أحدهما - أن يكون الأبوان وغيرهما من أهل الحضانة: فإن كان أحدهما من غير أهل الحضانة، كان كالمعدوم، ويتعين الآخر.
الثاني - ألا يكون الغلام معتوهاً: فإن كان معتوهاً كان عندالأم، ولم يخير؛ لأن المعتوه بمنزلة الطفل، وإن كان كبيراً، لذا كانت الأم أحق بكفالة ولدها المعتوه بعد بلوغه.
أما الفتاة إذا بلغت سبع سنين، فالأب أحق بها، ولا تخير عندهم خلافاً للشافعية؛ لأن غرض الحضانة الحظ والمصلحة، والحظ للفتاة بعد السبع في الوجود عند أبيها؛ لأنها تحتاج إلى حفظ، والأب أولى به، فإن الأم تحتاج إلى من يحفظها ويصونها.
لكن إذا كانت البنت عند الأم أو عند الأب، فإنها تكون عنده ليلاً ونهاراً؛ لأن تأديبها وتخريجها في جوف البيت، كتعليمها الغزل والطبخ وغيرهما.
موقف القانون: قرر القانون المصري رقم (٢٥) لسنة (١٩٢٩) أن حق الحضانة ينتهي عند بلوغ الصغير سبع سنين، وبلوغ الصغيرة تسعاً. وكان هذا هو المقرر في القانون السوري، ثم عدل الحكم سنة (١٩٧٥)، فنصت المادة (١٤٦) على أنه: تنتهي مدة الحضانة بإكمال الغلام التاسعة من عمره، والبنت الحادية عشرة.
مايترتب على انتهاء مدة الحضانة من ضم الولد لأبيه أو جده:
إذا انتهت مرحلةالحضانة، ضم الولد إلى الولي على النفس من أب أوجد، لا لغيرهما. ويظل للأب الحق في إمساك الصبي حتى يبلغ، فيخير بين أن ينفرد بالسكنى أو يسكن مع أي أبويه شاء، إلا إذا بلغ سفيهاً غير مأمون على نفسه،
стр. 7072
فيضمه الأب إليه، لدفع فتنة أو عار، ولتأديبه إذا وقع منه شيء. ولا يلزم الأب بالنفقة على الولد بعد البلوغ إلا أن يتبرع. فإن بلغ معتوهاً، كان عند الأم، سواء أكان ابناً أم بنتاً.
وأما الفتاة: فيضمها الأب أو الجد إذا كانت بكراً، وكذا إذا كانت ثيباً يخشى عليه الفتنة. فإن كان لا يخشى عليها، وكانت ذا خلق مستقيم وعقل سليم، وصارت مسنة بلغت سن الأربعين، فلها أن تنفرد بالسكنى حيث شاءت. ولا يلزم الأب بالإنفاق على الفتاة إذا رفضت السكنى معه أو متابعته بغير حق (١).
والخلاصة: إذا بلغ الولد أو البنت بكراً أو ثيباً، وكانا غير مأمونين، فلا خيار لهم بالانفراد بالسكنى، بل يضمهم الأب إليه.
стр. 7073
الفَصْل الرّابع: الولاية الولاية: هي تدبير الكبير الراشد شؤون القاصر الشخصية والمالية. والقاصر: من لم يستكمل أهلية الأداء، سواء أكان فاقداً لها كغير المميز أم ناقصها كالمميز.
وعرفها الحنفية بأنها: تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى (١).
وقد عرفنا في بحث الزواج أن الولي ركن من أركان العقد عند غير الحنفية، وهو شرط صحة نكاح صغير ومجنون ورقيق في مذهب الحنفية.
وعرفنا في بحث النظريات الفقهية أن الولاية نوعان: ولاية على النفس وولاية على المال. والولاية على النفس: هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية من صيانة وحفظ وتأديب وتعليم وتطبيب وتزويج ونحو ذلك.
والولاية على المال: هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من استثمار وتصرفات كالبيع والإجارة والرهن وغيرها.
وينقسم هذا الفصل إلى مبحثين بحسب نوع هاتين الولايتين أذكرهما بإجمال.
стр. 7074
المبحث الأول - الولاية على النفس:
أولاً - الولي على النفس وصلاحياته: الولي على النفس في مذهب الحنفية (١): هو الابن ثم الأب ثم الجد أبو الأب، ثم الأخ، ثم العم، أي أن الولاية على النفس تثبت عندهم على القاصر للعصبات بحسب ترتيب الإرث: البنوة، فالأبوة، فالأخوة، فالعمومة. ويقدم الشقيق على من كان لأب فقط. فإن لم يوجد أحد من العصبات انتقلت ولاية النفس إلى الأم ثم باقي ذوي الأرحام.
وأما في مذهب المالكية فتثبت هذه الولاية على الترتيب التالي (٢): البنوة، ثم الأبوة ثم الوصاية ثم الأخوة ثم الجدودة ثم العمومة. فالولي على النفس عندهم: هو الابن وابنه، ثم الأب ثم وصيه، ثم الأخ الشقيق وابنه، ثم الأخ لأب وابنه، ثم الجد أبو الأب، ثم العم وابنه. ويقدم الشقيق منهما على غير الشقيق، ثم القاضي في عصرنا.
ويجبر الولي على أخذ القاصر بعد انتهاء الحضانة؛ لأن الولاية على النفس حق من حقوق المولى عليه.
وصلاحيات ولي النفس: هي التأديب والتهذيب، ورعاية الصحة، والنمو الجسمي، والتعليم والتثقيف في المدارس، والإشراف على الزواج. وإذا كان القاصر أنثى وجب حمايتها وصيانتها، ولا يجوز للولي تسليمها إلى من يعلِّمها صناعة أو حرفة تختلط فيها بالرجال.
стр. 7075
ثانياً - شروط الولي على النفس: يشترط في الولي على النفس (١): البلوغ والعقل (التكليف) والقدرة على تربية الولد، والأمانة على أخلاقه، والإسلام في حق المولى عليه المسلم أو المسلمة.
فلا ولاية لغير بالغ، ولا لغير عاقل، ولا لسفيه مبذر؛ لأن هؤلاء في حاجة إلى من يتولى شؤونهم، ولا ولاية لفاسق ماجن لا يبالي بما يفعل لأنه يضر بأخلاق القاصر وبماله. ولا ولاية لمهمل للولد كأن يتركه مريضاً، دون أن يحاول علاجه مع قدرته عليه، أو كأن يحرمه التعليم مع صلاحية الولد؛ لأن ذلك ضار بمصلحة القاصر.
وتنتقل الولاية حينئذ إلى الأصلح على وفق الترتيب المتقدم.
موقف القانون: نصت المادة (١٧٠) من القانون السوري على ولاية الأب والجد ولاية نفس ومال، وعلى صلاحيات الولي، وعلى ما يسقط ولايته:
١ - للأب ثم للجد العصبي ولاية على نفس القاصر وماله، وهما ملتزمان بالقيام عليه.
٢ - لغيرهما من الأقارب بحسب الترتيب المبين في المادة (٢١) ولاية على نفسه دون ماله.
وأما نص المادة (٢١) فهو: الولي في الزواج هو العصبة بنفسه على ترتيب الإرث، بشرط أن يكون مَحْرماً.
стр. 7076
ونصت المادة (٢٢/ ١) على أنه: يشترط أن يكون الولي عاقلاً بالغاً.
٣ - يدخل في الولاية النفسية: سلطة التأديب والتطبيب والتعليم والتوجيه إلى حرفة اكتسابية، والموافقة على التزويج، وسائر أمور العناية بشخص القاصر.
٤ - يعتبر امتناع الولي عن إتمام تعليم الصغير حتى نهاية المرحلة الإلزامية سبباً لإسقاط ولايته، وتعتبر معارضة الحاضنة أو تقصيرها في تنفيذ ذلك سبباً مسقطاً لحضانتها.
