ونصت المادة (١٢٧/ ١) من القانون السوري على هذا: «إذا توفي الزوج، وكانت المرأة في عدة الطلاق الرجعي، تنتقل إلى عدة الوفاة، ولا يحسب ما مضى».
أما إن مات الرجل في أثناء عدة زوجته من طلاق بائن، فلا تنتقل إلى عدة الوفاة، بل تتم عدة الطلاق البائن؛ لأنها ليست بزوجة، فتكمل عدة الطلاق، ولا حداد عليها، ولها النفقة إن كانت حاملاً.
رابعاً - العدة بأبعد الأجلين - عدة طلاق الفارّ:
للفقهاء مذهبان:
مذهب أبي حنيفة ومحمد وأحمد: إن كان الطلاق فراراً من إرث الزوجة بأن طلق في مرض الموت بقصد حرمانها من الميراث، ثم مات وهي في العدة، فإنها تنتقل من عدة الطلاق، إلى العدة بأبعد الأجلين من عدة الوفاة وعدة الطلاق احتياطاً، بأن تتربص أربعة أشهر وعشراً من وقت الموت، فإن لم تر فيها حيضاً تعتد بعدها بثلاث حيضات في رأي الحنفية والحنابلة. وإن امتد طهرها تبقى عدتها حتى تبلغ سن اليأس؛ لأن المرأة لما ورثت من زوجها، اعتبر الزواج قائماً حكماً وقت الوفاة، فتجب عليها عدة الوفاة، وبما أن الطلاق بائن فلا تعد زوجيتها قائمة، ولا تجب عليها عدة الوفاة، وإنما عدة الطلاق، فمراعاة لهذين الاعتبارين تتداخل العدتان، وتعتد بهما معاً.
وأخذ القانون السوري (م ١٢٧/ ٢) بهذا الرأي: «إذا توفي وهي في عدة البينونة، تعتد بأبعد الأجلين من عدة الوفاة أو البينونة» لكن كان ينبغي تقييد لفظ البينونة بكونها في حالة طلاق الفرار. أما في غير تلك الحالة فلا تنتقل العدة؛ لأن الزوجية غير قائمة بعد طلاق بائن.
стр. 6967
ومذهب مالك والشافعي وأبي يوسف: أن زوجة الفارّ لا تعتد بأطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وإنما تكمل عدة الطلاق؛ لأن زوجها مات وليست زوجة له؛ لأنها بائن من النكاح، فلا تكون منكوحة. واعتبار الزواج قائماً وقت الوفاة في رأي مالك إنما هو في حق الإرث فقط، لا في حق العدة؛ لأن ما ثبت على خلاف الأصل لا يتوسع فيه. وهذا عندي هو الراجح.
ويتصور اعتداد المرأة بأبعد الأجلين لدى الشافعية فيما لو طلق الرجل إحدى امرأتيه طلاقاً بائناً، ومات قبل بيان أو تعيين المطلَّقة، فإن كل واحدة تعتد بالأكثر من عدة وفاة وثلاثة من أقرائها؛ لأن كل واحدة وجب عليها عدة بالطلاق، واشتبهت عليها بعدة أخرى بالوفاة، فوجب أن تأتي بأبعد الأجلين لتخرج عما عليها بيقين، كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين، يلزمه أن يأتي بهما.
وتعتد المرأة بأقصى الأجلين عند المالكية كما بان في حالة الانتقال إلى عدة وفاة، كأن يموت زوج الرجعية في عدتها.
المبحث الرابع - وقت ابتداء العدة وما يعرف به انقضاؤها:
ابتداء العدة: فصَّل الحنفية مبدأ العدة على النحو التالي (١):
١ - إن كان الزواج صحيحاً: فمبدأ العدة بعد الطلاق أو الفسخ أو الموت، فابتداء العدة في الطلاق ونحوه عقيب الطلاق، وفي الوفاة عقيب الوفاة بالاتفاق بين الفقهاء، وتنقضي العدة وإن جهلت المرأة بالطلاق أو الوفاة؛ لأنها أجل، فلا
стр. 6968
يشترط العلم بمضي الأجل، سواء اعترف الرجل بالطلاق أو أنكر، فلو طلق الرجل امرأته ثم أنكره، وأقيمت عليه بيِّنة وقضى القاضي بالفرقة، كأن ادعته عليه في شوال، وقضى به القاضي في المحرَّم، فالعدة من وقت الطلاق، لا من وقت القضاء.
وتنقضي العدة، وإن لم تعلم المرأة بالطلاق أو الوفاة، فلو طلق الرجل امرأته الحامل أو مات عنها، ولم يبلغها الخبر حتى وضعت، انقضت عدتها بالاتفاق.
٢ - وإن كان الزواج فاسداً: فمبدأ العدة بعد أو عقيب التفريق من القاضي بين الزوجين، أو بعد المتاركة وإظهار عزم الواطئ على ترك وطئها، بأن يقول بلسانه: تركت وطأها، أو تركتها، أو خليت سبيلها، ونحوه، ومنه الطلاق وإنكار الزواج إذا كان بحضرتها، وإلا فلا يعد الإنكار متاركة.
ونص القانون السوري (م ١٢٥) على ابتداء العدة في الزواج الصحيح والفاسد: «تبدأ العدة من تاريخ الطلاق أو الوفاة أو الفسخ، أو التفريق القضائي أو المفارقة في النكاح الفاسد».
٣ - وإن كان الوطء بشبهة: فقال ابن عابدين (١): لم أر من صرح بمبدأ العدة في الوطء بشبهة بلا عقد، وينبغي أن يكون من آخر الوطآت عند زوال الشبهة، بأن علم أنها غير زوجته، وأنها لا تحل؛ إذ لا عقد هنا، فلم يبق سبب للعدة سوى الوطء المذكور.
وهذا الرأي حق، فإن بدء العدة ببدء السبب الذي أدى إليها، والوقاع في حالة الوطء بشبهة هو سبب هذه العدة، فتبتدئ منه.
стр. 6969
تداخل العدتين: إذا تجدد سبب العدة في أثناء عدة سابقة، فهل تتداخل العدتان أم تكمل العدة السابقة، وتستأنف بعدئذ عدة أخرى؟
يرى الحنفية (١): أنه إذا وجبت عدتان تداخلتا، سواء أكانتا من جنس واحد، أم من جنسين، ومن رجل واحد أم من رجلين، مثال الجنس الواحد ومن رجل واحد: إذا تزوجت المطلقة في عدتها، فوطئها الزوج، ثم تتاركا، حتى وجبت عليها عدة أخرى، فإن العدتين تتداخلان. ومثال الجنسين ومن رجلين: المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة، فعليها عدة أخرى، وتتداخل العدتان.
وذلك لأن العدة عندهم هي أجل حدد لانقضاء ما بقي من آثار الزواج، بخلاف الجمهور الذي يجعلون العدة هي فعل التربص.
ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف أنه إذا طلق الرجل زوجته التي دخل بها طلاقاً بائناً بينونة صغرى، ثم تزوجها قبل انقضاء عدتها، وطلقها قبل أن يدخل بها، وجب عليها أن تبدأ عدة جديدة، ولا تبني على ما سبق من العدة الأولى؛ لأنها بالعقد عادت إلى حالها الأول، وهي كانت مدخولاً بها، فإذا طلقها كان طلاقاً بعد الدخول حكماً، فيجب عليها عدة مستقلة، ولها مهر كامل. ولم يوجب مالك ومحمد عليها عدة جديدة، بل تكمل عدتها الأولى، ويجب لها نصف المهر المسمى.
وقال الجمهور (٢): إذا كانت العدتان لشخص واحد ومن جنس واحد، تداخلتا، كأن طلق رجل زوجته، ثم يطؤها في عدة أقراء أو أشهر، جاهلاً كون
стр. 6970
الطلاق بائناً، أو عالماً أنها رجعية، تداخلت العدتان، فتبتدئ عدة بأقراء أو أشهر من فراغ الوطء، ويدخل فيها بقية عدة الطلاق؛ لأن مقصود عدة الطلاق والوطء واحد، فلا معنى للتعدد، وتكون تلك البقية واقعة عن الجهتين.
وكذلك تتداخل العدتان إن لم تتفقا وكانتا من جنسين، بأن كانت إحداهما حَمْلاً، والأخرى أقراء، بأن طلقها وهي حامل، ثم وطئها قبل وضع الحمل، أو طلقها وهي غير حامل ثم وطئها في أثناء الأقراء، فأحبلها، فتنقضي العدتان بوضع الحمل على الجهتين، سواء رأت الدم مع الحمل أو لا. وللزوج في عدة طلاق رجعي أن يراجع قبل وضع الحمل.
