ذلك، لما روت أم حبيبة «أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي بأرض الحبشة … ولم يبعث لها رسول الله ﷺ بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم» (١)، وروت عائشة: «أن صداق النبي ﷺ على أزواجه خمسمائة درهم» (٢) والمستحب الاقتداء به ﵇، والتبرك بمتابعته.
وإن زاد الصداق على خمسمائة درهم فلا بأس، لما روت أم حبيبة في الحديث المتقدم: «أن النبي ﷺ تزوجها، وهي بأرض الحبشة، زوَّجها النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حَسَنة، فلم يبعث لها رسول الله ﷺ بشيء» ولو كره ذلك لأنكره.
ويكره ترك تسمية المهر في العقد؛ لأنه قد يؤدي إلى التنازع في فرضه.
ويستحب ألا ينقص عن عشرة دراهم، خروجاً من خلاف من قدر أقله بذلك.
مهر السر ومهر العلانية: إن تزوجها على صداقين: صداق في السر، وصداق في العلانية، فالواجب عند الشافعية والمالكية والحنفية، ما عقد به العقد؛ لأن الصداق يجب بالعقد، فوجب ما عقد به؛ ولأن إظهار العلانية ليس بعقد، ولا يتعلق به وجوب شيء.
ويؤخذ بالعلانية عند الحنابلة، وإن كان صداق السر قد انعقد به النكاح؛ لأنه إذا عقد في الظاهر عقد بعد عقد السر، فقد وجد منه بذل الزائد، على مهر السر، فيجب الزائد عليه، كما لو زادها على صداقها.
стр. 6547
اختلاف القبول عن الإيجاب: إن قال الولي: زوجتك ابنتي بألف، وقال الزوج: قبلت نكاحها بخمسمائة، وجب مهر المثل عند الشافعية؛ لأن الزوج لم يقبل بألف، والولي لم يوجب بخمسمائة، فسقط الجميع، ووجب مهر المثل.
وأخذ القانون السوري (م ٥٤) برأي الشافعية والحنابلة.
ونص المادة: ١ - لا حد لأقل المهر ولا لأكثره. ٢ - كل ما صلح التزامه شرعاً صلح أن يكون مهراً.
ثالثاً - شروط المهر أو ما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح: يشترط في الصداق شروط ثلاثة (١):
الأول - أن يكون مما يجوز تملكه وبيعه من العين (الذهب) والعروض ونحوها، فلا يجوز بخمر وخنزير وغيرهما مما لا يتملك.
الثاني - أن يكون معلوماً: لأن الصداق عوض في حق معاوضة، فأشبه الثمن، فلايجوز بمجهول إلا في نكاح التفويض: وهو أن يسكت العاقدان عن تعيين الصداق حين العقد، ويفوض التعيين إلى أحدهما أو إلى غيرهما. ولا يجب عند المالكية و الحنفية خلافاً للشافعي وأحمد وصف العروض. وإن وقع على غير وصف فلها الوسط.
الثالث - أن يسلم من الغرر: فلا يجوز فيه عبد آبق ولا بعير شارد وشبههما.
وزاد الحنفية شرطاً رابعاً: وهو أن يكون النكاح صحيحاً، فلا تصح التسمية
стр. 6548
في النكاح الفاسد، فلا يلزم المسمى؛ لأن الفاسد ليس بنكاح، ويجب مهر المثل بالوطء.
وبناء عليه وضع الفقهاء ضوابط لما يصلح أن يكون مهراً وما لا يصلح: فقال الحنفية (١): المهر: هو كل مال متقوم معلوم مقدور على تسليمه. فيصح كون المهر ذهباً أو فضاً، مضروبة أو سبيكة، أي نقداً أو حلياً ونحوه، ديناً أوعيناً، ويصح كونه فلوساً أو أوراقاً نقدية، مكيلاً أو موزوناً، حيواناً أوعقاراً، أو عروضاً تجارية كالثياب وغيرها.
- ويصح أيضاً كونه منفعة شخص أو عين يستحق في مقابلها المال، كسكنى الدار، وزراعة الأرض، وركوب السيارة ونحوها.
- أما الزواج على أن يعلمها القرآن أو بعضه أو بعض أحكام الدين من حلال وحرام، فلا يصح عند متقدمي الحنفية، لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء:٢٤/ ٤] ولأن المسمى ليس بمال؛ لأن تعليم القرآن ونحوه من الطاعات قربة إلى الله تعالى، لا يصح الاستئجار عليها عند أئمة الحنفية الثلاثة، ولايصح أن يقابل التعليم بالمال، وحينئذ لا تصح التسمية، ويجب مهر المثل؛ لأنها منفعة لا تقابل بمال.
وأفتى متأخرو الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القران وأحكام الدين، للحاجة إليه بسبب تغير الأحوال واشتغال الناس بشؤون المعيشة، فلا يتفرغ المعلم من غير أجر. وعليه يجوز جعل المهر تعليم القرآن أو أحكام الدين، ويدل له حديث سهل بن سعد، الذي جاء فيه أن النبي ﷺ زوج رجلاً بما معه من القرآن،
стр. 6549
فقال: «قد زوجتُكها بما معك من القرآن» (١) وفي رواية متفق عليها: «قد ملكتكها بما معك من القرآن».
- ولا يصح كون المهر ما ليس مالاً متقوماً كأن يتزوج مسلم مسلمة على التراب أو الدم أو الخمر أو الخنزير؛ لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد، والخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم، ولا يصح زواج امرأة على طلاق امرأة أخرى أو على العفو عن القصاص؛ لأن الطلاق ليس بمال، وكذا القصاص.
- ولا يصح نكاح الشغار: وهو أن يزوج الرجل أخته لآخر، على أن يزوجه الآخر أخته، أو يزوجه ابنته، هذه التسمية فاسدة؛ لأن كل واحد منهما جعل بُضْع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع ليس بمال، ففسدت التسمية، ووجب لكل واحدة منهما مهر المثل، والنكاح صحيح عندهم. وعند الجمهور: فاسد أو باطل؛ لما روي أنه ﷺ نهى عن نكاح الشغار. والنهي يوجب فساد المنهي عنه. ووجهة الحنفية: أن هذا الزواج مؤبد، أدخل فيه شرط فاسد، حيث شرط فيه أن يكون بُضْع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع لا يصلح مهراً، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة، كما إذا تزوج امرأة على أن يطلقها، وعلى أن ينقلها من منزلها ونحوه. أما النهي عن نكاح الشغار فهو الخالي عن العوض، وعندهم هو نكاح بعوض وهو مهر المثل، فلا يكون شغاراً.
- ولو تزوج حر امرأة على أن يخدمها سنة، كرعي غنمها سنة، فالتسمية فاسدة، ولها مهر مثلها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن المنافع ليست بأموال متقومة عندهما، فلم تكن عندهما مضمونة بالغصب والإتلاف، وإنما يثبت لها التقوم إذا ورد العقد عليها، للضرورة، دفعاً للحاجة بها.
стр. 6550
وعند الشافعي وباقي الأئمة: التسمية صحيحة، وللمرأة خدمة سنة؛ لأن المبدأ عندهم: كل ما يجوز أخذ العوض عنه، يصح تسميته مهراً، ومنافع الحر يجوز أخذ العوض عنها؛ لأن إجارة الحر جائزة بلا خلاف فصح تسميتها، والمنافع عندهم أموال متقومة.
- ويصح أن يتزوج الرجل امرأة على منافع الأعيان مدة معلومة، كما تقدم، مثل سكنى داره، وركوب دابته والحمل عليها، وزراعة أرضه ونحوها؛ لأن هذه المنافع أموال، أو التحقت بالأموال شرعاً في سائر العقود للحاجة.
- ويصح الزواج على متقوم مجهول جهالة يسيرة؛ لأن المال غير مقصود في الزواج، فيتسامح فيه بما لا يتسامح في المعاوضات المالية، ولا يصح الزواج على ما هو مجهول جهالة فاحشة؛ لأنه يفضي إلى النزاع، وكل ما يفضي إلى المنازعة يفسد العقد.
والفرق بين نوعي الجهالتين: أن الجهالة الفاحشة: ما كان الجنس أو النوع أو المقدار فيها مجهولاً، كأن يتزوج امرأة على حيوان أو دابة أو ثوب؛ لأن كل واحد منها جنس يدخل تحته أنواع مختلفة. أو يتزوج على قطن دون بيان نوعه، أو على دار دون بيان حجمها؛ لأن للقطن أنواعاً مختلفة، وتختلف الدارفي الصغر والكبر، والبلد والموقع، والهيئة والطريق.
وأما الجهالة اليسيرة: ما كان المسمى معلوم الجنس والنوع، مجهول الصفة كطن حنطة أو قنطار قطن، دون بيان الوصف، فجهالة الوصف عند الحنفية والمالكية لا تضر؛ لأنها يسيرة، ويجب الوسط من النوع المعين أو قيمته من غير إجحاف بالزوجة أو الزوج؛ لأنه هو العدل لما فيه من مراعاة الجانبين. وقال الشافعية والحنابلة: جهالة الوصف تضر؛ لأنها تفضي إلى المنازعة كجهالة الجنس.
стр. 6551
ضابط ما يصلح مهراً عند المالكية: قال المالكية (١): المهر: هو كل متموَّل شرعاً من عَرَض أو حيوان أو عقار، طاهر لا نجس إذ لا يقع به تقويم شرعاً، منتفع به شرعاً، إذ غير المنتفع به كآلة اللهو لا يقع به تقويم، مقدور على تسليمه للزوجة، معلوم قدراً وصنفاً وأجلاً.
فلا يصح كون المهر غير متمول: كقصاص وجب للزوج على زوجته، فتزوجها على تركه، فيفسخ قبل الدخول، فإن دخل وجب صداق المثل، ويرجع للدية. ومثل سمسرة كأن يتزوجها سمساراً في بيع سلعة لها.
