا على جواز الحكم على الغائب بحديث هند، قالت: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٢) فقضى لها الرسول ﵇، ولم يكن زوجها حاضراً. والواقع أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه؛ لأن أبا سفيان كان حاضراً بمكة، والحادثة كانت بمكة، لما حضرت هند لمبايعة الرسول ﷺ . قال ابن حزم: صح عن عثمان القضاء على الغائب، وصح عن عمر أنه حكم في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً، ولا مخالف لهما من الصحابة. ودليلهم من المعقول أن البينة يطلب سماعها وهي مسموعة في هذه الحالة على الغائب، فيجب الحكم بها كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وأيضاً فالحكم على الميت والصغير جائز، وهما أعجز عن الدفاع عن نفسيهما من الغائب، ولأن في منع الحكم عن الغائب إضاعة للحقوق التي ندب الحكام إلى حفظها. وحد الغيبة البعيدة عند الشافعية: هو أن يكون الغائب في مسافة بعيدة عن

стр. 5768

بلد القاضي: وهي التي لا يرجع منها مبكر إلى موضعه الذي بكَّر منه ليلاً بعد فراغ المحاكم، لما في إلزامه الحضور من المشقة. وقيل: هي مسافة القصر. وأما الحاضر في بلد القاضي ومن بقربه: فلا تسمع البينة عليه، ولا يحكم عليه في غيبته إلا لتواريه، أو تعززه، وعجز القاضي حينئذ عن إحضاره بنفسه أو بأعوان السلطان. المبحث السادس - آداب القضاة: ينبغي على القاضي أن يلتزم بآداب معينة تقتضيها مصلحة القضاء وإقامة العدل بين الناس، وهذه الآداب مستمدة في أغلبها من كتاب سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء والسياسة إلى أبي موسى الأشعري ﵁. وأذكر هنا أهمها عند الحنفية وأصنفها إلى قسمين: آداب عامة، وآداب خاصة. الآداب العامة: ١ - المشاورة: يندب للقاضي أن يجلس معه جماعة من الفقهاء يشاورهم ويستعين برأيهم فيما يجهله من الأحكام أو يشكل عليه من القضايا، قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران:١٥٩/ ٣] وأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: «ما رأيت أحداً بعد رسول الله ﷺ أكثر مشاورة لأصحابه منه». فإن اتفق رأي الفقهاء على أمر قضى به، كما كان يفعل الخلفاء الراشدون،

стр. 5769

وإن اختلفوا أخذ بأحسن أقاويلهم وقضى بما رآه صواباً، إلا أن يكون غيره أفقه منه، فيجوز له الأخذ برأيه وترك رأيه الشخصي. وإن اعتمد على قول بعضهم، ثم رأى الصواب في قول الآخر، فله أن يعدل عن الرأي الأول؛ لأن الأمور الاجتهادية يجوز للقاضي أن يأخذ بأحد الآراء فيها قبل صدور الحكم. أما بعد الحكم فليس له أن يبطل الحكم الذي صدر منه؛ لأنه صار بالقضاء كالرأي المتفق عليه، ولكن له أن يعمل في المستقبل بخلاف الرأي السابق (١). ٢ - التسوية بين الخصمين في المجلس والإقبال: ينبغي أن يعدل القاضي بين الخصمين في الجلوس، والإقبال، فيجلسهما بين يديه، لا عن يمينه ولا عن يساره، وأن يسوي بينهما في النظر والنطق والإشارة والخلوة فلا يسارّ أحدهما أو يخلو به، ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجة منعاً للتهمة، ولا يضحك في وجه أحدهما؛ لأنه يجترئ عليه، ولا يمازحهما ولا واحداً منهما؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء، ولا يضيف أحدهما (٢)، ولا يرفع صوته على أحدهما، ولا يكلم أحدهما بلغة لا يعرفها الآخر، وإذا تكلم أحدهما أسكت الآخر حتى يسمع كلامه، ويفهم، ثم يستنطق الآخر، حتى يفهم تماماً رأيه (٣). قال رسول الله ﷺ : «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليسوِّ بينهم في

