← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

اختلف الفقهاء على رأيين في الاعتماد على القافة (١): فرأى الحنفية: أن الأصل ألا يحكم لأحد المتنازعين في الولد، إلا أن يكون هناك فراش (٢)، لقوله ﵊: «الولد للفراش» فإن عدم الفراش أو اشتركا في الفراش، كان الولد بينهما، ولا يعمل بقول القائف، بل يحكم بالولد الذي ادعاه اثنان لهما جميعاً. ورأي الجمهور وهم (مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والأوزاعي): أنه يحكم بالقيافة، بدليل قول عائشة: «إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ مسروراً، تبرُق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مُجَزِّزاً (٣) نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» (٤) ففيه دليل على ثبوت العمل بالقافة. وأثبت عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس بن مالك الحكم بالقافة، فكان عمر يليط (٥) أولاد الجاهلية بمن استلاطهم - أي بمن ادعاهم في الإسلام - فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا قائفاً، فنظر إليه، فقال القائف: لقد اشتركا فيها، فضربه عمر بالدِّرة، ثم دعا المرأة، فقال: أخبريني بخبرك، فقالت: كان هذا لأحد الرجلين، يأتي في إبل لأهلها، فلا يفارقها حتى يُظن، ونظن أنه قد استمر

стр. 7002

بها حمل، ثم انصرف عنها، فأهريقت عليه دماً، ثم خلف هذا عليها، تعني الآخر، فلا أدري أيهما هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام: والِ أيهما شئت (١) قالوا: فقضاء عمر بمحضر من الصحابة بالقافة من غير إنكار من واحد منهم هو كالإجماع. أسباب ثبوت النسب من الأب: سبب ثبوت نسب الولد من أمه: هو الولادة، شرعية كانت أم غير شرعية، كما قدمنا، وأما أسباب ثبوت النسب من الأب فهي: ١ - الزواج الصحيح. ٢ - الزواج الفاسد: ٣ - الوطء بشبهة. ونبين كل سبب على حدة فيما يأتي: أولاً - الزواج الصحيح: اتفق الفقهاء على أن الولد الذي تأتي به المرأة المتزوجة زواجاً صحيحاً ينسب إلى زوجها، للحديث المتقدم: «الولد للفراش»، والمراد بالفراش: المرأة التي يستفرشها الرجل ويستمتع بها. وذلك ب الشروط الآتية (٢): الشرط الأول - أن يكون الزوج ممن يتصور منه الحمل عادة، بأن يكون بالغاً

стр. 7003

في رأي المالكية والشافعية، ومثله في رأي الحنفية والحنابلة المراهق: وهو عند الحنفية من بلغ اثنتي عشرة سنة، وعند الحنابلة: من بلغ عشر سنوات، فلا يثبت النسب من الصغير غير البالغ، حتى ولو ولدته أمه لأكثر من ستة أشهر من تاريخ عقد الزواج. ولا يثبت النسب في رأي المالكية من المجبوب الممسوح: وهو الذي قطع عضوه التناسلي وأنثياه. أما الخصي: وهو من قطعت أنثياه أو اليسرى فقط، فيرجع في شأنه للأطباء المختصين، فإن قالوا: يولد له، ثبت النسب منه، وإن قالوا: لا يولد له لا يثبت النسب منه. ويثبت النسب في رأي الشافعية والحنابلة (١) من المجبوب الذي بقي أنثياه فقط، ومن الخصي الذي سُلَّت خصيتاه وبقي ذكره، ولا يثبت من الممسوح المقطوع جميع ذكره وأنثييه. الشرط الثاني - أن يلد الولد بعد ستة أشهر من وقت الزواج في رأي الحنفية، ومن إمكان الوطء بعد الزواج في رأي الجمهور، فإن ولد لأقل من الحد الأدنى لمدة الحمل وهي ستة أشهر، لا يثبت نسبه من الزوج اتفاقاً، وكان دليلاً على أن الحمل به حدث قبل الزواج، إلا إذا ادعاه الزوج، ويحمل ادعاؤه على أن المرأة حملت به قبل العقد عليها، إما بناء على عقد آخر، وإما بناء على عقد فاسد أو وطء بشبهة، مراعاة لمصلحة الولد، وستراً للأعراض بقدر الإمكان. الشرط الثالث - إمكان تلاقي الزوجين بعد العقد: وهذا شرط متفق عليه، وإنما الخلاف في المراد به أهو الإمكان والتصور العقلي، أو الإمكان الفعلي والعادي؟

стр. 7004

قال الحنفية: الحق أن التصور والإمكان العقلي شرط، فمتى أمكن التقاء الزوجين عقلاً ثبت نسب الولد من الزوج إن ولدته الزوجة لستة أشهر من تاريخ العقد، حتى ولو لم يثبت التلاقي حساً. فلو تزوج مشرقي مغربية، ولم يلتقيا في الظاهر مدة سنة، فولدت ولداً لستة أشهر من تاريخ الزواج، ثبت النسب، لاحتمال تلاقيهما من باب الكرامة، وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة بقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، ويكون الزوج من أهل الخطوة الذين تطوى لهم المسافات البعيدة. وفي رأيي أن هذا التعليل غير مقبول عادة، والصحيح أن الحنفية يثبتون النسب من تاريخ العقد، عملاً بحديث «الولد للفراش» وإن لم يتحقق إمكان الوطء أو الدخول. وفي هذا احتياط للولد وعدم ضياعه وستر على العِرْض، ومنع من وقوع مشكلة اللقطاء، فألحق الولد بمن له زوجية صحيحة. فإن تيقين الزوج أن الولد ليس منه فله أن ينفيه باللعان. ورفض الأئمة الثلاثة هذا المنطق، وقالوا: يشترط إمكان التلاقي بالفعل أو الحس والعادة، وإمكان الوطء والدخول، لأن الإمكان العقلي نادر ولا يصح أن يكون له دور في نطاق العقود الظاهرة، والأحكام إنما تنبني على الكثير الغالب والظاهر المشاهد، لا القليل النادر، أو الخفي غير المحتمل عادة، فلو تأكد عدم اللقاء بين الزوجين فعلاً، لم يثبت نسب الولد من الزوج، كما لو كان أحد الزوجين سجيناً أو غائباً في بلد بعيد غيبة امتدت إلى أكثر من أقصى مدة الحمل، لذا أخذت القوانين بهذا الرأي، وهو الصحيح لاتفاقه مع قواعد الشريعة والعقل. وفائدة الخلاف: أن الولد لا ينتفي نسبه في رأي الحنفية إلا باللعان، وينتفي بدون لعان في رأي الجمهور، لعدم إمكان التلاقي بين الزوجين عادة. موقف القانون من هذا السبب: نص القانون السوري م (١٢٩) على مايلي:

стр. 7005

١ - ولد كل زوجة في النكاح الصحيح ينسب إلى زوجها بالشرطين التاليين: أـ أن يمضي على عقد الزواج أقل مدة الحمل. ب - ألا يثبت عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة، كما لو كان أحد الزوجين سجيناً أو غائباً في بلد بعيد أكثر من مدة الحمل. ٢ - إذا انتفى أحد هذين الشرطين لا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا أقر به أوادعاه. ٣ - إذا توافر هذان الشرطان لا ينفى نسب المولود عن الزوج إلا باللعان. وقضى القانون المصري رقم (٢٥) لسنة ١٩٢٩ في المادة (١٥) بمنع القضاة من سماع دعوى نسب الولد في حالة الإنكار إذا ثبت عدم التلاقي بين الزوجين وزوجته من حين العقد إلى الولادة، كما قضى بمنعهم من سماع مثل هذه الدعوى إذا أتت الزوجة بالولد بعد سنة من غيبة الزوج عنها. وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج صحيح: الفرقة إما أن تكون قبل الدخول أو بعد الدخول: أـ إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول والخلوة، ثم ولدت ولداً بعد الطلاق، فإن أتت به قبل مضي ستة أشهر من تاريخ الطلاق، ثبت نسبه من الزوج، للتيقن بأنها حملت به قبل الفرقة. وإن أتت به بعد مضي ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الطلاق، فلا يثبت نسبه من الزوج، إذ لا نتيقن بحدوث الحمل قبل حصول الفرقة.