ولا يصح على ما لا يملك شرعاً كخمر وخنزير ونجس كروث دابة.
ولا على غير مقدور على تسليمه كآبق، وما فيه غرر كجنين وثمرة لم يبد صلاحها على أن تبقى حتى تطيب. فإن شرط أخذها من هذا الوقت بالجداد (صِرَام النخل) جاز.
ولا على مجهول كشيء أو ثوب لم يعين نوعه، أو دنانير لم يبين قدرها، أو شيء لم يبين أجل تسليمه، أو فرس من أفراسه يختاره هو لا هي؛ لاحتمال اختياره الأدنى أوالأعلى. أما إذا كان الاختيار لها، على أنها لا تختار إلا الأحسن فيجوز، إذ لا غرر.
وجاز المهر الذي فيه جهالة يسيرة أو غرر يسير، لبناء الزواج على المكارمة والتسامح، كأن يتزوجها على مهر مثلها، أو على جهاز البيت المعلوم بينهم وهو ما يسمى: شَوْرة: أي متاع البيت، ويقع على الوسط، أي وسط ما يتناكح به الناس.
стр. 6552
وجاز المهر على عدد معلوم كعشرة من إبل وغنم، ويقع على الوسط، ويعتبر الوسط في السن وفي الجودة والرداءة.
ولا يجوز المهر على منفعة لا يستحق في مقابلها المال، فلا تصح مهراً، كأن يتزوجها ويجعل مهرها طلاق ضَرتها، أوألا يتزوج عليها، أو ألا يخرجها من بلدها، فإن كل منفعة من هذه المنافع لا تصلح أن تكون مهراً؛ لأنها لا تقابل بمال، ولا يجوز في المشهور عندهم كالحنفية النكاح على الإجارة كالخدمة وتعليم القرآن، وقيل: يجوز وفاقاً للشافعي وابن حنبل.
ضابط ما يصلح مهراً عند الشافعية والحنابلة (١):
قالوا: كل ما صح مبيعاً صح صداقاً، أو كل ما صح ثمناً أو أجرة، صح مهراً وإن قل، وهو كل متمول سواء أكان عيناً أم ديناً، معجلاً ومؤجلاً، عملاً ومنفعة معلومة، كرعاية غنمها مدة معلومة، وخياطة ثوبها، ورد آبقها من موضع معين، وخدمة مدة معينة، وتعليم القرآن أو شيء من الشعر المباح أو الأدب، أو تعليم كتابة أو صنعة وغيرها من المنافع المباحة، لقوله تعالى حكاية عن شعيب مع موسى ﵉: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حِجَج﴾ [القصص:٢٧/ ٢٨] ولأن الزواج عقد على المنفعة فجاز بما ذكر كالإجارة، ولأن منفعة الحر يجوز أخذ العوض عنها في الإجارة، فجازت صداقاً، وللحديث المتقدم: «قد زوجتكها بما معك من القرآن».
فإن طلقها قبل الدخول وقبل استيفاء المنفعة، فعليه نصف أجرة النفع الذي جعله صداقاً لها.
стр. 6553
والحاصل: أن المهر على أن يخدم الرجل المرأة بنفسه في البيت أو غيره لا يجوز عند الحنفية، ويجوز عند الشافعية، ويجوز عند الحنابلة لمدة معينة. ويصح أن يتزوج الرجل امرأة على عمل معلوم، كخياطة ثوب معين منه ومن غيره، فإن تلف الثوب قبل خياطته، فعليه أجرة المثل.
ولا يجوز أن يكون المهر شيئاً محرَّماً والزوجان مسلمان أو المرأة كتابية، مثل الخمر والخنزير والمغصوب، وتعليم التوراة أو الإنجيل أو شيء منهما، فإن تزوج الرجل بمحرَّم، صح النكاح ووجب مهر المثل لفساد التسمية، بانتفاء كون الخمر والخنزير مالاً، وانتفاء كون المغصوب ملكاً للزوج، ولأن المذكور من التوراة أو الإنجيل منسوخ مبدل محرم، فهو كما لو أصدقها محرماً.
ولا يصح كون المهر فيه غرر كالمعدوم والمجهول، ولا ما لا يتم تملكه له كالمبيع قبل القبض، ولا ما لا يقدر على تسليمه كالعبد الآبق والبعير الشارد والطير الطائر؛ لأنه عوض في عقد، فلا يجوز به كالعوض في البيع والإجارة. فإن تزوج على شيء منه لم يبطل النكاح؛ لأن فساده ليس بأكثر من عدمه أي عدم المهر، فإذا صح النكاح مع عدمه صح مع فساده، ويجب مهر المثل؛ لأنها لم ترض من غير بدل، ولم يسلم لها البدل، وتعذر رد المعوض، فوجب رد بدله، كما لو باع سلعة بمحرم وتلفت في يد المشتري.
وتضر الجهالة الفاحشة بأن كانت هناك جهالة في الجنس أو النوع أو المقدار أو الصفة، فإن أصدقها داراً غير معينة، أو دابة مبهمة، أو شيئاً لم يعينه ولم يصفه، أو أصدقها مجهولاً كمتاع بيته، وما يحكم به أحد الزوجين أو ما يحكم به زيد، أو ما يثمر شجره ونحوه، لم يصح. وإن أصدقها ما لا منفعة فيه كالحشرات، أو أصدقها ما لا يقدر على تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء، أو ما لا يتمول
стр. 6554
عادة كقشرة جوزة وحبة حنطة، لم يصح الإصداق للجهالة أو الغرر أو عدم التمول.
وجوب مهر المثل عند فساد المهر: يتبين مما سبق أن المهر إذا فسدت تسميته يجب مهر المثل باتفاق الفقهاء، ويفسد العقد أيضاً عند المالكية ويجب فسخ الزواج إلا إذا دخل الرجل بالمرأة، فإن دخل بها وجب مهر المثل. وقال الجمهور: إذا فسد المهر لا يفسد العقد، بل يكون صحيحاً، فإن حصلت الفرقة قبل الدخول، كان لها المتعة، وإن حصلت الفرقة بعد الدخول كان لها مهر المثل؛ لأن فساد المهر - كما تقدم - لا يزيد على عدم تسميته عند العقد، فإذا صح العقد مع عدم المهر، صح بفساد المهر؛ لأن ذكره كالعدم.
رابعاً - أنواع المهر وحالات وجوب كل نوع: المهر عند الفقهاء نوعان: مهر مسمى ومهر المثل (١):
أما المهر المسمى: فهو ما سمي في العقد أو بعده بالتراضي، بأن اتفق عليه صراحة في العقد، أو فرض للزوجة بعده بالتراضي، أو فرضه الحاكم، لعموم قوله تعالى: ﴿وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢].
ويعد من المهر المسمى في العقد: ما يقدمه الزوج عرفاً لزوجته قبل الزفاف أو بعده، كثياب الزفاف أو هدية الدخول أو بعده؛ لأن المعروف بين الناس كالمشروط في العقد لفظاً، ويجب إلحاقه بالعقد، ويلزم الزوج به إلا إذا شرط نفيه وقت العقد.
стр. 6555
ونص المالكية (١) على أن ما يهدى للمرأة قبل العقد أو حال العقد، يعد من المهر، ولو لم يشترط، وكذا ما أهدي إلى وليها قبل العقد، فلو طلقت قبل الدخول، كان للزوج أن يرجع بنصف ما أهداه، أما ما أهدي إلى الولي بعد العقد فيختص به، وليس للزوجة ولا للزوج أخذه منه.
وأما مهر المثل:
فقد حدده الحنفية: بأنه مهر امرأة تماثل الزوجة وقت العقد من جهة أبيها، لا أمها إن لم تكن من قوم أبيها، كأختها وعمتها وبنت عمها، في بلدها وعصرها. وتكون المماثلة في الصفات المرغوبة عادة: وهي المال والجمال والسن والعقل والدين؛ لأن الصداق يختلف باختلاف البلدان، وباختلاف المال والجمال والسن والعقل والدين، فيزداد مهر المرأة لزيادة مالها وجمالها وعقلها ودينها وحداثة سنها، فلا بد من المماثلة بين المرأتين في هذه الصفات، ليكون الواجب لها مهر مثل نسائها. فإن لم يوجد من تماثلها من جهة أبيها، اعتبر مهر المثل لامرأة تماثل أسرة أبيها في المنزلة الاجتماعية. فإن لم يوجد فالقول للزوج بيمينه؛ لأنه منكر للزيادة التي تدعيها المرأة.
ويشترط لثبوت مهر المثل: إخبار رجلين، وامرأتين، ولفظ الشهادة، فإن لم يوجد شهود عدول، فالقول للزوج بيمينه، لما ذكر.
و حدد الحنابلة مهر المثل: بأنه معتبر بمن يساويها من جميع أقاربها، من جهة أبيها وأمها، كأختها وعمتها، وبنت عمتها، وأمها، وخالتها وغيرهن القربى
стр. 6556
فالقربى، لحديث ابن مسعود السابق في المرأة المفوضة (١): «لها مهر نسائها» ولأن مطلق القرابة له أثر في الجملة، فإن لم يكن أقارب اعتبر شبهها بنساء بلدها، فإن عدمن اعتبر أقرب النساء شبهاً بهاً من أقرب البلاد إليها.
و حدد المالكية والشافعية مهر المثل: بأنه ما يرغب به مثله - أي الزوج - في مثلها - أي الزوجة - عادة.