ثالثاً - انتهاء الولاية على النفس:
تنتهي الولاية على النفس في رأي الحنفية في حق الغلام ببلوغه خمس عشرة سنة، أو بظهور علامة من علامات البلوغ الطبيعية، وكان عاقلاً مأموناً على نفسه. وإلا بقي في ولاية الولي.
وأما في حق الأنثى، فتنتهي هذه المرحلة بزواجها، فإن تزوجت صار حق إمساكها لزوجها، وإن لم تتزوج بقيت في ولاية غيرها إلى أن تصير مسنّة مأمونة على نفسها، فحينئذ يجوز لها أن تنفرد بالسكنى، أو تقيم مع أمها. ولم يحدد الحنفية هذه السن، والظاهر من كلامهم أن تصير عجوزاً لا يرغب فيها الرجال.
ولكن القضاء في مصر وسورية أجاز للأنثى إذا بلغت سن الرشد (٢١ سنة في مصر، و ١٨ سنة في سورية) أن تنفرد بالسكنى عن ولي النفس، إذا كانت مأمونة على نفسها، ولا يخشى عليها الفتنة.
وأما في مذهب المالكية: فتنتهي الولاية على النفس بزوال سببها، وسببها الصغر وما في معناه: وهو الجنون والعته والمرض. وأما الأنثى فلا تنتهي الولاية النفسية عليها إلا بدخول الزوج بها، كما بان في بحث الحضانة.
стр. 7077
المبحث الثاني - الولاية على المال:
أولاً - الولي على المال:
إذا كان للقاصر مال، كان للأب الولاية على ماله حفظاً واستثماراً باتفاق المذاهب الأربعة، ثم اختلفوا فيمن تثبت له الولاية على مال القاصر بعد موت أبيه.
قال الحنفية: تثبت هذه الولاية للأب ثم لوصيه، ثم للجد أبي الأب ثم لوصيه، ثم للقاضي فوصيه.
وقال المالكية والحنابلة: تثبت هذه الولاية للأب ثم لوصيه، ثم للقاضي أو من يقيمه، ثم لجماعة المسلمين إن لم يوجد قاضٍ.
وقال الشافعية: تثبت هذه الولاية للأب، ثم للجد، ثم لوصي الباقي منهما، ثم للقاضي أو من يقيمه. وبه يتبين أنهم خالفوا المذاهب الأخرى في تقديم الجد على وصي الأب؛ لأن الجد كالأب عند عدمه، لوفور شفقته مثل الأب، ولذا تثبت له ولاية التزويج.
ولا تثبت ولاية المال لغير هؤلاء كالأخ والعم والأم إلا بوصاية من قبل الأب أو القاضي.
وتستمر هذه الولاية حتى يبلغ القاصر سن الرشد. فإذا بلغ رشيداً، ثم طرأ عليه الجنون أو العته مثلاً، فهل تعود الولاية عليه؟
قال المالكية والحنابلة: لا تعود الولاية لمن كانت له، وإنما تكون للقاضي؛ لأن الولاية سقطت بالبلوغ عاقلاً، والساقط لا يعود.
стр. 7078
وقال الحنفية والشافعية في الأرجح عندهم: تعود الولاية لمن كانت له قبل البلوغ؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا وجدت علة الولاية وجدت الولاية.
فإن كان الطارئ هو السفه: فإن الولاية على السفيه تكون في رأي الجمهور للقاضي أو من يعينه؛ لأن المقصود هو المحافظة على ماله، والنظر في مصالح الناس من صلاحيات القاضي.
حكم القانون: أخذ القانون المصري (م ١) رقم (١١٩) لسنة (١٩٥٢) والقانون السوري برأي الحنفية في ترتيب درجات الأولياء على المال، فنصت المادة (١٧٢/ ١) من القانون السوري على أنه: للأب والجد العصبي عند عدمه دون غيرهما ولاية على مال القاصر حفظاً وتصرفاً واستثماراً. وهذا يوافق المادة الأولى من القانون المصري.
ونصت المادة (١٧٦) من هذا القانون على تنصيب الأوصياء:
١ - يجوز للأب وللجد عند فقدان الأب أن يقيم وصياً مختاراً لولده القاصر أو الحمل، وله أن يرجع عن إيصائه.
٢ - وتعرض الوصاية بعد الوفاة على المحكمة لتثبيتها.
٣ - إن الوصاية في أموال القاصرين بعد وفاة الأب هي للوصي الذي اختاره الأب، وإن لم يكن قريباً لهم، على أن تعرض الوصاية على القاضي لتثبيتها فيما إذا كانت مستوفية لشروطها الشرعية. وهذا يوافق المادة (٢٨) من القانون المصري.
ونصت المادة (١٧٧) منه على وصي المحكمة: إذا لم يكن للقاصر أو الحمل وصي مختار، تعين المحكمة وصياً. وهي تطابق المادة (٢٩) من القانون المصري.
стр. 7079
ثانياً - شروط الولي على المال: يشترط لثبوت الولاية على المال ما يشترط لثبوت الولاية على النفس وهو ما يأتي (١):
١ - أن يكون الولي كامل الأهلية، وذلك بالبلوغ والعقل والحرية؛ لأن فاقد الأهلية أو ناقصها ليس أهلاً للولاية على مال نفسه، فلا يكون أهلاً للولاية على مال غيره.
٢ - ألا يكون سفيهاً مبذراً محجوراً عليه: لأنه لا يلي أمور نفسه، فلا يلي أمور غيره.
٣ - أن يكون متحد الدين مع القاصر، فلو كان الأب غير مسلم فلا يلي أمور ابنه المسلم.
ثالثاً - تصرفات الولي على المال: تصرف الولي في مال القاصر مقيد بالمصلحة للمولى عليه، فلا يجوز له مباشرة التصرفات الضارة ضرراً محضاً كهبة شيء من مال المولى عليه أو التصدق به أو البيع والشراء بغبن فاحش، ويكون تصرفه باطلاً. وله مباشرة التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبول الهبة والصدقة والوصية، وكذا التصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار والشركة والقسمة. ودليل هذا المبدأ قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه﴾ [الإسراء:٣٤/ ١٧].
стр. 7080
تصرفات الأب: الأب المبذر ليس له ولاية على مال القاصر، وعليه تسليم المال إلى وصي يختاره. فإن كان غير مبذر، فله الولاية على مال القاصر، وله في رأي الحنفية والمالكية بيع مال القاصر والشراء له، سواء أكان المال منقولاً أم عقاراً، ما دام العقد بمثل الثمن أو بغبن يسير: وهو ما يتغابن فيه الناس عادة. ولا ينفذ على القاصر البيع أوالشراء بغبن فاحش: وهو ما لا يتغابن فيه الناس عادة. لكن المفتى به لدى الحنفية أن الشراء ينفذ على الولي، لإمكان نفاذه عليه، بعكس البيع فلا ينفذ؛ لأن فيه ضرراً ظاهراً على المولى عليه.
وله أن يبيع مال نفسه لولده الصغير ونحوه، وأن يشتري مال ولده لنفسه بمثل الثمن أو بغبن يسير، ويتولى الأب طرفي العقد، وتكون عبارته قائمة مقام الإيجاب والقبول، استثناء من مبدأ تعدد العاقد في العقود المالية، نظراً لوفور شفقة الأب على ولده.
وليس للأب أن يتبرع بشيء من مال الصغير ونحوه؛ لأن التبرع تصرف ضار ضرراً محضاً، فلا يملكه الولي ولو كان أباً.
وليس له أيضاً أن يقرض مال الصغير للغير، ولا أن يقترض لنفسه؛ لما في إقراضه من تعطيل استثمار المال.
ويجوز للأب في رأي أبي حنيفة ومحمد أن يرهن شيئاً من مال ولده في دين نفسه، قياساً على ما له من إيداع مال ولده. ولا يجوز هذا الرهن في رأي أبي يوسف وزفر؛ لأن في الرهن تعطيلاً لمنفعة المال، إذ يبقى محبوساً إلى سداد الدين.