стр. 7006

ب - وإذا طلق الرجل زوجته بعد الدخول أو الخلوة، سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً، أو مات عنها: فإن أتت المرأة بولد بعد الطلاق أو الوفاة، ثبت نسبه من الزوج، إذا ولدته قبل مضي أقصى مدة الحمل من يوم الطلاق أو الوفاة. وأقصى مدة الحمل هي كما تقدم أربع سنين في رأي الشافعية والحنابلة، وسنتان في رأي الحنفية، وخمس سنوات في المشهور لدى المالكية. أما إن ولدته بعد مضي أقصى مدة الحمل من يوم الطلاق أو الوفاة فلا يثبت نسبه من الزوج المطلق أو المتوفى. وهذا رأي الجمهور. وفصَّل الحنفية بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن، فقالوا: أـ إن كان الطلاق رجعياً، ولم تقر المرأة بانقضاء عدتها، ثبت نسب الولد من الزوج، سواء أتت به قبل مضي سنتين من تاريخ الطلاق أو بعد مضي سنتين أو أكثر؛ لأن الطلاق الرجعي لا يحرم المرأة على زوجها، فيجوز له الاستمتاع بها، ويكون ذلك رجعة. فإن أقرت بانقضاء العدة، وكانت المدة تحتمل انقضاءها، بأن كانت ستين يوماً في رأي أبي حنيفة، وتسعة وثلاثين يوماً في رأي الصاحبين، فلا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا كانت المدة بين الإقرار والولادة أقل من ستة أشهر لتبين كذبها أو خطئها في إقرارها. فإن كانت ستة أشهر فأكثر، فلا يثبت نسبه من الزوج إلا إذا ادعاه. ب - وإن كان الطلاق بائناً أو كانت الفرقة بسبب وفاة الزوج، ولم تقر بانقضاء العدة، فلا يثبت نسب الولد إلا إذا أتت به قبل مضي سنتين من تاريخ الطلاق أو الوفاة؛ لأن أقصى مدة الحمل عندهم سنتان. فإن أتت به في هذه المدة،

стр. 7007

وكان هناك احتمال بأنها حملت به بعد مضي هذه المدة، لم يكن هناك احتمال بأنها حملت به قبل الطلاق أو الوفاة. أما إن أقرت بانقضاء العدة، والمدة تحتمل انتهاء العدة فيها، فلا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا جاء به قبل مضي ستة أشهر من وقت الإقرار، وكانت المدة بين الطلاق والولادة أقل من سنتين. موقف القانون: أخذ القانون السوري بهذا التفصيل من حيث المبدأ في المادتين (١٣٠، ١٣١) لبيان نسب الولد بعد الفرقة أو وفاة الزوج. فقرر أنه إذا ولدت المطلقة من طلاق رجعي أو بائن أو المتوفى عنها زوجها، فإما أن تكون أقرت بانقضاء عدتها أو لم تقر. أـ فإذا كانت قد أقرت بانقضاء عدتها، ثم جاءت بولد، يثبت نسبه من الزوج إذا ولد لأقل من ستة أشهر، أي (١٨٠) يوماً من وقت الإقرار بانقضاء العدة، وأقل من سنة شمسية من وقت الطلاق أو الموت، لتبين كذبها في الإقرار بانقضاء العدة (م ١٣١). ب - وإن لم تكن أقرت بانقضاء العدة، ثبت نسب ولدها من زوجها إذا ولدته خلال سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة. ولا يثبت إذا ولدته لأكثر من سنة إلا إذا ادعاه زوج المطلَّقة، أو ادعاه ورثة المتوفى (م ١٣٠). وهذا هو نفس المقرر في القانون المصري رقم (٢٥) لسنة ١٩٢٩. ثانياً - الزواج الفاسد: الزواج الفاسد في إثبات النسب كالزواج الصحيح (١)؛ لأن النسب يحتاط

стр. 7008

في إثباته إحياء للولد ومحافظة عليه. و يشترط لثبوت النسب بالزواج الفاسد ثلاثة شروط: ١ - أن يكون الرجل ممن يتصور منه الحمل: بأن يكون بالغاً عند المالكية والشافعية، أو بالغاً أو مراهقاً عند الحنفية والحنابلة. ٢ - تحقق الدخول بالمرأة أو الخلوة بها في رأي المالكية: فإن لم يحصل الدخول أو الخلوة بعد زواج فاسد، لم يثبت نسب الولد، والخلوة في الزواج الفاسد كالخلوة في الزواج الصحيح، لإمكان الوطء في كل منهما. واشترط الحنفية حصول الدخول فقط، أما الخلوة فلا تكفي في ثبوت النسب بالزواج الفاسد؛ لأنه لا يحل فيها الوطء بين الرجل والمرأة. ٣ - أن تلد المرأة بعد ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الدخول أو الخلوة عند المالكية، ومن تاريخ الدخول عند الحنفية. فلو ولدت المرأة ولداً قبل مضي ستة أشهر من الدخول والخلوة عند الأولين لا يثبت نسبه من الرجل؛ لأنه يدل على وجوده قبل ذلك وأنه من رجل آخر. وإذا ولدته المرأة بعد ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الدخول أو الخلوة، ثبت نسبه من الرجل. ولا ينتفي نسبه عن الرجل إلا باللعان في رأي المالكية والشافعية والحنابلة (١). ولا ينتفي نسبه ولو باللعان في رأي الحنفية؛ لأن اللعان لا يصح عند الحنفية إلا بعد زواج صحيح، والزواج هنا فاسد. والمقرر عند المالكية: أن كل نكاح يدرأ فيه الحد، فالولد لاحق بالواطئ، وحيث وجب الحد لا يلحق النسب (٢).

стр. 7009

وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج فاسد: إذا حدثت الفرقة بعد زواج فاسد بالمتاركة أو تفريق القاضي بعد الدخول، أو الخلوة في رأي المالكية، ثم ولدت المرأة قبل مضي أقصى مدة الحمل من تاريخ الفرقة، ثبت نسبه من الرجل. وإن ولدته بعد مضي أقصى مدة الحمل، لا يثبت نسبه منه. وأقصى مدة الحمل كما سبق هي أربع سنين في رأي الشافعية والحنابلة، وخمس سنين في رأي المالكية، وسنتان في رأي الحنفية، وسنة شمسية لدى القانونيين والأطباء. موقف القانون: نص القانون السوري على ثبوت النسب في الزواج الفاسد في المادة (١٣٢) التالية، أخذاً بالمذهب الحنفي: ١ - المولود من زواج فاسد بعد الدخول إذا ولد لمئة وثمانين يوماً فأكثر من تاريخ الدخول، ثبت نسبه من الزوج. ٢ - إذا كانت ولادته بعد متاركة أو تفريق، لا يثبت نسبه إلا إذا جاءت به خلال سنة من تاريخ المتاركة أو التفريق. ثالثاً - الوطء بشبهة: الوطء بشبهة: هو الاتصال الجنسي غير الزنا، وليس بناء على عقد زواج صحيح أو فاسد، مثل المرأة المزفوفة إلى بيت زوجها دون رؤية سابقة، وقيل: إنها زوجته، فيدخل بها. ومثل وطء امرأة يجدها الرجل على فراشه، فيظنها زوجته. ومثل وطء المطلقة طلاقاً ثلاثاً أثناء العدة، على اعتقاد أنها تحل له. فإن أتت المرأة بولد بعد مضي ستة أشهر أو أكثر من وقت الوطء، ثبت نسبه من الواطئ لتأكد أن الحمل منه. وإن أتت به قبل مضي ستة أشهر لا يثبت النسب

стр. 7010

منه، لتأكد أن الحمل حدث قبل ذلك، إلا أنه إذا ادعاه ثبت نسبه منه، إذ قد يكون وطئها قبل ذلك بشبهة أخرى (١). وإذا ترك الرجل الموطوءة عن شبهة، ثبت النسب من الواطئ، كما يثبت بعد الفرقة من زواج فاسد. أما إن حدث الوطء بغير شبهة وإنما بالزنا، فلا يثبت نسب الولد من الزاني، للحديث المتقدم، «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ولأن الزنا محظور شرعاً، فلا يكون سبباً لنعمة النسب. موقف القانون: نص القانون السوري على ثبوت النسب بالدخول بشبهة في المادة (١٣٣) التالية: ١ - الموطوءة بشبهة إذا جاءت بولد ما بين أقل مدة الحمل وأكثرها، يثبت نسبه من الواطئ. ٢ - متى ثبت النسب ولو بنكاح فاسد أو بشبهة، ترتب عليه جميع نتائج القرابة، فيمنع النكاح في الدرجات الممنوعة، وتستحق به نفقة القرابة والإرث. آثار النسب: أوضحت الفقرة الثانية من هذه المادة آثار ثبوت النسب، فإذا ثبت النسب، ولو من نكاح فاسد أو وطء بشبهة، ترتب عليه جميع نتائج القرابة، فيمنع الزواج في الدرجات الممنوعة، وتستحق به نفقة القرابة، ويستحق به الإرث. وكان ينبغي إفراد هذه الفقرة بمادة مستقلة، لشمولها جميع أسباب ثبوت النسب من زواج صحيح أو فاسد أو بشبهة.