ويعتبر مهر المثل عند الشافعية بمهر نساء العصبات، لحديث علقمة: قال: «أتي عبد الله - أي ابن مسعود - في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: أرى لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، فشهد مَعْقِل بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بردع بنة واشق بمثلما قضى» (٢)، وتعتبر بالأقرب فالأقرب منهن، وأقربهن الأخوات وبنات الإخوة والعمات وبنات الأعمام، فإن لم يكن لها نساء عصبات، اعتبر بأقرب النساء إليها من الأمهات والخالات؛ لأنهن أقرب إليها، فإن لم يكن لها أقارب، اعتبر بنساء بلدها، ثم بأقرب النساء شبهاً بها.
ويعتبر مهر المثل عند المالكية (٣) بأقارب الزوجة وحالها في حسبها ومالها وجمالها، مثل مهر الأخت الشقيقة أو لأب، لا الأم ولا العمة لأم أي أخت أبيها من أمه، فلا يعتبر صداق المثل بالنسبة إليهما؛ لأنهما قد يكونان من قوم آخرين.
стр. 6557
وتعتبر المساواة باتفاق المذاهب كما ذكر عند الحنفية: في التدين والمال والجمال والعقل والأدب والسن والبكارة والثيوبة والبلد والنسب والحسب: وهو ما يعد من مفاخر الآباء من كرم وعلم وحلم ونجدة وصلاح وإمارة ونحوها من كل ما يختلف لأجله الصداق.
وتلاحظ هذه الأوصاف في النكاح الصحيح يوم العقد، وفي النكاح الفاسد يوم الوطء؛ لأنه الوقت الذي يتقرر به صداق المثل، كوطء الشبهة، فإنه يجب صداق المثل فيه بحسب الأوصاف يوم الوطء.
قال الحنابلة: وإن كانت عادة أقاربها تخفيف المهر، لوحظ التخفيف، وإن كانت عادتهم تسمية مهر كثير لا يستوفونه قط، فوجوده كعدمه. وإن كانت عادتهم التأجيل فرض مؤجلاً؛ لأنه مهر نسائها، وإن لم يكن عادتهم التأجيل فرض حالاً؛ لأنه بدل متلف، فوجب أن يكون حالاً كقيم المتلفات. فإن اختلفت عادتهن في الحلول والتأجيل، أو اختلفت مهورهن قلة وكثرة، أخذ بالوسط منها؛ لأنه العدل، وأخذ بنقد البلد الحالي، فإن تعدد فمن غالبه؛ لأنه بدل متلف، فأشبه قيمة المتلفات.
حالات وجوب مهر المثل: يجب مهر المثل للزوجة في الأحوال التالية:
١ - نكاح التفويض: أن يكون العقد صحيحاً، ولكن بدون تسمية المهر، وتسمى المرأة مفوَّضة بكسر الواو أو فتحها، ففي حالة الكسر: ينسب التفويض إلى المرأة، أي فهي التي فوضت تقدير المهر إلى الزوج، وفي حالة الفتح: ينسب الفعل إلى الولي، فتكون المرأة قد فوض أمرها إلى الزوج، ويسمى العقد عقد تفويض.
стр. 6558
والتفويض عند الحنفية (١): أن يتزوج رجل امرأة دون أن يسمي لها مهراً، فالمفوضة: هي من فوضت أمرها لوليها وزوجها بلا مهر، أو هي من فوضها وليها إلى الزوج بلا مهر، كأن يقول الرجل لولي المرأة: زوجني فلانة، فيقول: قبلت، ولا يذكران مهراً، فإن دخل بها أو مات قبل تسمية المهر وجب لها مهر المثل، وإن طلقت قبل الدخول فلا شيء لها من المهر، وإنما يجب لها المتعة اتفاقاً.
والتفويض عند المالكية (٢): عقد بلا تسمية مهر، ولا دخول على إسقاطه، ولا تفويض الصداق لحكم أحد، فإن دخل الزوجان مع الاتفاق على إسقاطه، فليس من التفويض، بل نكاح فاسد. أو هو بعبارة أخرى: أن يسكت الطرفان عن تعيين الصداق حين العقد، ويفوض التعيين إلى أحدهما، أو إلى غيرهما، ثم لا يدخل بها حتى يتعين. فإن فرضه أحدهما بعد تفويض الآخر، لزمه، ويلزم المرأة إن فرض لها صداق المثل أو أكثر، أما إن فرض لها الأقل فلا تلزم به إلا برضاها.
وإن لم يرض الزوج، كان مخيراً بين أمور ثلاثة: إما أن يبذل صداق المثل، أو يرضى بفرضها، أو يطلق. فإن مات قبل الدخول وقبل الفرض، فلا صداق لها، ولها الميراث اتفاقاً. وإن طلقها قبل الدخول فلا نصف لها إلا إن كان قد فرض لها، فإن فرض لها صداق المثل أو ما رضيت به قبل الدخول تشطر المهر أي تنصف. وإن فوض الصداق لحكم أحد جاز أيضاً ويسمى نكاح تحكيم، وهو كنكاح التفويض: عقد زواج بلا تسمية مهر ولا دخول على إسقاطه.
والتفويض عند الشافعية (٣): هو كما عند الحنفية تفويض البُضْع، وهو الذي ينصرف الإطلاق إليه، وهو أن يزوج الأب ابنته المجبرة بغير صداق، أو تأذن
стр. 6559
المرأة لوليها أن يزوجها بغير صداق، سواء سكت عن المهر أوشرط نفيه، ولايصح تفويض غير رشيدة، وحكمه على الصحيح عنده أنه لا يجب لها المهر بالعقد؛ لأنه لو وجب لها المهر بالعقد، لتنصف بالطلاق، ويفرض لها ما يتفقان عليه، ومتى فرض لها المهر، صار المفروض كالمسمى في الاستقرار بالدخول والموت، والتنصف بالطلاق؛ لأنه مهر مفروض، فصار كالمفروض في العقد. وللمرأة قبل الدخول مطالبة الزوج بأن يفرض لها مهر، ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج، ويجوز فرض مؤجل في الأصح، وفوق مهر المثل، ولو امتنع من الفرض أوتنازعا فيه فرض القاضي مهر المثل. فإن لم يفرض لها مهر حتى طلقها، لم يجب لها شيء من المهر، كما قال المالكية، لقوله : ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] فدل على أنه إذا لم يفرض المهر لم يجب النصف.
وإن لم يفرض لها حتى وطئها استقر لها مهر المثل.
وإن مات الزوجان أو أحدهما قبل الفرض، وجب مهر المثل في الأظهر كما رجح النووي؛ لأن الموت كالوطء في تقرير المسمى، ولأن بَرْوَع بنت واشق نكحت بلا مهر، فمات زوجها قبل أن يفرض لها، فقضى لها رسول الله ﷺ بمهر نسائها وبالميراث (١).
والحاصل: أنه بالتفويض لا يجب شيء بنفس العقد، وإنما يجب مهر المثل بالوطء، ويتقرر مهر المثل بحال العقد في الأصح، ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج، ولا يصح فرض أجنبي من ماله في الأصح؛ لأنه خلاف ما يقتضيه العقد، وإن طلق قبل فرض ووطء فلا شطر، أي لا تأخذ نصف المهر، لمفهوم الآية، والأظهر وجوب مهر المثل بالموت قبل فرض مهر.
стр. 6560
والتفويض عند الحنابلة نوعان (١) كما يقول المالكية:
١ - تفويض البضع (٢): وهو الذي ينصرف الإطلاق إليه، وهو أن يزوج الأب ابنته المجبرة بغير صداق، أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بغير صداق، سواء سكت عند الصداق أم شرط نفيه، فيصح العقد، ويجب لها مهر المثل، لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] ولقضائه ﷺ في بروع بنت واشق، كما تقدم.
٢ - تفويض المهر: وهو أن يتزوجها على ما شاءت، أو على ماشاء الزوج أو الولي، أو على ما شاء أجنبي غير الزوجين، أو يقول الولي: زوجتكها على ما شئنا أو على حكمنا ونحوه، فالنكاح صحيح في جميع هذه الصور، ويجب مهر المثل؛ لأنها لم تأذن في تزويجها إلا على صداق، لكنه مجهول فقط.
ووجب مهر المثل في النوعين بالعقد؛ لأنها تملك المطالبة به، فكان واجباً كالمسمى، ولأنه لو لم يجب بالعقد لما استقر بالموت أو يجب بعد دخوله بها، فإن دخل الزوج بالمفوضة قبل الفرض استقر به مهر المثل.
فإن تراضى الزوجان المكلفان الرشيدان على فرض المهر، لزم ما اتفق عليه، وصار حكمه حكم المسمى في العقد، قليلاً كان أو كثيراً. وإن لم يتراضيا على شيء، فرض الحاكم بقدر مهر المثل، كما قال الشافعية.
وصار المفروض بالاتفاق أو بالقضاء كالمسمى في العقد، يتنصف بالطلاق قبل الدخول، ولا تجب المتعة معه، لعموم آية ﴿وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢].
стр. 6561
وإن مات أحد الزوجين قبل الدخول وقبل الفرض، ورثه صاحبه، وكان للمفوضة مهر المثل. وإن فارق الزوج المفوضة قبل الدخول بطلاق أو غيره لم يكن لها إلا المتعة، لعموم قوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قَدَره، وعلى المقتر قَدره﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] والأمر يقتضي الوجوب.
والخلاصة: إن نكاح التفويض يوجب مهر المثل بالاتفاق، والمتعة فقط، قبل الدخول ما لم يفرض مهر، ويستقر مهر المثل بالدخول، ويجب مهر المثل بالموت قبل الدخول وقبل فرض المهر في رأي الجمهور، وخالف المالكية فيه، فقالوا: لا يجب لها مهر بالموت.