стр. 5770

المجلس، والإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر» (١). وفي كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك» (٢) وعن الحسن قال: «جاء رجل فنزل على علي ﵁، فأضافه، فلما قال: إني أريد أن أخاصم، قال له علي ﵁: تحول، فإن النبي ﷺ نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه» (٣)، وعن عبد الله بن الزبير قال: «سنة رسول الله؛ ﷺ أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي»، وفي لفظ: «قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» (٤). وكما أنه لا يصح تلقين الخصم حجته، يكره تلقين الشاهد، وهو أن يقول القاضي كلاماً يستفيد به الشاهد علماً على الحادثة، واستحسن أبو يوسف تلقين الشاهد الذي يستحي أو يحتار أو يهاب مجلس القضاء، فيترك شيئاً من شروط الشهادة، فيعينه القاضي بقوله: «أتشهد بكذا وكذا» بشرط عدم التهمة؛ لأن في التلقين إحياء للحق (٥).

стр. 5771

٣ - قبول الهدية: لا يقبل القاضي هدية أحد إلا من ذي رحم محرم، أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته؛ لأن المقصود في الأول صلة الرحم، وفي الثاني استدامة المعتاد. والحاصل أن المهدي إذا كان له خصومة في الحال يحرم قبول هديته، لأنها بمعنى الرشوة، قال ﷺ : «هدايا العمال غلول» (١) وروي: «هدايا العمال سحت» وفي لفظ: «هدايا السلطان سحت». وأخرج أبو داود عن بريدة حديثاً بلفظ: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذه بعد ذلك فهو غلول» وقال ﵊ في قصة ابن اللُّتبِيّة: «ما بال العامل نبعثه فيجيء، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟» (٢) ولأن الهدية تدعو إلى الميل للمهدي، وينكسر بها قلب خصمه. وهذا كله دليل على تحريم قبول الهدية على الحاكم بعد تولي القضاء؛ لأن للإحسان تأثيراً في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي ميلاً يؤثر في الميل عن الحق عند وجود خصومة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه.

стр. 5772

وإن كان المهدي قريباً من القاضي ولا خصومة له، جاز قبول هديته؛ لأنه لا تهمة فيه. وإن كان المهدي أجنبياً عن القاضي، لا تقبل هديته؛ لأنه قد يكون له مآرب في المستقبل، إلا إذا كان له عادة بالمهاداة قبل تقلد القضاء، فيجوز قبولها بشرط ألا تزيد الهدية على القدر المعتاد (١). ويندب للقاضي ألا يبيع ولا يشتري بنفسه، لئلا يحابيه أحد، ويستغل منصبه وقربه منه إذا وقعت خصومة بينه وبين غيره. ٤ - إجابة الدعوة: إذا كانت الدعوة عامة: وهي (ما تكون فوق العشرة أو التي يتخذها صاحبها سواء حضر القاضي أم لا، مثل دعوة العرس والختان) ولا خصومة لصاحب الوليمة، فللقاضي إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة سنة، ولا تهمة فيه. وإن كانت الدعوة خاصة: وهي (ما تكون دون العشرة أو التي لا يتخذها صاحبها لولا حضور القاضي) فلا يجيبها؛ لأن إجابتها لا يخلو من التهمة، إلا إذا كان صاحب الدعوة ممن اعتاد أن يتخذ للقاضي دعوة قبل القضاء، أو كان بينه وبين القاضي قرابة، فلا بأس بأن يحضر، إذا لم يكن لصاحب الدعوة خصومة، كما تبين في حال الهدية، لعدم وجود التهمة (٢). ٥ - شهود الجنازة وعود المريض: لا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة ويعود المريض؛ لأن ذلك من حقوق المسلمين بعضهم على بعض (٣)، قال ﷺ :