стр. 7011

المبحث الثاني - طرق إثبات النسب: يثبت النسب بأحد طرق ثلاثة وهي (١): ١ - الزواج الصحيح أو الفاسد. ٢ - الإقرار بالنسب. ٣ - البينة. الطريق الأول - الزواج الصحيح أو الفاسد: الزواج الصحيح أو الفاسد سبب لإثبات النسب، وطريق لثبوته في الواقع، متى ثبت الزواج ولو كان فاسداً، أو كان زواجاً عرفياً، أي منعقداً بطريق عقد خاص دون تسجيل في سجلات الزواج الرسمية، يثبت به نسب كل ما تأتي به المرأة من أولاد. الطريق الثاني - الإقرار بالنسب أوادعاء الولد: الإقرار بالنسب نوعان: إقرار على نفس المقر، وإقرار محمول على غير المقر. أما الإقرار بالنسب على نفس المقر: فهو أن الأب بالولد أو الابن بالوالد، كأن يقول: هذا ابني، أو هذا أبي، أو هذه أمي. ويصح هذا الإقرار من الرجل ولو في مرض الموت، بشروط أربعة متفق على أغلبها بين المذاهب، وهي ما يأتي، وقد ذكرتها في بحث الإقرار، وأعيدها هنا:

стр. 7012

١ - أن يكون المقر به مجهول النسب: بأن لا يكون معروف النسب من أب آخر، فإن كان ثابت النسب من أب معروف غير المقر، كان هذا الإقرار باطلاً؛ لأن الشرع قاض بثبوت النسب من ذلك الأب، ومتى تأكد ثبوت النسب من شخص، لا يقبل الانتقال منه إلى غيره، فقد لعن النبي ﷺ من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه. ومجهول النسب عند بعض الحنفية: هو الذي لا يعلم له أب في البلد الذي ولد فيه. وهذا هو الظاهر الآن مع سهولة المواصلات والبحث عن بلد الميلاد. واستثنى العلماء من هذا الشرط ولد اللعان، فإنه لا يصح ادعاؤه بالنسب وإلحاقه بغير الأب الملاعن، لاحتمال أن يرجع الملاعن ويكذب نفسه فيما ادعاه من أن الولد ليس منه. ٢ - أن يصدقه الحس: بأن يكون المقر به محتمل الثبوت من نسب المقر، بأن يكون ممن يولد مثل المقر به لمثل المقر، وذلك في سن تسمح بأن يكون ابناً للمقر. فلو كان المقر ببنوته أكبر من المقر أو مساوياً له في السن أو مقارباً، بحيث لا يمكن أن يكون ابناً للمقر عادة، لم يصح إقراره؛ لأن الحس أو الواقع يكذبه في هذا الإقرار، فمن قال لغلام: هذا ابني، وكان سن الغلام عشر سنوات، وسن المقر عشرين سنة، لم يعتبر هذا الإقرار عند الحنفية؛ لأن الغلام لا يولد له في رأيهم قبل بلوغ سن الثانية عشرة. وكذلك إذا نازع المقر منازع آخر غيره، لم يثبت نسبه؛ لأنه إذا نازعه فيه غيره تعارض الإقراران، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر. ٣ - أن يصدقه المقر له في إقراره إن كان أهلاً للتصديق، بأن يكون بالغاً عاقلاً عند الجمهور، ومميزاً عند الحنفية؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر، فلا تتعداه

стр. 7013

إلى غيره إلا ببينة، أو تصديق من الغير. فإن كان المقر به صغيراً أو مجنوناً، فلا يشترط تصديقهما؛ لأنهما ليسا بأهل للإقرار أو التصديق. وقال المالكية: ليس تصديق المقر به شرطاً لثبوت النسب من المقر؛ لأن النسب حق للولد على الأب، فيثبت بإقراره بدون توقف على تصديق منه، إذا لم يقم دليل على كذب المقر. ٤ - ألا يكون فيه حمل النسب على الغير: سواء كذبه المقر له أو صدقه؛ لأن إقرار الإنسان حجة قاصرة على نفسه، لا على غيره؛ لأنه على غيره شهادة أو دعوى، وشهادة الفرد فيما لا يطلع عليه الرجال غير مقبولة، والدعوى المفردة ليست بحجة. وبناء عليه إذا كان المقر ببنوة الغلام زوجة أو معتدة، فيشترط مع ما ذكر أن يوافق زوجها على الاعتراف ببنوته له أيضاً، أوأن تثبت ولادتها له من ذلك الزوج؛ لأن فيه تحميل النسب على الغير، فلا يقبل إلا بتصديقه أو ببينة. ويبطل الإقرار إن صرح المقر في إقراره بأن الولد ابنه من الزنا؛ لأن الزنا لا يصلح سبباً لإثبات النسب، إذ النسب نعمة فلا تنال بالمحظور. فإذا استوفى الإقرار بالبنوة أو الأبوة هذه الشروط، صح وثبت به نسب المقر له من المقر، وترتب عليه الإرث الشرعي. وإذا صح الإقرار لا يملك المقر الرجوع فيه بعدئذ؛ لأن النسب إذا ثبت لا يبطل بالرجوع. وقد اشترط الحنفية لصحة الإقرار بالنسب أيضاً حياة الولد، فلو أقر شخص بأن فلاناً ابنه، وكان المقر له بالبنوة ميتاً، لم يصح هذا الإقرار، ولا يثبت به النسب؛ إذ لا حاجة بعد الوفاة لإثبات النسب؛ لأنه لا يحتاج الميت إلى تكريم ولا

стр. 7014

تشريف. لكن استثنى الحنفية منه ما إذا كان للابن المتوفى أولاد، فإن الإقرار بنسبه بعد وفاته، يكون صحيحاً، رعاية لمصلحة هؤلاء الأولاد؛ لأنه يحتاجون إلى ثبوت نسب أبيهم، وفي ثبوت نسبه شرف لهم وتكريم. ولم يشترط المالكية حياة الولد المقر به؛ لأن النسب حق للولد على أبيه، فلا يتوقف إثباته على حياة الولد، كما لا يتوقف على تصديقه، إلا أن الأب لا يرث الابن الذي استلحقه إلا إذا كان له ولد، أو كان المال قليلاً، حتى لا يتهم الأب بأن إقراره لأجل أخذ المال الكثير. والشروط السابقة تشترط أيضاً في الإقرار بنسب على الغير، ما عدا الشرط الأخير. وقال الشافعية والحنابلة: يثبت النسب بالإقرار على الغير بالشروط السابقة، وبشرط كون المقر جميع الورثة، وبشرط كون الملحق به النسب ميتاً، فلا يلحق بالحي ولو كان مجنوناً، لاستحالة ثبوت نسب الشخص - مع وجوده حياً - بقول غيره. وأما الإقرار بنسب محمول على الغير: فهو الإقرار بما يتفرع عن أصل النسب، كأن يقر إنسان فيقول: هذا أخي، أوهذا عمي، أو هذا جدي، أو هذا ابن ابني. ويصح بالشروط السابقة، ويزاد عليها شرط آخر، وهو تصديق الغير، فإذا قال إنسان: هذا أخي، يشترط لثبوت نسبه عندا لحنفية أن يصدقه أبوه فيه، أو تقوم البينة على صحة الإقرار، أو يصدقه اثنان من الورثة إن كان الغير ميتاً؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر، لولايته على نفسه دون غيره.