٢ - الاتفاق على عدم المهر: كأن يتزوج رجل امرأة على ألا مهر لها، فتقبل، فيجب لها مهر المثل بالدخول أو بالموت عند الجمهور غير المالكية كما تقدم؛ لأن هذا الاتفاق باطل، واشتراط نفي المهر فاسد، والشرط الفاسد لا يفسد الزواج عند الحنفية، ونفي المهر لا يفسده أيضاً عند الشافعية والحنابلة.
وقال المالكية: إذا اتفق الزوجان على إسقاط المهر، فسد العقد، لكن يجب لها بالدخول مهر المثل. ولا يجب لها شيء بالطلاق أو موت أحدهما قبل الدخول.
٣ - التسمية غير الصحيحة للمهر: بأن يكون المسمى غير مال أصلاً كالميتة وحبة القمح وقطرة الماء ونحوها مما لا ينتفع به أصلاً، أو ينتفع به على نحو لا يعتد به. أو يكون المسمى مالاً غير متقوم أو مشتملاً على غرر كالخمر والخنزير بالنسبة للمسلم ولو كانت الزوجة كتابية، أو على شيء معجوز التسليم، كالطير في الهواء والمعادن في باطن الأرض. أو يكون المسمى مجهولاً جهالة فاحشة: وهي التي تفضي إلى النزاع، وهي عند الحنفية كما تقدم: جهالة الجنس أو النوع.
стр. 6562
يجب في هذه الحالات عند الجمهور مهر بالدخول أو بالموت قبل الدخول.
وقال المالكية (١): إذا سمي ما لا يصح مهراً، فسد العقد، ولا تستحق المرأة مهر المثل إلا بالدخول، أما إن فارقها قبل الدخول بالموت أو الطلاق، فلا يجب لها شيء كما ذكرت.
حالة وجوب المهر المسمى، وماذا يجب في الزواج الفاسد:
يجب المهر المسمى إذا كانت التسمية صحيحة، وكان العقد صحيحاً أيضاً، سواء أتمت التسمية في العقد أم بعده بالتراضي.
فإن كان الزواج فاسداً بسبب آخر غير فساد تسمية المهر كالزواج بلا شهود وكزواج المحلل والزواج المؤقت، وجب المهر بالدخول الحقيقي، لقوله ﷺ عن عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها، فلها المهر بما استحل من فرجها .. » (٢).
لكن ما هذا المهر الواجب؟ اختلفت الآراء الفقهية في تحديده (٣):
قال أبو حنيفة: للمرأة مهر المثل بالغاً ما بلغ؛ لأنه لا تلاحظ التسمية في حقها، فالتحقت التسمية بالعدم.
وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد): لها مهر مثلها لا يجاوز حصتها من المسمى، لرضاها بالمسمى.
стр. 6563
واتفق الحنفية على أن الواجب للمرأة في الوطء بشبهة أو في نكاح المتعة هو مهر المثل على ألا يزاد على المسمى، وكذا في نكاح الشغار: الواجب هو مهر المثل؛ لأن الزواج صحيح، فحكمه حكم أي زواج فسدت تسمية المهر فيه كما تقدم. والخلوة عندهم في الزواج الفاسد لا توجب الصداق.
وقال المالكية: الواجب في نكاح الشغار لمن دخل بها الأكثر من المسمى وصداق المثل، ويجب صداق المثل في كل زواج فسدت تسمية المهر فيه. أما إذا فسد العقد بسب آخر غير تسمية الصداق كزواج المحلل مثلاً، فيجب للمرأة المهر المسمى بالدخول، أما الوطء بشبهة فيوجب مهر المثل. ويجب الصداق المسمى لكل واحدة من الأختين إذا دخل بهما حال الجمع بينهما.
وقال الشافعية: المهر الواجب بالوطء هو مهر المثل، مهما بلغ؛ لأن الشرع جعل المهر للمرأة في الزواج الباطل بسبب الوطء، لا بسبب العقد، والوطء يوجب مهر المثل، ولأنه إذا فسدت التسمية لا يلتفت إليها، ويرجع إلى مهر المثل.
وقال الحنابلة: المهر الواجب في النكاح الفاسد بالدخول أو بالخلوة: هو المهر المسمى، لما وقع في بعض ألفاظ حديث عائشة المتقدم: «ولها الذي أعطاها بما أصاب منها» (١)، ولأن النكاح مع فساده ينعقد ويترتب عليه أكثر أحكام الصحيح، من وقوع الطلاق ولزوم عدة الوفاة بعد الموت ونحوهما، فلزم المسمى فيه كالصحيح. أما الوطء بشبهة فيوجب مهر المثل.
والخلاصة: يجب المهر للمنكوحة نكاحاً صحيحاً والموطوءة في نكاح فاسد، والموطوءة بشبهة، بغير خلاف، ويجب للمكرهة على الزنا، إلا أن الواجب في فساد الزواج عند المالكية والحنابلة: هو المسمى، وعند أبي حنيفة والشافعية هو مهر
стр. 6564
المثل، وعند الصاحبين: الأقل من المسمى ومهر المثل، واتفق الفقهاء على أن الوطء بشبهة يوجب مهر المثل؛ لأن الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن حد أو مهر.
وقال الحنفية (١): الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن حد أو مهر إلا في مسألتين:
الأولى - الصبي المراهق إذا تزوج امرأة بلا إذن وليه، ودخل بها، فرد أبوه نكاحها، فلا يجب على الصبي حد ولا عُقْر (مهر)، أما الحد فلأنه في حال الصبا، وأما المهر (العُقْر) فلأنها إنما زوجت نفسها منه مع علمها أن نكاحه لا ينفذ، فقد رضيت ببطلان حقها.
الثانية: من باع أمته، ووطئها قبل التسليم إلى المشتري، فلا حد عليه ولا مهر؛ لأنه من شبهة المحل، لكونها في ضمانه ويده، إذ لو هلكت عادت إلى ملكه، والخراج بالضمان (الغنم بالغرم) فلو وجب عليه المهر استحقه.
خامساً - صاحب الحق في المهر: هناك حقوق ثلاثة في حالة الابتداء تتعلق بالمهر، وحق واحد يتعلق بالمهر حالة البقاء. والمقصود بالابتداء: ابتداء عقد الزواج، وبالبقاء: بقاء أو استمرار الزواج.
أما الحقوق المتعلقة بالمهر حالة الابتداء: فهي حق الله و حق الزوجة و حق الأولياء.
стр. 6565
أما حق الله تعالى: فهو وجوب المهر أثراً للعقد، بحيث لا يخلو عنه، ولا يقل عن عشرة دراهم عند الحنفية، وربع دينار أو ثلاثة دراهم عند المالكية، ولا حد لأقله عند الشافعية والحنابلة، فلو انعقد الزواج بدون مهر وجب مهر المثل بحكم الشرع بالدخول. وإن لم يدخل بها، كان مخيراً عند المالكية بين إتمام المهر وبين الفسخ، فإن فسخ وجب للمرأة نصف المسمى.
وأما حق الزوجة: فهو ثبوت ملكها للمهر بالقبض، وألا يقل عن مهر مثلها، فلو زوجها بأقل من مهر مثلها وكانت رشيدة عند الحنفية، وغير مجبرة عند المالكية، فلها حق الاعتراض على هذا الزواج ويبطل تزويج الأب البنت البكر بدون مهر المثل. أما المجبرة أو عديمة الأهلية أو ناقصتها كالصغيرة والمجنونة: فإن كان المزوج لها الأب فليس لها الاعتراض عند المالكية والحنابلة؛ لأن للأب تزويج ابنته البكر بدون صداق مثلها وإن كان المزوج لها غير الأب من الأولياء، فلا يزوجها إلا بمهر المثل. وأثبت الشافعية للمرأة مطلقاً حق الاعتراض إن زوجها وليها بأقل من مهر المثل (١).
وأما حق الأولياء: فهو عند أبي حنيفة ألا يقل المهر عن مهر المثل، فلو زوجت البكر البالغة العاقلة نفسها بأقل من مهر مثلها، كان لوليها العاصب عنده أن يعترض على هذا العقد ويطلب فسخه؛ لأن الأولياء يعيرون بأقل من مهر المثل، ورضا المرأة بإسقاط حقها لا يسقط حق وليها، فإن أتم الزوج مهر مثلها، لزم العقد وسقط حق الفسخ.
وأما ما يتعلق بالمهر حالة البقاء: فهو حق المرأة، فيكون ملكاً خالصاً لها لا
стр. 6566
يشاركها فيه أحد، فلها أن تتصرف فيه، كما تتصرف في سائر أموالها متى كانت أهلاً للتصرف، فلها حق إبراء الزوج منه أو هبته له.
اشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه: بناء عليه، قال الشافعية (١): لو نكح رجل امرأة بألف، على أن لأبيها ألفاً أو أن يعطيه الزوج ألفاً، فالمذهب فساد الصداق في الصورتين؛ لأنه جعل بعض ما التزمه في مقابل البضع لغير الزوجة، ووجوب مهر المثل فيهما لفساد المسمى.
ولكن الحنابلة (٢) قالوا: يجوز لأبي المرأة الذي يصح تملكه دون سواه أن يشترط شيئاً من صداق ابنته لنفسه؛ لأن شعيباً زوَّج موسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ابنته على رعاية غنمه، واشتراط ذلك لنفسه، ولأن للوالد الأخذ من مال ولده، لقوله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» ولقوله ﷺ : «إن أطيب ماأكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» (٣). ويكون الأخذ أخذاً من مالها، فإذا تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صح الاتفاق، وكان الكل مهرها، ولا يملكه الأب إلا بالقبض مع النية لتملكه، كسائر مالها، وشرطه ألا يجحف بمال البنت. فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألفين، ولم يكن على الأب شيء مما أخذه من مال إن قبضه بنية التملك؛ لأنه أخذه من مال ابنته، فلا رجوع عليه بشيء منه كسائر مالها. وإن طلقها الزوج قبل قبض الصداق المسمى، سقط عن الزوج نصف المسمى، ويبقى النصف للزوجة، يأخذ الأب من النصف الباقي لها ما شاء بشرط ألا يجحف بمال البنت.
