← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

وتلافى المالكية بعض هذه الخلافات فقالوا: إذا وكلت وليها غير المجبر أن يزوجها ممن أحب، وجب عليه أن يعين لها الزوج قبل العقد، لاختلاف أغراض النساء في أعيان الرجال. فإن لم يعين الزوج لها، كان العقد موقوفاً على إجازتها، سواء زوجها من نفسه كابن العم والكافل والحاكم، أو زوجها من غيره، لاختلاف أغراض النساء من الرجال. ثالثاً - حقوق العقد في الوكالة بالزواج: حقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها لتنفيذ مقتضى العقد، كالتسليم والتسلم والإيفاء والاستيفاء. ومن المتفق عليه أن حقوق عقد الزواج ترجع إلى الأصيل، وأما الوكيل فهو مجرد سفير ومعبر عن الموكل، فلا ترجع إليه حقوق العقد، فلا يطالب بإزفاف المرأة إلى زوجها، ولا بأداء المهر ولا غيره من الواجبات كالنفقة إلا أن يكون كفيلاً بما ذكر، وهذا بخلاف البيع أو الشراء، فإن حقوق العقد ترجع عند الجمهور غير الحنابلة إلى الوكيل لا إلى الموكل. وحكم الرسول في الزواج كالوكيل. وبناء عليه، تطالب الزوجة بزفافها إلى زوجها، ويطالب الزوج نفسه بأداء المهر إلى زوجته، وتقبض المرأة مهرها، وليس لوكيلها قبضه إلا بإذن منها صراحة أو دلالة، وإذا قبضه الأب أو الجد ولم تطالب به المرأة، كان سكوتها عند الحنفية إذناً دلالة للأب أوالجد بالقبض، فيصح قبضه وتبرأ ذمة الزوج من المهر، عملاً بما هو المعتاد بين الناس أن يقبض الآباء مهور بناتهم. وإذا كانت الزوجة ثيباً، فلا بد من الإذن الصريح بالقبض إذا كان الوكيل غيرا لأب أو الجد، ولا يعد سكوتها رضا بالقبض.

стр. 6512

وفصل المالكية بين المرأة المجبرة وغير المجبرة، فإذا كانت مجبرة، فلوليها المجبر قبض مهرها بدون توكيل منها، وإذا كانت رشيدة غير مجبرة، فليس لوليها قبض المهر إلا بتوكيل صريح منها بالقبض. رابعاً - انعقاد الزواج أحياناً بعاقد واحد: الأصل في العقود تعدد العاقدين، لكن أجاز جمهور الحنفية غير زفر انعقاد الزواج أحياناً بعاقد واحد، وهو كما بان سابقاً في أحوال خمسة هي (١): الأولى - أن يكون متولي العقد أصيلاً عن نفسه وولياً من الجانب الآخر: فيجوز لابن العم أن يزوج بنت عمه من نفسه؛ لأن الوكيل في النكاح سفير ومعبر عن الأصيل، ولا يرجع إلىه شيء من حقوق العقد. الثانية - أن يكون العاقد أصيلاً عن نفسه ووكيلاً عن الطرف الآخر: كما لو وكلته امرأة أن يزوجها من نفسه، فقال أمام الشهود: قد وكلتني فلانة بنت فلان أن أزوجها من نفسي، فاشهدوا أني تزوجتها. وهذا بخلاف ما لو وكلته بتزويجها من رجل، فزوجها من نفسه، أو من أبيه أو ابنه عند أبي حنيفة، لم يصح زواجها؛ لأنها نصبته مزوجاً لا متزوجاً. وكذا لو وكلته في أن يتصرف في أمرها أو قالت له: زوج نفسي ممن شئت، لم يصح تزويجها من نفسه. الثالثة - أن يكون ولياً للجانبين: كأن يزوج الجد بنت ابنه ابن ابنه الآخر، وكأن يزوج بنته الصغيرة لابن أخيه الصغير الذي هو في ولايته.

стр. 6513

الرابعة - أن يكون وكيلاً للجانبين: كأن يوكله رجل وامرأة في زواجهما، فيقول: زوجت فلانة من فلان. الخامسة - أن يكون ولياً من جانب ووكيلاً من الجانب الآخر: كأن يوكله رجل أن يزوجه بنته الصغيرة، فيزوجه إياها. أما الفضولي فلا يصح عند أبي حنيفة ومحمد أن يتولى العقد من الجانبين ولو تكلم بكلامين، أي بإيجاب وقبول، في أحوال أربعة: هي أن يكون فضولياً من الجانبين، أو فضولياً من جانب وأصيلاً من جانب آخر، أو فضولياً من جانب وولياً من جانب آخر، أو فضولياً من جانب ووكيلاً من جانب آخر، فمن قال مثلاً: اشهدوا أني تزوجت فلانة، فبلغها الخبر فأجازت، فهو باطل. وإن قال آخر: اشهدوا أني قد زوجتها منه فبلغها الخبر جاز. إذ أنه ليس في مسائل الفضولي الأربع قرينة تدل على أنه قام مقام الأصيل، وأنه يملك التعبير عنه، فعبارته لا تقوم مقام عبارتين، ولم يحدث بعبارته إلا الإيجاب وحده، وهو شطر العقد، وشطر العقد لا يتوقف على ما وراء المجلس، فيحدث القبول من الغائب دون أن يجد إيجاباً يلتقي معه؛ لأنه أصبح هدراً. أما في المسائل الأولى في حال الولاية أو الوكالة، فقد دلت مقارنة على أن العاقد قام مقام الأصيل، وأنه معبر عنه، فتقوم عبارته مقام عبارة الأصيل، وتصبح عبارته مفيدة معنى الإيجاب والقبول. وأجاز أبو يوسف انعقاد الزواج بعاقد واحد في هذه المسائل كلها، فإذا زوجت المرأة نفسها غائباً فبلغه الخبر، فأجاز، جاز عنده؛ لأنه لا مانع أن تقوم عبارة العاقد الواحد مقام عبارتين، كالمقرر بحكم الوكالة أو الولاية الثابتتين حال العقد، ويكون العقد فيما وراء المجلس موقوفاً على إجازة صاحب الشأن، ولا محذور؛ لأن حقوق عقد الزواج ترجع إلى الأصيل.

стр. 6514

وإذا جرى العقد بين فضوليين أو بين فضولي وأصيل، جاز باتفاق الحنفية، ويكون موقوفاً على إجازة الغائب؛ لأن عبارة كل واحد منهما تقوم مقام عبارة الأصيل، لتعدد العاقد حقيقة، فيكون ما جرى بين الفضوليين عقداً تاماً لوجود الإىجاب والقبول، والعقد الكامل يتوقف على ما وراء مجلس العقد. هذا والفضولي قبل الإجازة لا يملك نقض النكاح، بخلاف البيع؛ لأنه في البيع ترجع إليه حقوق العقد، أما في النكاح فترجع الحقوق إلى المعقود له. وقرر زفر والشافعي والجمهور: أنه لا يجوز الزواج بعاقد واحد؛ لأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون مُملِّكاً ومتملكاً، لكن استثنى الشافعي مسألة الولي كالجد يزوج بنت ابنه من ابن ابنه الآخر، فيجوز للضرورة، ولا ضرورة في حق الوكيل وغيره من الأحوال الأخرى. وأجاز المالكية لابن العم والمولى ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسه، ويتولى طرفي العقد، وليشهد كل واحد منهم على رضاها خوفاً من منازعتها، بشرط أن يعين لها أنه الزوج، فرضيت بالقول إن كانت ثيباً ومن في حكمها من الأبكار الستة المتقدمة، أو بالصمت إن كانت بكراً ليست من الستة المتقدمة، ويتم الزواج بقوله: تزوجتك بكذا من المهر، وترضى به، ولا بد من الإشهاد على رضاها بالعقد ولو بعد عقده لنفسه بعد أن كانت مقرة بالعقد، ولا يحتاج لقوله: قبلت نكاحك بنفسي بعدئذ؛ لأن قوله «تزوجتك» فيه قبول.