стр. 7015

فإن لم يصدقه الغير أو لم يصدقه اثنان من الورثة، أو لم تقم بينة على صحة الإقرار، يعامل المقر بمقتضى إقراره في حق نفسه، فتجب عليه نفقة المقر له إن كان عاجزاً فقيراً، وكان المقر موسراً، ويشارك المقر له المقر في حصته التي يرثها من تركة أبيه. هذا رأي الحنفية. وقال المالكية: يأخذ المقر له بالأخوة المقدار الذي نقص من حصة المقر بسبب إقراره. فإذا أقر ولد بأخوة آخر، وأنكره الولد الآخر، أخذ المنكر نصف التركة، وشارك المقر له في النصف الآخر عند الحنفية. وأما عند المالكية فيأخذ المنكر نصيبه كاملاً، ويأخذ المقر له ما نقص من نصيب المقر على فرض أن التركة توزع على ثلاثة. فلو كانت التركة (١٢) ديناراً مثلاً، أخذ المقر له على رأي الحنفية (٣) دنانير كنصيب المقر، وعلى رأي المالكية أخذ دينارين ويكون للمنكر (٦)، وللمقر (٤) لأن التركة توزع على ثلاثة، ففي حال عدم وجود المقر له يكون للمقر (٦)، وفي حال وجوده يكون له (٤)، فما نقص من نصيبه وهو (٢) يأخذه المقر له. وإذا صح الإقرار بالنسب لإنسان، شارك الورثة في الميراث. وإن لم يصدقه الغير، ومات المقر، ورث منه المقر له، كباقي ورثته. موقف القانون: نص القانون السوري على الإقرار بالنسب. نصت المادة (١٣٤/ ١) على شرط كون المقر به مجهول النسب وشرط تصديق الحس، ونصها:

стр. 7016

الإقرار بالبنوة ولو في مرض الموت لمجهول النسب، يثبت به النسب من المقر إذا كان فرق السن بينهما يحتمل هذه البنوة. والفقرة الثانية من هذه المادة نصت على حالة إقرار الزوجة: ٢ - إذا كان المقر امرأة متزوجة أو معتدة، لا يثبت نسب الولد من زوجها إلا بمصادقته أو بالبينة. ونصت المادة (١٣٥) على شرط تصديق الغير وشرط تصديق الحس أيضاً: إقرار مجهول النسب بالأبوة أو بالأمومة يثبت به النسب إذا صادقه المقر له، وكان فرق السن بينهما يحتمل ذلك. ونصت المادة (١٣٦) على حالة الإقرار بنسب محمول على الغير: الإقرار بالنسب في غير البنوة والأبوة والأمومة لا يسري على غير المقر إلا بتصديقه. نوع البينة في إثبات النسب على الغير: إثبات النسب على الغير كهذا أخي أو عمي قد يكون بالبينة، وهي عند أبي حنيفة ومحمد: إقرار رجلين أو رجل وامرأتين، كالشهادة. ويرى مالك: أنه لا يثبت النسب على الغير إلا بإقرار اثنين؛ لأنه يحمل النسب على غيره، فاعتبر فيه العدد كالشهادة. وقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف: إن أقر جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الإرث، ثبت نسبه، حتى ولو كان الوارث واحداً ذكراً أو أنثى؛ لأن النسب حق يثبت بالإقرار، فلم يطلب فيه العدد كالدين، ولأن الإقرار قول لا تشترط فيه عدالة، فلم يصح قياسه على الشهادة.

стр. 7017

الفرق بين الإقرار بالنسب وبين التبني: ليس الإقرار بالنسب هو التبني المعروف؛ لأن الإقرار لا ينشئ النسب وإنما هو طريق لإثباته وظهوره. أما التبني فهو تصرف منشئ لنسب. ولأن البنوة التي تثبت بالتبني تتحقق ولو كان للمتبنى أب معروف، أما البنوة التي تثبت بالإقرار فلا تتحقق إلا إذا لم يكن للولد أب معروف. الطريق الثالث - البينة: البينة حجة متعدية لا يقتصر أثرها على المدعى عليه، بل يثبت في حقه وحق غيره، أما الإقرار فهو كما عرفنا حجة قاصرة على المقر لاتتعداه إلى غيره. وثبوت النسب بالبينة أقوى من الإقرار؛ لأن البينة أقوى الأدلة اليوم؛ لأن النسب وإن ظهر بالإقرار لكنه غير مؤكد، فاحتمل البطلان بالبينة. و نوع البينة التي يثبت بها النسب كما سبق: هي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة ومحمد. وشهادة رجلين فقط عند المالكية، وجميع الورثة عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف. والشهادة تكون بمعاينة المشهود به أو سماعه، فإذا رأى الشاهد أو سمعه بنفسه، جاز له أن يشهد، وإذا لم يره أو يسمعه بنفسه، لا يحل له أن يشهد، لقوله ﷺ لشاهد: «ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع» (١). الشهادة بالتسامع لإثبات النسب: التسامع: استفاضة الخبر واشتهاره بين الناس، وقد اتفق فقهاء المذاهب

стр. 7018

الأربعة على جواز إثبات النسب بشهادة السماع، كما هو الشأن في الزواج أو الزفاف والدخول بالزوجة، والرضاع والولادة والوفاة (١). ودليلهم: أن هذه الأمور لا يطلع عليها إلا خواص الناس، فإذا لم تجز فيها الشهادة بالسماع، أدى إلى الحرج، وتعطيل الأحكام المترتبة عليها كالإرث وحرمة الزواج. لكن اختلف الفقهاء في بيان المراد من التسامع، فقال أبو حنيفة: هو أن تتواتر به الأخبار ليحصل للسامع نوع من اليقين. وقال الصاحبان: هو أن يخبر الشاهد رجلان عدلان أو عدل وامرأتان واختار قولهما بعض الفقهاء، بدليل أن القاضي يحكم بشهادة شاهدين، ولو لم ير المشهود به، أو يسمعه بنفسه. ويكفي الشاهد أن يقول: أشهد بكذا، ولا يقول: سمعت. وتوسط المالكية فقالوا: أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور، بأن ينتشر المسموع به بين الناس العدول وغيرهم. واشترطوا أن يقول الشهود: سمعنا كذا، ونحوه. وقال الشافعية في الأرجح، والحنابلة في الأصح مثل قول أبي حنيفة: شرط التسامع سماع المشهود به من جمع كثير يؤمن تواطؤهم (أي توافقهم) على الكذب، بحيث يحصل به العلم (أي اليقين) أو الظن القوي بخبرهم. ولا يكفي الشاهد بالاستفاضة أن يقول: سمعت الناس يقولون كذا، وإن كانت شهادته مبنية عليها، بل يقول: أشهد أنه له، أو أنه ابنه مثلاً؛ لأنه قد يعلم خلاف ما سمع من الناس.

стр. 7019

الفَصْلُ الثَّاني: الرّضاع آثرت هنا بحث كل ما يتعلق بالرضاع من أحكام؛ لأن الباحث يرتاح له، فأوضحت حق الولد في الرضاع وما يستتبعه من أحكام، وهذا ما يتعلق بهذا الباب المخصص لحقوق الأولاد، ثم بحثت تأثير الرضاع في تحريم الزواج بسبب القرابة الناشئة عنه، وما يستلزمه من طرق إثبات الرضاع. فكان هذا الفصل مشتملاً على مباحث ثلاثة: الأول - حق الولد الصغير في الرضاع. الثاني - شروط الرضاع المحرِّم للزواج. الثالث - ما يثبت به الرضاع. علماً بأن أركان الرضاع في اصطلاح الجمهور غير الحنفية ثلاثة: وهي مرضع، ولبن، ورضيع. المبحث الأول - حق الولد الصغير في الرضاع: فيه مطالب أربعة عن وجوب الإرضاع على الأم، واستحقاق أجرة الرضاع، وتقديم الأم على المتبرعة بالرضاع، والمكلف بأجرة الرضاع ومقدار الأجرة.

стр. 7020

المطلب الأول - هل يجب الإرضاع على الأم؟ اتفق فقهاء الإسلام على أن الرضاع واجب على الأم ديانة تسأل عنه أمام الله تعالى حفاظاً على حياة الولد، سواء أكانت متزوجة بأبي الرضيع، أم مطلَّقة منه وانتهت عدتها. واختلفوا في وجوبه عليها قضاء، أيستطيع القاضي إجبارها عليه أم لا؟ قال المالكية بالوجوب قضاء، فتجبر عليه، وقال الجمهور بأنه مندوب لا تجبر عليه، ولها أن تمتنع إلا عند الضرورة (١)، ورضاع الولد على الأب وحده، وليس له إجبار أمه على رضاعه، سواء كانت من مرتبة أدنى أو شريفة، وسواء أكانت في حال الزوجية أم مطلقة. وجاء في المقدمات الممهدات لابن رشد المالكي: ويستحب للأم أن ترضع ولدها. ومنشأ الخلاف: كيفية فهم المراد من قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة … ﴾ إلىقوله: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلَّمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ [سورة البقرة: ٢/ ٢٣٣]. ذهب المالكية: إلى أنه يجب على الأم إذا كانت زوجة أو معتدة من طلاق رجعي إرضاع ولدها، فلو امتنعت من إرضاعه بدون عذر، أجبرها القاضي، إلا المرأة الشريفة لثراء أو حسب فلا يجب عليها الإرضاع إن قبل الولد الرضاع من غيرها، فهم فهموا من الآية أنها أمر لكل والدة زوجة أو غيرها بالرضاع، وهو