стр. 6567
وإن فعل ذلك أي اشتراط الصداق أو بعضه غير الأب كالجد والأخ والأب الذي لا يصح تملكه، صحت التسمية ولغا الشرط، والكل لها؛ لأن جميع ما اشترطه عوض في تزويجها، فيكون صداقاً لها، كما لو جعله لها.
سادساً - تعجيل المهر وتأجيله: أجاز الفقهاء تأجيل المهر، فقال الحنفية (١): يصح كون المهر معجلاً أو مؤجلاً كله أو بعضه إلى أجل قريب أو بعيد أو أقرب الأجلين: الطلاق أو الوفاة، عملاً بالعرف والعادة في كل البلدان الإسلامية، ولكن بشرط ألا يشتمل التأجيل على جهالة فاحشة، بأن قال: تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة، أو هبوب الرياح، أوإلى أن تمطر السماء، فلا يصح التأجيل، لتفاحش الجهالة.
وإذا اتفق صراحة على تقسيط المهر، عمل به؛ لأن الاتفاق من قبيل الصريح، والعرف من قبيل الدلالة، والصريح أقوى من الدلالة.
وإذا لم يتفق على تعجيل المهر أو تأجيله، عمل بعرف البلد؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
وإذا لم يكن هناك عرف بالتعجيل أو التأجيل، استحق المهر حالاً؛ لأن حكم المسكوت حكم المعجل؛ لأن الأصل أن المهر يجب بتمام العقد، لأنه أثر من آثاره، فإذا لم يؤجل صراحة أو عرفاً عمل بالأصل؛ لأن هذا عقد معاوضة، فيقتضي المساواة من الجانبين.
وأجاز الشافعية والحنابلة (٢) تأجيل المهر كله أو بعضه لأجل معلوم؛ لأنه
стр. 6568
عوض في معاوضة. فإن أطلق ذكره اقتضى الحلول، وإن أجل لأجل مجهول كقدوم زيد ومجيء المطر ونحوه لم يصح؛ لأنه مجهول، وإن أجل ولم يذكر الأجل، فالمهر عند الحنابلة صحيح ومحله الفرقة أو الموت، وعند الشافعية: المهر فاسد ولها مهر المثل.
وفصّل المالكية (١) في حكم التأجيل فقالوا: إن كان المهر معينا حاضراً في البلد كالدار والثوب والحيوان، وجب تسليمه للمرأة أو وليها يوم العقد، ولا يجوز تأخيره في العقد، ولو رضيت بالتأخير، فإن اشترط التأجيل في العقد، فسد العقد، إلا إذا كان الأجل قريباً كاليومين والخمسة. ويجوز للمرأة التأجيل من غير شرط، ويكون تعجيله من حقها.
وإن كان المهر العين غائباً عن بلد العقد، صح النكاح إن أجل قبضه بأجل قريب بحيث لا يتغير فيه غالباً، وإلا فسد النكاح.
وإن كان المهر غير معين كالنقود والمكيل والموزون غير المعين، فيجوز تأجيله كله أو بعضه، ويجوز التأجيل إلى الدخول إن علم وقته كالحصاد أو الصيف أو قطاف الثمر، والتأجيل إلى الميسرة إذا كان الزوج غنياً، بأن كان له سلعة ينتظر قبض ثمنها، أو له أجر في وظيفة، فإن كان فقيراً لم يصح العقد، ويجوز التأجيل إلى أن تطلبه المرأة منه، فهو كتأجيله للميسرة.
وعليه يشترط لجوزا التأجيل شرطان:
الأول - أن يكون الأجل معلوما ً: فإن كان مجهولاً كالتأجيل للموت أو الفراق فسد العقد، ووجب فسخه، إلا إذا دخل الرجل بالمرأة، فيجب حينئذٍ مهر المثل.
الثاني - ألا يكون الأجل بعيداً جداً كخمسين سنة فأكثر، لأنه مظنة إسقاط الصداق، والدخول على إسقاط الصداق مفسد للزواج.
وأخذ القانون السوري بمذهب الحنفية، فنص على ما يلي:
(م ٥٥): يجوز تعجيل المهر أو تأجيله كلاً أو بعضاً، وعند عدم النص يتبع العرف.
(م ٥٦): التأجيل في المهر ينصرف إلى حين البينونة أو الوفاة، ما لم ينص في العقد على أجل آخر.
حكم إعسار الزوج بالمهر:
إذا عجز الزوج عن دفع معجل المهر، لم يكن للزوجة عند الحنفية وفي الأصح عند الحنابلة (٢) الحق في طلب فسخ الزواج بأي حال، سواء أكان ذلك قبل الدخول أم بعده، وإنما لها الحق في منع نفسها من الزوج، وعدم التقيد بإذنه في الخروج لزيارة أهلها، والسفر معه، ونحوهما.
وقال المالكية والشافعية (٣): للزوجة الحق في طلب الفسخ حينئذ، والصحيح عند الشافعية أن لها فسخ الزواج قبل الدخول وبعده، وعند المالكية قبل الدخول لا بعده.
وذكر الحنفية (٤) أنه إن اشترط تأجيل المهر كله مدة معينة كسنة، فإن اشترط الزوج الدخول
قبل حلول الأجل، فليس للزوجة الحق في الامتناع، وإن لم
стр. 6569
يشترط الدخول، فليس لها الامتناع أيضاً عند أبي حنيفة؛ لأنها لما رضيت بتأجيل المهر كله، كان ذلك رضا منها بإسقاط حقها في تعجيل المهر.
وقال أيو بوسف: للزوجة أن تمنع نفسها حتى يحل أجل تسليم المهر؛ لأن الزوج رضي بإسقاط حقه بالاستمتاع. والفتوى استحساناً على هذا القول.
ضمان الولي المهر:
يرى الحنفية (١) أنه إذا ضمن ولي الزوجة أو وكيلها المهر لها، صح ضمانه؛ لأنه من أهل الالتزام، والولي والوكيل في النكاح سفير ومعبر، ولذا ترجع حقوق العقد إلى الأصيل، وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو وليها، كسائر الكفالات. ويرج الولي إذا أدى على الزوج إن كان الضمان بأمره، كما هو المقرر في الكفالة.
سابعاً - قبض المهر وما يترتب عليه: قبض المهر حق خالص للزوجة كما بينا، فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض مهرها المعجل كله، على الخلاف والتفصل الآتي:
قال الحنفية (٢): للمرأة قبل دخول الزوج بها أن تمنع الزوج عن الدخول أو عن الانتقال إلى بيته حتى يعطيها جميع المهر المعجل بأن تزوجها على صداق عاجل، أو كان مسكوتاً عن التعجيل والتأجيل؛ لأن حكم المسكوت حكم المعجل، ثم تسلم نفسها إلى زوجها، وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها؛ لأن المهر عوض عن بُضْعها، كالثمن عوض عن المبيع، وللبائع حق حبس المبيع
لاستيفاء الثمن، فكان للمرأة حق حبس نفسها لاستيفاء المهر. وإن استوفت معجل المهر بتمامه سقط حقها في منع نفسها منه.
أما إذا دخل الزوج بها أو خلا بها، برضاها، وهي مكلفة (بالغة عاقلة) فلها أيضاً في رأي أبي حنيفة أن تمنع نفسها من الاستمتاع بها حتى تأخذ المهر، ولها أن تمنعه أن يخرجها من بلدها؛ لأن المهر مقابل بجميع ما يستوفى من منافع البُضْع في جميع أنواع الاستمتاع التي توجد في هذا الملك.
ويكون رضاها بالدخول أو بالخلوة قبل قبض معجل مهرها إسقاطاً لحقها في منع نفسها في الماضي، وليس لحقها في المستقبل. وهذا هو الراجح عند الحنفية، فللمرأة منع نفسها من الوطء ودواعيه، ومن السفر بها، ولو بعد وطء وخلوة رضيتهما؛ لأن كل وطأة معقود عليها، فتسليم البعض لا يوجب تسليم الباقي.
وفي رأي الصاحبين: ليس لها أن تمنع نفسها، لأنها بالوطء مرة واحدة أو بالخلوة الصحيحة، سلمت جميع المعقود عليه برضاها، وهي من أهل التسليم، فبطل حقها في المنع، كالبائع إذا سلم المبيع، فرضاها بالوطء إسقاط لحقها في طلب المهر قبل الدخول، فيسقط حقها في الامتناع، فإذا امتنعت كانت ناشزة، فيسقط حقها في النفقة.
ووافق المالكية (٣) الصاحبين، فقالوا: للمرأة ولو كانت معيبة بعيب رضي به منع نفسها من الدخول ومن الاختلاء بها ومن السفر مع زوجها قبل الدخول حتى يسلم لها زوجها المهر المعين أو الصداق المعجل، أو المؤجل الذي حل أجل تسليمه. أما إن سلمت نفسها له قبل القبض بعد الوطء أو التمكين منه، فليس لها منع نفسها بعدئذ من وطء ولا سفر معه، سواء أكان موسراً أم معسراً، وإنما لها المطالبة به فقط ورفعه للحاكم كالمدين.
стр. 6570
ووافق الحنابلة والشافعية (١) أيضاً رأي الصاحبين، أما الحنابلة فوافقوا في الدخول والخلوة، وأما الشافعية فوافقوا في الدخول.