أما إن كانت العدتان من شخصين: بأن كانت في عدة زوج أو في عدة وطء شبهة، ثم وطئت بشبهة أو نكاح فاسد، والواطئ غير صاحب العدة الأولى، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة، فطلقت بعد وطء الشبهة، فلا تداخل، عملاً بأثر عن عمر وعلي رواه الشافعي ﵃ أجمعين. فإن وجد حمل اعتدت بوضعه أولاً، وإن لم يكن حمل، أتمت عدة الطلاق ولو كان الوطء بشبهة سابقاً للطلاق، لقوة عدة الطلاق بسبب استنادها إلى عقد جائز وسبب مسوغ، ثم تستأنف العدة الأخرى.
ولو تزوجت المطلَّقة في عدتها من الطلاق، فدخل بها الثاني، ثم فرق بينهما لبطلان الزواج، اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الثاني.
أما عند الحنفية فتعتد من الثاني بعد مفارقته، وتكون عدة الأقراء من الثاني عن بقية عدة الأول وعدة الثاني؛ لأن القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعاً.
وإن كانت حاملاً فوضع الحمل يجزي عن العدتين اتفاقاً كما تقدم.
стр. 6971
ما يعرف به انقضاء العدة:
إذا حدث اختلاف في انقضاء العدة مع زوج المرأة الذي طلقها، فمن الذي يصدق، المرأة أم الزوج؟
يعرف انقضاء العدة إما ب القول وإما ب الفعل (١):
أما الفعل: فنحو أن تتزوج بزوج آخر، بعد ما مضت مدة تنقضي في مثلها العدة، فلو قالت المرأة بعد الزواج: لم تنقض عدتي، لم تصدق، لا في حق الزوج الأول، ولا في حق الزوج الثاني، ويكون زواج الزوج الثاني جائزاً؛ لأن إقدامها على التزوج بعد مضي مدة يحتمل انقضاء العدة في مثلها دليل الانقضاء.
وأما القول: فهو إخبار المعتدة بانقضاء العدة في مدة يحتمل الانقضاء في مثلها، فإن قالت: مضت عدتي، والمدة تحتمله، وكذبها الزوج، قبل قولها بيمينها، وإن لم تحتمله المدة، لا يقبل قولها؛ لأن الأمين إنما يصدق فيما لا يخالف الظاهر.
وإذا قال الزوج: أخبرتني امرأة سابقاً أن عدتها قد انقضت، فإن كانت في مدة لا تنقضي في مثلها، لا يقبل قوله ولا قولها، إلا إذا تبين ما هو محتمل من إسقاط سِقْط مستبين الخلق، فحينئذ يقبل قولها. وإن كانت في مدة تحتمل الانقضاء فكذبته المرأة، يعمل بخبرها بقدر الإمكان، فيعمل بخبره في حقه وحق الشرع، فله أن يتزوج بأختها؛ لأنه أمر ديني قبل قوله فيه، ويعمل بخبرها في حقها، فتستحق النفقة والسكنى.
وأما أقل المدة التي تصدق فيها المعتدة لانقضاء عدتها، فعلى التفصيل التالي في رأي الحنفية:
стр. 6972
أـ إن كانت من ذوات الأشهر: فإنها لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر في عدة الطلاق. وفي عدة الوفاة لا تصدق في أقل من أربعة أشهر وعشر.
ب - وإن كانت من ذوات الأقراء (الحيضات): فإن كانت معتدة من وفاة، فلا تصدق في أقل من أربعة أشهر وعشر. وإن كانت معتدة من طلاق: فإن أخبرت بانقضاء عدتها في مدة تنقضي في مثلها العدة، يقبل قولها. وإن أخبرت في مدة لا تنقضي في مثلها العدة، لا يقبل قولها، إلا إذا فسرت ذلك، بأن قالت: أسقطت سقطاً مستبين الخلق أو بعضه، فيقبل قولها؛ لأنها أمينة في إخبارها عن انقضاء عدتها، فإن الله تعالى ائتمنها في ذلك بقوله : ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ [البقرة:٢٢٨/ ٢] قيل في التفسير: إنه الحيض والحبل. والقول قول الأمين بيمينه.
فإذا أخبرت بانقضاء العدة في مدة تنقضي في مثلها، يقبل قولها، ولا يقبل إذا كانت المدة مما لا تنقضي العدة في مثلها؛ لأن قول الأمين إنما يقبل فيما لا يكذبه الظاهر، والظاهر هنا يكذبها.
وأما أقل ما تصدق فيه المعتدة بالأقراء:
فقال أبو حنيفة: أقل ما تصدق فيه الحرة ستون يوماً، عملاً بالوسط في مدة الحيض وهو خمسة أيام، فتكون الحيضات الثلاث خمسة عشر يوماً، والأطهار خمسة وأربعين يوماً على أن يبدأ بالطهر، فيكون المجموع ستين يوماً.
وقال الصاحبان: تسعة وثلاثون يوماً، عملاً بأقل الحيض وهو ثلاثة أيام، فتكون الحيضات تسعة أيام على أن يبدأ بالحيض ثلاثة أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض ثلاثة أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض ثلاثة أيام، فذلك تسعة وثلاثون يوماً.
стр. 6973
وقد بينت سابقاً آراء المذاهب الأخرى في مبحث اختلاف الزوجين في الرجعة.
المبحث الخامس - أحكام العِدَد أو حقوق المعتدة وواجباتها: يتعلق بالمعتدة الأحكام التالية (١):
أولاً - تحريم الخطبة: لا يجوز للأجنبي خطبة المعتدة صراحة، سواء أكانت مطلقة أم متوفى عنها زوجها؛ لأن المطلقة طلاقاً رجعياً في حكم الزوجة، فلا يجوز خطبتها، ولبقاء بعض آثار الزواج في المطلقة ثلاثاً أو بائناً أو متوفى عنها زوجها.
ولا يجوز أيضاً التعريض بالخطبة في عدة الطلاق، ويجوز في عدة الوفاة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة:٢٣٥/ ٢] إلى أن قال: ﴿ولكن لا تواعدوهن سراً، إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ [البقرة:٢٣٥/ ٢] ولأنه في عدة الطلاق لايجوز للمعتدة الخروج من منزلها أصلاً ليلاً ولا نهاراً، ويجوز للمتوفى عنها عند الحنفية الخروج نهاراً، ولأن إثارة العداوة بالتعريض لزوجها الأول يتصور في المطلقة لا المتوفى عنها. وقد ذكرت الحكم تفصيلاً في بحث الخطبة.
стр. 6974
ثانياً - تحريم الزواج: لا يجوز للأجنبي إجماعاً نكاح المعتدة، لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة:٢/ ٢٣٥] أي لا تعقدوا عقد النكاح حتى تنقضي العدة التي كتبها الله على المعتدة، ولبقاء الزوجية في الطلاق الرجعي، وبعض آثار الزواج في الطلاق الثالث والبائن. وإذا تزوجت فالنكاح باطل، لأنها ممنوعة من الزواج لحق الزوج الأول، فكان نكاحاً باطلاً كما لو تزوجت وهي في نكاحه، ويجب أن يفرق بينه وبينها.
ويجوز لصاحب العدة أن يتزوج المعتدة؛ لأن الإلزام بالعدة إنما شرع مراعاة لحق الزوج، فلا يجوز أن يمنع حقه، فالعدة لحفظ مائه وصيانة نسبه، ولا يصان ماؤه عن بعضه، ولا يحفظ نسبه عنه، فإذا انقضت العدة جاز لأي شخص أن يتزوجها.
والقاعدة عند المالكية: كل نكاح فسخ بعد الدخول اضطراراً، فلا يجوز للزوج أن يتزوج المرأة في عدتها منه، وكل نكاح فسخ اختياراً من أحد الزوجين، حيث لهما الخيار، جاز أن يتزوجها في عدتها منه (١).