стр. 7021

حق عليها، واستثنوا الشريفة بالعرف القائم على المصلحة. ولا يجب الإرضاع أيضاً على المطلقة طلاقاً بائناً، لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم، فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] فإن هذه الآية واردة في المطلقات طلاقاً بائناً. وقالوا: إن معنى قوله تعالى: ﴿لاتضارّ والدة بولدها، ولا مولود له بولده﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] أن الأم لا تأبى أن ترضعه إضراراً بأبيه، ولا يحل للأب أن يمنع الأم من إرضاعه. وذلك كله عند الطلاق؛ لأن ذكر النهي عن الضرر جاء عند ذكر الطلاق، ولأن النفقة واجبة للمطلقة الرجعية لأجل بقاء النكاح في العدة، ولا تستوجب الأم زيادة على النفقة لأجل رضاعه. أما البائن فيجب لها أجر الرضاع بنص الآية السابقة. وورد في صحيح البخاري عن النبي ﷺ : «تقول لك المرأة: أنفق عليَّ وإلا طلقني، ويقول لك العبد: أطعمني واستعملني، ويقول لك ابنك: أنفق علي، إلى من تكلني؟!». وذهب الجمهور إلى أن الآية أمر ندب وإرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن، إلا إذا لم يقبل الولد ثدي غير الأم، بدليل قوله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] وإنما ندب للأم إرضاع ولدها، لأن لبن الأم أصلح للطفل، وشفقة الأم عليه أكثر، ولأن الرضاع حق للأم، كما هو حق للوليد، ولا يجبر أحد على استيفاء حقه، إلا إذا وجد ما يستدعي الإجبار. ويفهم منه أن الفقهاء اتفقوا على وجوب الإرضاع على الأم في ثلاث حالات وهي:

стр. 7022

١ - ألا يقبل الطفل الرضاع إلا من ثدي أمه، فيجب عندئذ إرضاعه إنقاذاً له من الهلاك، لتعين الأم، كما تجبر المرضعة على استدامة الإجارة بعد مضي مدتها، إذا لم يقبل ثدي غيرها. ٢ - ألا توجد مرضعة أخرى سواها، فيلزمها الإرضاع حفاظاً على حياته. ٣ - إذا عدم الأب لاختصاصها به، أو لم يوجد لأبيه ولا للولد مال لاستئجار مرضعة، فيجب عليها إرضاعه، لئلا يموت. وأوجب الشافعية على الأم إرضاع اللَّبَأ: وهو اللبن النازل أول الولادة؛ لأن الولد لا يعيش بدونه غالباً، وغيرها لا يغني. استئجار المرضع: إذا امتنعت الأم عن الإرضاع في غير هذه الحالات، وجب على الأب أن يستأجر مرضعة وتسمى (ظئراً) لإرضاعه، محافظة على حياة الولد، وعلى الظئر المستأجرة أن ترضعه عند أمه؛ لأن الحضانة حق لها، وامتناعها عن الإرضاع لا يسقط حقها في الحضانة، لأن كلاً منهما حق مستقل عن الآخر. فإن لم يستأجر الأب مرضعة، كان للأم أن تطالبه قضاء بدفع أجرة الرضاع، لتستأجر هي من ترضعه. ولا يستأجر الأب ولو من مال الصغير أم الرضيع في حال الزوجية أو العدة من طلاق رجعي، ويجوز استئجارها إذا كانت بائناً في الأصح لدى الحنفية؛ لأن الأب في حال الزوجية والعدة قائم بنفقة الزوجة، ولا يجتمع عليه واجبان، وفي أخذها الأجرة من مال الصغير أخذ للأجرة على الواجب عليها ديانة، وهو الرضاع، أما بعد البينونة فلا تجبر الأم على إرضاع الولد قضاء، فساغ لها أخذ الأجرة على الرضاع في رواية صحيحة عند الحنفية وهي المعتمدة كما ذكر ابن عابدين، وفي رواية أخرى رجحها صاحب الهداية: لا أجرة لها؛ لأن لها النفقة في العدة.

стр. 7023

المطلب الثاني - حالة استحقاق الأم أجرة الرضاع، ومدة الاستحقاق وبدء الاستحقاق: أولاً - حالة استحقاق الأم أجرة الرضاع: إذا أرضعت الأم ولدها بنفسها أو بإجبارها على الرضاع قضاء، فهل تستحق أجرة على الرضاع؟ في الأمر تفصيل وهو ما يأتي (١): ١ - لا تستحق الأم أجرة الرضاع عند الحنفية والشافعية والحنابلة في حال الزوجية أو أثناء العدة من الطلاق الرجعي؛ لأن الزوج مكلف بالإنفاق عليها، فلا تستحق نفقة أخرى مقابل الرضاع، حتى لا يجتمع عليه واجبان: النفقة والأجرة في آن واحد، وهو غير جائز لكفاية النفقة الواجبة على الزوج. ووافق المالكية على هذا الرأي إذا كان الرضاع واجباً على الأم، وهو الحالة الغالبة، أما إن كان الرضاع غير واجب على الأم كالشريفة القدر، فإنها تستحق الأجرة على الرضاع. ٢ - تستحق الأم الأجرة على الرضاع بالاتفاق بعد انتهاء الزوجية والعدة، أو في عدة الوفاة، لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن

стр. 7024

لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] فهي واردة في المطلَّقات، ولأنه لا نفقة للأم بعد الزوجية وفي عدة الوفاة. ٣ - تستحق الأم الأجرة على الرضاع في عدة الطلاق البائن في الأصح عند بعض الحنفية، لأنها كالأجنبية، وكذا عند المالكية، لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم، فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] فقد أوجب تعالى للمطلقات بائناً الأجرة على الرضاع، حتى لو كانت حاملاً ولها النفقة؛ لأن كلاً من النفقة وأجرة الرضاع وجب بدليل خاص به، فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر. وهذا هو المقرر في القانون السوري كما سأبين. وذكر بعض الحنفية أن المفتى به عدم الفرق بين عدة الرجعي والبائن، فلا تستحق الأم أجرة الرضاع في الحالتين لوجوب النفقة لها مطلقاً، وهذا هو المعمول به في محاكم مصر. والحاصل: أن المدار في استحقاق الأم أجرة الرضاع وعدم استحقاقها على وجوب الرضاع وعدم وجوبه عليها في رأي المالكية، وعلى وجوب النفقة للأم وعدم وجوبها لها في رأي الحنفية. ثانياً - مدة الاستحقاق: اتفق الفقهاء على أن مدة استحقاق الأجرة على الرضاع هي سنتان فقط، فمتى أتم الطفل حولين كاملين، لم يكن للمرضع الأم الحق في المطالبة بأجرة الرضاع (١)، لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] د لت الآية على أن الأب يلزم بنفقة الرضاع في مدة سنتين فقط. ثالثاً - بدء الاستحقاق: تستحق المرضع غير الأم المسماة ظئراً وكذا الأم بعد انتهاء الزوجية الأجرة على الرضاع من تاريخ العقد؛ لأنها مستأجرة للرضاع، فلا تستحق الأجرة إلا من يوم العقد.

стр. 7025

وأما الأم المرضع في حال قيام الزوجية أو أثناء العدة من طلاق رجعي، فتستحق الأجرة بالإرضاع في المدة مطلقاً بلا عقد إجارة، في رأي المالكية، وأما في رأي الحنفية على الراجح فمن تاريخ قيامها بالإرضاع. وقيل عند الحنفية: من وقت طلبها الأجر. ولا تسقط الأجرة بموت الأب، بل تكون دائنة له أسوة بغرمائه، فليست الأجرة نفقة وإنما هي دين يستحق في التركة، إذ لو كانت نفقة لسقطت بموته، كما تسقط بالموت نفقة الزوجة والقريب ولو بعدا لقضاء، ما لم تكن مستدانة بأمر القاضي (١). وإذا لم يكن للرضيع أب وجبت الأجرة على من يلي الأب في الإنفاق عليه. المطلب الثالث - التفضيل بين الأم والمتبرعة بالرضاع: اتفق الفقهاء على أن الأم تقدم في الإرضاع إذا أرضعت ولدها بدون أجر، أو لم تطلب زيادة على ما تأخذه الأجنبية ولو دون أجر المثل، أو لم توجد مرضعة إلا بأجر، رعاية لمصلحة الصغير بسبب كون الأم أكثر حناناً وشفقة عليه من غيرها، ولأن في منع الأم من إرضاع ولدها إضراراً بها، وهو لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] دل النص على أن الأم أحق برضاع ولدها في الحولين (٢). فإن وجدت متبرعة بالإرضاع، وطلبت الأم الأجر، أو وجدت مرضعة بأجر أقل مما تأخذه الأم، كانت الأم عند المالكية والحنابلة هي الأحق من غيرها بأجر المثل، لإطلاق الآية السابقة: ﴿لا تضارّ والدة بولدها﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وآية:

стр. 7026

﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] ولأنها أحنى وأشفق على الولد من الأجنبية، ولبنها أمرأ من لبن غيرها. وتقدم الأجنبية في رأي الحنفية والشافعية في الأظهر (١) حينئذ، سواء أكان الأب موسراً أم معسراً؛ رفقاً بالأب ودفعاً للضرر عنه، لقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] أي بإلزامه لها أكثر من أجرة الأجنبية، وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢]. ويقال للأم حينئذ: إما أن ترضعيه متبرعة، أو بمثل الأجرة التي تطالب بها غيرك، وإما أن تسلميه لها. وإذا سلمته الأم لأجنبية بقي لها حق الحضانة، فإما أن ترضعه المرضعة عند الأم، وإما أن ترضعه في بيتها، ثم ترده إلى الأم. المطلب الرابع - المكلف بأجرة الرضاع ومقدار الأجرة: الأب: هو المكلف بأجرة الرضاع ؛ لأنه هو الملزم بالنفقة على الولد، وتكون أجرة الرضاع على من تجب عليه النفقة، لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥]. وعلى الأب خمس نفقات للولد الصغير: أجرة الرضاع، وأجرة الحضانة،

стр. 7027

ونفقة المعيشة من صابون ودهن وفرش وغطاء، وأجرة مسكن الحضانة الذي تحضنه فيه الأم، وأجرة خادم له إن احتاج إليه. وتلزم الأب نفقة الصغير وإن خالفه في دينه، كما تجب نفقة الزوجة على الزوج، وإن خالفته في دينه، للآيات السابقة، وكما سأبين. لكن إلزام الأب بالنفقة بأنواعها إذا لم يكن للصغير مال، فإن كان له مال، فالأصل أن نفقة الإنسان في مال نفسه، صغيراً كان أو كبيراً (١). فإن كان الأب فقيراً ولم يكن للصغير مال أجبرت الأم في رأي الحنفية على إرضاعه، وتكون الأجرة ديناً على الأب يطالب بها عند يساره. وتجبر الأم على الرضاع في رأي المالكية وليس لها الرجوع بالأجرة على الأب إذا أيسر. واجب المرضع: وأما المرضع فلا تكلف بشيء سوى الإرضاع، وما يوجبه عليها العرف كإصلاح طعام الولد وحفظه وغسله وغسل ثيابه؛ لأن خدمة الصغير واجب عليها؛ لأن العرف معتبر فيما لا نص فيه. فإن أرضعته بلبن شاة فلا أجر لها؛ لأنها لم تأت بالعمل الواجب عليها، وهو الإرضاع، وهذا العقد إيجار، وليس بإرضاع، وهو غير ما وقع عليه عقد الإجارة (٢) مقدار الأجرة: الأجرة التي تستحقها الأم هي أجرة المثل: وهي التي تقبل امرأة أخرى أن ترضع الولد في مقابلها. وتقديرها متروك للقاضي، فلو طلبت الأم أكثر من أجر المثل لا تجاب إلى طلبها.

стр. 7028

موقف القانون السوري من أجرة الرضاع: نصت المادة (١٥٢/ ١) على المكلف بأجرة الرضاع، ولكن في سن الرضاع، لا بعد الفطام: ١ - أجرة رضاع الولد، سواء أكان الرضاع طبيعياً أم اصطناعياً على المكلف بنفقته، ويعتبر ذلك في مقابل غذائه. ونصت الفقرة الثانية من هذه المادة على حالة عدم استحقاق الأم أجرة الرضاع: ٢ - لا تستحق الأم أجرة الرضاع حال قيام الزوجية، أو في عدة الطلاق الرجعي. والمعنى بالمفهوم أنها تستحق أجرة الرضاع بعد انتهاء الزوجية وانقضاء العدة مطلقاً، وفي عدة الطلاق البائن، وفي عدة الوفاة. ونصت المادة (١٥٣) على الأخذ برأي الحنفية، ولكن في حالة إعسار الأب فقط بتقديم المتبرعة بالرضاع على الأم، وهو المعقول، ونص المادة هو: «المتبرعة أحق بالإرضاع إن طلبت الأم أجرة، وكان الأب معسراً، على أن يكون الإرضاع في بيت الأم». ولكن في الحضانة تقدم الأم إذا كان الأب موسراً، ولو طلبت أجراً أكثر، وسبب التفريق بين الحضانة والرضاع: أن الرضاع أمر مادي يقصد به التغذية ونمو الجسد، أما الحضانة فتتطلب حناناً وشفقة، والأم أحن وأشفق من غيرها.

стр. 7029

المبحث الثاني - شروط الرضاع المحرِّم للزواج عند الفقهاء: اشترط الفقهاء للتحريم بالرضاع الشروط الستة الآتية (١): ١ - أن يكون لبن امرأة آدمية، سواء أكانت عند الجمهور بكراً أم متزوجة أم بغير زوج: فلا تحريم بتناول غير اللبن كامتصاص ماء أصفر أو دم أو قيح، ولا بلبن الرجل أو الخنثى المشكل أو البهيمة، فلو رضع صغيران من شاة مثلاً، لم يثبت بينهما أخوة، فيحل زواجهما؛ لأن الأخوة فرع الأمومة، فإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع. واشترط الحنابلة أن يكون بلبن امرأة ثار لها لبن من الحمل، فلو طلق رجل زوجته وهي ترضع من لبن ولده، فتزوجت بصبي رضيع، فأرضعته، حرمت عليه؛ لأن الرضيع يصير ابناً للرجل الذي ثار اللبن بوطئه. واشترط الشافعية في المرأة أن تكون حيَّة حياة مستقرة حال انفصال اللبن منها، بلغت تسع سنين قمرية تقريباً، وإن لم يحكم ببلوغها بذلك، فلا تحريم برضاع المرأة الميتة والصغيرة، أي أن لبن الميتة والصغيرة لا يحرم. لكن لو حلبت المرأة لبنها قبل موتها، وشربه الطفل بعد موتها، حرم في الأصح، لانفصاله منها، وهو حلال محترم. ولم يشترط الجمهور هذا الشرط، فلبن الميتة، والصغيرة التي لم تطق الوطء، إن قدر أن بها لبناً، يحرِّم؛ لأنه ينبت اللحم، ولأن اللبن لا يموت. ٢ - أن يتحقق من وصول اللبن إلى معدة الرضيع، سواء بالامتصاص من الثدي، أم بشربه من الإناء أو الزجاجة. وهذا شرط عند الحنفية، فإن لم يتحقق

стр. 7030

من الوصول إلى المعدة بأن التقم الثدي، ولم يعلم أرضع أم لا، فلا يثبت التحريم، للشك في وجود سبب التحريم وهو الرضاع، والأحكام لا تثبت بالشك. واكتفى المالكية باشتراط وصول اللبن تحقيقاً أو ظناً أو شكاً إلى الجوف من الفم برضاع الصغير، فيثبت التحريم ولو مع الشك، عملاً بالاحتياط، ولا يثبت التحريم على المشهور بمجرد الوصول إلى الحلق فقط. واشترط الشافعية والحنابلة وجود خمس رضعات متفرقات، والمرجع في معرفة الرضعة إلى العرف، ولايشترط كونها مشبعة، ولا بد من وصول اللبن إلى الجوف. ٣ - أن يحصل الإرضاع بطريق الفم أو الأنف: فقد اتفق أئمة المذاهب على أن التحريم يحصل بالوجور (وهو صب اللبن في الحلق) لحصول التغذية به كالارتضاع، وبالسَّعُوط (وهو صب اللبن في الأنف ليصل الدماغ) لحصول التغذي به؛ لأن الدماغ جوف له كالمعدة، بل لا يشترط التغذي بما وصل من منفذ عال، بل مجرد وصوله للجوف كاف في التحريم. ولا يحصل التحريم عند الحنفية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة في منصوص أحمد بالحقنة، أو بتقطير اللبن في العين أو الأذن أو الجرح في الجسم؛ لأن هذا ليس برضاع ولا في معناه، فلم يجز إثبات حكمه فيه، ولانتفاء التغذي. وقال المالكية: يحصل التحريم بحقنة تغذي أي تكون غذاء، لا مجرد وصول اللبن للجوف عن طريق الحقنة. وحينئذ يختلف ما وصل من منفذ عال، فلا يشترط فيه الغذاء، وما وصل من منفذ سفلي ونحوه فيشترط فيه التغذي. ٤ - ألا يخلط اللبن بغيره: وهذا شرط عند الحنفية والمالكية. فإن خلط بمائع آخر، فالعبرة عند الحنفية والمالكية للغالب، فإن غلب اللبن حرَّم، وإن غلب غير اللبن عليه، حتى لم يبق له عند المالكية طعم ولا أثر مع الطعام ونحوه، فلا يحرم؛