قال الشافعية: للمرأة ولو كانت مفوضة حبس نفسها لتقبض المهر المعين والحالّ، لا المؤجل (٢)، فلو حل الأجل قبل تسليم نفسها للزوج، فلا حبس في الأصح، لوجوب تسليمها نفسها قبل الحلول، فلا يرتفع الوجوب لحلول الحق. ولو بادرت الزوجة فمكنت الزوج من نفسها، طالبته بالمهر؛ لأنها بذلت ما في وسعها، فإن لم يطأ، أي ولو خلا بها، جاز لها الامتناع من تمكينه حتى يسلم المهر؛ لأن القبض في النكاح بالوطء دون التسليم. وإن وطئها بتمكينها منه مختارة مكلفة، ولو في الدبر، فلا يحق لها الامتناع، كما لو تبرع البائع بتسليم المبيع، ليس له استرداده ليحبسه. أما إذا وطئت مكرهة أو غير مكلفة لصغر أو جنون فلها الامتناع، لعدم الاعتداد بتسليمها.
وإن بادر الزوج، فسلَّم المهر، وجب على الزوجة تسليم نفسها، فإن امتنعت الزوجة من تمكين زوجها بلا عذر منها، لم يسترد المهر منها على الراجح؛ لأنه تبرع بالمبادرة، فكان كتعجيل الدين المؤجل، لا يسترد.
وعبارة الحنابلة: للمرأة منع نفسها قبل الدخول حتى تقبض مهرها الحالّ كله أو الحالّ منه، ولها المطالبة بحالّ مهرها ولو لم تصلح للاستمتاع لصغر أو نحوه.
فإن وطئها الزوج مكرهة قبل دفع الحالّ من صداقها، لم يسقط به حقها من الامتناع، كما قال الشافعية؛ لأن وطأها مكرهة كعدمه.
стр. 6571
وإذا جاز لها منع نفسها فلها السفر بغير إذنه، ولها النفقة زمن المنع إن صلحت للاستمتاع، ولو كان معسراً بالصداق؛ لأن الحبس من قبله.
وإن كان الصداق مؤجلاً، لم تملك منع نفسها حتى تقبضه؛ لأنها لا تملك الطلب به. ولو حلّ المهر قبل الدخول، فليس لها منع نفسها، كما قال الشافعية؛ لأن التسليم قد وجب عليها، فاستقر قبل قبضه، فلم يكن لها أن تمتنع منه.
وإن تبرعت الزوجة بتسليم نفسها، ثم أرادت الامتناع بعد دخول أو خلوة، لم تملكه؛ لأن التسليم استقر به العوض برضا المسلِّم. فإن امتنعت بعد أن سلمت نفسها، فلا نفقة لها؛ لأنها ناشز.
وبحث الشافعية والحنابلة مسألة مهمة: هي أنه لو أبى كل من الزوجين التسليم الواجب عليه، فقال كل منهما: لا أسلم حتى تسلِّم، فالأظهر عند الشافعية أنهما يجبران، فيؤمر الزوج بوضع المهر عند عدل - شخص ثالث محايد - وتؤمر الزوجة بالتمكين، فإذا سلمت أعطاها العدل المهر، لمافيه من فصل الخصومة. وقال الحنابلة: يجبر الزوج على تسليم الصداق، ثم تجبر الزوجة على تسليم نفسها؛ لأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع (محل المتعة).
والخلاصة: اتفق الفقهاء على أحقية المرأة بمنع نفسها قبل الدخول حتى تقبض مهرها المعجل، وليس لها الحق بالنسبة للمؤجل. واختلفوا على رأيين في منع نفسها بعد الدخول، فقال أبو حنيفة: لها الحق بالمنع، وقال الجمهور: ليس لها الحق. والخلوة أو التمكين من الوطء كالوطء عند غير الشافعية.
قابض المهر: المرأة الرشيدة هي التي تقبض المهر وتتصرف فيه، لكن أقرت
стр. 6572
الشريعة عملاً بالعرف والعادة للولي إذا كان أباً أو جداً قبل المهر، ويكون قبضه نافذاً عليها، إلا إذا منعته من القبض. ونص القانون السوري (م ٦٠) عليه:
ينفذ على البكر ولو كانت كاملة الأهلية قبض وليها لمهرها إن كان أباً أو جداً عصبياً، ما لم تنه الزوج عن الدفع إليه. ثم عدلت هذه المادة سنة (١٩٧٥) على النحو التالي: المهر حق للزوجة ولا تبرأ ذمة الزوج منه إلا بدفعه إليها بالذات، إن كانت كاملة الأهلية، ما لم توكل في وثيقة العقد وكيلاً خاصاً بقبضه.
فإن كانت المرأة غير رشيدة كالصغيرة والمحجور عليها لسفه أو جنون أو غفلة، فولي مالها يتولى قبض المهر، وولي المال عند الحنفية أحد الستة: الأب ثم وصيه، ثم الجد ثم وصيه، ثم القاضي ثم وصيه.
وقال المالكية (١): ولي الزوجة المجبر (وهو الأب ووصيه): هو الذي يتولى قبض المهر، فإن لم يكن لها ولي مجبر وكانت رشيدة، فهي التي تتولى قبض مهرها، أو يقبضه لها بتوكيل منها. وإن كانت سفيهة تولى ولي مالها قبض مهرها، فإن لم يكن لها ولي فالقاضي أو نائبه يقبض مهرها.
والظاهر عند الشافعية والحنابلة: أن المرأة الرشيدة هي التي تقبض مهرها؛ فإن كانت غير رشيدة قبض وليها المهر بالنيابة عنها.
التصرف في المهر: اتفق الفقهاء على أن للمرأة الرشيدة أن تتصرف في مهرها بما تشاء بيعاً أو هبة ونحوهما، وتصرفها نافذ؛ لأن المهر ملكها فتتصرف فيه كما تتصرف في سائر أملاكها.
стр. 6573
ثامناً - الزيادة أو الحط من المهر: قد تحدث زيادة في المهر أو حط منه بعد العقد، والمقصود ب الزيادة في المهر: أن يضاف إليه شيء بعد تمام العقد. وأما النقص أوالحط من المهر: فهو إنقاص جزء من المهر أو إسقاط كله بعد تمام العقد.
أما الزيادة في المهر:
فقال الحنفية (١): إذا زاد الزوج الرشيد أو ولي الصغير (الأب أو الجد) على المهر المسمى شيئاً بعد تمام العقد وتراضي الطرفين على المهر، لزمت الزيادة بالوطء أو بالموت عن الزوجة، وتصبح جزءاً من أصل المهر، وتتأكد بالدخول أو الموت، وتتنصف عند الجمهور غير الحنفية بالطلاق قبل الدخول كأصل المهر، وتبطل بموت الزوج أو تفليسه قبل قبضها عند المالكية؛ لأنها كالهبة، والهبة تبطل بالموت والإفلاس قبل القبض.
ولا تلزم هذه الزيادة إلا بالشروط الآتية التي أبانها الحنفية وهي أربعة:
١ - أن يكون الزوج رشيداً: لأن الزيادة على المسمى تبرع، فلا تصح إلا من أهل التبرع.
٢ - أن تكون الزيادة معلومة: فلو كانت مجهولة بأن قال: زدت، في مهرك، ولم يعين شيئاً، لم تصح الزيادة للجهالة.
٣ - أن تأتي الزيادة في حال بقاء الزوجية حقيقة أي أثناء الزواج، أوحكماً أي أثناء العدة من الطلاق الرجعي. وتصح الزيادة أيضاً في رواية عن أبي حنيفة
стр. 6574
بعد موت الزوجة، أو بعد الطلاق البائن وانقضاء العدة في الطلاق الرجعي، والظاهر عدم صحة هذه الزيادة.
٤ - قبول الزوجة أو قبول ولي الصغيرة أو المجنونة في المجلس الذي حدثت فيه؛ لأن هذه الزيادة هبة، فلا بد لها من القبول في مجلس الإيجاب.
ويتفق رأي الحنابلة مع رأي الحنفية في أن الزيادة في الصداق بعد العقد تلحق به. وقال الشافعي: لا تلحق الزيادة بالعقد، فإن زادها فهي هبة تفتقر إلى شروط الهبة، وإن طلقها بعد هبتها لم يرجع بشيء من الزيادة؛ لأن الزوج ملك البضع بالمسمى في العقد، فلم يحصل بالزيادة شيء من المعقود عليه، فلا تكون عوضاً في النكاح، كما لو وهبها شيئاً (١).
واستدل الحنابلة بقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾ [النساء:٢٤/ ٤] ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر، فكان حالة الزيادة كحالة العقد، وبهذا فارق الزواج البيع والإجارة.
وأما الحط من المهر والإبراء عنه:
فرأي الحنفية (٢): أنه يصح للزوجة الرشيدة غير المريضة مرض الموت دون أبيها الحط من المهر كله أوبعضه عن الزوج بعد تمام العقد، سواء قبل أم لا، لكنه يرتد بالرد. أما أبوها فلا يصح الحط منه إذا كانت صغيرة، ويتوقف الحط على إجازتها إن كانت كبيرة، ولا بد من رضاها.
لكن فرق الحنفية بين الإبراء والهبة في الحط من المهر، فقالوا: الإبراء لا
стр. 6575
يكون إلا في دين ثابت في الذمة كالنقود، والمكيلات والموزونات غير المتعينة؛ لأن الديون تتعلق بالذمة، والتنازل عنها يكون بالإبراء. ولا يشترط لصحته قبول الزواج، وإنما يكفي عدم الرد كهبة الدين ممن عليه الدين، فقد يردُّ الإبراء دفعاً للمنة؛ لأن الحط من المهر ليس تمليكاً على وجه الهبة الصريحة، وإنما هو إسقاط وإبراء للزوج. أما إذا ورد الإبراء على عين، فلا يسقط شيء من المهر، بل يصير أمانة في يد الزوج، ويسقط عنه الضمان إذا هلك؛ لأن الإبراء ليس من الألفاظ الصريحة في تمليك الأعيان، فيحمل على نفي الضمان.