ثالثاً - حرمة الخروج من البيت: للفقهاء آراء متقاربة في مسألة خروج المعتدة من البيت، الحنفية: فرقوا بين المطلقة والمتوفى عنها، فقالوا: يحرم على المطلقة البالغة العاقلة الحرة المسلمة المعتدة من زواج صحيح الخروج ليلاً ونهاراً، سواء أكان الطلاق بائناً أم ثلاثاً أم رجعياً، لقوله تعالى في الطلاق الرجعي: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] بأن تزني فتخرج لإقامة الحد
стр. 6975
عليها، ويرى أبو حنيفة أن الفاحشة هي نفس الخروج، وقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] والأمر بالإسكان نهي عن الإخراج والخروج. وأما في الطلاق الثلاث أو البائن، فلعموم النهي عن الخروج، ومساس الحاجة إلى الحفاظ على الأنساب وعدم اختلاط المياه.
وأما المتوفى عنها: فلا تخرج ليلاً، ولا بأس أن تخرج نهاراً في حوائجها؛ لأنها تحتاج إلى الخروج بالنهار لاكتساب ما تنفقه؛ لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ولا تخرج بالليل، لعدم الحاجة إلى الخروج بالليل، بخلاف المطلَّقة، فإن نفقتها على الزوج، فلا تحتاج إلى الخروج.
وليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن أو رجعي أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى سفر ولو إلى حج فريضة إذا كانت معتدة من نكاح صحيح. ولا يجوز للزوج أن يسافر بها لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] والمذهب أن للزوج ضرب المرأة المفارقة على الخروج من منزله بلا إذن، إلا إن احتاجت إلى الاستفتاء في حادثة، ولم يرض الزوج أن يستفتي لها، وهو غير عالم.
ويجوز للمعتدة من نكاح فاسد أن تخرج؛ لأن أحكام العدة مرتبة على أحكام النكاح الصحيح. ويجوز أيضاً للصغيرة والمجنونة أن تخرج من منزلها إذا لم يكن في الفرقة رجعة، سواء أذن الزوج لها أم لم يأذن؛ إذ أن حق الله في العدة لا يجب عل الصغير والمجنون، ولأنه لا ولد من الصغيرة، فلم يبق للزوج حق. ولكن يجوز للزوج منع المجنونة من الخروج حفاظاً على مائه وتحصينه من الاختلاط. وإن كانت الفرقة رجعية فلا يجوز للصغيرة الخروج بغير إذن الزوج؛ لأنها زوجته.
стр. 6976
هذا كله في حال الاختيار، أما في حال الضرورة فلكل معتدة الخروج، فإن اضطرت إلى الخروج من بيتها، بأن خافت سقوط منزلها، أو خافت على متاعها، أو لا تجد أجرة البيت الذي تستأجره في عدة الوفاة، فلا بأس عندئذ أن تخرج. وتنتقل المعتدة المطلقة في البادية مع أهل الكلأ في محفة أو خيمة مع زوجها إن تضررت في المكان الذي طلقها فيه، وإن لم تتضرر فلا تنتقل من مكانها.
وأجاز المالكية والحنابلة للمعتدة الخروج لضرورة أو عذر، كأن خافت هدماً أو غرقاً أوعدواً أو لصوصاً أو غلاء كرائها أو نحوه، كما قرر الحنفية، وأجازوا أيضاً للمعتدة مطلقاً الخروج في حوائجها نهاراً، سواء أكانت مطلَّقة أم متوفى عنها، لما روى جابر قال: «طُلِّقت خالتي ثلاثاً، فخرجت تجذّ نخلها، فلقيها رجل، فنهاها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: اخرجي فجذي نخلك، لعلك أن تتصدقي منه، أو تفعلي خيراً» (١)، وروى مجاهد قال: «استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله ﷺ ، وقلن: يا رسول الله، نستوحش بالليل، أفنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله ﷺ : تحدثن عند إحداكن، حتى إذا أردتن النوم، فلتؤب كل واحدة إلى بيتها».
وليس للمعتدة المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلاً إلا لضرورة؛ ولا تبيت إلا في دارها؛ لأن الليل مظنة الفساد، بخلاف النهار، فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش، وشراء ما يحتاج إليه.
وإن وجب عليها حق لا يمكن استيفاؤه إلا بها كاليمين والحد، وكانت ذات خِدْر (أي ستر) بعث إليها الحاكم من يستوفي الحق منها في منزلها. وإن كانت بَرْزَة (هي الظاهرة غير المستترة) جاز إحضارها لاستيفائه، فإذا فرغت رجعت إلى منزلها.
стр. 6977
ولم يجز الشافعية للمعتدة مطلقاً، سواء أكانت رجعية أم مبتوتة أم متوفى عنها زوجها، الخروج من موضع العدة إلا لعذر، لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] وعن فُرَيعة بنت مالك قالت: «قلت لرسول الله ﷺ : إني في دار وحشة، أفأنتقل إلى دار أهلي، فأعتد عندهم؟ فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله» قالت: «فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً» (١).
ورأي الشافعية والحنابلة أن منزل البدوية وبيتها من شعر كمنزل حضرية في لزوم الموضع الذي مات زوجها وهي فيه، فلو ارتحل في أثنائها كل الحي انتقلت معهم للضرورة. وإن ارتحل بعض الحي، بقيت مع الباقين إن كان فيهم قوة، لكن لو ارتحل أهلها لها أن ترتحل معهم؛ لأن مفارقة الأهل عسرة موحشة.
رابعاً - السكنى في بيت الزوجية والنفقة: هذا حق للمرأة واجب على الزوج، أما سكنى المعتدة أي معتدة في بيت الزوجية، فواجبة لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] والبيت المضاف للمرأة هو البيت الذي تسكنه عند الفرقة، سواء أكانت مطلقة أم متوفى عنها. لكن قال الحنفية: يجوز بقاء المطلقة رجعياً مع الزوج في دار واحدة، وله إن قصد مراجعتها أن يستمتع بها بعد الطلاق؛ لأن الطلاق الرجعي لا يحرم عندهم على الراجح المطلقة على من طلقها، ويكون استمتاعه بها رجعة، وله حينئذ إذا قصد مراجعتها أن يدخل عليها بلا إذنها.
стр. 6978
أما في الطلاق البائن أو الثلاث: فلا بد من ساتر حاجز بين الرجل والمطلقة، فإن كان المسكن متسعاً استقلت المرأة بحجرة فيه، ولا يجوز للمطلق أن ينظر إليها ولا أن يقيم معها في تلك الحجرة. وإن كان المسكن ضيقاً ليس فيه إلا حجرة واحدة، وجب على الرجل المطلِّق أن يخرج من المسكن، وتبقى المطلقة فيه حتى تنقضي العدة؛ لأن بقاء المرأة في منزل الزوجية الذي كانت تسكن فيه وقت الطلاق واجب شرعاً، ولئلا تقع الخلوة بالأجنبية.
ولا عبرة بالعرف القائم الآن من خروج المطلقة من بيت الزوجية فهو عرف مصادم للنص القرآني السابق: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥].
ولكن يعد ضيق المنزل وفسق الزوج عذراً يجيز في رأي الحنفية للمطلقة أو المتوفى عنها الخروج من البيت، وتعيين الموضع الذي تنتقل إليه في عدة الطلاق إلى الزوج، وأما في عدة الوفاة فإن التعيين يكون إليها؛ لأنها هي صاحبة الرأي المطلق في أمر السكنى، حتى إن أجرة المنزل إن كان بأجر تكون عليها.
وكذلك يعد إيذاؤها الجيران عذراً عند الحنابلة يبيح انتقالها لدار أخرى.
ولا تخرج المعتدة إلى صحن الدار التي فيها منازل الأجانب عنها، لأنه كالخروج إلى الشارع. فإن لم يكن في الدار منازل للأجانب، بل بيوت أو غرف، جاز لها الخروج إلى صحن الدار، ولا تصير به خارجة عن الدار، ولها أن تبيت في أي غرفة شاءت منها.
وذكر الشافعية (١): أن الرجل إذا عاشر المعتدة كزوج، بخلوة ولو بدخول دار هي فيها، ونوم ولو في الليل فقط وأكل ونحو ذلك، بلا وطء لها، في عدة أقراء
стр. 6979
أو أشهر، فالأصح أنها إن كانت بائناً انقضت عدتها بما ذكر؛ لأن مخالطتها محرَّمة ووطؤها زنا لا حرمة له، ولا أثر للحرام في الحكم الشرعي، كالمزني بها لا يترتب على الزنا حكم شرعي من أحكام الزواج، وأما إن كانت رجعية، فلا تنقضي عدتها؛ لأن الشبهة قائمة؛ لأن العدة لبراءة الرحم وهي مشغولة. لكن لا يضر دخول دار هي فيها بلا خلوة.