стр. 7031

لأن الحكم للأغلب، ولأنه بالخلط يزول الاسم والمعنى المراد به، وهو التغذي، فلا يثبت به الحرمة. ولافرق عند المالكية بين الخلط بالمائع أو بالطعام. واعتبر الشافعية في الأظهر والحنابلة في الراجح اللبن المشوب (المختلط بغيره) كاللبن الخالص الذي لا يخالطه سواه، سواء شيب بطعام أوشراب أو غيره، لوصول اللبن إلى الجوف، وحصوله في بطنه. ورأى أبو حنيفة خلافاً للصاحبين أن اللبن المخلوط بالطعام لا يحرم عنده بحال سواء أكان غالباً أم مغلوباً؛ لأن الطعام وإن كان أقل من اللبن، فإنه يسلب قوة اللبن ويضعفه، فلا تقع الكفاية به في تغذية الصبي، فكان اللبن مغلوباً معنى، وإن كان غالباً صورة. وإذا خلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى: فالحكم للغالب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن تساويا ثبت التحريم من المرأتين جميعاً للاختلاط. وقال المالكية ومحمد وزفر: يثبت التحريم من المرأتين جميعاً، سواء تساوى مقدار اللبنين أوغلب أحدهما الآخر، وهذا هو الراجح لدي؛ لأن اللبنين من جنس واحد، والجنس لا يغلب الجنس. ٥ - أن يكون الرضاع في حال الصغر باتفاق المذاهب الأربعة: فلا يحرم رضاع الكبير: وهو من تجاوز السنتين. وقال داود الظاهري: إن رضاع الكبير يحرم، وكانت عائشة ترى أن رضاعة الكبير تحرم، لما روي أن سهلة بنت سهيل قالت: «يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً، فكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضْلى (١)، وقد

стр. 7032

أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ : أرضعيه حتى يدخل عليه» (١)، فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها، وبناء عليه كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيراً خمس رضعات (٢). واستدل الجمهور على اشتراط كون الرضاع في حال الصغر بما يأتي: أولاً - بقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] فإنه تعالى جعل تمام الرضاعة في الحولين، فأفهم أن الحكم بعد الحولين بخلافه. وقال تعالى: ﴿وفصاله في عامين﴾ [لقمان:١٤/ ٣١] أي فطامه، فدل على أن أكثر مدة الرضاع المعتبرة شرعاً سنتان. ثانياً - بخبر: «لا رضاع إلا ماكان في الحولين» (٣) وخبر: «لا يحرِّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» (٤) وخبر «لا رضاع بعد فصال، ولا يُتْم بعد احتلام» (٥). وقال الشافعي ﵁ عن حديث سهلة: إنه رخصة خاصة بسالم، وكذلك قال الحنابلة وغيرهم، جمعاً بين الأدلة. ثبت عن عائشة أنها قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ وعندي رجل، فقال: من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة، قال: يا عائشة، انظُرن من إخوانكُنّ، فإنما

стр. 7033

الرضاعة من المجاعة» (١) وعن ابن مسعود: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم» (٢). والتزم الشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد بظاهر هذه الأدلة، فشرطوا أن يكون الرضاع في مدة الحولين الأولين من العمر، بالأشهر القمرية، ولو بعد الفطام؛ لأن حديث «فإنما الرضاعة من المجاعة» يراد به الرضاع الذي يكون في سن المجاعة، كيفما كان الطفل، وهو سن الرضاع، فلو ارتضع الطفل بعدهما بلحظة، ولو بعد فطامه، لم يثبت التحريم؛ لأن شرطه وهو كونه في الحولين لم يوجد، وإن حصل الرضاع في أثناء الحولين، ولو بعد الفطام، ثبت به التحريم؛ لأن الرضاع في وقته عرف محرِّماً في الشرع. ويكون انتهاء الحولين من تمام انفصال الرضيع، فإن ارتضع قبل تمامه لم يؤثر. هذا الرأي هو الراجح لقوة الأدلة التي استندوا إليها. وأضاف الإمام مالك مدة شهرين على الحولين؛ لأن الطفل قد يحتاج إلى هذه المدة لتحويل غذائه إلى الطعام. لكن إن فطم الولد عن اللبن، واستغنى بالطعام استغناء بيِّناً ولو في الحولين، أو لم يوجد له مرضع في الحولين، فاستغنى بالطعام أكثر من يومين وما أشبههما، فأرضعته امرأة، فلا يحرم، لأن مفهوم الحديث: «فإنما الرضاعة من المجاعة» يدل على أن الطفل غير مفطوم، فإن فطم في بعض الحولين، لم يكن رضاعاً من المجاعة. وأضاف الإمام أبو حنيفة أيضاً مدة نصف سنة على الحولين، فتكون مدة الرضاعة عنده ثلاثين شهراً، لاحتياج الطفل إلى هذه المدة للتدرج من اللبن إلى الطعام المعتاد، لكن إن استغنى بالفطام عن اللبن استغناء تاماً، لم يكن ذلك

стр. 7034

رضاعاً؛ لأنه لا رضاع بعد الفطام، وإن فطم الطفل فأكل أكلاً ضعيفاً لا يستغنى به عن الرضاع، ثم عاد فأرضع، كما يرضع أولاً في الثلاثين شهراً، فهو رضاع محرم، كما يحرم رضاع الصغير الذي لم يفطم، ويحمل الحديث السابق: «لا رضاع بعد فصال» على الفصال المعتاد المتعارف. واستدل للإمامين مالك وأبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ .. ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور، فلا جناح عليهما﴾ [البقرة:٢/ ٢٣٣] فالآية في نهايتها تدل على أن للوالدين الخيار في فطم الطفل عند تمام الحولين. والتحديد بالحولين في مقدم الآية إنما هو لبيان المدة التي يجوز فيها للأم المطلَّقة أن تأخذ فيها أجراً على الرضاع. وأجيب عنه بأن الفطام الذي يحتاج إلى المشاورة والتراضي بين الوالدين هو الذي يكون قبل تمام الحولين، فإن استمر الرضاع بعد الحولين لضعف الطفل، فلا مانع منه للحاجة، ولكن لا يترتب عليه أحكامه من التحريم وأخذ الأم المطلقة أجراً عليه. ٦ - أن يكون الرضاع خمس رضعات متفرقات فصاعدا ً: وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة، والمعتبر في الرضعة العرف، فلو انقطع الطفل عن الرضاع إعراضاً عن الثدي تعدد الرضاع، عملاً بالعرف، ولو انقطع للتنفس أو الاستراحة أو الملل أو الانتقال من ثدي إلى آخر أو من امرأة إلى أخرى أو اللهو أو النومة الخفيفة أو ازدراء ما جمعه من اللبن في فمه، وعاد في الحال، فلا تعدد، بل الكل رضعة واحدة. وإن رضع أقل من خمس رضعات فلا تحريم، وإن شك في عدد الرضعات بني على اليقين؛ لأن الأصل عدم وجود الرضاع المحرم، لكن في حالة الشك الترك أولى، لأنه من الشبهات. واستدلوا بأدلة ثلاثة:

стр. 7035

أولها - ما روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن» (١) أي يتلى حكمهن أو يقرؤهن من لم يبلغه النسخ لقربه. لكن قيل عنه: إنه مضطرب. ثانيها - إن علة التحريم بالرضاع هي شبهة الجزئية التي تحدث باللبن الذي ينبت اللحم وينشز العظم، أي ينميه ويزيده، وهذا لا يتحقق إلا برضاع يوم كامل على الأقل، وهو خمس رضعات متفرقات. ثالثها - حديث «لا تحرم المصة والمصتان» وفي رواية «لا تحرم المصة والمصتان، ولا الإملاجة والإملاجتان» (٢). وقال المالكية والحنفية: الرضاع المحرم يكون بالقليل والكثير، ولو بالمصة الواحدة، للأدلة الثلاثة التالية: أولها - عموم قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء:٢٣/ ٤] فإنه علَّق التحريم بالإرضاع من غير تقدير بقدر معين، فيعمل به على إطلاقه. ثانيها - حديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٣) فإنه ربط التحريم بمجرد الرضاع، ويؤكده آثار عن بعض الصحابة، روي عن علي وابن مسعود وابن عباس أنهم قالوا: قليل الرضاع وكثيره سواء.