حكم القانون: منع القانون المصري رقم (١١٩) لسنة (١٩٥٢) في المادة الخامسة منه تبرع الولي بشيء من مال القاصر، إلا لأداء واجب إنساني أو عائلي
стр. 7081
بإذن المحكمة. وهذا الاستثناء مخالف لرأي الفقهاء. ومنعت المادة السادسة منه التصرف في عقار القاصر ببيع أو إجارة لنفسه أو لزوجه أو لأقاربه أو لأقاربها إلى الدرجة الرابعة إلا إذا أذنت المحكمة بذلك، رعاية لمصلحة الصغير. ومنعت هذه المادة أيضاً أخذاً برأي أبي يوسف وزفر رهن مال الصغير في دين على الولي نفسه؛ لأن الرهن يفضي غالباً إلى استيفاء الدين من مال المرهون.
ومنعت المادة السابعة الأب من التصرف في عقار القاصر أو محله التجاري أو أوراقه المالية إذا زادت قيمتها على ثلاثمائة جنيه إلا بإذن المحكمة، رعاية لمصالح المولى عليه.
ومنعت المادة التاسعة الولي من إقراض مال القاصر واقتراضه إلا بإذن المحكمة، كما منعته المادة العاشرة من إيجار عقار القاصر لمدة تتجاوز بلوغه سن الرشد إلا بإذن المحكمة. وكذلك منعته المادة الحادية عشرة من الاستمرار في تجارة آلت للقاصر إلا بإذن المحكمة وفي حدود هذا الإذن. وهذا من قبيل الاحتياط لمصلحة القاصر.
وأجازت المادة الرابعة عشرة للأب وحده أن يتعاقد مع نفسه بالنيابة عن القاصر، سواء أكان ذلك لحسابه هو أم لحساب شخص آخر إلا إذا نص القانون على غير ذلك.
ونصت المادة الثالثة على أنه «لا يدخل في الولاية مايؤول للقاصر من مال بطريق التبرع إذا اشترط المتبرع ذلك».
وتتفق هذه الأحكام غالباً مع المقرر في القانون السوري، فنصت المادة (١٧٢/ ٢) على أنه: «لا ينزع مال القاصر من يد الأب أو الجد العصبي ما لم تثبت خيانته أو سوء تصرفاته فيه، وليس لأحدهما التبرع بمال القاصر أو بمنافعه أصلاً،
стр. 7082
ولا يبيع عقاره أو رهنه إلا بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ» وهذا من قبيل الاحتياط في صيانة مال القاصر؛ لأن الضرر في بيع عقاره أكثر من الضرر في بيع ماله المنقول غالباً.
ونصت المادة (١٧١) على مضمون المادة الثالثة في القانون المصري: «إذا اشترط المتبرع بمال للقاصر عدم تصرف وليه به، تعين المحكمة وصياً خاصاً على هذا المال».
ونصت المادة (١٧٣) على أحوال نزع الولاية المالية من الأب والجد أو الحد منها: «إذا أصبحت أموال القاصر في خطر بسبب سوء تصرف الولي أو لأي سبب آخر، وخيف عليها منه، فللمحكمة أن تنزع ولايته أو تحد منها، ويجوز للقاضي أن يعهد إلى حاضنة القاصر ببعض أعمال الولي الشرعي المالية إذا تحقق له أن مصلحة القصار تقضي بذلك، وبعد سماع أقوال الولي».
وخصصت المادة (١٧٤) لأحوال إيقاف الولاية: «تقف الولاية إذا اعتبر الولي مفقوداً، أو حجر عليه أو اعتقل، وتعرضت باعتقاله مصلحة القاصر للضياع، ويعين للقاصر وصي مؤقت إذا لم يكن له ولي آخر».
الولي الخاص: ونصت المادة (١٧٥) على حالة تعيين ولي خاص: «تعين المحكمة ولياً خاصاً عند تعارض مصلحة القاصر مع مصلحة وليه، أو عند تعارض مصالح القاصرين بعضها مع بعض».
رابعاً - شروط الوصي المختار - وصي الأب وتصرفاته:
الوصي نوعان:
стр. 7083
١ - الوصي المختار: هو الذي يعينه الأب أو الجد للإشراف على أموال أولاده أو أحفاده.
٢ - وصي القاضي: هو الذي يعينه القاضي للإشراف على التركة والأولاد.
وشروط الوصي أربعة:
١ - البلوغ: وهو شرط في سائر التصرفات، فلا تثبت الولاية للصبي؛ لأنه قاصر النظر لا يهتدي إلى وجوه المصلحة أو المنفعة.
٢ - العقل: وهو شرط أيضاً في سائر التصرفات، فلا تثبت الولاية للمجنون ونحوه؛ لأنه لا يهتدي إلى حسن التصرف في حق نفسه، فلا يلي شؤون غيره.
أما اشتراط الفقهاء الحرية فلم يعد له معنى اليوم لإلغاء الرق.
٣ - الإسلام في حق المولى عليه المسلم: فلا ولاية لكافر على مسلم؛ لأن الإيصاء كالولاية، ولاولاية لغير المسلم على المسلم.
٤ - العدالة: فلا ولاية لفاسق؛ لأن الإشراف على مصالح الغير يتطلب استقامة ونزاهة وورعاً. والعدالة: اجتناب المعاصي الكبائر كالزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة، وعدم الإصرار على الصغائر كإدمان التلصص على النساء. فإذا فقد شرط من هذه الشروط، صح الإيصاء عند الحنفية على المعتمد، ويعزله القاضي ويعين غيره.
ويصح الإيصاء للمرأة في رأي أكثرية العلماء؛ لأن عمر ﵁ أوصى إلى ابنته حفصة أم المؤمنين، ولأنه تصح شهادتها وتصرفاتها المالية كالرجل، فتجوز وصايتها.
стр. 7084
ويصح الإيصاء للأعمى في رأي الجمهور؛ لأنه خبير يحسن التصرف كالمبصر، ولأنه تصح شهادته وولايته في الزواج وعلى أولاده الصغار، فصح الإيصاء إليه.
حكم القانون: نصت المادة (٢٧) من القانون المصري رقم (١١٩) لسنة ١٩٥٢ على شروط الوصي ومن ليس أهلاً للوصاية، وهو نص المادة (١٧٨) من القانون السوري الآتية:
١ - يجب أن يكون الوصي عدلاً، قادراً على القيام بالوصاية، ذا أهلية كاملة، وأن يكون من ملةالقاصر.
٢ - لا يجوز أن يكون وصياً:
أـ المحكوم عليه في جريمة سرقة أو إساءة الائتمان أو تزوير أو في جريمة من الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة.
ب - المحكوم بإفلاسه إلى أن يعاد إليه اعتباره.
جـ - من قرر الأب أو الجد عند عدمه حرمانه من التعيين قبل وفاته إذا ثبت ذلك ببينة خطية.
د - من كان بينه هو أو أحد أصوله أو فروعه أو زوجه وبين القاصر نزاع قضائي أو خلاف عائلي يخشى منه على مصلحة القاصر.
وهذ تفصيل مترتب على ما اشترطه الفقهاء.
الوصي المؤقت: نصت المادة (١٧٩) على حالة تعيين وصي مؤقت تشبه حالة تعيين ولي خاص في المادة (١٧٥) السابقة، ونصها هو ما يأتي:
стр. 7085
ينصب القاصي وصياً خاصاً مؤقتاً عند تعارض مصلحة القاصر مع مصلحة الوصي أو زوجه أو أحد أصوله أو فروعه، أو من يمثلهم الوصي، إن لم يبلغ هذا التعارض النزاع المنصوص عليه في المادة السابقة (أي المادة ١٧٨).
ونصت المادة (١٨٨) على حالة أخرى لتعيين وصي مؤقت:
١ - إذا رأت المحكمة كفَّ يد الوصي، عينت وصياً مؤقتاً لإدارة أموال القاصر إلى حين زوال سبب الكف أو تعيين وصي جديد.
٢ - تسري على الوصي المؤقت أحكام الوصاية الواردة في هذا القانون.