стр. 6515

الفَصْلُ الخامس: الكفاءة في الزَّواج معناها وآراء الفقهاء في اشتراطها، نوع شرط الكفاءة، صاحب الحق في الكفاءة، من تطلب في جانبه الكفاءة، ما تكون فيه الكفاءة أو أوصاف الكفاءة، وتبحث في مباحث خمسة: المبحث الأول - معنى الكفاءة وآراء الفقهاء في اشتراطها: الكفاءة لغة: المماثلة والمساواة، يقال: فلان كفء لفلان أي مساو له. ومنه قوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (١) أي تتساوى، فيكون دم الوضيع منهم كدم الرفيع. ومنه قوله تعالى: ﴿ولم يكن له كُفُواً أحد﴾ [الإخلاص:٤/ ١١٢] أي لا مثيل له. وفي اصطلاح الفقهاء: المماثلة بين الزوجين دفعاً للعار في أمور مخصوصة، وهي عند المالكية: الدين، والحال (أي السلامة من العيوب التي توجب لها الخيار). وعند الجمهور: الدين، والنسب، والحرية، والحرفة (أو الصناع)، وزاد الحنفية والحنابلة: اليسار (أو المال) (٢).

стр. 6516

ويراد منها تحقيق المساواة في أمور اجتماعية من أجل توفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة بين الزوجين، بحيث لا تعير المرأة أو أولياؤها بالزوج بحسب العرف. وأما آراء الفقهاء في اشتراط الكفاءة، فلهم رأيان (١): الرأي الأولي - رأى بعضهم كالثوري، والحسن البصري، والكرخي من الحنفية: أن الكفاءة ليست شرطاً أصلاً، لا شرط صحة للزواج ولا شرط لزوم، فيصح الزواج ويلزم سواء أكان الزوج كفئاً للزوجة أم غير كفء، واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله ﷺ : «الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، إنما الفضل بالتقوى» (٢) فهو يدل على المساواة المطلقة، وعلى عدم اشتراط الكفاءة، ويدل له قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات:١٣/ ٤٩] وقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشراً﴾ [الفرقان:٥٤/ ٢٥] وحديث: «ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى» (٣). ورد عليه بأن معناه أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وأنهم لا يتفاضلون إلا بالتقوى، أما فيما عداها من الاعتبارات الشخصية التي تقوم على أعراف الناس وعاداتهم، فلا شك في أن الناس يتفاوتون فيها، فهناك تفاضل في الرزق والثروة: ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾ [النحل:٧١/ ١٦] وهناك تفاضل في

стр. 6517

العلم يقتضي التكريم: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة:١١/ ٥٨] وما يزال الناس يتفاوتون في منازلهم الاجتماعية ومراكزهم الأدبية، وهو مقتضى الفطرة الإنسانية، والشريعة لا تصادم الفطرة والأعراف والعادات التي لا تخالف أصول الدين ومبادئه. ٢ - الحديث المتقدم: وهو أن بلالاً ﵁ خطب إلى قوم من الأنصار، فأبوا أن يزوجوه، فقال له رسول الله ﷺ : «قل لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تزوجوني» أمرهم النبي ﷺ بالتزويج عند عدم الكفاءة، ولو كانت معتبرة لما أمر؛ لأن التزويج من غير كفء غير مأمور به. ويؤكده أن سالم مولى امرأة من الأنصار زوجه أبو حذيفة من ابنة أخيه: هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة (١). وكذلك أمر النبي ﷺ امرأة قرشية هي فاطمة أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأول أن تتزوج أسامة قائلاً لها: «انكحي أسامة» (٢)، وروى الدارقطني أن أخت عبد الرحمن بن عوف كانت تحت بلال. ويدل له: «أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ، فقال النبي ﷺ : يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه» (٣). ورد على الأحاديث بمعارضتها بأحاديث أخرى تتطلب الكفاءة فتكون محمولة على الندب والأفضل، وبأن التسوية بين العرب وغيرهم إنما هو في أحكام الآخرة، أما في الدنيا فقد ظهر فضل العربي على العجمي في كثير من أحكام الدنيا.

стр. 6518

٣ - الدماء متساوية في الجنايات، فيقتل الشريف بالوضيع، والعالم بالجاهل، فيقاس عليها عدم الكفاءة في الزواج، فإن كانت الكفاءة غير معتبرة في الجنايات، فلا تكون معتبرة في الزواج بالأولى. ورد عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن التساوي في القصاص في مسائل الجنايات، إنما طلب لمصلحة الناس وحفظ حق الحياة، حتى لا يتجرأ ذو الجاه أو النسب على قتل من دونه ممن لا يكافئه. أما الكفاءة في الزواج فلتحقيق مصالح الزوجين من دوام العشرة مع المودة والألفة بينهما، ولا تتحقق تلك المصالح إلا باشتراط الكفاءة. الرأي الثاني - رأى جمهور الفقهاء (منهم المذاهب الأربعة): أن الكفاءة شرط في لزوم الزواج، لا شرط صحة فيه، عملاً بالأدلة التالية من السنة والمعقول: ١ - السنة: حديث علي أن النبي ﷺ قال له: «ثلاث لا تؤخر: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئاً» (١). وحديث جابر: «لا تنُكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجوهن إلا الأولىاء، ولا مهردون عشرة دراهم» (٢). وحديث عائشة: «تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء» (٣)

стр. 6519

وحديث ابن عمر: «العرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل إلا حائك أو حجام» (١). وحديث عائشة وعمر: «لأمنعن تزوّج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء» (٢). وحديث أبي حاتم المزني: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه، إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (٣) وفيه دليل على اعتبار الكفاءة. وحديث بريدة المتقدم الذي جعل فيه النبي ﷺ الخيار لفتاة زوجها أبوها ابن أخيه ليرفع بها خسيسته (٤). وحديث «العلماء ورثة الأنبياء» (٥) وحديث «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقُهوا» (٦). قال الشافعي: أصل الكفاءة في النكاح حديث بريرة، فقد خيرها النبي ﷺ ، لما لم يكن زوجها كفئاً لها بعد أن تحررت، وكان زوجها عبداً. وقال الكمال بن الهمام (٧): هذه الأحاديث الضعيفة من طرق عديدة يقوي

стр. 6520

بعضها بعضاً، فتصبح حجة بالتضافر والشواهد، وترتفع إلى مرتبة الحسن، لحصول الظن بصحة المعنى، وثبوته عنه ﷺ ، وفي هذا كفاية. ٢ - المعقول: وهو أن انتظام المصالح بين الزوجين لا يكون عادة إلا إذا كان هناك تكافؤ بينهما؛ لأن الشريفة تأبى العيش مع الخسيس، فلا بد من اعتبار الكفاءة من جانب الرجل، لا من جانب المرأة؛ لأن الزوج لا يتأثر بعدم الكفاءة عادة، وللعادة والعرف سلطان أقوى وتأثير أكبر على الزوجة، فإذا لم يكن زوجها كفئاً لها، لم تستمر الرابطة الزوجية، وتتفكك عُرى المودة بينهما، ولم يكن للزوج صاحب القوامة تقدير واحترام. وكذلك أولىاء المرأة يأنفون من مصاهرة من لا يناسبهم في دينهم وجاههم ونسبهم، ويعيرون به، فتختل روابط المصاهرة أو تضعف، ولم تتحقق أهداف الزواج الاجتماعية، ولا الثمرات المقصودة من الزوجية. وهذا الرأي هو المعمول به في أغلب البلاد الإسلامية كمصر وسورية وليبيا. والذي يظهر لي رجحان مذهب الإمام مالك في هذا الشأن، وهو اعتبار الكفاءة فقط في الدين والحال، أي السلامة من العيوب التي توجب للمرأة الخيار في الزواج، وليس الحال بمعنى الحسب والنسب وإنما يندب ذلك فقط، والسبب هو ضعف أحاديث الجمهور، ولأن الدليل الأقوى للجمهور وهو المعقول يعتمد على العرف، فإذا كان العرف بين الناس كمافي عصرنا الحاضر هو عدم النظر إلى الكفاءة، وأصبح مبدأ المساواة هو الأساس في التعامل، وزالت المعاني القبلية والتمييز الطبقي بين الناس، فلم يعد هناك مسوغ للكفاءة.