وأما نفقة المعتدة: فواجبة على الزوج حسب التفصيل الآتي:
١ - إن كانت المعتدة مطلقة طلاقاً رجعياً: وجبت لها النفقة بأنواعها المختلفة من طعام وكسوة وسكنى، بالاتفاق؛ لأن المعتدة تعد زوجة ما دامت في العدة.
٢ - وإن كانت معتدة من طلاق بائن:
فإن كانت حاملاً، وجبت لها النفقة بأنواعها المختلفة بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل، فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥].
وإن كانت غير حامل: وجبت لها النفقة بأنواعها أيضاً عند الحنفية، بسب احتباسها في العدة لحق الزوج.
ولا تجب لها النفقة في رأي الحنابلة؛ لأن فاطمة بنت قيس طلَّقها زوجها البتة، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى، وإنما قال: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» (١).
وتجب لها السكنى فقط في رأي المالكية والشافعية، لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدكم﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] فإنه أوجب لها السكنى مطلقاً، سواء أكانت حاملاً أم غير حامل. ولا تجب لها نفقة الطعام
стр. 6980
والكسوة لمفهوم قوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] فدل بمفهومه على عدم وجوب النفقة لغير الحامل.
٣ - وإن كانت معتدة من وفاة: فلا نفقة لها بالاتفاق، لانتهاء الزوجية بالموت، لكن أوجب لها المالكية السكنى مدة العدة إذا كان المسكن مملوكاً للزوج، أو مستأجَراً ودفع أجرته قبل الوفاة، وإلا فلا.
٤ - وإن كانت معتدة من زواج فاسد أو شبهة: فلا نفقة لها عند الجمهور، إذ لا نفقة لها في الزواج الفاسد، فلا نفقة لها في أثناء العدة منه.
وأوجب المالكية لها إن كانت حاملاً النفقة على الواطئ؛ لأنها محتبسة بسببه، فإن كانت غير حامل أو فسخ نكاحها بلعان، فيجب لها السكنى فقط في المحل الذي كانت فيه.
خامساً - الإحداد أو الحداد: الإحداد أو الحداد في اللغة: الامتناع من الزينة، واصطلاحاً: ترك الطيب والزينة والكحل والدهن المطيب وغير المطيب. وهو خاص بالبدن، فلا مانع من تجميل فراش وبساط وستور، وأثاث بيت وجلوس امرأة على حرير.
ويباح للمرأة الحداد على قريب كأب وأم وأخ ثلاثة أيام فقط، ويحرم إحداد فوق ثلاث على ميت غير زوج، للحديث الصحيح المتقدم: «لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً» (١) وللزوج منع زوجته من الحداد على الأقرباء؛ لأن الزينة حقه.
стр. 6981
و مدة الحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام.
والإحداد على الزوج خاص في رأي الحنفية بالمرأة البالغة المسلمة ولو أمة، فلا إحداد على صغيرة وذمية؛ لأنهما غير مكلفين. ولا إحداد على أم الولد؛ لأنها ليست زوجة.
ويشمل الحداد عند الجمهور كل زوجة بنكاح صحيح، صغيرة أو كبيرة، أو مجنونة، مسلمة أو كتابية، وكذا الأمة الزوجة في رأي الحنابلة، ولا يجب الإحداد على الإماء في رأي المالكية والشافعية؛ لأنهن لسن زوجات، وأما الصغيرة والذمية فلأن غير المكلفة تساوي المكلفة في اجتناب المحرمات كالخمر والزنا، وإنما يفترقان في الإثم، فكذلك الإحداد، ولأن حقوق الذمية في النكاح كحقوق المسلمة، فكذلك فيما عليها.
ولا إحداد على غير الزوجات كأم الولد إذا مات سيدها، والأمة التي يطؤها سيدها، والموطوءة بشبهة والمزني بها والمنكوحة نكاحاً فاسداً؛ لأن نص الحديث السابق خص الحداد بالزواج، ولأن ذات النكاح الفاسد ليست زوجة على الحقيقة.
والإحداد واجب شرعاً على الزوجات. واتفق الفقهاء على عدم وجوب الحداد على الرجعية؛ لأنها في حكم الزوجة، لها أن تتزين لزوجها، وتستشرف له ليرغب فيها ويعيدها إلى ما كانت عليه من الزوجية.
واتفقوا أيضاً على وجوب الحداد على المتوفى عنها زوجها، للحديث السابق: «أن أم حبيبة ﵂ لما بلغها موت أبيها أبي سفيان، انتظرت ثلاثة أيام، ثم دعت بطيب، وقالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت
стр. 6982
رسول الله ﷺ يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً».
وأوجب الحنفية الحداد أيضاً على المبتوتة أو المطلقة طلاقاً بائناً ؛ لأنه حق الشرع، وإظهاراً للتأسف على فوات نعمة الزواج، كالمتوفى عنها.
ولم يوجبه الجمهور عليها، وإنما يستحب فقط؛ لأن الزوج آذاها بالطلاق البائن، فلا تلزم بإظهار الحزن والأسف على فراقه، ولأنها معتدة من طلاق كالرجعية، وإنما يستحب لها الحداد لئلا تدعو الزينة إلى الفساد.
و يكون الإحداد بترك التجميل، وهو أن تجتنب ما يلي:
١ - الزينة بحلي ولو خاتم من ذهب أو فضة، أو حرير مطلقاً ولو كان أسود. وأجاز بعض الشافعية كابن حجر التحلي بالذهب والفضة، وأجاز الحنابلة لبس الحرير الأبيض؛ لأنه مألوف.
٢ - الطيب في البدن والامتشاط، لا في الثياب، لما فيه من الترفه واجتذاب الأنظار، ومنعها المالكية من الاتجار في الطيب وعمله.
٣ - الدهن المطيب وغير المطيب؛ لأن فيه زينة الشعر، ولا يخلو الدهن عن نوع طيب.
٤ - الكحل، لما فيه من زينة العين. وأجاز فقهاء المذاهب كلهم الكحل لضرورة أو حاجة ليلاً لا نهاراً.
٥ - الحناء وكل أنواع الخضاب والصباغ، لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ نهى المعتدة أن تختضب، كما سيأتي.
стр. 6983
٦ - لبس الثوب المطيب والمصبوغ بالأحمر أو الأصفر.
ودليل ذلك حديث أم سَلَمة عن النبي ﷺ قال: «المتوفى عنها زوجها: لا تَلْبَس المُعَصْفر من الثياب، ولا الممشَّقة (١)، ولا الحُلِي، ولا تختضب، ولا تكتحل» (٢) وفي رواية أخرى: «ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب» وعن أم عطية قالت: «كنا نُنهى أن نحدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهروعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلْبَس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْب» (٣).
ويجوز للمرأة فعل شيء مما سبق للضرورة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
ويباح لها لبس الأسود في المذاهب الأربعة. ولم يجز الظاهرية (٤) الكحل ولو لضروة، ولا الأسود؛ لأنه كالأحمر والأصفر، ولم يجز المالكية لبس الأسود إذا كان يتزين به في قوم.
ويباح لها عند الجمهور دخول الحمام المنزلي وغسل الرأس بالصابون ونحوه، ولم يجز المالكية لها دخول الحمام إلا لضرورة.
ولها قص الأظافر ونتف إبط وحلق عانة (استحداد) وإتباع دم الحيض بطيب.
стр. 6984
فإن تركت المتوفى عنها الحداد عصت الله تعالى إن علمت حرمة الترك، ويعصي ولي الصغيرة والمجنونة في رأي غير الحنفية إن لم يمنعها، وتنقضي عدتها بمضي الزمان مع العصيان، كما لو فارقت المنزل.
سادساً - ثبوت نسب الولد المولود في العدة:
يثبت نسب ولد المطلَّقة الرجعية من الزوج في رأي الحنفية إذا جاءت بالولد لسنتين أو أكثر، ولو طالت المدة، لاحتمال امتداد طهرها، وعلوقها في العدة، ما لم تقر بانقضاء عدتها، وكانت المدة تحتمله.
ويثبت نسب ولد المبتوتة بلا دعوى، ما لم تقر بانقضاء العدة إذا جاءت به لأقل من سنتين؛ لأنه يحتمل أن يكون الولد قائماً وقت الطلاق، والحمل عندهم لا يبقى أكثر من سنتين. فإن جاءت به لتمام سنتين من يوم الفرقة، لم يثبت نسبه من الزوج؛ لأنه حادث بعد الطلاق، فلا يكون منه؛ لأن وطأها حرام، إلا أن يدعيه الزوج؛ لأنه التزمه، وله وجه بأن وطئها بشبهة في العدة.