وأما تصرفات الوصي المختار، فهي ما يأتي:
يملك وصي الأب أو الجد ما يملكه الأب إلا فيما يأتي بسبب عدم توافر الشفقة الكائنة عند الأب:
١ - بيع العقار: لا يملك الوصي المختار بيع عقار القاصر إلا إذا كان هناك مسوغ شرعي، كأن يكون بيع العقار خيراً للصغير، وذلك فيما يأتي:
أـ بيع العقار بضعف قيمته فأكثر، فيستطيع الوصي شراء عقار أنفع مما باعه.
ب - أن تزيد ضريبة العقار ومصاريفه على غلاته.
جـ - أن يتعين بيع العقار لصرف ثمنه في نفقة القاصر.
٢ - بيع الوصي مال نفسه لليتيم أو شراء ماله لنفسه: لا يجوز للوصي المختار بيع ماله للقاصر أو شراء مال القاصر لنفسه إلا إذا كان في البيع والشراء منفعة ظاهرة. وتتحقق هذه المنفعة في رأي أبي حنيفة بأن يبيع العقار للقاصر بنصف
стр. 7086
القيمة، ويشتري منه العقار بضعف قيمته. وفي غير العقار: أن يبيع له ما يساوي (١٥ بعشرة)، ويشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر.
وقال الصاحبان والأئمة الآخرون: لا يجوز للوصي أن يبيع أو يشتري من مال الصغير مطلقاً.
وأما في القانون: فقد نصت المادة (٣٨) من القانون المصري رقم (١١٩) لسنة ١٩٥٢ على منع الوصي من التبرع بمال القاصر إلا لأداء واجب إنساني أوعائلي وبإذن المحكمة. وهذا نفس المقرر بالنسبة للأب. ونصت المادة (١٨٠) سوري على أن: تبرع الوصي من مال القاصر باطل. ومنعت المادة (٣٩) مصري و (١٨٢) سوري من طائفة من التصرفات إلا بإذن المحكمة وهي ما يأتي على الترتيب في القانون السوري:
أـ التصرف في أموال القاصر بالبيع أو الشراء أو المقايضة أو الشركة أو الإقراض أو الرهن أو أي نوع آخر من أنواع التصرفت الناقلة للملكية أو المترتبة لحق عيني.
ب - تحويل الديون التي تكون للقاصر وقبول الحوالة عليه.
جـ - استثمار الأموال وتصفيتها واقتراض المال للقاصر.
د - إيجار عقار القاصر لمدة أكثر من ثلاث سنوات في الأراضي الزراعية أو أكثر من سنة في المباني.
هـ - إيجار عقار القاصر لمدة تمتد إلى سنة بعد بلوغه سن الرشد.
وـ قبول التبرعات المقيدة بشرط أو رفضها.
стр. 7087
ز - الإنفاق من مال القاصر على من تجب عليه نفقتهم إلا إذا كانت النفقة محكوماً بها حكماً مبرماً.
ح - الصلح والتحكيم.
ط - الوفاء بالالتزامات التي تكون على التركة أو القاصر ما لم يكن قد صدر بها حكم مبرم.
ي - رفع الدعاوى إلا ما يكون في تأخيره ضرر للقاصر أو ضياع حق له.
ك - التنازع عن الدعاوى وإسقاط حقه في طرق المراجعة القانونية.
ل - التعاقد مع المحامين للخصومة عن القاصر.
م - تبديل التأمينات أو تعديلها.
ن - استئجار أموال القاصر أو إيجارها لنفسه أو لزوجه أو لأحد أقاربه أو أصهاره حتى الدرجة الرابعة أو لمن يكون الوصي نائباً عنه.
س - ما يصرف في تزويج القاصر.
ع - إصلاح عقار القاصر وترميمه وتبديل معالمه أوإنشاء بناء عليه أو هدمه أو غرس أغراس ونحو ذلك، ويتضمن الإذن في هذه الحالة تحديد مدى التصرف وخطة العمل.
ونصت المادة (١٨١) على أن إجراء القسمة بالتراضي مع باقي الشركاء لا ينفذ إلا بتصديق القاضي.
وهذه القيود لا مانع منها شرعاً؛ لأن المقصود منها رعاية مصلحة القاصر والمحافظة على ماله، وهو مايريده الفقهاء.
стр. 7088
خامساًً - القاضي ووصيه وتصرفاته: إذا لم يوجد أب ولا جد ولا وصيهما، انتقلت الولاية للقاضي، لما له من الولاية العامة، فله أن يتصرف بنفسه في أموال القاصر بما فيه المصلحة. لكن العمل جرى على أن القاضي لا يشرف بنفسه على أموال الصغار، بل يعين وصياً من قبله يسمى (وصي القاضي) أو (الوصي المعين).
ويتصرف وصي القاضي كما يتصرف الوصي المختار، يتصرف في كل ما كان نافعاً للقاصر، ويعمل على حفظ ماله وتنميته، ويختلف عن الوصي المختار في حالات (١):
١ - ليس لوصي القاضي أن يشتري شيئاً لنفسه من مال القاصر ولا أن يبيع شيئاً. أما الوصي المختار فله ذلك إذا كان في تصرفه منفعة ظاهرة للقاصر، كما تقدم.
٢ - وصي القاضي يقبل التخصيص، أما الوصي المختار فلا يقبل التخصيص على رأي أبي حنيفة.
٣ - ليس لوصي القاضي أن يبيع مال القاصر لمن لا تقبل شهادته للوصي كأبيه أو ابنه، ولا أن يشتري منه شيئاً للقاصر، أما الوصي المختار فله أن يفعل ذلك.
٤ - للقاضي سؤال وصيه عن مقدار التركة، وليس للوصي المختار ذلك.
٥ - إذا أوصى وصي القاضي لآخر على تركته، لم يكن وصياً على التركتين، بخلاف الوصي المختار.
стр. 7089
ليس لوصي القاضي الموكل بالخصومة في عقار القاصر قبضه إلا بإذن من القاضي، أو بتوكيل سابق فيه. أما الوصي المختار فيملك القبض من غير إذن.
٧ - ليس لوصي القاضي إيجار القاصر، أما الوصي المختار فله ذلك.
حكم القانون: لم يفرق القانون المصري والسوري بين الوصي المختار وبين وصي القاضي في كل الحالات. وأخضع تصرفات الوصي لإشراف المحكمة، كما تقدم.
سادساً - انتهاء الولاية والوصاية: تنتهي الولاية على المال بزوال سببها وهو الصغر وبلوغه سن الرشد المالي. ويعرف الرشد عن طريق الاختبار والتجربة، فإذا تبين بالتجربة رشده، سلِّمت إليه أمواله وزالت الولاية عنه.
أما القانون المصري والسوري فقد حددا للرشد سناً معينة، وهي (٢١) سنة في مصر، و (١٨) سنة في سورية. نصت المادة (١٨) من قانون الولاية على المال في مصر على أنه تزول الولاية أو الوصاية على الصغير ببلوغه إحدى وعشرين سنة إلا إذا حكمت المحكمة قبل هذه السن باستمرار الولاية.
ونصت المادة (٤٧) على انتهاء الوصاية بأحد الأمور الآتية:
١ - بلوغ القاصر إحدى وعشرين سنة إلا إذا تقرر استمرار الوصاية عليه.
٢ - عودة الولاية للولي، وذلك إذا سلبت المحكمة الولاية من الولي وعينت وصياً على القاصر، ثم زال سبب سلب الولاية، فأمرت المحكمة بإعادتها.
٣ - عزل القاضي أو قبول استقالته.
стр. 7090
٤ - فقد الوصي أهليته، أو ثبوت غيبته أو موته أو موت القاصر، وذلك إذا صدر قرار من المحكمة بذلك إلا في حالة العته أو الجنون، فإنه تسري أحكام القانون المدني.
وعلى الوصي إذا انتهت الوصاية أن يسلم خلال ثلاثين يوماً بعد انتهائها جميع أموال القاصر التي في عهدته.
وحددت المادة (٤٦) من القانون المدني السوري لسنة (١٩٤٩) سن الرشد بتمام ثماني عشرة سنة شمسية كاملة.