стр. 5773

«حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإذا استنصحك فانصح له» (١) فهي السادسة. الآداب الخاصة: ١ - مكان القضاء: قال الشافعية: يستحب أن يكون مجلس القضاء فسيحاً بارزاً للناس، متلائماً مع الوقت والفصول، متناسباً مع الحر والبرد، لا مسجداً، فيكره اتخاذ المسجد مجلساً للحكم؛ لأن مجلس القاضي، لا يخلو عن اللغط، وارتفاع الأصوات، وقد يحتاج لإحضار المجانين والصغار وذوات الأعذار بالحيض والنفاس والجنابة، والكفار، ونحوهم، والمسجد يصان عن ذلك كله. أخرج مسلم: «أنه ﷺ حين سمع من ينشد ضالته في المسجد، قال: إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لما بنيت له» فإن صادف وقوع قضية أو أكثر وقت الحضور في المسجد لصلاة أو غيرها، فلا بأس بفصلها، وعليه يحمل ما جاء عنه ﷺ ، وعن خلفائه في القضاء في المساجد (٢). وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا بأس من القضاء في المساجد، اقتداء برسول الله ﷺ (٣) وبصحابته (٤) وتابعيهم ﵃، كانوا يجلسون في المسجد للقضاء، والاقتداء بهم واجب (٥).

стр. 5774

٢ - معاونو القاضي: يندب أن يكون للقاضي جلواز وهو المسمى بصاحب المجلس أي الحارس في عرفنا، وأن يكون له أعوان يستحضرون الخصوم ويمتثلون بين يديه إجلالاً له، ليكون المجلس مهيباً ويذعن المتمرد للحق، وأن يكون للقاضي ترجمان لجواز أن يحضر المحاكمة من لا يعرف القاضي لغته من المدعي والمدعى عليه والشهود. وأن يتخذ القاضي كاتباً، لأنه يحتاج إلى حفظ الدعاوى والبينات والإقرارات، وقد يشق عليه الكتابة بنفسه، فيحتاج إلى كاتب يستعين به. وينبغي أن يكون الكاتب عفيفاً صالحاً من أهل الشهادة، وله معرفة بالفقه. وينبغي أن يقعد الكاتب حيث يرى القاضي ما يكتب وما يصنع؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط (١)، وأن يخصص الكاتب سجلاً خاصاً بالدعوى، يذكر فيه موضوع الدعوى والمدعي والمدعى عليه، والشهود، ودفوع كل من الخصمين. ٣ - فهم المنازعة: ينبغي على القاضي أن يفهم الخصومة فهماً دقيقاً، فيجعل فهمه وسمعه وقلبه متجهاً كله إلى كلام الخصمين، لقول سيدنا عمر في فاتحة كتابه إلى أبي موسى الأشعري: «فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له». ٤ - صفاء القاضي وحالته النفسية: يلزم ألا يكون القاضي قلقاً ضجراً مضطرباً وقت القضاء، لقوله ﷺ : «إياك والضجر والقلق» (٢) وألا يكون غضبان باتفاق العلماء، لقوله ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (٣)، ولقول سيدنا

стр. 5775

عمر إلى أبي موسى: «إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس، والتنكر لهم عند الخصومة، فإذا رأيت الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه» ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله، ولم يستكمل رأيه وفكره. وفي معنى الغضب: كل ما شغل النفس من الهم والنعاس والجوع المفرط والعطش المفرط، والتخمة، والخوف، والمرض، وشدة الحزن والسرور، ومدافعة الأخبثين، فينبغي ألا يكون القاضي مشغولاً بهذه العوارض العشرة، حتى لا تمنع الحاكم من إصابة الحق؛ لأنها تمنع استحضار القلب والعقل، واستجماع الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى الغضب المنصوص عليه، فتجري مجراه، قال ﵇: «لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم، ولا مصاب، ولا يقضي وهو جائع» (١). فإن حكم القاضي في الغضب وما شاكله لا ينفذ قضاؤه عند بعض الحنابلة؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال بعضهم وهو مذهب الشافعي والجمهور: ينفذ قضاؤه (٢). وإذا أخطأ القاضي في قضائه، كان خطؤه على المقضي له، وإن تعمد الخطأ بجور، كان الخطأ عليه (٣).