стр. 6521

المبحث الثاني - نوع شرط الكفاءة: هل الكفاءة شرط صحة أو شرط لزوم؟ اتفق فقهاء المذاهب الأربعة في الراجح عند الحنابلة والمعتمد عند المالكية والأظهر عند الشافعية (١) على أن الكفاءة شرط لزوم في الزواج، وليست شرطاً في صحة النكاح، فإذا تزوجت المرأة غير كفء، كان العقد صحيحاً، وكان لأوليائها حق الاعتراض عليه وطلب فسخه، دفعاً لضرر العار عن أنفسهم، إلا أن يسقطوا حقهم في الاعتراض فيلزم، ولو كانت الكفاءة شرط صحة لما صح، حتى ولو أسقط الأولياء حقهم في الاعتراض؛ لأن شرط الصحة لا يسقط بالإسقاط. وأخذ القانون السوري (م ٢٦) باعتبار كون الكفاءة شرط لزوم، ونص هذه المادة: «يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئاً للمرأة» ونصت المادة (٢٧) على أنه: «إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي، فإن كان الزوج كفئاً، لزم العقد، وإلا فللولي طلب فسخ النكاح» وهذا هو المختار لدى واضعي قانون الأحوال الشخصية في مصر. تفصيل رأي الحنفية في شرط الكفاءة: الكفاءة عند الحنفية في الجملة تعد شرط لزوم (٢)، لكن المفتى به عند المتأخرين أن الكفاءة شرط لصحة الزواج في بعض الحالات، وشرط لنفاذه في بعض الحالات، وشرط للزومه في حالات أخرى.

стр. 6522

أما الحالات التي تكون الكفاءة فيها شرطاً لصحة الزواج، فهي ما يأتي (١): ١ - إذا زوجت المرأة البالغة العاقلة نفسها من غير كفء أوبغبن فاحش، وكان لهاولي عاصب لم يرض بهذا الزواج قبل العقد، لم يصح الزواج أصلاً، لا لازماً ولا موقوفاً على الرضا بعد البلوغ. ٢ - إذا زوج غير الأصل (الأب والجد) أو الفرع (الابن) عديم الأهلية أو ناقصها، أي المجنون والمجنونة أو الصغير والصغيرة من غير كفء، فإن الزواج فاسد؛ لأن ولاية هؤلاء منوطة بالمصلحة، ولا مصلحة في التزويج بغير الكفء. ٣ - إذا زوج الأب أو الابن المعروف بسوء الاختيار (٢) عديم الأهلية أو ناقصها، من غير كفء أو بغبن فاحش، لم يصح النكاح اتفاقاً. وكذا لو كان سكران، فزوج المرأة من فاسق أو شرير أو فقير أو ذي حرفة دنيئة، لظهور سوء اختياره، وانعدام المصلحة في هذا الزواج. ويلزم النكاح ولو بغبن فاحش بنقص مهرها وزيادة مهره، أو زوجها بغير كفء إن كان الولي المزوج أباً أو جداً أو ابن المجنونة إذا لم يعرف منهما سوء الاختيار. وتكون الكفاءة شرطاً لنفاذ الزواج: إذا وكلت المرأة البالغة العاقلة شخصاً في زواجها، سواء أكان ولياً أم أجنبياً عنها، فزوَّجها بغير كفء، كان العقد موقوفاً على إجازتها؛ لأن الكفاءة حق للمرأة ولأوليائها، فإذا لم يكن الزوج كفئاً لها، لا ينفذ العقد إلا برضاها (٣).

стр. 6523

وتكون الكفاءة شرطاً للزوم الزواج في ظاهر الرواية: إذا زوجت البالغة العاقلة نفسها من كفء، كان الزواج لازماً، وليس لوليها حق الاعتراض وطلب الفسخ، فإن زوجت نفسها من غير كفء، كان لوليها العاصب حق الاعتراض (١). يتبين من هذا أن الكفاءة تشبه عند الحنفية ولاية الزواج، ففي حالات قد تكون الولاية شرطاً في صحة الزواج، وقد تكون شرطاً في نفاذه، وقد تكون شرطاً في لزومه. ومن المعلوم أن شروط لزوم الزواج عند الحنفية أربعة هي باختصار: ١ - أن يكون الولي في تزويج الصغير والصغيرة هو الأب أو الجد. أما غيرهما كالأخ والعم إذا زوج الصغار، فلا يلزم الزواج في رأي أبي حنيفة ومحمد، ويكون لهم الخيار بعد البلوغ. وقال أبو يوسف: يلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء، فلا يثبت للصغار الخيار بعد البلوغ (٢). ٢ - أن يكون الزوج خالياً من العيوب الجنسية، كما يتبين في بحث الطلاق. ٣ - أن تزوج المرأة نفسها بمهر المثل، فإذا زوجت نفسها بغبن فاحش، لم يلزم العقد، وكان للأولىاء عند أبي حنيفة حق الاعتراض، حتى يتم لها مهر مثلها أو يفارقها؛ لأن الأولياء يفتخرون بغلاء المهور ويتعيرون بنقصانه، فأشبه الكفاءة. وقال الصاحبان: ليس لهم ذلك؛ لأن ما زاد على العشرة دراهم حقها، ومن أسقط حقه لا يعترض عليه (٣).

стр. 6524

٤ - أن يكون الزوج كفئاً للمرأة، فإن زوجت المرأة نفسها من غير كفء لها، كان للأولياء حق الاعتراض، ويفسخ القاضي العقد إن ثبت له عدم كفاءة الزوج دفعاً للعار. وهذا متفق عليه بين المذاهب كما تقدم. المبحث الثالث - صاحب الحق في الكفاءة: اتفق الفقهاء (١) على أن الكفاءة حق لكل من المرأة وأوليائها، فإذا تزوجت المرأة بغير كفء، كان لأوليائها حق طلب الفسخ، وإذا زوجها الولي بغير كفء، كان لها أيضاً الفسخ؛ لأنه خيار لنقص في المعقود عليه، فأشبه خيار البيع، ولما روي: أن فتاة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أبي زوجني ابنَ أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء (٢). والحاصل: أن المرأة إن تركت الكفاءة فحق الولي باق، وبالعكس. ترتيب الحق بين الأولياء ووقت سقوط حق الاعتراض: يثبت هذا الحق عند الحنفية للأقرب من الأولياء العصبة فالأقرب، فإذا لم يرضوا فلهم أن يفرقوا بين المرأة وزوجها، ما لم تلد، أو تحمل حملاً ظاهراً في ظاهر الرواية، وإذا زوجها الولي بغير كفء برضاها، لزم النكاح، وإذا رضي الأولياء فقد أسقطوا حق أنفسهم بالاعتراض والفسخ.

стр. 6525

وقال المالكية: للأولياء الفسخ ما لم يدخل الزوج بالمرأة، فإن دخل فلا فسخ. والاعتراض حق مشترك لكل الأولياء، فلو زوجها أحد الأولياء من غير كفء برضاها من غير رضا الباقين، لم يلزم النكاح، وهذا خلافاً للحنفية والشافعية. وقال الشافعية: لو زوجها الولي الأقرب برضاها، فليس للأبعد اعتراض؛ إذ لا حق له الآن في التزويج. وإذا تساوى الأولياء في الدرجة، فزوجها أحدهم برضاها دون رضاهم، لم يصح الزواج؛ لأن لهم حقاً في الكفاءة، فاعتبر رضاهم كرضا المرأة. ولو زوجها الولي غير كفء برضاها، أو زوجها بعض الأولياء المستوين في الدرجة برضاها ورضا الباقين، صح الزواج. وقال الحنابلة: يملك الاعتراض والفسخ الأبعد من الأولياء مع رضا الأقرب منهم بالزوج، ومع رضا الزوجة أيضاً دفعاً لما يلحقه من العار؛ لأن الكفاءة عندهم كما جاء في كشاف القناع حق للمرأة والأولياء جميعهم، فلو زوج الأب بنته بغير كفء برضاها، فللإخوة الفسخ؛ لأن العار في تزويج من ليس بكفء عليهم أجمعين. ولو زالت الكفاءة بعد العقد، فللزوجة عندهم الفسخ فقط دون أوليائها؛ لأن حق الأولياء في ابتداء العقد لا في استدامته، وهذا بخلاف رأي المذاهب الأخرى، فإن الكفاءة تعتبر عند الجمهور عند ابتداء العقد، فلا يضر زوالها بعده، فلو كان وقت العقد كفئاً، ثم صار غير كفء، لم يفسخ العقد. رضا بعض الأولياء المستوين في الدرجة دون البعض: إن تعدد الأولياء الأقارب كالإخوة الأشقاء، ورضي بعضهم بالزواج، ولم يرض الآخرون، كان رضا البعض عند أبي حنيفة ومحمد مسقطاً لحق الآخرين؛