ونصت المادة (١٨٩) من قانون الأحوال الشخصية السوري على ما يلي: تنتهي مهمة الوصي في الأحوال التالية:
أـ بموت القاصر.
ب - ببلوغه ثماني عشرة سنة إلا إذا قررت المحكمة قبل بلوغه هذه السن استمرار الوصاية عليه، أو بلغها معتوهاً أو مجنوناً.
جـ - بعودة الولاية للأب أو للجد.
د - بانتهاء العمل الذي أقيم الوصي الخاص لمباشرته أو انقضاء المدة التي حدد بها تعيين الوصي المؤقت.
هـ - بقبول استقالته.
وـ بزوال أهليته.
ز - بفقده.
ح - بعزله.
стр. 7091
ونصت المادة (١٩١) على ما يلي كما هو المقرر في القانون المصري:
١ - على الوصي الذي انتهت وصايته أن يسلم في خلال ثلاثين يوماً من انتهائها الأموال التي في عهدته، ويقدم عنها حساباً مؤيداً بالمستندات إلى من يخلفه، أو إلى القاصر الذي بلغ سن الرشد، أو إلى ورثته إن توفي. وعليه أيضاً أن يقدم صورة عن الحساب إلى المحكمة، وإلى الناظر إن وجد.
٢ - إذا توفي الوصي أو حجر عليه أوفقد، فعلى ورثته أو من يمثله تسليم أموال القاصر وتقديم الحساب.
٣ - يباشر مدير الأيتام صلاحية الوصي بما يحقق مصلحة القاصر، إلى أن يعين الوصي الخلف للوصي الذي انتهت وصايته لأي سبب كان.
стр. 7092
الفَصْلُ الخامِس: النَّفَقَات
نفقة الزوجة والأقارب
أوضحت في هذا الفصل نفقة الزوجة مع نفقة الأقارب، جمعاً لمسائل البحث، وتسهيلاً على الباحث. وقد تضمن تمهيداً يشمل مبادئ عامة عن النفقات، وأربعة مباحث:
الأول - نفقة الزوجة.
الثاني - نفقة الأولاد أو الفروع.
الثالث - نفقة الأصول، أو الآباء والأجداد والأمهات.
الرابع - نفقة الأقارب: الحواشي وذوي الأرحام.
علماً بأن واجب الإنفاق يشمل أيضاً كل ما يتبع الإنسان من الرقيق، والحيوان والنبات والزرع، والدور والأراضي، منعاً من الضياع والتلف، وإضاعة المال حرام. لكن كره الجمهور ترك الزرع والشجر بدون سقي وتعهد، والدور والأراضي بدون إصلاح وتعمير، إلا إذا كان ذلك وقفاً أو لقاصر أو مشتركاً فيجب الإنفاق عليه.
стр. 7093
أما نفقة الحيوان: فيجب على المالك إطعام بهائمه ولو مرضت، وسقيها وريها، لقوله ﷺ : «عُذّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل حشاش الأرض» (١). ويحرم عليه أن يحملها ما لا تطيق؛ لأن الشارع منع تكليف العبد ما لا يطيق، فوجب أن تكون البهيمة مثله، ولأن فيه تعذيباً للحيوان الذي له حرمة في نفسه، وإضراراً به (٢).
ويحرم أن يحلب من لبنها ما يضر بولدها؛ لأنه غذاء للولد، فلا يجوز منعه، ولأن كفايته واجبة على مالكه. ويسن أن يقلم أظفاره لئلا يؤذيها عند الحلب. كما يجب إبقاء شيء من العسل في الخلية بقدر حاجة النحل إذا لم يكفه غيره.
وإن امتنع المالك من الإنفاق على بهيمة، أجبر عليه عند الجمهور قضاء وديانة، كما يجبر على نفقة زوجته. وإن لم يكن له مال أكري عليه إن أمكن كراؤه، فإن لم يمكن بيع عليه. وقال الحنفية: لا يجبر قضاء على نفقة البهائم، في ظاهر الرواية، ولكنه يفتى فيما بينه وبين الله تعالى أي ديانة أن ينفق عليها. ولا يجبر أيضاً على نفقة الجمادات كالدور والعقار ولا يفتى أيضاً بالوجوب، لكن يكره له تحريماً تضييع المال.
ويحرم وسم في الوجه وضرب عليه؛ لأنه ﷺ لعن من وسم أو ضرب الوجه، ونهى عنه، كما يحرم ضرب وجه الآدمي، بل الحرمة أشد؛ لأنه أعظم حرمة. ويحرم على المالك التحريش بين الديكة أو الثيران أو غيرها، لما فيه من تعذيبها. ويحرم عليه - كما تقدم - تكليف الدابة ما لا تطيق من ثقل الحمل أو إدامة السير أو نحوهما.
стр. 7094
ويحرم لعن الدابة، لما روى أحمد ومسلم عن عمران: «أنه ﷺ كان في سفر، فلعنت امرأة ناقة، فقال: خذوا ما عليها، ودعوها مكانها ملعونة، فكأني أراها الآن تمشي في الناس، ما يَعرِض لها حد»، ولهما من حديث أبي بَرْزة: «لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة» وكذلك يحرم لعن الإنسان.
ولا يجوز قتل البهيمة ولا ذبحها للإراحة؛ لأنها مال ما دامت حية، وذبحها إتلاف لها، وقد نهي عن إتلاف المال، وكذلك يحرم قتل الآدمي المتألم بالأمراض الصعبة أو المصلوب بنحو حديد؛ لأنه معصوم ما دام حياً. ويحسن قتل ما يباح قتله من الحيوانات المؤذية كالكلب العضوض.
مبادئ عامة في النفقات:
١ - معنى النفقة وأسبابها: النفقة مشتقة من الإنفاق: وهو الإخراج، ولا يستعمل إلا في الخير. وجمعها نفقات. وهي لغة: ما ينفقه الإنسان على عياله. وهي في الأصل: الدراهم من الأموال. وشرعاً: هي كفاية من يمونه من الطعام والكسوة والسكنى (١). وعرفاً هي الطعام. والطعام: يشمل الخبز والأُدم والشرب. والكسوة: السترة والغطاء. والسكنى: تشمل البيت ومتاعه ومرافقه من ثمن الماء ودهن المصباح وآلة التنظيف والخدمة ونحوها بحسب العرف.
و النفقة قسمان (٢):
стр. 7095
١ - نفقة تجب للإنسان على نفسه إذا قدر عليها، وعليه أن يقدمها على نفقة غيره، لقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» (١) أي بمن تجب عليك نفقته.
٢ - ونفقة تجب على الإنسان لغيره. وأسباب وجوبه ثلاثة: الزوجية، والقرابة الخاصة، والمِلْك (٢).
٢ - الحقوق الواجبة بالزوجية: وهي سبعة (٣):
الطعام، والإدام، والكسوة، وآلة التنظيف، ومتاع البيت، والسكنى، وخادم إن كانت الزوجة ممن تخدم. وسأبين في المبحث الأول كل واجب من هذه الواجبات.
٣ - القرابة الموجبة للنفقة:
للمذاهب آراء أربعة تتفاوت فيما بينها ضيقاً واتساعاً في تحديد مدى القرابة الموجبة للنفقة، فأضيقها مذهب المالكية، ثم الشافعية، ثم الحنفية، ثم الحنابلة (٤).
أـ مذهب المالكية: أن النفقة الواجبة هي للأبوين والأبناء مباشرة فحسب دون غيرهم، فتجب النفقة للأب والأم، وللولد ذكراً أو أنثى، ولا تجب للجد والجدة، ولا لولد الولد، لقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ [الإسراء:٢٣/ ١٧]
стр. 7096
وقوله سبحانه: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان:١٥/ ٣١] وقوله ﷺ لمن جاء يشكو أباه الذي يريد أن يجتاح (١) ماله: «أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئاً» (٢).
ودليل وجوب نفقة الولد مادام صغيراً لم يبلغ على أبيه: قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] وقوله ﷺ لهند زوجة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٣). فالنفقة واجبة للوالد والولد فقط.