ويثبت نسب الولد المتوفى عنها زوجها، ولو غير مدخول بها، إذا لم تقر بانقضاء عدتها، ما بين الوفاة وبين سنتين.
وإذا اعترفت المعتدة مطلقاً (أي معتدة) بانقضاء عدتها، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار، ثبت نسبه، لظهور كذبها بيقين، فبطل الإقرار. وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر، لم يثبت نسبه؛ لأنه علم بالإقرار أنه حدث بعده؛ لأنها أمينة في الإخبار، وقول الأمين مقبول إلا إذا تحقق كذبه.
وتنطبق هذه الأحكام في المذاهب الأخرى، بملاحظة أن أقصى مدة الحمل عند الشافعية والحنابلة أربع سنين، وعند المالكية: خمس سنين.
стр. 6985
سابعاً - ثبوت الإرث في العدة: إذا مات أحد الزوجين قبل انقضاء عدة المطلقة طلاقاً رجعياً، ورثه الآخر لا خلاف، سواء أكان الطلاق في حال المرض أم في حال الصحة؛ لبقاء الزوجية حكماً، فتكون سبباً لاستحقاق الإرث من الجانبين.
فإن كان الطلاق بائناً أو ثلاثاً في حال الصحة، فمات أحد الزوجين في العدة لم يرثه الآخر.
وإن كان الطلاق بائناً أو ثلاثاً في حال المرض، فإن كان برضاها لا ترث بالإجماع، وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عند الجمهور عملاً بما روي عن جماعة من الصحابة مثل عمر وعثمان وعلي وعائشة وأبي بن كعب، ومعاملة للمطلّق بنقيض مقصوده، وهذا هو طلاق الفرار، وقد تقدم بيانه. ولا ترث عند الشافعية، لزوال النكاح بالإبانة أو الثلاث، فلا يثبت الإرث.
ثامناً - لحوق الطلاق في العدة: إن طلق الرجل زوجته طلقة فقط، فاعتدت منه، ثم طلقها طلقة ثانية وثالثة، فيلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة. وقد سبق بيانه في بحث الطلاق الرجعي والبائن.
الاستبراء:
معناه: لغة طلب البراءة. وشرعاً: تربص الأمَة الرقيقة مدة بسبب ملك اليمين حدوثاً أو زوالاً أو بشبهة، أو تربص المزني بها، لمعرفة براءة الرحم، أو للتعبد (١).
стр. 6986
حكمه: يجب الاستبراء بالاتفاق، منعاً من اختلاط المياه واشتباه الأنساب، حتى لو أنكره شخص، كفر في رأي بعضهم للإجماع على وجوبه (١)، ولقوله ﷺ في سبي أوطاس (٢): «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غيرُ حامل حتى تحيض حيضة» (٣) وقوله ﵇: «لا يقعن رجل على امرأة، وحملُها لغيره» (٤) وقوله أيضاً: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقي ماءَه ولدَ غيره» (٥) وزاد أبو داود في روايته: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعن على امرأة من السبي حتى يستبرئها».
أسبابه: ذكر الفقهاء أسباباً للاستبراء هي ما يأتي:
رأي الحنفية (٦): يجب الاستبراء بملك الاستمتاع بالأمة ملك اليمين، بأي نوع من أنواع الملك كشراء، وإرث، وسبي، ودفع بدل جناية، وفسخ بيع بعد القبض ونحوها كهبة ورجوع عنها، وصدقة، ووصية، وبدل خلع أو صلح أو كتابة أو عتق أو إجارة.
ولا بأس بحيلة إسقاط الاستبراء إذا علم أن البائع لم يقربها في طهرها بأن يعقد عليها عقد زواج ويقبضها ثم يشتريها، فتحل له للحال.
وذكر الشافعية (٧) سببين للاستبراء: وهما - كما قرر الحنفية - ملك وزوال
стр. 6987
ملك، ثم قالوا: قد يجب بسبب آخر، كأن يطأ رجل أمة غيره ظاناً أنها أمته، أي الوطء بشبهة.
أما الملك: فهو ملك أمة بشراء، أو هبة، أو سبي بعد القسمة، أو رد بعيب، أو تحالف أو إقالة، أو قبول وصية أو غيرها كفسخ بفلس ورجوع في هبة. ويجب استبراء مكاتبة لم تستطع أداء أقساط الكتابة، لعود ملك التمتع بعد زواله، واستبراء مرتدة في الأصح، لزوال ملك الاستمتاع ثم إعادته، ويجب استبراؤها ولو منتقلة من ملك صبي أو امرأة.
وأما زوال الملك: فهو زوال الاستمتاع عن الأمة الموطوءة أو المستولدة، بعتق أو موت السيد.
وإن ملك شخص أمة مجوسية أو مرتدة أو معتدة أو ذات زوج، لم يصح استبراؤها في هذه الأحوال؛ لأن الاستبراء يراد للاستباحة، ولا توجد الاستباحة في هذه الأحوال. فإن زالت الزوجية أو العدة أو الردة، وجب الاستبراء في الأظهر.
وأما الحنابلة (١) فذكروا ثلاثة أسباب للاستبراء: هي ملك وإزالة ملك وعتق، وإيضاحها فيما يأتي:
١ - إذا ملك ولو طفلة أمة ببيع أو هبة أو إرث أو سبي أو وصية أو غنيمة أو غيرها مما ذكر في المذهبين السابقين، فلا يحل له وطؤها ولا الاستمتاع بها إلا بالاستبراء بحيضة إذا كانت تحيض، أو بوضع الحمل إذا كانت حاملاً.
٢ - إن وطئ أمته ثم أراد تزويجها أو بيعها، لم يجز له ذلك حتى يستبرئها كما سبق في الحالة الأولى.
стр. 6988
٣ - إذا أعتق أم ولده أو أعتق أمته التي كان يصيبها قبل استبرائها أو مات عنها، لزمها استبراء نفسها؛ لأنها موطوءة له وطأ له حرمة، فلزمها استعلام براءة رحمها، كالموطوءة بشبهة.
وأما مذهب المالكية (١) فقد حدد أربعة أسباب للاستبراء وهي:
١ - حصول ملك الأمة بشراء أو إرث أو هبة أو غنيمة أو غيرها، ولو من صبي أو امرأة، كما سبق في المذاهب الأخرى. ويجب الاستبراء على كل من المتملك الذي صارت إليه، وعلى البائع، وإن اتفقا على استبراء واحد، جاز. ورأى بقية الأئمة أن الاستبراء على المشتري خاصة. وهذا سبب متفق عليه.
ويجب الاستبراء بشروط أربعة في رأي المالكية وهي:
أولاً - إن لم تعلم براءتها: فإن علمت براءتها من الحمل كمودعة عنده أو مرهونة أو مبيعة بالخيار تحت يده، وحاضت زمن ذلك، ولم تخرج ولم يدخل عليها سيدها، ثم اشتراها فلا استبراء عليها.
ثانياً - ولم تكن مباحة الوطء حال حصول الملك، كزوجته التي يشتريها مثلاً، فلا استبراء عليه، وهذا متفق عليه بين المذاهب.
ثالثاً - ولم يحرم وطؤها في المستقبل، كعمته وخالته من نسب أو رضاع، وكأم زوجته، فلا استبراء عليها لعدم حل وطئها.
رابعاً - وأطاقت الوطء: فلا استبراء لصغيرة كبنت خمس سنين، لعدم إمكانه عادة.
стр. 6989
٢ - زوال الملك بعتق أو بموت السيد أو بغيرهما. وهذا متفق عليه.
٣ - الزنى: إذا زنت الحرة طائعة أو مكرهة، استبرئت عند المالكية والحنابلة بثلاث حيضات، والأمة بحيضة، والحامل منها بوضع حملها.
٤ - سوء الظن: من تطرق إليها سوء الظن من خروج في الطرقات وغيرها، وجب استبراؤها في المشهور. فإن كانت في سن الحيض فاستبراؤها بحيضة، وإن لم تحض فتسعة أشهر، وإن كانت صغيرة أو يائسة فثلاثة أشهر، وهو المشهور عن أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: شهر، وإن كانت حاملاً فوضع الحمل.
نوع الاستبراء ومدته:
لا يجوز في الاستبراء (١) الوطء ولا غيره من الاستمتاع كتقبيل ونظر بشهوة. وأجاز الشافعية الاستمتاع بغير الوطء في المسبية التي وقعت في سهمه من الغنيمة، لمفهوم الخبر السابق: «ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة».