لكن إذا قصدت الزوجة بالإبراء إعفاء الزوج مما عليه كله أو بعضه، ففي الوقت الحاضر الذي لا يميز فيه الناس بين المصطلحات الفقهية يمكن جعل الإبراء تمليكاً، ويكون حكمه حكم الهبة.
وأما الهبة: فتصح سواء أكان المهر ديناً، أم عيناً كالدار المعينة والحيوان أو الثوب المعين، وسواء قبل القبض أم بعده. ولا بد حينئذ من قبول الزوج في المجلس، ولا يكتفى بسكوته عن القبول أو الرد.
ورأى المالكية (١): أنه إذا وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها قبل الدخول لم يرجع عليها بشيء.
وذهب الشافعية (٢) إلى أنه ليس للولي عفو عن صداق موليته، على الجديد، كسائر ديونها، إذ لم يبق للولي بعد العقد عُقدة، أي كلام. وإذا أبرأت المرأة زوجها من المهر، ثم طلقها قبل الدخول، لم يرجع عليها بشيء على المذهب، كما قال الشافعية في الهبة؛ لأنها لم تأخذ منه مالاً، ولم تتحصل منه على شيء، وهو
стр. 6576
بخلاف هبة العين، فإنها لو وهبت زوجها المهر المعين كدار معينة أو حيوان معين، رجع عليها بنصف الصداق إذا طلقها قبل الدخول.
وقرر الحنابلة (١): أنه لا عفو لأب وغيره عن مهر محجورة؛ لأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج. وإذا عفت المرأة لصاحبها عن مهرها، وهي جائزة التصرف، برئ منه، سواء بلفظ عفو أو بلفظ إسقاط، وصدقة، وترك، وإبراء لمن العين في يده.
ولو أبرأت مفوضة زوجها، ثم طلقت قبل الدخول، رجع بنصف مهر المثل.
وأخذ القانون السوري بمذهب الحنفية في جواز الزيادة والنقصان من المهر، إذا حدثت الزيادة من الزوج والحط من الزوجة إذا كان كل منهما كامل الأهلية، ويعد ذلك برضا الطرفين ملحقاً بأصل العقد. نصت المادة (٥٧) على ما ذكر بقولها: «للزوج الزيادة في المهر بعد العقد، وللمرأة الحط منه إذا كانا كاملي أهلية التصرف، ويلحق ذلك بأصل العقد إذا قبل الآخر».
ثم عدلت هذه المادة سنة (١٩٧٥) على النحو التالي:
«لا يعتد بأي زيادة أو إنقاص من المهر، أو إبراء منه إذا وقعت أثناء قيام الزوجية، أوفي عدة الطلاق، وتعتبر باطلة ما لم تجر أمام القاضي، ويلتحق أي من هذه التصرفات الجارية أمام القاضي بأصل العقد إذا قبل به الزوج الآخر».
تاسعاً - أحوال وجوب المهر وتأكده وتنصيفه وسقوطه:
وجوب المهر: اتفق الفقهاء (٢) على أن المهر يجب بنفس العقد إن كان الزواج
стр. 6577
صحيحاً، والواجب هو المسمى إن كانت التسمية صحيحة، ومهر المثل إن لم تكن هناك تسمية، أو كانت التسمية فاسدة، أو كان هناك اتفاق على نفي المهر.
وعبر الجمهور غير الحنفية عنه بقولهم: تملك المرأة المسمى بالعقد إن كان صحيحاً، إلا أن المالكية رأوا أنه على المذهب تملك النصف بالعقد.
وإذا كان عقد الزواج فاسداً، أو الوطء بشبهة كالمزفوفة إليه امرأة غير زوجته، وقال له النساء: إنها زوجتك، وجب المهر أي مهر المثل بالدخول الحقيقي أي الوطء، وجوباً مؤكداً لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
تأكد المهر:
اتفق الفقهاء على أنه يتأكد وجوب المهر في العقد الصحيح بالدخول أو الموت، سواء أكان المهر مسمى أم مهر المثل، حتى لا يسقط شيء بعدئذ إلا بالإبراء من صاحب الحق.
واختلفوا في تأكده بأمرين: الخلوة الصحيحة، وإقامة الزوجة سنة بعد الزفاف بلا وطء.
قال الحنفية والحنابلة: يتأكد المهر أيضاً بالخلوة الصحيحة، وخالفهم المالكية والشافعية فيه.
وقال المالكية خلافاً لغيرهم وهم الجمهور: يتقرر أي يثبت ويتحقق المهر بإقامة الزوجة سنة بعد الزفاف بلا وطء.
وأضاف الحنابلة أن المهر يتأكد أيضاً بطلاق الفرار قبل الدخول في مرض الموت (١).
стр. 6578
وتوضيح الكلام في كل واحد من هذه الأسباب فيما يأتي:
١ - الدخول الحقيقي: هو الوطء أو الاتصال الجنسي ولو كان حراماً في القبل أو في الدبر بتغييب حشفة أو قدرها من مقطوعها، أو في حالة الحيض أو النفاس أو الإحرام أو الصوم أو الاعتكاف. يتأكد به وجوب المهر أو يستقر على الزوج، لاستيفاء مقابله، فإن الزوج استوفى حقه بالدخول، فيتقرر حق الزوجة في المهر جميعه، سواء أكان مسمى في العقد، أم فرض بعده بالتراضي أو بقضاء القاضي، ولقوله : ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء:٢١/ ٤] وفسر الإفضاء بالجماع.
ويترتب على استقرار المهر بالدخول: أنه لا يسقط شيء منه بعدئذ إلا بالأداء لصاحبه، أو بالإبراء من صاحب الحق.
٢ - موت أحد الزوجين قبل الدخول في نكاح صحيح بالاتفاق، وقبل الخلوة الصحيحة عند الحنفية والحنابلة. فإذا مات أحد الزوجين قبل الوطء في نكاح صحيح، استحقت المرأة المهر كله باتفاق الفقهاء إذا كان النكاح نكاح تسمية، أي كان المهر مسمى في العقد؛ لأن العقد لا ينفسخ بالموت، وإنما ينتهي به، لانتهاء أمده وهو العمر، فتتقرر جميع أحكامه بانتهائه، ومنها المهر. ولإجماع الصحابة على استقرار المهر بالموت.
أما في نكاح التفويض، أي النكاح الذي لم يسم فيه المهر، ومات بعده أحد الزوجين فلا شيء فيه عند المالكية، قياساً للموت على الطلاق، والطلاق قبل الدخول والخلوة وقبل تسمية المهر، لا شيء فيه، فمثله الموت.
وقال الجمهور في الأظهر عند الشافعية: يجب فيه مهر المثل، للحديث السابق وهو أن ابن مسعود قضى في امرأة لم يفرض لها زوجها صداقاً، ولم
стр. 6579
يدخل بها حتى مات، فقال: لها صداق مثلها، ولا وَكْس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقال مَعْقِل بن سنان: «قضى رسول الله ﷺ في بَرْوع بنت واشق مثل ماقضيت» (١)، ولأنه عقد مدته العمر، فبموت أحدهما ينتهي، فيستقر به العوض، كانتهاء الإجارة، ومتى استقر لم يسقط منه شيء بانفساخ النكاح ولا غيره. ولأن الموت يكمل به المهر المسمى، فيكمل به مهر المثل للمفوضة كالدخول.
وهذا الرأي هو الراجح، لقوة أدلته، وعلق الشافعي في الأم القول به على صحة الحديث. وفرق بين الموت والطلاق؛ لأن الموت ينتهي به عقد الزواج، أما الطلاق فيقطع الزواج قبل إتمامه، لذا وجبت العدة بالموت قبل الدخول، ولم تجب بالطلاق، وكمل المسمى بالموت، ولم يكمل بالطلاق.
و هل القتل مثل الموت؟ إذا حدث القتل من أجنبي لأحد الزوجين، أو قتل أحد الزوجين الآخر، أو قتل أحدهما نفسه، فهو كالموت، يستقر به المهر؛ لأن النكاح قد بلغ غايته، فقام الموت مقام استيفاء المنفعة.
وخالف الشافعي وزفر من الحنفية فيما إذا قتلت الزوجة نفسها عمداً، فقالا: لا تستحق شيئاً من المهر؛ لأن قتلها نفسها يشبه ارتدادها عن الإسلام، وبالردة يسقط حقها من المهر.
وأجيب عنه من قبل الجمهور بأن قياس الانتحار على الردة غير صحيح؛ لأن المهر في حال الردة لا يتعلق به حق لغير الزوجة، فيجوز أن يسقط بفعلها، أما في حالة القتل، فإن المهر يتعلق به حق الورثة، فلا يجوز أن يسقط بفعل من جانبها.
стр. 6580
و هل تستحق الزوجة المهر بقتل زوجها عمداً قبل الدخول والخلوة أو يسقط؟ للفقهاء رأيان: قال الحنابلة والحنفية ما عدا زفر: لا يسقط حقها في المهر، بل يتأكد بالقتل كل المهر؛ لأن جزاء القتل العمد شرعاً هو القصاص، ولم يرد دليل بسقوط المهر بهذا القتل.
وقال المالكية والشافعية وزفر: يسقط مهرها بالقتل؛ لأن قتل زوجها جناية، والجنايات لا تؤكد الحقوق، ولأنها بهذه الجناية أنهت الزواج بمعصية، وإنهاء الزواج بمعصية من الزوجة قبل الدخول يسقط المهر كله، كإسقاطه بالردة، ولم يتعلق بالمهر حق لأحد، وهذا هو الراجح لقوة دليله.