ب - مذهب الشافعية: أن القرابة التي تستحق بها النفقة قرابة الوالدين وإن علوا، وقرابة الأولاد وإن سفلوا، للآيات والأحاديث السابقة؛ لأن اسم الوالدين يقع على الأجداد والجدات مع الآباء، لقوله تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج:٧٨/ ٢٢] فسمى الله تعالى إبراهيم أباً وهو جد، ولأن الجد كالأب، والجدة كالأم في أحكام الولادة من رد الشهادة وإيجاب النفقة وغيرهما. واسم الولد يقع على ولد الولد، لقوله : ﴿يا بني آدم﴾ [الأعراف:٣١/ ٧].
ولا تجب نفقة من عدا الوالدين والمولودين من الأقارب كالإخوة والأعمام وغيرهما؛ لأن الشرع ورد بإيجاب نفقة الوالدين والمولودين، وأما من سواهم فلا
стр. 7097
يلحق بهم في الولادة وأحكام الولادة، فلم يلحق بهم في وجوب النفقة. فالنفقة واجبة للأصول والفروع فقط.
جـ - مذهب الحنفية: تجب النفقة للقرابة المحرمة للزواج، أي لكل ذي رحم محرم، ولا تجب لقريب غير محرم من الإنسان، لقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، وبذي القربى﴾ [النساء:٣٦/ ٤] وقوله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقه﴾ [الإسراء:٢٦/ ١٧] وما روي عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، من أبرُّ؟ قال: أمَّك، قال: قلت: ثم من؟ قال: أمَّك، قال: «قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: أمَّك، قال: قلت: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب» (١) العبارة الأخيرة دليل على وجوب نفقة الأقارب على الأقارب، سواء أكانوا وارثين أم لا.
لكن قيد الحنفية القرابة بالمحرمية في قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] عملاً بما جاء في قراءة ابن مسعود: (وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك) ولأن صلة القرابة القريبة واجبة دون البعيدة. فالنفقة واجبة للأصول والفروع والحواشي ذوي الأرحام.
د - مذهب الحنابلة: تجب النفقة لكل قريب وارث بالفرض أو التعصيب من الأصول والفروع والحواشي كالإخوة والأعمام وأبنائهم، وكذا من ذوي الأرحام إذا كانوا من عمود النسب كأب الأم. وابن البنت، سواء أكانوا وارثين أم محجوبين. أما من كان من غير عمود النسب كالخالة والعمة، فلا نفقة له على قريبه؛ لأن قرابتهم ضعيفة، وإنما يأخذون المال عند عدم الوارث كسائر المسلمين.
стр. 7098
فهم لم يشترطوا المحرمية كما اشترطها الحنفية، فيستحق ابن العم النفقة على ابن عمه؛ لأنه وارث، ولا يستحقها عند الحنفية؛ لأنه غير محرم.
ودليلهم قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم، فإن لم يكن وارثاً لعدم القرابة، لم تجب عليه النفقة لذلك.
يظهر من هذه المذاهب أن الفقهاء أجمعوا على وجوب النفقة للآباء والأمهات والأولاد والزوجات في حالة العجز والإعسار، وكان المنفق موسراً. فإن كان الأب معسراً والأم موسرة، تؤمر بالإنفاق، وتكون النفقة ديناً على الأب (١).
وقال ابن حزم الظاهري (٢): إن عجز الزوج عن نفقة نفسه، وامرأته غنية، كلفت النفقة عليه، ولا ترجع عليه بشيء مما أنفقته إن أيسر، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضارّ والدة بولدها، ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] قال علي ﵁: الزوجة وارثة، فعليها نفقته بنص القرآن.
٤ - مبدأ كفاية النفقة للقريب والزوجة:
اتفق الفقهاء (٣) على أن نفقة الأقارب والزوجات تجب بقدر الكفاية من الخبز
стр. 7099
والأدم والكسوة والسكن على حسب حال المنفق وبقدر العادة أو عوائد البلاد؛ لأنها وجبت للحاجة، والحاجة تندفع بالكفاية، كنفقة الزوجة، وقد قال النبي ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فقدر نفقتها ونفقة ولدها بالكفاية. فإن احتاج القريب أو الزوجة إلى خادم فعلى المنفق إخدامه؛ لأنه من تمام كفايته.
٥ - شروط وجوب النفقة:
يشترط لوجوب الإنفاق على القريب ثلاثة شروط (١):
أولاً - أن يكون القريب فقيراً لا مال له ولا قدرة له على الكسب لعدم البلوغ أو الكبر أو الجنون أو الزمانة المرضية، ويستثنى الأبوان فتجب لهما النفقة ولو مع القدرة على الكسب بالصحة والقوة. فإن كان القريب موسراً بمال أو كسب يستغني به غير الوالدين، فلا نفقة له؛ لأنها تجب على سبيل المواساة، والموسر مستغن عن المواساة. والراجح عند المالكية أن النفقة للوالدين على الولد لا تجب إذا قدر على الكسب وتركاه.
ثانياً - أن يكون الملزم بالنفقة موسراً مالكاً نفقة فاضلة عن نفسه إما من ماله وإما من كسبه، فيلزم القادر على التكسب أن يعمل للإنفاق على قريبه الفقير. ويستثنى الأب، فنفقة أولاد هـ واجبة عليه ولو كان معسراً. وكذلك الزوج، فنفقة زوجته واجبة عليه ولو كان معسراً. وقال المالكية: لا يجب على الولد المعسر تكسب لينفق على والديه ولو قدر على التكسب.
стр. 7100
ودليل اشتراط هذا الشرط حديث: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وحديث جابر المتقدم: «إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى قرابته» وحديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره: «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي دينار آخر؟ قال:
تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر؟ قال: أنت أبصر به» (١).
ثالثاً - أن يكون المنفق قريباً للمنفق عليه ذا رحم محرم منه، مستحقاً للإرث منه في مذهب الحنفية. أما في رأي الحنابلة فيشترط أن يكون المنفق وارثاً لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢]. وأما عند المالكية فأن يكون أباً أو ابناً، وعند الشافعية أن يكون من الأصول أو الفروع، كما أبنت في بحث المبدأ الثالث. وينفق الأب على ولده مادام يتعلم، ولو بعد البلوغ، كما سيأتي.
شرط اتحاد الدين:
اتفق الفقهاء على وجوب النفقة للزوجة مع اختلاف الدين ما لم تكن ناشزة أو مرتدة، واختلفوا في شرط اتحاد الدين للإنفاق على القريب (٢):
فلم يشترط المالكية والشافعية اتفاق الدين في وجوب النفقة، بل ينفق المسلم على الكافر، والكافر على المسلم، لعموم الأدلة الموجبة للنفقة، وقياساً على نفقة
стр. 7101
الزوجة، ولوجود الموجب وهو البعضية، أي كون القريب بعضاً من قريبه. وللحنابلة روايتان:
إحداهما - تجب النفقة مع اختلاف الدين كالرأي المتقدم.
والثانية وهي المعتمدة - لا تجب النفقة مع اختلاف الدين؛ لأنها مواساة على البر والصلة ولعدم الإرث، وتفارق نفقة الزوجات؛ لأنها عوض يجب مع الإعسار، فلم يمنعها اختلاف الدين كالصداق والأجرة.
ولم يشترط الحنفية اتحاد الدين في نفقة الأصول (وهم الآباء والأجداد وإن علوا) ونفقة الفروع (وهم الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا) ونفقة الزوجة، واشترطوا اتحاد الدين في غير هذه الفئات الثلاث، لعدم أهلية الإرث بين المسلم وغير المسلم.
فعلى الرجل أن ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا كانوا فقراء، وإن خالفوه في دينه، أما الأبوان فلقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ [لقمان:١٥/ ٣١] وليس من المعروف أن يعيش الولد في نعم الله تعالى، ويترك والديه يموتان جوعاً. وأما الأجداد والجدات، فلأنهم من الآباء والأمهات، فيقوم الجد مقام الأب عند عدمه.