стр. 7036

ثالثها - إن الرضاع فعل يتعلق به التحريم، فيستوي قليله وكثيره؛ لأن شأن الشارع إناطة الحكم بالحقيقة مجردة عن شرط التكرار والكثرة، وتتحقق جزئية الرضيع من المرضعة بالقليل والكثير. ويعمل بهذا الرأي في مصر وليبيا، ويعمل في سورية بالرأي الأول، وهو الراجح، لما فيه من توسعة وتيسير على الناس. المبحث الثالث - ما يثبت به الرضاع: يثبت الإرضاع بأحد أمرين: الإقرار والبينة (١). ١ - أما الإقرار: فهو عند الحنفية اعتراف الرجل والمرأة معاً أو أحدهما بوجود الرضاع المحرم بينهما. فإذا أقر الرجل والمرأة بالرضاع قبل الزواج، بأن اعترفا بأنهما أخوان من الرضاع، فلا يحل لهما الإقدام على الزواج، وإن تزوجا كان العقد فاسداً، ولم يجب للمرأة شيء من المهر. وإن كان الإقرار بعد الزواج وجب عليهما الافتراق، فإن لم يفترقا اختياراً، فرق القاضي بينهما جبراً؛ لأنه تبين فساد العقد، ويجب للمرأة الأقل من المسمى ومهر المثل. ب - وإذا كان الإقرار من جانب الرجل وحده، كأن يقول: هي أختي أو أمي أو بنتي في الرضاع: فإن كان الإقرار قبل الزواج، فلا يحل له التزوج بها. وإن كان بعد الزواج، وجب عليه أن يفارق المرأة، فإن لم يفارقها اختياراً، وجب على

стр. 7037

القاضي أن يفرق بينهما جبراً، ويكون للمرأة في التفريق قبل الدخول نصف المهر المسمى، وبعد الدخول يكون لها جميع المهر المسمى، ولها النفقة والسكنى في العدة؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر لايتعداه إلى غيره إلا إذا صدقه الغير، أو ثبتت بالبينة صحة الإقرار، ولكن لا يبطل حقها بالمهر والنفقة والسكنى. جـ - وإذا كان الإقرار من جانب المرأة وحدها: فإن كان قبل الزواج، فلا يحل لها أن تتزوجه، ولكن يحل له أن يتزوجها إذا وقع في قلبه كذبها على المفتى به؛ لأن الطلاق له لا لها، والإقرار حجة قاصرة على المقر، ويحتمل أن يكون إقرارها لغرض خفي في نفسها. وإن كان الإقرار منها بعد الزواج، فلا يؤثر الإقرار على صحة الزواج إلا إذا صدقها الزوج فيه. ويجوز للمقر الرجوع عن إقراره ما لم يشهد على إقراره، سواء قبل الزوج أم بعده، بأن يقول: كنت واهماً أو ناسياً، لاحتمال أنه أقر بناء على إخبار غيره، ثم تبين له كذبه. فإن أشهد على إقراره، لم يقبل منه الرجوع بعدئذ، لوجود التناقض بين إقراره ورجوعه. ويثبت الرضاع عند المالكية بإقرار الزوجين معاً، أو باعتراف أبويهما، أوباعتراف الزوج المكلف وحده ولو بعد العقد؛ لأن المكلف يؤخذ بإقراره، أو باعتراف الزوجة فقط إذا كانت بالغاً قبل العقد عليها، لا إن أقرت بعده، ويفسخ الزواج بينهما في كل هذه الأحوال. فإن حصل الفسخ قبل الدخول بها فلا شيء لها، إلا أن يقر الزوج فقط بعد العقد، فأنكرت، فلها نصف المهر (١).

стр. 7038

وإن حدث الفسخ بعد الدخول بها، فلها المهر المسمى جميعه، إلا إذا علمت المرأة بالرضاع قبل الدخول، ولم يعلم هو، فلها ربع دينار بالدخول. وليس لها نفقة ولا سكن. ويقبل إقرار أحد أبوي صغير، بأن أقر أبوه أو أمه بالرضاع قبل العقد عليه فقط، فلا يصح العقد بعد الإقرار. ولا يصح الرجوع عن الإقرار، سواء أصر المقر على إقراره أم لم يصر. ويشترط لصحة الإقرار عند الشافعية رجلان، فلا يثبت بإقرار غيرهما، لاطلاع الرجال عليه غالباً. ولو قال الرجل: هند بنتي أو أختي برضاع، أو قالت المرأة: هو أخي، حرم تناكحهما، لأنه يؤاخذ كل منهما بإقراره. ولو قال زوجان: بيننا رضاع محرِّم، فرِّق بينهما، وسقط المهر المسمى، ووجب مهر المثل إن حدث الوطء. وإن ادعى الزوج رضاعاً محرِّماً، فأنكرت زوجته ذلك؛ انفسخ النكاح وفرق بينهما، ولها إن وطئ المهر المسمى إن كان صحيحاً، وإلا فمهر المثل، لاستقراره بالدخول. فإن لم يطأ فلها نصف المهر، لورود الفرقة منه، ولا يقبل قوله عليها، وله تحليفها قبل الدخول، وكذا بعد الدخول إن كان المسمى أكثر من مهر المثل. وإن نكلت عن اليمين حلف الزوج ولزمه مهر المثل فقط بعد الوطء، ولا شيء لها عليه قبله. وإن ادعت الزوجة الرضاع، فأنكر الزوج ذلك، صدق بيمينه إن زوِّجت برضاها، وإلا بأن زوجت بغيررضاها، فالأصح تصديقها بيمينها. ولها في الحالين مهر مثلها إن وطئت جاهلة بالرضاع.

стр. 7039

وقال الحنابلة: إن أقر الزوج قبل الدخول بالرضاع المحرِّم، بأن قال: هي أختي من الرضاعة، انفسخ النكاح، كما قال الشافعية. فإن صدقته المرأة فلا مهر لها، وإن كذبته فلها نصف المهر. وإن أقرت المرأة بأن زوجها أخوها من الرضاع، فكذبها، لم يقبل قولها في فسخ النكاح؛ لأنه حق عليها، فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأنها تقر بأنها لاتستحقه. وإن كان بعد الدخول، فأقرت بعلمها بالرضاع وبتحريمها عليه، فلا مهر لها أيضاً، لإقرارها بأنها زانية مطاوعة. وإن أنكرت شيئاً من ذلك، فلها المهر؛ لأنه وطء بشبهة، وهي زوجته في ظاهر الحكم؛ لأن قولها عليه غير مقبول. ٢ - وأما البينة: فهي الشهادة، وهي الإخبار في مجلس القضاء بحق الشخص على الغير. وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على ثبوت الرضاع بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين من أهل العدالة. واختلفوا في ثبوت الرضاع بشهادة رجل واحد، أو امرأة واحدة، أو أربع من النساء. فقال الحنفية: لا تقبل هذه الشهادات، لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين» وكان قوله بمحضر من الصحابة، ولم ينكر أحد، فكان هذا إجماعاً، ولأن الرضاع مما يطلع عليه الرجال، فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد، كالشهادة في الدخول.

стр. 7040

وقال المالكية: لا يثبت الرضاع قبل العقد بشهادة امرأة فقط ولو فشا منها أومن غيرها الرضاع، إلا أم الصغير، فتقبل شهادتها، مع الفشو، ولا يصح العقد معه. ويثبت الرضاع بشهادة رجل وامرأة أو بشهادة امرأتين إن فشا الرضاع منهما أو من غيرهما بين الناس، قبل العقد. ولا تشترط مع الفشو عدالة على الأرجح. وإنما اشترط لقبول هذه الشهادة: الإظهار قبل الزواج، لإبعاد التهمة عن الشاهد بهذه الشهادة. وقال الشافعية: يثبت الرضاع بشهادة أربع نسوة، لاختصاص النساء بالاطلاع عليه غالباً كالولادة، ولا يثبت بدون أربع نسوة، إذ كل امرأتين بمثابة رجل. وتقبل شهادة المرضعة مع غيرها، إن لم تطلب أجرة عن رضاعها، ولا ذكرت فعلها، بل شهدت أن بينهما رضاعاً محرِّماً؛ لأنها لا تريد بهذه الشهادة نفعاً ولا تدفع ضرراً. أما إذا طلبت الأجرة فلا تقبل شهادتها؛ لأنها متهمة. وتقبل شهادة أم الزوجة وبنتها مع غيرهما حسبة بلا تقدم دعوى، ومن المتفق عليه أن الرضاع مما تقبل فيه شهادة الحسبة، فلا تتوقف على الدعوى، لأنه يتضمن الحرمة، وهي من حقوق الله تعالى، كما تقبل الشهادة على الطلاق حسبة دون تقدم دعوى.
следующие страницы →