стр. 6526

لأن هذا حق واحد لا يتجزأ؛ لأن سببه وهو القرابة لا يقبل التجزئة، والقاعدة المقررة أن إسقاط بعض مالا يتجزأ إسقاط لكله، فإذا أسقط أحد الأولياء حقه، سقط حق الباقين، قياساً على حق القصاص الثابت لجماعة، فإنه حق لا يقبل التجزئة، فإذا عفا بعضهم سقط حق الباقين. وأجيب عنه بأن القصاص لا يثبت لكل واحد كاملاً، فإذا سقط بعضه تعذر استيفاؤه. وقال الجمهور (وهم المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف وزفر): إن رضي بعض الأولياء المتساوين، لم يسقط حق الآخرين في الاعتراض؛ لأن الكفاءة حق مشترك ثبت للكل، وإذا أسقط أحد الشريكين حق نفسه، لا يسقط حق صاحبه، كالدين المشترك. وأجيب عنه: بأن قياس الكفاءة على الدين المشترك قياس مع الفارق؛ لأن الدين حق يقبل التجزئة، وحق الكفاءة لا يقبل التجزئة. ولا فرق عند الحنابلة بين أن يكون الأولياء متساوين في الدرجة أم متفاوتين؛ لأن الكفاءة عندهم حق الكل. المبحث الرابع: من تطلب الكفاءة في جانبه: يرى جمهور الفقهاء أن الكفاءة تطلب للنساء لا للرجال، بمعنى أن الكفاءة تعد في جانب الرجال للنساء، فهو حق في صالح المرأة لا في صالح الرجل، فيشترط أن يكون الرجل مماثلاً أو مقارباً لها في أمور الكفاءة. ولا يشترط في المرأة أن تكون مساوية للرجل أو مقاربة له، بل يصح أن تكون أقل منه في أمور الكفاءة؛ لأن الرجل لا يعير بزوجة أدنى حالاً منه، أما المرأة وأقاربها فيعيرون بزوج أقل منها

стр. 6527

منزلة (١). لكن يستثنى من هذا الأصل مسألتان تشترط فيهما الكفاءة من جانب المرأة، ذكرتا سابقاً وهما: الأولى - أن يزوج غير الأب أو الجد عديم الأهلية أو ناقصها، أويزوجه الأب أو الجد الذي عرف قبل العقد بسوء الاختيار، فإنه يشترط لصحة هذا الزواج أن تكون الزوجة مكافئة له، احتياطاً لمصلحة الزواج، وإلا لم يصح الزواج. الثانية - أن يوكل الرجل غيره في تزويجه وكالة مطلقة، فإنه يشترط لنفاذ العقد على الموكل في رأي المالكية وأبي يوسف ومحمد أن تكون الزوجة كفئاً له. المبحث الخامس - ما تكون فيه الكفاءة، أو أوصاف الكفاءة: اختلف الفقهاء في خصال الكفاءة، فهي عند المالكية اثنان: وهما الدين والحال، أي السلامة من العيوب المثبتة للخيار، لا الحال بمعنى الحسب والنسب. وعند الحنفية ستة: هي الدين والإسلام والحرية والنسب والمال والحرفة (٢). ولا تكون الكفاءة عندهم في السلامة من العيوب التي يفسخ بها البيع كالجذام والجنون والبرص، والبخَر والدفَر إلا عند محمد في الثلاثة الأولى. وعند الشافعية خمسة: هي الدين أو العفة، والحرية، والنسب، والسلامة من العيوب المثبتة للخيار، والحرفة.

стр. 6528

وعند الحنابلة خمسة أيضاً: هي الدين، والحرية، والنسب، واليسار (المال)، والصناعة أي الحرفة (١). فهم متفقون على الكفاءة في الدين، واتفق غير المالكية على الكفاءة في الحرية والنسب والحرفة، واتفق المالكية والشافعية على خصلة السلامة من العيوب المثبتة للخيار، واتفق الحنفية في ظاهر الرواية والحنابلة على خصلة المال، وانفرد الحنفية بخصلة إسلام الأصول. ١ - الديانة، أو العفة أو التقوى: المراد بها الصلاح والاستقامة على أحكام الدين، فليس الفاجر والفاسق كفئاً لعفيفة أو صالحة بنت صالح، أو مستقيمة، لها ولأهلها تدين وخلق حميد، سواء أكان معلناً فسقه، أم غير معلن أي لا يجهر بالفسق لكن يشهد عليه أنه فعل كذا من المفسقات؛ لأن الفاسق مردود الشهادة والرواية، وهو نقص في إنسانيته، ولأن المرأة تعير بفسق الزوج أكثر ما تعير بضعة نسبه، فلا يكون كفئاً لامرأة عدل، بالاتفاق ما عدا محمد بن الحسن، لقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً، لا يستوون﴾ [السجدة:١٨/ ٣٢] وقوله سبحانه: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ [النور:٣/ ٢٤] ونوقش الاستدلال بالآيتين، أما الأولى فهي في حق المؤمن والكافر، وأما الثانية فهي منسوخة، والأصح الاستدلال بحديث أبي حاتم المزني المتقدم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». وقال محمد: إن الفسق لا يمنع الكفاءة، إلا إذا كان صاحبه متهتكاً يصفع ويسخر منه، أو يخرج إلى الأسواق سكران؛ لأن الفسق من أحكام الآخرة، فلا تبتنى عليه أحكام الدنيا.

стр. 6529

وهل يكون الفاسق كفئاً لفاسقة بنت صالح، قال بعض الحنفية: لا يكون الفاسق كفئاً لها، وقال ابن عابدين: إن المفهوم من كلامهم اعتبار صلاح الكل أي الفتاة والأب، وإن من اقتصر على صالحة أو صلاح آبائها نظر إلى الغالب من أن صلاح الولد والوالد متلازمان، فعلى هذا لا يكون الفاسق كفئاً لصالحة بنت صالح، بل يكون كفئاً لفاسقة بنت فاسق، وكذا لفاسقة بنت صالح، لأن ما يلحقه من العار ببنته أكثر من العار بصهره. وإذا كانت صالحة بنت فاسق، فزوجت نفسها من فاسق، فليس لأبيها حق الاعتراض؛ لأنه مثله، وهي قد رضيت به. ٢ - الإسلام: شرط انفرد به الحنفية بالنسبة لغير العرب، خلافاً للجمهور، والمراد به إسلام الأصول أي الآباء، فمن له أبوان مسلمان كفء لمن كان له آباء في الإسلام، ومن له أب واحد في الإسلام لا يكون كفئاً لمن له أبوان في الإسلام؛ لأن تمام النسب بالأب والجد. وألحق أبو يوسف الواحد بالمثنى. ومن أسلم بنفسه لا يكون كفئاً لمن له أب واحد في الإسلام؛ لأن التفاخر فيما بين الموالي (غير العرب) بالإسلام. ودليل الحنفية على هذه الخصلة: أن تعريف الشخص يكون كاملاً بالأب والجد، فإذا كان الأب والجد مسلماً، كان نسبه إلى الإسلام كاملاً. ولا تعتبر هذه الخصلة إلا في غير العرب؛ لأنهم بعد إسلامهم صار فخرهم بالإسلام، وهو شرفهم الذي قام مقام النسب. أما العرب فلا يعتبر فيهم التكافؤ في إسلام الآباء؛ لأن العرب يتفاخرون بأنسابهم، ولا يتفاخرون بإسلام أصولهم، فالعربي المسلم الذي ليس له أب مسلم كفء للعربية المسلمة التى لها أب وأجداد مسلمون.

стр. 6530

٣ - الحرية: شرط في الكفاءة عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) فلا يكون العبد ولو مبعضاً كفئاً لحرة ولو كانت عتيقة؛ لأنه منقوص بالرق، ممنوع من التصرف في كسبه، غير مالك له، ولأن الأحرار بمصاهرة الأرقاء كما يعيرون بمصاهرة من دونهم في النسب والحسب. واشترط الحنفية والشافعية أيضاً حرية الأصل، فمن كان أحد آبائه رقيقاً ليس كفئاً لحر الأصل، أو لمن كان أبوها رقيقاً ثم أعتق، ومن كان له أبوان في الحرية ليس كفئاً لمن كان له أب واحد في الحرية. وأضاف الحنفية والشافعية أن العتيق ليس كفئاً لحرة أصلية؛ لأن الأحرار يعيرون بمصاهرة العتقاء، كما يعيرون بمصاهرة الأرقاء. وقال الحنابلة: العتيق كله كفء للحرة. وأما المالكية فلم يشترطوا الحرية في الكفاءة، وقالوا: في كفاءة العبد للحرة، وعدم كفاءته لها على الأرجح تأويلان: المذهب أنه ليس بكفء، والراجح أنه كفء، وهو الأحسن؛ لأنه قول ابن القاسم. وقال الدسوقي: والظاهر التفصيل: فما كان من جنس الأبيض فهو كفء؛ لأن الرغبة فيه أكثر من الأحرار، وبه الشرف في عرف مصرنا، وما كان من جنس الأسود فليس بكفء؛ لأن النفوس - على حد تعبيره - تنفر منه، ويقع به الذم للزوجة. وهذا حكاية لعرف الناس في عصره، وليس أمراً مقرراً في الشرع. لذا أرى أن هذا الرأي خاص بالدسوقي، فإن مبادئ الشريعة تناقض هذا القول إذ لا تفرقة في أحكامها بين الناس بسبب اللون، وما اعتمده من عرف مصر هو عرف فاسد، لمصادمته مبادئ الشريعة، أو أنه مجرد أهواء نفسية وميول خاصة لا يقرها الشرع؛ لأن الناس سواء في دين الله تعالى.