واتفق الفقهاء عملاً بهذا الحديث على أن استبراء من تحيض بحيضة، والحامل بوضع الحمل. واختلفوا فيمن لا تحيض وهي صغيرة وآيسة ومنقطعة حيض (٢):
مذهب الحنفية والشافعية: تستبرأ بشهر؛ لأن الشهر قائم مقام القرء في حق الحرة والأمة المطلَّقة، فكذلك في الاستبراء.
ومذهب المالكية، والحنابلة في المشهور عن أحمد كما في المغني: تستبرأ الصغيرة والآيسة بثلاثة أشهر؛ لأن كل شهر قائم مقام قرء، وتستبرأ الآيسة الحرة
стр. 6990
بثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء. وجاء في كشاف القناع أن من لا تحيض تستبرأ بشهر.
أما من تأخر حيضها عن عادتها ولو لرضاع أو مرض أو استحيضت ولم تميز الحيض من غيره، فتستبرأ بثلاثة أشهر أيضاً في رأي المالكية، وبعشرة أشهر في رأي الحنابلة: تسعة أشهر للحمل وشهر مكان الحيضة إن ارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه. وإن علمت سبب رفع الحيض من مرض أو رضاع أو نفاس، ولم تزل في الاستبراء حتى يعود الحيض، فتستبرئ نفسها بحيضة، إلا أن تصير آيسة فتستبرئ نفسها استبراء الآيسات بثلاثة أشهر. وإن ارتابت الأمة المستبرأة بنفسها فهي كالحرة المستريبة، تستبرأ بسنة كاملة.
و هل هناك عدة بسبب الزنا أو بعد زواج باطل؟ إذا زنت الزوجة أو تزوج رجل امرأة زواجاً متفقاً على بطلانه كأن يتزوج محرمة أو معتدة يعلم حالها أو زوجة يعلم أنها زوجة غيره ثم دخل بها.
فإن حملت المرأة في هذه الحالة، فلا يحل لزوجها أن يقربها حتى تضع الحمل باتفاق المذاهب.
وأما إن لم يكن هناك حمل: فلا تجب العدة عند الحنفية والشافعية في الزنا ولا في الزواج الباطل؛ لأنه في حكم الزنا، واستحسن الإمام محمد بن الحسن استبراءها بحيضة.
ويجب عند المالكية والحنابلة استبراؤها بثلاث حيضات منذ وطئها الرجل، سواء فارقها أو مات عنها، ويحرم على زوجها أن يقربها في مدة الاستبراء.
أما إذا تزوجها الرجل، وهو لا يعلم بأنها زوجة غيره، ودخل بها، ثم فرق بينهما، وجب عليها العدة بالاتفاق؛ لأن العقد يكون فاسداً، والعقد الفاسد تجب العدة فيه بالدخول اتفاقاً.
стр. 6991
انتهى الجزء التاسع
ويتبعه الجزء العاشر
تتمة الأحوال الشخصية (الحقوق المالية - الوصايا والوقف والمواريث)
стр. 6992
البَابُ الثَّالث: حقوق الأولاد يشتمل على خمسة فصول:
الأول - النسب.
الثاني - الرضاع.
الثالث - الحضانة.
الرابع - الولاية.
الخامس - النفقات - نفقة الأولاد والزوجة وغيرهم.
والكلام فيها لأن بناء الأسرة بناء قوياً لا يتم إلا بثبوت نسب الأولاد من آبائهم، حتى يحفظوا من الضياع، وبإرضاعهم؛ لأن الرضاع أول مقومات الحياة الأولى، وبحضانتهم لحاجتهم الشديدة إلى رعايتهم في سن الضعف والطفولة، وبالولاية عليهم في النفس والمال إن كان لهم مال، لاحتياجهم إلى من يرعى شؤونهم في التربية والتعليم، وحفظ أموالهم واستثمارها، وبالإنفاق عليهم قبل البلوغ بسبب عجزهم.
وأبحث هذه الفصول تباعاً فيما يأتي:
стр. 6993
الفَصْلُ الأوَّل: النَّسَب يشتمل على تمهيد ومبحثين:
الأول - في أسباب ثبوت النسب، والثاني - في طرق إثبات النسب:
تمهيد - عناية الشرع بالنسب وتحريم التبني والإلحاق من طريق غير مشروع:
النسب أقوى الدعائم التي تقوم عليها الأسرة، ويرتبط به أفرادها برباط دائم من الصلة تقوم على أساس وحدة الدم والجزئية والبغيضة، فالولد جزء من أبيه، والأب بعض من ولده. ورابطة النسب هي نسيج الأسرة الذي لا تنفصم عراه، وهو نعمة عظمى أنعمها الله على الإنسان، إذ لولاها لتفككت أواصر الأسرة، وذابت الصلات بينها، ولما بقي أثر من حنان وعطف ورحمة بين أفرادها، لذا أمتن الله على الإنسان بالنسب، فقال سبحانه: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشراً، فجعله نسباً وصهراً، وكان ربك قديراً﴾. [الفرقان:٥٤/ ٢٥]. ورعاية النسب أحد مقاصد الشريعة الخمسة.
ومنع الشرع الآباء من إنكار نسب الأولاد، وحرم على النساء نسبة ولد إلى غير أبيه الحقيقي، فقال ﷺ : «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم (١)،
стр. 6994
فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله تعالى منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين يوم القيامة» (١).
ومنع الشرع أيضاً الأبناء من انتسابهم إلى غير آبائهم، فقال ﷺ : «من ادعى إلي غير أبيه وهو يعلم، فالجنة عليه حرام (٢)» وقال أيضاً: «من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة» (٣).
وحرمت الشريعة نظام التبني وأبطلته بعد أن كان في الجاهلية وصدر الإسلام، وقد تبنى النبي ﷺ زيد بن حارثة قبل النبوة، وكان يدعى «زيد بن محمد» إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم، فإخوانكم في الدين ومواليكم﴾ (٤). ذكرالقرطبي في تفسيره: أنه أجمع أهل التفسيرعلىأن ههذه الآية ننزلت في زيد بن حارثة. وروىالأئمةأن ابن عمرقال: «ماكنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾» [الأحزاب:٥/ ٣٣] أي أعدل وأحق عند الله.
فالعدل يقضي والحق يوجب نسبة الابن إلى أبيه الحقيقي، لا لأبيه المزور، والإسلام دين الحق والعدل، والعنصر الغريب عن الأسرة ذكراً أو أنثى لا ينسجم معها قطعاً في خلق ولا دين، وقد تقع مفاسد ومنكرات عليه أو منه، لإحساسه
стр. 6995
بأنه أجنبي، فمن تبنى لقيطاً أو مجهول النسب دون أن يدعي أنه ولده، لم يكن ولده حقيقة، فلا يثبت التوارث بينهما، ولا تجري عليه أحكام التحريم بالقرابة. ومن كان له أب معروف نسب إلى أبيه، ومن جهل أبوه دعي مولىً وأخاً في الدين، منعاً من تغيير الحقائق، وحفظاً لحقوق الآباء والأولاد من الضياع أو الانتقاص، وتوفيراً لوحدة الانسجام في الأسرة، فكثيراً ما أساء الولد المتبنى للزوجين وأقاربهما في العرض والمال.
لكن لم يمنع الإسلام تربية ولد لقيط وتعليمه، ثم حجبه عن الأسرة بعد البلوغ أو قبله بقليل، وإنما فتح باب الإحسان إليه على أوسع نطاق، وعدّ ذلك اتفاقاً للنفس من الهلاك، وإحياء لنفس بشرية، ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.
ونسب الولد من أمه ثابت في كل حالات الولادة شرعية أو غيرشرعية، أم نسب الولد من أبيه، فلا يثبت إلا من طريق الزواج الصحيح أو الفاسد، أو الوطء بشبهة، أو الإقرار بالنسب، وأبطل الإسلام ما كان في الجاهلية من إلحاق الأولاد عن طريق الزنا، فقال ﷺ : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (١) ومعناه أن الولد يلحق الأب الذي له زوجية صحيحة، علماً بأن الفراش هو المرأة في رأي الأكثر، وقد يعبر به عن حالة الافتراش، وأما الزنا فلا يصلح سبباً لإثبات النسب، وإنما يستحق الزاني العاهر الرجم أو الطرد بالحجارة.