ولا تجب النفقة مع اختلاف الدين إلا للزوجة والأبوين والأجداد والجدات، والولد وولد الولد؛ لأن نفقة الزوجة واجبة في مقابل الاحتباس، وأما غيرها من نفقة الأصول والفروع فلثبوت الجزئية بين المنفق والمنفق عليه، وجزء المرء في معنى نفسه. فكما لا تمتنع نفقة نفسه بكفر لا تمتنع نفقة جزئه، إلا أنهم إذا كانوا حربيين لا تجب نفقتهم على المسلم، ولو كانوا مستأمنين؛ لأنا نهينا عن برّ من يقاتلنا في الدين.
стр. 7102
والخلاصة: أن مذهب الحنفية المعتدل أوجب النفقة للأصول والفروع دون غيرهم من الأقرباء بسبب الجزئية وهي لا تختلف باختلاف الدين. ولا تجب لغيرهم مع اختلاف الدين، لعدم وجود الإرث بين الأقارب حينئذ.
حد اليسار والإعسار:
تجب النفقة على الموسر لقريبه، واليسار عند الحنفية على الأرجح المفتى به (١): هو يسار الفطرة: وهو أن يملك ما يحرم عليه به أخذ الزكاة وهو نصاب ولو غير نام، فاضل عن حوائجه الأصلية. ونصاب الزكاة هو عشرون مثقالاً أو ديناراً من الذهب، أو مئتا درهم من الفضة. فمن وجبت عليه الزكاة بملك نصابها وجب عليه الإنفاق على قريبه بشرط أن يكون المال فاضلاً عن نفقته ونفقة عائلته وحوائجه الضرورية.
وأطلق الجمهور (٢) غير الحنفية القول بأنه يجب الإنفاق على القريب بفاضل عن قوته وقوت عياله في يومه وليلته التي تليه، سواء فَضََل ذلك بكسب أم لا. وهذا هو قول محمد بن الحسن واختاره الكمال بن الهمام وغيره من الحنفية، وهو الأولى مراعاة لدخل الموظفين والحرفيين، فمن اكتسب شيئاً في يومه، وأنفق منه ما يحتاجه في يومه، وزاد عنه شيء، وجب أن يدفعه للقريب المعسر.
وأما حد الإعسار أوا لمعسر الذي يستحق النفقة، فقيه رأيان (٣):
الأول - هو الذي يحل له أخذ الصدقة ولاتجب عليه الزكاة.
стр. 7103
والثاني - إنه هو المحتاج. والمعسر في عبارة غير الحنفية: هو الفقير الذي لا مال له، والرأيان متقاربان.
واختلف الحنفية (١) فيمن يملك منزلاً أو له خادم، هل يستحق النفقة على قريبه الموسر على روايتين:
الأولى - إنه لا يستحق النفقة على قريبه الموسر؛ لأن النفقة لا تجب لغير المحتاج، ومثل هؤلاء غير محتاجين؛ لأنه يمكنه بيع بعض المنزل أو كله، ويكتري منزلاً، فيسكن بالكراء، أو يبيع الخادم إذا كان رقيقاً كما كان في الماضي.
والثانية - إنه يستحق؛ لأن بيع المنزل لا يقع إلا نادراً، ولا يمكن لكل أحد السكنى بالكراء أو بالمنزل المشترك. قال الكاساني: وهذا هو الصواب.
العجز عن الكسب والقدرة عليه:
اتفق الفقهاء (٢) على وجوب النفقة لقريب فقير عاجز عن الكسب، والعجز عن الكسب: ألا يستطيع الإنسان اكتساب معيشته بالوسائل المشروعة المعتادة اللائقة به، وله صفات هي:
أن يكون أنثى مطلقاً أو مريضاً زَمِناً (٣)، أو صغيراً، أو مجنوناً أو معتوهاً، أو مصاباً بآفة تحول دون العمل كالعمى والشلل، أو عاطلاً عن العمل فلا يجد عملاً بسب انتشار البطالة.
стр. 7104
فإن كان قادراً على الكسب، فلا نفقة له بالاتفاق؛ لأن القدرة على الكسب غنى، لكن باستثناء الأبوين، فتجب لهما النفقة في رأي الحنفية والشافعية مع القدرة على الكسب؛ لأن الفرع مأمور بمعاشرة أصله بالمعروف، وليس منها تكليفه الكسب مع كبر السن، كما يجب له الإعفاف (تزويج الأب) ويمتنع القصاص منه. والراجح لدى المالكية والحنابلة أن النفقة لا تجب على الولد لوالديه إذا قدرا على الكسب وتركاه.
ويجب في رأي الجمهور على الزوج لزوجته، وعلى الإنسان لقريبه التكسب ليؤدي النفقة الواجبة عليه؛ لأن القدرة على الكسب كالقدرة على المال، إذا وجد عملاً مباحاً يليق به، ولخبر: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (١)، وينبني عليه أنه يحرم عليه الزكاة إذا كان قادراً على الكسب، ولأنه يلزمه إحياء نفسه بالكسب، فكذا يلزمه إحياء بعضه وهو القريب.
وقال المالكية: لا يجب على الولد المعسر تكسب لينفق على والديه، ولو قدر على التكسب. ويجبر الوالدان على الكسب إذا قدرا عليه، على الأرجح.
واستثنى الحنفية والشافعية أيضاً: طلبة العلم الذين لايتفرغون للكسب، فتجب نفقتهم ولو مع القدرة على الكسب؛ لأن طلب العلم فريضة كفائية، والتفرغ له شرط، فلو ألزم طلبة العلم بالاكتساب لتعطلت مصالح الأمة. واستثنى الحنفية الأخرق: وهو الذي لا يحسن الكسب، وهو في الحقيقة ملحق بالعاجز عن العمل.
واستثنى الحنفية كذلك أبناء الكرام الذين يلحقهم العار بالتكسب، أو لا
стр. 7105
يستأجرهم الناس عادة، فهم عاجزون، فتجب نفقتهم ولو مع القدرة على الكسب.
والخلاصة: أن النفقة لا تجب لذي مال إلا للزوجة، ولا للقادر على الكسب الذي يكفيه ما عدا الأب.
٦ - النفقة بسبب الحاجة:
لا تجب النفقة على الغير إلا بسب الحاجة، فمن كان ذا مال فنفقته في ماله، سواء أكان صغيراً أم كبيراً، إلا الزوجة فإن نفقتها تجب على الزوج ولو كانت موسرة؛ لأن نفقتها لم تجب للحاجة، وإنما بسبب احتباسها لحق الزوج.
٧ - استقلال الأب بنفقة أولاده:
لا يشارك الأبَ أحد في الإنفاق على أولاده، كما لا يشاركه أحد في نفقة الزوجة؛ لأنهم جزء منه، وإحياؤهم واجب كإحياء نفسه، ولأن نسبهم لاحق به، فيكون عليه غرم النفقة، ولقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وقوله سبحانه: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق:٦/ ٦٥] وقال النبي ﷺ لهند «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فجعل النفقة على أبيهم دونها (١).
٨ - استقلال الولد بنفقة أبويه:
لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد؛ لأنه أقرب الناس إليهما (٢). فإن تعدد الأولاد الموسرون، وزعت النفقة في رأي المالكية على الراجح بقدر اليسار حيث
стр. 7106
تفاوتوا فيه. وقيل: توزع على حسب الرؤوس فالذكر كالأنثى، وقيل: توزع بحسب قواعد الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: توزع النفقة على قدر الميراث، فلو كان الرجل مريضاً زمناً وله أولاد، فعليهم نفقة أبيهم على قدر ميراثهم، لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ [البقرة:٢٣٣/ ٢] وترتيب الحكم على مشتق وهو اسم الفاعل هنا، يدل علِى أن المشتق منه علة الحكم، فيثبت الحكم بقدر علته (١). ونص الحنابلة على أن الحجب عن الميراث في عمودي النسب لا يسقط النفقة عنه.