٣ - الخلوة الصحيحة: احتراز عن الخلوة الفاسدة، والصحيحة هي: أن يجتمع الزوجان بعد العقد الصحيح في مكان يتمكنان فيه من التمتع الكامل، بحيث يأمنان دخول أحد عليهما، وليس بأحدهما مانع طبيعي أو حسي أو شرعي يمنع من الاستمتاع (١) عملاً بما روي عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر، روى أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: «قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً، فقد أوجب المهر، ووجبت العدة».
و المانع الطبيعي: وجود شخص ثالث عاقل صغير أو كبير، والمانع الحسي: وجود مرض بأحدهما يمنع الوطء، ومنه الرتق (التلاحم)، والقَرَن (العظم) والعَفَل (غدة).
و المانع الشرعي: كأن يكون أحدهما صائماً في رمضان، أو محرماً بحج أو عمرة فرض أو نفل.
стр. 6581
ويتأكد المهر كله للزوجة عند الحنفية والحنابلة: بالخلوة الصحيحة بشروطها المذكورة، فلو طلق الرجل زوجته، وجب لها بالخلوة ولو لم يحصل وطء المسمى كاملاً إن كانت التسمية صحيحة، ومهر المثل كاملاً إن لم تكن هناك تسمية أو كانت التسمية فاسدة.
وقال المالكية، والشافعية في الجديد: لا يتأكد وجوب المهر بالخلوة وحدها، بدون وطء، فلو خلا الزوج بزوجته خلوة صحيحة، ثم طلقها قبل الدخول بها، وجب نصف المسمى، والمتعة إن لم يكن المهر مسمى.
وسأذكر في المطلب التالي أدلة الرأيين بمشيئة الله تعالى.
٤ - إقامة الزوجة سنة في بيت الزوج بعد الزفاف بلا وطء: يتقرر المهر أيضاً عند المالكية إذا تزوج رجل امرأة، وزفت إليه، وأقامت عنده سنة، بلا وطء، بشرط إطاقتها، وبلوغه، واتفاقهما على عدم الوطء؛ لأن الإقامة المذكورة تقوم مقام الوقاع أو الوطء.
ولا يتأكد المهر بها عند الشافعية. ويتقرر المهر بمجرد الخلوة الصحيحة كما تقدم عند الحنفية والحنابلة.
٥ - طلاق الفرار في مرض الموت قبل الدخول: يتقرر المهر كاملاً أيضاً عند الحنابلة بطلاق المرأة في مرض موت الزوج المخوف قبل دخوله بها إذا طلقها فراراً من ميراثها، ثم مات، فيتقرر عليه الصداق كاملاً بالموت، لوجوب عدة الوفاة عليها في هذه الحالة، ما لم تتزوج أو ترتد.
والخلاصة: يتأكد المهر عند الحنفية بأحد أسباب ثلاثة: الدخول والخلوة الصحيحة، وموت أحد الزوجين. وعند المالكية بأحد أسباب ثلاثة: هي
стр. 6582
الدخول، أي الوطء لمطيقة من بالغ وإن حرم، وموت أحد الزوجين، وإقامة سنة بعد الدخول بلا وطء بشرط بلوغه وإطاقتها. وعند الشافعية: يستقر المهر بأحد أمرين: الوطء وإن حرم، وموت أحد الزوجين،، لا بخلوة في الجديد. وعند الحنابلة: يتقرر المهر بأحد أمور أربعة: الدخول، والخلوة والموت أو القتل، والطلاق في مرض موت الزوج قبل الدخول بالزوجة.
تنصيف المهر:
اتفق الفقهاء (١) على وجوب نصف المهر للزوجة بالفرقة قبل الدخول، سواء عند الشافعية والحنابلة أكانت الفرقة طلاقاً أم فسخاً، إذا كان المهر مسمى حين العقد، وكانت التسمية صحيحة والفرقة جاءت من قبل الزوج. من أمثلة الفسخ: الفرقة بسبب الإيلاء أو اللعان، أو بسبب ردة الزوج، أو إباء الزوج اعتناق الإسلام بعد إسلام زوجته.
ودليلهم قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] وهذا في الطلاق، وباقي أنواع الفرق مقيس عليه؛ لأنه في معناه.
فإن لم يسم المهر في العقد أصلاً كالمفوضة، أو اتفق الزوجان على الزواج بدون مهر، أو كانت التسمية غير صحيحة، وحصلت الفرقة بتراضي الزوجين أو بحكم القاضي وكانت الفرقة قبل الدخول، وقبل الخلوة عند الحنفية والحنابلة، لم يجب للزوجة شيء من المهر، وإنما تجب لها المتعة؛ لأن النص القرآني السابق إنما
стр. 6583
ورد بتنصيف أو تشطير المسمى، ووجوب المتعة لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء، ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن﴾ [البقرة:٢٣٦/ ٢] وباقي الفرق مقيس على الطلاق؛ لأنه في معناه.
وقال المالكية: إن فسخ النكاح أو رده الزوج بعيب في الزوجة قبل الدخول، لم يجب لها شيء. واختلف هل يجب إذا ردته هي بعيب في الزوج. وقال الحنفية: الفرقة بغير طلاق قبل الدخول والخلوة تسقط المهر كما سأبين.
و اختلف الفقهاء في مسألتين حول التنصيف قبل الدخول: مسألة تنصيف المفروض بعد العقد، ومسألة الزيادة في المهر بعد العقد.
أما المسألة الأولى - وهي إذا لم يذكر المهر حين العقد، وإنما فرض بعده بالتراضي أو بقضاء القاضي.
فقال الحنفية: لا يتنصف المفروض من المهر بعد العقد، لاختصاص التنصيف بالمفروض في العقد بالنص القرآني المتقدم، بل تجب المتعة فقط للمرأة، فلو حدثت الفرقة قبل الدخول والخلوة، وجب لها المتعة فقط.
وقال الجمهور: يتنصف المفروض بعد العقد كالمسمى في العقد، فلو حصلت الفرقة قبل الدخول. وقبل الخلوة عند الحنابلة، كان للمرأة نصف المفروض لا المتعة.
وأما المسألة الثانية - وهي الزيادة الحادثة من الزوج بعد العقد على المهر المسمى.
فقال الحنفية: تسقط هذه الزيادة عن الزوج، ولا تتنصف قبل الدخول والخلوة.
стр. 6584
وقال الجمهور: لا تسقط هذه الزيادة عن الزوج وتتنصف كالمسمى في العقد. والحاصل: أن الذي يتنصف عند الحنفية هوالمسمى في العقد، لا المفروض بعده ولا مازيد على المفروض بعد العقد، والجمهور على خلافهم في المسألتين. ومنشأ الاختلاف: تفسير المراد من قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢]: فرأى الحنفية: أن المقصود منه المفروض وقت العقد، لا غير، عملاً بالمتعارف بين الناس: وهو إطلاق المفروض على المسمى وقت العقد. ورأى الجمهور: أن المقصود منه المفروض مطلقاً، عملاً بمقتضى اللغة؛ لأن الفرض هو التقدير، وهو يشمل كل ما قدر، سواء أكان وقت العقد أم بعده. وهذا هو الراجح؛ لأن كلاً من المفروض وقت العقد أو بعده يسمى مفروضاً في العرف، كما هو مقتضى اللغة.
سقوط المهر كله:
ذكر الحنفية أنه يسقط المهر كله عن الزوج بأحد أربعة أسباب (١):
١ - الفرقة بغير طلاق قبل الدخول بالمرأة وقبل الخلوة بها: كل فرقة حصلت بغير طلاق قبل الدخول وقبل الخلوة: تسقط جميع المهر، سواء أكان من قبل المرأة أم من قبل الزوج، كأن ارتدت المرأة عن الإسلام، أو أبت الإسلام وأسلم زوجها، أو اختارت فسخ الزواج لعيب في الزوج. ومثله إذا فسخ ولي المرأة الزواج لعدم كفاءة الزوج، ففي هذه الأحوال التي يتم بها فسخ الزواج قبل الدخول يسقط جميع المهر؛ لأن الفرقة بغير طلاق تكون فسخاً للعقد، وفسخ
стр. 6585
العقد قبل الدخول يوجب سقوط كل المهر؛ لأن فسخ العقد رفعه من الأصل، وجعله كأنه يكن.
وقال المالكية (١): إن فسخ الزوج النكاح أو رده بعيب في الزوجة قبل الدخول، لم يجب لها شيء، فهم يوافقون الحنفية به، ولا شيء لها أيضاً في نكاح التفويض عنده إذا مات الزوج أو طلق قبل الدخول.
وفصَّل الشافعية والحنابلة (٢) بين ما إذا كانت الفرقة بسبب من الزوجة، وبين ما إذا كانت بسبب من غيرها، فقالوا: الفرقة الحاصلة من جهة الزوجة قبل الدخول بها تسقط المهر المسمى والمفروض ومهر المثل، كإسلامها بنفسها، أو بالتبعية كإسلام أحد أبويها، أو فسخ الزوج بعيب في الزوجة، أوردتها أوإرضاعها زوجة للزوج صغيرة.
وأما الفرقة الحاصلة قبل الدخول لا بسبب الزوجة كطلاق وخلع ولو باختيارها كأن فوض الطلاق إليها فطلقت نفسها، أو علق الطلاق بفعلها ففعلت، أو أسلم الزوج أو ارتد أو لاعن أو أرضعت أمه زوجته أو أرضعت أمها له وهو صغير، فلا تسقط المهر، وإنما تشطره، فيثبت لها نصف المهر. أما في حالة الطلاق فلآية: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة:٢٣٧/ ٢] وأما الباقي فبالقياس عليه.
٢ - الخلع على المهر قبل الدخول أو بعده: إذا خالع الرجل امرأته على مهرها، سقط المهر كله، فإن كان المهر غير مقبوض، سقط عن الزوج، وإن كان مقبوضاً ردته على الزوج. وإن خالعها على مال سوى المهر يلزمها المال، ويبرأ