وقد دل ظاهر الحديث على أن الولد إنما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش، وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطء في الزواج الصحيح أو الفاسد. وهو رأي
стр. 6996
الجمهور. وروي عن أبي حنيفة أنه يثبت بمجرد العقد؛ لأن مجرد المظنة كافية. ورد بمنع حصولها بمجرد العقد، بل لا بد من إمكان الوطء (١).
المبحث الأول - أسباب ثبوت النسب:
لا بد قبل بيان أسباب ثبوت النسب من توضيح أمور ثلاثة:
الأول - مدة الحمل.
الثاني - الخلاف في الولادة وتعيين المولود.
الثالث - إثبات نسب الولد بالقيافة.
مدة الحمل:
لا يثبت نسب الحمل بصفة عامة إلا إذا أتى في فترة واقعة بين أقل الحمل وأكثرها، كما أبنا سابقاً في بحث العدة وغيرها.
أما أقل الحمل: فقد اتفق الفقهاء (٢) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من وقت الدخول وإمكان الوطء في رأي الجمهور، ومن وقت عقد الزواج في رأي أبي حنيفة، لأن المرأة هي فراش للزوج ويلحقه الولد لعموم الحديث المتقدم «الولد للفراش». ودليل الجمهور: أن المرأة ليست بفراش إلا بإمكان الوطء، وهو مع الدخول.
ودليل إجماع العلماء على أقل مدة الحمل: العمل بمجموع آيتين في القرآن
стр. 6997
الكريم هما: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف:١٥/ ٤٦] ﴿وفصاله في عامين﴾ [لقمان:١٤/ ٣١] فالآية الأولى حددت الحمل والفصال، أي الفطام بثلاثين شهراً، وحددت الآية الثانية الفصال بعامين، فبإسقاط مدة العامين للفصال تكون مدة الحمل ستة أشهر، والواقع والطب يؤيدان ذلك.
وروي أن رجلاً تزوج، فولدت امرأته لستة أشهر من وقت الزواج، فرفع الأمر إلى عثمان ﵁، فهمَّ برجمها، فقال ابن عباس: «أما إنها لو خاصمتكم إلى كتاب الله لخصمتكم - أي غلبتكم - قال الله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ وقال: ﴿وفصاله في عامين﴾، فلم يبق
للحمل إلا ستة أشهر، فأخذ عثمان بقوله، ودرأ عنها الحد (١).
وأما أكثر مدة الحمل: ففيه للعلماء أقوال (٢) أشهرها ما يأتي:
١ - سنتان وهو رأي الحنفية، لقول عائشة ﵂: «لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين، ولو بفلكة مغزل» (٣) فإن ولد الحمل لسنتين من يوم موت الزوج أو طلاقه، ثبت نسبه من أبيه المطلّق أو الميت.
٢ - أربع سنين، وهو رأي الشافعية والحنابلة؛ لأن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد الحمل لأربع سنين؛ لأن نساء بني عجلان يحملن أربع سنين، كما قال الإمامان أحمد والشافعي، وكما ذكر سابقاً.
стр. 6998
فإذا ولدت المرأة لأربع سنين فما دون من يوم موت الزوج أو طلاقه، ولم تكن تزوجت، ولا وطئت، ولا انقضت عدتها بالقروء ولا بوضع الحمل، فإن الولد لا حق بالزوج، وعدتها منقضية بوضعه.
وإن أتت بالولد لأربع سنين منذ مات أو بانت منه بطلاق أو فسخ، أو انقضاء عدتها إن كانت رجعية، لم يلحقه ولدها؛ لأننا نعلم أنها علقت به بعد زوال النكاح، والبينونة منه.
٣ - خمس سنين: وهو المشهور عن المالكية والليث بن سعد وعباد بن العوام، قال مالك: بلغني عن امرأة حملت سبع سنين.
٤ - سنة قمرية: هو رأي محمد بن عبد الحكم من المالكية.
٥ - تسعة أشهر قمرية: وهو رأي ابن حزم الظاهري، وعمر بن الخطاب ﵁. ويظهر أن الأقوال الثلاثة الأولى روعي فيها إخبار بعض النساء، اللاتي ترين أن انتفاخ البطن علامة الحمل. لذا قال ابن رشد: «وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة والتجربة، وقول ابن عبد الحكم والظاهرية هو أقرب إلى المعتاد، والحكم إنما يجب بالمعتاد، لا بالنادر، ولعله أن يكون مستحيلاً».
وقد رئي في القوانين المعمول بها الاعتماد على رأي الأطباء، فاعتبر أقصى مدة الحمل سنة شمسية (٣٦٥ يوماً) ليشمل كل الحالات النادرة. نصت المادة (١٢٨) من القانون السوري على أن: «أقل مدة الحمل مائة وثمانون يوماً، وأكثرها سنة شمسية» وكو أقل الحمل (١٨٠) يوماً هو رأي الجمهور، وخالفهم المالكية فقد روها بـ (١٧٥) يوماً؛ لأن الأشهر الهلالية قد يتوالى منها ثلاثة أشهر بمقدار (٢٩) يوماً، ويجوز أن يليهما شهران ناقصان أيضاً، فتكون أيام الأشهر الستة (١٧٥) يوماً.
стр. 6999
ونصت المادة (١٥) من القانون المصري رقم (٢٥ لسنة ١٩٢٩) على أنه: «لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينهما وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة به بعد سنة من غيبتة الزوج عنها، ولا لولد المطلَّقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة».
وأخذ بهذا التقرير في كل من تونس والمغرب وغيرهما.
الخلاف في الولادة وتعيين المولود:
قد يقع اختلاف بين الزوجين في ولادة المعتدة أو في تعيين المولود أثناء المدة التي يثبت فيها النسب (١).
أما الخلاف في ولادة المعتدة: فهو أن تدعي المعتدة ولادة ولد خلال المدة التي يثبت فيها النسب، وينكر الزوج قائلاً: إنها لم تلد، وهذا الولد لقيط، فلا يثبت نسبه منه عند أبي حنيفة إلا إذا شهد بولادتها رجلان، أو رجل وامرأتان؛ لأن عدتها انقضت بإقرارها بوضع الحمل، فاحتيج إلى إثبات النسب، بنحو مستقل في القضاء، ولا يثبت إلا بحجة كاملة.
وقال الصاحبان: يثبت النسب بشهادة امرأة واحدة، لأن الفراش: وهو تعين المرأة لماء الزوج، بحيث يثبت منه نسب كل ولد تلده، قائم بقيام العدة، وقيام الفواش ملزم للنسب، فلا حاجة لإثباته، وإنما الحاجة إلى تعيين الولد، وهو يحصل بشهادة امرأة واحدة، كما في حال قيام الزواج أو ظهور الحبل أو إقرار الزوج به. وهذا هو المعمول به في محاكم مصر؛ لأن المرأة ما دامت في العدة فإن سبب ثبوت النسب قائم.
стр. 7000
واتفق الإمام أبو حنيفة وصاحباه على أنه إذا كان هناك حبل ظاهر، أو اعتراف من الزوج بالولد أو الحبل، أو كان الزوج قائماً، فيثبت النسب من الزوج بلا شهادة، والقول قول المرأة في الولادة بيمينها.
وأما الاختلاف بين الزوجين في تعيين المولود: فهو أن يعترف الزوج بالولادة، ولكنه ينكر شخص المولود، بأن يقول: إنها ولدت بنتاً، وهذا الولد غلام. فيتعين المولود بشهادة امرأة واحدة باتفاق الحنفية وهو رأي الحنابلة أيضاً، لما رواه الدارقطني عن حذيفة «أن النبي ﷺ أجازشهادة القابلة»، ولما رواه ابن أبي شيبة وعد الرزاق عن الزهري قال: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن» (١).
وقال المالكية: تعيين المولود كالولادة لا يثبت إلا بشهادة امرأتين.
ورأى الشافعية: أن أمور النساء لا يكفي فيها أقل من أربع نسوة، لأن الله جعل مكان الرجل الواحد شهادة امرأتين.
إثبات نسب الولد بالقيافة:
إذا تزوجت المعتدة بزوج آخر في أثناء عدتها من زوج سابق، وأت بولد يمكن أن يكون منهما، فمن الذي يلحق به؟
وإذا ادعى رجلان أو ثلاثة لقيطاً، فمن الذي يحكم له به؟ هل يمكن إثبات نسب الولد في هاتين الحالتين بالقيافة أو بالقافة؟ والقيافة: تتبع الأثر، والقافة عند العرب: هم قوم كانت عندهم معرفة بفصول تشابه الناس.