стр. 6531

٤ - النسب: وسماه الحنابلة: المنصب. المراد بالنسب: صلة الإنسان بأصوله من الآباء والأجداد. أما الحسب: فهو الصفات الحميدة التي يتصف بها الأصول أو مفاخر الآباء، كالعلم والشجاعة والجود والتقوى. ووجود النسب لا يستلزم الحسب، ولكن وجود الحسب يستلزم النسب. والمقصود من النسب أن يكون الولد معلوم الأب، لا لقيطاً أو مولى إذ لا نسب له معلوم. ولم يعتبر المالكية الكفاءة في النسب، أما الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض الزيدية) فقد اعتبروا النسب في الكفاءة، لكن خصص الحنفية النسب في الزواج من العرب؛ لأنهم الذين عنوا بحفظ أنسابهم، وتفاخروا بها، وحدث التعيير بينهم فيها. أما العجم فلم يعنوا بأنسابهم ولم يفتخروا بها، ولذا اعتبر فيهم الحرية والإسلام. والأصح عند الحنفية أن العجمي لا يكون كفئاً للعربية ولو كان عالماً أو سلطاناً. وبناء على هذا الرأي: لا يكون العجمي كفئاً للعربية، لقول عمر: «لأمنعن أن تزوج ذات الأحساب إلا من الأكفاء» (١)، ولأن الله اصطفى العرب على غيرهم، ولأن العرب فضلت الأمم برسول الله ﷺ . وقريش عند الحنفية وفي رواية عن أحمد بعضهم أكفاء بعض، وبقية العرب بعضهم أكفاء بعض، واستثنى بعضهم بني باهلة لخستهم. ودليلهم قول ابن عباس: قريش بعضهم أكفاء بعض. ويرى الشافعية وفي رواية أخرى عن أحمد: أن غير الهاشمي والمطلبي ليس

стр. 6532

كفئاً لباقي قريش كبني عبد شمس ونوفل، وإن كانا أخوين لهاشم، لخبر: «إن الله اصطفى من العرب كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (١). ويتفق الجمهور على أن قريشاً وهم أولاد النضر بن كنانة أفضل نسباً من سائر العرب، فالقرشية لا يكافئها إلا قرشي مثلها، والقرشي كفء لكل عربية. وأن المرأة العربية غير القرشية يكافئها أي عربي من أي قبيلة كانت، ولكن لا يكافئها غير العربي أي العجمي. ودليل الجمهور حديث: «العرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، إلا حائك أو حجام» (٢). والحق أن اعتبار النسب في الكفاءة ليس صحيحاً، والصحيح قول المالكية؛ لأن مزية الإسلام الجوهرية هي الدعوة إلى المساواة، ومحاربة التمييز العرقي أو العنصري، ودعوات الجاهلية القبلية والنسبية، ولأن انتشار الإسلام بين الناس غير العرب إنما كان أساساً لهذه المزية، وإعلان حجة الوداع واضح وهو أن الناس جميعاً أبناء آدم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. أما الحديث الذي اعتمد عليه الجمهور فهو ضعيف، لذا فإن تفضيل قريش على سائر العرب، ثم تفضيل العرب على العجم، لم يدل عليه شيء من السنة، بل ورد في السنة خلافه؛ لأن النبي ﷺ زوج ابنتيه عثمان، وزوج أبا العاص بن

стр. 6533

ربيع زينب، وهما من بني عبد شمس، وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم، وزوج النبي بنت عمته زينب وهي قرشية زيد بن حارثة، وهو من الموالي، وتزوج أسامة ابن زيد فاطمة بنت قيس وهي من قريش، بعد أن طلقها زوجها: أبو عمر بن حفص بن المغيرة، فأخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد» (١). وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين بن علي، وتزوج المصعب بن الزبير أختها سكينة، وتزوجها أيضاً عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنة الزبير بن عبد المطلب ابنة عم رسول الله ﷺ . وزوج أبو بكر أخته أم فروة الأشعث بن قيس، وهما كنديان (٢). ولأن العجم والموالي بعضهم لبعض أكفاء، وإن تفاضلوا، وشرف بعضهم على بعض، وكذلك العرب. وإذا حرص العرب على أنسابهم وتفاخروا بها، فإن غير العرب قد حرصوا على أنسابهم، وتتعير المرأة منهم إذا تزوجت من لا يساويها في الحسب والنسب. ٥ - المال أو اليسار: المراد به القدرة على المهر والنفقة على الزوجة، لا الغنى والثراء، فلا يكون المعسر كفئاً لموسرة. وحدد بعض الحنفية هذه القدرة على نفقة شهر، وصحح بعضهم الاكتفاء بالقدرة عليها بالكسب. واشترط اليسار في الكفاءة الحنفية والحنابلة؛ لأن النبي ﷺ قال في الحديث السابق لفاطمة بنت قيس: «أما معاوية فصعلوك لا مال له»، ولأن الناس

стр. 6534

يتفاخرون بالمال أكثر من التفاخر بالنسب، ولأن الموسرة تتضرر في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده، ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن عدم اليسار نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب. وقال الشافعية في الأصح والمالكية: لا يعد اليسار في خصال الكفاءة؛ لأن المال ظل زائل، وحال حائل، ومال مائل، ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر. والراجح لدي هو هذا الرأي؛ لأن الغنى لا دوام له، والمال غاد ورائح، والرزق مقسوم منوط بالكسب، والفقر شرف في الدين، وقد قال النبي ﷺ : «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً» (١). ٦ - المهنة أو الحرفة أو الصناعة: والمراد بها العمل الذي يمارسه الإنسان لكسب رزقه وعيشه، ومنه الوظيفة في الحكومة. وذكر الجمهور غير المالكية الحرفة في خصال الكفاءة، بأن تكون حرفة الزوج أو أهله مساوية أو مقاربة لحرفة الزوجة أو أهلها. فلا يكون صاحب حرفة دنيئة كالحجام والحائك والكسَّاح والزبال والحارس والراعي والفقَّاط كفئآً لبنت صاحب صناعة جليلة أو رفيعة كالتاجر والبزاز، أي الذي يتجر في البَزّ وهو القماش، والخياط، ولا تكون بنت التاجر والبزاز كفئاً لبنت العالم والقاضي نظراً للعرف فيه. وأما أتباع الظلمة فأخسّ من الكل. وأهل الكفر بعضهم أكفاء لبعض؛ لأن اعتبار الكفاءة لدفع النقيصة، ولا نقيصة أعظم من الكفر.