٩ - هل الإعفاف أو التزويج من النفقة الواجبة؟ يرى جمهور الفقهاء وفي رواية عند الحنفية (٢): أن الولد يلزمه تزويج أو إعفاف أبيه المعسر ولو كان كافراً معصوماً، وكذا على المشهور عند الشافعية. وعند الحنابلة وبعض الحنفية إعفاف الأجداد من الجهتين جهة الأب وجهة الأم؛ لأنه من وجوه حاجاتهم المهمة كالنفقة والسكنى، ولئلا يعرضهم للزنا المفضي إلى الهلاك، وهو لا يليق بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمعروف المأمور بها، فالزواج مما تدعو الحاجة إليه ويتضرر الأب بفقده، فلزم ابنه تزويجه كالنفقة. والرواية الراجحة عند الحنفية عدم وجوب إعفاف الأب؛ لأنه من الكماليات.
وإذا اجتمع أب وجد أو جدان، ولم يمكن الولد إلا إعفاف أحدهما قدم الأقرب، ويقدم الجد من جهة الأب على الجد من جهة الأم؛ لأن الأول عصبة، والشرع قد اعتبر جهته في التوريث والتعصيب، فيقدم في الإنفاق والاستحقاق.
стр. 7107
ولا يلزم الأب في المذهبين الحنفي والشافعي في تزويج ابنه الفقير. وأوجب الحنابلة على الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجاً إلى إعفافه؛ لأنه تلزمه نفقته، فيلزمه إعفافه عند حاجته إليه، كما يلزم الولد إعفاف أبيه. وكل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته؛ لأنه لايتمكن من الإعفاف إلا بها.
والإعفاف: يكون بإعطاء مهر المثل، ويكون تعيين الزوجة إلى الزوج، ولا يجوز للولد أن يزوج أباه قبيحة ولا عجوزاً؛ لأن الإعفاف لا يحصل بواحدة منهما.
وذكر الحنابلة أن الابن يلزمه إعفاف أمّ بتزويجها كالأب.
نفقة زوجة الأب:
يلزم الابن أيضاً نفقة زوجة أبيه في رأي الحنابلة والشافعية والمالكية وفي رواية عند الحنفية، فكل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته، كما تقدم.
وأما الرواية الأخرى عند الحنفية فلا تجب نفقة زوجة الأب إلا إذا كان الأب مريضاً أو به زمانة (أي مرض مزمن)، قال في الذخيرة: المذهب عدم وجوب نفقة امرأة الأب (١)، وهو المعمول به في مصر.
ولا يلزم الابن عند الحنفية في الرواية الأولى نفقة أكثر من زوجة واحدة للأب، وهو مذهب المالكية والحنابلة إن حصل الإعفاف بها وإلا تعدّت النفقة لمن يعف.
стр. 7108
نفقة زوجة الابن:
المذهب عند الحنفية (١): عدم وجوب النفقة على الأب لزوجة الابن، ولو كان صغيراً أو كبيراً غائباً، إلا إذا ضمنها، ويستدين الأب على ابنه، ثم يرجع عليه إذا أيسر.
وقال الحنابلة والشافعية كما تقدم: كل من لزمه إعفافه، لزمته نفقة زوجته؛ لأنه لا يتمكن من الإعفاف إلا بها.
وأما المالكية فقالوا: إذا كان الزوج معسراً سقطت نفقة الزوجة عنه ما دام معسراً.
١٠ - هل تتوقف النفقة على القضاء؟ قال الحنفية (٢): تجب نفقة الأصول والفروع من غير حاجة إلى قضاء القاضي، إلا أنه إذا كان للصغير مال غائب وأراد الأب أن يرجع عليه، فليس له الرجوع إلا بالقضاء أو بالإشهاد بأن يشهد أنه أنفق ليرجع عليه بعد أن نوى بقلبه، فلو أنفق بغير إذن القاضي وبغير إشهاد فليس له الرجوع قضاء، وله أن يرجع ديانة فيما بينه وبين الله تعالى.
وأما نفقة غير الأصول والفروع، فلا تثبت إلا بالقضاء أو بالتراضي، وسبب التفرقة بين الحالتين: أن نفقة الأصول والفروع تجب باتفاق الفقهاء، فلا تحتاج في وجوبها إلى قضاء القاضي. أما نفقة الأقارب الآخرين، فمختلف في وجوبها بين الفقهاء، فتحتاج إلى ما يقويها وهو قضاء القاضي.
стр. 7109
١١ - سقوط النفقة:
النفقة إما للزوجة وإما للأقارب، فمتى تسقط كل واحدة منها؟
سقوط نفقة الزوجة: تسقط نفقة الزوجة في الحالات التالية (١):
١) - مضي الزمان من غير فرض القاضي أو التراضي: فتسقط عند الحنفية بمضي المدة بعد الوجوب قبل صيرورتها ديناً في الذمة، ولا تسقط بمضي المدة بعد القضاء به، وتصير ديناً. والحالات الأخرى تسقط فيها النفقة بعد صيرورتها ديناً في الذمة. وقال المالكية وباقي المذاهب: لا تسقط النفقة بمضي الزمان، وترجع الزوجة على زوجها بالنفقة المتجمدة، وهذا بخلاف نفقة الأقارب، فإنها تسقط بمضي المدة؛ لأنه إذا مضى زمنها استغني عنها.
٢) - الإبراء من النفقة الماضية: تسقط النفقة الماضية بالإبراء أو الهبة ويكون الإبراء إسقاطاً لدين واجب. ولكن قال الحنفية: لا يصح الإبراء أو الهبة عن النفقة المستقبلة؛ لأن نفقة الزوجة تجب شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمان، فكان الإبراء منها إسقاطاً لواجب قبل الوجوب، وقبل وجود سبب الوجوب أيضاً، وهو حق الاحتباس.
٣) - موت أحد الزوجين: لو مات الرجل قبل إعطاء النفقة، لم يكن للمرأة أن تأخذها من ماله. ولو ماتت المرأة لم يكن لورثتها أن يأخذوا نفقتها. فإن كان
стр. 7110
الزوج أسلفها نفقتها وكسوتها، ثم مات قبل مضي الوقت الذي أسلفها عنه، لم ترجع ورثته عليها بشيء في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذا لو ماتت هي لم يرجع الزوج في تركتها في رأيهما.
٤) - النشوز: هو معصية المرأة لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له عقد الزواج. والنفقة تسقط بنشوز المرأة، ولو بمنع لمس بلا عذر بها، إلحاقاً لمقدمات الوطء بالوطء؛ لأن النفقة هي في مقابلة الاستمتاع، فإذا امتنعت فلا نفقة للناشز. وقال الحنفية: النفقة التي تسقط بالنشوز أو الموت هي النفقة المفروضة، لا المستدانة في الأصح.
فإن وجد عذر لوجود قروح قرب فرجها، أو التهابات حادة، فلا تسقط نفقتها. ومن الأعذار: مرض يضر معه الوطء، وعَبَالة زوج، أي كبر آلته بحيث لا تحتملها الزوجة.
أما خروج المرأة من بيت الزوج بلا إذنه، أو سفرها بلا إذنه، أو إحرامها بالحج بغير إذنه، فهو نشوز، إلا للضرورة أو العذر، كأن يشرف البيت على انهدام، أو تخرج لبيت أبيها لزيارة أو عيادة، فيعد خروجها عذراً، وليس نشوزاً.
وأما سفر المرأة بإذن الزوج: فقد فصل فيه الشافعية فقالوا: إن كان السفر مع الزوج أو لحاجته، فلا تسقط نفقتها به، وإن كان لحاجتها فتسقط في الأظهر.
ولا يعد نشوزاً عرفاً في رأي الشافعية خروج المرأة في غيبة زوجها لزيارة أقاربها أو جيرانها أو عيادتهم أو تعزيتهم، فلا تسقط نفقتها؛ لأن خروجها لا على وجه النشوز.
وكذا قال الحنابلة: لا نفقة لمن سافرت بلا إذن زوج لحاجتها، أو لنزهة،