стр. 7001
اختلف الفقهاء على رأيين في الاعتماد على القافة (١):
فرأى الحنفية: أن الأصل ألا يحكم لأحد المتنازعين في الولد، إلا أن يكون هناك فراش (٢)، لقوله ﵊: «الولد للفراش» فإن عدم الفراش أو اشتركا في الفراش، كان الولد بينهما، ولا يعمل بقول القائف، بل يحكم بالولد الذي ادعاه اثنان لهما جميعاً.
ورأي الجمهور وهم (مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والأوزاعي): أنه يحكم بالقيافة، بدليل قول عائشة: «إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ مسروراً، تبرُق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مُجَزِّزاً (٣) نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» (٤) ففيه دليل على ثبوت العمل بالقافة.
وأثبت عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس بن مالك الحكم بالقافة، فكان عمر يليط (٥) أولاد الجاهلية بمن استلاطهم - أي بمن ادعاهم في الإسلام - فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا قائفاً، فنظر إليه، فقال القائف: لقد اشتركا فيها، فضربه عمر بالدِّرة، ثم دعا المرأة، فقال: أخبريني بخبرك، فقالت: كان هذا لأحد الرجلين، يأتي في إبل لأهلها، فلا يفارقها حتى يُظن، ونظن أنه قد استمر
стр. 7002
بها حمل، ثم انصرف عنها، فأهريقت عليه دماً، ثم خلف هذا عليها، تعني الآخر، فلا أدري أيهما هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام: والِ أيهما شئت (١) قالوا: فقضاء عمر بمحضر من الصحابة بالقافة من غير إنكار من واحد منهم هو كالإجماع.
أسباب ثبوت النسب من الأب:
سبب ثبوت نسب الولد من أمه: هو الولادة، شرعية كانت أم غير شرعية، كما قدمنا، وأما أسباب ثبوت النسب من الأب فهي:
١ - الزواج الصحيح.
٢ - الزواج الفاسد:
٣ - الوطء بشبهة.
ونبين كل سبب على حدة فيما يأتي:
أولاً - الزواج الصحيح: اتفق الفقهاء على أن الولد الذي تأتي به المرأة المتزوجة زواجاً صحيحاً ينسب إلى زوجها، للحديث المتقدم: «الولد للفراش»، والمراد بالفراش: المرأة التي يستفرشها الرجل ويستمتع بها. وذلك ب الشروط الآتية (٢):
الشرط الأول - أن يكون الزوج ممن يتصور منه الحمل عادة، بأن يكون بالغاً
стр. 7003
في رأي المالكية والشافعية، ومثله في رأي الحنفية والحنابلة المراهق: وهو عند الحنفية من بلغ اثنتي عشرة سنة، وعند الحنابلة: من بلغ عشر سنوات، فلا يثبت النسب من الصغير غير البالغ، حتى ولو ولدته أمه لأكثر من ستة أشهر من تاريخ عقد الزواج. ولا يثبت النسب في رأي المالكية من المجبوب الممسوح: وهو الذي قطع عضوه التناسلي وأنثياه. أما الخصي: وهو من قطعت أنثياه أو اليسرى فقط، فيرجع في شأنه للأطباء المختصين، فإن قالوا: يولد له، ثبت النسب منه، وإن قالوا: لا يولد له لا يثبت النسب منه.
ويثبت النسب في رأي الشافعية والحنابلة (١) من المجبوب الذي بقي أنثياه فقط، ومن الخصي الذي سُلَّت خصيتاه وبقي ذكره، ولا يثبت من الممسوح المقطوع جميع ذكره وأنثييه.
الشرط الثاني - أن يلد الولد بعد ستة أشهر من وقت الزواج في رأي الحنفية، ومن إمكان الوطء بعد الزواج في رأي الجمهور، فإن ولد لأقل من الحد الأدنى لمدة الحمل وهي ستة أشهر، لا يثبت نسبه من الزوج اتفاقاً، وكان دليلاً على أن الحمل به حدث قبل الزواج، إلا إذا ادعاه الزوج، ويحمل ادعاؤه على أن المرأة حملت به قبل العقد عليها، إما بناء على عقد آخر، وإما بناء على عقد فاسد أو وطء بشبهة، مراعاة لمصلحة الولد، وستراً للأعراض بقدر الإمكان.
الشرط الثالث - إمكان تلاقي الزوجين بعد العقد: وهذا شرط متفق عليه، وإنما الخلاف في المراد به أهو الإمكان والتصور العقلي، أو الإمكان الفعلي والعادي؟
стр. 7004
قال الحنفية: الحق أن التصور والإمكان العقلي شرط، فمتى أمكن التقاء الزوجين عقلاً ثبت نسب الولد من الزوج إن ولدته الزوجة لستة أشهر من تاريخ العقد، حتى ولو لم يثبت التلاقي حساً. فلو تزوج مشرقي مغربية، ولم يلتقيا في الظاهر مدة سنة، فولدت ولداً لستة أشهر من تاريخ الزواج، ثبت النسب، لاحتمال تلاقيهما من باب الكرامة، وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة بقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، ويكون الزوج من أهل الخطوة الذين تطوى لهم المسافات البعيدة. وفي رأيي أن هذا التعليل غير مقبول عادة، والصحيح أن الحنفية يثبتون النسب من تاريخ العقد، عملاً بحديث «الولد للفراش» وإن لم يتحقق إمكان الوطء أو الدخول. وفي هذا احتياط للولد وعدم ضياعه وستر على العِرْض، ومنع من وقوع مشكلة اللقطاء، فألحق الولد بمن له زوجية صحيحة. فإن تيقين الزوج أن الولد ليس منه فله أن ينفيه باللعان.
ورفض الأئمة الثلاثة هذا المنطق، وقالوا: يشترط إمكان التلاقي بالفعل أو الحس والعادة، وإمكان الوطء والدخول، لأن الإمكان العقلي نادر ولا يصح أن يكون له دور في نطاق العقود الظاهرة، والأحكام إنما تنبني على الكثير الغالب والظاهر المشاهد، لا القليل النادر، أو الخفي غير المحتمل عادة، فلو تأكد عدم اللقاء بين الزوجين فعلاً، لم يثبت نسب الولد من الزوج، كما لو كان أحد الزوجين سجيناً أو غائباً في بلد بعيد غيبة امتدت إلى أكثر من أقصى مدة الحمل، لذا أخذت القوانين بهذا الرأي، وهو الصحيح لاتفاقه مع قواعد الشريعة والعقل.
وفائدة الخلاف: أن الولد لا ينتفي نسبه في رأي الحنفية إلا باللعان، وينتفي بدون لعان في رأي الجمهور، لعدم إمكان التلاقي بين الزوجين عادة.
موقف القانون من هذا السبب: نص القانون السوري م (١٢٩) على مايلي:
стр. 7005
١ - ولد كل زوجة في النكاح الصحيح ينسب إلى زوجها بالشرطين التاليين:
أـ أن يمضي على عقد الزواج أقل مدة الحمل.
ب - ألا يثبت عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة، كما لو كان أحد الزوجين سجيناً أو غائباً في بلد بعيد أكثر من مدة الحمل.
٢ - إذا انتفى أحد هذين الشرطين لا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا أقر به أوادعاه.
٣ - إذا توافر هذان الشرطان لا ينفى نسب المولود عن الزوج إلا باللعان.
وقضى القانون المصري رقم (٢٥) لسنة ١٩٢٩ في المادة (١٥) بمنع القضاة من سماع دعوى نسب الولد في حالة الإنكار إذا ثبت عدم التلاقي بين الزوجين وزوجته من حين العقد إلى الولادة، كما قضى بمنعهم من سماع مثل هذه الدعوى إذا أتت الزوجة بالولد بعد سنة من غيبة الزوج عنها.
وقت ثبوت النسب بعد الفرقة من زواج صحيح:
الفرقة إما أن تكون قبل الدخول أو بعد الدخول:
أـ إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول والخلوة، ثم ولدت ولداً بعد الطلاق، فإن أتت به قبل مضي ستة أشهر من تاريخ الطلاق، ثبت نسبه من الزوج، للتيقن بأنها حملت به قبل الفرقة.
وإن أتت به بعد مضي ستة أشهر أو أكثر من تاريخ الطلاق، فلا يثبت نسبه من الزوج، إذ لا نتيقن بحدوث الحمل قبل حصول الفرقة.