стр. 6535

والمعول عليه في تصنيف الحرف هو العرف، وهذا يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة، فقد تكون الحرفة دنيئة في زمن، ثم تصبح شريفة في زمن آخر. وقد تكون الحرفة وضيعة في بلد، وتكون رفيعة في بلد آخر. ولم يذكر المالكية الحرفة من خصال الكفاءة؛ لأنها ليست بنقص في الدين، ولا هي وصف لازم، كالمال، فأشبه كل منهما الضعف والمرض والعافية والصحة. وهذا هو الراجح لدي. ٧ - السلامة من العيوب المثبتة للخيار في النكاح: كالجنون والجذام والبرص. اعتبرها المالكية والشافعية من خصال الكفاءة، فمن كان به عيب منها رجلاً أو امرأة ليس كفئاً للسليم من العيوب؛ لأن النفس تعاف صحبة من به بعضها، ويختل بها مقصود النكاح. ولم يعتبر الحنفية والحنابلة السلامة من العيوب من شروط الكفاءة، ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون أوليائها؛ لأن الضرر مختص بها، ولوليها منعها من نكاح المجذوم والأبرص والمجنون. وهذا الرأي هو الأولى؛ لأن خصال الكفاءة حق لكل من المرأة والأولياء. هذه هي خصال الكفاءة، أما ما عداها كالجمال والسن والثقافة والبلد والعيوب الأخرى غير المثبتة للخيار في الزواج كالعمى والقطع وتشوه الصورة، فليست معتبرة، فالقبيح كفء للجميل، والكبير كفء للصغير، والجاهل كفء للمثقف أو المتعلم، والقروي كفء للمدني، والمريض كفء للسليم. لكن الأولى مراعاة التقارب بين هذه الأوصاف، وبخاصة السن والثقافة؛ لأن وجودهما أدعى لتحقيق الوفاق والوئام بين الزوجين، وعدمهما يحدث بلبلة واختلافاً مستعصياً، لاختلاف وجهات النظر، وتقديرات الأمور، وتحقيق هدف الزواج، وإسعاد الطرفين.

стр. 6536

الكفاءة في القانون: إن خصال الكفاءة المطلوبة عند الفقهاء روعي فيها عرف المجتمعات الماضية، فكل ما أدى إلى الإضرار بسمعة المرأة وأوليائها، كانت الكفاءة فيه شرطاً لازوم العقد. واليوم ينبغي أن يعتبر العرف الحاضر أيضاً، فإنه زال اعتبار كفاءة النسب والمال ونحوهما. لذا نص القانون السوري على ما يلي: (م ٢٦): يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئاً للمرأة. (م ٢٧): إذا تزوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي، فإن كان الزوج كفئاً لزم العقد، وإلا فللولي طلب فسخ النكاح. (م ٢٨): العبرة في الكفاءة لعرف البلد. (م ٢٩): الكفاءة حق خاص للمرأة وللولي. (م ٣٠): يسقط حق الكفاءة لعدم الكفاءة إذا حملت المرأة. (م ٣١): تراعى الكفاءة عند العقد، فلا يؤثر زوالها بعده. (م ٣٢): إذا اشترطت الكفاءة حين العقد، أوأخبر الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير كفء كان لكل من الولي والزوجة طلب فسخ العقد. ويلاحظ أن هذه الأحكام يتفق أغلبها مع مذهب الحنفية، فالمادة الأولى في أن الكفاءة من جانب الرجل لا من جانب المرأة، أو من الجانبين، والثانية لتقرير أن الكفاءة شرط لزوم، لا شرط صحة، والثالثة مراعاة مبنى الكفاءة في الأصل وهو العرف، والرابعة كون الكفاءة حقاً لكل من المرأة والولي، والخامسة تحديد وقت سقوط حق الكفاءة عملاً بمشهور مذهب الحنفية، والسادسة وقت مراعاة الكفاءة وهو عند العقد، لا بعده، والسابعة التغرير بالكفاءة عند الاشتراط أو الإخبار بها.

стр. 6537

الفَصْلُ السّادس: آثار الزّواج وفيه مباحث ثلاثة: في المهر، والخلوة، والمتعة. المبحث الأول - المهر وأحكامه: تمهيد: الزواج ككل عقد ينشأ عنه حقوق وواجبات متبادلة يلزم بها كل من الزوج والزوجة، وقد نص القرآن الكريم على هذا المبدأ، فقال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من واجبات، وأن أساس تقرير هذه الحقوق والواجبات هو العرف المستند إلى فطرة كل من الرجل والمرأة. ونص قانون الأحوال الشخصية السوري على جميع الحقوق المالية التي تستحقها الزوجة على زوجها: وهي المهر والنفقة والسكن. أما الحقوق غير المالية أو الأدبية كالعدل والإحسان في المعاملة، والمعاشرة بالمعروف، وطاعة الزوجة لزوجها بالمعروف، وحماية الزوجة من ألوان الأذى والمهانة، فلم يتعرض لها هذا القانون؛ لأنها مبادئ أخلاقية، وإنما نص القرآن الكريم على بعضها، ونصت السنة النبوية على بعضها الآخر. وأتكلم هنا عن المهر: تعريفه وحكمه وحكمته وسبب إلزام الرجل به،

стр. 6538

ومقداره، وشروطه أو ما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح، أنواعه وحالات وجوب كل نوع، صاحب الحق في المهر، وقبضه وما يترتب على القبض، تعجيله وتأجيله، الزيادة والحط من المهر، متى يجب المهر ومتى يتأكد وجوبه، ومتى يتنصف، ومتى يسقط، تبعة ضمان المهر وحكم هلاكه واستهلاكه وتعييبه وزيادته، الاختلاف في المهر، الملزم بالجهاز والاختلاف فيه، ميراث الصداق وهبته. أولاً - تعريف المهر وحكمه وحكمته وسبب إلزام الرجل به: المهر: هو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها حقيقة. وعرفه صاحب العناية على هامش الفتح: هو المال الذي يجب في عقد النكاح على الزوج في مقابلة البُضْع إما بالتسمية أو بالعقد. وعرفه بعض الحنفية: بأنه ما تستحقه المرأة بعقد النكاح أو الوطء. وعرفه المالكية: بأنه ما يجعل للزوجة في نظير الاستمتاع بها. وعرفه الشافعية: بأنه ما وجب بنكاح أو وطء أو تفويت بُضْع قهراً، كرضاع ورجوع شهود. وعرفه الحنابلة: بأنه العوض في النكاح، سواء سمي في العقد أو فرض بعده بتراضي الطرفين أو الحاكم، أو العوض في نحو النكاح كوطء الشبهة ووطء المكرهة (١). و له أسماء عشرة: مهر، وصداق أو صدقة، ونِحْلة، وأجر، وفريضة، وحِبَاء، وعُقْر، وعلائق، وطَوْل، ونكاح، لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم

стр. 6539

طَوْلاً﴾ [النساء:٢٢٥/ ٤] وقوله سبحانه: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً﴾ [النور:٣٣/ ٢٤] نظم بعضهم ثمانية منها في بيت: صداق، ومهر، نحلة، وفريضة و حكمه: أنه واجب على الرجل دون المرأة، ويجب كما دلت التعاريف بأحد أمرين؛ إذ الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عَقْر (حد) أو عُقْر (مهر)، احتراماً لإنسانية المرأة: الأول - مجرد العقد الصحيح: وقد يسقط كله أو نصفه ما لم يتأكد بالدخول أو بالموت، أو بالخلوة عند الحنفية والحنابلة. الثاني - الدخول الحقيقي: كما في حالة الوطء بشبهة، أو في الزواج الفاسد. ولا يسقط حينئذ إلا بالأداء أو بالإبراء. ونص القانون السوري (م ٥٣) على أنه: يجب للزوجة المهر بمجرد العقد الصحيح، سواء أسمي عند العقد أم لم يسم أم نفي أصلاً. و أدلة وجوب المهر: ما يأتي (١): ١ - القرآن: قال تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء:٤/ ٤] أي عطية من الله مبتدأة أو هدية. والمخاطب به الأزواج عند الأكثرين، وقيل: الأولىاء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يأخذونه، ويسمونه نحلة، وهو دليل على أن المهر رمز لإكرام المرأة، والرغبة في الاقتران. وقال سبحانه: ﴿فما استمتعتم به منهن، فآتوهن أجورهن فريضة﴾ [النساء:

стр. 6540

٤/ ٢٤] وقال تعالى: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ [النساء:٢٥/ ٤] ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ [النساء:٢٤/ ٤]. ٢ - السنة: قال ﷺ لمريد التزوج: «التمس ولو خاتماً من حديد» (١)، وثبت عنه ﵊ أنه لم يخل زواجاً من مهر. وتسن تسمية المهر في العقد؛ لأنه ﷺ لم يخل نكاحاً عنه، ولأنه أدفع للخصومة، ولئلا يشبه نكاح الواهبة نفسها للنبي ﷺ . ٣ - وأجمع المسلمون على مشروعية الصداق في النكاح: والحكمة من وجوب المهر: هو إظهار خطر هذا العقد ومكانته، وإعزاز المرأة وإكرامها، وتقديم الدليل على بناء حياة زوجية كريمة معها، وتوفير حسن النية على قصد معاشرتها بالمعروف، ودوام الزواج. وفيه تمكين المرأة من التهيؤ للزواج بما يلزم لها من لباس ونفقة. و كون المهر واجباً على الرجل دون المرأة: ينسجم مع المبدأ التشريعي في أن المرأة لا تكلف بشيء من واجبات النفقة، سواء أكانت أماً أم بنتاً أم زوجة، وإنما يكلف الرجل بالإنفاق، سواء المهر أم نفقة المعيشة وغيرها؛ لأن الرجل أقدر على الكسب والسعي للرزق، وأما المرأة فوظيفتها إعداد المنزل وتربية الأولاد وإنجاب الذرية، وهو عبء ليس بالهيِّن ولا باليسير، فإذا كلفت بتقديم المهر، وألزمت السعي في تحصيله اضطرت إلى تحمل أعباء جديدة، وقد تمتهن كرامتها في هذا السبيل. ووضع القرآن مبدأ توزيع المسؤوليات المالية بين الرجل والمرأة، فقال