стр. 5776

٥ - تزكية الشهود: لا يسأل القاضي عن حالة الشهود فيما سوى الحدود والقصاص، وهذا من آداب القضاء عند أبي حنيفة؛ لأن القضاء عنده بظاهر العدالة. وعند الصاحبين: من واجبات القضاء، وسأفصل الموضوع في بحث شروط أداء الشهادة. والسؤال يكون أولاً سراً، ثم يكون علانية خوفاً من الاحتيال والتزوير، بأن يسمى غير العدل باسم العدل، فإذا اتفق اثنان عدلان أو أكثر على تزكية رجل، قبل قوله وعمل به. وعدالة المزكين شرط؛ لأن من لا يكون عدلاً في نفسه، كيف يعدِّل غيره وأما العدد: فهو شرط فضيلة وكمال عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن التزكية ليست بشهادة. وعند محمد: شرط جواز؛ لأن التزكية في معنى الشهادة. ولو اختلف المعدلان، فعدله أحدهما، وجرحه الآخر، سأل القاضي غيرهما، فإن عدله آخر أخذ بالتزكية، وإن جرحه أخذ بالجرح؛ لأن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد بالقبول؛ لأنه حجة مطلقة. وإن عدله اثنان، وجرحه اثنان، عمل بالجرح؛ لأن المجرح يعتمد حقيقة الحال، والمعدل يبني الأمر على الظاهر؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أن يظهر الصلاح، ويكتم الفسق، فكان قبول قول الجارح أولى. وكذا لو جرحه اثنان، وعدله ثلاثة فأكثر، يعمل بقول الجارح عند الحنفية؛ لأن الترجيح لا يقع بكثرة العدد في موضوع الشهادات (١). ٦ - مصالحة الخصمين: لا بأس للقاضي أن يرد الخصوم إلى الصلح، إن تأمل منهما المصالحة، قال تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء:١٢٨/ ٤] فكان طلب الصلح طلباً للخير.

стр. 5777

وقال سيدنا عمر: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن». وإن لم يتأمل القاضي الصلح من المتخاصمين، ولم يرضيا به، فلا يردهما إلى الصلح، ويتركهما على الخصومة، وينفذ القضاء على من قامت عليه الحجة (١). المبحث السابع - انتهاء ولاية القاضي: كل ما تنتهي به الوكالة، تنتهي به ولاية القاضي، كالعزل والموت، والجنون المطبق، وإنجاز المهمة الموكولة للشخص، إلا في شيء واحد، وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل، أما ولي الأمر إذا مات أو خلع، فلا ينعزل قضاته وولاته. والفرق بين الوكالة وولاية القاضي: أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي حقه الخالص له، فإن زالت أهلية الولاية، بطلت الوكالة. أما القاضي فلا يعمل بولاية الإمام وفي حقه المجرد له، وإنما يعمل بولاية المسلمين وفي حقوقهم، وإنما الإمام بمنزلة النائب عنهم، وولاية المسلمين باقية بعد موت الإمام، فلو استخلف القاضي أحداً بإذن الإمام ثم مات القاضي، لا ينعزل خليفته؛ لأنه نائب الإمام، لا نائب القاضي (٢). المبحث الثامن - متى يجوز حبس المدين؟ بينت في بحث التعزير أن الحبس جائز شرعاً لقوله ﵊: «مطل الغني ظلم» والظالم يحبس.

стр. 5778

فإذا رفعت الدعوى إلى القاضي، وثبت الحق عنده على أحد المتخاصمين، وطلب صاحب الحق حبس غريمه، لم يعجل القاضي بحبسه، وإنما يعمل بما يأتي (١): ١ - إذا ثبت لدى القاضي أن المدين معسر أو معدم لا مال له: لا يحكم بحبسه في الدين، باتفاق الفقهاء لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنَظِرة إلى ميسرة﴾ [البقرة:٢٨٠/ ٢] إذ لا فائدة من حبسه، فيكون ظلماً، وإنما يترك ليسعى في الأرض ويكتسب، فيتمكن من سداد دينه كله أو بعضه. ٢ - إذا كان مشكوكاً في أمر المدين، أهو معسر أم موسر، جاز حبسه عند جمهور الفقهاء حبس تلوم واختبار، إذا كان الدين من ديون المعاوضة (٢) كثمن مبيع ودين قرض، وطلب غرماؤه حبسه، وادعوا أن له مالاً يخفيه أو ينكره. وينتهي هذا الحبس بالإفراج عن المدين إذا ثبت عسره، كالحالة السابقة، إذ لا حبس للمدين المعدم، ويكون حبسه حينئذ ظلماً، ولا يحول القاضي بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس، ولهم حق ملازمته. ٣ - إذا ثبت يسار المدين بالأدلة المعروفة، لم يأمر القاضي فوراً بحبسه، وإنما يأمره بأداء المال المستحق عليه لصاحبه؛ لأن الحبس جزاء المماطلة، فلا بد من ظهورها، إذا ثبت الحق بإقراره. أما إن ثبت الحق بالبينة، وامتنع من الوفاء بالدين المستحق، أو تأخر عن الدفع من غير ضرورة، جاز حبسه شهرين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل بحسب تقدير القاضي لأحوال الأشخاص.