стр. 6541

سبحانه: ﴿الرجال قوَّامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم﴾ [النساء:٣٤/ ٤]. المهر ليس ركناً ولا شرطاً في الزواج: أوضحت في شروط الزواج أن المهر - وإن كان واجباً في العقد - إلا أنه ليس ركناً ولا شرطاً من شروط الزواج (١)، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، لذا اغتفر فيه الجهل اليسير والغرر الذي يرجى زواله؛ لأن القصد من النكاح الوصلة والاستمتاع، فإذا تم العقد بدون مهر صح، ووجب للزوجة المهر اتفاقاً. والدليل قوله تعالى: ﴿لاجناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] فإنه أباح الطلاق قبل الدخول وقبل فرض المهر، مما يدل على أن المهر ليس ركناً ولا شرطاً. وثبت في السنة عن علقمة قال: «أتي عبد الله - أي ابن مسعود - في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقاً ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العِدّة، فشهد مَعْقِل بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بَرْدَع بنة واشق بمثل ما قضى» (٢). ويؤكده حديث عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: «إني أزوجك فلانة؟ قال: نعم، قال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت: نعم،

стр. 6542

فزوج أحدهما من صاحبه، فدخل عليها ولم يُفرض لها به صداق؛ فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقاً، ولم أعطها شيئاً، وإني قد أعطيتها عن صداقي سهمي بخيبر، فأخذت سهمه، فباعته بمائة ألف» (١). وبناء عليه: لو اتفق الزوجان بدون مهر، أو سميا ما لا يملك شرعاً كالخمر والخنزير والنجس كروث دواب، صح العقد عند الجمهور غير المالكية، ووجب للمرأة مهر المثل، بالدخول أو الموت. وقال المالكية: إن اتفق الزوجان على إسقاط المهر فهو نكاح فاسد. نكاح التفويض: قال ابن رشد وغيره (٢): أجمع الفقهاء على أن نكاح التفويض جائز: وهو أن يعقد النكاح دون صداق، لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن، أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢]. لكن نكاح التفويض يشمل عند الجمهور حالة الاتفاق على عدم المهر، وعدم تسمية المهر، وأما عند المالكية فيقتصر على الحالة الثانية، وأما الاتفاق على إسقاط المهر فيفسد الزواج. ثانياً - مقدار المهر - التغالي في المهور: ليس للمهر حد أقصى بالاتفاق (٣)؛ لأنه لم يرد في الشرع ما يدل على

стр. 6543

تحديده بحد أعلى، لقوله تعالى: ﴿ … وآتيتم إحداهن قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ [النساء:٢٠/ ٤]. تنبهت امرأة إلى هذه الآية، حينما أراد عمر بن الخطاب ﵁ تحديد المهور، فنهى أن يزاد في الصداق على أربع مئة درهم، وخطب الناس فيه، فقال (١): لا تُغْلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة، كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشر أوقية - أي من الفضة (٢) - فمن زاد على أربعمائة شيئاً، جعلت الزيادة في بيت المال، فقالت له امرأة من قريش بعد نزوله من على المنبر: ليس ذلك إليك يا عمر، فقال: ولم؟ قالت: لأن الله تعالى يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ [النساء:٢٠/ ٤] فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ. ورواه أبو يعلى في الكبير: فقال: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب (٣). ولكن يسن تخفيف الصداق وعدم المغالاة في المهور، لقوله ﷺ : «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة» (٤) وفي رواية «إن أعظم النساء بركة أيسرهن صداقاً» وروى أبو داود وصححه الحاكم عن عقبة بن عامر حديث: «خير الصداق أيسره».

стр. 6544

والحكمة من منع المغالاة في المهور واضحة وهي تيسير الزواج للشباب، حتى لا ينصرفوا عنه، فتقع مفاسد خلقية واجتماعية متعددة، وقد ورد في خطاب عمر السابق: «وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في قلبه». أقل المهر: أما الحد الأدنى للمهر فمختلف فيه على آراء ثلاثة: قال الحنفية (١): أقل المهر عشرة دراهم، لحديث: «لا مهر أقل من عشرة دراهم» (٢) وقياساً على نصاب السرقة: وهو ما تقطع به يد السارق فإنه عندهم دينار أو عشرة دراهم، إظهاراً لمكانة المرأة، فيقدر المهر بما له أهمية. وأما حديث «التمس ولو خاتماً من حديد» فحملوه على المهر المعجل؛ لأن العادة عندهم تعجيل بعض المهر قبل الدخول، وقد منع ﷺ علياً أن يدخل بفاطمة ﵂ حتى يعطيها شيئاً، فقال: يا رسول الله، ليس لي شيء، فقال: أعطها درعك، فأعطاها درعه (٣). وقال المالكية (٤): أقل المهر ربع دينار، أو ثلاثة دراهم فضة خالصة من الغش، أو ما يساويها مما يقوم بها من عروض أو من كل طاهر لا نجس، متمول شرعاً من عرض أو حيوان أو عقار، منتفع به شرعاً، أي يحل الانتفاع به لا كآلة لهو، مقدور على تسليمه للزوجة، معلوم قدراً وصنفاً وأجلاً، ودليلهم أن المهر وجب في الزواج إظهاراً لكرامة المرأة ومكانتها، فلا يقل عن هذا المقدار الذي هو نصاب السرقة عندهم، مما يدل على خطره، فلو تزوج رجل امرأة بأقل من هذا المقدار، وجب لها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها قيل له: إما أن تتم المهر أو تفسخ العقد.

стр. 6545

وقال الشافعية والحنابلة (١): لا حد لأقل المهر، ولا تتقدر صحة الصداق بشيء، فصح كون المهر مالاً قليلاً أو كثيراً، وضابطه: كل ما صح كونه مبيعاً أي له قيمة صح كونه صداقاً، وما لا فلا، ما لم ينته إلى حد لا يتمول، فإن عقد بما لا يتمول ولا يقابل بما يتمول كالنواة والحصاة، فسدت التسمية ووجب مهر المثل. ودليلهم: أـ قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء:٢٤/ ٤] فلم يقدره الشرع بشيء، فيعمل به على إطلاقه. ب - الحديث المتقدم: «التمس ولو خاتماً من حديد» فيدل على أن المهر يصح بكل ما يطلق عليه اسم المال. جـ - روى عامر بن ربيعة أن امرأة من فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : «رضيتِ من مالك ونفسك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه» (٢) وأخرج أبو داود عن جابر موقوفاً: «لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يده طعاماً، كانت له حلالاً». د - إن المهر حق المرأة، شرعه الله إظهاراً لمكانتها، فيكون تقديره برضا الطرفين، ولأن المهر بدل الاستمتاع بالمرأة، فكان تقدير العوض إليها كأجرة منافعها. وهذا هو الرأي الراجح لقوة دليله من القرآن والسنة، وقال أصحاب هذا الرأي: يسن أن يكون المهر من أربع مئة درهم إلى خمس مئة درهم، وألا يزيد على

стр. 6546

ذلك، لما روت أم حبيبة «أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشة … ولم يبعث لها رسول الله ﷺ بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم» (١)، وروت عائشة: «أن صداق النبي ﷺ على أزواجه خمسمائة درهم» (٢) والمستحب الاقتداء به ﵇، والتبرك بمتابعته. وإن زاد الصداق على خمسمائة درهم فلا بأس، لما روت أم حبيبة في الحديث المتقدم: «أن النبي ﷺ تزوجها، وهي بأرض الحبشة، زوَّجها النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حَسَنة، فلم يبعث لها رسول الله ﷺ بشيء» ولو كره ذلك لأنكره. ويكره ترك تسمية المهر في العقد؛ لأنه قد يؤدي إلى التنازع في فرضه. ويستحب ألا ينقص عن عشرة دراهم، خروجاً من خلاف من قدر أقله بذلك. مهر السر ومهر العلانية: إن تزوجها على صداقين: صداق في السر، وصداق في العلانية، فالواجب عند الشافعية والمالكية والحنفية، ما عقد به العقد؛ لأن الصداق يجب بالعقد، فوجب ما عقد به؛ ولأن إظهار العلانية ليس بعقد، ولا يتعلق به وجوب شيء. ويؤخذ بالعلانية عند الحنابلة، وإن كان صداق السر قد انعقد به النكاح؛ لأنه إذا عقد في الظاهر عقد بعد عقد السر، فقد وجد منه بذل الزائد، على مهر السر، فيجب الزائد عليه، كما لو زادها على صداقها.

стр. 6547

اختلاف القبول عن الإيجاب: إن قال الولي: زوجتك ابنتي بألف، وقال الزوج: قبلت نكاحها بخمسمائة، وجب مهر المثل عند الشافعية؛ لأن الزوج لم يقبل بألف، والولي لم يوجب بخمسمائة، فسقط الجميع، ووجب مهر المثل. وأخذ القانون السوري (م ٥٤) برأي الشافعية والحنابلة. ونص المادة: ١ - لا حد لأقل المهر ولا لأكثره. ٢ - كل ما صلح التزامه شرعاً صلح أن يكون مهراً. ثالثاً - شروط المهر أو ما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح: يشترط في الصداق شروط ثلاثة (١): الأول - أن يكون مما يجوز تملكه وبيعه من العين (الذهب) والعروض ونحوها، فلا يجوز بخمر وخنزير وغيرهما مما لا يتملك. الثاني - أن يكون معلوماً: لأن الصداق عوض في حق معاوضة، فأشبه الثمن، فلايجوز بمجهول إلا في نكاح التفويض: وهو أن يسكت العاقدان عن تعيين الصداق حين العقد، ويفوض التعيين إلى أحدهما أو إلى غيرهما. ولا يجب عند المالكية و الحنفية خلافاً للشافعي وأحمد وصف العروض. وإن وقع على غير وصف فلها الوسط. الثالث - أن يسلم من الغرر: فلا يجوز فيه عبد آبق ولا بعير شارد وشبههما. وزاد الحنفية شرطاً رابعاً: وهو أن يكون النكاح صحيحاً، فلا تصح التسمية

стр. 6548

في النكاح الفاسد، فلا يلزم المسمى؛ لأن الفاسد ليس بنكاح، ويجب مهر المثل بالوطء. وبناء عليه وضع الفقهاء ضوابط لما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح: فقال الحنفية (١): المهر: هو كل مال متقوم معلوم مقدور على تسليمه. فيصح كون المهر ذهباً أو فضاً، مضروبة أو سبيكة، أي نقداً أو حلياً ونحوه، ديناً أوعيناً، ويصح كونه فلوساً أو أوراقاً نقدية، مكيلاً أو موزوناً، حيواناً أوعقاراً، أو عروضاً تجارية كالثياب وغيرها. - ويصح أيضاً كونه منفعة شخص أو عين يستحق في مقابلها المال، كسكنى الدار، وزراعة الأرض، وركوب السيارة ونحوها. - أما الزواج على أن يعلمها القرآن أو بعضه أو بعض أحكام الدين من حلال وحرام، فلا يصح عند متقدمي الحنفية، لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء:٢٤/ ٤] ولأن المسمى ليس بمال؛ لأن تعليم القرآن ونحوه من الطاعات قربة إلى الله تعالى، لا يصح الاستئجار عليها عند أئمة الحنفية الثلاثة، ولايصح أن يقابل التعليم بالمال، وحينئذ لا تصح التسمية، ويجب مهر المثل؛ لأنها منفعة لا تقابل بمال. وأفتى متأخرو الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القران وأحكام الدين، للحاجة إليه بسبب تغير الأحوال واشتغال الناس بشؤون المعيشة، فلا يتفرغ المعلم من غير أجر. وعليه يجوز جعل المهر تعليم القرآن أو أحكام الدين، ويدل له حديث سهل بن سعد، الذي جاء فيه أن النبي ﷺ زوج رجلاً بما معه من القرآن،

стр. 6549

فقال: «قد زوجتُكها بما معك من القرآن» (١) وفي رواية متفق عليها: «قد ملكتكها بما معك من القرآن». - ولا يصح كون المهر ما ليس مالاً متقوماً كأن يتزوج مسلم مسلمة على التراب أو الدم أو الخمر أو الخنزير؛ لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد، والخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم، ولا يصح زواج امرأة على طلاق امرأة أخرى أو على العفو عن القصاص؛ لأن الطلاق ليس بمال، وكذا القصاص. - ولا يصح نكاح الشغار: وهو أن يزوج الرجل أخته لآخر، على أن يزوجه الآخر أخته، أو يزوجه ابنته، هذه التسمية فاسدة؛ لأن كل واحد منهما جعل بُضْع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع ليس بمال، ففسدت التسمية، ووجب لكل واحدة منهما مهر المثل، والنكاح صحيح عندهم. وعند الجمهور: فاسد أو باطل؛ لما روي أنه ﷺ نهى عن نكاح الشغار. والنهي يوجب فساد المنهي عنه. ووجهة الحنفية: أن هذا الزواج مؤبد، أدخل فيه شرط فاسد، حيث شرط فيه أن يكون بُضْع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع لا يصلح مهراً، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة، كما إذا تزوج امرأة على أن يطلقها، وعلى أن ينقلها من منزلها ونحوه. أما النهي عن نكاح الشغار فهو الخالي عن العوض، وعندهم هو نكاح بعوض وهو مهر المثل، فلا يكون شغاراً. - ولو تزوج حر امرأة على أن يخدمها سنة، كرعي غنمها سنة، فالتسمية فاسدة، ولها مهر مثلها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن المنافع ليست بأموال متقومة عندهما، فلم تكن عندهما مضمونة بالغصب والإتلاف، وإنما يثبت لها التقوم إذا ورد العقد عليها، للضرورة، دفعاً للحاجة بها.

стр. 6550

وعند الشافعي وباقي الأئمة: التسمية صحيحة، وللمرأة خدمة سنة؛ لأن المبدأ عندهم: كل ما يجوز أخذ العوض عنه، يصح تسميته مهراً، ومنافع الحر يجوز أخذ العوض عنها؛ لأن إجارة الحر جائزة بلا خلاف فصح تسميتها، والمنافع عندهم أموال متقومة. - ويصح أن يتزوج الرجل امرأة على منافع الأعيان مدة معلومة، كما تقدم، مثل سكنى داره، وركوب دابته والحمل عليها، وزراعة أرضه ونحوها؛ لأن هذه المنافع أموال، أو التحقت بالأموال شرعاً في سائر العقود للحاجة. - ويصح الزواج على متقوم مجهول جهالة يسيرة؛ لأن المال غير مقصود في الزواج، فيتسامح فيه بما لا يتسامح في المعاوضات المالية، ولا يصح الزواج على ما هو مجهول جهالة فاحشة؛ لأنه يفضي إلى النزاع، وكل ما يفضي إلى المنازعة يفسد العقد. والفرق بين نوعي الجهالتين: أن الجهالة الفاحشة: ما كان الجنس أو النوع أو المقدار فيها مجهولاً، كأن يتزوج امرأة على حيوان أو دابة أو ثوب؛ لأن كل واحد منها جنس يدخل تحته أنواع مختلفة. أو يتزوج على قطن دون بيان نوعه، أو على دار دون بيان حجمها؛ لأن للقطن أنواعاً مختلفة، وتختلف الدارفي الصغر والكبر، والبلد والموقع، والهيئة والطريق. وأما الجهالة اليسيرة: ما كان المسمى معلوم الجنس والنوع، مجهول الصفة كطن حنطة أو قنطار قطن، دون بيان الوصف، فجهالة الوصف عند الحنفية والمالكية لا تضر؛ لأنها يسيرة، ويجب الوسط من النوع المعين أو قيمته من غير إجحاف بالزوجة أو الزوج؛ لأنه هو العدل لما فيه من مراعاة الجانبين. وقال الشافعية والحنابلة: جهالة الوصف تضر؛ لأنها تفضي إلى المنازعة كجهالة الجنس.
следующие страницы →