стр. 5779

ويظل محبوساً أبداً في رأي أبي حنيفة وزفر حتى يقوم بالوفاء. وقال الصاحبان وأئمة المذاهب الأخرى: إذا لم يفلح الحبس في دفعه إلى الوفاء بديونه، يحجر عليه ويباع ماله جبراً، ويقسم بين دائنيه قسمة غرماء. فالحبس جزاء مؤقت عند هؤلاء ينتهي إما بالإفراج عن المدين إذا ثبت عسره، أو ببيع ماله جبراً وتسديد ديونه. ويحبس الرجل في نفقة زوجته لظلمه بامتناعه عن الإنفاق، ولا يحبس والد في دين ولده؛ لأنه نوع عقوبة، فلا يستحقه الولد على والده، إلا إذا امتنع والده من الإنفاق عليه، دفعاً لهلاكه، ولئلا تسقط النفقة بمضي الزمان. وقد رأى الحنفية بالنسبة لإثبات يسار المدين أنه يحبس إلى ظهور عسره في كل دين لزمه بدلاً عن مال حصل في يده (أي في المعاوضات) كثمن مبيع وبدل مستأجر، أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة؛ لأن التزامه بالعقد باختياره دليل يساره. ولا يحبس المدين فيما سوى ذلك كبدل الخلع، وبدل مغصوب أو شيء متلف ونحوها إلا أن يثبت غريمه (دائنه) أن له مالاً، فيحبسه حينئذ لظهور المطل. كيفية الحبس الشرعي (١): إن الحبس الشرعي في أصله ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرف بنفسه، سواءأكان في بيت أم في مسجد، أم كان بتوكل شخص أو وكيله عليه، وملازمته له. وحق الملازمة يخول الدائن مراقبة مدينه عن كثب، حتى يتمكن من معرفة الأموال التي تؤول إلىه تمهيداً للاستيلاء عليها وفاء لدينه.

стр. 5780

وكان هذا هو الحبس على عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁، ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم. ولكن لما كثر الناس في عهد عمر بن الخطاب ابتاع بمكة داراً وجعلها سجناً يحبس فيها، فانقسم العلماء فريقين: قال بعضهم: لا يتخذ الحاكم حبساً؛ إذ لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ، أو يأمر غريمه بملازمته، كما فعل النبي ﷺ . وقال آخرون وهم الأكثرون كما تبين في التعزير: للحاكم أن يتخذ حبساً؛ إذ أن عمر بن الخطاب قد اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف درهم، جعلها حبساً. عزل القاضي وانعزاله: للقاضي أن يعزل نفسه، لأنه كالوكيل عن الإمام، وللوكيل أن يعزل نفسه عن الوكالة. ولا ينعزل القاضي بموت الإمام أو ترك منصبه وولايته بسبب من الأسباب؛ لأن الإمام يمثل الأمة في تعيين القضاة والموظفين. وللإمام عزل القاضي إذا أخل بواجبه أو كثرت الشكاوى منه، أو وجد من هو أفضل منه، أو كان هناك مثله أو دونه وكان في عزله مصلحة للمسلمين. فإ لم يكن شيء مما سبق حرم عزله؛ لأنه عبث منهي عنه. ولا ينعزل القاضي قبل بلوغه خبر عزله، لعدم علمه بذلك.
следующие страницы →